لا تعلم ما الذي دهاها، لكنها تشعر بالجنون والاختناق لجلوسها بهذا المكان، بعد كل ما سمعته، تحيا مع قاتل وغداً ستصبح زوجته!
لن تسمح بأن يحدث هذا مهما كلفها الأمر. ستهرب هذه المرة، وإن فشلت حتماً ستقتل نفسها، لكن هذه المرة لن تمثل الانتحار، بل ستحقق الأمر فعلاً. بالهربة الماضية كانت متسرعة وحاولت في بداية الليل، لكن الآن الظلام بعد منتصف الليل قد انتصف. السكون كان يعم الحارة، وخاصة المنطقة الملتفة حول منزله. لذا، استعانت بالشجرة لكي تنزل كالمرة السابقة. لمحت من قبل درج "سلّم" قصير موجود بإحدى أنحاء الحديقة، فقررت أن تستعين به لتقفز من فوق السور. حركته ووقفته أمام السور الخلفي للمنزل. صعدت ثماني درجات منه، فرأت العالم من خلف أسوار منزله أخيراً. ابتسمت وهي تشعر كأنها تقارب على نيل الحرية.
كادت تصعد درجة أخرى، لكن بدلاً من أن تضع قدمها على الدرجة، وضعتها في الهواء! فترنح جسدها واختل توازنها، كادت تسقط فتعالى صراخها وهي تفكر بما سيحدث بعد ثوانٍ قليلة. أغمضت عيونها كذلك برعب، لكن.. لم تسقط. أرضاً فقط حال بين جسدها والأرض ساعدين قويين تلقفا جسدها قبل السقوط. عندما اطمأنت أنها لم تسقط، فتحت إحدى عينيها بقلق، فوجدت ما خافت منه. إنها أمامه، هو من يحملها وأنقذها، لم يكن سوى تايسون!
ابتعلت ريقها وهي ترى غابات عينيه تحترق بالغضب، ملامحه جامدة، لكنها تشعر بأعصابه التي يفعل المستحيل ليتحكم بها بدلاً من الفتك بها هي. همست بصوت خاشع: -تايسون أنا... همس: -إش إش. حاولت أن تتحدق، فترك جسدها! فسقطت أرضاً وهي تتأوه بألم وصدمة من فعله. ردد بقسوة: -لما أقول كلمة تتسمع، فاهمة؟ أومأت بنعم بخوف بيّن. هتف هو بسخرية: -إيه فكرتي إني أعطيتلك الأمان لما وافقتي تتجوزيني، فقولتي تجربي تهربي؟
رمقها باستهجان وهي تنهض بألم و... -معلومة كمان لازم تعرفيها عن تايسون. اقترب وتقابلت عيناها بعينيه، الماء مع النار، الجنة مع جهنم، وهو يتابع: -إنه مبيثقش في حد، حتى صوابع إيديه. ولعب بأصابعه أمام عيونها، بحركة رغم أنها عادية، إلا أنها أخافتها! عَلى صوته فجأة مما تسبب بإرعاشها وهو يصرخ: -جعفر! جاء له جعفر ركضاً، فأمره وعيونه عليها: -هات مأذون الحارة. اتسعت عيونها وعيون جعفر ذهولاً، فتابع هو باسمًا باستفزاز:
-علشان هكتب على وعدي دلوقتي. صرخت ببكاء: -أنت وعدتني إنه بكرة! تايسون بلامبالاة: -وإنتي وعدتيني إنك مش هتعملي أي حركات مجنونة ومشاغبة، بس خلفتي وعدك، فمن حقي إني ألغي وعدي كمان يا وعدي. أشار لجعفر بيده أن يذهب وينفذ ما طلبه، فغادر جعفر وبقيت هي في مواجهته. قالت بارتعاش وغضب: -بس أنا مقدرش أتجوزك. رفع إحدى حاجبيه بسخرية: -إيه لعب العيال ده، ما إنت الصبح كنتي موافقة يا وعدي. صرخت أخيراً بانهيار متذكرة
حديث تلك المدعاة بعلا: -كنت موافقة عادي علشان كنت مفكراك إنسان. تايسون بضحك: -أومال أنا إيه؟ كائن فضائي ومعرفش! صرحت أخيراً بكره: -لا.. قاتل قتلة وسفاح. رفع حاجبيه بذهول واضح من حديثها، تغيرت نظراته وتلاعبت السخرية والمرارة على شفتيه و: -ما شاء الله، الواحد يختفي ساعتين يرجع يلاقي نفسه قاتل قتلة! وعد: -أنا مقولتش كده من نفسي.. قاطع حديثهم جعفر يخبرهم بوصول المأذون، فهتف هو بصرامة:
-نأجل كلامنا في الحوار ده لبعد كتب كتابنا يا وعدي. نطقت بدموع حقيقة وقهر: -بس أنا مش عايزة أتجوزك. أحكم قبضة يده حول ساعدها، ناطقاً بقسوة شديدة زلزلت كيانها: -مابقاش يفيد رأيك دلوقتي، هكتب عليكي يعني هكتب عليكِ. نظرت له بانهيار مرددة: -هنتحر. تايسون بلامبالاة: -تعالي نكتب الكتاب دلوقتي، وبعد كتب الكتاب ننتحر أنا وإنتي وناهد وكلنا.
حاول رامز الاتصال بنصري عدة مرات ليخبره بكل ما وصل له، لكن الأخير لم يكن يرد، فلم يجد رامز حلاً سوى الذهاب له، ليخبره بكل جديد وصلوا له. وصل للمنزل وطرق الباب. لحظات وفتحت نشوى له. المنزل لم يكن صامتاً، بل تعالت فيه عدة أصوات، علم أنهم خاصون بأهل وعد. يبدو أن العائلة تجمعت بعد معرفتها بخبر اختفاء وعد. رغم عدم أهمية وجودهم، رغم أنهم لن يفعلوا شيئاً سوى أنهم سيزيدون من انهيار نشوى، إلا أنهم حضروا! هتفت
نشوى وهي تسمح له بالدخول: -اتفضل يارامز يابني. قال بتساؤل: -عمي نصري فين؟ نشوى: -جوه.. عايزة في حاجة؟ نظر لكل العيون التي تطالعه باهتمام، لم يعرف أيقول ما لديه أم يصمت؟ لكن.. راحت نشوى تلح عليه بأن يتحدث، خاصة بعدما رأت في عينيه الحيرة، والحيرة بتلك الأمور تعني أنه يعلم شيئاً، فزاد إلحاحها.. إلحاحاً بلهفة وشوق. نطق أخيراً: -في مكان شاكك إن وعد ممكن تكون فيه، بس شكي ميعديش الـ ثلاثين في المية.
أزهر وجهها فجأة كأن الحياة عادت لها وهي تصرخ بسعادة: -بجد يابني؟ طيب واقف هنا ليه يلا روح هاتـ... تحركت حول نفسها وهي تردد: -لا استنى أنا كمان هاجي معاك، استنى دقيقة واحدة وبس وهتلاقيني جاهزة، لو مستعجل هنزل معاك طول ومش مهم ألبس أنا.. أنا. أمسكها من أكتافها ليفيقها من حالة الهذيان التي أصابتها وهو يصرح بـ: -مش هينفع تروحي معايا يا طنط، المكان لبش هناك وحارة وحوار.
وكلماته لم تهدئها، بل زادت من قلقها وخوفها. كان يستمع نصري لهذا الحديث منذ البداية، فقد خرج عند لحظة نطق رامز بشكه، اقترب منهم مردفاً بجدية يحاول فيها أن يخفي دقات قلبه المتسارعة أثر استماعه لذلك الخبر، خبر قرب واحتمالية وجود ابنته. نصري: -مش هينفع تروحي معانا يا نشوى. نظرت له بدموع مستعطفة، لكنه لم يهتز، فهو لا يضمن بأي حال سيجد وعد، لذا أكمل بنفس الجدية الممزوجة بالصرامة:
-هنروح أنا ورامز ومعانا قوة، وإنتي هتقعدي هنا. نشوى: -يانصري... رفعت يده علامة على "انتهى الكلام". ولأنها تعرف زوجها، صمتت بحزن. كاد يغادر هو ورامز، لكن بعض رجال العائلة أصروا على الذهاب معهم. رفض متعللاً بأنه لا يريد تعبهم، لكن أمام إصرارهم الشديد وافق مغلوباً على أمره. بتمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، خرج صوت المأذون ناطقاً: -بارك الله لكم وبارك عليكم وجمع بينكم في خير.
ابتسم تايسون بثقة عند سماعه لتلك الكلمة، بينما أدمعت عيون وعد بقهر. نطق تايسون أمراً لجعفر: -وصل المأذون لبيته وأكرمه. "أكرمه" بقاموس تايسون لها معنيان لا ثالث لهم. الأول.. يجعله يعشق الفرصة التي قابل تايسون فيها. الثاني.. يندم ندم عمره على فعل ذلك. وعليك أن تفهم معناها من خلال نطق تايسون للكلمة، أو من خلال الموقف الذي يكون داير حوله وقتها. والمأذون كانت من حقه معنى الكلمة الأولى، فيا هناه.
اختفت الجموع وبقيت هي وهو فقط. كانت هي ترتعش خوفاً وضيقاً مما حدث، هو كان مبتسماً بسعادة حقاً لا يعلم مصدرها. غريب ما يحدث له، هو متعجباً من حاله وسعادته الكبيرة تلك، هل فعلاً هو فرحاً باقتران اسمه باسمها! يبدو أن تلك الفتاة تؤثر به بقوة، تترك بقلبه علامات لا يستطيع أن ينكرها، ولأنه قوياً.. لا يحب الكذب حتى على نفسه.
اعترف أنه معجباً بتلك الفتاة وزادت مشاعره، فبقيت بين الإعجاب والحب، انحصرت هناك، ويعلم كما نحن نعلم أنها ستتحول قريباً إلى حب حقيقي. وهو لا يخشى هذا! هو لا يخشى أن يحب، خاصة وأن كانت حبيبته هي وعده. ملكه وزوجته الآن. طال الصمت، فقاطعه صوته: -إيه ياعروسة، مكسوفة ولا إيه؟ رفعت عيونها وتطلعت له بدموع. تذكرت الآن رامز ووعودها له أنها ستكون ملكه، امرأته هو وفقط. الآن خلت بوعدها. أردفت بكل ما يجول بخاطرها:
-مش مصدقة إني بقيت مراتك، مش مصدقة إن اسمي اتكتب على اسم واحد غير رامز، أنا كنت وعداه إني مش هكون لغيره، بسببك خلفت الوعد. بدأت تنهار باكية: -بسببك خلفت الوعد. كان يجلس بجوارها، فالتفتت له وراحت تضربه على صدره بانهيار وضعف مرددة: -إنت السبب.. إنت السبب.
أمسك يديها وثبتها على صدره بيديه الاثنتين، بيده الأخرى أمسك ذقنها بقوة مثبتاً وجهها أمام وجهه، جاعلاً عينيه تقابل عيونها لتحرقها نظراته، وقد تحولت فجأة من الصفاء لـ الغضب الحارق وهو يصيح بتملك واضح:
-الأول.. سيرة رامز دي مكنتش بتفرق معايا لأن مكنش بيربط بينا حاجة، لكن دلوقتي إنتي مراتي مكتوبة على اسمي، شرفك من شرفي، يعني أنا بس اللي يملكك ويملك قلبك، سيرة راجل تاني هتيجي على لسانك هقطعهولك، قلبك هيدق لغيري هوقفهولك عن النبض وعن الحياة خالص.. فاهمة؟ صاحت بانهيار: -مش هتقدر تخليني أحبك وأكرهه. تايسون: -وعدتك هخليكي تنسيه ومتفتكريش غيري أنا وبس، فاديني فرصة أثبتلك كلامي ووعدي بهدوء بدل ما أثبته بالعكس. وعد:
-أنا بكرهك. أجاب بدون شعور: -وأنا بحبك! ومنذ لحظات كان يقول إنه فقط يكن لها بعض الإعجاب، والآن يعترف بدون شعور بالحب. أي مشاعر بالله يكنها هو لها؟ الإعجاب أم الحب.. أم.. الاثنان معاً!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!