تجمد لطفي في مكانه وهو يشاهد هذا المنظر. كانت رؤية صديقه مع كلبه في غرفة حراسه كافية لتجعل دماءه تتجمد في عروقه. لم يعد يقوى على النطق أو الحركة، ولا يدري ما يقول أو يفعل. أحس أنه صار جزءًا من الأرض التي يقف عليها، ولا يقوى على الحركة. كان شبح صديقه أيوب مع كلبه مضرجًا بالدم، مفزعًا لدرجة أنه أخرسه عن الكلام. وفجأة، نطق صوت فتاة صغيرة من خلفه قائلة: "كل هؤلاء قتلتهم أنت، ويجب أن تموت معهم يا لطفي."
استدار لطفي بسرعة إلى خلفه فوجد تلك الفتاة واقفة تنظر إليه في غضب. شعرها الأحمر يغطي كامل وجهها، ولا تظهر منه سوى عين واحدة. كانت تنظر إليه منها بنظرة حادة منتقمة. فتراجع إلى الوراء قليلاً، وأحس بأن جسده قد صدم بجسم آخر. وما إن التفت إليه، إذا به يجد شبح أبيه واقفًا هو الآخر ينظر إليه غاضبًا. فتح لطفي فمه من الصدمة ولم يدري ما يقول. فخاطبه أبوه قائلاً: "لماذا فعلت هذا يا بني؟
لقد شعرت بالبرد وأنا خارج قبري. لقد كان قبري يدفئني، لماذا أخرجتني وأعطيتني للغرباء؟ لم يدري لطفي ما يقول وظل يرتجف وهو ينظر إلى أبيه. كان أبوه ملتفًا بكفن أبيض وينظر إليه في غضب وأسف. فلم يقوى على تحمل هذا كله، فأحس أن دقات قلبه بدأت تنخفض رويدًا رويدًا إلى أن توقفت. فسقط على الأرض مغشيًا عليه. في الصباح، جاء الناس وهم يحملون جثة لطفي إلى منزله. بعدما عثر عليه أحد الأشخاص وهي ملقاة في المقبرة.
فلما رأته زوجته وهي محمّلة، صرخت تبكي من صدمتها وقالت: "ما به لطفي؟ ما الذي حصل له؟ فرد عليها إمام مسجد من خلف الباب وهو يقول: "البقاء لله. لقد مات زوجك بسكتة قلبية. لقد عثر عليه ميتًا في المقبرة. لقد جلبناه هنا يا أختي حتى تلقوا عليه نظرة الوداع. وسآخذه للغسل والدفن. سنخرج بضع وقت ونترككم تودعون الفقيد." ظلت سعاد وأولادها يبكون أمام جثة لطفي. وهم غير مصدقين أن الذي أمامهم هي جثة سندهم في الحياة. وقد رحل فجأة وتركهم.
وبعد لحظات، دخل عليهم إمام مسجد وقال: "أخت سعاد، سنأخذ جثة الفقيد. هل لك من وصية للميت أو عنده أي ديون؟ نهضت سعاد من مكانها وقالت: "أريد أن أعطيكم شيئًا. انتظروني قليلاً." دخلت سعاد إلى غرفة لطفي وأخرجت ملابسه القديمة من الدولاب. ثم صعدت إلى فوق الخزانة ومدت يديها وسحبت صرة. كانت يجمع فيها ملابس أبيه ويخفي المال خفية عنها دون أن تدري ما في داخلها. ثم أخذتها إلى إمام مسجد وقالت:
"هذه بعض ملابس المرحوم ومعها ملابس أبيه. أريد أن أتبرع بها لأحد مساكين صدقة جارية." أخذ إمام المسجد الملابس من يد سعاد. ثم دخل الناس وأخذوا جثة لطفي وذهبوا بها إلى المغسلة. وفي المساء، ذهبوا بها إلى المقبرة وهم يهللون ويكبرون. في الغد، بعد منتصف الليل، ذهب الشاب إلى المقبرة. فوجد هناك أحدهم يحرس المقبرة. من خلال هيئته، عرف الشاب أنه حارس جديد للمقبرة. لأنه قد وصل خبر وفاة لطفي.
وبينما كان الحارس جالسًا يحرس في مكان لطفي، إذا بذلك الشاب يأتي إليه بعد منتصف الليل. ففزع من رؤيته. ولكن الشاب طمأنه قائلاً: "لا تخف، لن أؤذيك. أريدك في مشروع مهم." فأجابه الحارس الجديد وهو يبتلع ريقه بصعوبة: "قل أعوذ برب الفلق. وماذا تريد مني؟ جلس الشاب إلى جانب الحارس وقال: "أريد أن آتي لك كل ليلة وآخذ جثة أموات من المقبرة. ومقابل ذلك، لك مني كل يوم عشرون ألف درهم. ولا أحد يعلم ما بيننا. فما هو رأيك؟
راح الحارس ينظر إليه في خوف. ولكن لما رأى حزمة المال تخرج من جيب الشاب، تغير وجهه وقال: "عشرون ألف درهم للجثة الواحدة! فأجابه الشاب قائلاً: "طبعًا. وإذا أعطيتني جثة حديثة، سأعطيك ضعفين." سال لعاب الحارس لما سمع هذا المبلغ وقال على الفور: "نعم، أعرف شخصًا مات منذ فترة قليلة. إنه لطفي، الحارس السابق للمقبرة." ابتسم الشاب ابتسامة عريضة وراح يسترجع ذكرياته مع لطفي. ثم أدار بوجهه نحو الحارس وقال:
"أحضر أدوات حفر وتعال لنستخرج جثة لطفي." بدأوا في الحفر حتى وصلوا إلى مكان الجثة. لم يجد أي شيء. تفاجأ الشاب وقال: "هل أنت متأكد أيها الحارس أن هذا القبر هو لي لطفي؟ لم يجبه الحارس. وبينما هو يلتفت إلى الوراء، حتى تفاجأ بضربة قوية في رأسه. بمعول الحفر من طرف الحارس الجديد. وقال: "هذا القبر لك أنت. لقد حفرته خصيصًا لك." فقال الشاب: "من أنت؟ أجاب:
"أنا شبح أيوب، صديق جار لطفي. لي أخذت جثته في نفس اليوم للدفن. بما أنك أخذت جثثي، فأنا سأدفنك حيًا حتى تتعذب تحت التراب. ثم لن يسمعك أحد حتى تلقى حتفَك." وهذا ما حدث. فقد مات لطفي والشاب. وبقيت الأموال في يد أشخاص آخرين. أما بالنسبة للملابس، فأخذ إمام المسجد وفعل كما أخبرته سعاد. فقد تصدق بها لسيدة أرملة لديها أولاد أيتام.
كانت تجلس قرب باب المسجد تنتظر بعد كل صلاة أن يتصدق لها المحسنون ببعض الدراهم القليلة لكي تشتري بعض الخبز والحليب لأولادها. فرحت المرأة بتلك الصرة. وعندما بدأت تبحث في الصرة، وجدت مبلغًا من المال. على الأقل سوف يخرجها من الفقر. ففرحت هي وأولادها وشكرت الله على هذه الصدقة وعلى صبرهم. لي صبرت وعانت، مع ذلك لم تنس هي الفقراء أيضًا. فقد تصدقت بالقليل منها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!