اقترب فاروق من جثة ابنه بخطوات مرتعشة، يرمق الجثة بنظرات غير مصدقة لما يراه. وقف أمامها تمامًا بعيون مفتوحة لم يستطع أن يغلقها مرة أخرى. مد يده ليلمسها، وما إن وضعها على بطنه الفارغ من أحشائه حتى أغمض عينيه بوجع عميق، وسقطت منه دمعة دون قوة منه.
استمع لصوت صرخات مكتومة، التف فوجد جاسر هو صاحب تلك الصرخات. اقترب منه سريعا ونزع عنه اللاصق الطبي، فخرجت صرخات جاسر المكبوتة. كان الطفل يصرخ بانهيار تام، بكل قوة صوته، حتى إنه بعدما صمت لم يستطع أن يعاود الصراخ مرة أخرى. صوته اختفى. أخرج فاروق نفسًا عميقًا وحمل جاسر على يده وخرج به نحو الخارج. أشار جاسر بعينيه ناحية كريم، فتابع والده: "مش هنسيبه، متخافش."
وضعه في السيارة، ثم أخرج هاتفه، واتصل برقم واثنين وكثيرًا غيرهم. كان يتصرف بغير تعقل لدرجة أنه طلب رقم زوجته وأتى بها لهذا المكان لترى ابنها بهذا الشكل. فقدت ليلي تعلقها تمامًا عندما رأت كريم، عذراً، جثة كريم. سقطت على الأرض وهي تبكي بانهيار. جاءت سيارات الشرطة والإسعاف. الإسعاف أخذت جثة كريم، وجاسر الذي دخل في مرحلة الانهيار العصبي. وبينما وجه إحدى الضباط سؤالاً غبياً لفاروق:
"شاكك في حد معين ممكن يكون ورا العملة دي؟ رد بنبرة جامدة: "لا.. مش شاكك في أي حد.. أنا معنديش أي أعداء ممكن أشك فيهم." قالها بكل جمود، وقد قرر بداخله أن يشفي غليله بنفسه وبيده، فطريق الحق طويل ولن يجدي نفعه، والانتقام باليد سيریحه أكثر. بالتأكيد. أمسك هاتفه وطلب رقم أحد، عندما جاء صوت الإجابة من الآخر قال: "عباس، عايز منك طلب." عباس: "أؤمرني يا فاروق، أنا تحت أمرك." تنهد فاروق بوجع، ثم خرج صوته مختنقًا:
"عايزك تقلبلي الدنيا وتجبلي عصام ومجدي المنصوري.. وفتحي عاجور." كان عباس صديق فاروق، لديه شركة حراسات خاصة ويعلم كيفية الوصول إلى أي شيء يريده وأي شخص. كذلك كان يعلم بأمر الشراكة التي تجمع فاروق مع أولئك الرجال. فهتف بتعجب: "اللي أعرفه إنك مفروض تكون عارف طريقهم أكتر مني." فاروق: "هتعرف توصلهم ولا؟ عباس بعدم فهم لما يجول حوله: "هعرف يا فاروق.. متقلقش."
دخلت ليلي في مرحلة انهيار عصبي حاد ناتج عن فقدانها لابنها، وكذلك جاسر، لكنه دخله أثر رؤيته لما حدث حوله. أدى ما حدث حوله إلى فقدانه حاسة النطق. كانت ملامح وجهه تبين لك شيئاً واحداً.. هو تعرض لصدمة كبيرة لا يمكن أن يتخيلها أحد أو يتحملها. فما بالك بطفل صغير؟ بينما فاروق ضائع ما بين غرفة زوجته وابنه والمشرحة، جاءه اتصال هاتفي من الشركة. تجاهله لخمسة عشر مرة، لكن بعدما تكرر أكثر ضغط على زر الإجابة. فأتاه صوت السكرتير
الخاص به وهو يقول بوجل: "الحقنا يا باشا، الشركة بتضيع." ضيق حاجبيه وهو يسأله: "مش فاهم.. تقصد إيه بأنها بتضيع؟ سكرتيره: "مجدي وعصام باشا وفتحي باشا فضوا الشراكة يا بيه، ودلوقتي بيلموا لوازمهم. ومعنى إنهم فضوا الشراكة إننا بنخسر ولازم نلاقي حل قبل...
لم يستمع فاروق لباقي حديثه. كل ما كان يهمه أنهم الآن في الشركة. توجه لسيارته وقادها نحوهم بأسرع سرعة استطاع أن يحصل عليها. كان طريقه معروفًا ومقصده.. مقر شركته، كي يتخلص هناك من قاتلي ابنه. لكن حالته الهسترية التي كان فيها أدت إلى عدم سيطرته على مقود السيارة، فقام بعمل حادث مروع أدى إلى سقوطه صريع الموت في الحال.
هكذا كانت نهاية عائلة الصاوي. موت فاروق وكريم كانا لهما السبب الأكبر في دخول ليلي في حالة من عدم الوعي. لم تستطع أن تتحمل ظلام العالم أكثر في بُعادهم، فبعد شهرين من فراقهم غادرت الحياة أيضًا ذاهبة لهم، تاركة جاسر يواجه العالم وحيدًا بدونهم. وبقي جاسر مع جدته فوزية، فاقدًا للنطق حتى سن العاشرة، بعينيه ثلاث مشاهد فقط: لحظة تشريح كريم، لحظة دفن والده، لحظة دفن والدته. الشركة سقطت أرضًا وبات اسم الصاوي لا وجود له.
فتحي وعصام ومجدي.. تتسألون عنهم؟ غادروا جميعًا البلاد في لحظة عودة الانقلاب مرة أخرى، خشوا من أن يفتضحوا أو أن يخسروا مالًا، فهاجروا إلى بلاد أخرى. لم يهتم بهم جاسر، فالشر في كل مكان. لم أقصد معني كلمة عدم الاهتمام بالضبط أنه لم يعد يهتم بالسؤال عنهم، فهو علم فيما بعد أنهم دخلوا في عداد الموتى للأسف ولن يستطيع أن ينتقم منهم.
جاسر نظر لمن هم السبب في تفكيك تلك العائلة بسبب خوفهم من شرور الكبراء. أولهم كان نصري، وثانيهم كان الطبيب الذي شرح جسد أخيه، وثالثهم مساعد فتحي وعصام ومجدي.. الذي يعد ذراعهم الأيمن. للغرابة، كان ذو قلب رهيف، ورغم ذلك خاف منهم فسكت عن الحق. وتلك الأطفال المحجوزين في مخزنه، هم أبناء أولئك الثلاثة. عودة إلى أرض الواقع.
رفع تايسون رأسه عن طاولة المكتب بإرهاق. ظهرت دمعة بكاء على وجنته أخفاها سريعًا ومحاها بيده، فهو كان يتذكر تلك الذكريات الآن. تمر عليه كقطار سريع لا يمكن أن يقطع سيره أحد. تنهد بعمق. فتح درج المكتب وأخرج منه صورة تجمعه بعائلته عندما كان صغيرًا. لامس وجه والدته وأبيه بحنين، ثم وجه أخيه بألم. هتف بصوت مختنق بدموعه:
"حاربت عشانك يا كريم، قلبي مات وقدرت أقف قدام وحوش ومسكت حارة وبقيت كبيرها عشانك يا كريم. كل رجالتها بيعملوا اللي عايزه من غير اعتراض. قولت لهم اخطفوا.. خطفوا، ولو قلت لهم اقتلوا.. هيقتلوا، بس ناري مش هتهدأ لو هم اللي قتلوا. أنا اللي لازم أقتل، عشان ناري تهدي وأحس إني رجعت تارك يا كريم. المكان اللي الشر فيه بينتصر على الخير، لازم نسطو فيه. أبونا كان خيري فمات، بس أنا... أنا أساس الشر في دايرة الشر دي! أخفى الصورة
في الدرج وصرخ بعلو صوته: "أم السعد! فجاءت تركض له. قال وهو يستعد ليغادر المكان: "هتأخر النهارده بره البيت، ووعد متطلعيش منه، ولو الحارة اتطربقت على بعضها.. سامعة؟ أومأت بنعم وهي تقول بقلق: "هو في حاجة يا بيه؟ أجابها وهو يتعاداها بسيره: "لأ مفيش، أنا بس ببين لك إنها مينفعش تخرج النهارده أبدًا ولو حصل إيه." وتركها متوجهًا نحو مكان آخر.. نحو مخزن قريته ليقوم بتبريد ناره.
بغرفتها كانت تجلس هي، بيدها كتاب من المفترض أنها تقرأ فيه، لكن عقلها كان مشغولًا بشيء آخر. كان مشغولًا بزوجها عندما طلبت منه أن يتحدث عن نفسه. تنهد طويل وصمت بوجع. علمت أنه يحارب نفسه ومتاهاته. ظنت أنه يسترجع قوة نفسه ثم سيحكي، لكنه لم يستطع. كاد يتحدث ولكنه لم يستطع. مرة فأخرى وأخيراً عندما فشل، نهض واستعد ليغادرها وهو يهتف: "مش لازم تعرفي الماضي، لأنه أحيانًا بيكون نقطة الفصل والبعد بين أي اتنين."
هكذا قال فقط وابتعد، ومنذ أن ابتعد منذ ذلك الحين لم يقترب أكثر. بات يبتعد ويتهرب كأنه يحارب عدوًا قاتلًا، كأنه يهرب من شيء لا يراه أحد سواه. تنهدت بألم عالياً وهي تهمس: "شكلك شايل كتير يا تايسون." بمنزل جعفر وشقيقته علا "الله ياخدها".
كان يجلس يتناول طعام الغداء وهي معه، كل منهم بعالم آخر. هي تنتظر الفرصة لتنفذ مخططها، وهو يفكر بهويدا التي كثرت مقابلات الصدفة بينهم. وبعد كل مقابلة ولقاء كان يغادرها وهو يعلم تمامًا أنه ترك قطعة من قلبه معها. مع آخر لقاء استطاع أن يجزم بأنه لا يستطيع أن يحيا بدونها. فلتقع في ذنوبه ويغوص هو في بحور حبه. لا يوجد بيده سوى أن يفعل ذلك.. أن يتقدم ليتزوجها. لن يستطيع أن يبتعد عنها، وإن رفضته لأجل عمله. حقًا.. حقًا سيتركه لأجل عيونها.
قطع حبل أفكارهم سويًا رنين هاتفه. نظر لاسم المتصل وجده تايسون. قرأت الاسم كذلك علا. ترك جعفر ما بيده وأمسك الهاتف. دخل لغرفته وأغلق الباب خلفه. توجهت هي سريعًا خلفه، وقفت خلف الباب لتتجسس عليه. فوجدته يقول: "يعني النهارده يا باشا؟ .. بنفسك!! أنا فكرت إن الرجالة هما اللي هيخلصوا.. اشمعنا دول اللي هتخلص عليهم بنفسك.. لأ لأ مش هسأل خلاص، أنا جاي على المخزن علطول."
وربطًا بحديثه هذا والسابق الذي دار مع الرجل، استطاعت أن تستنبط أنه يقصد حكاية الأطفال الموجودين في المخزن والمطلوب التخلص عليهم. إذن، تلك فرصتهم. ابتعدت عن الباب قبل أن يفتحه أخيها ويغادر المنزل دون حتى أن تخبرها بشيء. أمسكت هاتفها وأرسلت لرامز رسالة تخبره فيها بما حدث وما سمعته، كذلك تخبره أنها تلك هي فرصتهم للتفريق بين الزوجين. اطمأنت أنه قرأ الرسالة ثم عادت تكمل تناول طعامها وهي تتغنى بسعادة.
فالشر مهما سطع الخير.. سيكون موجودًا. والحقد وإن فاتت مئة سنة.. سيكون مسكونًا في القلوب. لا يمكن أبدًا أن يحيا أحد سعيدًا.. وهناك مئات من المتطفلين. عودة لـ منزل تايسون. كانت مازالت في غرفتها جالسة على فراشها. تنهدت بضيق وهي تستعد لتغادرها قبل أن يوقفها صوت وصول رسالة. فتحتها فوجدت رسالة من رقم غريب محتواها:
"وعد اللي أنا عارفها بتقدس الحق والخير، وبتبعد عن الشر، بتكره الظالم وبتنصر المظلوم، لكن انتي.. انتي مش وعد. أصل غريبة إنك تباتي كل يوم في حضن قاتل وانتي عاملة نفسك مش عارفة.. اممم معندكيش دليل على كلامي؟ روحي النهارده عنوان ".... " مش هيكون بعيد عليكي، دا موجود في نهاية حارة جوزك وهناك هتشوفي القاتل.. سوري قصدي جوزك على حقيقته.. فاعل خير."
قرأت الرسالة عدة مرات بخوف من أن يكون حديثه حقيقيًا. ماذا ستفعل إن كان حقيقيًا! لن تستطيع أن تتحمل. ستبتعد.. ستغادره دون شك. لن تستطيع أن تراه بتلك الصورة البشعة. يا الله، لا تجعلني أراه بذلك الشكل. لا تجعله قاتلًا. كذّب أحاسيسي ومخاوفي، وحقق آمالي بألا يكون قاتلًا. أرجوك يا إلهي. ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. عبارة نعلمها جميعًا منذ أن كنا صغارًا وكل مرة تثبت صحتها بقوة.
ارتدت ملابسها وهبطت للاسفل. كادت تفتح باب المنزل فوجدت أم السعد خلفها تقول: "ممنوع الخروج يا هانم." نظرت لها بتسأل فتابعت الأخرى موضحة: "الباشا محرج عليا طلوعك النهارده يا هانم." كلمة "النهاردة" زودت من شكوكها، لكنها بلا حديث تركت الباب وعادت أدراجها. توجهت إلى الشرفة واستخدمتها.. لتهبط. كل مرة كان يمنعها هو، لكن اليوم هو ليس موجودًا، إذن فخطة الهروب ستنجح. بلا.. شك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!