انتصف الليل ودخل جاسم شقة عاصي، مستنداً على الحائط، وعلى وجهه ابتسامة انتصار. "عاصي." تداركت عاصي صدمتها سريعاً، وأخفت علامات المفاجأة. "أهلاً وسهلاً." "عاصي، عاصي، عاصي. شفتي الدنيا صغيرة إزاي وتقابلنا تاني؟ "آه، دنيا صغيرة، ومش دايماً ليك يوم، ويوووم عليك." دخل جاسم ونظر للشقة. "شقة فخمة بصحيح. ترى جبتي تمنها منين؟ أنا عارف إنك ما كنتيش تملكي حاجة." جلست عاصي، ووضعت قدماً فوق الأخرى.
"مش مهم. المهم إني عايشة بحريتي، ومتذلتش لحد، ولا هتذل. بس ما كنتش أتصور إنك تاخد كل الوقت ده عشان تلقيني." "معاكي حق. المهم إني لقيتك في الآخر، ولا إيه؟ ما كانش فيه داعي لهروبك." "هروب؟ أنا مهربتش. أنا مخفتش منك عشان أهرب." جلس جاسم مقابل لها، ووضع قدماً فوق الأخرى، وتحدث ببرود. "أما تسمي اختفائك إيه؟
"هسميه حنان الأم وخوفها الزائد. معرفش إن كنتي تعرفي عن الحنان والخوف ده ولا لأ. بس أنا سافرت عشان أمي، اللي طلبت مني كده. لو كان لها عمر، ما كنتش هسافر. وساعتها بس كنت عرفت قيمتك." ظهرت ملامح الغضب على جاسم بسبب كلامها. "هو انت زعلان؟ لا لا، ماليش حق. دي أول زيارة ليك في بيتي، وتزعل مني؟ وقف جاسم غاضباً. "إنتي زودتي الموضوع. أنا مش هفضل ساكت كده. على رأي المثل: إنما للصبر حدود."
وقفت عاصي، وعلى وجهها علامات الاستفزاز، واقتربت منه، ونظرت له بحدة، وتحدثت كفحيح الأفاعي. "والله؟
طيب، نفترض إن صبرك خلص، وريني هتعمل إيه. أنا ولا حاجة يا جاسم. أنا إنسان مغرور، متكبر، وللأسف غني، فاكر إن كل حاجة هتقدر تشتريها بفلوسك. بس للأسف، إنت غلط. لا، الفلوس مش كل حاجة. فيه حاجات لا تقدر بثمن، زي إنسان يحبك بإخلاص، بيحبك عشان نفسك، مش عشان الفلوس، ولا عشان هو حاجة جديدة وعاوز يجربها. الحب أكبر من كده وأجمل مما تتصور. أنا في الفترة اللي صدقتك فيها، لمست فيك حتة صغيرة كده محدش قدر يشوفها غيري. يمكن إنت بنفسك
مشفتهاش، ويمكن تكون شايفها بس صرفت عنها نظرك. حتة بيضا صووغيرة أوووي أوووي. نصيحة مني، كبرها وخليها تطغي على الأسوأ اللي فيك. الحتة دي لو اهتمت بيها، هتعرف تعيش سعيد، ويمكن تلاقي اللي يحبك بجد، وتكون أول حاجة في حياتها. بس لو فضلت كده، بجد مش هتلاقي اللي يسندك لما تعجز. لا هتلاقي اللي يمشي على قبرك، ولا حد هيفتكرك أصلاً. فنصيحة مني، من واحدة شايفة إن فيه أمل إنك تتغير وتكون إنسان أحسن من كده بمليون مرة. خلي بالك من
الحتة الصغيرة دي. اهتم بيها."
وقف جاسم مصدوماً، لأنها جعلت عاريه أمام نفسه. كيف عرفت بتلك المعلومات عنه؟ فكلهم دائماً يرونه سيئاً جداً. "اتفضل عشان أنام. الليل دخل." خرج جاسم بدون ما يصدر حرفاً واحداً. هو لا يقدر على نطق أي كلام، فخرج سريعاً ليهرب من نظراتها التي تشعره بالعرى. ركب جاسم الأسانسير، وهو ما زال مصدوماً، ليضرب بيده على باب الأسانسير بغضب. "علي، علي، غبي! إنت إزاي تسمحلها تتكلم كده؟ إزاي تخليها تفكرك بالماضي؟ إنت مش ضعيف، إنت قوي!
أنا مردتش عليها ووريتها قيمتها إززززاي؟ فتح باب الأسانسير، ليخرج جاسم مسرعاً بوجه غاضب مخيف، فقد برزت جميع عروقه من الغضب. ركب السيارة وذهب مسرعاً إلى أي مكان يفرغ فيه غضبه. عودة إلى عاصي، نجدها جالسة تتحدث مع أمها، وتبلغها بمجيء جاسم إلى شقتها. "شو؟ إزاي عرف طريقك؟ "كويس إنه عرف. أنا أصلاً ما كنتش عاوزة أعيش في الضلمة كده كتير." "وإنتي شو سويتي؟ كيف تقبلي الأمر؟ "استقبلته بالبوس والاحضان." "شو؟
"استقبلته عادي يا ماما. أنا في الأول اتفاجئت، بس تقبلت الأمر بسرعة، ووضحتله إني مهربتش عشان خايفة منه زي ما هو فاكر، ولا حاجة." "ليش هيك سويتي؟ هيك هيعاند أكتر وهيتمسك بيكي زيادة." "بس تصدقي لو قولتك للحظة إني حسيت إنه إنسان كويس وممكن يتغير، بس محتاج اللي يساعده مش أكتر." "بنتي، خلي بالك من نفسك عشان خاطري، وبلاش العصبية بتاعتك دي. أنا هاجر بكرة على أول طيارة وأكون عندك." "بجد؟ دي أحسن حاجة سمعتها." "تصبحى على خير."
"تلاقي الخير يا ست الكل." أغلقت عاصي الهاتف، ثم فكرت قليلاً في حياتها والتغيرات اللي مرت بيها، ومشاعرها تجاه جاسم. هل هي صحيحة أم مجرد أحاسيس وستنتهي؟ ثم نامت وهي مفوضة أمرها لله، عالم الغيب. "يا رب، أنا معرفش إيه الصح وإيه الغلط. يا رب اختاري إنت يا عالم الغيب." ثم أغلقت النور ونامت. *** عند جاسم في جناحه، يجلس على السرير ينظر للسقف يفكر. ماذا سيكون رد عاصي؟ هل ستقبل أم سترفض كما هو متوقع؟
جاسم يأخذ نفساً عميقاً ثم يخرجه دفعة واحدة. "أنا مش لازم أسبق الأحداث. وبعدين تفكيري ده غلط. أنا واثق إن ربنا عند ظن عبده. عشان كده أنا حاسس إنها هتوافق. مش لازم أستعجل الأمور." ينهض جاسم ويتجه إلى الحمام ليتوضأ ويصلي ركعتين لله من أجل أن يوفقه، وبعدين إلى الصواب. جلب جاسم المصلى ويصلي، ثم أنهى الصلاة ودعا الله.
"يا رب، أنا عارف إني مش زي ما إنت حاببني أكون. إنت أنعمت عليّ بنعم كتير، وميزتني عن كتير من عبادك، وأنا بغلط كتير وإنت دايماً بتسترني. يا رب اهدني وردني إليك رداً جميلاً، وارزقني توبة لا ارتداد بعدها أبداً. أنا يا رب بحبك، وإنت عالم وعارف. أنا عمري ما شربت أي حاجة حرام، ولا عمري دخلت قرش حرام، وإنت شاهد وعالم. أنا طالب المغفرة وتثبتني على الطريق الصحيح. اللهم إني نويت التوبة، فاكتبها لي، واهدِ شمس وتستقبل فكرة الحجاب
والبس الواسع. أنا نصحتها كتير، بس مكنتش بضغط عليها. فيا رب ساعدني في هديتها. ويااااارب لو كتابي إن عاصي تكون مراتي، فيا رب اجعلها خير زوجة، وتقبل نصيحتي في ارتداء الحجاب. أنا يا رب مش عاوز أكون ديوث عشان حرام، وعلشان متكونش زعلان مني. يااارب ساعدني وخليك قريب مني ومنهم يااارب العالمين."
ذهب جاسم للنوم بعد إنهاء دعائه، وموال أثر البكاء على وجهه موجودة. وما أجمل الخشوع والبكاء في حديثك مع الله عز وجل. *** في الفجر، اليوم التالي. يستيقظ جاسم وهو يشعر بالتغير والراحة في نفسه بعد حديثه مع ربه ومنتجاته وحمده، بعد أن أفاق من تلك الغفلة. يذهب إلى الحمام ليتوضأ ويصلي الفجر حاضراً، ثم يصلي ويجلس على المصلى بعد الانتهاء من الصلاة. يتذكر كيف قرر التوبة. فلاش باك.
كان جاسم يركب سيارته، ثم تظهر فتاة فجأة أمامه، مرتدية ملابس طويلة جداً، لا يظهر من جسدها شيء، حتى وجهها. ليخرج لها بغضب من ظهورها المفاجئ. "إنتي يا غبية! يا عمية! مش تقلعي الزفت ده عشان تعرفي تشوفي؟ الفتاة ترفع عينيها لثوانٍ لترى ملامحه، ثم تخفض بصرها مرة أخرى بسرعة. "أنا آسفة على إزعاجك، ولكن مش أنا اللي عمياء ومش بشوف. ده إنت عشان كنت هتموت روح بكل بساطة." "نعم؟ هموت روح؟ ليه؟
أنا اللي ظهرت فجأة من العدم قدام عربيتك؟ "لا، بس كنت هدوء القطة دي." ينظر جاسم للقطة التي تمسكه. "إنت عربيتك عالية لفوق، مش هتشوف اللي على الأرض. فكنت هتموتها من غير ما تشوف، وكنت هتكمل طريقك عادي. أنا اضطريت إني أظهر قدامك عشان توقف." "طيب، افرض كنت موقفتش في الوقت المناسب؟ الفتاة ترفع يديها ببساطة. "بصراحة، مفكرتش." "حلو أوي. عشان مش عاجبك روح واحدة، قولتي أزود وأخليهم روحين؟ "خلاص يا عم، مانا زي الفل." "يا عم!
طيب، أنا ممكن أسألك سؤال؟ "آه، اتفضل." "إنتي مبتبصليش ليه وإنتي بتكلميني؟ وليه لابسة كده؟ حتى الدنيا حر والشمس سخنة." الفتاة بهزار: "كل ده سؤالين بس؟ هجاوبك عليهم: أولاً، مش بصلك ليه؟
عشان أغض البصر. أما اللي عشان، هو ده الصح والمفروض. عشان أنا مش حمل لفحة واحدة من لفحات جهنم، ولا أقدر على غضب ربنا. أنا واحدة ضعيفة، مقدرش على العذاب. وبحب ربي ونفسي أرضيه بأي حاجة. أي إنسان بيحب حد، بيكون نفسه يرضيه عشان يحبه هو كمان. ولا إيه يا كابتن؟ قاسم يستمع إليها بهدوء وخجل من نفسه ومن حياته اللي هو عايشها. "بعد إذنك، اتأخرت على الدرس." "درس إيه؟ "درس الدين، عشان أقوي إيماني بالله وأتقرب منه."
"وده بتاخديه فين؟ تشير الفتاة بيدها على الجامع البعيد فيلا عن الطريق. "باخده في الجامع ده." "طيب... طيب، هو أنا ينفع أحضر الدرس ده؟ "أكيد، بس لو حابب إنك تقرب من ربنا، يبقى لازم تنوي النية. وكمان، أنا ممكن أنا أديك رقم شيخ، هو هيقولك على كل حاجة وهيفهمك بكل بساطة." "ياريت! "٠١١... ده رقمه. اتصل عليه وقل له إنك عاوز تتقرب من الله، وهو هيتكفل بالباقي." تذهب الفتاة إلى الجامع. ينظر
قاسم لأثرها ويحدث نفسه: هل يعقل وترتدي أخته مثل تلك الملابس؟ ثم يركب سيارته ويتصل على الرقم، ليجيبه رجل يبدو على صوته الكبر. "السلام عليكم، من معي؟ "وعليكم السلام. أنا شخص أريد التقرب من الله." "حسناً يا بني، ما اسمك؟ "أنا اسمي قاسم." "حسناً يا قاسم، هل تستطيع أن تأتي إلى هذا العنوان لنتحدث سوياً؟ "نعم، متى آتي؟ "في أي وقت تريد." "هل أستطيع المجيء الآن؟ "نعم، سوف انتظرك."
ويذهب قاسم للعنوان، ويقابله شاب في نفس سنه ليدله على الشيخ. "أهلاً أهلاً بك يا بني، هل أنت من حدثتني على الهاتف؟ "إيه، أنا هو." "تفضل بالجلوس." يجلس قاسم ويتحدث معه الشيخ في أساسيات الإسلام التي يجب أن يعرفها كل مسلم. "أنا الحاجات دي بعرفها. أنا عاوز أعرف اللي إنت... أي عالم دين بتعرفوه." "أنا معرفتش المعلومات دي في يوم وليلة. أنا بقالي خمسين سنة بدرس الدين. بدرس ومن وأنا عندي عشر سنين." "بجد؟ "أيوه بجد."
"طيب، ممكن أتكلم معاك بصراحة؟ أنا ارتحتلك جداً، رغم إني مش بثق في حد بسهولة." "اتفضل، أنا سامعك." "هو أنا بصراحة بصلي، بس مش منتظم في صلاتي. ساعات كده بتسيبني فروض، بس والله بصليهم قضاء." ثم يكمل كلامه بخجل. "وعندي أخت، يعني بصراحة بتلبس على الموضة. أنا نصحته كذا مرة، بس هي مسمعتش كلامي. وساعات فيه ناس ساعات بتأذيني، فبطر أذيهم أنا كمان." "أولاً، إنت وسخت إيدك بدم حد؟ "لا لا، أبداً. عمري ما قتلت حد."
"طيب، الحمد لله ربنا نجاك من إثم كبير. إنت عارف إن من قتل نفساً كأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحيا نفساً منا أحيا الناس جميعاً." "ياه! للدرجة دي القتل ذنب كبير؟ "طبعاً. طيب، سؤال كمان، إنت زنيت قبل كده؟ "لارا. أنا عارف إن الزنا حرام، ولا عمري شربت خمرة، ولا لعبت قمار، ولا أي حاجة من دي." يتنهد الشيخ تنهيدة راحة. "طيب، الحمد لله اللي نجاك من الشر." بدأ الشيخ في شرح الدين بطريقة سهلة وسلسة لما يقارب الأربع ساعات.
"كفاية عليك كده النهارده. شوف نفسك هتفضى امتى، وابقى تعالى عشان أكملك." "أنا فاضي في أي وقت." يخرج قاسم وهو يشعر براحة كبيرة، ثم اتصل بالمدير المالي ليخرج عشرة في المئة من أرباح شركاته ومصانعه للفقراء والمساكين وابن السبيل، وطلب منه أن يجهز مائة عريس وعروسة، ويتزوجها حتى يمنع الزنا بقدر المستطاع. ثم يفيق قاسم من تفكيره، ليجد أن الشمس قد سطعت وملأت الأرجاء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!