الفصل 3 | من 28 فصل

رواية حب بطعم الانتقام الفصل الثالث 3 - بقلم رونا فؤاد

المشاهدات
62
كلمة
8,788
وقت القراءة
44 د
التقدم في الرواية 11%
حجم الخط: 18

تعضت ملامح سالي التي استمعت لآخر ما نطق به جلال لوالده: "ارتاح أنت... لأني ناوي أنفذ طلبك وكل حاجة من اللحظة دي في إيدي... تراجعت سالي للخلف ما إن رأت أخيها يغادر الغرفة بعيون متقدة ووجهه ينفث النيران، لتلتفت ناظرة لعامر. "إيه اللي بيقوله جلال ده؟ نظر إليها عامر قائلاً: "زي ما سمعتي، من دلوقتي كل حاجة بقت في إيده." "يعني إيه بقت في إيده؟ ومين اداه الحق ده؟

هز عامر رأسه بكافيه ببرود: "خالي عمله توكيل بكل حاجة عشان يمسك الشغل لغاية ما صحته تتحسن، بس وهو بيعمل كده مكنش متوقع طبعاً إن جلال يعرف الحقيقة." قطبت جبينها باستفهام: "حقيقة إيه بالظبط؟ "حقيقة اللي عملتوه في البنت اللي كان بيحبها زمان." اتسعت عيناها مرددة: "عرف؟! نظر إليها عامر بعدم رضا. "آه." نظر بشماتة لعيونها الزائغة ليكمل: "ادعي ربنا بقى الموضوع يخلص من غير ما يعرف إن ليكي يد فيه...

ابتلعت سالي لعابها بتوتر وهي تتذكر فعلتها.

إنها لا تحب جلال كأخت كبيرة، فمنذ قدومه وهو مميز دائمًا ويحصل على كل الاهتمام لكونه الوريث المدلل لأبيه. وهي قد ورثت حب الثروة والمال كأبيها، وقد أدركت باكرًا مكانة جلال الواضحة كبديل لوالدها، لذا جاهدت لابعاده بأي طريقة. حتى عرفت ذلك اليوم الذي تشاجر فيه مع أبيها بشأن تلك الفتاة، ليزداد حقدها. فإن تزوج أخيها تلك الفتاة ستصبح ابنة السائق هي السيدة الأولى لكل شيء. لذا شاركت عمتها تفكيرهم الشيطاني ونفذت خطتها كضلع ثالث مع أبيها وعمتها.

"وبعدين ياعمتو هنعمل إيه؟ "لازم نبعد البنت دي عنه بأي طريقة... هزت سالي رأسها وهي تفكر بتلك الدونية. فقد استدرجت زاهي ذلك اليوم بحجة أن جلال ينتظرها ومريض، لتصعد إلى المنزل الذي كانت تلتقي فيه معه بلا تفكير، ولكنها تفاجأت بذلك الشاب المترنح من أثر السكر هو من ينتظرها وليس جلال... مصير مجهول رتبته لها سالي بقلب بارد. ** *** ** تجاوزت زاهي ذلك الشاب الذي يتجه نحوها لتتراجع للخلف وهي تهدر: "جلال فين؟

ضحك الشاب عالياً: "جلال... اقترب منها ورائحة الخمر تفوح منه ليقول بسفاهة: "أنا وجلال واحد." دفعته بعيدًا ما إن اقترب منها واستدارت لتغادر سريعًا، ولكنه أمسك بذراعيها: "على فين يا حلوة..... ده حتى جلال سايبك ليا هدية وداع قبل سفره." لم تفكر لحظة بكلمات ذلك الحقير، بل بقوة نزعت ذراعها منه وركلته بقوة ليسقط أرضًا، وساعدها سكره بالأغلب عليه....

وأسرعت تغادر وقلبها يرتجف من ذلك المصير الذي رتبته لها تلك الفتاة. وقد استطاعت النجاة منه، ولكنها لم تكن تعرف بالمصير الأسوأ الذي كان ينتظرها لدى نزولها.... فقبل أن تتساءل عن ما نطق به ذاك الشاب بالأعلى، كانت قدمها تتسمر على الأرض حينما قابلت عينيها تلك العيون المنهزمة تنظر إليها بخذلان... إنه والدها الذي أحضره شريف ووقف خلفه بمنتهى الجبروت، ونبرته تشع كراهية وحقد وهو يقول: "اهي بنتك يامحمود...

بنتك المحترمة كانت فوق مع شاب." انهار العالم بعيون والدها وهو يتطلع إليها بتلك النظرات، بينما تابع شريف بتأنيب: "مش كفاية مقضياها مع ابني، لا وكمان رجالة تانين.... اهي تربيتك ياسي محمود اللي طمرت فيها." انهالت دموعها كالشلال وهي تركض تجاه أبيها وتهز رأسها: "لا يابابا.... لا متصدقش، أنا مش ممكن أعمل كده.... أنا هفهمك على كل حاجة." أبعد أبيها يدها بجفاء وتلجم لسانه وهو

ينظر إليها باحتقار لتقول: "بابا صدقني أنا معملتش حاجة... دي هي... هي اللي أخدتني.... صاحت سالي مقاطعة: "اخرسي يابنت انتي.... أنا مالي بيكي أصلاً.... "بابا... اوعي تصدق... قال شريف باحتقار: "اوعي يصدق إيه.... أخرج من جيبه ذلك الهاتف ليشعلها أمامه: "اهي صور الهانم بنتك مع جلال." جحظت عيناها وهي ترى صورها برفقته. تهتف بانهيار: "بابا أنا وجلال متجوزين... متصدقش اللي بيقوله... والله متجوزين...

أنا آه غلطت إني اتجوزته في السر بس والله ماعملت حاجة غلط.... باباااااا.... توقفت دقات قلبها باللحظة التالية التي سقط بها والدها على الأرض وهو يمسك بقلبه، فقد كانت صدمة قاتلة له بالفعل. "بابا.... صرخت ببكاء هز أركان تلك المنطقة الهادئة. "إسعاف... حد يطلب إسعاف." أشار شريف بيده ليوقف كامل، حارسه الذي اندفع تجاه عم محمود. قائلاً: "مكانك... رفعت عيناها الباكية لتري تلك العيون تنظر إليها بتشفي وجبروت.

حاول كامل التحدث: "بس ياشريف باشا... هدر شريف بحزم: "اسمع اللي بقول عليه... توسلته زاهي: "ابوس إيدك بابا بيموت... انحني ناحيتها لينظر إليها تلك النظرة التي لن تنساها طوال عمرها قائلاً بمنتهى الجبروت: "مايموت.... نظرت لسالي بعيون متوسلة ولكنها قابلتها بنظرات جبارة مثل والدها: "عشان تبقي تبصي لفوق كويس..... قال شريف: "لو قربتي من ابني تاني هفضحك بالصور اللي معايا..... تاخدي أبوكي وتختفي في أي داهية.....

ده إن كان فيه نفس تاخديه." بالفعل لفظ محمود أنفاسه الأخيرة بين ذراعيها وسط ذلك الشارع الساكن من كل شيء إلا من صوت بكاؤها. زمّت سالي شفتيها وهي تتذكر تلك الليلة ولم يمر خيط أسف واحد تجاه قلبها، بل إنها متعطشة للمزيد للانتقام من تلك الفتاة التي عادت فجأة لحياتهم، وجلال الذي ظنت أنها تخلصت منه بسفره. "وبعدين ياعامر، يعني كل اللي عملناه هيضيع؟ التفت عامر ناحيتها باشمئزاز قائلاً: "اللي انتوا عملتوه...

أنا برا المواضيع دي من الأول." قطبت جبينها بغضب: "وهو أنا بعمل كل ده ليه؟ مش عشان أأمن مستقبل ولادنا؟ هتفت عامر بحدة: "ولادي مش محتاجين يأمنوا مستقبلهم على حساب دم ناس... أنا كفيل بولادي، إنما الثروة اللي انتي طول عمرك بتجري وراها تخصك لوحدك." "عامر..... قاطعها بحدة: "يكون في علمك عامر زهق وجاب آخره." "وهتعمل إيه ياعامر بيه.... هتطلقني؟ هز رأسه: "ياريت أقدر... بس مضطر استحملك عشان ولادي." زمّت

شفتيها بغضب: "والله متشكرة أوي لتضحيتك العظيمة ياعامر بيه اللي مقضيها مع كل واحدة شوية." نظرت إليه وتابعت: "ولا تكون فاكرني نايمة على وداني ومش عارفة باللي بتعمله من ورا ضهري وأنا كمان مستحملاه." نظر إليها بعبث ومال تجاه أذنها: "ما تعرفي... فاكراني خايف منك... لا ياقلبي أنا بخونك وكل يوم مع واحدة شكل." لفحت أنفاسه أذنها وتابع: "أصلي بصراحة مش، طايق المسك بقلبك الأسود ده....

نظر إليها بازدراء وتركها وغادر، تضرب الأرض بكعب حذائها وتسرع تجاه عمتها لتتحد معها للتفكير بحل لتلك الكارثة إن استولى جلال على كل شيء. ** *** ** خرج جلال من الغرفة تاركًا زاهي تطعم ابنها، وعقله شارد في تلك الدوامات التي هاجمت فجأة على حياته من كل جانب وأطاحت بكل شيء وقلبت موازين. فجأة انفتح الماضي بضراوة ليواجهه حقائق مؤلمة، وأكثرها إيلامًا أنه ظلمها... فجأة انقلب كل شيء...

تلك المخادعة التي تركته قبل سنوات وخلفت كل وعودها معه من أجل حفنة من الأموال كما أثبت له والده، كانت وقتها تتعرض لأكبر ظلم وقهر على يد والده! حقيقة ظالمة أخرى وهي أنه لديه طفل لا يعرف عنه شيء، بل والأبشع أن طفله ينادي رجلًا آخر بـ "بابا". رجل آخر وضعها تحت حمايته وكان أحن عليها وعلى طفلها منه هو! لقد اكتشف وجود طفله بالصدفة، وكان يمكن أن يمر العمر ولا يعلم عن وجود طفله شيء. إنها ظلمته أيضًا حينما أخفت عنه أمر كهذا.

هز رأسه، لا يعرف هل هو منحصف بها وبحياتها بظلم؟ أم أنها من ظلمته بأنانيتها لتخفي حقه بطفله وتلاعبت به؟ إنه يعرف عن أبيه ما يجعله لا يصدقه! ويعرف عنها ما يجعلها صادقة بريئة. ضم قبضته بقوة وهو يعيد تذكر كلمات عاصم... إن أبيه هددها وصورها وهي برفقته، ذلك الأب الذي يمكنه فعل أي شيء ليمنع اقتران اسم عائلته بها، يمكنه فعلها بهذه السهولة. لماذا لم تخبره بحقيقة ما حدث؟ لماذا لم تلجأ إليه ليحميها من والده ومن العالم بأكمله؟

ما زال يجهل الكثير من حقيقة ما حدث. لقد وضعه عاصم على أول طريق الحقيقة التي لابد وأن يسمعها منها هي! نظر بساعته قبل أن يطرق الباب، فقد ترك لها الوقت الكافي لإرضاع طفلها. ضمت زاهي طفلها إليها بقوة حينما استمعت لتلك الطرقات على الباب، ليتأهب كل انش بها لمواجهته. فإن عاد ليأخذ طفلها فهو حالم إن تركته له. ما زالت تجهل من الأساس سبب هدوئه المفاجئ ولا سبب إحضاره الطفل إليها.

ربما بسبب مزاج طفلها الصعب وكثرة بكائه، فهو لا يتقبل الغرباء بسهولة ولا يكف عن البكاء إلا بين ذراعيها أو ذراعي عاصم أو علياء. فهم عالمه الصغير ولا يعرف سواهم، لذا ما إن رأى أحدًا سواهم يصرخ ويبكي بلا توقف، فربما أشفق على الصغير الباكي وأحضره إليها. نظرت حولها لتمسك بهذا الإطار الزجاجي الموضوع على الكمود وتقف متأهبة للدفاع عن نفسها وطفلها من بطشه!

لم يسمع جلال لها ردًا ولم يعيد الطرق مرة أخرى، بل أدار مقبض الباب وفتحه! نظر إلى أرجاء الغرفة ليراها قد تراجعت لأحد الزوايا تضم طفلها إليها وتنظر إليه بنظرات مغموسة بالشراسة وهي تحمل قطعة الزجاج. كانت خائفة منه على طفلها، يقرأ هذا بعينيها، ولكنها حولت خوفها لقوة وشراسة ستواجهه بها. يعرف أن لديه طريقًا ومواجهة طويلة معها، ولكن ليس بيده شيء سوى الهدوء بعد أن غضب عليها بتلك الطريقة وجعلها تخاف منه.

تقدم ناحيتها بخطوات هادئة، وترت كل عصب بها، ليتوقف أمامها ينظر إلى الصغير متسائلاً بهدوء: "نام..؟! خفضت عينيها تجاه طفلها الغافي على كتفها وعادت لتنظر إليه مجددًا لتقول بشراسة ما إن مد يده تجاه الصغير: "متتقربش منه." نظر لعيونها ولتراجعها ليقول بنبرة مطمئنة: "سيبى اللي في إيدك دي عشان متتعوريش ومتخافيش." ظلت قابضة على قطعة الزجاج بيدها ليقول بهدوء وهو ينظر لعيونها: "بقولك سيبيها ومتخافيش يازاهي....

نطقه باسمها بتلك النبرة بعد كل تلك السنوات جعلت تلك القشعريرة تسري بجسدها وتجعل أنفاسها تضطرب. ليخطو خطوة أخرى مقتربًا وهو يقول: "أنا هاخده أوضته." هزت رأسها وتراجعت خطوة اصطدمت على إثرها بالحائط خلفها قائلة بنفي: "ابني هيفضل معايا." قال بهدوء جعلها تتوجس من سببه: "ماهو هيفضل معاكي، بس إحنا لازم نتكلم ومش هنعرف وإن إنتي شيلّاه كده." "خليني أخده... قاطعته وهي تبعد يده التي امتدت نحوها: "مفيش بينا كلام...

نظر لعيناها قائلاً: "في بينا كلام كتير.... أنا عاوز أعرف كل اللي حصل... ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيها وكأنه لا يعرف. ألم يتركها هدية وداع لصديقه؟ ألم يصورها وهي برفقته؟ عن أي حقيقة يتحدث وهو جزء منها؟ قالت وهي تشيح بوجهها: "وأنا مش عاوزة أتكلم في حاجة دلوقتي... أنا عاوزة أمشي من هنا." "تمشي تروحي فين؟ "بيتي." قال بتأكيد: "بيتك بقي هنا." رفعت عينيها نحوه بنظرة متهكمة: "فعلاً... "ده على أي أساس يا جلال بيه....

أنت ناسي كلامك ليا من شوية؟ "كنت فاهم غلط.... نظرت إليه ليرفع يداه: "هاتي الولد أوديه أوضته... وخلّينا نتكلم." هزت رأسها بإصرار: "لا... محدش هياخد ابني... ومش عاوزة أتكلم معاك في حاجة." زمّ شفتيه وبدأ صبره ينفذ، ولكن حقها بعد ذلك اليوم الضاري أن ترتاح، لعل بالغد يستطيعون التحدث بهدوء. ليهز رأسه بعد لحظة من التفكير قائلاً: "ماشي يا زاهي."

عقدت حاجبيها ناظرة نحوه لتجده ينظر نحوها، ولكن عيناه القاتمة لا تفصح عن مكنونات صدره. نظرت إليه ليمد يده تجاه الطفل قائلاً: "هاتيه." كانت على وشك الرفض حينما قال بحزم وهو يأخذ الطفل من على كتفها، بينما بيده الأخرى ينزع القطعة الزجاجية من قبضتها ويلقيها قائلاً: "تعالي عشان تطلعي أوضتك ترتاحي معاه." صعدت خلفه وضربات قلبها تضطرب مع كل درجة، لا تفهم شيئًا. لماذا هذا الهدوء بعد تلك العاصفة؟

إنها تخاف ولا تدري ماذا يخبئ لها، ولكنها مضطرة للانقياد خلفه لأن طفلها بيده. فتح ذلك الباب الخشبي الأنيق لغرفته ليضيء الأنوار ويدخل ناظرًا إليها، لتتبعه إلى داخل تلك الغرفة ذات الألوان الزاهية. ظلت واقفة بجوار الباب تنظر إليه وهو ينحني واضعًا الطفل بوسط الفراش الوثير. توجهه ناحيتها قائلاً: "هخلي الشغالة تطلعلك العشا... نامي وارتاحي عشان الصبح هنتكلم."

لا تعلم هل يهددها أو يملي عليها أوامره، لا تعلم شيئًا سوى أنها تريد أن تغادر ذلك المنزل هي وطفلها بأسرع وقت. ما إن خطى بضع خطوات للخارج حتى توقف مكانه حينما استمع لصوت المفتاح وهو يوصد الباب. إنها لا تأمنه وخائفة منه. وحقها، فقد كان كالثور الهائج أطاح بكل شيء بقوة غاشمة. بعد دقائق، رفضت فتح الباب للشغالة التي صعدت بالطعام قائلة: "مش عاوزة حاجة." هز رأسه وأشار لنعمة بالانصراف، تاركًا إياها لراحتها.

دخل للغرفة المجاورة ليخلع سترته ويلقيها على طرف الفراش، متهاويًا بجوارها على ظهره ناظرًا للسقف العالي. ماذا يحدث وماذا حدث وماذا وماذا... الآلاف الأسئلة انطلقت برأسه بلا هوادة، لم يوقفها سوى تلك الملامح التي فجأة غزت عالمه. ليتكئ على جانبه شارداً بها. تلك الجميلة الناعمة التي كان يحبها بجنون منذ أن وقعت عيناه عليها.

لقد امتلكت قلبه وتغلغلت بكيانه، بالرغم من كثرة النساء حوله إلا أنها الوحيدة التي أسرت قلبه، وهي الوحيدة أيضًا التي استطاعت تحطيم قلبه بجدارة. ليتذكر آخر لقاء لهما، لقد كان يشتعل غضبًا بعد مشاجرته مع والده الذي رفض زواجهم رفضًا قاطعًا وهدده بحرمانه من كل شيء. "وأنا مش عاوز منك حاجة... قطب شريف جبينه: "يعني إيه... قال جلال وهو يخطو للخارج: "يعني اشبع بفلوسك... بس زاهي أنا هتجوزها مهما عمل." "تمسك

شريف بقوة: "على جثتي أسيبك تتجوز بنت زي دي... نزع جلال يده من يد أبيه: "وأنا مش هتجوز غيرها...... "جلال... جلال... اندفع خارجًا غير مبالٍ بنداء والده الذي ارتمي على مقعده يلتقف أنفاسه، فقد ظن أن تهديده سيجدي نفعًا، ليتفاجأ أن ابنه ازداد عنادًا. دخلت إليه أخته نجلاء وعلى وجهها ملامح الامتعاض: "وبعدين ياشريف هتسيب ابنك يربط اسم عيلتنا ببنت السواق؟ حلق عنقه قليلاً قائلاً: "وعاوزني أعمل إيه؟ ...

هددته أحرمه من كل حاجة ولا فرق معاه... ما أنتي عارفة جلال عنيد وعمره ما هيرجع في قراره." رفعت حاجبها قائلة بتفكير: "يبقى نبعد البنت دي عنه بأي طريقة." نظرت إلى أخيها وكلاهما ترك العنان لتفكيره الشيطاني، لتقول نجلاء: "خلي بس انت حد من رجالتك يراقبها ويعرف تحركاتها ونقرر بعدها." ** *** ** أسرعت زاهي بضع خطوات تخرج من الجامعة حينما اتصل بها جلال يخبره أنه بانتظارها بالخارج. نظرت لملامح وجهه قائلة: "إيه ياحبيبي مالك؟

تحرك بالسيارة دون قول شيء لتجده يتجه إلى ذلك المنزل الذي يلتقيان به منذ أن تزوجها قبل شهرين، ولكنها طلبت منه أن يتوقفا عن الالتقاء سرًا حتى إعلان زواجهم، فهي بكل مرة تكون معه وتعود لتري والدها يجتاحها ذنب رهيب وتقرر ألا تقابله، ولكنها تتراجع بكل مرة بسبب ضعفها أمام حبه. التفت إليها وهو يرى ترددها، بينما قالت وهي تخفض عينيها: "جلال، إحنا مش قلنا مش هنتقابل هنا تاني؟

أمسك بيدها واجتذب عينيها لتنظر إليه قائلاً: "محتاجك يا زاهي...... "مالك ياحبيبي في إيه..؟ نظرت لعيناه قائلة: "أنت اتخانقت مع بابا كبسببي مش كده..... أنا عارفة إنه مستحيل يوافق على جوازنا." هز رأسه وأسند ظهره للخلف وجذبها إلى حضنه قائلاً وهو يقبل رأسها: "موافقته مش فارقة معايا في حاجة." رفعت رأسها نحوه لينظر لعيونها قائلاً: "هاخدك ونسافر أمريكا... خالي عايش هناك وهبدأ بالفلوس اللي معايا شغل صغير وهنعيش كويسين."

نظرت إليه بغصة حلق: "هتسيب عيلتك بسببي... هز رأسه وجذبها إلى صدره: "إنتي عيلتي وكل حاجة ليا... وضع وجهها بين يديه قائلاً: "أنا بحبك يازاهي ومش عاوز حاجة غير إنك تكوني جنبي." نظرت لعيناه بعيونها التي اغرورقت بالدموع وهي تقول: "وأنا كمان بحبك يا جلال.... بس أنا خايفة.... باباك مش هيقبل أبداً حاجة زي دي." "قلتلك مش فارق معايا رأيه في حاجة.... "زاهي أنا مش عاوزك تخافي من أي حاجة طول ما إنتي معايا.....

أنا هفتح عم محمود في موضوع جوازنا وهقنعه إنه يسافر معانا." قالت بتعلثم: "بس.... يعني أنت هتقوله إننا متجوزين؟ "لا طبعاً... ولو على كتب الكتاب هقوله إننا هنكتب العقد في السفارة." ضمها إليه ومرر يديه على شعرها الحريري هامسًا: "سيبى كل حاجة عليا ومتفكريش في أي حاجة طول ما إنتي معايا........ انتهت كلماته بين شفتيها ينهل من رحيقها بلا هوادة ويندثر غضبه وألمه بين أحضانها.

تقلب للجهة الأخرى يتنهد مطولاً حينما عاد بذاكرته مرة أخرى لصدمته بها. لقد انتظرها مطولاً في المطار بعد أن أنهى كل ترتيبات سفرهم. أغلق الهاتف بضيق، فهي المرة المائة التي يتصل وهاتفها مغلق. تسرب القلق لقلبه ليتفاجأ بصديقتها أمل تغدو بالسير نحوه وتلقي بتلك الكلمات التي لم يستوعب حرفًا منها: "إيه؟ "بتأسفلك وبتقولك سافر انت... مش هتقدر تسافر معاك........

لم تكمل باقي كلماتها ليسرع خارجًا والقلق يتشعشع بقلبه، فمؤكد حدث شيء سيء، لتعصف به الظنون طوال طريقه لمنزلها يظن أن والدها أصابه مكروه أو هي. ما إن قارب الوصول إلى منزلها حتى توقفت تلك السيارة السوداء الفارهة أمام سيارته. نزل منها شريف المهدي بهيبته المعهودة ليقف لحظة يطالع جلال الذي هددت ملامحه بغضب أهوج ظنًا منه أنه تعرض لها أو لوالدها. قال ببرود: "إيه مسافرتش ليه يا جلال؟

التفت تجاه منزلها ثم عاد النظر لابنه متهكمًا: "كنت مستنيه؟! هز رأسه وتابع بسخرية: "جلال المهدي واقف مستني بنت محمود تحن عليه وتسافر معاه بعد ما ساب كل حاجة عشان خاطرها." سحق جلال أسنانه: "بابا." أشار شريف بيده ليوقف جلال عن التحدث قائلاً: "خلاص... أنا قلتلك اعمل اللي انت عاوزة يا جلال مش هتناقشك." نظر إليه جلال ليتابع شريف وهو يزم شفتيه: "وأنا كمان عملت اللي أنا عاوزة." عقد جلال جبينه: "انت عملتها إيه؟

قال شريف بجمود: "معملتش ليها ولا أي حاجة .... أنا بس حميت ابني." رفع جلال حاجبه بترقب ليكمل شريف: "أنا اديتها هي وأبوها قرشين عشان تبعد عنك.... هز كتفيه وأكمل بينما يتابع تعبيرات ملامح جلال: "واخدتهم يا جلال... باعتك بملاليم عشان بس تعرف إن أبوك أكتر واحد خايف عليك لما منعك تربط اسمك بواحدة زيها ميهمهاش حاجة غير الفلوس... أول ما عرفت إني حرمتك من ثروتي وافقت على كام ألف جنيه تطلع بيهم بدل ما تطلع من غير ولا حاجة."

تجهمت ملامح جلال وهددت بعاصفة ليكمل شريف سريعًا: "مش مصدقني وعاوز تطلع بيتهم تتأكد بنفسك اتفضل... مش هتلاقي حد، أخدت أبوها ومشيت..... ولو برضه عاوز تسافر مش همنعك... ابعد وفكر بعقل لوحدك هتعرف إن مش عاوز غير مصلحتك.... إنت ابن شريف المهدي لما تتجوز تختار واحدة تليق بيك وباسم عيلتك..... كلهم في السرير واحد مش هتفرق بنت محمود عن غيرها، الفرق إن اسمك تديه لمين."

تركه بعد أن ألقى كلماته المسمومة التي نفذت لقلبه وعقله، الذي انصدم بتلك الحقيقة، فهي بالفعل اختفت هي ووالدها وخلفت وعدها معه من أجل حفنة من الأموال. عامان مضيا والوجع لا يقل، ولكنه تحول من وجع قلبه لوجع كرامته التي كانت لا تريد سوى الثأر منها لتلاعبها به. لقد بحث عنها ليشفي نيران كرامته ولكنه لم يصل لشيء، ليقابلها صدفة وينفتح الجرح بألم أكبر حينما وجدها متزوجة وهي ما تزال بعصمته، وكل الظنون السيئة تجتمع سويا.

تركته من أجل الأموال، ألقيت نفسها بأحضان رجل آخر. ليجد نفسه ما هو إلا ظالم ظلمها بعد أن صدق خديعة والده. اعتدل جلال جالسًا يفرك وجهه بعصبية وهو يتذكر تلك الذكريات. ليتذكر كلمات عاصم له. خرج الشرفة وأشعل سيكاره يفكر. أبيه؟! أبيه هو مفتاح اللغز الذي حيره طوال عامين. الآن باتت الأمور منطقية أكثر. هي لا تتركه من أجل أموال.

الآن بات يستطيع الجهر بهذا الكلام الذي كان يخشي قوله لنفسه من قبل ويدافع عنها أمام قلبه الذي يعشقها. الآن استطاع تفسير سبب بعدها. أبوه هو من أبعدها ولم يكن هناك طريقة أقذر من الطريقة التي استخدمها. توقف أمام النافذة الزجاجية لتلك الشرفة المتصلة بغرفتها لينظر من خلالها إليها على نور الغرفة الخافت. فتح الشرفة بهدوء ودخل إلى غرفتها من خلال النافذة ليتوقف قليلا أمامها وقد نامت وهي تحتضن طفلها بكلتا يديها.

جثا على ركبتيه أمام الفراش ناظرًا نحوها وكأنه يستعيد ملامحها وذكرياته معها التي لم تفارق خياله، ولكنه كان يندم عليها عكس الآن، يريد تذكر كل لحظة برفقتها ليذكرها بها بعد ما حدث. لديهم الكثير والكثير ليتحدثوا به، ولكن أولاً أمامه الكثير ليفعله قبل حديثهم. نقل نظره بينها وبين صغيرها الذين كانوا بلا حول ولا قوة أمام بطش أبيه.

طال مكوثه يتأملها ويتأمل الصغير الغافي بجوارها حتى بدأت الشمس تنثر أشعتها لينظر إلى ساعته الأنيقة يجدها تشير للسادسة. نظر إليها قبل أن يغادر، ولكنه لم يستطع أن يقاوم رغبته بتقبيل شفتيها، بالرغم من كل ما يدور برأسه، إلا أنه يعرف أن تلك القبلة كفيلة لتهدئة نيران عقله المشتعل.

لينحني بهدوء طابعًا قبلة ناعمة على طرف شفتيها، تنفس أنفاسها مغمضًا عينيه يسحب نفسها عميقًا من رائحتها التي اشتاق إليها قبل أن يغادر سريعًا ويغلق النافذة. ارتدى بدلته السوداء الأنيقة بقميص مماثل ليخرج إلى سيارته مناديًا ناصر الذي أسرع ناحيته. "ناصر ابعت حد يجيب الحاجات دي ويديها لنعمة." تناول ناصر الورقة التي دون بها جلال الكثير من الأشياء والمستلزمات الخاصة بالأطفال والتي مؤكد ستحتاج إليها،

ليقول: "خليها تطلعهم للهانم لما تصحى وتاخد بالها منها كويس، ولو في أي حاجة تكلمني." "تمام ياباشا." فتح باب سيارته وأشار لناصر قائلاً: "نبهه على حامد مفيش حد يخرج ولا يدخل الفيلا." "أوامرك يا جلال باشا......... بعد ساعتين كان جالسًا على رأس تلك الطاولة الكبيرة بوسط ذلك المكتب المهيب. دخل صالح ويحي، ابنا عمّه اللذان وصلا لتوهما من القاهرة ليحتضنه كلاهما بترحيب: "حمد الله على السلامة يا جلال." "الله يسلمك يا صالح."

"حمد الله على سلامتك." "الله يسلمك يايحي." جلس عامر وآدم بعد أن تبادل الجميع التحية، وكذلك الأستاذ وحيد ليسأل صالح: "مفيش أخبار عن اللي عمل كدة في عمك؟ قال آدم: "البوليس بيحقق... بس واضحة كمال مفيش غيره." قال يحي بنزق: "واحنا هنسكت؟ قال جلال بهدوء: "لا هنرد... بس مش دلوقتي. محتاجين نظبط شغلنا الأول.... ونشوف موضوع الصفقة مع الجماعة بتوع اليابان، بعدها أنا هعرفه إزاي يتجرأ على حد من عيلة المهدي."

أومأ له صالح ليبدأ الجميع بفتح أوراقهم والعمل، لتطول جلستهم عدة ساعات انتهت بجلال يوجه التعليمات للجميع: "أنا هفضل في اسكندرية لغاية ما أظبط كل حاجة وآدم وعامر معايا..... وإنت يايحي هترجع وتتابع شغل الشركة في القاهرة..... صالح هيسافر اليابان يتابع الموضوع مع مكتبنا هناك............

انصرف الجميع بينما ظل وحيد جالسًا ليتجه كلاهما إلى المكتب ليجلس جلال خلفه، وفي المقعد المقابل جلس وحيد الذي أخرج من حقيبته الجلدية تلك الأوراق قائلاً: "اتفضل يا جلال بيه، ده مستخرج من شهادة الميلاد اللي طلبته." نظر جلال بأعين متقدة لتلك الشهادة المدون بها اسم طفله زين عاصم عز الدين، ثم توجهت عيناه لنتيجة تحليل الحامض النووي والتي تثبت بنوته لابنه، ليقول بلهجة أمره: "أنا عاوزك تغير شهادة الميلاد دي يا وحيد."

قطب وحيد جبينه بعدم فهم، ليضع جلال أمامه نتيجة الفحص لتجحظ عينا وحيد مرددًا: "ابنك... هز جلال رأسه قائلاً: "عايز خلال ساعة يكون ابني على اسمي." تنحنح وحيد بحرج: "بس... بس يا جلال بيه." عقد جلال حاجبه: "إيه مش هتعرف تعملها... مسح وحيد حبات العرق التي لمعت على وجهه: "لا.. لا طبعاً... بس قصدي.. يعني متأسف يا جلال بيه على تدخلي، بس أنت واعي الخطوة دي... فجأة يكون عندك طفل... واسم سيادتك في السوق و.... ضرب

جلال طرف المكتب بقبضته: "انت هتحاسبني يا وحيد؟ "العفو يا فندم... أنا.... قال بحدة: "انت تنفذ اللي قولته عليه وبس.... شهادة الميلاد دي تختفي وابني يتكتب باسمي، فاهم؟ بتوتر أخذ وحيد شهادة الميلاد لينصدم وهو يأخذ عقد الزواج الذي وضعه جلال أمامه، وتقع عيناه على اسم الزوجة، ولكنه سرعان ما يخفي صدمته ويخرج مسرعًا. اهتاج شريف وهو يستمع لمكالمة وحيد له، ليسرع عامر إليه: "في إيه ياهالي، إيه اللي حصل؟ "عاوز أخرج من هنا....

رجعني البيت يا عامر." "ياهالي مينفعش حالتك... قاطعه شريف بحدة: "نفذ اللي بقول عليه.... عاوز أرجع البيت فورًا." ** *** ** نظرت زاهي لتلك الطرقات على الباب لتحمل طفلها بين ذراعيها هاتفه: "مين؟ "أنا نعمة الشغالة ياهانم... فتحت الباب وهي لا تزال متمسكة بطفلها لتدخل تلك المرأة ذات الوجه البشوش تحمل بضعة أكياس قائلة: "البيه بعت الحاجات دي لسيادتك." ظلت زاهي صامتة، بينما تابعت نعمة: "هنزل أجهز الفطار حالا لسيادتك...

تأمري بحاجة؟ هزت رأسها: "لا... نظرت زاهي تجاه تلك الأشياء التي أحضرها، يظن أنها باقية. نزلت الدرج وهي تحمل طفلها لتتجه نحو ذلك الباب الزجاجي الضخم، ولكنها وجدته مغلقًا. التفتت تجاه نعمة: "افتحي الباب." قالت نعمة بتعلثم: "ياهانم.. دي أوامر الباشا الخرس قافلين من بره." زمّت شفتيها بغضب. همجي لا يتفاهم شيئًا سوى فرض قوته. يحتجزها ويخيفها ليأخذ طفلها منها.

عادت زاهي لتلك الغرفة بعد أن استسلمت، فهي لن تستطيع الهرب ما لم يأمر بذلك، وحتى أنها بلا هاتف، تريد أن تطمئن على عاصم وعلياء وتخبرهم أنها بخير. ** *** ** نظر آدم إليه وهو يتناول تلك الورقة من وحيد ناظرًا إليها وعيناه تلمع لرؤية اسمه بجوار اسم طفله. نظر إليه آدم: "أنت واثق في اللي عملته ده يا جلال؟ ضيق جلال عيناه باستنكار: "انت بتسأل؟ إيه كنت عاوزني أسيب ابني باسم راجل تاني؟ "لا طبعاً بس.. عواقب الموضوع ده كبيرة."

"مش مهم غير إني أصلح اللي فات وأرجع مراتي وابني لحضني." "اتكلمت معاها؟ هز رأسه ليقول آدم: "أنا مش مصدق إن عمي ممكن يعمل كده." قال جلال بغضب: "ويعمل أبوه كده عشان الفلوس... نظر أمامه وأكمل بوعيد: "بس برحمة أمي لهحسرة على ثروته." قال آدم: "يا جلال متنساش إنه أبوك برضه." هتف بحدة: "وهو لية نسي إني ابنه وهو بيفضح مراتي." فتح آدم فمه ليتحدث ليقول جلال بنبرة قاطعة: "مش عاوز أتكلم في الموضوع ده...

دمي بيفور كل ما افتكر اللي سمعته من اللي اسمه عاصم." مسح وجهه بعصبية: "لعب بيا وأنا زي الغبي كنت هموتها، أاتاريها كانت مضطرة.... صدقت كلامه الغبي إنها سابتني عشان الفلوس وسافرت وسبتها ويا عالم عمل فيها إيه... لازم أسمع منها كل اللي حصل." أومأ له آدم: "روح لها يا جلال.... ولو عاوز نصيحتي سيبك من اللي فات وابدأ من جديد." ** *** ** نظرت علياء لارجاء المنزل

الخاوي بحزن تحدث نفسها: "ياترى إنتي عاملة إيه يا زاهي يا حبيبتي.... عمل فيكي إيه المجرم ده هو وأبوه. أنا لازم أطمن عليكي بأي طريقة." ** *** ** عاد للمنزل ليجد نعمة تنزل الدرج حاملة الطعام. سألها: "في إيه؟ "أبدا يابيه دي الهانم برضه مرضيتش تاكل." "ليه؟ "مش عارفة... من الصبح كل ما أطلع بالأكل ترجعني بيه ويادوب شربت شوية ميه من الصبح."

هز رأسه وتوجه للأعلى. فتح الباب لتنتفض زاهي، ولكنها سرعان استعادت ثباتها لتنحني تحمل صغيرها الذي كان يحبو على الأرضية ذات السجاد زاهي الألوان الذي اجتذب نظره. بكى زين حينما حملته ليقول جلال بجبين مقطب: "شيلتيه ليه... سيبه يلعب." هزت رأسها ليقول برفق ويعذبه رؤيته لها خائفة عليه من ابنها كلما رأته: "متخافيش."

أنزلت الطفل من على ذراعيها ببطء ليحبوه زين مجددًا ويتوقف عن البكاء رافعًا عيناه تجاه جلال الذي جثا على ركبته أمامه يبتسم له لحظة قبل أن يحمله ويضمه إليه. بعاطفة تدفقت بعروقه ما إن لامس الصغير دقات قلبه. نظرت إليه زاهي بترقب ظنًا منها أنه سيأخذ الطفل، ولكنها وجدته يحتضنه بحنان رافعًا وجهه إليه يتأمل ملامحه الجميلة والتي تشبهها كثيرًا. ملاك بعيون بنية وشعر أسود غزير مثلها، ولديه غمازات والده.

نظر زين تجاهه وكأنه يمد يده باستكشاف مثير لوجهه، لتندهش زاهي من عدم بكائه أو استغرابه له. وضعه مجددًا واعتدل واقفًا ينظر إليها، يود لو يتأملها طويلًا كما تأمل طفله، ويتمنى لو يأخذها بحضنه بعد تلك السنوات من البعد والاشتياق. إنها زوجته وأم ابنه كما تمنى دوما. نظرت زاهي لنظرته لها، ولكنها سرعان ما أشاحت بعينيها حينما التقت بعيونه. زمّ شفتيه قائلاً بهدوء: "سيبى زين نعمة هتاخد بالها منه وتعالي عاوز أتكلم معاكي." "لا....

ابني هيفضل معايا." قال بحزم وهو يمسك بيدها يقودها خارج الغرفة: "قلتلك متخافيش... نزعت يدها منه وسارت خلفه بخطوات بطيئة حتى دخل للغرفة المجاورة. قدرتها على الاحتمال تتلاشى مع نبرته الهادئة وسؤاله الذي يستفز مشاعرها عن الحقيقة التي يتظاهر بأنه لا يعلم عنها شيئًا. نظرت إليه بحدة ما إن سألها: "حقيقة إيه اللي عاوز تعرفها.... "إيه اللي خلاكي تعملي كده.... ملجأتيش ليا وقولتيلي على اللي أبويا عمله....

لية خبيتي حملك ورحتي تكتبي ابني باسم راجل تاني؟ سخرت: "فعلاً... نظر إليها لتكمل: "إنت فعلاً بتسأل عن الحقيقة..... حقيقة إنك كنت بتتسلّي ببنت السواق.... ولا حقيقة غدرك بيا.... عقد حاجبيه بغضب: "إيه اللي بتقوليه ده؟ قالت بحدة: "بقولك الحقيقة اللي عامل نفسك مش عارفها..... ماشي يا جلال بيه هعمل نفسي مصدقة إنك متعرفش حاجة وهقولك الحقيقة.... هقولك حقيقة غدرك بيا وانت بتصورني وانا معاك....

هقولك حقيقة ندالتك معايا وانت بتبعت اختك تاخدني لبيتك وانت بتسلمني لواحد صاحبك هدية..... حقيقة إنك بعتني لابوك مقابل إنه ميحرمكش من ثروته..... حقيقة أبويا اللي مات قدام عينين أبوك واختك من غير ما يرف لهم جفن، جزاتي إن بصيت لابن عيلة المهدي..... حقيقة إنك بعد ما رميتني لابوك يعمل فيا كده جاي بعد سنين واقف قدامي بردك تسألني عن اللي حصل وكأنك متعرفش."

كان وجهه ساحة من التعبيرات البشعة وهو يستمع إليها تهتف من وسط دموعها التي انهمرت من عينيها وهي تتذكر تلك الليلة البشعة: "أبويا مات قدامي واختك وأبوك واقفين يتفرجوا، أنا كنت ببوس رجلهم يطلبوا الإسعاف لغاية ما آخر نفس له طلع وهو مرمي في الشارع بسببي وبسبب إني وثقت في واحد ندل زيك..... قال بضياع وصدمة مما استمع إليه، فلم يكن يتخيل الحقيقة مرعبة بهذا الشكل: "إنتي متخيلة إني ممكن أكون عارف حاجة زي دي؟ زاهي...

إنتي مصدقة إني ممكن أعمل فيكي كده... أشاحت بعيونها الباكية عنه ليجذبها إليه وقد لمعت الدموع بعينيه وانهزمت رجولته أمام دموعها التي عجز عن حمايتها: "زاهي.... أنا استحالة أعمل فيكي كده.. أبويا عمل كدة من ورايا وفهمني إنك سبتيني.... بكت بحرقة وهي تستمع إليه ليحاول ضمها إليه ولكنها دفعته عنها بجفاء هاتفه: "ابعد عني... إنت السبب في كل اللي حصلي... بابا مات بسببي." قال برفق وهو يحاول ضمها إليه مجددًا

يهديء من انهيارها: "زاهي أنا مقدر اللي حصلك... بس إنتي كمان قدري إني اتخدعت زيك." صاحت فيه من بين دموعها: "أقدر إيه.... إنت إيه اللي حصلك... قلبك اتكسر... اتخدعت في اللي كنت بتحبها لما طلعت طماعة زي ما أبوك قال..... أييييه اللي حصلك... عايش زي ذنب أبويا اللي مات قدامي بسبب اللي عملته." إنهمرت دموعها كالشلال وهي تفرج أخيرًا عن كبت السنوات بداخل صدرها: "أنا أستاهل اللي يجرالي...

غلطت ولازم أتحمل تمن غلطتي، إنما هو عمل إيه بقى عشان يبقى جزاته يموت بالطريقة دي... جزاته إيه يشوف بنته اللي ضيع عمره عليها بالطريقة دي... هزت رأسها بندم قاتل: ".. جزاته إنه وثق فيا.... وأنا مستاهلش ثقته.... أنا أستاهل هو لا... يا ريتني أنا اللي مت وهو لا... أنا السبب." جذبها جلال إليه رادعًا كل محاولتها لابعاده لتنهار باكية بين ذراعيه ممزقة أوصال قلبه على ما تعرضت له. مرر يداه بحنان على ظهرها. "كفاية...

كفاية يا زاهي... رفع وجهها الباكي بين يديه ينظر لعيونها الغارقة بالدموع: "كفاية متحمليش نفسك ذنب." قالت بقلب محترق: "الذنب ده هيفضل طول عمري في رقبتي." "إنتي معملتيش حاجة.... إنتي اتجوزتيني على سنة الله ورسوله." هتفت فيه من بين دموعها: "في السر.... اتجوزتك في السر... أنا اللي رخصت نفسي واديتهم فرصة يعملوا كده فيا."

تنفس مطولاً بأنفاس حارقة تحمل اللهيب المشتعل بداخله. ورفع رأسها لتنظر إليه قائلاً: "وحياة دموعك دي هاخدلك حقك منهم كلهم." ** *** ** لوت نجلاء شفتيها بعدم رضا قائلة: "إنت إزاي ياشريف تخرج من المستشفى وانت في الحالة دي." قال شريف: "أنا كويس يانجلاء." دخلت سالي قائلة: "بابي كويس ياعمتو ولازم يرجع، أمّال عاوزاه يسيب جلال ياخد كل حاجة." نظرت إليه عمتها ووكزتها بجانبها، بينما اندفعت سالي تجاه والدها.

"بابي انت هتسكت على اللي جلال عمله.... هتسيب فلوسنا كلها في إيده... هتسيب بنت السواق تتمتع بفلوسنا.... كالأسد الثائر كان جلال الذي اندفع كالعاصفة وخلفه آدم تجاه غرفة أبيه واستمع لحديثها ينقض عليها ممسكًا بخصلات شعرها بقوة مزمجرًا: "بنت السواق دي تبقي مراتي وأم ابني يابنت ال.... مراتي ياكلبة اللي زقيتي عليها راجل تاني."

تسمّرت نجلاء مكانها، بينما أمسك شريف بقلبه حينما قام يحاول إبعاد جلال عن ابنته ليركض عامر ما إن استمع لصراخ زوجته هو وعمته يحاولون تخليصها من قبضة جلال القوية. "اهدي يا جلال...... قالها عامر الذي أسرع يبعد جلال عن أخته الذي هدر وهو يدفعها على الأرض: "احمدي ربنا إنك أختي وإني لسة عامل حساب للدم اللي بيجري في عروقنا، وإلا كنت دفعتك التمن غالي انتي." "تمن شرف مراتي واللي عملتيه فيها....

أمسك آدم بيد عمه يعيده إلى الفراش، بينما حاول عامر تهدئته. ليقف جلال هاتفا بصوت قوي: "كله يسمعني وأولهم إنت ياشريف يامهدي..... أنا عرفت بقذارتك اللي عملتها إنت وبنتك في مراتي عشان تبعدني عنها وأنا زي المغفل صدقتك...

بس من النهاردة كل واحد يعرف إن زاهي مراتي وأم ابني. اللي فيكم هيبصلها مجرد بصه متعجبنيش مش هيلحق حتى يندم. أي كلب فيكم كان له يد في اللي حصل يعرف كويس أوي إني مش هرحمه. من النهاردة البيت ده بيت زاهي جلال المهدي، اللي مش عاجبه يتفضل برا. وكل حاجة بقت في إيدي زي ما إنت كنت عاوز ياشريف بيه... وللأسف ده كان أغبي قرار أخدته لإني ناوي أخليك تندم عليه صح."

انصرف كالعاصفة كما دخل، ليظل الجميع متسمرًا مكانه لا يقوون على النطق بشيء، وأولهم شريف الذي أدرك أنه أشعل نيرانًا لم تنطفئ. نظرت سالي لنجلاء لتقطب جبينها مرددة بعدم تصديق: "ابنه... هو مخلف من بنت السواق كمان." انحنت بجوار فراش والدها الذي أغمض عينيه يفكر، فهو يعرف جلال جيدًا وأنه لن يتراجع بحرف عن تهديده. لا يهتم بالثروة فهي بيد ابنه قبل كل شيء، ولكنه يهتم بتلك العداوة التي لن تنتهي بينه وبين ابنه الوحيد.

"بابي انت هتسكت كده... أنت لازم تعمل حاجة." ظل صامتًا لتقول نجلاء: "إنت ساكت كده ليه ياشريف؟ ماتشوف حل المصيبة دي، بيقولك بيت بنت محمود." "سيبوني واطلعوا برا كلكم... زمّت نجلاء شفتيها بغيظ وكذلك سالي التي قالت لعمتها: "أحما مش لازم نسكت ياعمتو، البنت دي لا يمكن تتمتع بقرش واحد من فلوسنا ولا العسل اللي هي جايباه." جذبها عامر بقوة لغرفتهم قائلاً بغضب: "ماتبطلي طمع بقي وكفاية لغاية كده." "وانت مالك.... حقي ويدافع عنه."

"حقك أخوكي مش هياكله." "وانت مسمعتش قال إيه من شوية." "قال كده من حرقة قلبه على اللي عملتوه في مراته." نظر إليها بازدراء: "عمري ما تخيلت إنك بالبشاعة دي. كنتي عارفة إنها مراته مش مجرد واحدة زي ما قلتيلي ومع ذلك عملتي فيها كده. بتسّلمي مرات أخوكي لواحد تاني... إيه كمية القرف ده؟ كل ده عشان الفلوس؟ "عامر..... أوقفته والدته عن قول المزيد: "عاوزاك." قال بحدة: "لو هتتكلمي في أي حاجة مش عاوز أسمع.....

اشبعوا ببعض كلكم أنا من اللحظة دي ماليش علاقة بيكم غير ولادي." ** *** ** خرج عامر متجاهلاً نداء آدم خلفه ليسير بالغناء تجاه سيارته وهو ينفث النيران، لقد فاض به الملل من تصرفات تلك العائلة. لقد زوجته أمه من ابنة خاله ولم يمانع وقتها، فهو أولى بزواجه وستحافظ عليه وتكون لديه أسرة، ولكنه وجدها نسخة من والدته الراكضة خلف الثروة والمال والتي منذ نعومة أظفاره ملتصقة بخاله كالعلقة بعد أن مات والده.

نسخة جميلة من امرأة باردة بقلب متحجر، لا تفكر سوى بالمال كأبيها. مرت السنوات وهو يجاهد كثيرًا لإرجاعها عن جمود قلبها وطمعها، ولكنها حالة ميؤوس منها، فنفر منها واتجه لنساء أخريات لملء فراغها بعد أن يئس من الانفصال عنها بوجود ثلاثة أطفال بينهم. والآن بات كرهه لها بلا حدود حينما عرف بما فعلت. إنها امرأة مثلها تفعل بها ذلك الشيء المشين. لقد خدعته وأخبرته بكذبة والدها أنها فتاة طامعة بالمال تركض خلف جلال المهدي.

ليككتشف أنها تعرف أن تلك الفتاة زوجة أخيها، ومع ذلك تقودها لرجل آخر. ألقى سيكارته على الأرض وسحقها بحذائه مقررًا الذهاب لأحد اللواتي يعرفهن ليقضي إحدى السهرات وينسى قليلاً ما مضى. عقد حاجبيه وهو يتحرك بسيارته ما إن لمح ذاك الخيال بالقرب من البوابة. ** *** ** "إنتي مين وبتعملي هنا ليه... قالها عامر بنبرة مخيفة وهو يمسك بتلك الفتاة الواقفة خلف الأشجار.

ارتجفت أوصال علياء التي رفعت وجهها ببطء تجاه ذلك الرجل الضخم الواقف أمامها. نظر عامر لتلك الفتاة ذات الوجنة الممتلئة والعيون السوداء أسفل تلك الأهداب الكثيفة التي تعض على شفتيها الممتلئة بتوتر. لم تكن علياء فائقة الجمال، وإنما فتاة بقامة متوسطة وجسد ممتلئ قليلاً ووجه بملامح هادئة تبعث إحساس بالبراءة لمن ينظر إليها، وكأنها طفلة صغيرة بالرغم من أنها تجاوزت الثلاثين. وقالت بتعلثم: "أنا... أنا...

هدر بها وهو يتفحصها، فهي غريبة تمامًا، فماذا يأتي لفتاة مثلها إلى منزلهم. "إنتي إيه؟ قالت بصوت خافت تلعن غباءها الذي قادها لهذا العنوان الذي بحثت عنه مطولاً لمنزل عائلة المهدي، واتضح أنه قلعة بكل هؤلاء الحرس الذين تسللت من خلفهم بينما كانوا يفسحون المجال لسيارة فارهة تغادر قبل قليل، لم تلمح سائقها والذي كان جلال. "عاوزة أطمن على زاهي." عقد حاجبيه بتساؤل عن هذا الاسم: "زاهي... أومأت له ليتذكر أنها زوجة جلال: "اااه."

"وأيه اللي هيجيبها هنا؟ قالت ببراءة: "مش ده بيت المهدي؟ هز رأسه: "آه... بس هي مش هنا." لوت شفتيها الممتلئة بإحباط واستدارت لتغادر ليجد نفسه يوقفها: "... طيب استنيمش تقوليلي انتي مين؟ هزت كتفها وتابعت سيرها: "بنت خالتها." أوقفها مجددًا: "إنتي ماشية كده؟ "وفيها إيه؟ "فيها الحرس دول هتقوليلهم إيه.... وبعدين إنتي أصلاً جاية منين؟

كل تلك الأسئلة بدرت لذهنه ما إن رأى تلك الفتاة التي أخبرته باقتضاب بأنها جاءت من منزلهم للبحث عن زاهي بعد ما أخذها جلال، ليسأله مجددًا: "طيب وهتروحي إزاي في وقت زي ده؟ "وانت مالك؟ رفع حاجبه متجاهلاً حديثها: "طيب اركبي هوصلك بيتك." "مش بركب عربية راجل غريب." رفع حاجبه بغيظ: "يعني جاية مكان زي ده في نص الليل وداخله بيت متعرفيش مين اللي فيه وتقوليلي مش بركب مع راجل غريب...

احتقنت وجنتها الممتلئة بالاحمرار غضبًا ليجد ابتسامة تتهاجي لشفتيه وهو يقاوم رغبته التي باغتته فجأة بقضم تلك الخدود ليقول مهدئًا: "طيب تعالي بس اركبي واعتبريني ياستي سواق تاكسي." ** *** ** كان منتصف الليل حينما عاد جلال من مواجهته مع عائلته ومازال غضبه متقد. نظر بدهشة لزاهي الواقفة بوسط البهو بانتظاره ليقطب جبينه ينظر إليها وقد حملت طفلها النائم بين ذراعيها. "إيه؟ زين ماله؟ هزت كتفها: "مفيش."

"أمال منزلاه من سريره ليه في وقت زي ده؟ "مستنياك ترجع عشان تبلغهم يسيبوني أمشي." عقد حاجبيه باستنهاجان: "تمشي..؟ هزت رأسها: "آه... مش عاوزة أفضل هنا أنا ولا ابني." اشعل فتيل أعصابه ليقول بهدوء ظاهري وهو يشدد على كلماته: "بس ده مكانك... إنتي وابني مكانكم بيتي." اقترب منها وتابع: "زاهي أنا مقدر موقفك واللي حصلك... بس إنتي كمان قدري إني كنت زيك ضحية للعبة دي."

"مش هينفع يا جلال مستحيل أبقى في مكان واحد أو أتنفس مجرد نفس بيتنفسه حد من عيلة المهدي." زمّ شفتيه بغضب من عنادها لينظر إلى طفله الغافي بين ذراعيها قائلاً بمغزي: "ناسيه إنك شايلة ابني.... ابني زين جلال المهدي." احتقن وجهها وقالت لتستفزه: "وأنت واثق إنه ابنك..... مش يمكن أنا زي ما إنت قلت مقضياها." هدر بها بحدة: "اخرسي.... زين ابني ومن صلبي." قالت بتهكم: "عملت تحليل طبعًا... نظر إليها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...