التفت الرائد أحمد باتجاه صوت إطلاق النار، وذلك الصوت الأنوثي الذي صرخ باسم أحدهم. فسحب من سيارته بسرعة المصباح اليدوي وأخذ سلاحه. ثم أضاء المصباح حوله. فسمع صوت أنين قوي فسار باتجاهه. وجد شيئاً أسود على الأرض وينتفض. فظن أنه فخ للإيقاع به. فابتعد قليلاً وقال بصوت عالٍ: "مين؟! فرفعت وجهها عن الرمال وقالت: "قتله.. قتله." فاقترب بحرص وقال: "قتل مين؟! .. وبعدين بنت زيك بتعمل إيه في مكان... " فتمعن
النظر بها وقال بصدمة: "إنتِ ميساء! ثم جثى على ركبتيه وساعدها على النهوض قائلاً: "أبوكي قالب الدنيا عليكي بقاله شهرين! وحاول سحبها باتجاه السيارة. فوقفت مكانها وقائلة: "م.. مش همشي لازم أرجع له." كاد أن يتكلم ولكن سمع أحدهم يقول من على بعد: "ميساء.. مش هتعرفي تهربي مني.. دي صحرا يعني لو فلتي مني مش هتفلتّي من الديابة." فأطفأ أحمد مصباحه ونزل على ركبتيه وسحب ميساء على الأرض قائلاً بخفوت: "مين ده؟ فكتمت شهقاتها.
فقال أحمد: "انطقي يا ميساء أنا رائد في الداخلية هساعدك.. انطقي مين ده." فهزت رأسها بالنفي. فتنّهد أحمد بيأس وقرر أن يتصرف هو بمعرفته. فزحف على الأرض وترك ميساء. وظل على بعد ليس بالهين حتى رأى أحدهم يقترب وفي يده صباح صغير. فاخفض رأسه قليلاً عند ميساء. ظلت تبكي بصوت مسموع حتى اقترب عمها ووقف خلفها قائلاً: "زعلانة على حبيب القلب مش كده؟!
وهنا أتت طلقة أحمد في قدم عمها فسقط على الأرض صارخاً بألم. وظهر أحمد خلفه وأخرج كلبشته قائلاً: "مطلوب القبض عليك بتهمة خطف بنت أخوك ميساء عماد الدين." ثم أخرج من جيبه الهاتف اللاسلكي وقال: "محتاج قوات الأمن على طريق مصر اسكندريه الصحراوي.. وسيارة إسعاف ضروري.. في أقصى سرعة." ثم وضعه مجدداً في جيبه وسحب عمها إلى السيارة وهو يصرخ بألم. بينما ميساء كانت في عالم آخر. حتى أتى أحمد إليها وساعدها على الوقوف.
ولكنها قالت بصوت مبحوح: "أنا مش هسسسيييبه.. يوسف مش هسيبه." فربت أحمد على كتفها وقال: "اهدي يا آنسة ميساء ربع ساعة وقوات الأمن والإسعاف هتكون هنا.. لكن إني أخاطر بنفسي وبيكي وندخل جوا استحالة." فقالت بتعلثم: "ي.. يعني إنت هتساعده صح؟! فهز رأسه بتفهم وقال: "يلا بينا بس عشان الديابة متجيش أو أي حيوان مفترس." فتمسكت في ذراعه بقوة. فتعجب أحمد من ردة فعلها.
حتى قالت بحرج: "إن.. أنا اتعميت.. آسفة والله بس فعلاً اتعميت ومش شايفة أي حاجة." فتنهد أحمد وقال بحرج: "ولا يهمك يا آنسة ولا يهمك." ثم سار بها إلى سيارته حيث ألقى بعمها في الحقيبة دون أية رحمة. وبالفعل لم يمر كثيراً من الوقت حتى أتت سيارة الشرطة ومعاها قوات الأمن وسيارة الإسعاف. فخرج أحمد من سيارته وارتدى زي الداخلية
وقال إلى أحد الرجال بقوة: "خد البتاع اللي في شنطة العربية وحوّله على التحقيق من غير ما تعالج جرحه.. وبعدين اتصل بعماد الدين باشا عرفه إن بنته في الحفظ والصون ولاقيناها." فقال الآخر برسمية: "أي أوامر سعادتك؟! فربت أحمد على كتف الآخر وقال: "لأ روح نفذ اللي قلتلك عليه وابعتلي عبد الحفيظ عشان هنفتش المنطقة كلها." *** عند هيثم في المشفي.
تأفأف أيهم بضيق ونهض قائلاً: "إحنا من الصبح هنا وهو لا فاق ولا اتنيل. دا ما صدق إنه ينام ولا إيه." فنهض مهند وهو يمدد جسده لأعلى قائلاً: "يا عم إنت وراك حاجة مهمة يعني.. وبعدين ماهي روز عنده جوا أهي لو صحي هتعرفنا." فابتسم قاسم ونهض ليقول: "عنده حق يا.. يا.. يااا.. اا.."
هنا ساد صمت غريب في المشفي. وظل قاسم يتعلثم وهو ينظر أمامه. بينما كان مهند وأيهم أمامه وينظرون إليه بتعجب. ولكن صوت تلك الخطوات المنتظمة وكأنها إيقاع موسيقي وهي تقترب منهم جعلهم في شك من أمرهم. فاستدار مهند ببطء حتى وقعت عيناه على الديب وهو يسير في رواق المشفي بكل هيبة ووقار. مما جعل المشفي بأكملها في هدوء المقابر ليلاً. التفت أيهم أيضاً فلمح شبح ابتسامة على ثغره ناهيك عن الثقة الجبارة في تقدمه إليهم.
نظارته الشمسية فوق رأسه. فجذبها بقوة ووضعها في جيبه ووقف أمامهم. ومازال قاسم يقول: "يااا.. يااا.." فنظر إليه أمجد قائلاً: "ماله؟! فابتسم مهند وقال بريبة: "لأ دا دا تعبان معلش لأ على المريض حرج." فنظر أمجد إليه بتفهم. ثم تغيرت نبرة صوته إلى الجدية وقال: "لسه مفاقش؟! فهز أيهم رأسه بالنفي. فابتسم أمجد ورفع أكمامه وقال بنبرة قاتلة: "نفوقه إحنا."
وبدون تردد اقتحم الغرفة. مما أثار فزع روز وانتفضت من مكانها جاحظة الأعين وهي ترى الديب أمامها. فنظر أمجد إليه بطرف عينه. ثم تقدم إلى تلك المزهرية ورفع الزهور منها. ثم سكب ما فيها من ماء على وجه هيثم الذي انتفض هو الآخر بفزع. وأخذ يسعل بقوة حتى استرجع أنفاسه واتضحت الرؤية أمامه. فجلس أمجد على حافة فراش هيثم وابتسم بطريقة غريبة وقال: "ولد ولا بنت؟! فابتلع هيثم ريقه بتوتر وقال: "إيه؟! فتح أمجد عيناه بتعجب وقال: "الآه!
مش كنت بتفوق من بنج الولادة! .. أصل مش رصاصة اللي تستاهل كدا النوم دا." فابتسم هيثم بتوتر. فصرخت روز بأمجد: "إنت بتعمل إيه هناا عاوز تاخد دا كمان مني؟! فعكف أمجد حاجبيه وقال لهيثم: "هما مشغلين التكيف ولا إيه؟! أصل سمعت زنة غريبة كدا." فأحمر وجه روز من شدة سخطها وغضبها. ثم سارت ببطء وحملت المزهرية في يدها عزمت على ضرب أمجد بها. ولكن في لمح البصر خطف المزهرية من يدها وضربها في الحائط. وأخذ ذراعها ولفها خلف ظهرها.
فنهض هيثم بسرعة ودلف أيهم وقاسم ومهند على صوت ذلك التحطم القوي. سار هيثم بقدر ما يمكن من السرعة ومسك أمجد قائلاً: "أنا بعتذرلك يا أمجد عنها بس ارجوك سيبها.. هي اللي جابتني هنا من غيرها كان زماني ميت." فنظرت أمجد إليه بشرر وقال بقوة: "تتعلم مترفعش إيدها على أسيادها." ثم تركها بعنف. فبكت وتمسكت بهيثم وقالت: "إنت تعرفه منين.. دا قاتل.. قتل جوزي يا هيثم." فتنهد أمجد وجلس
على الأريكة الجلدية وقال: "مش أنا اللي قتلته دا لويس ألكساندر." فقال الجميع بصدمة عدا روز: "لويسس! فمسحت دموعها بروي وقالت: "لويس مين دا؟ فقال هيثم: "زعيم مافيا روسية.. له عداوة قديمة معانا كلنا." فابتعدت روز عن هيثم وقالت بتعجب: "وهو ماله بيك.. إنت إيه علاقتك بالمافيا يا هيثم." فأنزل رأسه في الأرض. فنظرت إلى مهند الذي نظر حوله بتصنع وقال: "ياآه سقف أول مرة أشوف سقف!
فتقدم هيثم ومسك كف يدها قائلاً بترجّي: "ممكن تسمعيني للآخر يا روز." فنظرت في عينيه لتستشف منه الصدق. فابتسم بامتنان قائلاً: "بصي يا ستي بالمختصر كدا." *** عند ميساء. كانت تجلس في غرفة الرائد أحمد وتشرب عصير الليمون بتوتر. حتى فتح الباب وسمعت صوته الدافئ وهو يقول بلهفة: "ميساء بنتي." فوقع الكأس منها ونظرت باتجاه الصوت بلهفة وقالت بصوت باكي: "بابا!
فركض والدها واحتضنها بقوة وأخذ يقبل كل إنش في وجهها قائلاً: "عرفت الحقيقة كلها سامحيني يا ميساء.. أنا سبتك مع شوية وحوش." فاحتضنته ميساء بقوة وقالت بصوت متحشرج: "مش مهم يا بابا المهم إنك معايا ومش هتسبني." فأبعده عنه واحتضن وجهها بين كفوفه وقال: "أنا طلقتها وأخدت كل الفلوس اللي باسمها في البنك.. أما أخويا.. أخويا اللي من لحمي ومن دمي اللي أمنتُه على شرفي وعرضي.. مش عارف أقول عليه إيه؟!
ثم مسح على جفونها وقال: "هرجعلك نور عينك تاني بإذن الله من بكرة هتسافري ألمانيا تتعالجي هناك." فمسكت ميساء كفوف والدها وقالت: "يوسف يا بابا يوسف هو اللي أنقذني وهربني من إيد عمي.. بس هو.. هو مات! انضرب بالرصاص عشاني يا بابا." فضمها والدها إليه وقبل رأسها قائلاً: "متزعليش يا ميساء دا قدره يابنتي قدره.. المهم دلوقتي تعالي نرجع بيتنا.. عشان ت تاح وباقي إجراءات المحضر المحامي بتاعي هيتولى أمرها بنفسه."
فهزت رأسها بالموافقة. وسارت بحرص من زجاج الكأس الذي وقع. حتى خرجت من القسم وهي واضعة يدها في جيبها وممسكة بقلادة يوسف بقوة. *** عند هيثم. جلست روز بصدمة قائلة: "يعني إنت هربان من أخوك وكمان الصغير! طب مانت إزاي شغال مع المافيا ومش قادر عليه! فابتسم هيثم بألم وقال: "مش قادر عليه؟! دا أنا بإشارة واحدة هقضي عليه.. بس دا أخويا يا روز عارفة يعني إيه أخويا؟! فصرخت به وقالت: "ماهووو أخوك دا كان هيقتلك الصبح."
فوضع عيناه في الأرض. بينما قال قاسم: "هيثم مش لوحده دا تحت إيده مملكة كاملة يعني لو رفع قرار بقتل أخوه هيتقتل في ساعتها." فنظر أمجد إليه بملل. فقالت روز: "إنت تعرف بالرغم من إن جوزي متقتلش بسببك.. بس بردو بكرهك." فقلب أمجد عيناه بملل وقال: "ومين بيحبني يعني.. جيبي حاجة جديدة نبي." فنظرت إليه بشرر وقالت بهمس: "بارد." ثم نهض أمجد وقال: "أخوك لو مبطلش يا هيثم أنا اللي هقتله بنفسي."
فنظر هيثم إليه بصدمة. ثم تنهد وهز رأسه بالموافقة. ثم نظر أمجد إليهم وقال وهو يشير إلى مهند وقاسم وأيهم: "إنت وانت وانت.. تجوا ورايا دلوقت." ثم خرج أمجد وخلفه قاسم وأيهم ومهند. فسار هيثم إلى الفراش وجلس عليه ومدد قدميه أمامه. ثم جذب الغطاء عليه ونظر إلى روز بصمت. فتنهدت هي وجلست بجواره على الفراش وقالت: "إنت حياتك صعبة لي كدا." فضحك هيثم وقال: "كلنا حياتنا صعبة بس بدرجات مختلفة."
فنظرت روز إلى جرحه وقالت: "عندك حق." ثم وضعت يدها على الشاش وقالت: "بس إنت قمت إزاي من مكانك وإنت كدا." فضحك بصخب وقال: "البنج لسا مفعوله مراحش عشان كدا مش حاسس بحاجة." فأرجعت خصلاتها للخلف وقالت بخجل: "طيب إنت مش فاكر حاجة من الصبح." فعكف حاجبيه بتعجب: "حاجة زي إيه؟! فتغيرت ملامحها في ثانية وقالت: "قبل ما يغمى عليك." فابتسم هيثم بحب وقال: "آه لم رفعت إيدي وحطيتها على خدك وقولتلك بحبك! فهزت رأسها بنعم.
فهز رأسه بالنفي وقال: "لأ والله مش فاكر." فاحتقن صدغيها بالحمرة وضربته على صدره بخجل. فضحك بقوة على هيئتها تلك. *** في الصباح في دولة الكويت. خرج كامل وفي يده حزمة من الأموال. ثم دلف مكتب منصور أثناء صلاته ووضع تلك الأموال في حقيبته الصغيرة. وخرج مسرعاً. بينما أنهى منصور صلاته واتصل بندي التي أجابته على الفور بسعادة قائلة: "قبببللل ما تقول حااجه أنا كلمت الراجل بتاع الشقة ووافق على 250 ألف بسس." فجحظت
عينا منصور وقال بصدمة: "بتتكلمي بجد؟! فضحكت بقوة وقالت: "بجد ياخويا بجددد.. و85 متر كمان وفي بلكونة في المطبخ عشان التهوية.. وعلى فكرة المنطقة مش وحشة خالص الشارع بتاعها مييت أصلاً وعلى أوله جامع عشان تبقي تنزل تصلي." فضحك منصور بقوة وشكر ربه وقال: "الحمدلله ياارب الحمدلله.. ربنا واقف جنبنا يا ندي.. وعالم إحنا بنتعب قد إيه عشان نكون في الحلال مع بعض."
فابتسمت ندي وقالت: "ربنا يكملنا على خير يا منصور.. يلا يلا روح عشان أبو بدر ميزعلش إنت لسا مترقي يااض." فضحك بقوة وقال: "ماشي يا أم لساني ماشي." ثم أغلق المكالمة معها ودلف إلى البنك فوجده في حالة من الهرج والمرج. فأوقف أحد الموظفين قائلاً: "إيه إيه.. إيه الدوشة وليه الناس دي بتجري كدا." فقال الرجل وهو يلهث: "أربع تلاف دينار كويتي اختفوا من الخزنة." فجحظت
عينا منصور وقال بصياح: "إنتوا كنتوا فييين.. وإزاي مبلغ كبير زي دا يختفي! فهز الرجل كتفيه بقلة حيلة. وظل منصور طوال اليوم يبحث مع الموظفين على المال. حتى وقفوا جميعاً في منتصف البنك وأمامهم أبو بدر. فتقدم منصور وقال برسمية: "إحنا قلبنا البنك وفتشنا كل المكاتب بس محدش لقى حاجة." فقال كامل بتهكم وشماتة: "بس محدش دور في مكتبك يا منصور!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!