هو انت عملت ده كلو علشاني.. قالتها سارة بعدم تصديق حينما وجدت الحديقة مزينة ببالون ذات لون أبيض وأحمر، لتجد الأرض مزينة بالورد الجوري المحبب لقلبها. نظرت لذلك الرقم التي أتمته، إنه عيد ميلادها. كيف لم ينسى خالد عيد ميلادها.. رغم ما فعلته به. تمنت لو تعانقه ولكن لن تستطيع. أجابها مبتسماً: ليه؟ وأنتِ شايفة نفسك مستحقيش كل ده؟ أنتِ تستحقي كل حاجة في الدنيا دي.
نظرت للخلف لتجد جميع العائلة خلفهم، يبدو إنهم كانوا يخططون لهذا منذ البداية. وضعها خالد على المقعد أمام الطاولة. ابتسمت لهم بحب، ظنت أن الجميع سينسى عيد ميلادها خصوصاً مع تلك الأحداث، ولكن لم ينسى أحد، أو دعنا نقول لم ينسى خالد. اقترب الجميع منهم ليزدحم المكان. ابتعد خالد عنها قليلاً حتى يهنئها الجميع، ولكنها بقيت تنظر له مبتسمة، تريد أن تعانقه بشدة، أن تخبره أنها كانت غبية حين تركته. جذب انتباهها قول آلينا:
بصراحة كنت بقول علينا علطول عيلة مجنونة، بس فعلاً طلعنا كده. أول مرة أشوف حد بيحتفل بعيد ميلاد مراته الساعة 10 الصبح. ابتسم الجميع، لتجيبها سارة مبتسمة وهى تنظر لها: لو هتحب بجد، هتبقى مستعد تبقى مجنون عشان خاطر شريك حياتك. أو بمعنى أصح، هتعمل المستحيل عشان تشوف اللمعة اللي في عينه وسعادتك. ليكمل خالد حديثها قائلاً:
ممكن تعمل أي حاجة فعلاً عشان خاطر بصة واحدة. ممكن تعمل حاجات عكس شخصيتك، ممكن تتغير. الحب بيغير، وأوقات تغييره بيبقى جميل وصح. وده لو شريك حياتك صح، هتبقى منور. في علاقات بتطفئ، بتبهت ملامحك، الحزن بيبقى مرسوم على وشك. وفي علاقة ممكن تخليك ماشي في الشارع بتضحك من كتر الفرحة. وده على حسب اختيارك لشخص تفرق معاه سعادتك وكونك أنت، ويكون متقبلك بكل عيوبك ومتقلباتك المزاجية. وده أنا لقيته في سارة، اتقبلت كل حاجة فيها. ومش معنى كده إن فيها عيوب، لا طبعاً، سارة كلها مميزات، ده معنى إني حبيتها بجد. وسارة اتقبلت خالد بكل عيوبه اللي تكاد تكون معدومة عنده، المميزات.
أجابته قائلة: ومين قال إن خالد فيه عيوب؟ خالد روح سارة. يمكن مجربتش إحساس الحب والأمان، وإنك تبقى فاقد الأمان في وجود الكل. بس بمجرد وجودك بحس بالأمان. البيت مش بالطوب والعفش وهكذا، البيت والأمان في المكان اللي يكون فيه خالد، وهو بيتي. أجابها خالد بعين دامعة، ليقترب منها ويتناول يديها ليقبلها بحب قائلاً: عائداً إلى منزلي، ومنزلي بين يدي. أجابته قائلة ودموعها تترقرق من عينيها الزرقاء:
هنا عالمي، في قلب خالد. أين يكون خالد تكون سارة. تدون قصص حبهم لتخبرهم أنهم مروا بالكثير، كيف أن الماضي لم يهزم قصة حبهم. بينما في جيلنا الحالي أصبح الحب لعبة. يدخلون في علاقة وتحب الفتاة ذلك الشاب ليخبرها بحبه، ولكنه يتسلى بها تحت مسمى الحب. أين الحب؟ أنا لا أراه. أصبحنا مؤخراً نشوة معاني الحب، لدرجة أنه أصبح المرء لا يعلم أهو حب أم إعجاب. أخبرتني صديقتي ذات مرة:
إن الحبيب يخشى على الحبيبة من العذاب. ورغم معرفة شباب جيلنا إن الارتباط حرام، ولا يوجد أي صفة تدل عليها أنها لك سوى أنها زوجتك، حتى الخطبة ليس معترف بها، سوى أنها اتفاقات فقط. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لا أرى للمتحابين غير الزواج". إذا كنت تحبها فماذا يمنعك من التقدم لخطبتها ودخول البيت من بابه؟ ماذا عذرك سوى إنك شخص لعوب وخبيث؟ فقد تظن إن الله لا يراك، بينما الله مطلع على كل شيء.
لا تنسى أيها الإنسان، كما تدين تدان. وما فعلت شيئاً سواء كان شرا أو خيراً سيعود لك ولو بعد ألف عام. كان الجميع ينظر لهم بسعادة، يتمنون أن تصبح السعادة حليفة حظهم منذ الآن. نظرت كيان لأنس مبتسمة، عبرت سارة عما بداخلها وكأنها تعبر هي وخالد عما بداخلهم، وكأنها تصف كل ثنائي من حولهم. نظرت آلينا إلى كنان أخيها. على صواب، لم تشعر بالأمان سوى معه. بينما كانت مع مازن كثيرة القلق، تضع يديها على قلبها قائلة: متى سيتركني؟
متى سأستيقظ على خبر عدم رغبته بي؟ توجد علاقات سامة في حياتنا، مثل علاقة آلينا مع مازن السابقة، لم تكن سوى أنها أذتها. ما الفائدة في علاقة ستدمر الإنسان رويداً رويداً؟ نحن بشر ويحق لنا أن نشعر ببعض من الطمأنينة. لا مانع من أن نحزن قليلاً عند مغادرتنا، ولكن يكفي أن نكون مطمئنين، حتى لو سنحزن بضع أيام، فالأيام ستداوي ألمنا.
جلست العائلة للاحتفال بعيد ميلادها. لتجتمع عائلة زيدان مع عائلة كرم بعد مرور عشرين عاماً. نسوا بعضهم البعض. *** في المساء، كانت جالسة أمام تسريحتها تنظر لانعكاسها في المرآة، وهو يسرح لها شعرها برقة. سألها بصوت هادئ: ساكتة ليه طول اليوم؟ مش متعود على سكوتك. أو بمعنى أصح، الحفلة ضايقتك؟ أجابته قائلة:
يمكن ساكتة لأني عرفت غلطي أكتر. معنديش الجراءة أقول حاجة. كل مرة بتصدمني بامتصاصك لزعلي، مش بتشيل في قلبك ناحيتي على الرغم كلامك اللي في المستشفى يدل على أننا مستحيل نكمل مع بعض وقتها. عارف يا خالد، على قد ما أنا ندمانة على إني سبتك ومشيت، على قد ما أنا مبسوطة من حاجة. هو إني شايفة وجودكوا نعمة. بقيت أقدر الحاجة دي. بقيت كل ما أشوفكوا أحمد ربنا. كنت أقول عادي، بس دلوقتي كل ما أشوفك أقول أنا عملت إيه في دنيتي عشان ربنا يرزقني بزوج زيك. قادر تحب وتطبطب وتداوي وتحتوي وتشُد لو غلطت وتقرب، قادر تمتص غضبي، قادر تحترم قراري. إزاي قادر تعمل كل ده؟
بتزعلني بس ولا مرة سبتني لدماغي، بتحتويني. رغم إن المفروض بعد ما سبتك متبقاش معايا بنفس الطريقة. كنت خايفة من رد فعلك، بس أنت كل مرة بتثبتلي العكس. كل مرة بتعرفني إني معرفش خالد لحد دلوقتي. هو أنت إزاي قادر تبقى كل ده؟ حاوط وجهها بكف يديه قائلاً:
الإنسان منا لما بيحب، بيبقى كل همه رضا حبيبه، حتى لو على حساب نفسه. بس المهم يبقى معاه علطول. نظرة منه قادر يهد الدنيا عشانه ويبنيها من جديد، وبنفس النظرة دي قادر برضه يسيب. المعنى إننا كأشخاص لازم نتحكم في حبنا. لو حبيتك واتأكدت إنها هيأذيني، اطلع من العلاقة دي قبل أي خساير. ولو دخلت علاقة وعارف إنها تستحق إني أبذل كل جهدي فيها عشان الطرف التاني يبقى، اعمل كده. المختصر من كلامي إنك تستاهلي يتعمل عشانك كل حاجة. رد
فعلك كان طبيعي وأنا كنت متوقع هتبقى أصعب من كده. بس الأكيد إني مش بلومك على حاجة، لأني عارف إن كل حاجة كانت خارج إرادتنا. يمكن وقتها مسمعتيش مبرري، وده شيء زعلني. بس لما باجي أقعد مع نفسي وأفكر فيها بالمنطق والعقل، ده حقك، أو بمعنى أصح، أنتي محتاجة تبعدي فترة وتلقي نفسك وسط اللي حصل ده. كنت أتمنى نداوي جروح بعض جنب بعض، بس المهم عندي راحتك. نوعيتك يا سارة مش بتعرف تداوي جرحها غير بالبعد، وده اللي أنا فهمته وقتها.
سبتك على راحتك، وقلت هترجعي لما تبقي كويسة. وده مينفعش إن إني معرفش حاجة عنك، لا بالعكس، أنا مراقباك، وكل يوم كنت باجي تحت بيتك.
المعنى من كلامي إن اللي حصل كان درس لينا إننا نعرف قيمة بعض أكتر ونقدرها. إننا مبعدش عن بعض، لأن مضلش في العمر قد اللي راح. ومطلوب منا نعيش كل دقيقة مع بعضنا على أساس إنها آخر دقيقة. أنا مش خارق، بس بعرف أتحكم في عصبيتي، لأني بخاف أقول كلام يجرحك. ممكن أكون جرحتك كتير، وده بدون قصدي، بس الأكيد إني عرفت قيمة سارة. كل درس في حياتنا وليه حكمة، والحكمة في البعد ده إننا عرفنا قيمة بعض في الغياب.
صمتت أمام حديثه، فهو محق في كل كلمة قالها. تعلم أنه على صواب. لقد تعبت من التفكير، لتهمس له قائلة بأرهاق: امم.. بحبك على فكرة. غمر بعينيه قائلاً: وأنا بموت فيكي. لفت يديها حول عنقه قائلة بصوت ناعس: وديني على السرير، هموت وأنام. حملها خالد ليقول وهو يضعها على الفراش بمرح: مش ملاحظة إنك بقيتي تنامي كتير الفترة الأخيرة؟ وبصراحة مباعرفش أقعد معاكي. أجابته وهو ذاهبة في النوم: بكرة تعرف.
ابتسم لها ليمسد على شعرها برقة، ليتسطح بجوارها ويذهب في سبات عميق. *** طرقت على باب غرفته طرقات خافتة، وهى تنظر يميناً ويساراً خوفاً من أن يراها أحد، لتشعر بمن يسحبها للداخل. صرخت بفزع قائلة: أنس خضتني! هتبطل تعمل حركات دي إمتى بجد؟ حاوط حضنها بيديه قائلاً: اتعودي بقى على السحبة دي لحد ما نتجوز بقى ويفكها علينا ربنا. قهقهت بقوة قائلة: عارف أنا مبسوطة أوي لخالد وسارة، بجد مبسوطالهم أويي. هما يستاهلوا كل خير بجد.
أنس بملل: طب إيه؟ إحنا مالنا؟ والمهم مفيش انس وكيان، ولا إحنا هنقعد نرغي في سارة وخالد؟ رفعت حاجبها قائلة بضيق: مش عارفة أقول اللي في نفسي مرة بجد. حك أنفه بأنفه قائلاً بحب: قولي اللي عايزة تقوليه يا حبي. هسمعك لحد آخر عمري. وبعدين تعالي هنا، إحنا بنشوف بعض إمتى أصلاً؟ قبل ما الكل ينام، وطبعاً بعد ما خالد بيه ينام ولونك عارفة إنه مانع، إحنا نتقابل. مستخسرة الشويتين اللي بشوفهم فيكي قبل ما أنام، نتكلم فيهم؟
ولا عايزة نحكي فيهم في خالد وسارة؟ فتح الباب على مصراعيه، لتدفع كيان انس بقوة. نظرت لخالد بخجل. تحدث خالد ببرود: أنا بقى هحرمك من الشوية اللي بتشوفهم فيها يا انس. أنس بضيق: انت عشان اتجوزت مراتك سكة ودغري هتيجي وتقفلنا على الواحدة؟ خالد ببرود: أيوه بقى، ومن هنا لحد شهر لو شفتك رافع عينك بس على كيان، هشيلهملك يا انس، سامع؟ أنس بضيق: سامع. خد راحتك، أصلاً مكنتش عايزها.
قال آخر جملته وهو يتسطح على الفراش بضيق، لتخرج كيان وبعدها خالد. *** وضعت ذلك المرطب على بشرتها، لتنظر لنفسها برضاء. لتتسطح على الفراش بإرهاق. كادت بأن تغلق عيناها، لتسمع حركة في الشرفة. ارتدت سدالها على عاجلة، لتفتحها، لتجد كنان أمامها. آلينا بخوف: يخربيتك! امشي من هنا، خالد لو شافك هيعمل منك بطاطس محمرة. أزاحها جانباً ليذهب ناحية فراشها، ليتسطح ليقول ببرود: ميهمنيش على فكرة. أنا مبخافش من أخوكي، هو مين يعني؟
أجابه صوت جعله يقفز على الفراش بخوف: هعرفك إزاي تخاف مني دلوقتي. كنان بخوف: أوعى تفهمني صح. أومأ له قائلاً بصرامة: لا بالعكس، دانا فهمتك تمام التمام. أمسكه من ياقة قميصه كاللص، ليخرجه من جناح أخته. *** في مساء اليوم التالي، دخل خالد الجناح ليجده معتماً، لا توجد به سوى إضاءة خافتة بسبب الشموع. نظر أمامه بصدمة بسبب ما شاهده، ليُرى سارة تقترب منه وهى تسير على قدميها. تحدث بتعلثم: هو اللي أنا شايفه حقيقة ولا أنا بحلم؟
اقتربت منه لتلف ذراعيها حول عنقه قائلة بدلال: حقيقة قدامك سارة بشحمها ولحمها. عانقها بقوة، كادت بأن تعتصر بين يديه من شدة عناقها. قالت سارة وهى تشعر بحاجتها للهواء: خالد أنت خنقتني والله. أبعدها عنها ليقبل جبينها قائلاً: حقك عليا، من الفرحة مش مستوعب. نظرت له لتقول بسعادة: حابة أقولك خبر حلو أويي. ضيق عينيه باستغراب قائلاً: حاجة إيه؟ حاوطت وجهه بيديها الصغيرة قائلة بابتسامة هادئة: خالد.. أنا.. أنا حامل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!