ثم دلف مأذون وخلفه منصور بحلية رمادية وباقة من الورود الحمراء قائلاً: دا لو فيها عيوب الدنيا والله ما هسيبها. فخرجت ندي عندما سمعت صوته وهو يتحدث لتصعق مما تشاهده. فقهقه بقوة قائلاً: خشي يابت اغسلي وشك وتعالي ببطاقتك.. انهاردة ليلة فرحنا. ظل واقفه أمامه لا تصدق ما تفوه به حتى سحبتها والدتها إلى غرفتها وأخرجت فستانًا بسيطًا للغاية قائلة: البسي دا بسرعة.. على ما أتصل على خالك.
وبالفعل أتى خالها كريم.. على عجلة من أمره ثم وقف يلهث أمام باب الشقة قائلاً: إيه يا صفاء.. في حد يعمل اللي عملتيه دا. فنهض منصور وصافحه قائلاً: معلش يا خالي بس الموضوع مينفعش يتسكت عليه.. وندي هتكمل علاجها وهي على ذمتي.. عشان أعرف أتصرف من غير قيود أو قلق من أي فتنة. ثم مال على أذنه وأكمل: انت عارف أهل الحارة.. لسانهم مبرد. ثم ابتعد فضحك كريم بخفوت واتجه إلى صفاء واحتضنها قائلاً: مبروك يا صفاء.
فعانقته بقوة وحب منذ الطفولة فهو كان دائمًا يقف بجانبها في الشدائد وهو من واجه والد ندي وأجبره على كتب ندي باسمه. وهنا فتحت ندي باب غرفتها وخرجت بخجل ثم جلست بجانب خالها الذي قبل جبينها بحب قائلاً: كبرتي وبقيتي عروسة يا ندي. فاحمر وجهها بحمرة طفيفة. فنظر منصور إليها.. لا ينكر أن شحوب وجهها وذلك الاصفرار الغريب الذي يحتل قسمات وتعابير وجهها أثر على ملامحها الجميلة.. ولكنها ستظل في عينيه أجمل نساء العالم. في الأسفل..
خرجت هند من نافذتها ونظرت إلى منزل منصور فوجدت شرفته مفتوحة فعلمت أنه رجع. ولكن صوت الطبول وتلك الأغاني الشعبية التي لا تعزف إلا في مناسبات الزواج.. لفت انتباهها. فعقدت حاجبيها باستنكار قائلة: مش ممكن. ثم دلفت بسرعة وجذبت وشاحًا خفيفًا ونزلت غير عابئة لصراخ والدتها بها.. حتى وصلت إلى بنية ندي.. وصعدت السلم على عجلة.. حتى وصلت إلى شقة ندي ورأت منصور وهو يمضي على عقد الزواج. فتراجعت للخلف وضغطت على قبضة يدها بقوة.
وفرت دموعها على صدغها. بمجرد سماعها.. بارك الله لكم وعليكم وجمع بينكم في خير. فقبل منصور جبين ندي قائلاً: أكيد خير بإذن الله طول ما هي معايا. فاحتقنت عيون هند ثم جزت على أسنانها ونزلت راكضة إلى منزلها. ثم أخرجت من خزانتها وشاحًا لونه أسود قائلة بكل ما أوتيت من حقد وكره: مش هتكمل.. هتموتي يا ندي.. هتموووتي. ثم أخذت ذلك الوشاح ونزلت مجددًا وذهبت إلى أم بطة واقتحمت منزلها بكل غجرية.
فوجدت امرأة تجلس معها وتتحدث عن أمور السحر. فألقت ذلك الوشاح وقالت: عاوزاه يموت.. تعباها دا مش كفاية. ثم خلعت أحد أسورتها الذهبية وقالت: دا تمن السحر.. أنا عاوزاه دلوقتي.. تسلطي جن عاشق بقي تهببي أي زفت المهم جوازتهم دي تفسسسدد. فاخذت أم بطة ذلك الوشاح وقالت بمكر: عاوزة الجوازة تبوظ.. تجيبيلي حاجة تخص منصور عشان العمل يكمل. فنظرت هند بقلق وقالت: أنا عاوزاها هي اللي تتأذى.. مش هو! فتحدثت تلك السيدة التي تجلس قائلة:
من غير ما تجيبي حاجة تخصه.. انتي عارفة اسم أمه! فهزت رأسها بالموافقة. وبعد ساعة.. أخذت هند بالفعل ما سيقضي على حياة ندي بالكامل. ذهبت إلى المقابر ليلاً ووضعته بجانب السحر الأول. أما عند ندي.. ذهب الجميع من عندهم وتبقي خالها وأمها ومنصور. فحمحم منصور قائلاً: طب أنا.. هاخد ندي في شقة أبويا مؤقت لحد ما شقتنا تكمل. كادت أن تعترض أمها ولكن خالها قال: وماله يابني دي مراتك ومحدش يقدر يقولك تلت التلاتة كام!
فابتسم منصور بحرج وقال: متخافيش يا حماتي أنا هشيلها في عيني ومن بكرة كمان أنا اللي هتابع معاها كل الجلسات. فابتسمت والدتها وربتت على ظهر ابنتها وقالت: ربنا معاكوا يابني.. بس أنا هاجي بردو معاكوا. فنهض منصور وقال: زي ما تحبي يا حماتي عادي. ثم نظر إلى ندي وقال: إيه. فرفعت رأسها بخجل وقالت: إيه في إيه؟! فنظر إلى خالها وقال: آه.. دي عاملة نفسها هبلة! ثواني وكانت بين يديه.. فشهقت بحرج وهي تحاول النزول. فكبلها بقوة وقال:
ناولي باقة الورد أمو 150 ج دي كدا يا خال. فضحك بقوة وأعطاه باقة الورد. فوضعه في أحضانها وقال: سلام وعليكم. وخرج من منزلها ثم نزل السلم قائلاً بضيق: إنت خسيتي كدا لي؟! فوضعت رأسها على منكبه وقالت بسخرية: خسيت بس؟! .. أنا شعري بيقع يا منصور.. أنا خايفة أقلع طرحتي قصادك.. هتتخض من منظري. فخرج منصور من منزلها وسار في الحارة قائلاً: إيه دا.. هو أنا معرفتكيش؟! فأبعدت رأسها ونظرت إليه بغموض: معرفتنيش إيه؟!
فدلف منصور بنيتهم وقال: إني بحب القرع؟! فنظرت إليه بعدم فهم. ضحكت بقوة وقالت بضيق مزيف: أنا مش قارعة ياض.. لسا في شعرتين. فوصل منصور إلى شقته ثم دفع الباب بقدمه ففتح ودلف قائلاً: هنشوف كل حاجة دلوقتي.. بس الأهم إنك معايا. ثم أغلق الباب واتجه إلى الأريكة ووضعها برفق ثم جلس بجانبها وصمتوا قليلاً. قبل أن تقول هي: هي إزاي الشقة نضيفة كدا.. انت جيت بدري أوي كدا؟؟ فابتسم بسخرية وقال:
لا لا.. جبت واحدة نضفت على ما جيتلك وكدا. ثم تنهد بضيق وقال: ندي.. عاوز أحكيلك حاجة بس ياريت دا ميأثرش على علاقتك بأختك هالة. ثم قص عليها ما حدث في الصباح حتى جاء إلى مصر. بينما صعقت ندي بما يقوله.. فكيف يفعل كامل كل هذا ولاجل ماذا.. ولما ذلك الحقد والغل. فتنهدت بضيق ثم ابتسمت قليلاً وقالت: ميهمش.. اتقفل باب هيتفتح غيره بإذن الله. فابتسم منصور وقال: بإذن الله. فتوترت ندي قليلاً وكان يبدو عليها التردد قبل أن تقول:
منصور.. هو.. هو ممكن أحلق راسي! فنظرت إليه بتفحص ثم نظر في عينيها وجد بصيص من الإصرار. فتنهد وقال: طالما انت عاوزة يبقي مقدرش أرفضلك طلب. وبالفعل أحضر منصور أدوات الحلاقة ثم جلس أمامها وقال: عاوزك تكوني عارفة إنك مهما تتغير ملامحك هفضل بحبك. فهزت رأسها بالموافقة. فقبل جبينها. وبدأ في حلاقة حاجبها رويدًا حتى انتهى من آخر قطعة. ونظر إلى خصلاتها التي تكاد أن تعد على الأصابع. فمرر يده بين تلك الخصلات وقال بمزاح:
طلعوا أربع شعرات يابت.. انت بتضحكي عليا ولا إيه! خايفة أحسدك! فضحكت ندي بخفوت وقالت: طيب انت هتبدأ هنا.. هنوسخ الدنيا كدا. ولكنه لم يعطها اهتمام بل بدأ بالفعل في حلاقة باقي خصلاتها. بينما أغمضت عيناها بقوة وهي تشعر بكل خصلة تسقط من فوق رأسها. ولكنه لم يكمل الحلاقة لها ولكنها ظلت تستمع إلى صوت تلك الآلة. فتحت عيناها وجدت يحلق رأسه مثلها وعلى وجهه ابتسامة هادئة. وهنا لم تتمالك نفسها فانفجرت في البكاء. فاحتضنتها
منصور من الخلف وقال: كل خطوة معاكِ همشيها زيك بالظبط.. لحد ما تخفي يا ندي. مر شهر. شهر وهيثم يفكر.. ماذا سيفعل في أخيه! حتى اتصل بدرغام. فأجابه بفتور قائلاً: أهلاً بالعيل اللي مجرينا وراه وفي الآخر خلف بوعده! فابتلع هيثم ريقه بتوتر وقال: درغام.. أنا مش قادر أبلغه عنه.. انت عارف يعني إيه أخوياا.. أنا في نار والله العظيم. فصمت درغام قليلاً وقال: طيب والاء!
.. الاء اللي مهند موقف حياته كلها عشانه.. ومين اللي قتلها.. مش أخوك! وابوك مين اللي قعدته في فرشِته من أخوك! ومين اللي طلع إشاعة عنك إنك انتحرت مش أخوك! .. ومين اللي حاول يقتلك بدل المرة اتنين ولا ورا بعض كمان يعني مصمم.. مش عزيز اللي عمل كدا دا هيثم! فتنهد هيثم بيأس وقال: أيوا هو. فصاح درغام بغضب: أنا ماسك نفسي عنه بالعافية.. ناهيك عن الديب.. ولا مهند ولا فاسم ولا لا.. كلنا ساكتين عشانك يا هيثم بيه.. وانت!
انت ساكت انت كمان.. أنا بخلي مسؤوليتي عنك.. أنا بكرة مسافر له وهخلص عليه بنفسي. فصرخ هيثم بهلع ثم هدر بدرغام بقوة: لا يا درغام أهدي عشان خاطري أنا بس.. أهدي.. أنا هبلغ خلاص.. هبلغ. فتنفس درغام بهدوء قليلاً وقال: تصور فيديو ليك حالا وتبعته لمحرز يرفعه على موقع الجريدة والسوشيال ميديا.. وسيب الباقي على سلطات بلادكم. فتنهد هيثم بضجر ونظر خلفه وجد روز تنظر إليه بترقب. فقال لدرغام وهو ينهي حديثه: بلغ محرز يجهز كل حاجة.
ثم أغلق هاتفه ومسح وجهه بضيق. فاقتربت روز ووضعت يدها على كتفيه قائلة: لازم حد يقف قصاده يا هيثم.. وإلا هيكمل في طغيانه. فاستدار هيثم ونظر إليها بأعين محتقنة: مش قادر أصدق إن دا عزيز اللي ربيته على إيدي يا روز.. مش قادر أتخيل إني بقف قصاد أخويا الصغير وكأنه أكبر عدو ليا. فتنهدت روز بقلة حيلة ثم هزت منكبيها قائلة: هو اللي اختار يا هيثم.. هو اللي اختار طريقه. فهز رأسه بالموافقة ثم نظر إلى تلك المساحة الخضراء قائلاً:
هطلع لايف دلوقتي وحالا. عند ميساء.. جلست بلهفة فهي الآن سترى كل ما هو حولها. فلا داعي لتلك العصابة التي تحجب أشعة الشمس عن عينها خوفًا من أن تفسد عمليتها. بدأ الطبيب في نزع تلك العصابة فظهرت عيناها وهي مغمضة. الطبيب بجدية: افتحي عينك بهدوء يا آنسة ميساء كدا. فبدأت في هز جفونها بعصبية حتى بدأت تظهر مقلتاها برؤية. ولكن الرؤية كانت مشوشة. فهزت رأسها بالنفي قائلة: مش شايفة حاجة.. أنا شايفة ضوء بس.. أشخاص لا.. شبه شبه.
فسبقها الطبيب قائلاً: غيامة على عينك.. دا شيء طبيعي. ثم استأذن من والدها وأحضر دواء وأسقط منه قطرات صغيرة في عينيها. فأغمضتها بضيق قليلاً. وفتحت عينيها مجدداً ولكن هنا.. توقف قلبها عن النبض! عندما رأت والدتها نصب عينيها وبجانبه الطبيب. فنهضت بسرعة واحتضنت والدها بقوة وبكت. فضحك الطبيب بخفوت قائلاً: مبروك يا آنسة ميساء.. العملية كدا نجحت. فنظرت إلى الطبيب وشكرته بقوة. وخرجت بين أحضان والدها ولكنها صرخت بقلق وقالت:
يالهوووي! أنا ناسيه ندي! فعقد أبوها حاجبيه بتعجب وقال: مين ندي دي؟! فاخرجت هاتفها من حقيبتها وقالت: صحبتي يا بابا.. دي حالتها الصحية صعبة أوي.. الورم اللي في المخ تضخم ومحتاج عملية بفلوس كتيرة أوي.. أنا وعدتها إني هروح أشوفها في المستشفى العام. فوقف أبوها أمام سيارته وقال: طيب تعالي أوصلك! فهزت رأسها بالنفي قائلة: هروح لها أنا بتاكسي.. روح شغلك انت يابابا. فنظر إليها بقلق قائلاً:
متأكدة يا ميساء.. انت لسا يعني شايفة وممكن يحصل حاجة! فأوقفت سيارة أجرة قائلة: متقلقش يابابا.. أنا بخير. ثم قبلت أباها من صدغه وركبت السيارة وانطلقت إلى المستشفى العام لتري من على مشارف الموت. في المستشفى.. تتعالى صوت صرخات ندي بقوة من شدة ألمها القوي. بينما يقف منصور لا حول ولا قوة له. أمام الطبيب الذي يقول: لازم تجمعوا المبلغ دا ضروري.. لأنها لو فضلت من غير العملية دي لمدة أسبوع.. ثم تنهد وقال: هنفقدها.
فمسح منصور وجهه بضيق ودخل مجددًا إلى ندي ومسك كفها قائلاً: أنا هروح آخد فلوس الشقة من الراجل ونعالجك بيها يا ندي.. أنا مش هستنى لحد ما تروحي مني. فهزت رأسها بالنفي قائلة: ل.. لا يا منصور.. لا.. أنا ميتة خلاص.. ميتة.. اتجوز انت وعيش حياتك.. بعدي.. أنا.. فكمم فمها بيده وقال بغضب: اسكتيي يا مجنونة.. اسكتي.. إيه الكلام دا.. انتي هتعيشي يا ندي وهنكمل جوازنا وهنجيب عيال وهنشوف أحفادنا بإذن الله. فابتسمت ونظرت
أمامها قائلة بقلة حيلة: الله يا منصور.. تفتكر ممكن! وهنا نهضت أمها من الأرض وقالت: أنا لازم أتصرف وأروح له. وهنا نهضت ندي بتعب وقالت بصياح مبحوح: لااا.. متروحيش.. كح كح.. أوعي.. كح.. تروحيله. فأرجعها منصور إلى فراشها وقال لأمها: روحيله.. بسرعة يا حماتي.. دي بنته واكيد هتصعب عليه. فهزت رأسها بإصرار وخرجت راكضة. وهنا اصطدمت بأحد. فاعتذرت وبمجرد أن نظرت إلى ذلك الشخص جحظت عيناه بصدمة. ثم هزت رأسها بالنفي وخرجت راكضة.
فنظرت ميساء أمامها وقالت: مش دي أم ندي؟! ثم شهقت بفزع واقتحمت العنبر وبحثت عن سرير ندي فوجدت منصور يجلس بجانبها وهي في حالة إعياء شديد. فاحتضنتها ميساء بقوة وقالت بعتاب: أسفة يا ندي.. والله العظيم أسفة.. بس انتي عارفة إني كنت في ظروف صعبة أوي. فابتسمت ندي بتعب وقالت: ولا يهمك يا ميساء.. أنا عارفة اللي عندك كله. ثم ابتعدت عن ندي وقالت:
أنا جبت مبلغ من الفلوس.. ممكن ينفعكم.. يعني ندفع نص وأنا هتصرف في النص التاني من ورا بابا. فضحكت ندي بسخرية وقالت: أنتم بتعملوا كل دا لي.. أنا في الآخر هموت! فلوسكم هتروح في الأرض. فصرخ منصور وهدر بها: قولت انسي سيررة الموووت ديي. فتدخلت ميساء وجذبت منصور من ذراعه وقالت: اهدأ يا منصور. فنظر إلى ميساء بقلة حيلة. عند أم ندي..
خرجت راكضة ثم استقلت أول سيارة أجرة قابلتها وذهبت إلى ذلك العنوان المشؤم.. التي لم تتخيل يومًا أنها ستعود إليه. حتى توقفت السيارة ودفعت ثمن الأجرة ونزلت ووقفت أمام تلك الفيلا القابعة خلف تلك البوابة. ثم تقدمت ووقفت أمام أحد رجال الحراسة قائلة: الباشا موجود! فنظر الرجال إلى ثيابها البالية ثم ابتسموا بسخرية وقال أحدهم: لا مش هن.. فقطع حديثه صوت بوق سيارة رب عملهم. فالتفت صفاء إلى السيارة.
ورأته.. تقسم أن السنين مرت ولكن لم تغير شيئًا في ملامحه. مازالت قسمات وجهه توحي بالهيبة والوقار. ولكن لا مشكلة من بعض التجاعيد الخفيفة. فاقتربت صفاء ووقفت أمام سيارته. ولكنه لم يتعرف عليها!! وأخرج رأسه من النافذة قائلاً: وسعي يا ست انت من قصادي! فضربت بيدها على سيارته وقالت بصراخ: بنتنا بتموووتتت يا عماد.. بنتنا ندي. فنزل من سيارته. وجذبها من ذراعها وقال: أنا مش قولتلك مش عاوز أشوف وشك تاني.. لا انت ولا بنتك! فضربته
في صدره وقال بانهيار: أول وآخر طلب هطلبه منك.. محتاجة تمن العملية بتاعتها.. وتيجي تشوفها يا عماد.. ولو لمرة واحدة بس. فنظرت في عينيه بجمود. فجذبت هي ذراعها من قبضته ثم انحنى لتقبل يده قائلة: مفيش غيرها ردة عليا النفسي يا عماد.. اديني الفلوس وتعال شوفها. فجذب يده منها بعنف وأخذها من ذراعها ودلف بها سيارته وصعد بجانبها قائلاً: قوليلي العنوان. عند عزيز.. ضرب الكأس في الحائط قائلاً:
هيكونووا راحوا فييين.. شهر كامل محدش عرف عنهم ولا عنه حاجة.. إيي بلعتهم الأرض! فتراجع رجاله للخلف بينما تقدم أحدهم قائلاً: جلالتك.. أنا موصليش أي أخبار عنهم بقالي شهر.. أنا بعت كذا واحد.. قالولي إن إدارة شركة روز كل العمال اللي فيها واخدين إجازة من يوم الحادثة.. حتى حاولت أوصل لأي موظف معرفتش! فقال عزيز بهدوء: اطلع برا. فقال الرجل: ب.. فصرخ الآخر بقوة: اطللععع برااااااا. عند هيثم..
انتهى من بثه المباشر الذي حضره الآلاف والآلاف من الناس حول العالم لا يصدقون أنه على قيد الحياة. ولكن ما جعل الأمر يصدق أنه كان حسابه الشخصي الموثق.. وليس حساب مزيف أو محتال. ربتت روز على كتفه قائلة: دا الصح يا هيثم.. انت عرفت الناس الحقيقة. لم تمر دقائق حتى انتشر الخبر كالأسماك في البحار. وخرجت النشرات الإخبارية وهي تعلن عن تلك الصدمة التي هزت لها الأراضي القطرية.
بينما فتح الديب هاتفه وجد البث الخاص بهيثم فابتسم بهدوء قائلاً: هو دا هيثم اللي أعرفه. ناهيك عن اقتحام السلطات القطرية للقصر الخاص بالعائلة الملكية. وتم القبض على عزيز بتهمة التحريض على القتل والأخرى بتهمة الاغتصاب والقتل المتعمد لـ آلاء. ناهيك عن نشر أخبار كاذبة بشأن موت الملك والوريث الشرعي لتلك البلاد. عند ندي.. ساعدتها ميساء على الجلوس فظهرت القلادة في عنق ميساء. فشهقت ندي بفزع وقالت: يالهوي! أنا اعتنقت المسيحية!
إمتى؟؟ فضحكت ميساء وقالت: يا هبلة دي بتاعت يوسف. ثم ابتسمت ببريق حزن في عينيها وقالت: لسه فيها ريحته.. مش هقدر أتفرط فيها. في الخارج.. أوقف عماد سيارته أمام مبنى المستشفى المتهالك قائلاً: اتفضلي انزلي. هبطت صفاء من سيارته ووقفت تنتظره. حتى نزل هو ودلف معها إلى المستشفى. فرمق كل شيء حوله بالاستحقار. ثم توقف أمام العنبر الخاص بندي. وأخذ نفسًا عميقًا. ودلف وظل يسير وهو ينظر إلى المرضى حتى وقعت عيناه على ابنته ميساء.
التي نهضت بنفس الصدمة وقالت: بابا؟؟ بتعمل إيه هنا. فنظر إلى تلك النائمة على فراشها وتنظر إليه بتشفي. ثم قالت: انت.. انت أبويا صح! فنظرت ميساء إليها بصدمة وقالت: دا باباي أنا؟؟ إز.. إزاي.. فنظرت صفاء إلى ميساء. فهي تحمل ملامح والدها.. تلك العينين والشفتين! فاقترب عماد من ندي قائلاً: انت إزاي شبهي كدا؟؟ ثم مد يده وتفحص معالم وجهها. بينما ميساء قالت ومازالت الصدمة تعتلي معالم وجهها:
يعني طول الفترة دي كنت مع أختي وأنا مش حاسة.. طب إزاي.. ثم وجهت حديثها إلى والدها قائلة: إزاي ندي أكبر مني بخمس شهور.. إزاي!! فنظر عماد إلى ابنته وقال: هحكيلكم على حاجة من البداية. عند مهند.. تنهد براحة وهو يرى في الأخبار عزيز وهو مكبل الأيدي. ثم أخرج صورة آلاء من جيبه قائلاً: حقك رجعلك يا روح الفؤاد. ثم قبل صورتها ووضعها في جيبه مجددًا قائلاً: لازم أسافر للقصر بدل ما يكون في حالة فوضى. عند ندي..
نظرت صفاء في الأرض خجلاً من منصور الذي لا تبدو معالم الصدمة الكبيرة على وجهه. حتى قالت ميساء بعتاب: انت ازاي عملت كدا هه.. انت حرمتني من اختي.. أنا طول عمري كنت أتمنى يكون عندي أخت تشاركني حياتي وانت يا بابا بكل بساطة حرمتني من دا. فانحنى عماد على رأس ندي وقبلها بقوة ثم قال إلى ميساء: وأنا هصلح كل دا.. لوقت وهنعيش كلنا سوا. ثم نظر إلى منصور وقال: انت خطيبها مش كدا؟؟ فرفع منصور يده اليسرى وقال:
جوزها.. بس كتب كتاب.. معملناش فرح.. لسه هستناها تقوم بالسلامة. فاخرج عماد هاتفه قائلاً: مش هتعمل العملية دي في مصر. ثم أرسل رسالة إلى إحدى المستشفيات في ألمانيا. ثم التقط صور لتقاريرها الطبية. وانتظر الرد. دقائق ثم أتاه الرد بالموافقة على حالتها وسترسل الآن المستشفى طيارة طبية لتحمل المريضة إليهم ولكي تقوم بالعملية في أسرع وقت ممكن. في المقابر.. كان يسير أحدهم. ولكنه سقط بقوة على الأرض وغرزت يده بين التراب بعنف.
عند محاولته للنهوض شعر بشيء أسفل يده. فحفر بفضول وأخرج ذلك الكيس الصغير ونظر بمحتواه فوجد ذلك السحر. فهلع مما بين يديه. ثم نظر مجددًا إلى الحفرة فوجد شيئًا آخر. فجذبه وأخرجه قائلاً: لا إله إلا الله.. إيه الناس المؤذية دي. ثم اتجه إلى النيل ووقف أعلى الكوبري. شرع في فتح ذلك السحر وبدأ في قراءة القرآن الكريم وآيات تخص ذلك السحر. ثم ألقى به في المياه. لتنحل عقدة ندي.
لأن الله أراد أن يختبر قوة صبره وإيمانها وهي نجحت في ذلك الاختبار. وأيضًا لم تجزع من أمر الله وقالت لما أنا يا الله بل كانت تقول الحمدلله على كل حال. في اليوم التالي.. وقف الجميع أمام غرفة العمليات. بينما ندي كانت تجهز حالها للخضوع إلى العملية ولكن في قلبها قوة إيمان قوية. بينما تساعدها ميساء في ارتداء ملابس المستشفى وهي تقول:
أنا أختي زي القمر يا ناس.. انجزي بقي جوا كدا عشان عاوزين ناخد جولة في برلين هنا.. جايز نعمل فرحكم هنا. فضحكت ندي بروي قائلة: هتموتي وتلبسي فستان سواريه.. أنا عارفة. فأحتضنتها ميساء بقوة وقالت: أنا بحبك أوي يا ندي.. عمري ما تخيلت إن يكون عندي أخت.. ربنا يقومك بالسلامة. ثم ابتعدت عنها ومسحت دموعها قائلة: يلا بطلي عياط وادخلي. فضحكت بالرغم من ألمها وقالت: يابنتي انتي عبيطة.. انتي اللي بتعيطي مش أنا!
ثم مسحت دموع ميساء وقالت: أنا هخرج كويسة بإذن الله.. أنا واثقة في ربنا أوي. فابتسمت ميساء. خرجوا سوياً وودعت ندي الجميع بحرارة. ودلفت على أقدامها إلى غرفة العمليات. في قطر.. دلف مهند القصر بهيبته فوجد الملكة تبكي بقوة وتقول: لييي يا هيثم.. تعمل في أخوك كدا. فتدخل مهند وقال: وهو عمل كدا لي في خطبتي.. ولي حاول يقتل أخوه.. ولي طلع عاق! بعتذر عن وقاحتي جلالتك بس دي الحقيقة. فهزت رأسها بالموافقة ومسحت دموعها قائلة:
فعلاً.. أنا اللي دلعته يا مهند.. أنا اللي عملت فيه كدا. فجلس مهند بجانبها وقال: هيثم هييجي بكرة عشان يتولى أمور الحكم. فنظرت إليه بأعين محتقنة: يرجعه ربنا بالسلامة ليا. في الكويت.. جلس كامل مع صديقه. الذي قال بدهاء: بقولك إيه يا كامل.. أنا مش راكب في دماغي حكاية إن منصور هو اللي أخد الفلوس.. وبعدين انت الوحيد اللي قولت اشمعنى محدش فتش مكتبك يا منصور! فنظر كامل حوله وقال بهمس:
هقولك.. أنا اللي عطلت الكاميرات وأخدت الفلوس وحطيتها في مكتبه عشان ميستحقش كل اللي كان فيه.. دا واحد كان حشاش وبلطجي.. إزاي يشتغل في مكان زي دا؟؟ فرجع صديقه بظهره وقال: واحنا مالنا بالماضي.. إحنا لينا الحاضر.. وهو كان واحد خلوق ومحترم معانا كلنا.. وبصراحة بقي.. ماكنش بيسب فرض! فابتسم كامل بسخرية وقال: بردو.. ميستحقش.. أنا بس اللي أستحق المرتبة دي في الشغل. فابتسم صديقه بتشفي ثم نهض قائلاً:
طيب.. أستأذن أنا بقي كدا.. عندي شغل. فصافحه كامل قائلاً: وأنا عندي شغل بردو.. سلام. فحمل هاتفه وأغلق ذلك المسجل ثم بعته إلى أبو بدر قائلاً: هو اللي عمل الحكاية كلها في منصور.. انت ظلمته يا ريس. ظلت العملية مستمرة لعدة ساعات. حتى خرج الطبيب بتعب قائلاً: لقد نجحت العملية. فصرخت ميساء بسعادة. ثم سجد منصور في الأرض عندما أدرك أنها بخير.
بل ما زاد فرحتهم أن الطبيب أخبر والدها أنها شفيت من سرطان الدم أيضًا.. إنها معجزة في حد ذاتها. ولكن أتى لمنصور مكالمة دولية! من رقم كويتي. فأجاب بتعجب: الو! فأتاه صوت أبو بدر قائلاً: كيفك يا منصور! فنظر منصور حوله بتعجب وقال: بخير والحمدلله يا أبو بدر. فابتسم أبو بدر وقال: أنا ظلمتك يا منصور.. ياريت تسامحني. فضحك منصور بخفة وقال: المسامح كريم يابو بدر.. بس اللهم إنك عرفت إني بريء من الفلوس دي.
فأجابه الآخر بلهفة وقال: وأنا بدي أعوضك.. أنا بعتلك مبلغ خمسة ألف دينار كويتي على حسابك البنكي.. تقدر تتزوج بيهم. فجحظت عيون منصور بصدمة وقال: بجددد! انت بتتكلم جد يابو بدر. فضحك الآخر وقال: جد يا منصور.. وطردت كامل لأنه خائن للأمانة. فضحك منصور بعدم تصديق وقال: الله يعزك يابو بدر.. الله يعزك. فابتسم أبو بدر وقال: مبارك عليك الزواج يا منصور. فبادله المباركة. فقال أبو بدر قبل أن يغلق:
إذا تبغي ترجع.. مافي مشكلة.. مكانك موجود. فنظر منصور إلى باب غرفة العمليات وقال: لا.. مش هقدر أبعد عن مراتي بالذات في الفترة دي. وبمجرد أن أنهى منصور المكالمة سجد في الأرض. تزامنًا مع خروج ندي على الناقل يتوجهها إلى غرفتها. أما في مصر.. كان هند تجلس مع أم بطة بصدمة: إزاي اتفكت.. قصدك إيه بكلامك دا.. هترجع سالمة تاني؟ فاخذت أم بطة البخور من أمام هند وقالت بغجرية:
زي ما قولتي بالظبط.. ندي هتصحى وأنا مش عارفة اخترقها أو اخترق طاقتها تاني.. دي محصنة نفسها بتلاوة القرآن والصلاة.. وذكر الله في كل حاجة. فجذبت البخور بعنف والقت به في الأرض تزامنًا مع دخول الشرطة. وصرخ أحدهم قائلاً: اثبتي عندك انت وهي.. مطلوب القبض عليكم بتهمة تعليم السحر واستغلال الناس. فتراجعت هند للخلف وهو تقول: والله أبداً يا بيه.. دا هي مش أنا.. ان.. ااااااااااااه. سقطت للخلف من النافذة لتصل إلى الأرض جثة هامدة.
فتجمع أهل الحارة حولها بصدمة. بينما هبطت والدتها وتصرخ قائلة: ضيعتي نفسككك يا هنددد.. ضيعتي نفسسسسك. في المساء عند هيثم.. تمسكت روز به وقالت بصوت مبحوح: هتمشي خلاص! مش هشوفك تاني يا هيثم. فابتسم ببريق حزن طفيف وقال: الغائب عن العين.. قريب من القلب. ثم تحسس خصلاتها قائلاً: بوعدك لينا مقابلة تاني.. بس هتكون في ظروف أحسن من دي. فدلف أنور قائلاً: الطيارة على السطح.. انجز. فتعلقت في ذراعه أكثر وقالت:
طب.. طب.. خد بالك من نفسك. فربت على يدها بلطف وقال: خدي انت بالك من قلبي اللي معاكي. ثم صعد إلى سطح الفيلا وركب الهليكوبتر. ورجع إلى بلاده. بينما ودعته روز ودموعها تجري على صدغها. ثم رفعت يدها إلى السماء قائلة: أنا واخده قلبك.. بس انت واخد روحي معاك. عند ندي.. بدأت تستفيق من المخدر. ونظرت حولها وجدت الجميع نائم. عدا منصور أخذ ركن في الغرفة وجلس به يقرأ فرضه اليومي. حتى انتبه إليها. فختم ما كان يقرأه.
ونهض سريعًا وساعدها على الجلوس قائلاً بهمس: هدي راحتك يا ندي. فأعتدلت في مجلسها وقالت بخفوت: حاسة إن دماغي وجعاني أوي. فضحك بخفوت قائلاً: مش يمكن عشان عاملة عملية فيها؟؟ فنظرت إليه بتعجب قائلة: أيوا صح! فقبل جبينها وأخبرها بكل ما حدث. حتى قالت بصدمة: طب أختي هالة هتعيش إزاي؟! فهز كتفيه بقلة حيلة وقال: معرفش.. بس كامل مش هيوقف حياته.. أكيد بيدور. فنظرت حولها ووضعت يدها مكان الجرح وقالت:
أنا بقيت في أسرة كنت نفسي فيها من زمان. فأحتضنتها منصور وقال: ولسا أسرتنا احنا الاتنين هتكمل. في صباح اليوم التالي.. جلست روز أمام التلفاز. حتى ظهرت نشرة عاجلة تؤكد ظهور الملك هيثم لهيب المهندي.. أمير المملكة القطرية. وهذا كان خطابه في الصباح. ثم ظهرت صورته بالزي الملكي. ثم صعد إلى المنصة ووقف بكل وقار قائلاً:
أعلن نفسي الآن وأمام الجميع أني الأمير لتلك البلاد.. وكل ما تداول من إشاعات حول قتلي.. كان مزيفًا.. وأن أخي عزيز سيعاقب كأي مواطن قطري خالف القوانين.. شكرًا. ثم نظر إلى الكاميرا وابتسم ابتسامة جعلت قلب روز يخفق بقوة وكأنه يعرف أنها ستراه. كما أن قلبها أخبرها بل وأكد أنه يقصدها هي بتلك الابتسامة الساحرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!