وعند عودة مايا وخروجها من السيارة، هناك من كان ينظر إلى ما يحدث. نزلت ومعها بوكيه الورد. تأكد آسر من سوء أخلاق تلك الفتاة وقرر أن يعاقبها بطريقته، فهو يكره الخداع. بدأ حديث النفس: آسر: لازم أعاقب كل مخادعة، إنها تمثل الطيبة والانطواء. نفسه: وأنت إيه يهمك مخادعة ولا لأ؟ آسر: بتحاول تتسلى بيا أنا وأخويا. نفسه: وهي لعبت عليك امتى وعملت إيه لكلامك ده؟ آسر: بتقرب مني وكمان رسمت صورتي، ده غير عينيها بتقول كلام بيغرقني فيه.
نفسه: يعني بتعترف إنك غرقت في بحر هواها. آسر: أنا لا طبعاً، ده جنس خلق لمتعتنا فقط، وده قراري. سيف كان عنده حق، لازم نتسلى شوية. نفسه: مستحيل، أنت مش أنا، ولا دي أخلاقك. راجع نفسك، فيه حلقة مفقودة في الموضوع ده. آسر: كل حاجة بتحصل بتأكد إنها كده. نفسه: طيب اسأل قلبك، وأنت قريب منها حسيت بإيه؟ أطلق آسر تنهيدة عميقة، ثم خرج ليتمشى، لقد شعر بالضيق أكثر. عند مايا:
قامت مايا بتغيير ملابسها، وصلت فرضها، وتذكرت أنها عملت الكثير من التورتات بالأمس، وجملتهم بطريقة مذهلة وقدمتهم للشيف ليقدمهم في الحفلة. ولكنها عملت تورتايه صغيرة وجملتها بأسلوب جميل، فهي عبارة عن قلب صغير مقسوم نصفين، نصف كريمة أبيض ومكتوب عليه "القريب"، والنصف الآخر بالشيكولاتة ومكتوب عليه "البعيد".
وبسبب الأحداث التي حدثت لها، نسيت أن تقدمها لآسر. فكرت أن هذا أقل تقدير منها له، وخصوصاً أنه أنقذها من براثن أخيه، ووعدها بأن يعطيها حقها، وتوعد لأخيه من أجلها. فهي لا تعلم ما أخبره سيف لآسر عنها. ارتدت دريس بسيط أوف وايت، وجمعت شعرها بطريقة مبعثرة، ووضعت القليل من المكياج، فكانت تبدو كالقمر في تمامه. أخذت التورتايه وقطفت وردة حمراء من الحديقة، وصعدت لحجرة آسر. دقت الباب كثيراً ولم تجد أحد ليجيب.
فتحت الباب ونادت: "سيد آسر"، ولم تجد أي رد. فعلمت أنه غير موجود. وضعت التورتايه والوردة على التسريحة، وإذا بها تجد ألبوم صور يخص جاسر وهو في رحلته إلى لندن. جلست على طرف السرير تشاهد هذا الألبوم، وفي كل صورة تنسج من خيالها لكل صورة قصة، وكانت تتمنى أن تكون لها وجود مع كل صورة.
سرحت بخيالها ولم تشعر بدخول آسر، فقد كان الباب مفتوحاً. استغرب آسر لوجودها بحجرته، أغلق الباب وراءه ببطء. ونظر إليها. هل وجودها في حجرته دعوة منها إلى فراشه؟ حاول أن يهدأ نفسه واقترب ببطء، واستمع إلى حديث نفسه: "ألا تتسرع، وانتظر كي تفهم سبب وجودها". اقترب منها، ولكن مايا عندما رأته قامت بفزع وصرخت. واعتذرت منه وحاولت أن تذهب، ولكنه استوقفها. وتحدث بحدة: "ما سبب وجودك بحجرتي؟ تلعثمت
مايا في الكلام وقالت: "أنا.. أنا... رد آسر بغضب: "قولي، كنتي هنا ليه وبسرعة؟ شاورت برأسها تجاه التسريحة وقالت: "أتيت لأعطيك هذا." ذهب آسر وأحضر العلبة وفتحها، ووجدها تورتايه بشكل مميز، واستوقفته جملة "القريب البعيد". فهذه للمرة الثانية يقرأها ولم يفهم ما مغزاها. آسر بصوت هادئ: "ممكن أفهم دي بمناسبة إيه؟ وإيه معنى القريب البعيد؟ ممكن أعرف ليه رسمتيني؟ واتعلمتي الرسم فين؟ وإيه حكايتك؟
أنا تركتك طفلة ورجعت لقيتك زي القمر." شعرت مايا بالحرج. آسر: "لتسرعك في الكلام، منتظر ردك." قالت: "ده أقل واجب، لأشكرك عن دفاعك عني." يرد آسر بقسوة: "لا والله، عايزة تفهميني إن اللي حصل ده مش كان بمزاجك؟ غضبت مايا وبدأت الدموع تنهمر من عينيها، فلقد جرحها بكلامه. حاولت أن تدافع عن نفسها، ولكنه قاطعها. "وبالنسبة لبوكيه الورد وخروجك في الصباح وعودتك معه، ده كمان كان غصب عنك." وأمسك يديها بقوة: "إنتي إنسانة زبالة."
لم تشعر بنفسها إلا وهي تصفعه بيدها على وجهه. تفاجأ آسر من ردة فعلها. صرخت مايا في وجهه: "أنا أشرف منك ومش محتاجة أبرر موقفي، وعندك السيد سيف، ممكن تروح تسأله. وأنا فعلاً أخطأت لما حبيت... " ولم تكمل الجملة وجرت بسرعة. آسر لم يفهم ما حدث، وكيف يترك فتاة تصفعه؟ لماذا قلبه يحدثه أنها غير ما هو متخيل؟ ذهب بسرعة لحجرة أخيه. سيف: "إيه؟ بتزعق ليه؟ آسر: "كنت فين من الصبح؟ سيف: "كنت في مشوار، إيه مشكلتك؟
آسر: "إيه علاقتك بمايا؟ " وأمسكه من ملابسه وحذره أن يكذب، فهو يعلم تصرفاته عندما يغضب.
سيف: "الحقيقة يا آسر، البنت دي عجبتني أوي، كنت ناوي أتسلى بيها شوية ولكنها رفضتني، وهذا ما علقني بها أكثر. شعرت بالخجل من نفسي وتصرفي معها وحاولت أن أعتذر لها، ولكني وجدتها تخرج في الصباح. فكرت أن تكون كأي فتاة وتواعد شاب آخر. مشيت خلفها بالعربية، وكانت المفاجأة أنها طالبة في كلية الفنون الجميلة. صدمت لذلك وشعرت بالخجل من نفسي وقررت الاعتذار منها، وأحضرت بوكيه ورد، ولكنها رفضته بشدة. ولكني صممت وحلفتها بحياة والدتها إلى أن وافقت."
سمع آسر ذلك وشعر بالخجل لإهانتها، واستغرب أن أخاه الطائش صلح موقفه واعتذر منها، أما هو المعروف بالطيبه أهانها وطعنها في شرفها. استكمل سيف كلامه: "آسر، أنا عارف إنك أكبر مني، وعايز أعترف ليك إني حاسس إني حبيت مايا." وقعت الجملة عليه كالصاعقة، فكيف لأخيه أن يحبها وهو؟ واستغرب نفسه. "معقول أكون أنا كمان أحببتها؟ رد آسر بحدة: "سيف، سيبك من الكلام ده، وابعد عنها، أفضل لك." وتركه وخرج.
نزل آسر للأسفل ليبحث عنها. ذهب إلى المطبخ وسأل سميحة عنها، ولكنها قالت إنها لا تعلم، ربما تكون نائمة. "هل لي أن أساعدك سيدي؟ رد آسر: "لا أبداً." وتركها وخرج. ليجد والده ووالدته في الهول. والدته: "كويس إنك هنا، باباك عنده شغل مهم بالقاهرة. آسفين إننا مضطرين للرجوع، جهز نفسك أنت وأخوك علشان نسافر خلال ساعة."
سمع سيف هذا الكلام واعتذر من والدته أنه يريد أن يبقى لفترة هنا وأن محاضراته يأخذها أون لاين. استغرب والديه، فهما يعرفانه أنه لا يحب أن يتواجد إلا مع أصدقائه بالقاهرة. أكمل على كلامه: "آسر، وأنا كمان هفضل هنا، وما تقلقوش علينا." أحس آسر أن سبب وجود سيف أنه يود الاقتراب أكثر من مايا، وهذا يؤلمه. وافق كل من الأب والأم، وسلموا عليهما وسافروا.
ذهب آسر ليبحث عن مايا واقترب من حجرتها، سمع أنين بكائها. شعر بالحزن لحالها ودق الباب. ودخل دون أن تأذن له، وبدون أي مقدمات اقترب منها وأخذها في حضنه. حاولت مايا الابتعاد ولكنه شدد بيديها الملفوفتين حولها، وكأنه يريد أن يدخلها في ضلوعه، وقال بصوت واهن: "أنا آسف."
خرجت مايا وقالت: "وأنا مش قابلة أسفك، واتفضل اطلع بره. ولا أقولك صحيح، ده بيتك وملكك، أنا اللي هخرج من هنا." وأحضرت حقيبتها لكي تضع ملابسها، ولكنه رفض بشدة. وفجأة سمع صوت بالخارج. أغلق عليها الباب وقال: "للحديث بقية يا ملاكي." استغربت مايا، هل ناداها بـ "ملاكي"؟ خرج ليجد صديق عمره أحمد. رحب آسر به.
أحمد: "وحشتني يا صاحبي، عرفت من آدم إنك رجعت وإنك جيت هنا، واتصلت على أونكل مراد وعرفت إنك مش هترجع القاهرة، فقررت أقعد معاك يومين." آسر: "أكيد تنورني." خرجت مايا من الحجرة وذهبت لوالدتها. سميحة: "خدي يا مايا، معلش قدمي العصير للضيوف، رجليا مش شايلاني." شعرت بالخوف تجاه والدتها. مايا: "طب استريحي." وأخذت العصير ودخلت، وما أن رآها أحمد حتى قام بسرعة واقترب منها في ذهول من آسر لتصرف صديقه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!