نظرت زاهي لارجاء تلك الغرفة الغريبة عنها لتهتف بعدم تصديق: يانهارك اسود... انت خطفتني..!! قال بابتسامة لعوب: اهتمتمت وهي تتلفت حولها تحاول تذكر ماحدث قبل ان تصل لتلك الغرفة: مجنون... اكيد مجنون... ظل جلال مستنداً برأسه إلى ذراعه، ينظر لجمال وجهها الغاضب وابتسامة ماكرة مرتسمة على جانب شفتيه، وهو يتذكر كيف قرر أن ينهي ذلك البعد الذي طال بينهما ولم يعد يحتمله.
ليضع تلك الحبة المنومة التي وصفها له الطبيب في العصير الذي تناولته بالزفاف. بضع دقائق وكانت قد بدأت تشعر بالدوار، ليقف بجوارها أثناء توديعها لعامر وعلياء استعداداً ليحملها ما أن بدأت تغفو. ليضعها بسيارته ويأتي بها لهذا المنزل الذي جهزه لهما. زمت شفتيها بغيظ من ابتسامته المنتصرة التي تجتاح وجهه، لتقول بغيظ وهي تغادر الفراش: وانت فاكر إنك كده هترجعني؟ قال بهدوء وهو يمسك بيدها ليجلسها بجواره:
أنا مش فاكر ولا عاوز أفكر في أي حاجة غير اللي جاي في حياتنا مع بعض. لانت نبرته واقترب منها قائلاً باشتياق وعيناه متركزة على عيونها: وحشتيني يا زاهي ومش قادر أبعد عنك أكتر من كده. رفع ذقنها إليه وأكمل بنبرة ناعمة: زاهي، إحنا بينا حب كبير وحياة وولد وبنت جميلة هتشرف كمان كام شهر، مينفعش نبعد عن بعض. كادت نبرته الناعمة ونظرات عيونه أن تفقدها إصرارها على موقفها، ولكنها رفعت عيناها إليه بعتاب قاسٍ قائلة:
ومكنتش شايف كده وانت شايف إني خاينة. انفعلت ملامحه وهو يقول: زاهي.. قلتلك غلطت... الغيرة جننتني. قالت بإصرار: في فرق كبير أوي يا جلال بين الغيرة وقلة الثقة. وأنت معندكش أي ذرة ثقة فيا. تنهد مطولاً قبل أن يضع يداه فوق يداها قائلاً: زاهي.... افهمي إني مفكرتش وقتها في أي حاجة... مشفتش قدامي أصلاً عشان تبقى عندي ذرة عقل أفكر بيها. طبعي وأنتي عارفاه كويس من سنين. لما بتعصب ببقى واحد تاني. أغاظتها كلماته لتهتف باستنكار:
وأنا المفروض أبقى تحت رحمة عصبيتك. قال بنفاذ صبر: كفاية بقي يا زاهي أنا تعبت من البعد بينا. هتفت بحدة: وأنت ليه مكنش كفاية؟ لية كل مرة تقولي كفاية يا زاهي تعبت ومش قادر أبعد؟ لية وقت ما أنت بتتعب لازم أنا كفاية؟ لية أنا لما بتعب مش بتفكر إني ببقى كمان محتاجاك؟ لية لما اعتذرت كتير وقت ما طلقتني مقلتش كفاية بعد ورجعتني؟ ليه أنت اللي قررت امتى ترجعلي وليه أنت اللي قررت تطلقني لما حبيت وبرضه رجعتني لما حبيت؟
لا بقي المرة دي أنت اللي كفاية. أنا مش هحط حياتي تحت أمر تصرفاتك. ولا حياة أولادي اللي دلوقتي افتكرت إنهم بينا. نظرت إليه بإصرار فولاذي وتابعت:
من دلوقتي أنا اللي هقرر أنا عاوزة إيه وأنا مش قابلة أسفك يا جلال. أنت مدوستش على رجلي عشان تتأسف. أنت اتهمتني في شرفي وأخلاقي. أنت أهنتني وضربتني. أنت كنت هتموت بنتي. وكنت هتموت البني آدم اللي وقف جنبي وكان سبب إني أبقى واقفة قدامك دلوقتي ومنتحرش من زمان بعد ما برضه مكنش عندك ثقة فيا وصدقت كل اللي اتقال عني وسبتني وسافرت ولما رجعت صدقت إني أقدر أتجوز غيرك. وبرضه جلال بيه المهدي مقالش أمين ولا صدق إنه عند ابن إلا لما عمله التحليل.
تتابعت التعبيرات على وجهه، بينما تابعت زاهي الكلمات التي ما إن بدأت بها حتى اندفعت من فمها بلا تفكير تعبر عن كل مكنونات صدرها، لترفع إصبعها أمامه وتكمل: بص لتاريخنا مع بعض وشوف أنا اتحملت قد إيه عشان كل مرة تقولي كفاية بعد وبحبك وأنا أصدق. المرة دي بقي أنا هقولك. نظرت إلى عينيه وقالت بصدق ممزوج بنبرة حزينة: أنا بحبك يا جلال. وعمري ما حبيت غيرك وقلبي بيتكسر لما بتبعد عني، بس هبعد يا جلال. انصدمت ملامحه لتكمل بجدية:
الموضوع مش خناقة وتعدي. الموضوع كرامتي اللي كل مرة تدوس عليها بجزمتك وقلبي يعمل نفسه مش واخد باله عشان بيحبك وكل مرة بتجرحني أكتر من الأول. كل اللي عملته وبتعمله عشاني مش نسياه ولا هنساه، بالعكس ده عمري وذكرياتي وحياتي الحلوة اللي هعيش عليها طول ما أنا بعيد، بس زي ما أنا فاكرة الحلو بينا. كمان الوحش صعب أنساه.
كان يستمع إليها ووجهه ساحة من التعبيرات، هي محقة وهو لا يلومها، يعرف أن طريق حبهما كان مليئاً بالظلم من جانبه لها. وإن كانت قد غفرت كل ما مضى، فالمواقف الأخيرة قضت على أي رغبة بها بالسماح والغفران. إنه يحبها ومستعد لفعل أي شيء لتعويضها، ولكن هل يوجد مثل هذا الشيء؟ ليقول أخيراً بصوت أحش من فرط انفعاله: عارف إني زودتها وماليش أي عذر في اللي عملته. بس أنت واثقة إني بحبك ومقدرش أبعد عنك يا زاهي.
أبعدت وجهها عنه ليمسك بذقنها ليجعلها تنظر إليه ويكمل: إحنا مر علينا كتير ولسة هيمر. أنا عارف إني غلطت كتير في حقك، بس هحاول أعوضك عن كل ده. زاهي....
أوعي تفكري إني لما جبتك هنا عملت كده عشان أرجعك ليا غصب عنك. لا خالص. أنا مش هغصبك على أي حاجة. أنا بس أخدت قرار إن من اللحظة دي محدش فينا هيبعد عن التاني مهما حصل. ولا حد فينا هيسيب البيت ده. من اللحظة دي أنا وأنتي وأولادنا مع بعض كل لحظة مهما يحصل بينا يا زاهي مش هسمحلك تبعدي عني. اتخانقي معايا، خاصميني. ابعدي عني. نظر إليها وأكمل بجدية: بس مكانك في بيتنا وفي أوضتنا وهنا في سريرنا مش هتسيبيه أبداً.
عبست ملامحها باستنكار: نعم! قررت؟ هز رأسه وتابع بنبرة لا تحمل الجدل: وقراري غير قابل للنقاش. معنديش مشكلة تفضلي واخده موقف مني. حتى يا ستي متتكلميش معايا. بس تسيبي البيت أنسي. مش هيحصل أبداً. رفعت حاجبيها واحتقن وجهها بالغضب من تحكمه لتقول: ومين قال إني هوافق على حاجة زي دي. بعد خصلات شعرها خلف أذنها قائلاً بهدوء: قلتلك إني أخدت قرار ومش هنتناقش فيه. أبعدت يداه عنها بغيظ من كلامه ليكمل بهدوء أكثر:
بصي يا حبيبتي. بالعقل كده. طبعاً أنتِ عارفة كويس إن مهما بعدتي عني في الآخر هنرجع لبعض. أنتي حابة تعذبيني وأنا مش معترض. حقك اعملي اللي يعجبك لغاية ما تحسي إنك عاقبتيني زي ما أنتي عاوزة. أغاظتها نبرته الهادئة وثقته التي في محلها من حبها له، وكأنه يخبرها أنه مهما فعل في النهاية لا تملك خيار سوى العودة إليه. لتنظر إليه بعيون غاضبة وتقوم من مكانها بغضب متوجهة لباب الغرفة. ولكنه كان أسرع منها ليقف أمامها
يسد الطريق بقامته المديدة: أوعي من قدامي عشان أنا عاوزة أمشي من هنا. قال بهدوء ظاهري: وبعدين يا زاهي. أنا قلت إيه من شوية. هتفت بغضب: كل اللي قلته ده متقدرش تجبرني عليه. ومين جاب سيرة أجبار. بالعكس أنا gentelman معاكي جداً وبقولك موافق تعاقبني زي ما يعجبك. لوت شفتيها باستنكار: أنت بتستهتر بيا زي عادتك يا جلال. أنا يا زاهي. هتفت بحدة:
أيوه أنت. كلامك ملوش معنى غير كده. واثق إنك مهما عملت فيا إني في الآخر مقدرش أعمل أي حاجة. أمسك ذراعها وأداره إليه قائلاً: أنا مقصدتش كده. أنا كل اللي عاوزة منبعدش عن بعض ونحل مشاكلنا في بيتنا. اندفعت قائلة: واضمن منين متجرحنيش تاني؟ زفر بنفاذ صبر قائلاً: أنا مش تليفون يا زاهي نازل ومعايا ضمان. أنا راجل. جوزك. دخلت شفت المنظر ده كنتي متوقعة مني إيه؟ نظرت إليه ليسقط كل هدوءه ورزانته ويكمل بانفعال:
آه يازاهي أنا مش غلطان 100%. أنا ليا عذر وسبب. كنتي هتبقي مبسوطة لو دخلت بمنتهى الهدوء أسألك عاصم بيعمل إيه في أوضة نومي؟ كنت هبقى إيه في نظرك؟ أخشنت نبرته وتابع: ها. ردي. أجيب هدوء منين؟ أفكر في إيه أصلاً؟ هز رأسه وقال بانفعال: غلطت في حقك أه. بس أنا كمان ليا عذر. وأكبر عذر ليا إني بحبك. بلحظة جذبها إليه ليضمها بين ذراعيه قائلاً بهمس:
بحبك يا زاهي وبموت فيكي وممكن أعمل جريمة لو حد فكر يقرب منك. مش هقدر أسيبك تبعدي عني تاني.
كانت أنفاسه الساخنة تداعب عنقها وهمسه يمتزج مع كلماته السابقة التي دارت بعقلها، فهي النار والماء. الشيء ونقيضه. يعترف بخطاه وأيضاً يخبرها أنه محق. تناقضت أقواله وأفعاله ولكن كلاهما اتفق على حب الآخر بخلاف طبعه وطبعها. تعرف أنه لن يلبث وسيعود لطبعه الصعب، بل وثبته أكثر بما فعله الآن، فهو يخبرها أن لا مجال لها لتبتعد. ولكن ماذا تفعل؟ هل تستسلم كما كل مرة؟
اعتبر سكونها بحضنه موافقة لتزحف شفتاه تجاه عنقها الناعم، تحل مكان أنفاسه الساخنة وتطبع قبلة طويلة مشتاقة على جانب عنقها خدرت حواسها لتزداد يداه إحاطة بخصرها يقربها إليه وترتفع شفتاه بقبلات متفرقة ملتهبة متجهة إلى شفتيها. وزاهي متخدرة المشاعر لبضع دقائق قبل أن تفيق وتبعد عنقها عن مرمى شفتيه، لينظر إليها بانزعاج. بينما نظرت إليه بعناد وقد قررت أنها لن تستسلم بتلك السهولة، فإن كان هو عنيد فهي ليست بأقل منه عناداً لتقول:
أنا مسمحتلكش تقرب مني. انصدمت ملامحه للحظة لتتابع بجدية: أنت قلت قرارك. وأنا موافقة عليه بكل حذافيره يا جلال. هفضل في البيت بس حقي إني أفضل على موقفي منك. تصاعدت النيران بعينيه التي لمعت بعبث أمام عيونها التي تتوعده. لقد اختارت أن تعذبه بتلك الطريقة. ستكون أمامه ولكنه أبداً لن يصل إليها. إن ظن أنه أجبرها فهو مخطئ، فهي من ستجعله يتغير فعلاً وليس لمجرد دقائق ما يلبث ويعود إلى طبيعته الغاضبة المندفعة.
أفلتت ابتسامة علياء حينما وجدت نفسها بين ذراعي عامر الذي حملها وسار بها الرواق المؤدي لذلك الجناح الفخم الذي ستقضي به عدة أيام برفقته. أنزلها برفق لينظر إلى جمالها الهادئ ويبتسم بسعادة، فهو أخيراً قد تزوج تلك التي داعب حبها قلبه على حين غفلة لتتربع على عرش قلبه بلا منازع.
تحركت عيناه فوق ملامح وجهها الذي احمر خجلاً لتتوقف أخيراً لدى شفتيها الممتلئة والتي طالما أراد تذوقها، وها قد أتت تلك اللحظة التي حلم بها كل ليلة يتساءل عن طعم تلك الشفاه. مال ناحيتها ببطء لتعقد علياء حاجبيها حينما شعرت بهذا الألم بجنبها فجأة. ما أن لامست شفتاه شفتيها حتى أبعدته علياء. آه. نظر إليها متسائلاً: إيه ياحبيبتي مالك؟ وضعت يداها على بطنها ظناً منها أنها تؤلمها بسبب التوتر لتقول: أبداً.
أفلتت منها الأوه مجدداً. آه. قطب جبينه بقلق وهو يراها تمسك بجانبها بقوة: مالك ياعلياء. قال بتألم: آه ياعامر. في وجع جامد أوي مش عارفة من إيه؟ آه. أحاط ها بذراعيه وحملها واتجه ليضعها برفق على الفراش قائلاً: طيب تعالي ياحبيبتي ارتاحي. توجه ليحضر لها كوباً من الماء وجلس إلى جوارها وناولها الكوب لتشربه وهو يرخي ربطة عنقه وينظر إليها بحنان ظناً منه أنها تفتعل هذا خجلاً منه. ربت على شعرها بحنان قائلاً: إيه ياحبيتي أحسن؟
هزت رأسها وقد هدأ الألم قليلاً ليبتسم لها قائلاً: خليني أساعدك تغيري هدومك. قاطعته حينما صرخت مجدداً بألم: آه. عقد حاجبيه ونظر إليها. ولكنه سرعان ما لاحظ امتقاع وجهها وحبيبات العرق التي لمعت على جبينها ليدرك أن الوضع جاد. علياء حبيبتي. الوجع جامد. هزت رأسها ويدها تعتصر جنبها ليسرع إلى الخزانة يخرج لها سترة وبنطال ويتوجه إليها قائلاً: خليني أطلبلك الدكتور.
بخجل تركته علياء يساعدها لتستبدل ملابسها، ولكن الألم كان شديداً لتستسلم له وهو يخلع فستانها عنها ويحيط جسدها بتلك السترة ويغلق سحابها ويسرع للهاتف ليطلب طبيب الفندق. تعالى صراخ سالي ليرج أركان تلك الغرفة الغالب عليها اللون الأبيض لتلقي بمحتوياتها بهياج: أنا مش مجنونة. مش مجنونة. حاولت الطبيبة التحدث إليها: مدام سالي. لو مهدتيش حالاً هضطر أخليهم يدولك الحقنة المهدئة.
جلست سالي والدموع متحجرة بعيونها التي طالما كانت باردة بلا أحاسيس، تفكر بما وصلت إليه. فالكل تركها بهذا المكان. كل هذا بسبب جلال. وليس أحد سواه. إنه كان السبب في موت والدتها حينما أنجبته. انحرمت هي من أمها. ومنذ أن جاء والكل يتحدث عن أنه وريث شريف المهدي. تكرهه ولم تفكر يوماً ما بحبه أبداً. لقد كانت طفلة في السابعة من عمرها حينما أتى ليأخذ منها والدتها. التي ماتت أثناء ولادته. لقد انحرمت من أمها بسببه. والآن الكل ابتعد عنها أيضاً بسببه. يجب أن تدمر حياته كما فعل معها منذ أن قدم لتلك الدنيا. والآن بسبب زوجته انحرمت هي من زوجها وحتى أطفالها. وأخيراً تركها بهذا المكان وحتى أبوها تركها.
جذبت خصلات شعرها تشدها بعنف ونيران اندلعت بداخلها رغبة في الانتقام منه. تلك النيران بداخلها لن تخمد أبداً فالحياة لا تحتمل وجودها ووجوده. أحدهما فقط يجب أن يبقى بها. سألها جلال وهو يشير لارجاء ذلك المنزل الأنيق على الطراز المودرن: إيه رأيك في بيتنا الجديد. التفتت تنظر حولها ليميل ناحيتها قائلاً: بداية جديدة في بيت جديد.
لا تنكر أن ذلك المنزل مريح للغاية بأثاثه الأنيق الراقي وألوانه الزاهية والبسيطة عكس تلك الفيلا بأثاثها المتكلف. إن هذا ما كانت تحلم به. منزل هادئ لطيف لعائلتها الصغيرة. جذبها من يدها لتنظر لارجاء تلك الشرفة المطلة جميع نوافذها على البحر مباشرة قائلاً: إيه رأيك؟ هزت رأسها: حلو أوي. أخذها لرؤية غرفة زين الجميلة وكذلك الغرفة ذات الألوان الوردية التي جهزها لابنتهم لتتوقف وسطها تتأملها بإعجاب. أحاط خصرها بيداه واحتضنها من
ظهرها لتبعده بنظرات محذرة: أنا بحضن بنتي على فكرة. انتفخت وجنتاها بغيظ: ياسلام؟ هز رأسه وابتسامة لعوب طبع قبلة سريعة على وجنتها قائلاً: شكلك حلوة وزي القمر وأنتي متعصبة. أفلتت ضحكتها لتسأل نفسها هل تصدق هذه المرة وهي تعرفه وتحفظ عن ظهر قلب طبعه العصبي الصعب. ولكنها تحبه ولا تستطيع الابتعاد عنه أكثر. تعالى رنين هاتف جلال ليعقد حاجبيه بدهشة مردداً: عامر؟
اسرعت زاهي تنزل من السيارة التي أوقفها جلال أمام المستشفى ما إن هاتفه عامر وأخبره أن علياء مريضة وتم نقلها للمستشفى. اسرع جلال بخطواته ليلحق بها ويمسك يدها قائلاً بقلق: براحة يا زاهي. متنسيش إنك حامل وغلط تجري كده. أومأت له ليمسك بيدها ويسير بها بخطوات بطيئة حتى وصلت لتجد عامر يقطع الممر ذهاباً وإياباً بقلق. إيه اللي حصل؟ مالها عليا؟ هز كتفه: التهاب في الزايدة. دخلت العمليات من شوية. لا حول ولا قوة إلا بالله.
دخلت تلك الممرضة غرفة سالي قائلة: مدام سالي. في حد في الجنينة عايز يقابلك. سارت بخطواتها المتغطرسة ورفعت رأسها بكبرياء ما إن رأت شريف المهدي جالس بانتظارها. نظر إلى وجهها الباهت بأسى قائلاً: عاملة إيه يا سالي؟ قالت بسخرية: لسة فاكرني دلوقتي؟ قال شريف بجدية: منستكيش. أمال سايبني هنا ليه؟
عشان ده الصح. جلال عمل اللي كان لازم يتعمل من زمان. كان لازم من أول ما لاحظت حقدك على أخوكي أفهم إن ده مرض ومش شيء طبيعي. كل يوم كرهك وحقدك عليه كان بيزيد ومهما ميزتك عنه مكنش كفاية. أمسك كتفها وأكمل بحنان: سالي أنتِ بنتي الوحيدة ومش عاوز غير إني أشوفك مبسوطة. أنتي لازم تبدئي جلسات العلاج يا سالي وتساعدي نفسك. قالت بحدة وهي تبعد يداه عن كتفها: أنا مش مجنونة. قال شريف بجدية:
أنتي مريضة نفسية يا سالي. مفيش حد بيكون جواه الكره والحقد ده ويكون طبيعي. قالت بسخرية: لا في؟ ما أنت أهو واقف قدامي. كل اللي أنا فيه بسببك. اللي جبته للدنيا. أنت وهو السبب إن مامي تموت وتسيبني. أنت اللي من وقت ما جه للدنيا وشايفه خليفتك. أنا مش مريضة. أنت اللي مريض عشان تسيبني مرمية هنا. طلعني فوراً. نظر إليها بعدم تصديق لجبروتها وإصرارها على كونها غير مخطئة ليقول بنبرة قاطعة:
لا مش هتخرجي من هنا. هتفضلي هنا لغاية ما ألاقي لهجتك اتغيرت وأفكارك دي كلها اتغيرت. جلال أخوكي مش عدوك. هتفت بحدة وتوعد: لا عدوي. وأنت كمان عدوي. أنا هطلع. بيك أو من غيرك هطلع. بس لما هطلع هثبتلك مين اللي مريض. أنت ولا أنا. فتحت علياء عيونها ببطء تستوعب أين هي لتجد عامر يقترب من فراشها بابتسامته الحلوة قائلاً: حمد الله على سلامتك ياحبيبتي. ابتسمت له لينحني طلب قبلة على جبينها. قائلاً بحنان: سلامتك ياعمري.
حبيبي ياعامر ربنا يخليك ليا. داعب وجنتها وهو يجلس على طرف الفراش بجوارها: ويخليكي ليا ياروحي. مع إني زعلان منك يا لولو. نظرت إليه بتساؤل: ليه؟ غمز لها مشاكساً: يعني الزايدة متختارش إلا الليلة دي. ده أنا كنت هموت وأتجوزك. احمر وجهها خجلاً ووكزته بجنبها: الله وأنا قلت إيه غلط؟ ينفع يعني نقضي الليلة في المستشفى؟ بس بقي ياعامر. قلد نبرتها: بس بقي ياعامر. ده عامر حظ أمه نحس. أفلتت ضحكتها لتتوجع:
آه. بس بقي ياعامر متخلينيش أضحك. قبل يدها قائلاً: مليون سلامة عليكي ياقلب عامر. نظرت زاهي إلى جلال الذي بعد اطمئنانهم على علياء أخذها لاصطحاب زين من منزل أبيه ليضعه بمقعد السيارة الخلفي ويعود ليركب بجوارها ويعود للمنزل. بالتأكيد لم يستطع أن يكتم تعليقه ليضحك عالياً: الواد عامر ده حظه نحس. يا سلام. ليه بقي إن شاء الله؟ مال تجاهها قائلاً بعبث: هو في نحس أكتر من إنه يقضي ليلة زي دي في المستشفى؟
كان هذا بالتاكيد تعليق آدم الشامت بعامر الذي قال بغيظ: بقولك إيه. حل عني أنت مش ناقصك. ده أنا مشفتش حظ كده. ضحك آدم وداعب وجنتها قائلاً: معلش ياموري. الليالي جاية كتير. لكمة عامر قائلاً: امشي من وشي. عاد لغرفة علياء وهو يتبرطم بغيظ. نظرت إليه علياء وهو يوصد باب الغرفة ويخلع سترته. لتتسع عيناها تسأله: أنت بتعمل إيه؟ اقترب منها قائلاً بعبث: هنام. وسعي بقي خديني جنبك. شهقت قائلة: أخدك فين؟ جنبك يالولو السرير واسع.
همس بجوار أذنها وهو يتوسد الفراش بجوارها: يعني ليلة الدخلة اتضربت كمان بلاش أنام جنبك. لكمته على صدره: أنت قليل الأدب على فكرة. جذبها برفق لتتوسد صدره قائلاً بنبرة لعوب: كلها كام يوم وتخفي ونشوف موضوع قلة الأدب ده.
احمرت وجنتا علياء وسرت القشعريرة بجسدها حينما احتضنها عامر وشعرت بدقات قلبه أسفل رأسها ليسري شعور لذيذ بأوصالها ويتغلب على رجفة جسدها وخجلها لتسترخي براحة بين ذراعيه مستمتعة بهذا الشعور الذي يجتاحها لأول مرة. خرج جلال من الحمام بعد أن استحم واستبدل ملابسه ليقف أمام المرآة يصفف شعره وعيناه تتابع زاهي التي بعد أن وضعت زين بفراشه جلست إلى طرف الفراش تقرأ بأحد الروايات.
تسارعت دقات قلبها حينما جلس إلى الفراش تحاول بصعوبة أن تمنع نفسها عن الانكماش بين أحضانه لتجبر عيناها على النظر لتلك السطور بلا تركيز بعد أن شتتها رائحة عطره الرجولي. حاول جلال ضبط انفعاله ليبدو بجوارها بهذا الثبات ولكنه لم يستطع لتجده بلحظة يحتضنها وينحني طابعاً قبلة على بطنها المنتفخة. بقولك إيه. ابعد. أنت ماصدقت. قال ببراءة: بقول لزينة تصبحي على خير. رفعت حاجبيها: زينة؟ ابتسم لها قائلاً: أه. زين وزينة وزاهي.
اخفت ابتسامتها وتظاهرت بالجدية وهي تعود لتلك الرواية بيدها. قائلة: متتتكلمش وتنام في مكانك آخر السرير واياك تجي الطرف بتاعي فاهمة. أدارت له ظهرها ودقائق وكان النوم يغلبها. ودقائق وكانت بين ذراعي جلال ليغفو هو الآخر. استيقظت في الصباح لتجد نفسها تحيط خصره بذراعيها وتضع ساقها فوقه أيضاً ممسكة به وكأنه سيهرب لترفع عيناها ببطء ناظرة إليه بينما ارتسمت ابتسامة عابثة على شفتيه.
إيه اللي جابك فوقي. مش على أساس كل واحد في الجنب بتاعه. قالت بتعلثم: أيوه. أنا. أنا كنت نايمة ومش حاسة. تلاقيني كنت بتقلّب عادي. قلب الوضع ليصبح فوقها وتتقابل ملامحه الوسيمة بوجهه الجميل قائلاً: أكيد معنديش أي مانع تتقلبي في حضني. يدفعه من فوقها بغيظ: أنا بقي عندي مانع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!