الفصل 8 | من 9 فصل

رواية حارس المقبرة الفصل الثامن 8 - بقلم Lehcen Tetouani

المشاهدات
16
كلمة
1,065
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

بعد انقضاء جنازة الحاج أيوب، صديق لطفي، انصرف الناس من المقبرة وتركوا لطفي هناك ليقضي ليلة في حراسة المقبرة. فلم يشأ أن يعود معهم للمنزل، وفضل البقاء هناك. كان الصمت مطبقًا على كل شيء حوله، ولا يكاد يُسمع أي صوت سوى نعيق الغربان وهي ذاهبة إلى أوكارها مع غروب الشمس. أحس لطفي بالوحدة من دون كلبه، وراح يدور بنظره في كل اتجاه لعله يلمحه.

وفجأة، وقع نظره على تلك الفتاة صاحبة الشعر الأحمر واقفة خلف إحدى القبور تراقب بعيونها الكبيرة الغاضبة. فأصيب بخوف شديد ودخل إلى غرفة الحراسة وظل واقفًا هناك ينظر إليها من شق الباب، فإذا بها تأتي صوبه مسرعة، قادمة إليه وهي تحمل معولًا للحفر في يديها. ارتجفت أوصال لطفي لما أبصرها قادمة نحوه بسرعة، فأغلق الباب على نفسه وظل ممسكًا به بقوة، رغم مرضه الشديد، لكنه كان يستند عليه. فبدأت تطرق الباب وتبكي وتصيح قائلة:

"افتح الباب! سأهشم عظامك كما فعلت بي." راح لطفي يرتعد أكثر من خوفه، وكلما ضربت الباب أحس أن جسده لم يعد يقوى على تحمل المرض وسط هذه الأجواء. لكنه كان متمسكًا بالحياة ولا يريد أن يفرط في نفسه. عادت الفتاة تصرخ مرة أخرى وهي تقول: "سأخبر الناس بما كنت تفعله لجثث أمواتهم، وسأحكي لهم كيف كان حارس الأجداد يبيع جثث الناس."

لم يكن لطفي يبالي بما تقول، فكل ما يسعى إليه هو الحفاظ على حياته. وبعد فترة، توقف صوتها وكأنها قد ذهبت وتركتها. ظلم الليل وهو جالس في مكانه ممسكًا بمصباحه اليدوي بالقرب منه، ويفكر في الكلام الذي قالته تلك الفتاة، ويفكر في الحال الذي وصل إليه، وقد شعر بأنه قد صار في قمة وضاعته وانحطاطه. فهذا ما أوصله له الطمع. وبينما هو يفكر، سمع صوت سيارة قادمة من بعيد، فعرف أن الليل قد انتصف وأن ذلك الشاب قد جاء مرة أخرى.

نهض من مكانه وفتح الباب، فإذا به يلمحه قادمًا من بعيد نحوه. إلى أن وصل إليه، فسلم عليه قائلًا: "مرحبًا لطفي، كيف حالك؟ لم يرد عليه لطفي، بل بقي صامتًا يتطلع إليه بجسده الضعيف الذي أرهقه الخوف والمرض. فعرف الشاب ما ينوي أن يقول، فأدخل يديه في جيبه بسرعة وأخرج منه ظرفًا ماليًا كبيرًا وقال:

"نسيت أن أخبرك أن أعضاء المنظمة قد سعدوا كثيرًا بجثة تلك الفتاة ليلة البارحة. وقد خصصوا لك المبلغ الذي كنا سوف نقسمه كاملًا لك وحدك، فها هي." ولما رأى لطفي المال، سعد قليلًا وأمسك الظرف من يد الشاب، وفتحه وراح ينظر إليه وكأنه قد نسي ما حصل معه. ففاجأه سؤال الشاب وهو يقول: "لماذا تركت كلبك وحده واقفًا عند مدخل المقبرة؟ فحين جئت إلى هنا وجدته واقفًا هناك."

ارتعب لطفي لما سمع هذا الكلام وتغيرت ملامح وجهه، وراح ينظر باتجاه مدخل المقبرة، ثم قال: "هل أنت متأكد بأنك قد رأيت كلبي واقفًا هناك؟ فرد عليه الشاب بقوله: "أجل. لقد كان هو، حتى أنه قد عرفني ولم ينبح. فيبدو أن شكلي قد أصبح مألوفًا." أصيب لطفي برجفة في جسده وأحس بأن قلبه يريد أن ينفصل عن صدره، وراح يتساءل في نفسه: ما سبب وجود الكلب هناك رغم أنه قد قتله؟

فهل يعقل أن يكون فعلاً ما زال حيًا، أم أن هذا مجرد شبح الكلب يريد أن يطارده وينتقم منه كما تفعل تلك الفتاة صاحبة الشعر الأحمر؟ لاحظ الشاب انشغال لطفي بتفكير، فخاطبه مرة أخرى بقوله: "دعنا من كل هذا ولنبدأ في العمل. أعضاء المنظمة يريدون جثة أخرى جديدة، فهل تعرف أي شخص مات منذ فترة قليلة؟ فكر لطفي قليلًا وقال: "لا يوجد أحد." ابتسم الشاب في خبث وقال:

"آثار أقدام هنا حديثة تدل على أن هناك كانت جنازة هذا اليوم، إضافة إلى أن أغصان حناء ما تزال خضراء، فلا داعي للإنكار. وأخبرني أين صاحب القبر. فهذه فرصتك حتى تحصل على نفس المبلغ الذي قبضته اليوم." أنزل لطفي رأسه على الأرض وراح يفكر بعمق، ثم قال في نفسه: "سامحني يا صديقي أيوب."

أخذ لطفي ذلك الشاب إلى قبر الحاج أيوب ودله عليه، فبدأ يحفر. ولطفي لا يستطيع أن ينظر إلى القبر، وكان يدير وجهه إلى جهة أخرى، ولا يقوى على النظر إلى جثة صديقه التي تنبش من قبرها، إلى أن وصل إليها وأخرجها، ثم وضعها في كيس كبير. وبعدها أغلق القبر وأخذ الجثة وانصرف.

كان لطفي متأثرًا بهذا المنظر ولا يقوى أن يكبت مشاعر الأسى، فقد أحس فعلاً أن إنسانيته قد ماتت وصار قلبه من صخر. فرجع إلى غرفة الحراسة، وما إن فتح الباب إذا به يجد شبح صديقه أيوب جالسًا في الغرفة ينظر إليه بغضب، وإلى جانبه يجلس كلبه ملطخًا بالدم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...