تحميل رواية «حب في الدقيقة 90» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ألا تذكرني؟ تمر الأيام، الأشهر والأعوام كذلك، تمر سريعًا بذلك القدر الذي يجعلك تتفاجئ بعد عشرة أعوام أن عشرة أعوامٍ قد مضت! تُصعق حينما تدرك أن كل تلك الأعوام التي ظننتها لن تمضي، مضت أخيرًا وأصبحت في سلة مهملات حياتك. حينها ستبحث بداخلك.. كل تلك الآلام والأحقاد التي ملأتك في بداية تلك السنين، هل لا تزال موجودة بداخلك الآن؟ أم أنها تبخرت بمرور الوقت ولم يصبح لها مكان؟ كل تلك الأوجاع التي ظننتها لن تمر ولن تبرأ، هل برأت وزال أثرها؟ أم تركت ندباتها بقلبك وأثرًا لن يزول؟ وبينما أنت تتسائل وتبحث بدا...
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نعمة حسن
وصل للتو أمام مدخل الفيلا فقام للاتصال بها وأخبرها أنه سيدخل للاطمئنان على حال والدتها ريثما تستعد.
دخل فاستقبلته الخادمة ورافقته للصالون، ثم ذهبت لإخبار السيدة فتون.
جلس قاسم يتأمل صورة حبيب المعلقة على الحائط أمامه وابتسم فدخلت فتون في تلك اللحظة وهي تقول:
_ مرحبا أيها الوسيم.
تنحنح بحرج ووقف بتهذيب وقال:
_ مساء الخير سيدة فتون، جئت لأطمن على حالكما وأرى إذا ما كنتِ تحتاجين لشيء.
جلست وأشارت له بالجلوس، ثم وضعت قدمًا فوق الأخرى فانحسر ثوبها أكثر وظهر جزءًا لا بأس به من فخذيها إثر وضعية جلوسها الغير متحفظة مما أشعر قاسم بالضيق والحرج في آن واحد وهمس مستغفرا ثم قال وهو ينظر بعيدا:
_ اتصلت بي آنسة سارة لأنها تريد الذهاب لصديقتها ورأيت أنه سيكون من غير اللائق أن أكون بالجوار ولا أطمئن عليكِ.
ابتسمت بتألق وقالت:
_ شكرا لك قاسم، أقدر ذلك كثيرا، أنا عن نفسي لا أحتاج شيئا، وقتي يمضي بين النادي وصالون التجميل وزيارة رفاقي، لا أحتاج شيئا.. سارة هي من تحتاجك.
أومأ بهدوء وقال:
_ ولكنها في المقام الأول تحتاجك سيدتي..
_ أعلم ذلك، ولكني حاولت معها وباءت كل المحاولات بالفشل، هي ترفضني وترفض الاعتراف بي كأم.. ماذا سأفعل؟
_ وكانت ترفض والدها أيضا! ولكنها استجابت لمشاعرها وحاجتها له في النهاية وقابلته، حسنا .. أنا لا أقول أنها قد سامحته أو استقرت علاقتهما ولكنها تحاول وأنا واثق أنها ستنجح .. كذلك علاقتك بها، هي تحتاجك لا شك في ذلك.. ولكنها لا ترى إصرارك في التقرب إليها .. لذلك هي ترفضك لأنها تريد أن تشعر بأنكِ تحتاجين إليها أكثر مما تحتاجك هي، حتى وإن كان العكس صحيحًا.
وكعادتها على الفور عندما تصاب بالتوتر وتشعل سيجارة تقوم بتدخينها فورا ثم قالت بإيجاز:
_ حسنا، أعدك أنني سأحاول مجددا.
نهض واقفا وقال:
_ ممتاز، أثق بحضرتك كثيرا.. عن إذنك.
وخرج تتبعه سارة التي ابتسمت وقالت بحرج:
_ مساء الخير.
_ مساء النور آنستي.
ركب بمقعده فجاورته فنظر إليها وقال:
_ هل صديقتك چاسي تلك التي ذهبتِ إليها سابقًا؟
رمشت بعينيها مرتين كعادة ملازمة لها عندما تكذب وأجابت:
_ أجل.
أومأ بهدوء فقالت:
_ صراحةً كان بإمكاني أن أطلب من حسين أن يوصلني، لكني أردت أن أتحدث معك قليلا.
_ وأنا سعيد بذلك جدا، تفضلي كلي آذانٌ صاغية.
ابتسمت بحرج وقالت:
_ كنت أود أن أطلب منك أن تحدثني عنه.
تصنع التعجب وقال:
_ تقصدين من؟
ترددت وقالت بخفوت:
_ أقصد والدي.
أومأ بابتسامة وقال:
_ ولكن الحديث عن والدك قد يطول وقد تفوتين موعد صديقتك.
_ حسنا، لا بأس.
أومأ موافقا وقال:
_ إذا ما رأيك أن نذهب لمكانٍ ما ونشرب شيئا ونتحدث كما يحلو لكِ.
أومأت بموافقة وقالت:
_ حسنا.
انطلق في طريقه نحو مقهى يعرفه، في تلك الأثناء رن هاتف سارة. تجاهلت المكالمة مرتين ولكنها أجابت في المرة الثالثة وقالت:
_ نعم.. سأتأخر قليلا، لا حتمًا سآتي ولكن لدي موعدا طارئا الآن لذا سأتأخر قليلا .. حسنا. مع السلامة.
أنهت المكالمة وفعّلت الوضع الصامت، ثم وضعت الهاتف بحقيبتها فقال قاسم:
_ إن كانت صديقتك تستعجلك يمكننا أن نأجل حديثنا لمرة أخرى.
_ لا لا، ليس مهما بهذا القدر.
_ حسنا.
بعد دقائق توقف بسيارته أمام المقهى ونزلا متجهان للداخل، جلسا حول طاولةً نائية ثم قال:
_ ماذا تشربين؟
_ قهوة.
قطب جبينه متعجبا وقال:
_ ألستِ صغيرة قليلا لتعتادين شرب القهوة؟
تنهدت بابتسامة وقالت:
_ لقد اعتدت أشياء كثيرة لا تليق بعمري أبدا.
_ حسنا، ولكن الإفراط في تناول القهوة قد يصيبك بالإرهاق والتوتر ويجعلكِ أكثر عصبية ويسبب لك الأرق كذلك.. ما رأيك أن نستبدلها بعصير مثلا؟
ابتسمت وقالت:
_ ممكن..
_ عصير مانجو؟
أومأت بابتسامة وقالت:
_ وهو كذلك.
طلب كوبين من عصير المانجو، ثم بدأ بالحديث قائلا:
_ في يومي الأول في السجن، دخلت الزنزانة وأنا أتطلع حولي برهبة، كنت فتى أبلغ حوالي الواحد والعشرين عاما، كنت من سوء حظي أصغر سجين بين سجناء الزنزانة، وكعادة أي زنزانة يكون بها مجموعة من المجرمين العتاة، تلك المجموعة لها زعيمًا واحدًا، فيقوم زعيمهم بضرب النزيل الجديد وإهانته كي يخضعه لسلطته وسيطرته من أول يوم .. وبهذا لا يجرؤ أي نزيل بالزنزانة على تجاهل مطالبه، أو الاساءة إليه بأي شكل.
ثم حك أنفه وأضاف مبتسما وقال:
_ بالمناسبة، يسمون هذا احتفالا بالنزيل الجديد.
وتنهد ثم أضاف بأسلوبه الساخر:
_ في الحقيقة استقبلوني استقبالًا بارعًا، واحتفلوا بي احتفالًا مشرفًا للغاية لدرجة أني فقدت وعيي.. بعد أن استعدت وعيي بعد مدة لا أعلمها أخذتني الحمية ونفرت عروقي بغضب وأردت أن أنتقم لكرامتي المهدورة، فوقفت أمام زعيمهم هذا بكل جرأة وبصقت بوجهه.
ابتسمت سارة بإعجاب وحماس فضحك قائلا:
_ لا تتحمسي بشدة، ما حدث لم يكن لطيفا أبدا، قام أحد أفراد تلك المجموعة بطعني بجانبي على الفور وسقطت فاقدا وعيي للمرة الثانية.
تقوس حاجباها بحزن وتأثر بينما استطرد الآخر قائلا:
_ على الفور نقلوني لمشفى السجن وبعد يومين قاموا بنقلي من تلك الزنزانة لزنزانة أخرى. تلك الزنزانة هي جنة السجن كما كنت ألقبها، أتعرفين سبب تسميتي لها بذلك الاسم؟
أومأت باستفهام فقال مبتسما:
_ لأن بها السيد حبيب، والدك.
تفاجئت بشدة، وتحمست أكثر فقالت:
_ سيد حبيب كان من أنبل وأطيب الشخصيات بالسجن، انتقلت إلى تلك الزنزانة وأنا بحالة سيئة، كنت أصاب بالكوابيس دائما، لا أنام نومةً هنيئة أبدا، تارة أهذي وتارة أصرخ وتارة أنتفض، كنت أتصبب عرقا من شدة إجهادي وقلقي والكوابيس التي تلاحقني، وفي ذلك الحين والدك هو من كان يجلس بجواري يراقبني باهتمام ويزيل عن جبهتي العرق.
وصمت للحظات حتى يتبين انطباعها فوجدها صامتةً بوجه متجرد من الانفعالات فاستكمل قائلاً:
_ شعرت أنه أبي، أذكر أنه في إحدى المرات التي كنت فيها أصارع كابوسا جاء إلي صوت والدي يواسيني ويحاول إنقاذي، وعندما استيقظت وجدت والدكِ يجلس بجواري ويربت على يدي بحنوٍ بالغ.
قضيت أيامًا بائسةً وأنا أحاول التأقلم ولكني كنت أفشل دائما، كنت أعاني من صدمة، صدمة شديدة جعلتني أمتنع عن الطعام والشراب لأيام، فقط كنت أصلي وأناجي ربي كي يظهر لي أي بصيص أمل يساعدني ، أن تظهر الحقيقة وأغادر ذلك السجن اللعين، وفجأة بلغني خبر وفاة أمي، أظلمت الحياة بعيناي، ازداد قلبي سوادا وازددتُ حقدا وغضبًا، لولا سيد حبيب هو من كان يدعمني وقتها ويهون عليّ مشقات السجن.
ومع مرور الوقت أصبحنا رفيقين وتوطدت علاقتنا جدا ووثق بي لدرجة أنه أطلعني على أدق أسراره وكذلك بُحت له بأسراري وكان هو دومًا ناصحًا أمينًا، تستطيعين أن تقولي أننا وجدنا ضالتنا في بعضنا البعض، هو كان يفتقد وجود شخص يثق به ويعامله كإبن له، وأنا كنت أفتقد وجود شخص يدعمني ويصدقني. لذلك كان الجميع يعرفون أنني تحت حمايته ولم يقدر أيا من كان على إيذائي أو إزعاجي.
وصمت فقالت هي باستنتاج:
_ لذلك طلب منك أن ترعاني أنا ووالدتي حتى يخرج من السجن، أليس كذلك؟
أجاب ببساطة:
_ أجل، وثق بي وكلفني أن أكون بجواركما، وخاصةً أنتِ لأنه كان ولازال يشعر بالقلق تجاهك والخوف من أن تقابلين المتاعب في ظل غياب شخص أمين يقوم بمساندتكِ ودعمك.
ابتسمت بتوتر وقالت:
_ هل كان يحدثك عني؟
أومأ موافقا وقال:
_ طبعا، أغلب حديثه كان عنكِ وعن طفولتك اللذيذة والتي كانت تهون عليه غيابك، كانت لديه صورة لكِ وأنتِ في عمر السابعة تقريبا، كنتِ تبدين كالجنية الشقراء.
ابتسمت فابتسم بدورهِ وقال:
_ لطالما كانت صورتك هي مؤنسته بوحدته ووحشته، كان ينتظر زيارتك في كل يوم ، وعندما يمضي اليوم ولا تأتين كان يتجدد أمله في اليوم التالي، كان يحتفل بعيد ميلادك كل عام بالسجن.
نظرت إليه سارة بدهشة واغرورقت عيناها بالدموع ولكنها تماسكت بالنهاية وظلت تستمع إليه وهو يقول:
_ ومع كل عيد ميلاد كان يأمل أن تقومي بزيارته، كان يقول لقد كبرت الآن وحتما ستأتي لمواجهتي إن لم يكن لرؤيتي، ولكن ظنه كان يخيب في كل مرة، يئس وفقد الأمل واكتئب لدرجة أنه تجاهل دواء السكر بمرة كي يصاب بأزمة سكر ويفقد حياته على إثرها.
أطرقت برأسها أرضًا بأسف فقال:
_ والدك يحبك جدا سارة، هو لا يستحق النبذ أو الكره أبدا.
شردت بعيدا فقال:
_ لا تقسِ عليه، هو يحتاجك وأنتِ تحتاجينه كذلك.
سالت دموعها على جانبي خديها فشعرت بالتوتر بشدة ونهضت من مكانها وقالت:
_ سأذهب للحمام.
هربت من أمامه فورا واتجهت للحمام كي تنفجر به بعد أن قاومت البكاء لفترة طويلة.
بعد دقائق عادت فنهض وغادرا متجهان نحو السيارة، رن هاتفها مرة أخرى فأجابت وهي تقول:
_ نعم ، أنا آسفة لن أستطيع المجيء اليوم.
في تلك اللحظة رن هاتف قاسم برقم غير مسجل.
قبل قليل…
دخلت حياة الشقة وهي لازالت تتمتم بحنق:
_ تملك شقة بحي راقي وسيارة فخمة ولا تملك القليل من الذوق حتى.
انتزعها من شرودها صوت والدها الذي قال بحدة:
_ أين كنتِ حياة؟
انتفضت إثر حدته وقالت بأحرف متقطعة:
_ شـ.. شعرتُ بالضيق قليلا فذهبت أتمشى قليلا أبي.
_ ولمَ لم تخبريني أو تخبري أمك؟
_ صراحةً أبي، كنت غاضبة بشدة ولم أعِ ما أفعله.
هز رأسه باقتضاب ودخل غرفته ومنها إلى الشرفة، فذهبت إليه ووقفت بجواره وقالت:
_ في الحقيقة أبي لقد ساقتني قدماي إلى قاسم.
نظر إليها بتعجب فقالت:
_ ذهبت إليه المعرض. تحدثنا قليلا وقام بتوصيلي إلى هنا وغادر لأنه لديه موعدا مهما.
_ ولمَ ذهبتِ؟
_ لا أعرف، لم أكن أنوي الذهاب إليه ولكن فجأة وجدتني أقف أمام المعرض.
تنهد قائلا:
_ لا تعيديها ثانيةً يا حياة.
_ لمَ؟ ألا تثق بقاسم؟
_ بلى، أثق به كثيرا، وأثق بابنتي كذلك، أعرف أنكِ تشعرين بالأخوة نحوه وهو كذلك أيضا، ولكن تجنبًا للشبهات.
هزت رأسها بموافقة وقالت:
_ حسنا أبي، أعدك ألا أذهب إليه دون أن أخبرك ثانيةً.
ضحك وقال:
_ لن تتغيري أبدا، تراوغين حتى تصلين إلى هدفك.
ضحكت وحضنته وهي تقول:
_ أحبك كثيرا أبي.
في تلك اللحظة كانت عنبر تقف عند الباب تستمع لحديثهما بغيظٍ وقهر، ثم عادت إلى الغرفة وهي تتحدث إلى نفسها وتقول:
_ لو كنت أنا من فعلتها كانوا أقاموا قيامتي في الحال، ولكنها الآنسة حياة تتصرف كما يحلو لها.
عادت عنبر إلى غرفة الصالون حيث أقامت بعد أن أصبحت عنبر تقيم بغرفتها، دخلت وجلست بمفردها وهي تتحدث لنفسها وتقول:
_ ترى ماذا تفعل أنت والشقراء الآن يا ابن عمي، بالتأكيد يتحدثان ويمرحان، ومن يدري ربما يقومان باختيار ألوان طلاء جدران شقتهما الآن!
عضت على أصابعها من فرط الغيظ وأخذت تضرب جبهتها بِغل وهي تقول:
_ وما شأنك يا متطفلة؟ لمَ تهتمين بهما بذلك القدر؟
جلست تتململ بنفاذ صبر ثم أمسكت بهاتفها وهي تقول:
_ لا أستطيع الصبر أكثر، حقا لا أستطيع، علي أن أتصل به حالا.
فتحت حقيبتها وأخرجت منها البطاقة الخاصة بالمعرض ونقلت منها رقم هاتف قاسم إلى هاتفها، ثم قامت بالاتصال به.
في تلك اللحظة رن هاتف قاسم برقم غير مسجل فأجاب على الفور وقال:
_ مرحبا.
_ مرحبا قاسم.
_ من أنتِ ؟
_ ألا تعرف صوتي؟
_ لو كنت أعرف لمَ سألت إذا.
احمرت أذنيها بحرج وقالت:
_ أنا حياة.
هز رأسه بيأس وقال:
_ نعم حياة، هل اشتقتِ إلي أم ماذا؟
شعرت بحرج أكبر وهي تقول:
_ لا، ليس كذلك، ولكن..
وصمتت تحاول صياغة إجابتها ولكنها لم تجد ما تقوله وتلعثمت وطارت الأحرف من على شفتيها ، بينما كان هو ينتظر ردها بفارغ الصبر ويقول:
_ نعم ولكن ماذا؟ أكملي …
_ ولكن…
_ نعم، ولكن ماذا حياة؟ أرجوكِ لا تفقدي الذاكرة الآن؟
ثم هدر بها فجأة بصوتٍ أفزعها:
_ ولكن ماذا تكلمـــي!!!
_ صراحةً لقد اتصلت لأعرف ماذا تفعل أنت والشقراء الآن!
ألقت كلماتها دفعةً واحدة فقضم شفتيه بغيظ وهو يقول ببطء:
_ تعرفين لو أنكِ أمامي الآن؟ لوضعتكِ بزاويةٍ ما وتففتُ عليكِ ذهابا وإيابا حتى تموتين غرقًا..
وأنهى المكالمة ونظر إلى سارة بابتسامة مهذبة وقال:
_ عذرا، كانت إحدى المتطفلات فقط..
ابتسمت سارة وقالت:
_ هل هي حبيبتك؟
حملق بها وهو ينفي بقوة وكأنها ألقت عليه تهمة ما:
_ لا، لا أبدا، هي ليست كذلك أبدا.. لا لا إنها فقط ابنة عمي.
هزت رأسها وصمتت وهو يردد لنفسه:
_ يا إلهي، مجرد التخيل يصيبني بأزمة قلبية.
_ أرى أنه من الأفضل أن أعود للمنزل، سأذهب لچاسي في وقت لاحق.
ابتسم قائلا:
_ حسنا، كما تريدين، وفي أي وقت تحتاجين الذهاب لأي مكان بإمكانك الاتصال بي.
ابتسمت وقالت:
_ شكرًا لك.
توقف أمام بيتها فنزلت بعد أن أهدته ابتسامة ممتنة وغادرت، فعاد هو متجها نحو الشقة التي أهداها له سيد حبيب.
دخل قاسم ولأول مرة تطأ قدماه أرض تلك الشقة، أخذ يتطلع حوله ولن ينكر أنه كان مصدومًا من فرط إعجابه.
كانت شقة واسعة جدا، تشمل مجمل الدور الثالث، مساحتها مائتين متر وشرفة تمتد بطولها.
مدخل الشقة يثير الدهشة من خلال براعة تصميمه، فكل عنصر به يتمتع بأصالة موصوفة، فالأرضية «الباركيه» من الخشب الهنغاري الشهير، الزرابي بيضاوية الشكل تمنح المكان لمسةً من الفخامة، وثريات من الكريستال بيضاوية الشكل تحاكي الزرابي تحتها، ويقود هذا المدخل الى صالتين، واحدة للاستقبال، والثانية جلسة خاصة لمشاهدة التلفاز، وهو ينفتح أيضاً على غرفتي نوم، وبالطبع على صالة الطعام والمطبخ... ولعل ما يميز هذه الغرف كلها هو اتصالها المباشر بالشرفة التي تطل على البحر مباشرةً.
كانت شقة فخمة للغاية تتميز بموقع مركزي وإطلالات أكثر من ممتعة، مجهزة ومؤثثة بالكامل بأثاث عصري ولطيف، وألوان مشرقة تضفي جوا من البهجة والراحة النفسية.
أخذ قاسم يدور حول نفسه بذهول وهو يردد:
_ هل هذة شقة أم صالة مناسبات؟!! يا إلهي من الممكن أن أكون قد أخطأت العنوان! أو يكون سيد أكثم وصف لي عنوان شقة أخرى!
وأمسك هاتفه واتصل على أكثم الذي أجابه باهتمام:
_ نعم قاسم، هل وصلت ؟
_ في الحقيقة نعم، ولكن أشعر أنك أخطأت العنوان، يعني .. أقصد أن من الممكن أن يكون سيد حبيب كان يقصد شقة أخرى.
ضحك أكثم قائلا:
_ لا لم أخطئ العنوان قاسم، سيد حبيب لا يملك سوى هذة الشقة والفيلا.. في الحقيقة هو لم يرَ تلك الشقة، أنا من اشتريتها وجهزتها بناء على طلب منه، كان قد قرر شراؤها وإهداؤها لسارة عندما تتزوج كهدية زواجها، ولكنه طلب أن تكون تلك الشقة لك ، وطلب مني تأجيل شقة سارة فيما بعد.
كان قاسم لا يزال صامتا بصدمة ، وهو يبحث عن كلمات يعبر بها عن امتنانه ولكنه لا يجد فقال أكثم:
_ قاسم، هل تسمعني؟
_ أسمعك سيدي، ولكن.. أنا لم أظن أن الشقة ستكون بتلك الفخامة، وأكيد هي بمبلغ وقدره.. لذلك اعذرني لن أستطيع قبولها..
_ الأمر انتهى منذ أن طلب مني سيد حبيب ذلك، الشقة الآن مسجلة باسمك في الشهر العقاري ولك حرية التصرف فيها.
مسح قاسم جبهته ومقدمة رأسه بحيرة وقال:
_ صراحةً لا أجدُ ما أقوله، شكرا لكما.
_ أنت تستحق أكثر من ذلك قاسم، هيا تصبح على خير.
أنهى الاتصال وظل يتفحص المكان بإعجاب ويستكشف كل ركن به، ثم دخل الشرفة ليستقبل هواء البحر ورائحة اليود بصدرٍ رحب.
في صباح اليوم التالي..
نهض متكاسلا وهو يتطلع حوله بتعجب استغرق ثوانٍ حتى استوعب أنه بشقته الجديدة، فنهض متجها للحمام واستعد سريعًا ثم غادر متجهًا إلى المعرض.
استيقظت عنبر مبكرا قبل الجميع، وقفت أمام المرآة وطالعت مظهرها برضا وخرجت متجهة صوب معرض قاسم.
بعد حوالي نصف ساعة وقفت أمام المدخل المؤدي للمعرض وعدلت هندامها بتوتر، ثم دخلت وهي تحاول رسم الثبات على وجهها وملامحها المرتبكة.
اقتربت من مكتب قاسم فوجدته يجلس بهيئته الخاطفة يتابع شيئا ما باهتمام؛ مما زاد توترها أكثر.
انتبه قاسم إلى صوت خطواتها فنظر أمامه كي يرى القادم فإذ به يراها تقف أمامه بثباتها المزعوم وهي تقول:
_ صباح الخير.
طالعها وهو لا يزال جالسا وقال:
_ ومن أين سيأتي الخير؟ ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟
_ جئت لأطمئن عليك، مهما حدث بيننا سنظل من دم واحد.
_ تطمئنين علي أم ترميني بتهمة أخرى؟ هيا اذهبي حالا وإلا سأتصل بوالدك وأخبره أنكِ هنا.
اقتربت منه وهي تقول بحقد:
_ ولمَ لم تتصل به أمس وتخبره أن حياة كانت هنا؟ هل حياة فقط هي من يسمح لها بزيارتك؟
هب واقفا وقد أشهر سبابته بوجهها بتحذير وقال:
_ إياكِ والتلميح لأي شيء مشين قد يمس حياة.
اشتعلت عيناها بغضب وقالت بغيرة عمياء:
_ حقا؟ ولمَ تدافع عنها بهذا الشكل ؟
_ لأنها تستحق، إنسانة بريئة نقية تستحق أن أدافع عنها بكل استماتة.
استدارت حول مكتبه ووقفت أمامه مباشرةً وقالت بصوتٍ باكٍ:
_ وأنا كنت بريئة قاسم، هم من جعلوني مجرمة، عبدالله وأمي هم من أجبروني على اتهامك.
ابتسم ساخرا وقال:
_ فعلا خيرا والله. وإلا كنت سأظل موهومًا بأنكِ ملاكي البرئ.
ونظر إلى عينيها بقوة وقال:
_ كنت سأتزوج امرأة خائنة، تذهب وتعرض نفسها على رجل آخر في أول فرصة.
سالت دموعها وهي تقول:
_ ولكنني لم أعرض نفسي على رجل عرفته للتو بالشارع! أنا فعلت ذلك لأني أحبك!
نظر إليها بدهشة وقال:
_ حقا تحبيني؟ يا إلهي سيتوقف قلبي من شدة المفاجأة! ينتابني الفضول حول شيء يا مدام عنبر، متى عرفتِ أنكِ تحبيني؟ عندما ذهبتِ واتهمتيني بكل بساطة أني اغتصبتك وأنا لم أعانقك ذات يوم! أم عندما وقفتِ أمامي بالمحكمة وقلتِ نعم اغتصبني وأنتِ تنظرين بعيني بكل وقاحة؟ أم عندما اتهمتيني أمام والدكِ أني من أطاردك وأركض خلفك وأراودك عن نفسك؟ في أي مرة من تلك المرات عرفتِ أنكِ تحبيني؟
مسحت دموعها وهي تقول:
_ نعم فعلت، اتهمتك أنك تلاحقني لأني أعرف ومتأكدة أنك سجنت عبدالله رغبةً في التقرب مني، هذا المحامي الذي أحضرته ليس ليدافع عن عبدالله ، ولكن ليضمن لك أن يتم الحكم عليه بأقصى عقوبة ممكنة. أنت تحبني، بالرغم مما فعلته لم تكرهني، أنا متأكدة.
_ أنتِ موهومة، تقومين بإيهام نفسك بما لا تستطيعين تحقيقه.
وطالعها باشمئزاز وهو يقول:
_ إن كنت كما تظنين أرغب في التقرب منك فلم يكن من الصعب أبدا، لم تكوني لترفضي أبدا، الحصول عليكِ أسهل من شرب الماء عنبر هانم.
نظرت إليه بصدمة واحتقن وجهها فقال:
_ نعم دبرت تلك التهمة لعبدالله ولكن ليس توددا إليكِ، بل رغبةً مني في أن يذوق ولو نقطة من بحر القهر والذل اللذان تجرعتهما على مدار العشر سنوات. دبرت له تلك التهمة وأستطيع تدبير أبشع منها ولكني لا أسعى خلف الانتقام فحسب! ما يروقني مدام عنبر أن أذيق كل من أذاني من نفس الكأس الذي أذاقني إياه.
ابتلعت ريقها بتوتر وتوجست ريبة من لهجته الغريبة عليها فقال:
_ كي أنتشي وأشعر بلذة الانتقام لا بد أن يكون العقاب من جنس العمل.
رفرفت بأهدابها بتوتر وقالت:
_ تظن أنك تعاقبني بسجن عبدالله، أليس كذلك؟ ولكنك مخطئ .. أنت أسديت لي خدمة تستحق أن أشكرك عليها طوال عمري.
ثم نظرت إليه وقالت بملامح شاحبة:
_ أبليتَ حسنًا يا ابن عمي.
وتركتهُ وانصرفت بينما هوى بجسده على المقعد من خلفه بضيق وإحباط وهو يردد:
_ غبية!
ارتفع رنين هاتفه برقم أكثم فأجاب متلهفا وقال:
_ صباح الخير سيد أكثم.
_ صباح الخير قاسم، أبشر، لقد عثرت على عنوان حسان.
زفر قاسم مطولا براحة وقال:
_ وأخيرا..
_ نعم، هو الآن يعمل بمطعم بسيط، سأرسل لك عنوان بيته وعنوان المطعم.
_ حسنا سيد أكثم، في الحقيقة لا أعرف كيف علي أن أشكرك.
_ لا داعي قاسم، لقد أوصاني سيد حبيب، كل طلباتك مجابة.
_ شكرا لك سيدي، شكرا جزيلا.
وأنهى المكالمة وهو لا يزال يتمتم:
_ وأخيرا.. لقد جئت بالوقت المناسب تماما أيها الكلب!
وصلت إليه رسالة من أكثم وبها عناوين تواجد حسان فنهض قاسم مسرعا واتخذ سبيله إليه راكضا.
كان يجلس صامتًا بعجز وقلة حيلة، يسند خده على قبضته وهو يفكر في مأزق لتلك المشكلة التي لا حل لها أبدا.
في تلك اللحظة استيقظ ابنه من نومه ونظر إليه وقال وهو يفرك عينيه بنعاس:
_ أبي، هل لا زالت مستيقظا!
ابتسم ابتسامةً مكسورة وهو ينظر إلى ابنه بحزن وقال:
_ أجل صغيري، لمَ استيقظت؟ هل تريد شيئا؟ هل يؤلمك شيئا؟
أومأ الطفل بنفي وقال:
_ لا، ولكني لا أستطيع النوم والمصباح مضاء هكذا.
نهض من مكانه وأطفأ المصباح ثم عاد يجلس بجواره وهو يقول:
_ حسنا عزيزي ها قد أطفأته، هيا نم.
استمع إلى رنين جرس الباب فقال بتعجب:
_ من سيأتي لزيارتنا بذلك الوقت؟
_ لا أعرف، هل هو محصل الكهرباء؟
ضحك وقال:
_ أو محصل الغاز من يدري، لا تنزل من فراشك. سأذهب لأرى.
ذهب وفتح الباب وإذ به يصدم برؤية آخر وجه كان يتوقع رؤيته وقال بأحرف متقطعة بصدمة:
_ قـ. قاسـ.. قاسـم!!
هم بإغلاق الباب بسرعة ولكن قاسم كان أسرع منه فدفع الباب بقوة فسقط الآخر للخلف وهو يتراجع للخلف ويقول:
_ قاسم، كيف عرفت عنواني؟ لمَ أتيت إلى هنا؟
انحنى قاسم بجذعه عليه وأمسك بتلابيبه وهو يرفعه للأعلى بقوة حتى وقف أمامه وهو لا يزال على نفس حالته ويقول:
_ ماذا تريد مني؟ لمَ أتيت إلى هنا؟
ألقاه قاسم على الأريكة المتهالكة بصالة الاستقبال البسيطة وجلس على المقعد المجاور وقال:
_ أريد حقي.
ازدرد لعابه بخوف وقال:
_ أي حق؟ أنا لم أفعل شيئا.
_ حقا؟ ومن الذي قام باستدراج عنبر وإيهامها أني أنتظرها بشقتك؟ ألم تتعاون مع الحقير عبدالله ضدي؟ ألم تخن صداقتنا وأخوتنا وتضع يدك بيد ذلك الخسيس وتساعده على استدراج خطيبتي واغتصابها!
ظهرت ملامح الهلع جلية على وجهه وقال:
_ أقسم أني لم أكن أعلم أنه سيفعل بها هكذا، هو أوهمني أنه قد رآها في وضع مخل مع أحد أصدقائه، وأنه يريد أن يعنفها ويهددها أنها إن فعلت ذلك مرة أخرى سيفضح أمرها ويخبرك، قال أنه لن يتمكن من التحدث معها في بيت العائلة لأنك تمنعها من الاختلاط به، لذلك طلب مساعدتي، أن اصطحبها لشقتي وكأنك أنت من تنتظرها. وأنا وافقت لأني رأيت أن هذا في صالحك. صدقني لم أعرف أنه سيغتصبها أبدا.
_ وبعد أن علمت، ماذا فعلت؟ بعد أن علمت بدخولي السجن بتهمة لم أرتكبها ماذا فعلت؟
دفن الآخر وجهه بين كفيه بندم وقال:
_ كنت في طريقي للإبلاغ عنه صدقني، ولكنه كان نذلاً وحقيرا بما يكفي كي يساومني.
قطب الآخر جبينه وقال:
_ بما ساومك؟
خانته دمعة غادرة وهربت من عينه وهو يقول:
_ في تلك الفترة كانت زوجتي تقيم بالمشفى لأنها كانت تتعالج من مرض السرطان في الدم، لم أكن أجد حينها ثمن علاجها وأصبحت أستدين من كل مَن حولي ومن ضمنهم عبدالله، ولكنه أخبرني أنه لا يملك المال، بعد ما حدث وبعد أن هددته أنني سأقوم بالإبلاغ عنه ساومني على أن أصمت وأكتم ما أعرفه في مقابل أن يعطيني المبلغ الذي أحتاجه لعلاج زوجتي.
وأجهش بالبكاء فجأة وقال:
_ للأسف ضعفت وأخذت منه المبلغ وكتمت شهادتي. التهيت مع زوجتي وعلاجها وتفاجئت بأنك دخلت السجن! وفي اليوم الذي قررت الذهاب وإخبار الشرطة بما أعرفه توفت زوجتي!
كان قاسم يسمعه دون تأثر وكأن مشاعره قد تجمدت، بينما قال الآخر:
_ بعد أن تخطيت صدمة وفاتها فكرت أن أذهب وأخبر الشرطة بما أعرفه ولكنه قال لي أني إذا أبلغت الشرطة قد يحاكمونني لأني كتمت شهادتي وأدخل السجن.. للأسف تراجعت.. فكرت في أني إذا دخلت السجن سيبقى ابني صاحب العامين بمفرده! بعد أن أصبحت أنا أبيه وأمه.. صدقني لم يكن بيدي حيلة وقتها.
تنهد قاسم بتعب وقال:
_ توفت زوجتك بعد أن أخذت المال من عبدالله في سبيل كتم شهادتك لعلاجها، ألا ترى أن هذا غضبا من رب العالمين؟
أومأ موافقا بندم وقال:
_ أعلم ذلك، أنا نادم صدقني، أرجوك سامحني، لقد نلت عقابي ولا زلت معاقب، ماتت زوجتي والآن ابني يصارع الموت، ابني يعاني من سرطان الدم ويحتاج لعملية زرع نخاع في أقرب وقت وإلا سأفقده كما فقدت والدته.
وانخرط في نوبة بكاء جديدة..
_ سأعالجه.
نظر إليه حسان غير مصدقا وقال:
_ ماذا تقول؟
_ قلت سأعالجه، ولكن بشرط!
هز رأسه باستفسار فقال قاسم:
_ عبدالله الآن مسجونًا على ذمة قضية مخدرات، ستبرأه وتعترف أنك من دسست له تلك المخدرات بسبب خلاف قديم بينكما ووددت الانتقام منه.
جحظت عيناه بغير تصديق وقال:
_ هل تريد أن أعترف على نفسي بتهمة لم أفعلها؟
_ أجل، إن أحببت يمكنك أن تعتبر أنه عقابا لك لأنك كتمت شهادة الحق وساهمت في سجني، وعلى كل حال لا تخف، سيسعى المحامي لئلا تتجاوز مدة عقوبتك ثلاث سنوات.
نظر إليه بدهشة وقال:
_ لا يمكن، كيف سأترك ابني وحيدا؟
_ لا تخف، ابنك في حمايتي ورعايتي لحين خروجك من السجن.
صمت قليلا يفكر، ثم هز رأسه وقال:
_ لا، مستحيل، لا يمكنني أن أفعل ذلك أبدا.
نهض قاسم من مقعده وأمسك بتلابيبه بغضب وقال:
_ وكيف أمكنك أن تأخذ المال مقابل الغدر بي؟ كيف أمكنك أن تنام قرير العين وأنا أواجه كل أنواع الذل والظلم بسبب ذنب لم اقترفهُ؟
نظر إليه بخوف وقال:
_ ولكن عبدالله سيدخل السجن بالفعل، لقد واتتك الفرصة أن تنتقم منه وتسجنه كما سجنك، لمَ تريد مني أن أبرأه وأضع الأصفاد بيديّ؟
_ لسببين، أولهما هو ما أخبرتك به، لأنك تستحق أن تعاقب لأنك كتمت شهادتك، والسبب الثاني هو أني لا أريد لذلك الحقير أن يسجن، أريده خارج السجن كي يتسنى لي الانتقام منه على مهل.
تنهد حسان بعجز وصدح صوت ابنه برأسه وهو يقول:
_ أبي، هل سأموت كما ماتت أمي؟
فنظر إلى قاسم وقال:
_ هل تعاهد الله أنك لن تأذي ابني وستجنبه انتقامك؟
أومأ قاسم مؤكدا وقال:
_ لا تخف بشأن ابنك، مات إحساسي ولكن ضميري لم يَمُت بعد!
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نعمة حسن
مساء الخير حياة.
طالعتْهُ بضيق أخفتهُ بصعوبة وقالت: مساء الخير.
ألن تدعيني للدخول؟
تأففت بنزق وقالت: للأسف لا، أبي غير موجود.
أليست والدتك بالداخل؟
إنها نائمة.
أومأ بهدوء وقال: حسناً، أفهم أنكِ غاضبة ولا تريدين رؤية وجهي، ولذلك أتيتُ لأسترضيكِ.
نظرت إليه بغضب وانفجرت بوجهه وقالت: هل تسترضيني؟ بعد أن تحرشت بي؟ بعد أن اتهمتني أني على علاقة بقاسم؟
نظر إليها مصعوقاً وقال: تحرشتُ بكِ؟
أجل؟ عندما تود تقبيلي عنوةً أليس ذلك تحرشاً؟
نظر إليها مغتاظاً وقال: وما الجديد حياة؟ لقد قبلتكِ سابقاً؟ ما الجديد الآن؟
أغمضت عينيها بضيق وضمت قبضتيها بعصبية وهي تقول: أرجوك، أرجوك لا تكررها ثانيةً، أحتقر نفسي في كل مرة أتذكر أني كنت أسمح لك بذلك.
طالعها متعجباً وقال: تحتقرين نفسك؟
أومأت بقوة وقالت: أجل، لأنه لا يحق لنا فعل هذا، نحن لم نتزوج بعد.
أخذ يهز رأسه بعصبية وقد استفزته كلماتها فقال: أجل أجل، هيا رددي ما أخبركِ به هذا المجنون ابن عمك كالببغاء دون تفكير.
نظرت إليه بغضب وقالت: إياك وذِكر ابن عمي بسوء أبداً، أولاً أنا لا أردد كلامه لأني لست صغيرة كي أردد ما يقوله لي الآخرون دون تفكير، كل ما هنالك أنني اكتشفت أننا كنا مخطئين، كل ما كنت أفعله اكتشفت أنه خطأ، ليس عليك أن تغضب من ذلك أبداً.
ولمَ لم تكتشفِ ذلك من قبل؟ لماذا عندما ظهر قاسم بالتحديد؟ وبعد ذلك لا تريدين أن أشك أن بينكما شيئاً ما؟
اسمعني خالد أنا لا أقبل اتهامك أبداً، قاسم يعاملني كأخت له وأنا مقتنعة بذلك تماماً.
وأنتِ؟
نظرت إليه باستفهام فقال: هو يراكِ أختٌ له، وأنتِ؟
نظرت إليه بغضب وقالت بانفعال: أنت لا تستحق أن أتحدث إليك أساساً.
ودخلت ثم صفقت الباب بوجهه فقال غاضباً: اهربي حياة، تستطيعين الهرب بمهارة.
وهدر صوته وهو يقول بنبرة زلزلت ثباتها: ولكن اعلمي، أنتِ لي، أنتِ ملكي حياة، لن ينجح قاسم في الاستيلاء عليكِ كما يخطط، أنا أفهم ما يخطط له جيداً، هذا الكلب عاد لينتقم، ها أنتِ ترين بأم عينيك، عبد الله سيسجن، وتلك هي البداية، سينتقم من عنبر، ومن والدك، سينتقم من والدتك ومن أخته، سينتقم منكم جميعاً، وفي النهاية يخطط للنيل منكِ كتعويض عن خسارته أختك.
فتحت الباب فوراً وهي تطالعه بصدمة وقالت: ماذا تقصد؟ هل تعرف ما حدث؟
ضحك ساخراً وقال: للأسف عزيزتي، أعلم قبل خروجه من السجن، لذلك نبهتك منه وحذرتك من التعاطي معه لأنني كنت أعرف أنه سيلعب لعبته القذرة تلك.
سألته وهي لا تزال تحت تأثير الصدمة: كيف عرفت بتلك التفاصيل؟
من برأيك؟ عبد الله حين يثمل يقص علينا تاريخ أجداده منذ الجد السابع.
شهقت بصدمة ووضعت كفها تغطي فاها الفاغر وقالت: الحقيـر، عديم الشرف.
اسمعيني حياة، ابن عمك ليس متزناً نفسياً أبداً وكل ما يفكر به هو الانتقام، يريد الثأر لسنوات عمره التي ضاعت هباءً من وجهة نظره، إن كان مظلوماً فهذا لا يمنع أنه قاتل، لا يمنع أنه صاحب البلطجية وقطاع الطرق والمجرمين وآلفهم وأصبح مثلهم، قاسم الآن لم يعد مثل قاسم قبل عشر سنوات أبداً، لا تنساقي خلف وجهه الباسم وكلامه الحنون المراعي، لا تغتري بطيبته المزيفة حتى لا تعضين أصابعك من الندم.
وتركها وانصرف، بينما ظلت هي شاردة مشوشة وأخذت تردد: لا، قاسم ليس كذلك أبداً، أنا أثق به.
بالداخل كانت عنبر تجلس برفقة ابنها الذي يبكي بانفعال ويقول: أنتِ تفعلين ذلك دائماً، تكذبين علي وتخلفين وعودك كلها.
تنهدت بنفاذ صبر وقالت: أنا لا أفعل ذلك إلا لأني أرى أن ما كنت قد وعدتك به سابقاً أصبح لا يصلح الآن.
نظر إليها الطفل بعينين باكيتين وقال: لا تعديني بشيء إذا.
تعجبت منطق الصغير وصمتت بقلة حيلة، ثم جلست على الفراش خلفها وقالت: اسمعني كريم، أعرف أني كنت وعدتك أني سأشترك لك في النادي لتتدرب الكاراتيه، وأعلم أنك كنت متحمساً لذلك، ولكن الوقت الآن أصبح غير ملائم، والدك لن يكون موجوداً لاصطحابك، وأنا لن أستطيع الخروج أكثر من مرة في الأسبوع، وكذلك لن يمكنك الذهاب بمفردك.
حياة ستصطحبني.
أجابت بحدة: حياة ليست متفرغة لك، لديها همومها أساساً.
جدي لن يمانع باصطحابي.
نظرت إليه بضيق وقالت بعصبية: توقف عن مجادلتي كريم، قلت لا يمكنك الاشتراك حالياً، انتهى.
أجابها بضيق وعصبية مماثلة: لم ينتهِ، لمَ وعدتِني من البداية إذاً؟
صرخت به بقوة وحدة: افهم أيها الغبي، والدك دخل السجن.. ولن يخرج الآن، وأنا أصبحت بمفردي، ولا يمكننا الاعتماد على حياة في شيء.
حينها دخلت حياة إلى الغرفة فجأة وهي تقول: اصمتي عنبر، ما الذي تقولينه للولد بربك!
أشارت لها عنبر بالخروج وهي تقول بحدة: من فضلك لا تتدخلي بيننا، هذا ابني أنا وأنا فقط أدرى بالطريقة الصحيحة التي أخاطبه بها.
نظرت إليها حياة وهزت رأسها وهي تهمس مستغفرةً، ثم مالت على الطفل تحتضنه وهي تقول: لا بأس عزيزي، أنا سأفعل ما تريد.
انتفضت عروقها بغضب وقصف صوتها مدوياً وهي تقول: هل تتعمدين تهميش صورتي أمام طفلي، أم ما الذي تحاولين فعله آنسة حياة؟ هذا ابني أنا ألا تفهمين؟ لا يحق لكِ تجاهل كلامي بتلك الطريقة أبداً.
همست حياة إلى كريم بهدوء وطلبت منه الذهاب للصالون وانتظارها هناك، ثم نظرت لأختها التي تحترق غضباً وقالت بهدوء نقيض تلك النيران التي تستعر بداخلها: أنا لا أتجاهل كلامك عنبر، أنا أرمم ما تفعلينه بابنك.. بربك هل ترينهُ عدلاً أن تحدثي الطفل بكل تلك القسوة وتخبريه أن والده سيدخل السجن ولن يخرج الآن؟ ألم تفكري بنفسية طفلك؟
أنا أدرى بنفسية طفلي منكِ!
هزت الأخرى رأسها بيأس وقالت: أعلم أن الحديث معكِ لا طائل منه، ولكنني سأنصحكِ نصيحة لوجه الله، ابنك يحتاجك الآن أكثر من أي وقت سابق، هذه فرصتك كي تزرعي به الخير في غياب والده، أرجوكِ لا تفوتي تلك الفرصة في الركض خلف أوهامك ومساعيكِ الخبيثة.
في اليوم التالي..
كان الجميع يستعد للذهاب للمحكمة، حينها دخلت صفية إلى غرفة عنبر فإذا بها تتفاجأ برؤيتها وهي تجلس واضعًة قدم فوق الأخرى وتمسك بطبق به بعض حبات الفاكهة تتناولها بهدوء فقالت: هل لازلتِ تجلسين؟ هيا لقد تأخرنا.
لن أذهب.
قالتها وهي تجلس بكل هدوء فنظرت إليها أمها بعصبية وقالت: ماذا يعني أنكِ لن تذهبي؟ هل ستجلسين هنا بكل أريحية وزوجك يحاكم؟
وماذا سأفعل؟ هل كنت محاميه الخاص؟
خرجت صفية وتركتها تردد لنفسها بهدوء: لا بأس عنبر، ساعات قليلة وتحصلين على هدنة لا بأس بها. أثق أن قاسم سيحرص على أن ينال أقصى عقوبة ممكنة.
في تلك الأثناء كان قاسم يجلس بسيارته منتظراً أمام باب بيت حسان الذي خرج ومعه ابنه وبيده حقيبته، فتح باب السيارة الخلفي ثم ساعد طفله على الركوب ووضع حقيبته بجواره، ثم صعد إلى المقعد المجاور لقاسم ونظر إليه بتردد فقال: ابني أمانة في عنقك قاسم.
أومأ قاسم موافقاً وقال: لا تخف، ابنك في يدٍ أمينة.
نظر حسان إلى ابنه بابتسامة مهزوزة وقال: أراك على خير صغيري.
نظر إليه ابنه بابتسامة وقال: هل ستغيب بتلك الرحلة أبي؟
في الحقيقة لا أعرف، ولكن إذا استطعت الحصول على المال سأعود مبكراً.
أومأ بهدوء وقال: ومن سيرعاني في غيابك؟
انقبض قلبه وأجاب: عمك قاسم هو من سيرعاك بغيابي، إنه صديق عزيز ويمكنك الثقة به.
نظر قاسم بالمرآة إلى الطفل وأومأ مؤكداً بابتسامة، ثم نظر إلى حسان وقال: هيا يا رجل، ستفوتك الرحلة.
فتح حسان الباب وهو يطالع ابنه بابتسامة حزينة ودموعه تتراقص بمقلتيه وقال: كن لطيفاً يا ولد، ولا تعبث بكل شيء، لا تتسبب في المتاعب لعمك قاسم.
أشار له الطفل بإبهامه في علامة إعجاب منه بما يقول والده وابتسم، ثم لوّح له مودعاً.
اختفى حسان عن الأنظار، فنظر قاسم إلى الطفل ورفع حاجبه، فرفع الآخر حاجبه مقلداً إياه، فقال قاسم: ما اسمك يا صديقي؟
ولمَ تريد التعرف على اسمي؟ هل ستستخرج لي بطاقة شخصية؟
ارتفع حاجبي قاسم بتعجب من رد الطفل وقال: ماذا؟ كم عمرك يا قصير؟
أشار له الولد بثمانِ أصابع وقال: هل تستطيع العد؟ أم أنك جاهل؟
هز قاسم رأسه بيأس، ثم لف بجذعه إلى الخلف وأمسك بتلابيب الطفل ونزعه من مقعده، ثم وضعه بالمقعد المجاور له وهو يقول: لا، لست جاهلًا يا طويل اللسان.
جيد إذا، هيا أخبرني أين سنذهب؟
بدأ قاسم بالتحرك وهو يقول: سنذهب أولاً لشقتي كي تضع أغراضك وترتاح قليلاً ونتناول شيئاً ما حتى يحين موعد الطبيب.
أولاً اسمها شقتنا.
ماذا؟
ألن نقيم سوياً؟
بلى.
إذا هي شقتنا وليست شقتك.
حسناً، وثانياً؟
وثانياً، لماذا سنزور الطبيب هل سأموت قريباً أم ماذا؟
لا، لا تقل هذا، سنزور الطبيب كي يعالجك وتتعافى تماماً إن شاء الله.
وهل يتعافى أحداً من اللوكيميا؟
نظر إليه قاسم بصدمة وقال: هل تعرف؟
أجل، سمعت والدي يتحدث مع الطبيب سابقاً، ولكن والدي أخفى ذلك عني، ولكن لا أعرف لمَ تصرون على إنفاق الكثير من المال للأطباء وفي النهاية سأموت كما ماتت أمي.
نظر إليه قاسم بضيق وقال: قلت لك لا تقل هذا، إن شاء الله ستتعافى.
تنهد الطفل وشبك أصابعه ببعضها ونظر اليه بحماس خافت وهو يقول: يكون جيداً إذا. حينها ستصبح لدي فرصة في لعب الكرة مع رفاقي بحرية.
أومأ قاسم بابتسامة مشجعة وقال: صحيح، ومن الممكن أن تحترف الكرة وتلعب بالنادي الأهلي أيضاً.
نظر الولد إليه مغتاظاً وقال بعصبية حادة: أهلي؟ أفضل أن أموت إذاً.
ارتفع حاجبيه بصدمة وأخذ يرفرف بأهدابه بغير تصديق ويتمتم: مستحيل، هذا الطفل طفرة في عالم الأطفال.
ونظر إليه بطرف عينه وقال: لم تخبرني بعد، ما اسمك؟
صبر!
نظر إليه قاسم متعجباً وقال: صبري؟
نفخ الآخر أنفه بضيق وقال: صبر وليس صبري.
زم شفتيه متعجباً وقال: صبر! اسم مختلف حقاً!
نعم، أسمتني والدتي صبر كي أصبح صابراً في مواجهة الحياة.
هز رأسه وقال بأسف: كأنها كانت تشعر بما ستعانيه.
ماذا قلت؟
أبداً، حسناً صبري.. أقصد صبر وليس صبري.. هيا لقد وصلنا.
نظر إليه صبر وإلى المكان من حوله وقال: هل تسكن هنا؟
أجل.
هنا؟ في هذا الحي الراقي؟
نعم.
يا إلهي.
وفرك يديه بحماس وقال: على ما يبدو ستكون رحلة ممتعة.
وفتح باب السيارة وقفز منها فهرول قاسم نحوه بخوف وهو يقول: ما هذا الاستهتار؟ كنت ستسقط وتجرح ركبتيك.
نظر إليه صبر بابتسامة سمجة وقال: معذرةً، لم يكن لدينا سيارة قبل ذلك.
هز قاسم رأسه بيأس وأمسك بيده وصعدا إلى الشقة وبمجرد أن فتح قاسم الباب حتى هرول الطفل إلى الداخل مصدراً صياحاً عالياً وأخذ يركض هنا وهناك ويقفز فوق الأرائك بحذائه وقاسم يقف مصدوماً وهو يحاول استيعاب ما يراه ثم هدر به فجأة وقال: هااي!!! أيها العفريت توقف.
أخذ يقفز فوق الأريكة الوثيرة وهو يقول ببهجة: هل صممتها كي تكون نطاطة؟
أجابه ساخراً: أجل، لأنني أشعر بالملل في بعض الأحيان فأقف وأقفز فوقها كفرقع لوز كما تفعل أنت تماماً.
فتح الطفل ذراعيه بحماس وهو يقفز ويقول: يا إلهي، لأول مرة أرى نطاطة على هيئة أريكة فخمة، ياااااي.
وقفز فجأة من الأريكة تلك لأخرى مجاورة وهو يقول: وهل هذة أيضاً تعمل كنطاطة؟
لا، تلك تعمل كساقية دوارة! يا إلهي ألهمني الصبر.
ياااااي… مدينة ملاهي عجيبة.
وقفز من الأريكة للطاولة المستطيلة وهو يقول: وهل يعمـ…
حينها انقض قاسم فوقه يمسك به من قميصه ويقول وهو يجز على أسنانه بغيظ: هل أنت من أولئك الذين يسيرون فوق الجدران ويتشبثون بالثريات؟
أجاب الطفل ببراءة مصطنعة: لا، لست كذلك.
حمله فوق ظهره وسار به نحو الغرفة التي قرر أنها ستكون له وقال: حسناً، هذة غرفتك، ولعلمك.. أنت مسؤول عن نظافتها، أنا بالكاد أستطيع تحضير شطائر الجبنة.
نظر إليه الطفل باستعطاف خبيث وقال: وهل ستقوم بتشغيل طفل مريض مثلي واستغلاله بتلك البشاعة؟
رق قلب قاسم عند سماع تلك الجملة وقال بابتسامة وهو يقترب منه: لا صديقي، كنت أمزح فقط!
كانت عنبر تجلس تشاهد فيلما بكل أريحية وفجأة استمعت إلى صخب وأصوات متداخلة فعلمت أن أهلها قد عادوا.
نهضت بلهفة، تود معرفة بكم سنة تم الحكم على عبد الله حتى يهدأ بالها وتطمئن.
رن الجرس ففتحت الباب بلهفة ولكنها تيبست أرضاً وهربت الدماء من عروقها عندما رأت عبد الله يقف أمامها ويبتسم بخبث قائلاً: مرحبا زوجتي الحبيبة.
عبد الله!!!
أجل، اشتقت إليكِ!
زاغ بصرها وانخفض ضغطها فجأة وسقطت مغشياً عليها.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نعمة حسن
كانت تستلقي بفراشها والجميع حولها ينتظرون استفاقتها، لا سيما زوجها الذي ينتظرها بفارغ الصبر وهو يتوعدها في قرارة نفسه بأشد العذاب!
بدأت بفتح عينيها بتعب ونظرت حولها وهي تمني نفسها أن ما رأته كان كابوسا والآن ستفتح عينيها ولن تجد ما حدث حقيقيا، ولكن خابت آمالها وتحطمت عندما استمعت لصوتهُ المُقبض يقوله:
_ هل أفقتِ عزيزتي؟
نظرت إليه بصمت وهزت رأسها بتشوش فقال وهو يمسك بيديها:
_ أعلم أن المفاجأة كان لها وقعًا شديدًا عليكِ.
ثم ضغط على أناملها بقبضته وهو يقول بصوت أكثر حدة:
_ ولكنكِ لو كنتِ أتيتِ للمحكمة لما تفاجئتي وسقطتِ أرضا كما حدث الآن.
حينها برز صوت صفية التي تراقب المشهد بتوجس وقالت:
_ اعذرني بني، أنا من طلبت منها ذلك، كانت قلقة جدا بشأنك وانخفض ضغطها حتى أن..
وابتلعت ريقها بوجل وأكملت:
_حتى أن حرارتها ارتفعت وشعرت كأن قدماها لم تعد تحملانها، لذلك طلبت منها أن تبقى هنا، بالإضافة لأننا جميعا ذهبنا للمحكمة فمن كان سينتظر برفقة كريم؟
هز رأسه بتمهل وهو لايزال ممسكا بأناملها الرقيقة بكفه ويضغط عليها قاصدًا إيلامها وقال بنبرة متلاعبة:
_ حقا؟ هل كنتِ خائفة من أجلي لتلك الدرجة؟
أومأت بصمت وهي تشعر كأنها ستسلم روحها من شدة الخوف، نهض عبدالله وفجأة وجدت نفسها ترتفع من فراشها وهو يحملها على ذراعيه ويسير بها متجها للخارج وهو يقول مبتسما بفظاظة:
_ اعذرني عمي، لقد اشتقت لزوجتي ولا أطيق الصبر، نحن نستأذن.
طالعهُ عمه بنفور ولم يرد عليه وخرج عبدالله وهو يحمل عنبر التي كانت تغمض عينيها بأسى وخوف من اللحظات القادمة.
***
كان قاسم قد قام بتحضير الغداء ووضعه فوق طاولة المطبخ، ثم نادى قائلا:
_ هيا صبر، الغداء جاهز.
صدح صوت صبر من الخارج حيث كان يجلس بغرفة المعيشة وهو يقول:
_ أريد تناول الطعام هنا وأنا أشاهد الكرتون.
حمل الطعام ونقله لغرفة المعيشة نزولا عند رغبة الطفل ووضعه على الطاولة أمامه وهو يقول:
_ أول وآخر مرة، من الآن فصاعدا سيكون الطعام بالمطبخ فقط.. فهمت؟
أجابه وهو منشغلا بشدة في مشاهدة الكرتون:
_ حسنا.
نظر قاسم إلى حيث يتطلع هو ثم قال:
_ ما هذا؟ هل تشاهد الكرتون؟! أخيرا وجدت دليلًا واحدًا يثبت أنك طفل ولست كهلًا يعاني من التقزم.
وضحك بشدة بينما طالعه صبر من أعلى لأسفل بنظرة ازدراء استفزت قاسم كثيرا فأخذ يتمتم:
_ يا إلهي، هذا الطفل العجوز يكاد يخرجني عن شعوري.
بدأ قاسم بتناول طعامه وهو يشاهد الكرتون مثلما يفعل صبر ثم قال:
_ ما رأيك أن تحدثني عن نفسك؟
أجاب وهو يتطلع للتلفاز بانتباه:
_ لا كلام على طعام، هكذا كان يقول أبي.
نظر إليه قاسم وابتسم ثم قال:
_ هل تحب أباك؟
أجابه صبر وهو لازال ينظر إلى التلفاز:
_ أنت هل تحب أباك؟
_ بالطبع أحبه.
_حسنا وما الذي يميزك عني كي تحب أباك وأنا لا أحب أبي؟!
حك قاسم ذقنه وهمس مستغفرا وقال:
_ ما تلك البلوة التي بَلوتَ نفسك بها يا قاسم؟
ارتفع رنين جرس الباب فجأة فنظر صبر إلى قاسم وقال:
_ هل أتى أبي؟ هل جنى المال بتلك السهولة وعاد؟
تنهد قاسم بضيق ونهض متجها نحو الباب وفتحهُ ليرى حارس العقار وقد أحضر بعض الأغراض التي طلبها منه قاسم ويقول:
_ مساء الخير سيد قاسم، لقد أحضرت كل ما طلبته وهذا هو الرقم الخاص بالسوبرماركت، إذا أردت أي شيء يمكنك الاتصال به وسيصلك طلبك في الحال.
تناول قاسم الأغراض منه وقال:
_ شكرا لك راضي، تفضل هذة من أجلك.
وهمّ بفتح الباب ولكنه توقف عندما رأى سيدة شابة جميلة، هيفاء الطول، ترتدي تنورة سوداء ضيقة وسترة بنفس اللون تعلو قميصًا أبيضًا. كانت تلك السيدة تقترب منه وهي تبتسم ثم وقفت أمامه مباشرةً وقالت:
_ مرحبا.
مدت يدها فمد يده يصافحها وقال:
_ مرحبا.
_ أنا مدام فريال جارتك بالطابق العلوي.
_ أهلا وسهلا، وأنا قاسم.
_ أهلا بك قاسم.
ثم ابتسمت بتألق وقالت:
_ اعذرني لقد رفعت التكليف بيننا فنحن أصبحنا جيران.
أومأ وقال بتهكم خفي:
_ صحيح ،ولا يوجد تكليف بين الجيران.
_ أنت محق، يمكنك أن تناديني فُلة إذا أردت.
ابتسم بحرج وقال:
_ لا، مدام فريال أفضل.
اهتزت ابتسامتها بحرج وقال:
_ حسنا، كما تشاء. على كل حال لقد سعدت جدا أنه أصبح لي جيران بالعمارة ،أساسًا لا يوجد غيرنا في العمارة.
رفع حاجبيه بإدراك وتوتر وفجأة ظهر صبر وهو يلكزه بقدمه وينظر للشابة ويقول:
_ كيف لا يوجد غيركما بالعمارة؟ وأين ذهبت أنا؟
ابتهج وجه قاسم الذي شعر أن صبر قد أنقذه من ذلك الموقف المحرج وقال وهو يطالع الأخرى بابتسامة رسمية:
_ أعرفك، صبر.
نظرت إليه فريال وقد خاب أملها وقالت:
_ هل أنت متزوج؟
هم بالإجابه ولكن صبر سبقه وقال:
_ نعم، متزوج.
_ وهل أنت ابنه؟
للمرة الثانية كان بصدد الرد ولكن صبر قاطعه مجددا وقال:
_ نعم أنا ابنه.
نظر إليه قاسم بصدمة وقال:
_ لا، هو ليس ابني.
وقف الطفل أمامه متصنعا الصدمة وهو يقول:
_ لست ابنك ؟ هل تتبرأ مني أبي؟
حملق به قاسم بدهشة وأخذ يبحث عن كلام يقوله ولكنه لم يجد ووقف عاجزا عن الرد أمام ذلك الطفل الطفرة!
ابتسمت فريال بتوتر وأخذت تنظر إليهما بريبة وقالت:
_ حسنا، على ما يبدو أنني تحدثت كثيرا، عن إذنكما.
انصرفت فصفق قاسم الباب ونظر إلى صبر بعينين تبرقان بالغضب فإذ بالطفل يركض تجاه غرفته فجأة وأوصد الباب خلفه.
وقف قاسم متخصرا بيديه وهو ينظر للغرفة المغلقة التي يختبئ بها صبر وقال:
_ هذا الطفل سيصيبني بنوبة قلبية حادة قريبا.
واتجه نحو الغرفة وطرق الباب وقال:
_ لا تخف، لن آكلك، لقد امتنعت عن أكل الأطفال منذ سنين عديدة ، هيا اخرج لتكمل غداءك.
فتح صبر الباب بتمهل وأطل برأسه من خلف الباب كالفأر المذعور فضحك قاسم قائلا:
_ قلت لك لا تخف، هيا لتكمل غداءك ونذهب للطبيب.
عادا وجلس صبر فوق الأريكة كما كان وجلس قاسم على الأرض وأسند ظهره على الأريكة وأخذا يتابعان الكرتون بصمت.
_ لمَ لم تقم بطهي النقانق جيدا؟
تساءل صبر بهدوء فقال قاسم يناقشه بهدوء:
_ أليس مطهوًا كما يجب من وجهة نظرك ؟
هز رأسه بنفي وقال:
_ لا، لم تقم بتسويته، يمكنك دق المسامير بواسطته.
دق جرس الباب مرة أخرى فنظرا لبعضهما البعض فقال صبر:
_ هل هي جارتنا الطويلة؟
رفع كتفيه كدلالة لعدم معرفته وقال:
_ لا أعرف، هيا قم وافتح الباب.
تحدث باستنكار قائلا:
_ أنا من سأفتح الباب؟
_ وما الذي يمنع؟ هيا قم واعمل لأجل لقمة عيشك.
نظر إليه الولد نفس نظرته المستهزءة وذهب ليفتح الباب فوجد شابة جميلة أيضا ولكنها قصيرة، طالعته الشابة باستغراب وقالت:
_ من أنت؟
طالعها بنفس النظرة وقال:
_ من أنتِ؟
_أنا حياة، وأنت؟
_ أنا صبر.
ومد يده يصافحها وهو يقول:
_ مرحبا حياة.
_ مرحبا صبر، ماذا تفعل هنا؟
_ أنا ابن صاحب تلك الشقة!
جحظت عيناها بصدمة وشهقت بفزع وهي تقول:
_ ابن من؟ ابن صاحب الشقة؟
وقتها صدح صوت قاسم من الداخل يقول:
_ من بالباب يا صبر؟
اندفعت حياة للداخل فجأة كالعاصفة الهوجاء وهي تقول بانفعال:
_ أيها المحتال الجبان!!
نظر إليها قاسم متفاجئا وقال:
_ حياة!!
_ نعم حياة سيد قاسم.
_ كيف جئتِ إلى هنا؟
قالت بصوتٍ ساخر:
_ لم آتي، الله هو من أرسلني لأكتشف حقيقتك التي تخبئها عن الجميع.
قطب جبينه متعجبا وقال:
_ أي حقيقة؟ أنا لا أفهم شيئا!
أشارت لصبر الذي يقف بجوارها وقالت:
_ هذا الأزعر!
تحدث صبر بعصبية وقال:
_ لستُ أزعرًا.
أشار إليه قاسم قائلا بنفاذ صبر:
_ اصمت قليلا من فضلك..
ونظر إلى حياة وقال:
_ لا أفهم ما تقصدين، إذا تكرمتِ وأخبرتِني ما الذي تقصدينه مباشرةً سأكون ممنونا للغاية.
نظرت إلى صبر مرة أخرى وقالت:
_ إلى متى كنت ستخبئه؟ ما شاء الله قد أصبح طوله نفس طولي ونحن لا نعرف عنه شيئا!
تمتم مستغفرا ومسح وجهه بغضب ونفاذ صبر ثم نظر إلى صبر بتوعد وقال:
_ أنت يا قصير ماذا قلت لها؟
أجاب صبر ببراءة لا تلائمه أبدا وقال:
_ قلت لها الحقيقة، أنني ابنك!
حدق به قاسم بدهشة ونظر إلى حياة التي وضعت يديها بخصرها بتحفز وطالعته بنظرة ذات مغزى فقال:
_ يا إلهي، ماذا فعلت؟
تحدثت حياة بانفعال وأخذت ترغو وتزبد في وجهه وتقول:
_ هذا القصير متى أنجبته ها؟ لقد كنت مسجونا لعشر سنوات! هذا من أين أتى لا أفهم!
أجابها قاسم حانقا:
_ استمري عزيزتي تبلين حسنا، أشعر ببصيص أمل في اكتشافك الحقيقة بنفسك إذا استمر رأسك السميك هذا في التفكير بتلك المنطقية.
واتجه نحو صبر الذي انكمش حول نفسه كالأرنب، ثم حمله من ملابسه وألقاه على الأريكة بخفة وقال:
_وأنت توقف عن إخبار الجميع بتلك الحماقات.
طالعه صبر مغتاظا وقال:
_ ظننت أنها إحدى الجارات المتطفلات مثل جارتنا الطويلة التي كانت تتحدث إليك قبل قليل، ما ذنبي أنا؟!
قضمت شفتيها بعصبية وأخذت تهز قدميها بضيق وهي تقول:
_ وما قصة الجارة الطويلة تلك؟
ورفعت يدها إلى جبهتها وهي تقول:
_ يا إلهي، أشعر وكأني أتعرف إليك للمرة الأولى، لديك طفل، وتتعرف إلى الجارات الحسناوات وتصادقهن وتواعدهن وتلاطفهن…
هدر بها قاطعا سيل توهماتها وقال:
_ حيــــاااة، كُفي عن هذا الهراء واتبعيني.
سار تجاه المطبخ فتبعته بوجل وهي تتمتم:
_ يا إلهي، كيف يسير بتلك الشقة بدون خريطة!
رأته يقف يطرق الأرض بقدميه بعصبية فوقفت أمامه وقالت:
_ أفندم أيها الرجل الغامض! ماذا تريد؟ كيف ستبرر ما فعلته؟
اقترب منها بتمهل وعيناه لا تفارق عيناها بنظرة متمهلة وهو يقول:
_ ماذا فعلت ها؟
أجابت بخوف وهي تزدرد لعابها وتشير للخارج:
_ الولد.. ابنك
_ تبًا.
أغمض عينيه وملأ رئتيه بشهيقٍ طويلٍ وقال:
_ اسمعيني حياة، ما سأقوله الآن، لن أقوله ثانيةً، الولد ليس ابني، لم أتزوج فكيف سأنجبه؟ عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي مثلا؟ هذا أولا.. أما ثانيا، تلك الجارة..
قاطعته عندما أشارت بعينيها للأعلى وقالت بخفوت:
_ الطويلة؟
أجاب بنفاذ صبر وايجاز:
_ أجل، تلك الجارة الطويلة التي لم أرَ في حُسنها من قبل..
ومسح وجهه بغضب وحيرة وهو يقول:
_ يا إلهي لا أعرف لمَ سأبرر لكِ من الأساس! اسمعيني حياة، لا تبني أوهاما وتصدقيها، يكفيني ما أنا فيه، ثم ما الذي ألقاكِ على بابي في هذه الساعة؟ ومن أين عرفتِ العنوان؟
أجابت ببساطة:
_ ذهبت للمعرض وسألت العامل عنك فقال أنك غير موجود فسألته عن عنوان بيتك فأعطاني إياه، هذا كل ما في الأمر.
ضحك ساخرا وقال:
_ ما شاء الله ، ذهبتِ وسألتِ عني العامل فأعطاكي عنواني! بكل سهولة!
_ أجل، وما الصعب في ذلك إذا؟
_ ستعرفين ما هو الصعب الآن!
أمسك هاتفه وقام بالاتصال بالعامل لديه بالمعرض وقال مباشرةً:
_ أنت مفصول.
نظرت إليه حياة بصدمة وقالت:
_ يا مجنون! ماذا فعلت؟؟ هل فصلتهُ لأنه أخبرني عن عنوانك؟ لا أصدق أذناي!
_ والآن، تفضلي عليك بإخباري السبب وراء زيارتك الكريمة!
_ جئت لأخبرك أن عبدالله حكم له بالبراءة.
أجاب ببرود:
_ هنيئا لكم إذا.
_ وكأنك لست متفاجئا؟
_ ولم عليّ أن أتفاجأ؟ هل أنا أدرى من القاضي مثلا؟
قطبت جبينها باستغراب وقالت:
_ وكأنك سعيدا لأنه خرج!
جذب شعره بأصابعه وقال:
_ ولمَ سأكون مسرورا؟ هل هو زوجتي؟ بربك حياة لدي ما هو أهم من عبدالله ومشاكله.
عادت تنظر إليه باستشفاف وقالت بلهجة العارف:
_ وكأنك وراء براءته تلك؟
طالعها بتهكم وقال:
_ وكأنكِ جئتِ لتحققين معي؟ هيا أسدي لنفسك معروفا واذهبي. لدي موعد مع الطبيب.
قالت بقلق يشوبه الفضول:
_ لماذا؟ هل أنت مريض؟
هز رأسه بضيق وقال:
_ أجل، للأسف قبل مجيئك بدقائق كنت رجلًا بصحة جيدة ولكن دوام الحال من المحال في حضورك أنتِ بالذات!
ضيقت عينيها بشك وقالت:
_ إذا ما قصة ذلك الأزعر؟
نظر إليها مستجديا بجدية وقال:
_ حياة بالله عليكِ لستُ متفرغا حقا كي أجيب تساؤلاتك وأرضي فضولك، صبر لديه موعد مع الطبيب ولا يجوز أن نتأخر.
_ هل هو مريض؟
مسح وجهه مرة أخرى وأضاف بتعب:
_ أجل، مريض لوكيميا.
شهقت بألم وامتلأت عيناها بالدموع فجأة وقالت:
_ يا إلهي!
_ هلا سمحتِ لنا بالذهاب الآن؟ أعدك أنني سأخبرك بكل شيء في وقت لاحق.
نظرت إليه بتوسل وقالت:
_ هل يمكنني الذهاب رفقتكما؟ أرجوك.
أومأ بتعجل وهو يخرج من المطبخ وهي تتبعه كالعلقة:
_ حسنا، هيا بنا.
***
كانت عنبر تقف بالحمام ترتدي مئزرها وتستند بكفيها إلى الحوض وهي تتطلع بالمرآة بخوف، حينها طرق عبدالله الباب وهو يقول:
_ عنبر، لمَ تغلقين الباب من الداخل، أنا زوجك إذا كنتِ لا تعلمين! هيا أخرجي.
سحبت شهيقا طويلا ملأت به رئتيها وفتحت الباب ثم خرجت وهي تنظر إليه بوجل فقال:
_ هل سأنتظر أسبوعين إضافيين لحين خروجك من الحمام؟
وهمّ بتقبيلها فجأة وهو يقول:
_ أشتاقك حلوتي.
مالت بجسدها للجهة الأخرى في ردة فعل عفوية لجسدها النافر فقال:
_ ما بكِ؟
اهتز صوتها وارتجفت وهي تخبره:
_ لا شيء ولكن، أشعر بأني متعبة!
مال عليها مرةً أخرى وهو يقول:
_ حسنا وأنا متعب أكثر منكِ..
ابتعدت للخلف فجأة وقالت بتوتر:
_ أرجوك عبدالله امنحني بعض الوقت!
حرر شياطينه الكامنة بداخله وقال:
_ أمنحكِ بعض الوقت لأجل ماذا؟ هل تظنين نفسك عروسة بليلة زفافها؟
وهدر بها بعصبية كان يكبتها بصعوبة:
_ ماذا بكِ عنبر؟ أساسا أنا لم أستسِغ فكرة عدم مجيئك للمحكمة، وكأنكِ كنت تظنين أنني سأحكم عشر سنوات مثلا، ولم تفُتني صدمتك وإغمائك عندما رأيتِني، وكأنكِ كنتِ تأملين غير ذلك!
هزت رأسها بنفي وقالت:
_ لا، ليس كذلك صدقني..
_ إذًا كيف؟ أخبريني عنبر ماذا حدث في غيابي؟
حملقت به باستغراب وتوتر ما لبث أن ازداد عندما اقترب منها بنظرته المخيفة وقال:
_ أخشى أن تكون زوجتي المصون قد فعلت شيئا يثير غضبي!
أخفضت ناظريها أرضا وقالت بنبرة مرتجفة:
_ ما هذا الهراء، كيف تجرؤ على اتهامي بتلك الطريقة.
أمسك برسغيها بين قبضتيه بقوة آلمتها وقال:
_ أنا لم أتهمك زوجتي العزيزة، أنتِ من تظنين كلامي اتهاما.
شعرت أنها ستفقد وعيها للمرة الثانية وسالت دموعها وهي تقول:
_ أرجوك عبدالله، أشعر بالدوار يلف رأسي.
ألقاها بنفور على الفراش من خلفها وتركها وخرج وهو يتمتم:
_ لا بد أن أعرف لماذا سجنتني ولماذا برأتني أيها الحقير!
***
كان الصمت يعم الأجواء، قاسم يصب تركيزه على الطريق من أمامه، وحياة تجلس بجواره شاردة تفكر في أمر الطفل وهي تشعر بأن قلبها يكاد أن يتمزق من فرط حزنها من أجله، والصغير قد غفا بتعب.
توقف قاسم أمام مركز الطبيب، نزل ومعه كل أوراق التحاليل والأشعة الخاصة بحالة صبر التي كان والده قد أعطاها له. ونزلت حياة ثم استدارت للمقعد الخلفي وأيقظت الطفل واتجهوا للداخل.
صافحهم الطبيب بود، ثم دعاهم للجلوس، وبعد الترحيب قدم قاسم إليه أوراق التحاليل والأشعة وقال:
_ بالأمس قام سيد أكثم وصيف بالاتصال بحضرتك وأخبرك أني سآتي إليك من طرفه .
_ أجل، أكثم ابن خالي، وهو أخبرني بحالة الطفل أيضا وبظروفه…
أومأ قاسم مؤكدا فقال الطبيب:
_ حسب رؤيتي للتحاليل والأشعة فإن الطفل يحتاج للعملية في أقرب وقت! ولحسن حظ الطفل يوجد متبرعًا مستعدًا لإجراء العملية في أي وقت.
نظر قاسم إلى حياة وابتسما بأمل فقال:
_ غدا إن شاء الله ستأتي وبرفقتك الطفل طبعا وسيتم إجراء بعض الفحوصات اللازمة قبل العملية وفور التأكد من سلامة كل شيء سنقوم بإجراء العملية فورا.
أومأ قاسم موافقًا وقال:
_ كم تبلغ تكلفة العملية؟
تنهد الطبيب بعملية وقال:
_ أكثم أخبرني أنه سيساهم بنصف مليون جنيه من تكلفة العملية، ومن جهتي أنا متنازل عن أجري وسأقوم بإجراء العملية مجانا..
ابتهج وجه قاسم الذي قال:
_ هذا نبلًا منك أيها الطبيب.
_ ما سيتبقى من نفقات العملية حوالي سبعمائة وخمسين ألف جنيها!
سقط فم حياة أرضا من هول الصدمة على عكس قاسم الذي كان على علم مسبق بما قاله الطبيب لأن أكثم كان قد وضح له كل شيء عندما أخبره بأمر الطفل.
أومأ قاسم موافقًا وقال:
_ حسنا، سيكون المبلغ جاهزا قبل دخوله غرفة العمليات إن شاء الله.
_ إن شاء الله.
نهض الطبيب وتصافحا، ثم غادروا متجهين نحو السيارة.
كانت حياة لاتزال تحت تأثير الصدمة فقال قاسم مستغربا:
_ ما بكِ حياة؟ لقد نسيتِ فمك مفتوحا؟
نظرت إليه بصدمة وقالت:
_ من أين ستحصل على ذلك المبلغ قاسم؟ إنه مليون إلا ربع المليون!
همس بثقة:
_ يدبرها الله.
ونظر إلى صبر في المرآة الأمامية وقال بمشاغبة:
_ ها يا بطل؟ لمَ أنت صامت هكذا؟
نظر إليه صبر بطفولة بريئة وقال:
_ أخشى أن أموت في غياب والدي!
كان لأثر الكلمة وقع الموت على قاسم، انقبض قلبه وتبدلت ملامحه بثانية وانهزمت تعابيره أمام تلك الكلمات البريئة.
استدارت إليه حياة وأمسكت بيديه بكلتا يديها وقالت:
_ لا تخف يا حبيبي، إن شاء الله ستمر الأمور بخير وتتعافى، أين والدك ؟
_ أبي في رحلة.
لم تشفِ إجابته فضولها النهم ولكنها قالت:
_ حسنا، لا تخف، لن تكون وحدك، سأكون بجوارك، وعمك قاسم بالطبع سيكون بجوارك، أليس كذلك قاسم؟
ابتسم قاسم بحزن وقال:
_ بلى، سأكون بجواره طبعا وأعده بعد أن يتعافى أن أشترك له بالنادي كي يتدرب على لعب كرة القدم.
تحمس صبر قليلا وقال:
_ ولكني لن أنضم للنادي الأهلي.
ضحك قاسم قائلا:
_ كما تريد، ولو أني كنت أفضل أن تكون انتماءاتنا واحدة كي لا نتجادل كثيرا ولكن لك ما تريد.
ضحكت حياة وقالت:
_ ها يا صديقي، لم تخبرني بعد ما اسمك؟
_ صبر.
هزت رأسها بابتسامة وقالت:
_ صبري، اسم جميل يدعو للتفاؤل.
زفر بضيق وقال:
_ صبر، صبرررر… ليس صبري، اسمي صبر من ثلاثة حروف فقط!
تصنعت الخوف وهي ترجع برأسها للخلف وتقول:
_ حسنا حسنا، الأمر لا يستحق كل تلك العصبية، صبر وليس صبري ، صبر وليس صبري ، صبر وليس صبري ، ها قد رأيت؟ الأمر بسيط.. يمكنني أن أرددها عشر مرات كل يوم كي أحفظها.
ونظرت أمامها وهي تردد:
_ عجيب ذاك الصبر وليس بصبري!
كان قاسم يستمع إلى حوارهما بيأس وهو يشعر وكأن نقار الخشب ينقر برأسه وكاد أن يجن من فرط الانزعاج ولكنه آثر الصمت، حينها رن هاتفه برقم فتون فأجاب على الفور قائلا:
_ مساء الخير سيدة فتون.. حسنا سأصلكِ بعد نصف ساعة تقريبا، حسنا.. مع السلامة.
نظرت إليه حياة بطرف عينها وهي تردد بضيق:
_ يا إلهي، ذلك الرجل يستحق أن يكون بطل كتاب اسمه " نساء في حياة قاسم الحداد ".
ابتسم قاسم وقد أضحكهُ ما قالته وقال:
_ لقد سمعتك يا نمّامة.. لقد أصبحتِ تهذين كثيرا على ما يبدو..
اسمعي، سأقوم بتوصيلك أولا، ثم أقوم بتوصيل صبر للشقة، وبعدها سأذهب في موعد مهم.
لوت شفتيها بضيق وهمست:
_ موعد مع الأفعى!
طالعها بتحذير وقال:
_ حياة! كفاكِ نميمة.
تحدث صبر قائلا:
_ هل سأبقى بمفردي في ذلك الملعب خاصتك؟
تطلعت إليه حياة باهتمام وهتفت:
_ صبر محق، لا يجوز أن يبقى بمفرده، ما رأيك أن أبقى برفقته ريثما ينتهي موعدك مع الأفعى؟
تجاهل سخريتها قائلا:
_ حسنا سأتصل بعمي واستأذنه، ولكن حذاري.. إن عدت ووجدت الشقة مقلوبةً رأسا على عقب سأقطع رأسيكما وأعلقهما على الباب كما علقوا رأس طومان باي على باب زويلة.
تصنعت حياة الذعر وهي تنظر لصبر وهمست له:
_ دعك منه.
***
كان قاسم قد وصل ڤيلا سيد حبيب بعد أن أوصل حياة وصبر لشقته.
دخل فقادتهُ الخادمة للصالون الثاني ريثما تنتهي فتون من زيارة أخرى.
جلس في انتظارها ولكنه فورا استمع إلى صوت شجارهما الحاد وفتون تقول:
_ اعذريني سماهر ولكن حبيب إذا بلغه أني على علاقة بكِ أو بأي شيء يخص عملي القديم سيقتلني بدم بارد هذه المرة.
كانت الأخرى ترجوها وتقول:
_ أرجوكِ فتون، كل ما أحتاجه هو سبعين ألف جنيها كي أستطيع إدخال أخي المصحة! أرجوكِ ساعديني لقد ضاقت بي السبل ولا أجد أمامي سواكِ.
زفرت فتون بيأس وقالت:
_ صدقيني لن أستطيع ، أولا أنا لا أملك مالا تحت تصرفي، كل شيء تحت سيطرة مدير أعماله ، وبالتأكيد لو طلبت منه قرشا واحدا سيخبر حبيب قبل أن يعطيني إياه. صدقيني الأمر خارج عن سيطرتي.. أنا آسفة!
لم تجد الأخرى بدًا من التذلل إليها فلملمت ما تبقى من كرامتها المهدرة وغادرت وهي تبكي.
رآها قاسم عندما خرجت وتفاجأ كم أنها جميلة ولا تزال شابة وملامحها تتمتع بالعنفوان الأنثوي الجامح.
وفجأة وجد نفسه يركض خلفها وقد واتته فرصة من ذهب كي يحقق مراده، خرج وأخبر الخادمة أنه سيأتي في وقتٍ لاحق.
ركض خلف ضيفة فتون وناداها بخفوت:
_ أستاذة سماهر..
تطلعت خلفها فرأته وهو يحاول اللحاق بها فقالت بتعجب:
_ من أنت وماذا تريد؟
_ من فضلك تفضلي معي بالسيارة وعندها سأشرح لكِ كل شيء.
تعجبت طلبه في بادئ الأمر ولكنها انصاعت له في النهاية وركبت بجواره وقالت:
_ ها قد ركبت، أخبرني ماذا تريد؟
تنحنح بهدوء وقال:
_ لقد سمعت حواركِ مع سيدة فتون.
تنهدت بأسى وقالت:
_ أجل ،هل أنت عامل لديهم؟
_ يعني.. تقريبا.
_ وماذا تريد؟
_ سمعتكِ وأنتِ تطلبين منها مبلغا لأجل علاج أخيكِ المدمن.
هزت رأسها بأسى وقالت:._ أجل، شابًا في عمر الزهور، ثمانية عشر عاما وأصبح مدمنا.
حك ذقنه بتفكير قليلا ثم قال:
_ سأساعدك في علاجه.
نظرت إليه بلهفة وقالت:
_ حقا؟
_ أجل.
_ هل ستسطيع إعطائي المبلغ؟
_ إن شاء الله.
تنهدت براحة وقالت:
_ الحمد لله ، كنت أظنه حلما مستحيلا، في الحقيقة لا أعرف كيف يمكنني أن أشكرك.
ثم نظرت إليه بإدراك وقالت بشك:
_ ولكن في سبيل ماذا؟ هل ستساعدني بدون مقابل؟
ابتسم ببساطة قائلا:
_ للأسف، لا يوجد شيئًا بدون مقابل!
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نعمة حسن
كان قاسم يقف أمام فيلا حبيب ينتظر خروج سارة التي اتصلت به منذ الصباح وطلبت منه أن يقوم بتوصيلها لذلك المركز الذي تتلقى به الدروس الخصوصية.
فتحت الباب واستقلت المقعد المجاور له وهي تقول بابتسامة:
_ صباح الخير قاسم.
ابتسم وقال بلطف:
_ صباح الخير آنسة سارة.
_ أنا آسفة، أصبحت أزعجك كثيرا أعرف ذلك.
_ لا أبدا، بالعكس أنا سعيد جدا لأنكِ أصبحتِ تثقين بي وتعتمدين عليّ.
أومأت بصمت وقالت:
_ هل زُرتنا بالأمس فعلا؟
_ أجل، طلبت السيدة والدتك أن أتحدث إلى والدك بخصوص الانتقال لمنزل آخر.
طالعتهُ بتعجب وقالت:
_ ماذا؟ وما السبب؟
مط شفتيه بتعجب وقال:
_ تقول أنها لم تعد تشعر بالراحة في هذا البيت وتريد الانتقال لمدينة أخرى أو على الأقل لمنطقة أخرى أكثر هدوءا.
_ وهل تظن أن والدي سيقبل بذلك؟
_ في الحقيقة لا أعرف، ولكن على كل حال سأزوره غدا وأخبره.
نظرت إليه بانتباه وقالت بتوتر:
_ هل ستزوره؟
_ أجل.
_ هل.. هل يمكنني الذهاب برفقتك؟
أومأ موافقا وقال:
_ بالطبع يمكنك، والدك سيفرح كثيرا برؤيتك.
أومأت ثم قالت:
_ حسنا، أنت تعرف عنوان المركز أليس كذلك؟
_ بلى، ولكن .. لمَ تذهبين للمركز لتلقي الدروس؟ يمكننا إحضار المدرسين للبيت بمنتهى السهولة.
ابتسمت وقالت:
_ لا داعي، يكفيني من التنمر والتهكم ما نلتهُ، سيصيحون حينها أنني الفتاة المدللة المرفهة، ومن يدري ربما يتجنبوني وقتها.. أرى أنه من الأفضل أن أظل هكذا.
_ كما تشائين، فلنذهب.
بعد أن قام بتوصيلها لوجهتها المنشودة قال:
_ للأسف لن أستطيع العودة لاصطحابك، لدي موعدا طارئا اليوم.
_ حسنا، سأتصل بحسين.. مع السلامة.
نزلت واتجهت للداخل بينما تحرك هو منطلقا لوجهته، وبعد أن تحرك مسافة قريبة اكتشف أنها قد نسيَت دفترها بالسيارة فعاد أدراجه كي يعيده إليها.
توقف أمام المركز ونزل من العربية، ثم دخل إلى المركز باحثا عنها ليصدم بما رآه.
مجموعة من الشباب والفتيات يقفون وكلا منهم يمسك بسيجارة يقوم بتدخينها بكل بساطة و باعتيادية.
ومن ضمنهم سارة التي تقف أمام شاب وهو يحيط عنقها بذراعه ويقربها إليه وكلا منهما ممسكا بسيجارة كباقي رفقتهما.
وقف يطالعها بحسرة للحظات وغضب في نفس الوقت وفور أن انتبهت لوجوده وتقابلت أعينهما حتى ألقى بالدفتر أرضا وغادر.
***
كان عبدالله يقف بالمحل الخاص به، وبجواره يقف ابنه كريم الذي يقول:
_ أبي، هل حان الوقت لكي أشترك بالنادي لكي أتدرب على لعب الكاراتيه؟
سأله عبدالله بإيجاز:
_ هل ما زلت مصممًا؟ لقد ظننتك صرفت النظر عن ذلك الأمر.
_ نعم أنا مصمم، أرجوك أبي ها أنت ذا قد خرجت من السجن ويمكنك اصطحابي، طلبت من والدتي قالت أبيك لن يخرج من السجن الآن وأنا لن أستطيع اصطحابك يوما بعد يوم.
استوقفت كلمات كريم والده فسأله بانتباه:
_ هل قالت أني لن أخرج من السجن الآن؟
_ أجل، حتى أنها رفضت عرض حياة لاصطحابي والذهاب إلى النادي وكانت عصبية جدا ذلك اليوم.
استغرق ثوانٍ شاردًا وأخذت الظنون تعصف برأسه واحمرت عينيه بغضب وقال:
_ هل كانت تخرج وأنا غير موجود؟ هل كان يأتي أحدا لزيارتكم؟
_ لا لم يأتِ أحدا لزيارتنا، جدتي فقط كانت تأتي للمبيت معنا ثم انتقلنا للمبيت بشقة جدي فيما بعد.
سأله مستغربا:
_ وما السبب؟
_ لا أعرف، ولكن جدي عنّف أمي بشدة، لقد كنت بغرفة حياة ولكن صوت جدي كان عاليًا جدا ذلك اليوم وهو يعنّف أمي ويقول لها كلامًا لا أفهمه، وبعدها بقينا أنا وأمي بغرفة حياة.
قطب جبينه متعجبا وقال بفضول واهتمام شديدين:
_ مثل ماذا؟ ألا تتذكر أي شيء مما قاله جدك لها؟
_ لا أتذكر سوى أنه قال لجدتي صفية أن تبقي عينها على أمي طوال الوقت.
احتقن وجه عبدالله وهمس بضيق مكبوت:
_ تبا، ماذا فعلتِ يا عنبر، أقسم أن أقتلك إذا صح ظني.
هم بالخروج من المحل والذهاب لبيته ولكن فجأة تصدرت سيارة حمراء فخمة واجهة المحل ونزلت منها سيدة حسناء، كانت ترتدي فستانا أحمرا يصل طوله بالكاد إلى ركبتيها ، ويضيق عند منحنياتها فيبرزها بسخاء، دخلت وهي تطرق الأرض بكعب حذائها العالي الذي أضفى عليها أنوثةً طاغية.
وأخذت تتطلع يمينا ويسارا وهي تتجاهل عبدالله الذي يقف فاغرا فاهُ بانبهار ويتفحصها بعينين نهمتين، ثم نظرت إلى كريم وقالت:
_ مرحبا، هل أنت مالك المحل أم ماذا؟
وثب عبدالله من مكانه ووقف أمامها وهو يهذب شعره بيده ويقول:
_ لا، أنا هو مالك المحل، عبدالله الحداد.
ومد يده يصافحها فنظرت إلى يده الممدودة طويلا، ثم مدت أطراف أصابعها وصافحته ثم سحبتها سريعا وهي تقول:
_ أهلا أستاذ عبدالله، في الحقيقة كنت أقوم بزيارة قريبة لي تسكن هنا بحارتكم، ورأيت محلك فجئت لأشتري إطارًا احتياطيًا لسيارتي.
ثم اقتربت منه خطوة وقالت:
_ في الحقيقة لقد سألت عن سعر الإطار الاحتياطي فأصبت بصدمة عندما استمعت للسعر المطلوب..
وضمت شفتيها بإغواء خفي وقالت:
_ يا إلهي ما هذا الاستغلال؟ الجميع يظنون أنني أملك الكثير من المال لأني أمتلك سيارة مثل سيارتي، لا يعرفون أنها كل ما ورثته عن المرحوم زوجي ولا أملك غيرها فعلا، برأيك ألا يُعد هذا استغلالا؟
نظر إليها عبدالله بعينين مرتخيتين وأجاب:
_ أجل، إنه استغلال فعلا، لقد انتزعت الرحمة من قلوب البشر!
أومأت وهي لا تزال تطالعه بعينيها المرسومتان بفن وقالت بنبرتها المذيبة:
_ للأسف هذه الحقيقة، وأنت ماذا ستفعل معي؟
أجابها بابتسامة مهزوزة:
_ كل خير إن شاء الله.
ابتسمت فأظهرت صفيّ اللؤلؤ خاصتها وقالت:
_ أقصد هل ستكون لطيفًا وتخفض سعر الإطار؟ أم أنك من تلك الفئة الاستغلالية كغيرك؟
ضحك وهو يشير بيده ويقول:
_ المحل ومالك المحل تحت أمرك.
ابتسمت بتألق وقالت:
_ شكرا لك، لا أريد المحل ولا مالك المحل، فقط أريد الإطار، هيا أخبرني كم ثمنه؟
انحنى وحمل الإطار، ثم اتجه لسيارتها وفتح الحقيبة الخلفية للسيارة ووضع الإطار بها، ثم عاد إليها وهو ينفض يديه ويقول بابتسامة:
_ مجانا لأجل عيونك، كي تتأكدي أن الدنيا لاتزال بخير وأنه يوجد في هذة الحياة أناس لا ينتمون لتلك الفئة الاستغلالية التي تتحدثين عنها.
تصنعت الانزعاج وقالت:
_ لا لا أرجوك، لا أستطيع أخذ شيء دون دفع ثمنه اعذرني.
وفتحت حقيبتها لتخرج منها محفظتها فتعمدت إسقاط بطاقة عملها، ثم مدت يدها ببعض النقود وهي تقول:
_ تفضل، هل يكفي هذا؟
تحرك عبدالله بخفة كي لا يلفت انتباهها، ووقف بحذائه فوق البطاقة الملقاة أرضا وهو يدفع يدها الممدودة بالنقود نحوها مرة أخرى متعمدا لمس يدها وقال بنبرة خبيثة:
_ أرجوكِ لا تقفي حائلا بيني وبين فعل الخير، أرجوكِ.
أطالت النظر لعينيه مما ألهب حواسه وهو لا يزال ممسكًا بيدها فسحبتها ووضعت النقود بالمحفظة مرة أخرى وأعادتها لحقيبتها وهي تقول:
_ حسنا، سأقبل مساعدتك هذه المرة فقط، ولكن إن عدت لأشتري منك شيئا آخرا لن أقبل أخذه مجانًا أبدا.
ابتسم بحماس وقال:
_ حسنا، كما تشاءين.
أومأت بابتسامتها المتمكنة وانصرفت بصمت؛ فراقبها هو متفحصا جسدها بجوع وهي تستقل سيارتها، وما إن تحركت حتى زفر زفرة قويةً وهو يقول:
_ يا إلهي، ما هذا، هل هناك صنفًا آخرًا من النساء لا نعرف عنه شيئا أم ماذا؟!
وانحنى ليلتقط بطاقتها التي يدوس عليها بحذائه ومسحها وهو يقول:
_ مدام سماهر/ مدربة رقص شرقي!!
وقرأ رقم الهاتف المدوّن أسفل البطاقة وأخذ يحدث نفسه ويقول:
_ مدربة رقص شرقي!! حسنا الآن فهمت لمَ هي بكل تلك الليونة!
ودسّ البطاقة بجيبه وهو يتمتم:
_ ربما أحتاج إليها مدربة الرقص الشرقي! من يدري؟
***
يقف قاسم وبرفقته حياة بساحة الانتظار بالمشفى بعد أن دخل صبر لغرفة العمليات، ينتظران خروجه بخوف وترقب.
وجّه قاسم وجهه للحائط وأسند جبهته عليه وهو يحاول إخراس ذلك الصوت الذي يتردد بداخله ويقول:
_ ألم يجدر بك أن تكون أكثر مراعاة وتترك الأب لابنه في مثل تلك اللحظة!
عصر عينيه بغضب وأخذ يضرب بقبضته الحائط وهو يتحدث مجيبًا ذلك الصوت ويقول:
_ ما فعلتهُ هو الصواب، وجوده بجوار ابنه لم يكن ليفيده بشيء، أنا محق، ما فعلته هو الصواب.
لاحظت حياة توتره وانزعاج ملامحه الغامضة، فاقتربت منه ووقفت بجواره وهي تقول:
_ لا تخف، إن شاء الله سيكون بخير.
هز رأسه بهدوء وهو يدعو الله بداخله فقالت:
_ قاسم، من يكون هذا الطفل؟
فتح عينيه ونظر إليها بغضب وقال:
_ بربك حياة، هل هذا وقت فضولك وتساؤلاتك، ثم أنني أخبرتك أنه ابن صديق قديم وهو الآن مسافرا وأوصاني بابنه.
سار وجلس على إحدى مقاعد الانتظار، فسارت خلفه وجلست بجواره.
كان يدعو بداخله أن لا تفتش في الأمر كعادتها وتزعجه أكثر ولكنها حياة، حياة التي صار يعرفها أكثر من نفسه، ولكونها حياة التي يعرفها فلا بد أن تمارس هوايتها المفضلة.
كانت تنظر أمامها بشرود وهي تضم ذراعيها إلى صدرها وقالت:
_ الطفل اسمه صبر حسّان، حسّان هو نفس اسم الرجل الذي أتى للمحكمة بالأمس ونفى التهمة عن عبدالله وقال أن المخدرات له!
أغمض عينيه بتوتر استعدادا لما هو آت، حينها استدارت إليه والدموع تتلألأ بعينيها وهي تقول:
_ هل هذه صدفة؟
أجابها وهو لازال ينظر أمامه بشرود وقال بنبرة آسفة:
_ لا، ليست صدفة!
أغمضت عينيها بصدمة، فسالت الدموع على وجنتيها وهي تقول:
_ كنت أشعر، ولكنني رفضت التصديق.
ثم نظرت إليه باتهام وقالت بحدة:
_ أنت من أدخلت والده السجن بدلا من عبدالله أليس گذلك؟
_ بلى.
أجابها بهدوء فقالت بصدمة:
_ يا إلهي، لا أصدق، هل سجنت رجلا ظلما بدون وجه حق لأجل مصالحك الشخصية، والتي بالمناسبة لا أعرفها، يعني .. للآن أنا لا أعرف لماذا تراجعت عن معاقبة عبدالله وقدمت ذلك الرجل المسكين كبش فداء له!! حقيقةً لا أعرف لماذا فعلت ذلك؟ وما ذنب ذلك الطفل البريء الذي حرمتهُ من أبيه في مثل تلك اللحظة الحرجة!
كتمت نحيبها وأخفت عينيها بكفها وأخذت تبكي بشدة وهو لا يزال جالسا بجوارها يستمع إلى صوت بكائِها الذي أثار الضيق بداخله ولكنه تمسك بقناعه البارد.
رفعت حياة وجهها تنظر إليه في لحظة إدراك وقالت:
_ لأجل ذلك أنت تعالج الطفل على نفقتك الخاصة، أقنعت والده أن يكون كبش فداءٍ لعبدالله مقابل أن تعالج ابنه المسكين! لذلك أنت تجلس الآن بتلك الحالة خوفا على الطفل، تخاف أن يموت ويكون ذنب والده الذي حرمته من ابنه في رقبتك!
أغمض عينيه بتعب ولكنه لا يزال منصتا إليها بتركيز وهي تقول:
_ كيف استطعت فعل هذا؟ كيف تحولت وتبدل حالك هكذا ومتى؟ كيف أصبحت تستخدم البشر المساكين كأداة لتحقيق أهدافك بكل تلك الحقارة!
_ حيااة..
ناداها محذرا لئلا تتجاوز حدها ولكنها قالت بانفعال:
_ ماذا قاسم؟ ماذا؟ هل أنت راضِ عما فعلته؟ انظر إلي قاسم وأخبرني.
فتح عينيه واستدار برقبته ونظر إليها بعينين ذابلتين، محتقنتين، هالها مظهرهما الذي ينم عن التعب والإرهاق الشديدين، وقال:
_ أنا متعب للغاية!
رق قلبها لحاله ولكنها لم تكن لتصمت فقالت:
_ ليس بعد قاسم، أنت لم تشعر بالتعب بعد، تعب الضمير أشد وأقسى!
ونظرت للأمام وصمتت ولكنها لم تتوقف عن البكاء، حينها نظر إليها وقال:
_ حسان كان صديقي فعلا.
أرهفت السمع إليه فأسند رأسه على الجدار من خلفه وبدأ بسرد ما حدث فقال:
_ حسان أيضا خانني وباعني، استغله الحقير عبدالله ونجح في إقناعه أن يكتم شهادته التي كانت ستصبح طوق نجاتي حينها، ساومهُ على علاج زوجته مقابل أن يكتم شهادة حق كان من الممكن أن تثبت براءتي، حسان أيضا ساهم في دخولي السجن وتسبب في ضياع عمري وشبابي ظلما.
طالعتهُ بملامح جامدة دون تعبير وقالت:
_ لهذا وددت معاقبته فدخل هو السجن وخرج عبدالله..
_ نعم.
_ قمت باستغلاله أنت مرة أخرى كما فعل عبدالله سابقا، وأقنعته بالاعتراف بتهمة لم يفعلها كما نجح عبدالله سابقا في إقناعه بالتنصل من مساعدتك، وساومته على علاج ابنه كما ساومهُ عبدالله على علاج زوجته!!
وضحكت بسخرية أقرب للحزن وقالت وهي تطالعه باحتقار:
_ بربك قاسم، ما الفرق بينك وبين عبدالله إذا !!
ضربت ملامحه الصدمة ونظر إليها بذهول وضيق شديد من تصريحها الصادم وقال:
_ عبدالله كان جانيا وأنا المجني عليه، عبدالله كان ظالما وأنا كنت المظلوم، عبدالله ذاك هو من اغتصب أختك وابتزها وابتز والديكِ وابتز حسان وهدد الجميع وسجنني بالنهاية، هل تقارنين بيني وبينه؟؟ هه.. لا أصدق!
نظرت إليه بعصبية وقالت:
_ وأنت ما الذي تفعله الآن؟ أنت تسير على نفس خطاه، أنت قمت بابتزاز صديقك أيضا وأدخلته السجن ظلم!
_ ليس ظلمًا، هذا هو عقابه وما يستحقه جرّاء كتم شهادة الحق.
طالعتهُ بعصبية وضيق وقالت:
_ هل أنت إلهًا؟ هل أنت حكمًا؟ هل نصبت نفسك قاضيًا؟! بأي حق تقرر عقوبته وعلى أي أساس! يا إلهى.. حتى القاضي يلتمس العذر ويفهم الدوافع أحيانا.. أنت ماذا فعلت سيد قاسم؟
بلغ به الغضب مبلغا بعيدا فقال:
_ أنا أعالج طفلا كان ينتظر الموت، ووالده الذي تدافعين عنه بكل وقاحة لم يكن ليوفر له ثمن تلك العملية ولو باع دمه قطرة بقطرة، أنا أنقذ طفلًا ذنبه الوحيد أن لديه أبًا خسيسًا.
ابتسمت، ثم ضحكت، ثم علت ضحكاتها، ثم تحولت إلى قهقهاتٍ عالية؛ مما أثار ريبته فأخذ ينظر إليها متعجبا وهي تقول:
_ أبهذه الطريقة تسكت صوت ضميرك؟ بتلك الكلمات تطمئن نفسك أنك لا زلت تحمل قلبا نقيا أليس كذلك؟ ولكن للأسف قاسم، أنت الآن تقف على حافة هاوية الظلام!
صمتت ومسحت دموعها، ثم عادت لتلك النقطة الوهمية التي تشرد بها، وفجأة انفرج باب غرفة العمليات وظهر صبر المستلقي على السرير المتنقل، هرول قاسم نحوه وحياة ونظرا إلى الطبيب الذي خرج لتوّه من العمليات وقال بخفوت وتعب:
_ الحمد لله، لقد نجحت العملية.
جذب قاسم شعره بيده وزفر مطولا بارتياح وقال:
_ وأخيرا الحمدلله.
تحدث الطبيب بعملية وقال:
_ من فضلك اتبعني كي أخبرك بالآلية الواجب اتباعها معه بعد خروجه من هنا.
وتركهما متجها إلى مكتبه وهما يتبعانه بصمت.
***
كانت تجلس على حافة حوض الاستحمام وهي تمسك بذلك الشيء بيدها تطالعه بحسرة ودموعها تنهال على وجنتيها، حينها انتبهت لزوجها وهو يحاول فتح الباب إلا أنه كان موصدا من الداخل فقال:
_ حبيبتي، هل أنتِ بخير؟
مسحت دموعها وألقت ما بيدها بسلة المهملات بجوارها، ثم نهضت وهي تطالع نفسها بشفقة وغسلت وجهها وفتحت الباب وخرجت.
تحاشت النظر إلى عينيه حتى لا تثير ريبته، ولكنه يحفظها عن ظهر قلب فاستوقفها قائلا:
_ حنان، ماذا بكِ حبيبتي؟ هل أنتِ بخير؟
انفجرت باكية فجأة واحتضنته وأخذت تنتحب بقهر وهي تقول:
_ هذا الشهر مثل الشهر السابق، والشهر السابق مثل الشهر الذي سبقه، لا شيء يتغير عزيز، أحيا على أمل كل شهر ولكنه يتحطم، أريد طفلا عزيز، أريد طفلا.
دست وجهها في عنقه واحتضنته وهي تبكي بحرقة فضمها إليه وربت فوق رأسها وهو يقول:
_ سيحدث عزيزتي، إن شاء الله سيحدث وتصبحين أما مرة أخرى، ثقي بالله.
أومأت وهي تمسح دموعها وتقول:
_ ونعم بالله.
وابتعدت عنه وهي تتجه لفراشها وتقول:
_ أثق بأن الله هو العدل.
نظر إليها متعجبا وقال:
_ هل ستنامين؟ ألن نذهب لتهنئة عبدالله لخروجه من السجن كما اتفقنا؟
_ نعم لن أذهب، هو أخاك وليس أخي.
تعجب ردها فقال:
_ ولكنه ابن عمك.
_ لسوء حظي.
أجابته باقتضاب وتدثرت بغطائها وأغمضت عينيها، بينما ظل هو واقفا يطالعها مستغربا وفي النهاية أطفأ الضوء وخرج من الغرفة.
جلس بالغرفة المجاورة وأمسك بهاتفه ليتحدث إلى عبدالله الذي أجاب قائلا:
_ أهلا عزيز.
_ كيف حالك أخي؟
_ بخير والحمدلله.
_ اتصلت لأعتذر عن زيارتي أنا وحنان، هي ليست بحال جيدة أبدا اليوم.
ضحك ساخرا وقال:
_ ليست بحال جيدة؟ أكيد تلك هي الذريعة التي أخبرها شقيقها أن تتذرع بها كي لا تأتي.
تنهد عزيز بضيق وقال:
_ لا يوجد ذريعة غير ذلك السبب الذي أخبرتك إياه، هي فعلا ليست بحال جيدة.
_ حسنا أخي لا عليك، يكفيني سماع صوتك، على كل حال أنا لست متفرغا، أصدقائي ينتظرونني..
_ جيد إذا، مع السلامة.
أنهى عبدالله الاتصال وهو يرمق زوجته التي دخلت الغرفة للتو وبيدها بعض الملابس تقوم بوضعها بالخزانة فقال:
_ كريم أخبرني عن ذلك الشجار الذي دار بينكِ وبين والدك.
توقفت بمكانها بصدمة وشعرت بأن قلبها يكاد أن يتوقف عن الخفقان ونظرت إليه بخوف وقالت:
_ أي شجار؟
أجاب وهو لا يزال يطالع هاتفه و يعبث به:
_ ذلك الشجار الذي دفعكِ للإقامة بشقة والدك أنتِ وكريم!
ارتجفت قدماها وشعرت بأن الدنيا قد ضاقت عليها بما رحبت وقالت:
_ لا، لم يكن شجارا، لقد أخطأ كريم الفهم، كل الحكاية أنني كنت أتناقش مع حياة في موضوع ما واحتد النقاش بيننا، هذا كل ما في الأمر ..
كان ينظر إليها بشك ورمقها بنظرة أرعبتها فهي تعرفها جيدا، ثم قال:
_ كنتما تتناقشان إذا؟
_ أجل.
همهم موافقا وقال:
_ حسنا، سنرى لاحقا.
ابتلعت ريقها بخوف وأومأت بموافقة، ثم هرولت للخارج مرة أخرى تنوي الهرب قبل أن تزهق روحها من الخوف.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نعمة حسن
كان يقف أمام المرآة مرتديا سروالًا من الجينز باللون الأسود وقميصًا باللون الأحمر، أمسك بزجاجة عطره الفواح ونثر منها ببذخ، ووضع ساعة يده الفخمة، ثم خرج من الغرفة وهو يطلق صفيرا بتسلية.
رأته عنبر التي خرجت لتوها من المطبخ ونظرت إليه بتعجب وشملته بنظرة متفحصة وقالت:
_ هل ستخرج؟
_ أجل.
_ إلى أين؟
_ لا أعرف بعد، سنذهب أنا ورفاقي لنمضي بعض الوقت بأي مكان.
_ هل ستتأخر؟
نظر إليها متعجبا وقال:
_ ولمَ تسألين؟ سأعود حينما أود العودة.. تصبحين على خير زوجتي العزيزة.
خرج وأوصد الباب خلفهُ بالمفتاح ثم استقل سيارته وانطلق متجها نحو العنوان المدون ببطاقة سماهر.
وفي طريقه قام بالاتصال بأحد معارفه والذي يعمل في إحدى شركات تركيب كاميرات المراقبة وقال:
_ مرحبا حازم؟ أود أن أقوم بزرع كاميرات مراقبة سرية في بيتي!
/////////////
صعد قاسم سيارته واحتل مقعده، ثم جلست حياة بالمقعد المجاور بتعب والتزمت الصمت، وتحرك هو في طريقه نحو بيت العائلة.
ساد الجو صمتًا مهيبًا لم يألفه قاسم ولكنه كان مريحا لن ينكر ذلك.
ولكنها حياة، إن صمتت أكثر من دقيقتين متواصلتين قد يلتف لسانها حول بلعومها وتموت مختنقة.
نظرت إليه وقالت بهدوء:
_ كيف ستعتني به بمفردك؟
أجابها بهدوء مماثل:
_ لديه متسعًا من الوقت حتى يخرج من المشفى.
_ وماذا بعد أن يخرج؟ وماذا بعد أن يشفى؟ كيف ستعتني به طوال الثلاث سنوات حتى تنتهي محكومية والده؟
تنهد وقال محاولا تخفيف حدة الأجواء بينهما:
_ هل ستتخلى عنا آنسة كهرمانة؟
_ وماذا ستفعل آنسة حبهانة؟ هل ستترك دراستها وأهلها وتتطوع لخدمتكما وإغاثتكما أم ماذا؟ بالطبع لا.. بالكاد يمكنني زيارتكما مرة كل أسبوع أو مرتين على الأكثر.
_ سيكون هذا نبلًا منكِ لن ننساه.
_ قاسم أنا لا أمزح أبدا، هل لديك أي فكرة عن تربية الأطفال؟
نظر إليها بجدية وقال:
_ أي أطفال؟ تقصدين صبر؟ عزيزتي صبر هذا ليس طفلا! إنه كهلا يبلغ من العمر خمس وتسعون عاما ولكنه فقط يعاني من توقف النمو.
غلبت ابتسامتها حزنها وقالت:
_ بلى ، هو طفل.. ولكنه من عينة الأطفال العفاريت.
هز رأسه بشبه اقتناع وقال:
_ ممكن.. حسنا هو عفريت فعلا.. تشعرين أنكِ ستضربين رأسه بالحائط ولكنكِ تتراجعين فقط لأنه طفل.
ابتسمت وقالت بحزن:
_ عندما رأيته مستلقيا على السرير النقال اهتز قلبي، يا إلهي كم هو مسكين.
أومأ بحزن وقال:
_ نعم، ولكنه سيشفى ويعود لحياة العفرتة من جديد ، أليس كذلك؟
كان رجاءً أكثر منه سؤالًا فقالت بهدوء:
_ إن شاء الله.
توقف أمام مدخل البيت وقال:
_ ها قد وصلنا.. أشكرك يا حياة، لقد شكّل وجودك بجانبي اليوم فارقا كبيرا.
ابتسمت بصمت ولأول مرة تغادر دون أن تتحدث، دخلت البيت فانطلق هو عائدا إلى شقته.
رن هاتفه برقم سماهر فأجاب:
_ نعم؟
_ قاسم، لقد رأيت عبدالله يصف سيارته أمام بيتي الآن، لقد أتى كما توقعت أنت.
هز رأسه بثقة وقال:
_ أجل، أنتِ تعرفين ما ستفعلين، صحيح؟
_ نعم، لا تقلق.
_ حسنا، وبالمناسبة.. لقد تحدثت إلى صديق لي وقام بالاتصال بالمصح النفسي الذي سيودع به أخيكِ بدءاً من الغد.
تنهدت بأمل وقالت:
_ أشكرك قاسم، أشكرك شكرا جزيلا.. سأبلغك بآخر التطورات.. مع السلامة.
/////////////////
وقف عبدالله أمام مدخل بيتها ونفش ريشه بخيلاء، ثم التقط تلك الحقيبة التي أحضرها وتقدم، طرق الباب ومرت ثوانٍ وهو يقف مشغولا يتفحص البيت والمكان حتى انفرج الباب وظهرت سيدة خمسينية ترتدي ملابسا بسيطة للغاية فاستطاع تمييزها فقال:
_ مساء الخير ، مدام سماهر موجودة؟
طالعتهُ السيدة باستغراب وقالت:
_ ومن أنت؟
حمحم قائلا:
_ أنا معرفة، أخبريها وسترحب بي فورا.
_ ولكنها ليست موجودة الآن.
طالعها بشك وقال:
_ حقا؟ ليست موجودة فعلا أم أنكِ تكذبين؟
طالعته الأخرى بنفاذ صبر وقالت:
_ نعم أكذب، هل لديك اعتراض؟ هيا تصبح على خير.
وصفقت البواب بوجهه بقوة ودخلت تهرول إلى حيث تقف سماهر تكتم ضحكتها وهي تشاهد ما يحدث بشاشة المراقبة الموجودة بغرفة الاستقبال.
_ ما رأيك سيدتي؟
ابتسمت سماهر وهي تهز قدمها باستمتاع وقالت:
_ أبليتِ حسنا يا عظيمة.
وشردت وهي تحدث نفسها قائلةً:
_ مرحبا بك في شِباك سماهر أيها المحتال.
رن هاتفها برقم غير مسجل ولكنه ظهر باسم " عبدالله الحداد " على تطبيق معرفة اسم المتصل فأجابت وهي تتصنع النوم وقالت:
_ مرحبا.
_ مرحبا سماهر، أنا عبدالله.
_ مَن عبدالله؟
توتر بحرج وهو يمسح عنقه ويقول:
_ عبدالله الحداد، صاحب المحل الذي اشتريتِ منه الإطار اليوم!
صمتت للحظات وكأنها تتذكر الاسم ثم قالت:
_ نعم نعم لقد تذكرتُ.
ابتسم بأمل وقال:
_ جيد، في الحقيقة لقد أتيت لزيارتك ولكن الخادمة أخبرتني أنكِ لست موجودة.
_ نعم، عندما أكون نائمة هي تتصرف بمعرفتها.
وصمتت ثم قالت:
_ هل كنت تريد شيئًا؟ كيف يمكنني مساعدتك؟
تعجب لهجتها والرسمية التي تتحدث إليه بها ، وهو من ظنها أنها أكثر مرونة في التعامل، أو ربما ذلك ما وصل إليه من أسلوبها ونبرتها اللينة ونظراتها العابثة التي رآها منها، فما بالها تعامله الآن بطريقة مناقضة تماما!
_ مرحبا، هل أنت معي؟
خرج عن صمته وقال:
_ نعم أنا معك، على كل حال لقد اشتريتُ لكِ هدية فخمة جدا، ولكن كما تشائين.
_ حسنا، يمكنك زيارتي غدا، أعدك أن أتفرغ لك تماما.
تنهد باستسلام وقال:
_ حسنا، سآتي إليكِ غدا، وإن لم تكونِ متفرغة غدا سآتي بعد غد، وإن لم يكن بعد غد سأعود ولو طال انتظاري أعواما.
ضحكت ضحكةً ناعمة أسرت بها عقله وهزت قلبه الذي ظنه أنه قد مات منذ زمن وقالت:
_ يا إلهي، كم أن كلامك معسول، أعتقد أنك ستكون صديقا لطيفا.
اتسعت ضحكته وقال بحماس:
_ إذا، ألن تتكرمي وتمنّي على صديقك اللطيف بنظرة؟ لقد أتيت طريقا طويلا لأراكِ، فقط نظرة وسأرحل.
عادت لهدوئها من جديد وقالت بنبرة واثقة:
_ صدقني وقتي لا يسمح باستقبال الضيوف الآن، غدا ألقاك.
_ سأنتظر سيدتي، حتى وإن أصبحت كل أيامي غدا سأنتظر.. واسمحي لي أن أترك باقة الورود تلك لأجلك.
وانحنى وترك باقة الورود و أنهى الاتصال وعاد لسيارته هيمانا مسرورا يمني نفسه وقلبه الولهان بلقياها غدا كما وعدته، تحرك بالسيارة بعد أن قام بتشغيل أغنية للسيدة أم كلثوم وأخذ يدندن معها بحالميه ويقول:
_ أغدا ألقاك يا خوف فؤادي من غد
ألا شوقي واحتراقي في انتظار الموعد
أغدا ألقاك يا خوف فؤادي من غد
يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد
//////////////
عاد قاسم إلى شقته، دخل وعلى الفور خلع كنزته وألقاها على الأريكة بإهمال، ثم تقدم نحو الحمام ولكن سرعان ما دق جرس الباب فعاد لفتحه فإذا به يجد جارته الهيفاء تقف وبيدها طبقا مغلفا.
نظرت إليه بتفحص وجرأة وهي تقول:
_ مساء الخير سيد قاسم؟
تعجب وقاحة نظراتها وعاد خطوات للأريكة والتقط كنزته ثم ارتداها مجددا وذهب إليها ليقول:
_ صباح الخير سيدة فوزية..
برقت عينيها بشراسة وهي تقول:
_ فريال ولست فوزية..
_ اعذريني لدي مشكلة عويصة في حفظ الأسماء، كيف أستطيع خدمتك؟
ناولته الطبق وهي تتطلع نحوه بابتسامة وتقول:
_ لقد صنعت تلك الحلوى مخصصا من أجلك.
_ من أجلي؟
قالها متعجبا فقالت:
_ أجل، ترحيبا مني بك في بنايتنا.. هيا تذوقها وأخبرني رأيك.
تناول الطبق منها وهو يقول بابتسامة مهذبة:
_ شكرا لكِ سيدتي ولكن اعذريني أنا لا أتناول الحلوى في هذا الوقت المتأخر.. في الصباح يمكنني تناولها إن شاء الله.
تراجعت ابتسامتها وقالت:
_ حسنا، كما تشاء، سأنتظر رأيك على أحر من الجمر.
ابتسم باقتضاب وقال:
_ إن شاء الله ، تصبحين على خير.
أوصد الباب وتنهد بضيق ثم دخل المطبخ ووضع الطبق على الطاولة ثم دخل إلى الحمام ليأخذ حماما دافئا وبعدها يخلد للنوم.
_____________
كانت حياة تستلقي بفراشها وهي تنظر بسقف الغرفة بشرود، وفجأة رن هاتفها فانتفضت ظنا منها بأن المتصل هو قاسم، ولكن تجهم وجهها بحزن عندما رأت اسم خالد.
تجاهلت المكالمة، وجلست بمكانها، وضمت ركبتيها إلى صدرها، وأسندت رأسها فوقهما وهي تتحدث بصوتٍ خافت:
_ إلى متى حياة؟ الأيام تمضي ولم يتبقَ على موعد زفافكما سوى شهر ونصف فقط! هل أنتِ مستعدة للزواج منه وأنتِ مشتتة بهذا الشكل؟
ورفعت وجهها ومسحته بأناملها ثم نهضت من مكانها متجهة إلى غرفة والدها تنوي التحدث إليه ولكنها وجدته نائما فعادت أدراجها إلى الغرفة.
أمسكت بهاتفها الذي ظهر على شاشته إشعارا بوصول المكالمات الفائتة إلى ست مكالمات، أحضرت رقم قاسم وظلت تتطلع إليه بحيرة وتحدث نفسها وتقول:
_ ماذا ستقولين له؟ أشعر بأني مشتتة ولا أجيد التصرف؟ وماذا سيفعل لكِ؟ هل هو من سيتزوج أم أنتِ؟
وعبثت بشعرها بجنون وقالت:
_ يا إلهي رأسي سينفجر، إلى من سأتحدث؟
وبعد عناء وتفكير مضني قررت إرسال رسالة له على إحدى مواقع التواصل لأنها جبنت أن تتحدث إليه مباشرةً ، إضافةً إلى أن الوقت قد تأخر وبالتأكيد هو الآن يغرق في نومٍ عميق.
_ قاسم، كنت أود الاتصال بك وطلب نصيحتك في أمر ما، ولكني تراجعت، في الحقيقة لا أعرف هل ما أفعله هذا صائبا أم لا، ولكني أثق بك على كل حال، أشعر أني مشتتة، مشاعري ممزقة، أحاسيسي مبعثرة، أشعر كأني بحارٌ لا يجد مرسى، تلخيصا لحالتي أشعر بالضياع، من المفترض أن يتم زفافي بعد شهر ونصف على أكثر تقدير، ولكنني لست سعيدة أبدا ولا مستعدة لذلك، أصبحت أشعر بأن هناك عبئا على صدري عندما أرى رسالة من خالد أو عندما أراه، لا أشعر بالراحة في وجوده أبدا، وما سيثير جنوني أنني لم أكن هكذا من قبل، كنت أتعامل معه بكل ود، لم أكن أنفر من قبلته كما أفعل الآن، أشعر أنني لن أكون سعيدة أبدا إذا تزوجته وفي نفس الوقت أشعر حياله بتأنيب الضمير، لم أرَ منه إلا كل خير، أشعر أنه لا يستحق ذلك الجفاء الذي أصابني فجأة، أرجوك إن كانت لحالتي تلك علاج أرشدني إليه.
ضغطت زر الارسال بتوتر، حتى أنها فكرت أن تقوم بإلغاء إرسال الرسالة ولكنها تماسكت وحدثت نفسها قائلةً:
_ لا تكوني جبانة يا حياة!
ونهضت من مكانها متجهة إلى طاولة الرسم خاصتها كعادتها عندما تشعر بالشرود، تجلس أمام لوحاتها وتمسك بأقلامها وتعبث لتتفاجأ بالنهاية!
قامت بتشغيل موسيقى هادئة، وأخذت ترسم بعشوائية في لوحة قاسم الذي رسمت بها نصف وجهه، وشردت بعيدا مع الموسيقى وفي النهاية توقفت لتصدم بما رأت!
نصف وجهها بجانب نصف وجه قاسم!
عينها الكهرمانية بجانب عينه السوداء الغاضبة تماما، نصف أنفها بجانب نصف أنفه، نصف شفتيها المكتنزتين تمتزجان بنصف شفتيه.. وفي النهاية.. لوحة متكاملة مؤلفة من وجه واحد مقسوم إلى نصفين وكل نصف بملامح مختلفة.
شهقت بصدمة وهي تتطلع إلى اللوحة بتعجب وتقول:
_ يا إلهي! ما هذا؟ ماذا فعلت أنا؟ ما هذا الهراء؟ يا إلهي لو أن أمي رأت تلك الحماقة ستفصل عنقي عن جسدي فورا.
وهمت بتقطيع اللوحة ولكن فجأة أصدر هاتفها صوتا معلنا عن وصول رسالة، فقفزت فوق السرير قفزةً واحدة وأمسكت بالهاتف بلهفة وقرأت رسالة قاسم:
_ عزيزتي حياة، علاجك فيما ستمليه عليه نفسك، إن كنتِ تشعرين بعدم الراحة والاطمئنان لا تترددي واهربي، حدسك لا يخطئ فاتبعيه.
في الحقيقة لم يكن كلامه شافيا بما يكفي، لقد جعلها أكثر توترا وحيرة، ولكنه أرسل لها رسالة أخرى يقول بها:
_ لمَ لا تصلين صلاة استخارة؟ اسألي الله أن يقدم لكِ الخير وثقي أنكِ ستسيرين في الطريق الصحيح براحة ورضا..
ثم ختم حديثه معها عندما أرسل الرسالة الأخيرة وقال:
_ تصبحين على خير يا كهرمانة.
ظلت حياة تنظر لرسائله كثيرا، ثم نهضت بعدها على الفور واتجهت للحمام وتوضأت، ثم قامت لتصلي صلاة الاستخارة كما نصحها.
///////////////////
كان قاسم يقرأ رسائلها مجددا واستوقفته جملة استفزته كثيرا فقال:
_ لم تكن تنفر من قبلته سابقا والآن أصبحت تفعل، تبا لكِ يا حياة الوقحة.
وفعّل الوضع الصامت ثم عاد للنوم مجددا ولكن تلك الليلة على الأغلب لن يكتب له بها النوم..
قرأ اسم سارة الموجود على الشاشة وقرر تجاهله بضيق، ولكنه أجاب في النهاية قائلا:
_ مساء الخير آنسة سارة ، هل هناك شيئا طارئا؟
تحدثت إليه سارة بضيق وصوت خافت وقالت:
_ في الحقيقة لا، ليس هناك شيئا طارئا، ولكني حاولت الاتصال بك مرات عديدة ولم تجب.
_ لم أكن متفرغا أبدا لذلك لم تتسنى لي الفرصة..
_ حسنا، في الحقيقة اتصلت لأتحدث إليك بخصوص ما رأيته اليوم.
لم يستطع التحكم في غضبه أكثر فقال منفعلا:
_ ماذا تقصدين بالتحديد؟ هل عندما رأيتكِ تدخنين؟ أم عندما رأيت ذلك الشاب اللزج يقترب منكِ ويضمك إليه بتلك الصورة المنفرة؟
تنهدت بضيق واضح وقالت:
_ أعرف أن ما رأيته أزعجك، ولكنك لم ترَ الصورة كاملة ً، لذلك لا تقسو في حكمك علينا.
تنهد بتعب وقال:
_ آنسة سارة اسمعيني جيدا، أنا لا يهمني رفاقك، لا يهمني ما يفعلونه ولست مهتما لشأنهم، أنتِ فقط من تهميني، أنتِ شابة في بداية حياتها لا يفترض أن تكون في مثل تلك الحالة أبدا.. الآن تدخنين السجائر غدا ستنجرفين في طرق أكثر سوادا وأشد هلاكا، هل يا ترى سيظل والدك فخورا بكِ كما أخبرك إن علم بما تفعلين؟
_ أكيد لا.
تعجب إجابتها الواثقة الواضحة والتي لم يكن يتوقعها من الأساس، بل كان يتوقع ردا أكثر حدة وعنفا فسلك سبيل اللين وقال:
_ جيد إذا، ثم أنكِ تضرين بصحتك، تلك ليست البداية المثلى أبدا.
تنهدت بضيق وقالت:
_ سأحاول وضع كلامك قيد التنفيذ، ولكني لا أعدك.
تنهد وقال:
_ وبالنسبة لذلك الفظ الذي سمح لنفسه بالاقتراب منك بتلك الحميمية؟
أجابت بتوتر:
_ سيف يحبني، والجميع يعرف أننا مرتبطان، سيف الوحيد الذي يقبل بي برغم كل النقاط السوداء بحياتي، الوحيد الذي يحنو عليّ ويعوضني فقدان الحب والحنان والاحتواء بحياتي، لقد بحثت عن الحب فوجدته.
تنهد بضيق وأسف، لأنه يعرف أنها مظلومة، هي حرمت الحب والاحتواء فعلا لذلك تتمسك بذلك الشاب الرخو ظنا منها بأنه ملجأها وملاذها وأنه من سيعوضها كل ما ينقصها. يعرف أنها ضحية لظروف مظلمة بدلت أحلى لحظات حياتها لأحلكها سوادا. فما كان منه إلا أنه تنهد بضجر وقال:
_ اسمعيني سارة، وعندما أحدثكِ دون لقب أو تكليف فهذا يعني أنني أقدرك كثيرا وأرى فيكِ أختي الصغيرة التي لم أكن موجودا بجانبها لأقدم لها النصيحة، لا تبحثي عن الحب، ابحثي عن السند، كل سندٍ سيصبح حبيبًا، وليس كل حبيب يستطيع أن يكون سندا.
لمست كلماته شغاف قلبها وروحها، وكعادتها صمتت بعد حديثه للحظات، ثم تحدثت مغيرةً مجرى الحديث فقالت:
_ هل سنزور أبي غدا؟
_ أجل، إن شاء الله.
_ لقد أحضرت له هدية آمل أن تعجبه.
تنهد مبتسما وقال:
_ بالتأكيد، ولو أنه يكفيه رؤيتك. ولكن تلك الهدية سيكون لها تأثيرا خاصا عليه.. على كل حال سأصلك في التاسعة صباحا.
_ حسنا، سأكون جاهزة في الموعد.. مع السلامة.
أنهت الاتصال وزفرت براحة، وتسللت إلى شفتيها ابتسامة رقيقة حالمة.
////////////
عاد عبدالله إلى شقته، دخل وعلى غير العادة كانت عنبر تنتظر رجوعه، وبمجرد أن رأته حتى هبت واقفة كالبركان الثائر وقالت:
_ هل كنت توصد الباب من الخارج؟ هل أنا بسجن أم ماذا؟
نظر إليها متعجبا وقال:
_ وما أدراكِ أنني أوصدته من الخارج؟ ألم أخبرك ألا تذهبين لأي مكان؟ إلى أين كنتِ تنوين الذهاب؟
نظرت إليه بغيظ وقالت:
_ لقد أتت والدتي لزيارتي وعندما ذهبت لأفتح الباب وجدته موصدا من الخارج، هل أنت مدرك كم الحرج والخجل الذي كنت أشعر به حينها؟ هل تتخيل الموقف المؤسف الذي وضعتني به أمام أمي؟
_ لا تطيلي عنبر، من الآن فصاعدا لن تخرجي في غيابي ولن يزورك أحدٌ، أنا لا أحب الاختلاط بالبشر وأنت تعرفين.
ذهب باتجاه الخزانة فذهبت خلفه وهي تقول:
_ هذا يعني أنك تود أن أصبح كالسجينة! لا أذهب لأحد ولا يأتي أحدا لزيارتي! أي حياة تلك؟
_ وما المانع؟
ونظر إليها بنظرته المتسلطة المهيمنة التي تبعث في نفسها الخوف وقال:
_ طالما أن زوجتي المصون لم تحترم غياب زوجها وخرجت بدون علمه، هل تعرفين حكم ذلك في الدين عزيزتي؟ يسمونها ناشزا، وأرى أن عقابك أن تظلي هكذا .. إن أردتِ فليكن سجنا، وإن أردت فليكن عزلة، وإن أردت فليكن استرخاء، المسميات كثيرة فاختاري الأنسب لكِ.
وتركها وأكمل خلع ملابسه ثم اتجه للحمام ليأخذ حماما دافئا.. في تلك اللحظة كانت عنبر تستعد لنقل ملابسه إلى صندوق الملابس المتسخة ولكن فجأة سقط منها بطاقة تحمل رقم وعنوان متجرا خاصا لبيع الورد.
نظرت إليه عنبر بتعجب وقالت:
_ ورد؟ ما القصه إذا!!
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل السادس عشر 16 - بقلم نعمة حسن
في الصباح..
نهض قاسم نشيطا على غير العادة، أخذ حمامه الصباحي واستعد للذهاب لاصطحاب سارة لزيارة والدها.
فتح باب الشقة وهو يدعو بسره ألا يلتقي بالجارة الهيفاء منذ الصباح، وشكر الله كثيرا لأنها لم تكن موجودة بالفعل، ونزل الدرج بحماس.
فإذ به يصطدم بها وهي تدخل البناية ترتدي طقما رياضيا وبيدها زجاجة مياة.
_ صباح الخير جاري العزيز.
قال وهو يكمل سيره للخارج:
_ صباح الخير سيدة فريال.
واتجه للمرآب فورا بينما تمتمت هي بحنق وقالت:
_ ما به هذا يخشى الضحك كي لا يتشقق وجهه، عجيب!
تحرك قاسم بسيارته متجها نحو فيلا حبيب، وإذ به يرده اتصالًا من حياة فأجابها باهتمام:
_ صباح الخير حياة.
أجابته بصوتها الناعس:
_ صباح الخير قاسم.
_ على ما يبدو استيقظتِ لتوك؟ هل رأيتِني بمنامك أم ماذا؟
_ لا يا غليظ، اتصلت لأني صليتُ صلاة الاستخارة كما نصحتني بالأمس.
_ حسنا جيد إذًا..
_ ولكني لا أشعر بشيء، هل تبلدت مشاعري بالكامل؟ أم أن هناك خطأ ما؟
_ لا عزيزتي مشاعرك بخير والحمد لله، ولكن تلك المعلومة هي الخطأ بذاته، ليس معني أنك صليتِ صلاة استخارة فستشعرين بالارتياح أو العكس.. معني الاستخارة حياة هو أنك تطلبين من الله عز وجل أن يقدم لكِ الخير في هذا الأمر ويتممه لو به خيرا لكِ وأن يصرفه عنكِ إن لم يكن به خيرا لكِ، هذا الأمر بيد الله لا تقلقي.. وتأكدي أنكِ طالما استخرتِ الله فما سيحدث لاحقا هو الخير.. هل فهمتِ؟
تنهدت بارتياح وقالت:
_ نعم.. فليدبرها الله.
_ إن شاء الله، ولكنكِ تعلمين جيدا ما هو الممنوع وما هو المقبول أليس كذلك؟ أقصد إلى حين يقضي الله أمره في موضوعك هذا أنتِ تعرفين ما عليكِ فعله وما عليكِ تركه.
أجابت ببساطة:
_ أفهم قصدك، تعني ألا أدعه يتجاوز حده معي ثانيةً.
هز رأسه بغيظٍ شديد وقال بتهكم:
_ أجل هو كذلك تماما، حماكِ الله ابنة عمي المحترمة الواعية وأزاد من أمثالك.
اتسعت ابتسامتها بفخر وقالت:
_ لا تخف، يمكنك الثقة بي.
_ نعم، أنا متأكد.. هيا أتمنى لكِ يوما سعيدا.
_ انتظر لحظة، متى ستذهب لزيارة صبر؟
_ اليوم بالتأكيد سأزوره ولكن لدي موعدا طارئا الآن.
_ أي موعد؟
_ سأزور سيد حبيب.
همهمت بضجر وقالت:
_ وبالتأكيد ابنته الشقراء ستكون معك.
_ نعم، وفي الحقيقة لا أعرف ما سبب غيرتك منها؟ هل لأنها شقراء فقط أم أن هناك خصومة خفية لا أعلم عنها شيئا؟
تعجبت حديثه الذي استفزها وقالت بغيظ:
_ ممن سأغار؟ من مراهقة مثلها؟ ولمَ سأغار من الأساس؟ توقف عن استفزازي لو سمحت.
ضحك قائلا:
_ حسنا، لا تغضبي، كنت أشاكسك ليس أكثر.
_ حسنا يا بغيض، هيا لدي محاضرة مهمة ستفوتني بسبب هراءك السخيف.
_ حسنا كهرمانة، اعتنِ بنفسك.
ابتسمت بسعادة واتسعت ابتسامتها وقالت:
_ وأنت أيضا اعتن بنفسك.. مع السلامة.
////////////////////
نزلت سارة من غرفتها فتقاطع طريقها مع والدتها التي عادت لتوها من أداء رياضتها الصباحية وكانت بصدد الذهاب لغرفتها.
_ صباح الخير، إلى أين أنتِ ذاهبة في هذا الوقت؟
تحدثت إليها سارة بهدوء على غير العادة وقالت:
_ سأذهب مع قاسم لزيارة أبي.
زمت شفتيها فكانتا كخطٍ مستقيم وقالت:
_ جيد، لقد تحسنت علاقتك بوالدك إذا! فرحت بذلك كثيرا.
نظرت إليها سارة وقالت بترقب:
_ لمَ لا تذهبين لزيارته؟ يمكنك الذهاب برفقتنا إذا أردتِ.
_ لا لا.. أنا ووالدك أصبح بيننا حاجز قوي لا يمكننا تجاوزه الآن، ربما في وقتٍ لاحق.
هزت الأخرى رأسها بإحباط وقالت:
_ كما تشائين.
وأكملت طريقها للخارج حيث ينتظرها قاسم.
استقلت السيارة وتبادلا التحية، ثم انطلق في طريقه بصمت لم يقطعه أيا منهما.
إلا عندما رن هاتفها برقم سيف فنظرت إلى قاسم بطرف عينها وقالت:
_ إنه سيف.
أجابها بهدوء وهو لا زال ينظر بالطريق أمامه ويقول:
_ ألن تجيبي اتصاله؟
هزت رأسها بموافقة وقالت:
_ بلى سأجيب.
أجابت الاتصال وقالت:
_ مرحبا سيف، لا لست نائمة، أنا في طريقي لزيارة أبي ولن أتمكن من الحضور اليوم، حسنا نتحدث لاحقا، مع السلامة.
أنهت الاتصال ونظرت إلى قاسم قائلة بحرج:
_ لقد كان يذكرني بموعد اجتماعنا سويا للمذاكرة، نجتمع اليوم ببيته.
أخفى قاسم توتره وضيقه وقال بهدوء لا يتخلى عنه:
_ ولمَ لا يجتمعون بمنزلك؟ في كل مرة أنتِ من تذهبين لبيوت رفاقك! هل والدتك هي من تمانع مجيئهم لبيتك؟
_ في البداية نعم، لقد رفضت أكثر من مرة بحجة أنهم مزعجين وما شابه، لذلك أصبحت أنا من أذهب إليهم دائما.
هز رأسه بأسف وازداد ضيقه وقال:
_ على كل حال، إذا أردتِ الذهاب يمكنني اصطحابك لا مانع لدي. ولو أنني أحبذ أن تجتمعون بمكان عام أفضل من الذهاب لبيته.
_ لا تقلق، أنا أثق به كثيرا.
ابتسم وقال:
_ وأنا أثق بكِ كثيرا كذلك.
////////////////////
كانت حياة تستعد للخروج من غرفتها للذهاب إلى كليتها ولكنها تراجعت فجأة عندما استمعت لصوت والدها يرحب بخالد ويقول:
_ تفضل خالد. اجلس يا بني.
جلس خالد ذا الوجه المتجهم الغاضب وبدأ حديثه مباشرةً وقال:
_ في الحقيقة كنت متردداً جدا من أجل المجيء إليك والتحدث معك ولكن لم يعد باليد حيلة يا عمي.
نظر إليه صالح متعجبا وقال:
_ لا أفهم، مذا تقصد يا خالد؟
_ حياة، أقصد حياة يا عمي، حياة تعاملني بجفاء وتجاهل شديدين، تتجاهل مكالماتي ورسائلي، تتجاهلني تماما، حياة تغيرت وتبدل حالها وأصبحت إنسانة أخرى لا أعرفها، وللأسف أنا أعرف السبب!
في تلك اللحظة خرجت حياة من غرفتها مسرعة وركضت للخارج حتى وقفت أمامهما وقالت:
_ لو سمحت أبي، أريد أن أتحدث مع خالد بمفردنا بعد إذنك.
أومأ والدها وقال:
_ حسنا ابنتي، سأترككما حتى تتحدثا بمفردكما ولكنني سأعود لاستكمال حديثي مع خالد.
دخل غرفته وصفية تتبعه على مضض، بينما جلست حياة بجوار خالد بصمت وهي ترتب أفكارها.
ثم نظرت إليه وخلعت محبسها وأعطته له وهي تقول:
_ أنا آسفة خالد، أعتذر لك كثيرا.
نظر إليها بصدمة وقال:
_ ماذا تقولين؟ أي هراء هذا الذي تقولينه؟
احمر وجهها وقالت بخوف وترقب:
_ أنا آسفة، لا أشعر بالراحة أبدا.. حاولت ولكنني فشلت، صدقني أنا المخطئة ولست أنت!
نظر إليها بحدة وغضب وقال:
_ أعلم حياة، أعلم أنكِ المخطئة، قلبكِ هو المخطيء، قلبكِ هو الخائن، أنت تحبينه حياة، استطاع أن يفرقنا ويجعلكِ تنبذيني كما استطاع أن يوقعكِ في شِراكه وجعلكِ تعشقينه، لقد حذرتك منذ البداية، أتذكرين وقتها؟ أتذكرين كيف كنا؟ كنا سعيدين للغاية، منذ اليوم الأول الذي خرج فيه هذا المحتال من السجن وتبدل حالك، خدعكِ بكلامه المعسول وأوهمكِ بأنه المظلوم المجني عليه، ولكنكِ بلهاء بالقدر الذي يكفي لئلا ترين حقيقته وترين وجهه الحقير الذي يخفيه عنكِ.
مسحت دموعها بأسف وقالت:
_ أنت تتحامل على قاسم أكثر من اللازم، صدقني قاسم ليس سيئا، ليس شخصا حقيرا كما تظن، ليس استغلاليا كما تقول، وأقسم لك أنه لا دخل له بقراري ذلك أبدا، أنا من قررت ذلك القرار بمحض إرادتي لأنني حقا لست سعيدة أبدا.
أومأ بهدوء وبداخله طاقة غضب كبيرة وقال:
_ وأنا لن أثنيكِ عن قرارك هذا يا حياة، في النهاية لن أتزوج منكِ قسرا، ولكني سأذكرك ذات يوم.. قاسم هذا ذو وجهين! والوجه المختبئ إلى الآن لن يسرك رؤيته أبدا.
ونهض مغادرا دون إضافة حرف، حينها تنهدت براحة كبيرة وكأن حجرا قد سقط عن صدرها.
خرجت والدتها من الغرفة وهي تقول:
_ أين ذهب خالد؟ لماذا غادر؟
خرج والدها بدوره وهو ينظر إليها متعجبا وقال:
_ أين ذهب خالد يا حياة؟ لماذا غادر دون أن نكمل حديثنا.
سحبت شهيقا طويلا استعدادا لما هو آت وتحدثت بهدوء:
_ لقد أبلغت خالد أنني لا أريد إكمال تلك الخطبة!
شهقت والدتها وهي تضرب على صدرها بحسرة وتقول:
_ ماذا؟ ماذا يعني لا تريدين إكمال الخطبة؟
نظرت إليها حياة بهدوء وقالت:
_ يعني أنني غير سعيدة، وكلما كان يقترب موعد الزفاف أشعر بالخوف والحزن والتوتر..
_ ولكن هذة مشاعر طبيعية وكل عروس تشعر بها يا غبية.
_ لا يا أمي، أنا أستطيع التفريق بين الخوف من فكرة الزواج نفسه والخوف من الارتباط بهذا الشخص.
ونظرت إلى والدها الذي كان يلتزم الصمت وقالت بتوسل:
_ أبي أنت أكثر من يفهمني، صدقني حاولت إعطاءه ونفسي فرصة، ولكنني كنت أشعر بأن الفجوة بيننا تزداد، أبي أنا لا أعرف ما الذي حل بي صدقني ولكنني أشعر الآن بالراحة لأنني أخبرته بقراري هذا.
كان والدها لا يزال صامتا ولم يعقب، بينما والدتها تجلس وهي تضرب فخذيها ورأسها وتنوح وهي تقول:
_ يا ويلي، ماذا سيقول الجيران عندما يعرفون أنه ترككِ قبل زفافكما بشهر واحد فقط؟ ماذا فعلتِ بنفسك وبنا يا غبية؟ ستكثر الأقاويل والاتهامات حولنا..
حينها صرخ بها صالح وقال:
_ كفي عن النواح يا امرأة وإلا أقسم بالله لن أتراجع عن كسر رأسك هذه المرة!
ونظر إلى حياة ونهض ممسكا بيدها في دعمٍ منه وقال:
_ ما فعلتِه هو الصواب حياة، أنتِ شجاعة وتستحقين التقدير.. أنا لست حزينًا ولست غاضبا منكِ، أنا أقدركِ لأنكِ تختارين سعادتك ولا تسمحين لأحدا أن يحركك كالدمية بين يديه.
احتضنت حياة والدها بفرحة ودموعها لازالت تتساقط وهي تقول:
_ أشكرك أبي، وأعتذر منك لأنني فاجئتك ولكنني لم أكن أعلم أنني سأخبر خالد بذلك فعلا، كنت مذبذبة ومشتتة منذ فترة واليوم فقط واتتني الشجاعة.
ربت على ظهرها وقال:
_ أنا فخورًا بكِ ابنتي، لا تقبلي أن يتحكم أحدا بقراراتك وبحياتك أبدا.
نظرت إليه زوجته بغضب وقالت:
_ يا أسفي على أب مثلك، تشجع ابنتك على هدم حياتها، تدعمها في تخريب مستقبلها، أَولى لك أن تنصحها لتتراجع عن قرارها المتهور هذا وتحفظ ألسنة الناس الذين سيشنعون عليها فور معرفتهم بالخبر.
نظر إليها غاضبا وقال:
_ لا، لن أنصحها لتتراجع، لأنني تعلمت من خطأي، لن أكرر خطأي الفادح وأكون سلبيا مرة أخرى، لن أخشى كلام الناس ولو تكلموا ألف مرة، سعادة ابنتي فقط هي ما سأهتم لها من الآن فصاعدا.
كانت تهز رأسها بضيق وهي تذرف الدموع وتقول:
_ سعادة ابنتك كانت مع خالد، فرصة لن تستطيع تعويضها أبدا، كان شابا الجميع يحسدها عليه، الآن الجميع سيشمتون بها.
_ توقفي وأوقفي الجهل الذي تثرثرين بهِ، سعادة ابنتك مع الرجل الذي ستشعر بالألفة والمودة بجواره، وليس مع رجل ينقبض قلبها خوفا في حضوره.
ثم نظر إليها بتعجب وأخذ يقلب كفيه عجبا منها وهو يقول بحيرة:
_ ألم تتعظِ يا امرأة؟ لقد زوجتِ ابنتك لرجل لا تشعر تجاهه سوى بالحقد، وما النتيجة؟ في أول فرصة سوّل لها شيطانها ذهبت وراودت حبيبها القديم عن نفسها! هل تريدين لتلك نفس المصير؟ تريدين أن تحيا عمرها كله في صراع مع رجل لا تشعر تجاهه بأي عاطفة؟ ولماذا؟ خشيةً من كلام الناس؟ تبًا لكِ ولهؤلاء الناس الذين تخشينهم أكثر مما تخشين الله في بناتك.
ونظر إلى حياة مرة أخرى وقال:
_ عزيزتي أنا معك، لا تخافي ولا تسمحي لأمك أو لغيرها أن يدفعك نحو قرار أنتِ لستِ مقتنعة به، في النهاية هي حياتك أنت، وأنا وأمك والناس جميعا لن نفيدك بشيء.
احتضنته مرة أخرى بحب وقبّلت رأسه بامتنان، ثم خرجت مسرعة كي تذهب لكليتها وهي تشعر بأنها كالعصفور الحر الذي يغرد لأول مرة خارج السرب.
///////////////////
كان قاسم يجلس بجوار ساره ينتظران خروج حبيب.
اختلس قاسم نظرة إلى سارة التي تتفحص المكان عن كثب ثم نظرت إليه وقالت:
_ ماذا كان شعورك في كل زيارة؟
ابتسم بهدوء وقال:
_ لا شيء، لأن لا أحدًا كان يزورني من الأساس.. سوى عمي زارني مرات قليلة و لم أكن أخرج لرؤيته فانقطع عن المجيء لزيارتي.
نظرت إليه بأسف وقالت:
_ والدك ووالدتك؟
_ متوفيان، رحمهما الله.. والدتي توفت بعد دخولي السجن مباشرة.
تقوست ملامحها بأسف وقالت:
_ ليس لديك إخوة؟
_ أختًا وحيدة.
_ ألم تأتِ لزيارتك؟
نظر إلى الأرض وشبك أصابعه ببعضها وكان بصدد الإجابة ولكنه رأى حبيب يدخل القاعة فوقف على الفور قائلا:
_ أتى السيد حبيب.
وقفت سارة بتأهب، واشتعل حماسها وهي ترى والدها يتقدم نحوها فاردا ذراعيه بشوق بالغ، ثم احتضنها متأوها باشتياق حار وهو يقول:
_ حبيبتي، اشتقتكِ كثيرا يا طفلتي.
احتضنته سارة بابتسامة ولكَم سعدت بعناقه الذي منحها بعضا من الدفء وودت لو أن يتوقف بها الزمن ويُمحى ماضيهما سويا وتكون هذه اللحظة أول لحظة تكتب في تاريخهما سويا.
_ كيف حالك صغيرتي؟ هل أنتِ بخير؟
سألها وهو يتفحص ملامحها بلهفة فابتسمت قائلة:
_ نعم بخير.
نظر إلى قاسم واحتضنه بود شديد وقال:
_ اعذرني قاسم، لهفتي لرؤية سارة أنستني وجودك.
ربت قاسم على ظهره وهو يقول بابتسامة:
_ لا بأس سيد حبيب، سررت لرؤيتك سعيدًا.
_ الفضل يرجع لك.. لولاك كنت سأبقى وحيدا يائسا فاقدا الأمل في الحياة، أنت من ساعدتني وساعدت ابنتي وأقنعتها بزيارتي.. لن أوفيك جميلك هذا أبد ما حييت.
جلسوا ثلاثتهم، وكان حبيب يضم ابنته إليه ويسألها:
_ كيف حالكِ بابا؟ هل كل شيء بخير؟
أومأت بابتسامة ولمعت عيناها بحزن طفيف ولكنها قالت:
_ أجل، لقد أحضرتُ لك هدية.
اتسعت عيناه بحماس وفرحة وقال:
_ حقا؟ أريني ما هي؟
أمسكت بالإطار ونزعت عنه الغلاف وهي تراقب ردة فعله التي لم تتخيل أن تكون بتلك الفرحة عندما رأى إطارا يضم صورة مكبرة لهما وهما يحتضنان بعضهما البعض.
ارتجفت يده وهو يمسك الإطار ويتفحص الصورة بعين لامعة ويقول:
_ ما هذا؟ كيف فعلتِها؟ إنها جميلة للغاية!
ابتسمت وتأثرت لرؤية تأثره وقالت:
_ طلبت من صديقة لي أن ترسمها، كي يكون لديك صورةً لي غير تلك الصورة التي أظهر بها كالعفريتة.
ضحك على تشبيهها وقال بابتسامة حنونة:
_ صورتك دائما محفورة بقلبي سارة، ولكن على كل حال اختيارك موفقًا، سأقوم بوضعها بجوار سريري بكل فخر وعندما يسألوني من هذه الجميلة سأجيبهم بكل سرور هذه ابنتي وقطعة من روحي.
ابتسمت سارة ولكنها كالعادة تؤثر الصمت خاصة عندما لا تجد ما يعبر عما تشعر به.
نظر حبيب إلى قاسم قائلا:
_ كيف حالك قاسم؟
_ بخير سيد حبيب، كل الأمور على ما يرام.
_ وكيف حال صبر؟ أخبرني أكثم أنه أجرى العملية بالأمس.
_ أجل، هو لازال بالمشفى، ولكنه يستجيب والحمدلله.
_ الحمدلله، لا تقلق بشأن والده، هو في حمايتي.
_ لست قلقا، طالما أن يدك في الأمر لست قلقا أبدا.
_ وكيف حال ذلك الحقير؟ هل مازال حيا بعد أن خرج من هنا؟
ضحك قاسم قائلا:
_ في الحقيقة لا أعرف ماذا حدث معه بالحجز طيلة الأسبوعين اللذان قضاهما به ولكن أنت تعلم هؤلاء الثعابين لا يموتون بسهولة.
أجابه الآخر ضاحكا وقال:
_ أجل، أعلم ذلك، ولكن لا تخف، ما رغبت في حدوثه قد حدث، الرجال قاموا معه بالواجب وأكثر.. أعدك أنه بعد أن خرج من هنا لن يسير بجانب الحائط فقط، بل سيسير بداخل الحائط نفسه حتى لا يعيش ما عاشهُ هنا مرةً أخرى.
أومأ قاسم مؤكدا بارتياح، فنظر حبيب إلى ابنته وعيناه تفيضان بالحنان وهو يضمها إليه بابتسامة ويقول:
_ ها بابا، أخبريني كيف حال والدتك؟ هل تتشاكسان دائما؟ أعرف أنها حادة الطباع قليلا ولكن لديها قلبا لا بأس به.
قاطعه قاسم قائلا:
_ لقد أبلغتني السيدة رسالة إليك، تود الانتقال للعيش ببيت آخر في منطقة أخرى، تقول أن المكان أصبح مزعجا لها..
وهمس بصوت خافت وتابع:
_ كثير من رفيقاتها بالماضي أصبحن يترددن عليها لزيارتها ومنهن من يطلب منها المال، لذلك تريد الانتقال.
صمت حبيب قليلا ثم نظر إلى سارة وقال:
_ ما رأيك سارة؟ هل ترغبين في الانتقال؟
شردت قليلا ثم قالت بحيرة:
_ في الحقيقة لا أراه ضروريا، ولكن إن كانت والدتي تريد ذلك فلا مانع لدي.
_ وما رأيك أن تنتقلي لنفس البناية التي يعيش بها قاسم؟ أرى أنه حلا رائعا، سأكون مطمئنا عليكما أكثر، ما رأيك؟
نظرت سارة إلى قاسم بابتسامة وقالت:
_ جيد جدًا.
أومأ بهدوء ونظر إلى قاسم وقال:
_ حسنا قاسم، أخبرها أنني قد وافقت، وأنا سأتحدث إلى أكثم ليبدأ بإجراءات شراء شقة بنفس البناية التي تسكن بها، على الأقل سأكون مطمئنا لوجودك بجوارهما أغلب الوقت.
هز قاسم رأسه بموافقة وقال:
_ كن مطمئنا سيد حبيب، سيكون كل شيء على ما يرام.
/////////////////////
بعد انتهاء زيارة حبيب وبعد أن أوصل قاسم سارة إلى بيتها قام بالذهاب إلى المشفى للاطمئنان على صبر، فتوجه إلى مكتب الطبيب ليتحدث إليه ويفهم منه ما يتوجب عليه فعله في الأيام القادمة.
بدأ الطبيب بالحديث قائلا:
_ اسمعني قاسم، بالنسبة للفترة الحالية فهو سيظل شهرًا كاملًا معزولا في تلك الكبسولة وهي غرفة معقمة بالكامل كما رأيت، لحين التأكد من تثبيت الخلايا التي تم زرعها، وبعدها يمكنه العودة الى البيت، ولكن هذا لا يعني أنه بعد شهر سيتعافى تماما.. لا.. عادة يستغرق الجهاز المناعي ما بين ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر وأحيانا تصل المدة لسنة كاملة حتى يستعيد كفائته، تلك الفترة تشبه السنة الأولى في حياته، في هذا الوقت هو معرض لخطر الإصابة بعدوى، مما يحول دون استجابة الخلايا للنخاع المزروع، لذلك يجب أن تقوم بتجهيز غرفة خاصة به معقمة بالكامل، يتم تعقيمها يوميا، كل شيء فيها يكون معقما، الطعام الذي يدخل إليه يكون معقما، لا سيما عندما تزوره فبالطبع ستكون معقمًا وترتدي قناعًا قبل الدخول إليه وتحرص على ألا تصاب بأي عدوى لأنك من الممكن أن تنقلها إليه.. ويمكنك الانضمام للدروس التوجيهية التي تقدمها المشفى لتعليم كيفية التعامل مع مرضى زرع النخاع.
أومأ قاسم موافقًا وبعد أنهى حواره مع الطبيب شكره، ثم ذهب لرؤية صبر من وراء الجدار الزجاجي للغرفة المعزول بها وبعدها بقليل غادر المشفى.
اتجه بعدها إلى المعرض ودخل مكتبه وقام بمراجعة الكاميرات كما يفعل كل يوم، ثم هاتف أكثم وأبلغه بقرار سيد حبيب.
وبينما هو غارقا في تركيزه فجأة انتبه إلى دخول حياة المعرض.
أطلت عليه بطلتها اللطيفة وصافحته وهي تقول:
_ مساء الخير قاسم.
_ مساء النور، ما سر تلك الابتسامة المشرقة عساه خيرا؟
رفعت كفها أمامه بفخر وشعورًا بالانتصار يملؤها وقالت:
_ لقد فعلتها.
أخذ الأمر ثوانٍ حتى استوعب مقصدها ونظر إليها متفاجئا وقال:
_ يا إلهي! بتلك السرعة؟
أومأت بحماس وقالت:
_ ألسنا بعصر السرعة؟!
مط شفتيه بإعجاب وقال:
_ أنتِ محقة! وما رد فعل والديكِ؟
_ صراحةً موقف أبي هو ما أثار دهشتي، أبدى دعمه لي وإعجابه بشجاعتي، على عكس والدتي التي كان كل ما يشغلها كلام الناس وماذا سيقولون.
_ لا تبتئسي كهرمانة، في كل الأحوال رضا الناس غاية لا تدرك فلا تهتمي، فحياة يقودها عقلك أفضل بكثير من حياة يقودها كلام الناس.
أومأت بابتسامة وقالت:
_ معك حق.
ابتسم بدوره وقال بصلافة وغرور قاصدا استفزازها:
_ أعلم ذلك.. على كل حال هذا خبر سار والله .. هنيئا لكِ يا كهرمانة، تستحقين رجلا مثاليا لا تشوبه شائبة، وسيكون محظوظا أكيد لأنه سيحصل على جوهرة عائلة الحداد، صاحبة السمو الأميرة حياة.
ضمت شفتيها ورفرفت بأهدابها في حركة ساخرة أضحكته وهي تقول:
_ أنت محق، يالا سعدهُ وهناه من يتزوج من شابة لديها سجلا حافلا بالمميزات مثلي.. ترى قاسم هل من الممكن أن أجد ذلك المثالي الذي يستحقني؟
أومأ ببساطة قائلا:
_ بالتأكيد ستقابلينه، طالما أن هناك الكثير ممن لديهم سيئات مهولة ويحتاجون لمن تكفر سيئاتهم تلك فلا تقلقي، سيأتيكِ زاحفًا سمو الأميرة.
نظرت إليه بغيظ وحنق يملؤها وقالت:
_ إذًا رزقك الله بمن تكفر سيئاتك سيد قاسم.
عبث بشعره بخيلاء وقال:
_ آمين.
نهضت وهي تقول:
_ حسنا يا مغرور، وددت أن أشاركك فرحتي ليس أكثر.. والآن سأطير.
ابتسم مشاكسا وقال:
_ تعلمتِ الطيران أيضا؟ هذه ميزة تُضم لسجلك الحافل بالمميزات الذي سنقدمه للرجل كثير السيئات الذي سيأتيكِ زاحفًا.
التقطت زجاجة مياة كانت موضوعة فوق الطاولة وألقتها بوجهه فاصطدمت بأنفه فجأة مما أثار جنونه فنهض مسرعا ولكنها ركضت للخارج وفرت هاربة.
ظل قاسم ينظر في أثرها بحنق وهو يلمس أنفه بضيق وما لبث أن تحول ضيقه إلى ابتسامة وهو يقول:
_ تبا للذاذتكِ.
///////////////////
في المساء..
دخلت عنبر لغرفتها فرأت زوجها يقف أمام المرآة يستعد للخروج.
فوقفت أمامه تطالعه بتعجب وقالت:
_ هل ستخرج اليوم أيضا مع رفاقك؟
_ أجل، هل لديكِ مانع؟
_ بالتأكيد لا، لست مولعة بالبقاء قربك أساسا، ولكن على الأقل لا تعاملني معاملة السجناء وتوصد الباب بالمفتاح.
أجابها وهو ينثر عطره الفواح:
_ هذا الأمر مفروغ منه، فلا تتحدثي فيه ثانيةً.
نظرت إليه بحدة وقد استشاطت غضبا وهي تقول:
_ تلك المعاملة ليست آدمية بالمرة، كيف تقدم على حبس زوجتك بذلك الشكل؟ هل تعلم أن والدي لو علم بالأمر لن يسمح لك بذلك أبدا؟
نظر إليها ببرود قاصدا استفزازها وقال:
_ والدك يعلم أنني محق فيما أفعله، لأنه يعلم أن ابنته ليست أهلا للثقة.
نظرت إليه بصدمة فقال:
_ ماذا عزيزتي؟ هل أخطأت في حقك لا سمح الله؟
وأمسك برسغها بقوة وهو يهمس بهمسٍ كالفحيح ويقول:
_ وإلا أخبريني ما سبب الشجار الذي دار بينكِ وبين والدك وبسببه أمر والدتك ألا تغفل ولا تتوانى عن مراقبتك؟ ما الذي فعلتِه يا زوجتي المحترمة؟!
نزعت رسغها من بين قبضته بقوة وقالت:
_ قلت لك سابقا كان مجرد شجار بيني أنا وأختي ووالدي انفعل علينا اثنتينا، وأمر أمي بمراقبة حياة ومنعها من الخروج وليس أنا، ولكن الواشي البغيض ابنك لم يفهم مقصد جده وظن أن هذا الكلام كان موجها إلي.
أومأ بغير تصديق وقال:
_ للأسف عنبر ليس لدي خيارًا آخر سوى تصديقك، ولكن أقسم لكِ إن ثبت عكس ما تقولينه لن يكفيني قتلك.
نظرت إليه بفزع فقال بنبرة تهديد سوداء:
_ ليس عبدالله الحداد من يصبح ديوثًا على آخر الزمان! إن اكتشفت أنكِ أقدمتِ على تدنيس اسمي وشرفي ستذوقين ألوان العذاب التي نسيتِها. واعتبري هذا تحذيرا أخيرا.
وتركها وخرج، ثم أوصد الباب من الخارج.
في تلك اللحظة خرج ابنها من غرفته وهو يقول:
_ أمي لقد فرغ شحن جهاز الأيباد، أشعر بالملل.
نظرت إليه بضيق وفجأة جذبت أذنه بين إصبعيها وهي تقول بغل:
_ أيها الواشي الحقير ماذا قلت لوالدك؟
أمسك بيدها يحاول دفعها بعيدا عنه وهو يقول بألم:
_ آاااي… صدقيني أمي لم أقل شيئا، اتركي أذني أرجوكِ. أذني تؤلمني بشدة أرجوكِ.
ابتعدت عنه بغضب وقالت بتحذير ولهجة صارمة:
_ أقسم بالله يا كريم إن علمت أنك فتحت فمك بنصف حرف مرة أخرى سيكون عقابك عسيرا.
أجابها الطفل وهو يبكي ويمد كفيه أمامه في دفاع عن نفسه:
_ حسنا.
_ إن سألك أبيك عن شيئا مرة أخرى ستخبره أنك لم ترَ ولم تسمع شيئًا وإلا سأقطع عنقك، هل فهمت؟
_ فهمت.. فهمت حسنا..
وصرخت به قائلة:
_ هيا اغرب عن وجهي الآن.
فجأة هرول إلى غرفته مرة أخرى وجلست هي تبكي بقهر.
//////////////
خرج متجها لسيارته، استقلها وانطلق إلى بيت سماهر بشوق، ولم ينسَ أن يمر في طريقه إلى نفس متجر الورود ويشتري باقة ورد ثانية مع نفس الهدية التي ابتاعها بالأمس.
وصل أمام البيت، فقام بالاتصال بها وأخبرها أنه بالخارج، فأخبرته أنها ستفتح له الباب بنفسها.
وقفت سماهر أمام المرآة المجاورة للباب تعدل فستانها الحريري الطويل، الذي يصل طوله لآخر قدميها، لم يكن مكشوفا أو عاريا ولكنه كان يظهر منحنيات جسدها بشكل مثير، وكانت قد تعمدت ارتدائه كي تثير شغفه به أكثر، فهي خبيرة في مثل تلك الأمور وخاصةً إن كان الأمر يتعلق بإيقاع رجل في مصيدتها، حينها تعرف كيف تزاوله وتتبع الخطوات بتمهل حتى يقع صريعا لهواها في النهاية.
فتحت الباب وهي ترسم ابتسامة مشرقة على ثغرها الشهي، فظهر عبدالله الذي كان يحضر في أبهى صورة، يحمل باقة الورد بيده وباليد الأخرى الهدية.
_ تفضل عبدالله.
دخل عبدالله مبتسما وقال:
_ مساء الخير حلوتي.
ابتسمت وقالت:
_ مساء النور، لمَ كلفت نفسك؟ لا ينقصني هدايا صدقني..
أصابه كلماتها بالإحباط ولكنه قال بإصرار:
_ أعرف، ولكن هدية عبدالله الحداد مختلفة.. فمن فضلك لا تضعيني موضع مقارنة أبدا.
ابتسمت واتجهت معه نحو الصالون وهي تقول:
_ أنا آسفة لم أقصد مضايقتك، تفضل.
جلس فجلست على المقعد المقابل له وقالت:
_ أخبرني عنك، كيف حالك؟
نهض من مقعده واتجه للمقعد المجاور لها فجلس عليه وقال بابتسامة:
_ في الحقيقة لم أكن بخير أبدا قبل أن ألقاكِ، ولكن بعد أن رأيتك أصبحت بخير ومزاج جيد.
ابتسمت وقالت:
_ ألم أقل أنك تحترف إلقاء الكلام المعسول! خسارة كبيرة أن رجل مثلك لم يتزوج بعد!
ابتسم وقال:
_ ومن قال ذلك؟ أنا متزوج بالفعل ولدي ابن!
تصنعت الصدمة وقالت:
_ حقا؟ صراحةً لقد صدمتني صراحتك ووضوحك.
ابتسم وهو يقترب منها أكثر وقال:
_ حقيقةً أنا كذاب فاشل، خاصةً لو ثملت، لذلك اعتبريني كتاب مفتوح أمامكِ، اسألي ما شئتِ سأجيبك.
ضحكت وهي تقول:
_ وما الذى ألقى بك على بابي أيها الكتاب المفتوح؟ ألن تغضب زوجتك وتثور عند معرفتها بأن زوجها يتردد على بيت امرأة أخرى؟
_ وكيف ستعرف؟ ثم أن آخر همي هو غضبها أو رضاها.. عبدالله الحداد يفعل ما يحلو له ولا ينتظر إذنا من أحد.
مطت شفتيها بإعجاب وقالت:
_ حسنا، أصبح بإمكاني تحليل الموقف بسهولة، أنت وزوجتك لستما على وفاق، أليس كذلك؟
_ بلى.
همهمت وقالت:
_ حسنا، قبل أن يأخذنا الحديث، ماذا تشرب؟
ابتسم وهو يطالعها بنظرات مفترسة تعرفها جيدا وقال:
_ كما تشائين أنتِ، أنا من يدِك هذة ليدك تلك.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل السابع عشر 17 - بقلم نعمة حسن
عادت سماهر من المطبخ وهي تحمل صينية فوقها كأسين من العصير وانحنت أمام عبدالله وهي تنظر إلى عينيه بابتسامة وتقول برقة:
_ تفضل العصير عبده.
كان يفترس عينيها بعينيه التي اختلست النظر إلى ما جادت به عليه وارتبك من وقع نظراتها العابثة ونغمة صوتها المثيرة، وابتسم وقال:
_ عبده! تلك أول مرة يناديني أحدهم باسم غير عبدالله.
جلست بجواره وأمسكت بكأس العصير الخاص بها وهي تقول بابتسامة:
_ جيد إذا، سيكون هذا اسمًا خاصًا مني لك.
ابتسم بحماس وقال:
_ أنتِ الوحيدة التي يحق لها أن تفعل ما تشاء وتقول ما تشاء، قلتُ لكِ أنا من يدِك هذة ليدك تلك.
ضحكت بنعومة وقالت:
_ هيا قل لي، ماذا أحضرت لي؟ ما هي هديتك المميزة التي لا تقارن بغيرها؟
التقط الحقيبة المغلفة بجواره ومدها لها وهو يقول:
_ أرجو ألا تنزعجي، تفضلي.
أمسكت بالحقيبة وفضت الغلاف من حولها ومدت يدها بداخلها، فقطبت جبينها باستغراب وهي تتلمس ذلك الملمس الحريري وأخرجت ما بيدها خارج الحقيبة وهي تقول:
_ ما هذا!!
ونظرت إليه متصنعةً الدهشة والانفعال وهي تقول بحاجب مرفوع:
_ قميص نوم!!
كانت تمسك بيدها قميصا حريريا باللون الأسود، بدعامة من الدانتيل ويصل طوله لأعلى الركبة بقليل.
توتر عبدالله قليلا ولكنه حاول التمسك بثباته وقال:
_ ما بكِ؟ ألم تعجبكِ هديتي؟
أخذت تهز رأسها بضيق وقدميها بعصبية وهي تقول:
_ هل أنت مجنون أم ماذا؟ ما الذي تقصده بإهدائي هدية كهذه؟
_ صدقيني أنا لا أقصد أي شيء غير لائق، سماهر أنا أريد الزواج منكِ.
نظرت إليه بصدمة حقيقية وقالت:
_ ماذا؟ تريد أن تتزوجني؟!
_ أجل، منذ الوهلة الأولى التي رأيتكِ بها وأنا لا أرى أمامي غيرك، لن تصدقيني، لقد حلمت بكِ.
نظرت إليه بتعجب وهي تحاول استشفاف صدقه من عدمه وقالت:
_ حقا؟ وماذا رأيت؟
_ رأيتك ترتدين هذا الثوب لي، وترقصين معي على أنغام الموسيقى الحالمة.
وأمسك بيدها وقبلها وقال:
_ ماذا فعلتِ بي سمهورة؟
ارتفعت ضحكاتها فضحك قائلا:
_ هل أعجبكِ ذلك الاسم؟
انتزعت كفها من بين قبضته برقة وقالت:
_ لا بأس به.
_ إذًا من اليوم أنا عبده وأنتِ سمهورة.
ارتفعت ضحكاتها بشدة، لم تكن تعرف أنه ساذجا لتلك الدرجة، حتى أنها تفاجئت بطلبه الزواج منها بتلك السرعة، لقد ظنت أنه سيأخذ وقتا أطول من ذلك حتى يقع في شباكها.
_ ها سمهورة، لم تعطِني رأيك، هل توافقين على الزواج مني؟
نظرت إليه بحيرة وقالت:
_ و زوجتك؟ وابنك؟
_ ما بهما؟ زوجتي ستظل على ذمتي .. في النهاية هي ابنة عمي ولن أطلقها أبدا.. أما أنتِ، ستكونين لي كل شيء ، ستغنيني عنها وعن كل نساء العالم.
وأمسك كفها وقبّلهُ مرةً أخرى وهو يقول:
_ أرجوكِ لا ترفضيني، أنا أصبحت متيمًا بكِ سمهورة!!
ضحكت بقوة ونظرت إليه بغير تصديق وقالت:
_ يا إلهي، بالأمس رأيتني واليوم تريد الزواج مني؟
_ أجل، هذا هو الحب من أول نظرة، ألا تسمعين به؟
_ بلى سمعت، ولكن….
قاطعها بلهفة قائلا:
_ أرجوكِ سمهورة، أنا أصبحت لا أرى غيرك، لا تعذبيني ببعدك عني أرجوكِ.
تنهدت بيأس وقلبت عينيها بملل وهي تطالعه ممسكا بكفها ويقبله فقالت:
_ وهل زوجتك متسامحة بالقدر الذي سيجعلها تقبل بزواجنا؟
نظر إليها فجأة وقال:
_ لا، هي لن تعرف بزواجنا، زواجنا سيكون في السر لفترة.
نظرت إليه بضيق وقالت:
_ في السر؟! ولمَ لا أكون زوجة في العلن؟ ما الذي ينقصني؟
اقترب منها أكثر وقال محاولا استمالة رضاها:
_ لا ينقصكِ شيئا أبدا حبيبتي، ولكني أمر حاليا ببعض الأزمات مع أنسبائي ولا ينقصني أزمة جديدة.
_ وهل زواجنا أزمة؟ إذا ليس له داعي!
تنهد بيأس وأمسك بكلتا يديها وقبلهما وقال:
_ عزيزتي إفهميني، زواجنا هو ما سيحل كل أزمات حياتي، هو المصباح الذي سينير عتمة أيامي وظلام لياليَّ، أرجوكِ كوني متعاونة قليلا..
تنهدت وصمتت قليلا فكان يتململ بنفاذ صبر فقالت:
_ حسنا، ولكن بشرط!
نظر إليها متعجبا وقال:
_ وما هو؟
_ إذا وافقت أن أكون زوجة في السر يجب عليك ضمان حقوقي، في النهاية كل ما سيربطني بك هو ورقة فقط لا غير، من يضمن لي أن لا تشتد أزمتك أنت وأنسبائك ويشترطون عليك أن تطلقني؟ أو أنك تتزوجني شهرين وعندما يخفت بريقي في عينيك تُلقي بي كالخرقة البالية وإذ فجأةً أجد نفسي مثل خيل الحكومة التي يعدمونها بعد أن تؤدي مهامها؟
أومأ نافيا وقال بلهجة الواثق:
_ لا، لا تقلقي، أنا أحبك حقا سماهر، أقسم أني أحبك.. لن أؤذيكِ أبدًا.
تأفأفت بضيق جليّ وقالت بلهجة حادة:
_ الحب وحدهُ لا يكفي.
تعجب حدتها وأسلوبها الذي تبدل في لحظة ثم قال:
_ لم أفهم قصدك بعد، ماذا تريدين؟
_ ثلاثة مليون جنيه!
نظر إليها مذهولًا فنظرت إليه ببساطة وقالت:
_ ما بك؟ لمَ تنظر إلي هكذا؟ هذا مهري، أعتقد أنه أقل بكثير مما أستحقه.
نظر إليها بتشوش وحك جبهته بتفكير، ثم قال:
_ ولكن.. أنا لا أملك هذا المبلغ، رأس مالي كله في المحل، والسيولة التي أملكها بالكاد تكفيني، كل ما أملكه بحسابي في البنك نصف مليون فقط!
_ والسيارة؟
_ ما بها السيارة ؟ هل.. هل تريدين مني بيعها؟
_ ولمَ لا؟ أي عريس يستعد للزواج ينفق الكثير، وعندما يضيق به الحال يكون على حافة بيع الهواء الذي يتنفسه.
_ أجل، أعلم ذلك ولكن.. حتى لو قمتُ ببيع السيارة لن يكفي ثمنها المبلغ الذي تطلبينه! ثمنها بالكاد يصل نصف مليون!!
_ يمكنك التصرف، هذا شرطي الوحيد ولن أقبل الزواج منك إلا عندما تحضر المبلغ..
حاول استعمال دهاءه ومكره عله يفلح في خداعها فقال:
_ حبيبتي، لمَ تضعين شروطا تعجيزية في سبيل وصالنا سمهورة؟ أعدكِ أن تكوني أسعد إنسانة في الوجود بالقرب مني.
وقبّل أعلى كتفها وهو يقول بجانب أذنها بهمس:
_ لديّ فنونا في العشق لا تعرفين عنها شيئا، هيا سمهورة ..
_ اسمعني عبدالله ، كيف تتحدث عن العشق وأنت لا تقبل التضحية بمبلغ بسيط هو من حقي في الأساس.. في المقابل أنا لم أطلب منك أي شيء، حتى لم أطلب منك شقة زوجية، سنتزوج هنا في بيتي، لم أطلب ذهبا، لم أطلب حفل زفافا، لن أكلفك شيئا، هل ترى أن مبلغا تافها كهذا لا أستحقه؟
_ لا حبيبتي ، تستحقين أضعافه ولكن ..
_ ولكن ماذا سيد عبدالله؟ ماذا ظننت إذا؟ أنني واقعة في غرامك وسأقبل الزواج منك لأجل سواد عيناك؟ لا .. هذا لو كنت سأصبح زوجتك في العلن ولي حقوق معترف بها .. ولكن الحال مختلف، وأنا صراحةً لا أثق بك.
تنهد بحيرة وهو ينظر إليها وقد أشاحت بوجهها للجانب الآخر بضيق وأخذ يتفحص جسدها الفتّان ويمني نفسه بنيلها في أقرب وقت، ثم التصق بها وأخذ يمسح على شعرها بحنان زائف ويقول:
_ حسنا، سأبيع السيارة، ولدي قطعة أرض كتبتها باسم ابني سأبيعها، وأبيع كِليتي إن تطلب الأمر.. رضاكِ هو ما يهمني يا حلوتي.
نظرت إليه بابتسامة ثم قالت:
_ ستنال رضاي فقط حين أشعر أنك على استعداد لفعل أي شيء من أجلي عبده.
_ سيحدث يا عيون عبده، أعدكِ سيحدث.
تثاءبت بنعومة ثم قالت:
_ حسنا عبده، والآن عليك المغادرة، أشعر بالنعاس.
التقط كفها وقبله ثم قال:
_ حسنا حلوتي، سأغادر الآن .. وغدا سآتيكِ ومعي المال و سنكتب عقد وصالنا ونطير سويا لعالم أبعد من الخيال. عالم ليس به سوانا.
ابتسمت واصطحبته للباب ثم ودعته وبمجرد أن خرج وأوصدت الباب حتى زفرت براحة كبيرة وهي تقول:
_ يا إلهي، ما هذا الرجل السّمِج! كان الله في عون زوجته وربط على قلبها!
***
كانت حياة تجلس في غرفتها وبيدها اللوحة التي تضم ملامحها مع ملامح قاسم، تنظر إليها وتتمعن بها وهي تتذكر حديثهما، حينها تسللت الابتسامة الى شفتيها دون أن تشعر.
طُرِق الباب فجأة فأسرعت تخفي تلك اللوحة أسفل فراشها وقالت:
_ تفضل أبي.
دخل صالح مبتسما وقال:
_ كيف عرفتِ أنني الطارق.
ابتسمت وهي تفسح له المجال كي يجلس بجوارها وقالت:
_ نعم، لأن أمي تدخل فجأة دون أن تطرق الباب.
هز رأسه بيأس وقال:
_ أنا آسف لكِ عزيزتي، لا تأبهين لكلام والدتك، أنتِ تعرفين سلبيتها وتفكيرها المحدود..
أومأت بموافقة فقال:
_ أخبريني حياة، ها هناك شيئا ينبغي أن أكون على علم به؟ أقصد بخصوص فسخ خطبتك من خالد.. هل هناك شيئًا تخفينه؟
نظرت إليه بحيرة وتلعثمت بينما كان هو يرمقها بتشجيع ويحثها على التحدث بحرية فقالت:
_ صراحةً أبي.. أنا لا أعلم.. لا أفهم إحساسي، الشيء الوحيد المفهوم الآن بالنسبة لي هو أنني سعيدة. أشعر بالخفة وكأنني فراشة..
ابتسم وقال رابتا على ظهرها:
_ الحمد لله حبيبتي ، وأنا أعدك أنني سأكون بجوارك في أي قرار تتخذينه، المهم أن تكوني سعيدة.
احتضنته وقالت:
_ أحبك أبي.
_ وأنا أحبك حياة..
هيا تصبحين على خير.
***
في اليوم التالي..
اتصلت سارة بقاسم وأخبرته أنها تود أن يوصلها إلى بيت سيف حيث سيجتمعون سويا للمذاكرة.
ذهب قاسم على مضض ولكنه كان مضطرا واصطحبها إلى بيت قاسم وتركها وأخبرها أنه سيعود ليأخذها بعد ساعتين.
ودعها بعيون قلقة، ولكن بالرغم من خوفه إلا أنه شعر بالاطمئنان قليلا لأنها أخبرته هذه المرة بالحقيقة ولم تتلاعب عليه كما كانت تفعل سابقا.
وذهب للاطمئنان على صبر حتى يحين موعد عودتها.
وصلت سارة إلى بيت سيف، استقبلها هو بعناق حار كالمعتاد، دخلت ولكنها لم تجد أيا من رفاقها التي اعتادت وجودهم فقالت باستغراب:
_ ألم يأتِ أحدا بعد؟
أحاط خصرها بيده وهو يتقدم بها نحو الصالون وقال:
_ ليس بعد، دعينا ننتظرهم.
سارت برفقته بخوف وجلست فجلس إلى جوارها وقال وهو يزيح خصلاتها عن جبهتها ويعيدها خلف أذنها:
_ لمَ وجهك شاحب هكذا؟
_ قلة نوم وإرهاق ليس أكثر.
أخرج من جيب سرواله قرص مخدر وقسمه إلى نصفين ودس نصفه بفمها فجأة والنصف الآخر بفمه وهو يقول:
_ لن تشعري بالإرهاق بعد قليل.. ما رأيك أن نرقص ريثما يأتي البقية؟
_ حسنا.
نهض متجها إلى مشغل الموسيقى فبصقت ما دسهُ بفمها فورا وأخفتهُ، ثم نهضت وقامت بتشغيل موسيقى هادئة، ضمها هو إلى صدره فأحاطت خصره وأسندت رأسها على صدره وأخذا يتراقصان على ألحان الموسيقى الهادئة.. وفجأة شعرت بالاضطراب والقلق عندما شعرت بيده تتلمس جسدها بطريقة مزعجة فحاولت التملص من بين يديه ولكنه كان مصرًا فمال عليها وهو يقول:
_ ما بكِ حبيبتي، هيا لا تكوني غليظة.
_ سيف ماذا تفعل؟ ما بك؟ هل جننت؟
حاولت الفرار من بين قبضته مرة أخرى ولكنه أحكم قبضته حولها وقال وهو يقترب منها بطريقة أفزعتها:
_ أفعل ما أمنع نفسي عنه في كل مرة، ولكن الآن الفرصة قد سنحت لي أخيرا.. من الآن ستكونين لي..
نظرت إليه بغضب وقالت:
_ ما هذا الهراء يا مجنون؟ سيف بيننا اتفاق لا تنسى هذا..
_ اللعنة على هذا الاتفاق، أنا لا أعترف بأي اتفاق، لا أعترف بأي شيء سوى بأنني أعشقك.
_ ابتعد يا محتال، يا كذاب، هذا يعني أنك من اتفقت معهم على عدم الحضور اليوم، أليس كذلك؟ نصبت لي فخًا يا قذر!
قال وهو يحاول التقرب منها عنوةً:
_ أنا لم أدعُ أحدا للحضور سواكِ.. هيا حلوتي لا تضيعي الفرصة!
نظرت إليه بصدمة وقالت وهي تدفعه للوراء بضيق:
_ هذا يعني أنك خدعتني!
نظر إليها بضيق وعصبية وقال:
_ ما بكِ سارة؟ لمَ تتظاهرين وكأنكِ مصدومة بما أفعله؟ أنتِ تعرفين نوايايَ منذ زمن ولا تمانعين؛ وإلا لماذا تأتين في كل مرة ؟ بربك لا تهذين بالاتفاق اللعين هذا مرة أخرى.
نظرت إليه بصدمة وقالت:
_ اخرس أيها الحقير ، لقد تفاجئت بحقارتك الآن فقط!
نظر إليها مغتاظا وقال وهو يحاول الإيقاع بها كالفريسة:
_ أنتِ لم ترِ أيا من حقارتي بعد، أنا أحقر مما تظنين.
وانقض عليها فجأة يود محاصرتها بينه وبين الحائط من خلفها ومال عليها بجذعه ولكنها فجأة ضربته بركبتها أسفل معدته فانحنى للأمام صارخا بألم؛ فهرولت راكضةً للخارج ولاذت بالفرار.
كانت تسير في الطرقات وهي تبكي، ودت لو أنها تقوم بالاتصال بقاسم وتخبره بما حدث، ولكنها لا تضمن ردة فعله أبدا، لذلك أوقفت سيارة أجرى استقلتها وانطلقت نحو البيت فورا.
***
كان قاسم قد انتهى من زيارة صبر للتو، خرج من المشفى وركب سيارته فإذ به يرده اتصال من فتون..
_ مرحبا سيدة فتون.
_ قاسم، لقد عادت سارة للتو وهي منهارة، دخلت غرفتها ولا تسمح لي بالتحدث معها والاطمئنان عليها.
سألها بقلق:
_ ألم تخبرك ما الذي حدث؟ ما سبب تلك الحالة؟
_ لا، لم تقل شيئا، أرجوك أن تأتي وتتحدث معها.
_ حسنا، أنا في الطريق إليكما.
أنهى الاتصال واتجه في طريقه إليهم على الفور، في تلك الأثناء اتصل به سيد أكثم وأبلغه أنه قد اشترى الشقة بالطابق الخامس لتنتقل إليها كلا من فتون وسارة من الغد..
بعد قليل كان قد وصل إلى فيلا حبيب، دخل فكانت فتون تجلس بترقب، وفور أن وصل أشارت له للأعلى فصعد إلى الطابق الثاني واستدل على غرفة سارة من أصوات البكاء والصراخ التي تنبعث منها.
اقترب قاسم من الباب وطرقه وهو يقول:
_ سارة، أنا قاسم، هل أنتِ بخير؟
فورا هدأ نحيبها واختفت أصوات الصراخ والنشيج، وانفرج الباب ثم ظهرت سارة التي احتضنت قاسم بقوة فور أن رأته.
تيبس أرضا وقد هالتهُ الصدمة والتزم الصمت بينما هي تلف ذراعيها حول خصره وتبكي بقوة.
ربت أخيرا على رأسها وهو يقول:
_ اهدئي سارة، لا بأس كل شيء سيمر.
سكنت أخيرا وابتعدت عنه وهي تنظر إليه بعينين منتفختين من أثر البكاء وقالت بجمل مداخلة:
_ أريد أبي يا قاسم، سيف هذا أكبر حيوان رأيته بحياتي، أريد أبي بجواري، هذا ظلما!!!
دخلت في نوبة بكاء جديدة وأسندت ظهرها إلى الباب من خلفها وأخذت تنتحب بقهر، كان يقف صامتا يشعر بقلة الحيلة والعجز وهو يراها بتلك الحالة.
حانت منه التفاتة نحو الدرج فوجد والدتها تقف وهي تراقب حالة ابنتها وتبكي بصمت وشفقة.
_ سارة، اهدئي من فضلك، أخبريني ماذا فعل هذا؟
ازداد بكاؤها ودخلت فجلست على الأريكة الموضوعة بالزاوية فاقترب قاسم وجلس بجوارها وقال:
_ سارة من فضلك أخبريني ماذا حدث؟ هل هذا الشاب تعرض لكِ؟
أومأت بنعم وهي لا تزال تبكي، أغمض عينيه بضيق وندم ، ندم لأنه لم يمنعها من الذهاب إلى بيت ذلك الحيوان، وقال محاولا كبت انفعالاته:
_ أخبريني حالا ماذا فعل؟
_ حاول التحرش بي!
تهدجت أنفاسه بضيق ونهض واقفا وقال:
_ كيف حدث ذلك؟ وأين كان أصدقائك؟
_ الحقير نصب لي فخا، لم يبلغ أحدًا بالموعد سواي.
تنهد بضيق وهو يتمتم متوعدا:
_ أقسم أنني سأعيد تربيته من جديد هذا السافل!
نهضت تستجديه وهي تقول:
_ لا، أرجوك قاسم، لا تفعل شيئا.
نظر إليها متعجبا وقال بضيق:
_ كيف لا أفعل شيئا؟ هذا الحقير كان يتحرش بكِ، هل سيمر ما فعل مرور الكرام؟!
أمسكت بيده وضغطت عليها بكفها الرقيق وهي تقول:
_ أرجوك أنا لا أثق فيما سيفعله أو سيقوله، الأفضل أن أصمت!
نظر إليها متعجبا وقال:
_ ماذا تقصدين؟ مما أنتِ خائفة بالتحديد؟
نظرت إليه بأسف وقلة حيلة، وتنهدت وهي تترك يده وتتجه لتجلس على الأريكة من جديد؛ فاتجه وجلس بجوارها وهو ينظر إليها بخوف وقال متحفزا:
_ سارة من فضلك أخبريني بصراحة، مما أنتِ خائفة وتريدين السكوت عن حقك لأجل ذلك؟ فيما أنتِ متورطة مع هذا السافل؟
نظرت إليه بخوف؛ فحثها بعينه لتتحدث فقالت:
_ أنا وسيف متزوجان!
نظر إليها مصدومًا، فاغرا فاهُ بذهول وكأنه فقد القدرة على النطق، بينما استرسلت هي وقالت:
_ منذ سنة تقريبا، أخبرتك سابقا أن سيف هو الوحيد الذي مد لي يد العون والدعم في حين كنت أتعرض للتنمر من الجميع خاصةً بعد أن فضحتني صديقة سابقة وقالت لأصدقائي أن والدي محكوما على ذمة قضية قتل وليس مسافرا للخارج كما كنت أدعي. وقتها تعرضت لكم بشع من التنمر والسخرية لدرجة أنني أقدمت بالفعل على إنهاء حياتي والانتحار، في تلك اللحظة ظهر سيف أمامي.. دعمني ومنحني الشعور بالحب الذي كنت أفتقده، أحببته كثيرا وشعرت نحوه بالأمان، عرض عليّ أن نتزوج، قال أن زواجنا سيكون صوريا حتى نبلغ السن القانوني ويتحول إلى زواجا رسميا. وافقت.. كتبنا عقدا عرفيا واحتفظ به معه.. لا أحد من زملائنا يعرف بأمر الزواج، يعرفون فقط أننا مرتبطين.
كان يحاول التماسك والتحلي بالصبر ولكنه لم يستطع الصبر فسألها بخوف وترقب شديدان:
_ هل حدث بينكما شيئا ما؟
قالت بعد أن تخضب وجهها بخجل:
_ لمرة واحدة حدثت بعض التجاوزات وبعدها رفضت، أبرمنا اتفاقا أن ما حدث ذلك لن يحدث ثانية، وبالفعل كان ملتزما بذلك الاتفاق، ولكن اليوم جن وتفاجئت به يتحرش بي وعندما منعته قال أنني أعرف نواياه وأذهب من أجل ذلك.
كان يسند جبهته على قبضته وهو يستمع إليها وهي تسرد تفاصيل ما حدث وهي تبكي بحرقة وتقول:
_ الحقير، لا يستحق الثقة التي كنت أضعها به أبدا.
نظر إليها بوجه خالٍ من التعابير وقال:
_ هل كان بوعيه عندما فعل ذلك؟
نظرت إليه بترقب ثم هزت رأسها بنفي وقالت:
_ لا، لقد تناول نصف قرص مخدر أمامي ولكن أعتقد أنه لم يكن هذا فقط.
نظر إليها متصنعا الصدمة وقال:
_ هل يتناول مخدر؟! يا إلهي، هل أرغمكِ قبل ذلك على تناول تلك الحبوب؟ أخبريني سارة حالا..
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
_ أجل.
توسعت حدقتيه بصدمة وهو يستمع إليها وهي تقول:
_ في البداية هو من اقترح علي تلك الأقراص، قال أنها تحسن المزاج وتساعد على التركيز وزيادة النشاط .. وافقتهُ وتناولتها وبالفعل وجدت تأثيرها واضحا، كنت أتناولها من حين لآخر في الخفاء ولكنني تفاجئت أن معظم رفاقنا يتناولونها بكل بساطة، لأجل تحسين المزاج وزيادة النشاط.. صعقت أنهم يتعاطونها حتى في المدرسة ويتهادون بها، أصبح الأمر عاديا بالنسبة لي كذلك، حتى…
نظر إليها متعجبا وهز رأسه بتساؤل فقالت:
_ حتى أنني أصبحت من أشتريها لهم من باب التهادي وكسب ودهم.
ارتفع حاجبيه بصدمة وهو يستمع لتصريحاتها تلك التي لم يتوقعها أبدا وقال:
_ أنتِ من تشتريها لهم؟
أومأت بموافقة وقالت:
_ أجل، عندما كنا نجتمع كنا نتناولها من أجل المرح.
_ كيف كانت طبيعة اجتماعاتكم تلك؟
_ كنا نرقص ، نمرح ونضحك، نتحدث ونتناول الطعام والمشروبات.
أومأ متفهما بضيق وأخذ يهز رأسه لثوان طويلة ثم قال:
_ ومن أين كنتِ تشترين تلك الحبوب؟ كيف عرفتِ طريق الوصول إليها؟
_ سيف هو من دلني على صيدلي اسمه خالد وبعدها أصبحت أنا من أتعامل معه.
نظر إليها بصدمة ودق قلبه مرات قبل أن يسألها:
_ خالد؟ صيدليته بميدان الساعة؟
أجابت وهي تمسح دموعها:
_ أجل.
أخرج هاتفه وبحث عن صورته على أحد مواقع التواصل وقال:
_ هذا هو خالد؟
أومأت بتأكيد وقالت:
_ أجل، هذا هو، ولعلمك هو مشهور في الميدان ببيعه للأقراص المخدرة، الجميع يقصده.
أومأ متوعدا وتولدت بداخله طاقة حقد و كره كبيرة ، ثم نظر إليها وقال:
_ حسنا، خالد هذا حسابه معي عسيرًا أساسا، و سيف ذلك أنا كفيل به، أما أنتِ..
صمت وأطلق تنهيدة حارة بينما هي تنظر إليه بترقب وتحفز فقال:
_ أنتِ ستبدأين من جديد ، سنمحي كل الماضي بكل ما فيه ونبدأ من جديد، نكتب حاضرا مشرقا ومشرفا.. اتفقنا؟
نظرت إليه بابتسامة امتنان وقالت:
_ اتفقنا.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نعمة حسن
بعد أن خرج قاسم من غرفة سارة، اتجه إلى فتون التي كانت تجلس على مقعدها بثبات، وبمجرد أن وقف أمامها تساءلت بلهفة ممزوجة بالكبرياء:
_ ما بها سارة؟ هل عرفت ما سبب حالتها تلك؟
مسح وجهه بضيق وحاول التحدث بهدوء بالرغم من الضجيج الذي يملؤه وقال بلهجة غريبة عليه:
_ من فضلك كوني أمًا حقيقية ولو لمرة واحدة فقط!
نظرت إليه بتعجب واستياء مخلوطان بالدهشة وقالت:
_ عفوا؟ ماذا تقصد؟
زفر بقوة وهو يشعر وكأن بركانًا بصدره على وشك الثوران وقال بصوت مهزوز لأول مرة:
_ قصدي أنتِ تفهمينه سيدة فتون، تلك المسكينة ابنتك ليس لها ذنبًا أبدا كي تواجه كل تلك الصدمات وتخوض كل تلك الأزمات فقط بسبب مشكلة بينك وبين والدها جعلتكِ تتنصلين من أمومتك وتنكرين حقوقها عليكِ كأم! ما ذنب سارة فيما بينك وبين سيد حبيب؟ لمَ تبتعدين عنها وتتركيها تلاطم الموج وحدها بهذا الشكل؟
نهضت بحدة، ووقفت أمامه محاولةً الدفاع عن نفسها وهي تقول:
_ أنا لم أبتعد عنها ولم أتخلى عن دوري كأم، قلتُ لك سابقا لقد عرضت عليها المساعدة، وحاولت أن أقرب منها ولكنها رفضت!
أومأ موافقا وقال بإصرار جعل صوته يرتفع ويبرز عاليا مدويًا في أرجاء المكان كله:
_ لذلك أطلب منكِ أن تكوني أمًا حقيقية! لأن الأم الحقيقية لا تمل أبدا، الأم الحقيقية لا يعجزها شيئا عن التودد وكسب قلوب أبناءها، الأم الحقيقية لا تيأس ولا تكتفي بعدة محاولات هزيلة، الأم الحقيقية تدافع عن حقها في أولادها بشراسة، الأم الحقيقية تدافع عن أمومتها باستماتة، الأم الحقيقية تحاول مرة وعشرة ومليون مرة حتى تكسب ثقة أولادها، الأم الحقيقية تحارب من أجل راحة أولادها بأظافرها إن تطلب الأمر!
وهدر صوته عاليا بقوة وهو يتمهل في نطق كلماته علّها تستيقظ من تلك الغفلة:
_ لذلك أرجوكِ أن تكوني أمًا حقيقية ولو لمرة واحدة!!!
اهتز بدنها وارتجفت وهي تستمع إليه يتحدث إليها بذلك الانفعال ويستطرد بحدة أقل:
_ لقد مررتِ بأيام قاسية أعرف، يمكنني أن ألتمس لكِ العذر لأنك لا تعرفين كيف تتعاملين معها، لا تجيدين توجيهها، لا تجيدين تقييمها، لا تجيدين نصيحتها، ولكن…
تنهد وتهدل كتفيه بحزن وعجز وهو يقول بيأس:
_ ولكن ألا تجيدين ضمها؟
امتلأت عيناها بالدموع وجلست على مقعدها مرة أخرى وهي تشعر بوهن قد أصابها فجأة وأسقطت رأسها أرضا وهي تستمع إليه يقول:
_ ضمة واحدة تكفي! عناقًا واحدًا يدفء قلبها ويشبع إحساس الفقد واليتم اللذان تعيشهما، عناقًا واحدًا يطمئنها، عناقًا واحدًا يعيدها للحياة.
ارتجفت شفتيها بحزن وابتلعت ريقها باضطراب بينما تابع هو قائلا:
_ كيف تتعامل الأم البكماء مع أولادها؟
رفعت إليه عيناها المحتقنتين باستغراب واستفهام فقال موضحًا:
_ إذا كانوا لا يجيدون فهمها فهي لا تستطيع توجيههم، لا تستطيع مدحهم أو حتى ذمهم، لا تستطيع نُصحهم، لا تستطيع فعل شيء سوى الاستماع إليهم وعناقهم!
وأدت هاتين الدمعتين العالقتين بأهدابها وحاولت رسم الجمود على ملامحها بينما قلبها يهتز بين ضلوعها وتكاد أن تسمع صوت دقاته الصاخبة.
_ إذا استطعتِ كوني أمًا بكماء كل ما تجيدين فعله هو الاستماع إليها وعناقها، هذا يكفيها وبشدة.
وتابع بعد أن زفر بيأس:
_ سارة تحتاجك، تحتاجك وتحتاج حنانك، تحتاج حضنك، سارة أشد الفاقدين للحنان والطمأنينة، أرجوكِ لا تبخلي عليها بأبسط حقوقها.
وتركها وغادر دون أن يضيف كلمة أخرى، حينها نظرت فتون إلى الطابق العلوي حيث تقف ابنتها تستند على السور الخشبي وتراقب ما يحدث بأعين نازفة.
أغمضت فتون عينيها بقهر وأسندت رأسها على ظهر المقعد من خلفها وقبضتيها تشتدان حول يدي المقعد بشرود.
بينما أسرعت سارة إلى غرفتها مجددا وهي تبكي شعوراً دوربالوحدة والضياع يملؤها بعد أن حفر قاسم مخالبه بعمق في جرحها الغائر.
في اليوم التالي..
استيقظت عنبر من نومها ونظرت إلى جوارها فلم تجد عبدالله، شردت وهي تتحدث إلى نفسها وتقول:
_ أين ذهب هذا منذ الصباح!
نهضت وخرجت من غرفتها وهي تبحث عنه فوجدته يقف بالشرفة وبيده الهاتف ويتحدث به بصوتٍ خافت ويقول:
_ أجل، وعندما تجد المشتري عمولتك جاهزة، ولكن أرجوك في أقرب وقت!
أنهى الاتصال وتفاجأ بها وهي تقف خلفه وتقول:
_ مع من كنت تتحدث؟ وعن أي مشترٍ تبحث ولماذا؟
طالعها ببرود ورمقها بنظرة استفزازية وقال:
_ صباح الخير زوجتي العزيزة، أعدي لي الفطور سريعا، لدي موعدا هاما.
تجاوزها متجها للغرفة مرة أخرى فذهبت إليه وقالت:
_ أريد الذهاب لرؤية أبي وأمي اليوم، لا توصد الباب رجاءً.
_ لا، بإمكانك الاتصال بهما والاطمئنان عليهما. هذا يكفي.
نظرت إليه بغضب، وتوسعت حدقتيها الرماديتين بضيق واضح، ووقفت أمامه بتحدي وقالت:
_ لقد تماديتَ كثيرا عبدالله ، أنا لا أعرف على أي ذنبٍ أُعاقب! أنت تمنعني من الخروج وترفض أن تزورني أمي، حتى هاتفي وهاتف المنزل استوليت عليهما وكأنني أجرمت وارتكبت ذنبًا أستحق عليه هذا العقاب، في المقابل أنا لم أفعل شيئا من الأساس، هل سأظل مدى الحياة حبيسة هنا ومعزولة عن العالم؟
نظر إليها بضيق وضجر، واقترب منها قائلا:
_ نعم، إلى أن يروق لي الإفراج عنك، أو يزول ذلك الشك بداخلي، اعذريني عزيزتي لا زال الشك يساورني أنكِ ارتكبتِ خطأّ ما وللأسف لا أعرفه، فلذلك من الأفضل أن تتقبلي الأمر الواقع. ثم إن العزلة غنيمة لا تقدرين قيمتها كما لا تقدرين قيمة أشياءً أخرى كثيرة.
واتجه نحو الخزانة وهو يستعد لتبديل ملابسه وقال:
_ لا تعدي الفطور، أساسا فقدت شهيتي.
خرجت من الغرفة وجلست تبكي وهي تراه يخرج متأنقا ثم يوصد الباب من الخارج كالمجنون. انهارت وزاد بكاءها وهي تحدث نفسها وتقول:
_ يا إلهي، لقد سئمت، هذا الظلم.
كانت حياة تستعد للخروج لشراء بعض مستلزمات الكلية، رن هاتفها برقم قاسم فاتسعت ابتسامتها وهي تجيب:
_ صباح الخير قاسم.
_ مرحبا حياة، لقد اتصلت بكِ كي أطلب منك طلبا، اليوم لن أستطيع زيارة صبر، لدي مهامًا متعددة، هل يمكنك القيام بذلك من فضلك؟
لاحظت نبرته التي يفوح منها الضيق فتساءلت باهتمام:
_ قاسم هل أنت بخير؟ صوتك يبدو مهمومًا.
_ أنا بخير لا تقلقي، هل يمكنك زيارة صبر؟
تعجبت إصراره وأنه تجاهل الشق الثاني من سؤالها، مما أكد لها أنه فعلا ليس بخير فقالت:
_ نعم بكل تأكيد.
_ حسنا، أشكرك حياة، مع السلامة.
أنهى الاتصال فجأة ولم ينتظر حتى جوابها فأخذت تنظر إلى الهاتف بيدها بتعجب وقالت:
_ ماذا به هذا الرجل الغامض!
رفعت حَشيّة السرير حيث تخفي اللوحة بأسفلها وأمسكت بها وهي تنظر إلى نصف وجه قاسم وتحدثه قائلة:
_ صباح الخير سيد قاسم، أرجو ألا يكون النوم أسفل الحَشيّة مرهقا!
ضحكت ببلاهة وهمّت بإعادة اللوحة مكانها من جديد ولكن والدتها فتحت الباب فجأة ودخلت فارتبكت حياة وأخفت اللوحة وراء ظهرها وهي تقول بعصبية:
_ صباح الخير أمي، من فضلك هلّا طرقتِ الباب قبل الدخول؟ ما فائدة الباب المغلق إذًا طالما أنه لا يُطرق؟
_ ما الذي تخفينه وراء ظهرك؟ ها؟
أغمضت عينيها بضيق وقالت:
_ هذا شيء يخصني.
اقتربت منها أمها وهي تقول:
_ وما هو هذا الشيء؟ أريني إياه.
تراجعت حياة للخلف وهي لا زالت تمسك باللوحة خلف ظهرها وتقول:
_ أرجوكِ أمي كفاكِ اقتحاما لخصوصياتي، من فضلك أخرجي الآن!
نظرت إليها صفية بضيق وحدة وهي تقول:
_ تطردين أمك؟ هل هذه تصرفات فتاة محترمة؟
دبت حياة بقدمها الأرض بغيظ وضيق وهي تقول:
_ من فضلك أمي أخرجي، يا إلهي.. لمَ تتطفلين على خصوصياتي بهذا الشكل؟
طالعتها بحنق وقالت بلهجة ساخرة ممزوجة بالتعنت:
_ خصوصياتك؟! وهل هناك خصوصيات تخفينها عن أمك؟
صرخت حياة بكل ما أوتيت من قوة وهي تستغيث بوالدها قبل أن تنفجر باكية وقالت:
_ أبـــي!!! من فضلك تعال!
خرج صالح من غرفته متجها إلى غرفة حياة وهو يتطلع نحوهما باستغراب ويقول:
_ ماذا بكِ حياة؟ لمَ تصرخين بتلك الطريقة ؟
سالت دمعاتها بضيق وقالت:
_ من فضلك أبي، أمي لا تحترم خصوصيتي، هل من حقها أن تنتهك حريتي بهذا الشكل؟
زاد جنون صفية واشتعل فتيل غضبها وهي تقول بانفعال مماثل:
_ حسنا حياة هانم، اركضي فورا واستغيثي بأبيكِ لأنكِ تعرفين أنه حتما سيقف بجوارك حتى لو كنتِ مخطأة نكايةً بي.
ونظرت إلى زوجها الذي يقف متعجبا الموقف وقالت بإصرار:
_ والآن يا والدها، ابنتك تخبئ خلف ظهرها شيئا ولا تريدني أن أراه، هيا اذهب وانظر ما الذي تخفيه بذلك الإصرار.
_ وما شأنكِ أنتِ؟
قالها بهدوء فنظرت إليه بصدمة وقالت:
_ عفوا منك؟ ماذا يعني ما شأني؟ شأني أنها ابنتي ويحق لي معرفة كل شيء يخصها.
_ لا، لا يحق لكِ، حياة ليست طفلة، حياة بالغة عاقلة، لها خصوصياتها كما لكِ أنتِ خصوصياتك التي لا تريدين لأحد التعدي عليها.
ارتفع حاجبيها بضيق وانزعاج وقالت:
_ ولكن أنا متأكدة أن الشيء الذي تخفيه خلفها هذا سيثير جنوني إذا رأيته، لذلك هي تخفيه، لأنها تعرف أن ردة فعلي لن تكون لطيفة بالمرة.
وحاولت الاقتراب من حياة وهي تقول:
_ ماذا تخفين يا فتاة؟ أقسم أن أقيم قيامتك.
نظرت حياة لوالدها وتوسلتهُ بعينها فهدر صوته حاسمًا وهو يقول:
_ توقفي صفية، هل جننت؟ اتركيها وشأنها.
وأشار إلى الباب وقال:
_ هيا أخرجي حالا.
نظرت إليه زوجته بغضب فقال بتصميم:
_ حالا.
نقلت صفية بصرها بينهما بانزعاج وخرجت من الغرفة وهي ترغي وتزبد، بينما انفجرت حياة باكية وأخذت تشهق بضيق وهي لازالت تتشبث باللوحة و تخفيها وراء ظهرها بإصرار.
اقترب منها والدها وضمها إليه وقال:
_ لا بأس عزيزتي، أنا آسف لكِ بالنيابة عنها.
أسندت حياة جبهتها على كتف والدها وظلت تبكي، وبينما هو يحاول تهدئتها مدت يدها إليه باللوحة على استحياء وهي تتحاشى النظر إلى عينيه.
أمسك صالح اللوحة ونظر بها واستغرق منه الأمر ثوانٍ حتى استوعب أنها عبارة عن نصف وجه لكل من قاسم وحياة ممزوجان بحرفية عالية.
قطب جبينه متعجبا وبدأ تعجبه ذلك يتحول إلى دهشة عندما أدرك القصة وراء تلك اللوحة، ثم نظر إلى حياة بحيرة وهي تنظر أرضا كالمذنبة وتقول:
_ خشيتُ أن تراها أمي، إذا رأتها لن ترحمني وستحيل حياتي إلى جحيم.
_ حياة.. ابنتي.. ماذا وراء تلك الرسمة؟ هل كنتِ تعبثين فقط وقمتِ برسمها؟ أم أن هناك سببا آخرا؟
ألقى سؤاله الأخير وهو بداخله يرجو أن يكون جوابها منافيا للإجابة التي يستحضرها ذهنه الآن، ولكنها لم تجب، انخرطت في نوبة بكاء جديدة ووضعت كفيها أمام عينيها وأخذت شهقاتها ترتفع؛ فجلس بجوارها وربت عليها قائلا بحنوٍ بالغ:
_ حبيبتي لا تبكي، في النهاية هي مجرد لوحة لا تستحق ذلك الانهيار، اهدئي من فضلك.
سكنت فجأة وتراجعت عن البكاء، ومسحت آثار الدموع وأمسكت باللوحة وشقتها إلى نصفين وهي تردد بلا وعي:
_ أجل، هي مجرد لوحة، لا ينبغي أن تكون أكثر من ذلك.
وأخذت تمزقها لأجزاء بعشوائية وهي لازالت تبكي وتتمتم:
_ هي مجرد لوحة ، ها قد قطعتها وانتهى الأمر.
فتحت درج مكتبها وأخرجت كيسًا وبدأت بجمع أجزاء اللوحة الممزقة ووضعتها بذلك الكيس ونظرت إلى والدها وقالت:
_ والآن مكانها الصحيح هو القمامة.
وألقتها بسلة مهملات غرفتها ونفضت يديها وهي تقول بابتسامة ممزوجة بالحزن:
_ ها قد انتهينا.
وهمت بالخروج من غرفتها إلا أنها عادت والتقطت الكيس من القمامة وهي تنظر إلى والدها وتقول:
_ لا يمكنني تركها هنا، أمي ستعود وتبحث عنها لا شك في ذلك.. أفضل حل أن أُلقيها في أي مكب نفايات بطريقي.
وخرجت وتركت والدها جالسًا في حالة يرثى لها.
اتجه إلى غرفته ودخل وأوصد الباب ثم جلس على مقعده وأمسك برأسه في تعب وهو يهز رأسه بغير تصديق ويقول:
_ لا، لا يمكن أن يكون هذا صحيحا، أيعقل؟ حياة تحب قاسم؟!
أوصد عينيه بعجز مردفا:
_ لا، يا إلهي أتوسل إليك، هذا مستحيل!
خرجت حياة وهي تمسك بالكيس بيدها وتسير في الطريق وهي تبكي وتقول:
_ سامحكِ الله أمي، ظللتِ تضغطين علي حتى قمتُ بتمزيقها في النهاية.
وتوقفت عن السير وفتحت الكيس وأخرجت منه أحد أجزاء اللوحة ونظرت إليها وشهقت بفزع وهي تقول:
_ يا إلهي! هذا أنف قاسم!
وعادت تبكي بانهيار من جديد وتقول:
_ بربك أمي ماذا فعلتِ!
استوقفت سيارة أجرى واستقلتها وطلبت منه أن يوصلها للمشفى، وشردت وهي تنظر من النافذة ولا زالت دمعاتها تتسابق على خديها وتهمس بداخلها:
_ أرجوك يا إلهي لا تجعل أبي يشعر بشيء.
وتحدث صوتًا آخر بداخلها يقول:
_ أي شيء حياة؟ أساسا ليس هناك شيئا ليشعر به!
أومأت بموافقة وراحة ومسحت دموعها وهي تردد:
_ صحيح، ليس هناك شيئا ليشعر به ، هي مجرد لوحة كما قال.
ونظرت إلى الكيس الذي تفاجئت أنه لا يزال بيدها وقالت:
_ وأنت، هل سأتجول في الطرقات برفقتك هكذا وكأنني أحمل باقة ورد؟
وعادت لتحدث نفسها بحيرة وضيق وتقول:
_ ولكن .. يا إلهي.. لقد أفنيتُ عدة ساعات في رسم تلك اللوحة، لا يمكنني إلقاءها بتلك البساطة.
وفتحت حقيبتها ووضعت بها الكيس، ثم مسحت دموعها وهي تقول:
_ سأحتفظ بها لحين إشعار آخر.
كان قاسم قد توقف للتو أمام فيلا سيف، ترجل من السيارة بغضب واتجه نحو الحارس الذي تذكرهُ فورا فقال بترحيب:
_ مرحبا بك.. لقد تذكرتك.
طالعهُ قاسم بعصبية وقال:
_ جيد إذًا، هل السيد موجود بالداخل؟
أجابه الرجل بتعجب:
_ لا، سيصل اليوم مساءا.
_ حسنا، افتح الباب.
_ ماذا؟
هدر به قاسم بعنف قائلا:
_ قلتُ لك افتح الباب!!
على الفور انفرج الباب على مصراعيه فدخل قاسم وهو ينادي باسم سيف الذي خرج متعجبا وازدادت دهشته وهو يرى قاسم مقبلًا نحوه كالثور الهائج ويقول:
_ هل أنت سيف؟
_ أجل أنا سيف، من أنت أيها الغبي ومن سمح لك بالدخول…؟
بتر حديثه وفجأة باغته قاسم بلكمة قوية أسقطته أرضًا، فانحنى ورفعه عن الأرض ولكمهُ مرةً أخرى بأنفه حتى سالت الدماء منها وقال:
_ الأولى لأنك أخطأت تقديري، والثانية لأنك أخطأت بحق سارة.
أمسك سيف بأنفه وهو يترنح بألم وقال:
_ سارة! تذّكرتُك.. أنت حارسها الخاص!
أومأ قاسم بتأكيد وقال:
_ جيد إذًا أنك تذكرتني…
وأمسك بتلابيبه وهو ينظر بعينيه بغضب قاتل وقال:
_ إذا تجرأت وتعرضت لها مرةً أخرى صدقني سألحق بك أشد العذاب، من الآن فصاعدا سارة خطًا أحمر، هل فهمت؟
أومأ سيف بتعب وهو يكتم الدم النازف من أنفه بيده بينما تابع قاسم تهديده قائلًا:
_ وإلا.. أقسم أنني سأخبر والديك بكل حقاراتك وأولها تعاطي المخدرات..
نظر إليه سيف بفزع وهلع وقال:
_ لا، لا أرجوك لا تخبر أبي.
أومأ قاسم متمهلا وقال:
_ الأمر يتوقف عليك، إذا لم تبتعد عن طريقها وتتجنبها تماما وتكف لسانك وعينيك عنها صدقني ستعض يديك ندمًا!
تحدث سيف بخوف واضح وقال:
_ أعـ.. أعِدك أنني.. لن أتعرض لها أبدا، صدقني لن أزعجها ثانية.
أومأ متوعدا وهو يمرر لسانه على أسنانه بوحشية وقال:
_ ممتاز، والآن.. أحضر تلك الورقة اللعينة أيها الغبي.
_ ماذا تقصد؟ أي ورقة؟
_ أقصد ورقة الزواج المزيف يا حقير.
أومأ سيف بانصياع وقال:
_ حسنا، حالا.
هرول إلى الأعلى وأحضر الورقتين وعاد بهما إلى قاسم وقال:
_ ها هما.. صدقني أنا لم أكن أنوي إيذائها أبدا.. أنا أحبها حقا .
انتزع قاسم الورقتين من يده وأخرج قداحته وأشعل النار بهما وهو يقول:
_ هذا هو مصير الوهم! الوهم الذي كنت تخدعها به.. يسرني أن أخبرك أن هذا لم يكن زواجا، ما لا تعرفه عزيزي الموهوم أن تلك الورقة لا تسمن ولا تغني من جوع!
كانت النار قد التهمت كل الورقة ما عدا جزءًا بسيطًا فألقاها قاسم أرضا فتحولت إلى رماد، فأشار إليه وقال:
_ الحب لا يصبح رمادا، ولكن الوهم يفعل! الزواج بدون ولي وشهود باطل يا حضرة المراهق، أما بالنسبة لتلك الورقة الخبيثة فها هي!
وداس رماد الورقة المحترقة بقدمه بقوة في إشارة منه لانعدام قيمتها وفائدتها، ثم غادر واستقل سيارته وتحرك منطلقا إلى الهدف التالي.
خرج صالح من غرفته فوجد زوجته تجلس تحاول الاتصال برقم ما ويبدو على وجهها الضيق فقال:
_ بمن تتصلين؟
_ عنبر.
جلس بجوار الهاتف وقال:
_ حسنا، أخبريها أن تأتي لتتناول الغداء برفقتنا غدا.
توترت وتلجلجت أحرفها وهي تقول:
_ وما السبب؟
نظر إليها متعجبا وقال:
_ وهل ينبغي أن يكون هناك سببا قويا يستحق مجيئها لبيت والدها؟
_ لا، ولكن .. أقصد منذ ما حدث وأنت تتجاهلها.. تفرض عليها عقابا قاسيا وتتجنبها وكأنها أول وآخر الخطائين، هل تتراجع عن عقابك الآن؟
تنهد بحزن وقال:
_ إن كان هناك من يستحق العقاب فهو أنا، منذ بادئ الأمر أنا من أخطأت التصرف وسمحتُ لكِ بتضليلي عن الحق، أنا وأنتِ الخطائين الحقيقيين يا صفية.. أما عنبر يكفيها عقابها الذي تناله يوميا بوجودها بجواره.. هيا اتصلي بها.. علينا أن نحسن علاقتها بأختها، لا ينبغي لتلك الفجوة بينهما أن تتسع أكثر.
حاولت الاتصال مجددا دون جدوى فقالت بيأس:
_ الهاتف مغلق.
بدأ القلق يساوره فقال:
_ وهاتف المنزل؟
_ لا تجيب.
قطب جبينه متعجبا وسألها:
_ ربما تكون بالخارج.. أو ربما تكون مريضة. هيا اذهبي واطمئني عليها.
ابتلعت ريقها بتوتر ونظرت إليه بتردد فقال بشك:
_ ما بكِ يا امرأة؟ ما الذي تعرفينه وتخفينه عني؟ تكلمي.
_ عبدالله ، عبدالله يوصد الباب من الخارج ويمنعها من الخروج.
حدق بها مذهولا ونهض عن مقعده وقال:
_ ماذا؟ هل يحبسها؟ هذا الحقير الوغد!
رأته يتجه نحو الخارج وعينيه تتوهجان بالشر فوقفت أمامه تمنعه من الخروج وهي تقول:
_ صالح توقف، أرجوك لا تفتعل المشاكل.
دفعها بعيدا عنه وهو يقول:
_ ابتعدي عن وجهي وانتظري عقابك.
وتركها ونزل متجها لشقة ابنته وهو ينادي بانفعال:
_ عبدالله!!!!!
طرق بقوته على الباب وهو يردد اسمه فاستمع لصوت ابنته وهي تبكي وتقول:
_ عبدالله ليس هنا أبي، ولا أعرف أين ذهب، لقد أوصد الباب وذهب.. أرجوك أبي ساعدني، أخرجني من هنا أرجوك لقد سئمت هذا الحال، عبدالله يمنعني عن زيارتكم ويمنعني من الخروج تماما، حتى أنه سحب مني هاتفي وهاتف المنزل.. بتُ أشعر كأنني في سجن أرجوك لا تتخلى عني أبي أرجوك.
ارتفع صوت بكائها فشعر بالنار تلتهم صدره وبلغ منه الغضب مبلغًا بعيدًا وقال وهو يحاول تهدأتها:
_ لا تقلقي ابنتي، أقسم أني سأحاسبه حسابا عسيرا.
خرج متجها للمحل الخاص به فوجده يجلس واضعا قدمًا فوق الأخرى، أمسك بتلابيبه بعصبية وهو يقول:
_ أنت أيها الحقير الجبان، ماذا تظن نفسك فاعلا؟
_ مرحبا عمي.
قالها متعمدا استفزازه وإثارة حفيظته بينما هتف عمه منفعلا:
_ عمى الدبب يا حقير، كيف تجرؤ وتحبس ابنتي وتمنعها عن زيارتنا وسحبت منها هاتفها،
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نعمة حسن
وصل صالح إلى البيت ومعه عبدالله الذي قام بفتح الباب ودخل فتبعه صالح الذي تفاجأ بابنته في حالة يرثى لها من شدة البكاء وما إن رأت والدها حتى هرعت إليه واحتضنته وهي تردد ببكاء:
- أرأيت ماذا يفعل بي يا أبي؟! هل تترك ابنتك تُهان بتلك الطريقة؟
ربت صالح على ظهرها وقال وهو يرمق عبدالله شزرًا:
- لا عنبر، لن أتركك تحت رحمة ذلك الجبان مجددا.. طلقها.
ذُهلت عنبر التي تخبئ وجهها في صدر أبيها، ورفعت وجهها تنظر لوالدها لتتبين صدق ما سمعته، صدمتها لم تقل عن صدمة عبدالله الذي حدق بعمه بغير تصديق وابتسم ببلاهة، ثم تحولت ابتسامته إلى ضحكات عالية ساخرة وقال:
- ماذا؟ عفوا منك عمي لم أسمع ما قلته جيدا، ماذا قلت؟
نظرت صفية إلى زوجها الذي تنطق عيناه شرًا صريحًا ويبدو أنه لا ينوي التراجع فهمست إليه بخوف وقالت:
- لا صالح، أرجوك لا تهدم بيت ابنتك بيدك، لا تفعل هذا بالله عليك.
نطق صالح بإصرار وتحدٍ وقال:
- قلت لك طلقها، ليست ابنة صالح الحداد من تُعامل تلك المعاملة، ابنتي لا تُهان بتلك الطريقة. طلقها وستتنازل لك عن كل حقوقها.
دب الأمل بقلب عنبر التي تشبثت بذراع والدها تستمد الدعم منه، غير غافلة عن عيني زوجها اللتان تشتعلان غضبا وقال:
- أطلقها أليس كذلك؟ أطلقها لكي تزوجها رد السجون حبيبها القديم، أليس كذلك عمي المحترم؟
نزلت صفعة مدوية على وجهه فجأة من يد عمه أخرسته وجعلته في حالة ذهول تام.
شهقت عنبر بصدمة، بينما لطمت والدتها خديها بحسرة ووقفت أمام زوجها وهي تحدق به كالمجنون وتقول:
- ماذا فعلت؟ ما هذا الذي فعلته يا صالح؟!
دفعها صالح بيده جانبا بقوة فسقطت أرضا ونظر إلى عبدالله وقال:
- أنت أيها الحقير، كيف تجرؤ وتتحدث إلي بتلك الوقاحة؟ من أي صنف أنت؟ من أي جنس؟ دمك ليس دم عائلة الحداد أبدا، نحن لا ننجب شياطينًا مثلك.
كان لا يزال تحت تأثير الصدمة، نظر إلى عمه والغضب يعصف به وقال:
- هنيئًا لكم عمي، و هنيئًا لي أنني الشيطان الأوحد في العائلة، ولكن هذا الشيطان هو من ستر شرفك وحمى عرضك وحفظهُ من أن تلوكه ألسنة الناس.
نظر إليه الجميع بصدمة وأولهم عنبر التي لم تستوعب ما قاله، بينما والدها تحدث قائلا:
- يا خسيس! شرفي هذا أنت من دنسه ولوثه يا حقير، أنت من نال من عرضي يا قذر.
وتقدم منه وأمسك بتلابيبه وهو يقول بعصبية:
- أنت من دنست شرفي يا مجرم، لعنة الله عليك يا خسيس..
حاولت صفية إبعاد زوجها وتهدئته ولكنها فشلت، فقد خرج من دائرة المعقول وانتابتهُ عاصفة من الانفعال والغضب.
- أجل أنا من فعلت، ولكن كان بإمكاني الهرب والإنكار. ولكنني مننت عليها وتزوجتها شفقةً عليك.. أخبرني عمي المبجل، لو لم أتزوج ابنتك حينها من كان سيعطف على حالها ويقبل بزواجها؟ لو لم أتزوجها أنا وتزوجت شخصا آخرا واكتشف ليلة الزفاف أنها ليست عذراء كيف كان سيتصرف معها؟ هل كان سيتغاضى عن فقدها عذريتها ويسترها لأجل سواد عيونها؟ أم أنه كان سيلقي بها على بابك منذ الصباح؟
ثم ابتعد خطوة إلى الوراء باستعراض وقال بانفعال:
- وفي النهاية تكون مكافأتي هي تلك الصفعة؟ كم أنت ظالم عمي.
كان صالح ينظر إليه بنفور واشمئزاز واقترب منه متمهلا وهو يشعر بضيق في صدره ووخزات بقلبه وقال:
- أنت أيها.. الصفيق.. كيف..
تُقطعت كلماته وشعر بوهن يحتل جسده وفجأة سقط فاقدًا وعيه!!!
هرولت عنبر وأمها نحوه وهما تصرخان بهلع وحاولت عنبر إفاقته وهي تردد بفزع:
- أبي، أبي أرجوك، من أجلي أبي لا تتركني أرجووووك…
ونظرت لزوجها الذي يقف خلفها فَزِعًا وأمسكت بتلابيبه وهي تبكي بانهيار وتقول:
- ماذا فعلت يا حقير، أبي مات بسببك..
وأمسكت بوجنتيه وغرست بهما أظافرها كالوحش المفترس وهي تقول:
- أكرهك يا حقير، أكرهك يا جبان يا وغد.
لم يحرك عبدالله ساكنًا وكأنه كان منفصلا عن الواقع، ولم ينتبه سوى عندما هتفت صفية ببكاء:
- لا زال حيا، إنه يتنفس!
هرولت إليه عنبر وجثى بجواره بلهفة ثم وضعت أذنها موضع قلبه لتستمع إلى صوت دقات قلبه ونظرت إلى عبدالله وقالت:
- أحضر الإسعاف بسرعة!
***
في تلك الأثناء دخلت حياة إلى المنزل وبينما كانت تستعد للصعود لشقتهم جذب انتباهها تلك الجلبة بشقة أختها وصوتها وهي تصرخ بزوجها وتطلب منه إحضار الاسعاف.
وبالرغم من أنها كانت تتجنبها تماما منذ ما حدث منها واتهامها قاسم ذلك اليوم، ولكن بمجرد أن سمعت صراخها حتى دب الذعر بقلبها ودفعت الباب المفتوح بقوة ودخلت لتصدم بآخر مشهد كانت تتمناه.
والدها يستلقي أرضا ووالدتها على يمينه وأختها على شماله تبكيان بانهيار وعبدالله يقف يطالع المشهد بهدوء.
ألقت الأغراض من بين يديها وهرولت نحو أبيها وجثت بجواره وهي تهز جسده بقوة وتقول:
- أبي، أبي هل تسمعني؟ لمَ تجلسون هكذا؟ اطلبوا الإسعاف فورا.. أبي أرجوك أجبني..
وصرخت بوجه عبدالله بقوة قائلة:
- هل ستقف متفرجا حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة؟ افعل شيئا.
- لقد نسيت هاتفي بالمحل، سأحضره فورا.
خرج عبدالله مسرعا وفي نفس اللحظة رن هاتف حياة برقم قاسم فأجابت بلهفة:
- قاسم..
- مرحبا حياة، هل ذهبتِ لصبر؟
انفجرت في البكاء فقال بقلق وتوتر:
- ما بكِ حياة؟ لمَ تبكين؟
- قاسم، أبي يصارع الموت.. أرجوك افعل شيئا..
هتف بفزع قائلا:
- ماذا!! أين أنتم الآن؟
- بالبيت، ننتظر وصول الإسعاف..
- أنا في طريقي إليكم، أصلكم بعد دقائق.
أنهى الاتصال وزاد من سرعة السيارة واتجه إلى بيت العائلة فورا.. وصل بعد دقائق تزامنا مع وصول الإسعاف، دخل برفقتهم لشقة عنبر ووقف مكتف الأيدي وهو يراهم يحملون عمه إلى سيارة الإسعاف، بينما بناته يقفن ينتحبن بصمت وزوجته التي أسرعت خلفه لتستقل الإسعاف بجواره..
أسرعت حياة نحو قاسم ووقفت بالقرب منه وهي تبكي بحرقة وتشهق وهي تقول:
- أبي سيموت ويتركني قاسم، أبي سيموت..
أمسك قاسم بوجهها بين كفيه وهو ينظر إلى عينيها مباشرةً ويقول:
- حياة انظري إلي، اهدئي وتماسكي، عمي سيكون بخير.
وخرج من الشقة وهو يمسك بيدها ويسحبها خلفه ويقول:
- هيا بنا، سنلحق به للمشفى.
كانت عنبر تقف أشبه بفاقدةً للوعي، شاردة ومشتتة وقد بعثر ذلك المنظر آخر ذرات تحملها، صرخت بقوة وخرت على ركبتيها بانهيار وأخذت تبكي بصوت عالي.
دخل عبدالله مهرولا نحوها وهو يحاول مساعدتها كي تنهض وقال:
- هيا، سنذهب للمشفى.
نهضت ثم دفعته إلى الخلف بقوة وهي تقول:
- أقسم بالله إن مات أبي بسببك لن أدعك تتنفس لحظة، أقسم سأقتلك بيدي، سأقتلك بيديّ هاتين عبدالله.
التقطت عباءتها وارتدتها على عجالة وخرجت تتبعه إلى السيارة ثم تحركا صوب المشفى.
***
توقف قاسم بسيارته أمام المشفى، فتح الباب وترجل منه مسرعا وفعلت حياة المثل، ثم دخلا إلى المشفى يركضان.
في تلك اللحظة كانوا يصطحبون صالح المستلقي على السرير النقال إلى غرفة العمليات وخلفه يأتي الطبيب مستعدا للحاق بهم فاستوقفه قاسم متسائلا:
- ما به عمي؟ مما يشتكي؟
تحدث الطبيب بإيجاز قائلا:
- ذبحة صدرية، وسيخضع لعملية قسطرة حالا.
انفجرت حياة باكية مرة أخرى ونظرت إلى قاسم باستغاثة وقد انتفخت جفونها من كثرة البكاء فما كان منه إلا أن ضمها بذراعه وأسند ذقنه على مقدمة رأسها وهو يردد بخوف:
- لا بأس حياة، سيكون بخير لا تقلقي.
دخلت عنبر وعبدالله اللذان أثار تعجبهما منظر قاسم وهو يحيط حياة بذراعه.
أغمضت عنبر عينيها وضغطت جانبي رأسها محاولةً صرف انتباهها عنهما وتوجهت لوالدتها التي تجلس على أحد مقاعد الاستراحة وجلست بجوارها وتساءلت عن حال والدها باهتمام.
كان عبدالله يضع يديه بجيب سرواله ويسير ناصبا ظهره، رافعا حاجبيه وشفتيه مقلوبتين في حالة استنكار واستهجان واضحين.
ربت قاسم على أعلى كتف حياة وأشار لها بالجلوس على أحد المقاعد وقال:
- العملية ستستغرق بعض الوقت، استريحي.
جلست بتعب، بينما تحرك هو بخطوات واثقة نحو عبدالله الذي قطب جبينه متعجبا، ومستفهما وهو يرى قاسم يتجه نحوه.
توقف أمام عبدالله ونظر إليه من علوٍ بهيمنة وقال بنبرة حادة:
- إذا تدهورت حالة عمك، أو مات لاقدر الله، أقسم أنني سأجعلك تحفر قبرك بيدك.
ابتلع الآخر ريقه بوجل حاول إخفاءه وقال:
- بأي حق تهددني؟
- لأنك السبب في حالته تلك أنا واثقٌ من ذلك، أساسا أنت دائما تكون خلف كل المصائب!
ضحك باقتضاب متهكمًا وقال بسخرية:
- أنا من أغتصب وأحرق وأقتل وأزور تهمًا أُلقي بها خصومي للسجن أليس كذلك؟
ضحك قاسم ساخراً وأجاب:
- أنت حقير لدرجة أن تكذب وتصدق كذبتك. ولكن أتعلم ابن عمي، أنت تستحق الشفقة بدرجة كبيرة ، إنسان مريض، مهووس بامتلاك ما يملكه غيره، حقود وغيور حد الجنون.
وتابع وهو يضم سبابته وإبهامه إلى بعضهما ويقول:
- صدقني أي إنسان لديه عقل بهذا الحجم لن يكرهك، سيشفق عليك لأنك مسكين تستحق الشفقة.
وتركه وكان بصدد العودة أدراجه ولكن عبدالله استوقفه قائلا بغيظٍ شديدٍ يفترسه:
- أنت المسكين ولستُ أنا، أنا من حصلت عليها وتزوجتها في النهاية.
نظر إليه قاسم باسمًا وحك جانب أنفه وقال بسخرية مبطنة:
- لأجل هذا السبب بالتحديد تستحق الشفقة.
نظر إليه عبدالله مهتاجا وردد بجنون:
- بعد أن فشلت في الحصول عليها سابقا، تجرب حظك الآن مع حياة، تظن أنها فريسة سهلة تستطيع بها سد جوع انتقامك.. تريدها تعويضا عما حدث.. تخدعها وتظهر أمامها مظهر البرئ وأنت وغد حقير، ولكني أفهمك ولن أسمح لك بخداعها وسأكشف لها حقيقتك المرة.
ابتسم قاسم بهدوء وأردف بنبرة جليدية لا حياة بها:
- افعل ما بوسعك، حياة ليست عنبر في النهاية.
***
مرت الساعات بطيئة متباطئة بعد خروج صالح من غرفة العمليات وانتقاله لغرفة الإفاقة، حيث كان الجميع ينتظرون بالخارج..
صفية التي غشاها النعاس من فرط التعب، وبجوارها عنبر التي تسند رأسها على كتفها بحزن، وبالمقعد المقابل لهما تجلس حياة، وبجوارها حنان التي انضمت إليهم فور أن وصلها الخبر عن طريق شقيقها قاسم.
قاسم الذي كان يقف بمقابل باب الغرفة، ساندا رأسه للخلف، يضم ذراعيه في وضع متقاطع وينظر للسقف بشرود.
وفجأة.. توجه بعينه إلى حياة وشرد بها وهو يتذكر حديث خالد، وبعده حديث عبدالله.. وتنهد متمتمًا بداخله وقال:
- ما الذي يراه هؤلاء ولا أراه أنا!
تنهد بحيرة وهو لا يزال ينظر لحياة التي شعرت وكأن أحدهم يشملها بنظراته فنظرت لقاسم لتتفاجأ به يصوب عينيه نحوها بتركيز.
ظلا ينظران لبعضهما البعض وكلا منهما غارقا بأفكاره التي تبتلعه نحو هوة ساحقة.
في الجانب الآخر كان يجلس كلا من عزيز وعبدالله وكلا منهما يدخن سيجارة ويراقب الجو المشحون بصمت.
- أترى؟ سيأكلها بعينيه.
تحدث عبدالله إلى عزيز بغيظ فقال عزيز باستغراب:
- تقصد من؟
نظر إليه عبدالله مغتاظا وردد بسخرية وضيق:
- أبي رحمه الله، بربك من سيكون يا غبي؟ وهل هناك رجلا غيره؟
نظر عزيز إلى حيث ينظر عبدالله واستشف مقصده فقال:
- تقصد قاسم، ومن سيأكل بعينيه؟ هل… هل تقصد عنبر؟
ألقاها بخفوت وابتعد مسافة آمنة للخلف، بينما كوّر الآخر قبضتيه وهو ينظر لأخيه بعصبية وقال:
- أقسم بالله سأباغتك بلكمة تطيح بوجهك وتسقط ملامحك واحدًا تلو الآخر.
ونطق من بين أسنانه بغل:
- أقصد حياة يا غبي.
تجاهل عزيز إهانته بضيق ونظر إليهما مرة أخرى يحاول استيعاب ما يشير إليه أخيه ولكنه لم يتمكن من فهم ما يدور فقال:
- أعتقد أنك مخطئ، ثم أن حياة لا تناسبه أساسا بينهما ما لا يقل عن عشر سنوات..
صمت عبدالله لدقائق بتفكير، ثم نظر إلى أخيه بلهفة وكأن مصباحا قد أضاء برأسه للتو وقال:
- عزيز، لمَ لا تتزوج حياة؟
نظر إليه عزيز بصدمة وعينين متسعتين لآخرهما بذهول وقال:
- ماذا؟!! ما هذا الهراء عبدالله؟
- أي هراء؟ حياة ابنة عمك وأنت أولى بها من الغريب، ثم أن زوجتك على الأغلب لن تنجب مجددا بعد موت ابنتها، إذًا من حقك أن تبحث عن زوجة تستطيع منحك الأولاد.. فلما لا تكون هذه الزوجة هي حياة؟
هز الآخر رأسه بغير تصديق ونفض ذلك الخاطر من رأسه بعنف وهو يردد:
- مستحيل، أنت تهذي، هذا غير مقبول بالمرة، ثم إنني أعشق حنان وأنت تعرف ذلك.
ضحك باقتضاب ساخرا وقال:
- ومن قال لا تعشقها؟! هناك زوجة للحب وزوجة للتكاثر وتكوين الأسرة عزيزي، في المعتاد زوجة واحدة لا تكفي!
وضحك ضحكته المقيتة التي نفر منها عزيز وجعلته ينهض من مقعده المجاور لأخيه، ثم توجه نحو زوجته ووقف بجوارها ثم مسح على رأسها وقال بحنان:
- حبيبتي هل نغادر؟
نظرت إليه بحدة وقالت:
- برأيك هل نغادر ونتركهم في مثل هذه الظروف؟
تنهد بحيرة وقال:
- حسنا، كما تشائين، سأنتظر بالخارج. الجو هنا أصبح مريبًا.
***
رن هاتف عبدالله برقم السمسار الذي وكلهُ ببيع الأرض والسيارة، فأجاب المكالمة مسرعا وقال بلهفة:
- مساء الخير أستاذ عيسى، هل كل شيء على ما يرام؟
- لقد وجدنا المشتري ويريد التنفيذ حالا.
- حسنا، دقائق وأصلك، مع السلامة.
أنهى الاتصال سريعا، وتقدم نحو عنبر التي تغمض عينيها بأسى وهمس بالقرب منها:
- لديّ أمرا طارئا سأقوم بإنهائه وأعود فورا.
لم تعقب وكأنها لم تسمعه، فانصرف هو مسرعًا وذهب حيثما ينتظر السمسار والمشتري ليقوم بإنهاء إجراءات البيع.
بعد حوالي عشر دقائق كان قد وصلهم، اتفق على البيع وسلمهُ العقد واستلم المبلغ، ثم اتجه لمقابلة مشتري السيارة وفعل المثل، وبعد أن تمم المبلغ أخذه وذهب إلى سماهر من فوره.
طرق الباب ووقف ينتظر بشوق، ثوانٍ وانفرج الباب واستقبلته الخادمة وهي تقول بابتسامة:
- مرحبا سيد عبدالله.. سأبلغ السيدة حالا.
صعدت للطابق العلوي وأبلغت سماهر بقدوم عبدالله..
- سيدتي، سيد عبدالله ينتظرك.
تنهدت بحماس وعدلت ثيابها وزينتها، ثم قالت:
- حسنا، عندما أشير لكِ ستفعلين ما اتفقنا عليه.
ونزلت وهي تطرق السلم الخشبي بكعب خُفها الرنان، فوجدته ينتظرها عند أسفل الدرج وهو يحمل بيده حقيبة من الجلد استطاعت تخمين ما بداخلها وقال مبتسما:
- وأخيرا سمهورة، ها هو مهرك حلوتي.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل العشرون 20 - بقلم نعمة حسن
مُحارِب!
أخيرًا سمهورة، ها هو مهرك حُلوتي.
تناولت سماهر الحقيبة وهي تطالعه بابتسامة عريضة وقالت بنبرتها المغناجة:
حبيبي عبده، الآن فقط أنا لك وملك يداك.
اقترب منها بابتسامة واسعة ومال على وجنتها ينوي تقبيلها ولكنها أوقفته وهي تبتعد للوراء وتتمسك بمقدمة قميصه المفتوح وتقول:
انتظر عبده، العقد أولا.
تنهد بقلة صبر وهو ينظر إليها بِقلة حيلة أمام حُسنها وقال بطاعة:
العقد أولا سمهورة.
تحركت أمامه تتمايل بجسدها المنحوت الذي أسال لعابه وجعله يتبعها كالمجذوب وهي تدخل الصالون ثم خرجت وبيدها عقد الزواج وقلمًا ثم وقعت وأعطته له وقالت:
وقع عقد زواجنا عبده.
تناول منها القلم ووقع حيث أشارت له وألقى القلم أرضا وأمسك بذراعيها وهو يقول:
وأخيرا..
انسلتت من بين يديه وهي تضحك بغنج وهي تقول:
ليس بعد..
زفر بضيق وقال:
ماذا بعد سمهورة؟
حلوى زواجنا حبيبي..
وصدح صوتها وهي تقول:
عظيمة.. أحضري الحلوى التي أعددتها.
ونظرت إليه بابتسامة وهي تمسح بأناملها على لحيته النامية وتقول بدلال:
أعددتها بيديّ هاتين من أجلك حبيبي .
أمسك بيديها وقبلها وهو يقول:
سلمت يداكِ حُلوتي، الحُلو لا يصنع إلا الحُلو.
أتت عظيمة وهي تحمل صينية فوقها كأسين من العصير وطبقين من الحلوى وأطلقت زغرودة عالية ثم قالت:
مبارك سيدتي، زيجة العمر إن شاء الله.
من فضلك عظيمة اذهبي لغرفتنا أنا وعبده واتركي الصينية على الطاولة..
وأخذت تعبث بأزرار قميصه بتسلية وقالت بنعومة:
هيا حبيبي لنصعد إلى غرفتنا.. فلتبدأ ليلة العمر.
نفخ صدره بحماس وفجأة انحنى وحملها على ذراعيه وصعد بها إلى الأعلى فأطلقت ضحكتها الرنانة فقال:
زغردي عظيمة..
أخذت عظيمة تطلق الزغاريد متتابعة، بينما دخل عبدالله وسماهر الغرفة فألقاها على الفراش وأخذ يضرب صدره بقبضتيه كذكر الغوريلا وهو يقول:
سجلي تلك اللحظات التاريخية عزيزتي..
وقفز فوقها فابتعدت عن مرماه ونهضت وهي تقول بتلاعب:
الحلوى أولا حبيبي..
ودست معلقة من الحلوى بفمه ثم ناولتهُ كأس العصير وهي تقول:
تفضل حبيبي، اشرب العصير.
تناول منها الكأس وتجرعهُ دفعة واحدة وهو يراقبها وهي تتحرك نحو مشغل الموسيقى وتقوم بتشغيل أغنية وهي تقول:
سنرقص سويا، هذة حفلة من نوع خاص.
صدح صوت الموسيقى الشعبية فبدأت هي بالرقص والتمايل أمامه وهو يراقبها بنهم وعينين مشتعلتين برغبة خبيثة، فتقدمت منه وأمسكت بذراعيه وهي تقول:
أرجوك عبده أرقص معي.
أحاط خصرها بيده وهو يشاركها الرقص ببلاهة ويقول:
لا أصدق ما أراه، تلك الحسناء ملكي أنا؟!
أجل حبيبي ملكك وتحت أمرك، هيا أرقص معي..
الشيء الوحيد الذي لا أجيد فعله هو الرقص سمهورتي، هيا لا تهدري وقتنا الثمين هباءً..
دفعته نحو زاوية بالغرفة مثبتًا بأعلاها كاميرة ثم أحاطت خصره بحزام الرقص وهي تقول:
أرجوك حبيبي، إذا كنت لا تجيد الرقص فما فائدتي إذًا؟ سأقوم ببعض الحركات وعليك تقليدها.. هيا عبده..
أخذت تتمايل بغنج وترقص باحتراف وهي تلح عليه إلحاحًا شديدًا فيقوم بتقليدها كالأبله وهو يقول:
سمهورتي، لم أعُد عبده.. هكذا أصبحت فيفي عبده!
صدحت ضحكتها بأرجاء الغرفة وهي تحاول التمسك بجديتها وتقول:
قلت لك أنه حفل من نوع خاص، هيا أرقص من أجلي عبده..
أخذت تتمايل بجسدها أمامه في إغراء صريح وهي تراقب انفعالاته التي بدأت تخفت شيئا فشيئا وأحست به وهو يقاوم الدوار الذي لف رأسه، ويحاول جاهدا ألا يخضع لحالة اللاوعي التي تبتلعه.
سمهورة.. رأسي.. توقفي عن التمايل أمامي أصبت بالدوار..
لا حبيبي، الليلة ليلتنا يا شيطان الحدادين!
طالعها متعجبا وهو يقاوم كي لا يسقط وهم بقول شيئ ٍ ما ولكنه سقط فجأة غارقا في نومٍ عميق!
زفرت براحة وهي تدنو منه على مهل وتستمع لأنفاسه التي انتظمت ثم تنهدت وقالت:
يا إلهي، كم أنت لزج! وأخيراا…
خرجت من الغرفة سريعا ونادت خادمتها قائلة:
عظيمة، استعدي حالا.
***
كان قاسم لا يزال واقفا أمام باب الغرفة بالمشفى، حينها خرج الطبيب فاتجهوا جميعا نحوه باهتمام وسألهُ قاسم قائلا:
كيف حاله دكتور؟
الحمد لله الحالة مستقرة إلى الآن، سنترقب الثمانية وأربعين ساعة القادمة إذا مروا بدون حدوث أية مضاعفات يمكننا حينها القول أنه سيتعافى تماما.
تنهد الجميع براحة فأضاف الطبيب قائلا:
بالمناسبة ، لا داعي لوجودكم الليلة، يكفي مرافقًا واحدًا.. بالسلامة إن شاء الله.
نظر قاسم إلى حياة التي كانت دمعاتها تتدفق بفرحة وارتياح وابتسم قائلا:
ألم أخبرك، سيكون بخير إن شاء الله.
هزت راسها بتأييد فنظر إليهم وقال:
هيا، سأنقلكم للبيت وأعود، سأرافقه الليلة.
تحدثت صفية على الفور:
لا، أنا من سترافقه.. لن أتركه وأغادر.
قاطعتها عنبر قائلة بجدية وتصميم:
أنا سأبقى مع أبي، اذهبي وارتاحي أمي.
نظرت إليهم حياة بغيظ وقالت بحنق طفولي:
ومما أشكو ؟ لمَ لا أبقى أنا؟
طالعهم قاسم بنفاذ صبر وقال:
سأنقلكم للبيت وأعود. أنا من سيرافقه، انتهى.
اصطحبهم إلى السيارة وتحرك عائدا لبيت العائلة، ركبت حياة بالمقعد المجاور له، بينما استقلت والدتها وعنبر المقعد الخلفي.
همست صفية إلى ابنتها وقالت:
أين عبدالله ؟ لقد غادر فجأة ولم يظهر حتى الآن؟
أشاحت عنبر بوجهها للجهة الأخرى قائلة بحقد:
فليذهب للجحيم، لا يهمني.
تنهدت صفية وأجابت سؤالها بذاتها وقالت:
بالتأكيد يشعر بالخجل ولا يقوى على مواجهتنا بعد ما حدث.
رن هاتف قاسم فجأة برقم سماهر فأجاب قائلا:
مرحبا..
تحدثت سماهر بصوت خافت نسبيا وقالت:
مرحبا قاسم، أود أن أبلغك بآخر التطورات، لقد أتى هذا الأجدب ومعه المبلغ، وهو الآن يرقد بالفراش بغرفتي بعد أن وضعتُ له الأقراص المنومة بالعصير كما اتفقنا..
تحدث متسائلا باختصار:
والورقة؟
لا تقلق، قام بإمضائِها.. والفيديو سأرسله لك بعد قليل.
ضحك بغبطة وتنهد بارتياح قائلا:
ممتاز.. والباقي اتفقنا عليه بالفعل.
أجل،لا تقلق، متى ستأخذ المبلغ؟
غدا إن شاء الله، سنتحدث لاحقا.
حسنًا، مع السلامة.
أنهى الاتصال فنظرت إليه حياة بتعب وتساءلت:
مع من كنت تتحدث؟
نظر إليها رافعا حاجبه وقال مشاكسا وهو يجذب أنفها بخفة:
لا تحشري أنفك يا متطفلة.
ابتسمت حياة وشعرت بالخجل، ثم أشاحت بوجهها للجانب ولم تعقب، على عكس عنبر التي شعرت بقلبها يغلي من فرط الضيق والقهر وأشاحت بوجهها للجهة الأخرى.
***
بعد أن قام قاسم بتوصيلهم للبيت وأخذ بعض الأغراض غادر عائدا إلى المشفى، صعدوا ثلاثتهم إلى الشقة ودخلت صفية إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، ثم دخلت كلا من عنبر وحياة إلى غرفتهم وهوت كلا منهما على فراشها بتعب.
أغمضت حياة عينيها بتعب، ثم فتحتهما فجأة وكأنها تذكرت للتو ونظرت إلى عنبر وتسائلت:
ماذا حدث قبل أن يمرض أبي؟ ولمَ كان موجودا بشقتكما؟
أغمضت عنبر عينيها بانزعاج واضح وقالت:
لقد تشاجر مع عبدالله وسقط فجأة..
الحقير، كنت متأكدة أنه السبب، ولكن أين اختفى فجأة؟ ألم يجدر به الانتظار والاطمئنان على حالة عمه التي هو أساسا السبب بها؟ عديم الإحساس .
تنهدت عنبر بصوت مسموع وقالت:
نعم، هو السبب.. هو السبب بكل شيء، كل حزن نواجهه سيكون هو أساسه؛ شيطان فعلا كما قال أبي.
وغرقت في بحر الذكريات فجأة وأخذت تتذكر كل ما سبق وعاشتهُ على يداه، وانجرفت دمعاتها على خديها بحسرة وهمست:
كنت دومًا أخاف منه، كنت كلما أراه انقبض قلبي واهتز بدني بسبب نظراته المقيتة، كنت أشتكيه لقاسم وأخبره أنني أنزعج منه..
ابتلعت حياة ريقها بضيق وشعرت بالغيرة تنهش قلبها وتساءلت:
وماذا كان يقول لكِ؟
ابتسمت بمرارة وقالت:
كان يقول لي لا تخشي أي شيء وأنا بجوارك، لن يستطيع عبدالله ولا أي إنسان على وجه الأرض أن يؤذيكِ طالما أنا موجود.
وابتسمت بحسرة وقد سالت دمعاتها على جانب خديها وهي تقول:
ولكن ما قاله لم يكن سوى كلامًا، أما الواقع فكان مخالفًا تماما، الواقع أن هذا الشيطان استطاع أذيتي وبقوة.. استطاع أن يبدد كل أحلامي الوردية ويحولها لكوابيس سوداء لا أشم فيها سوى رائحة الموت!
ذات يوم كان لدي حلما جميلا أنتظره بفارغ الصبر ، أصحو وأنام على أمل تحقيقه، وفي ليلة مشؤومة كان من المفترض أن تكون هي أحلى ليلة بحياتي، صارعتُ الموت.. لا أبالغ أبدا.. كانت يداي مقيدتان، قيدهما بحزام سرواله، جردني من ملابسي بقسوة وهو يهتف بصوته المقيت ويقول " أنتِ لي " كان يرددها بهيستيرية وكأنه يثبت لعقله المريض شيئا مستحيلا، حاول تقبيلي ولكني تقيئتُ من شدة النفور ، وهذا ما أصابهُ بالجنون وجعلهُ يكشف عن وجهه السادي بكل بساطة، صفعني بقوة، أخبرني أنه سينالني عنوةً ولن يسمح لقاسم بالزواج مني حتى لو اضطر لقتله، توسلت إليه ولكن بكائي لم يزِدهُ إلا تلذذًا وانتشاءًا، اغتصبني بكل دناءة وخسة.. اغتصب براءتي وشرفي، استباح جسدي بحقارة، وفي النهاية عندما فرغ مني أخبرني أن ما فعلهُ هذا كان عقابا لأني كنت أثير استفزازه دائما وأنني كنت أستحق هذا العقاب. فك وثاق يديّ ثم ناولني ملابسي وهو يقول " لم ينتهِ الأمر هنا، لقد بدأنا للتو ".
كانت حياة تستمع إليها وهي تضم الوسادة إليها وتكتم بها صوت نحيبها وشهقاتها المعذبة، بينما تستطرد عنبر بهدوء وكأنها مخدرة من شدة الألم وتقول:
خرجت بعدها وأنا في حالة يرثى لها، وفوجئت بحسان صديق قاسم يقف على مقربة من البيت، عندما رآني صُعق ولم يكن بحاجة لسؤالي عما حدث فقد كانت حالتي تغني عن السؤال، ملابسي مبعثرة، وجهي مكدوم من أثر الصفعة، وحجابي غير موجود.. وفور رؤيتي له سقطت مغشيا عليّ. ساعدني لأستعيد وعيي وعندما طلبت منه أن يبلغ قاسم خاف وأوقف لي سيارة أجرة على الفور واختفى.
عدتُ إلى البيت وكان الجميع بانتظاري، كانوا يبحثون عني لأن الوقت كان قد حان لحضور المأذون وعقد القران، ولكني عدتُ إليهم بكارثة، عدت إليهم بفضيحة، مطأطأة الرأس أجر أذيال الخيبة والقهر، عدت ميتة بمعنى أصح.
نهضت حياة واتجهت نحوها واحتضنتها بقوة فعانقتها عنبر وانفجرتا في بكاءٍ مدوٍ.. وظلتا على تلك الحالة حتى سكنتا تمامًا وعادت كلا منهما لفراشها من جديد .
***
كان قاسم يجلس على مقعد أمام الغرفة الموجود بها عمه وهو شاردا يتذكر كلام عبدالله الذي أثار ضيقه للغاية، وخاصةً عندما تحدث عن حياة.. أمسك بهاتفه وكان على وشك الاتصال بها لا يدري ما السبب ولكنه تراجع واتصل بسارة…
مرحبا قاسم.. كيف حالك ؟
مرحبا سارة، أنا بخير وأنتِ؟
بخير، ها أنا أجهز أغراضي استعدادا للانتقال، سنكون جيرانا.
وصلتهُ ابتسامتها فابتسم قائلا:
أجل، لولا الظروف التي أمر بها كنت لأكون معكما الآن، ولكنني أرافق عمي بالمشفى لأنه يمر بوعكة صحية.
زال البأس إن شاء الله.
إن شاء الله.
قاسم ، أريد أن أشكرك.. سيف أرسل لي رسالة اعتذار عما صدر منه وقال أنه لن يعترض طريقي أبدا.
ابتسم مطمئنًا وقال:
ممتاز.. أفلح إن صدق.
الفضل يعود إليك، أنت من تكفلت بهذا الأمر، أنت من سندني ودعمني في وقت لم أجد فيه أحدا بجواري، أنت السند الحقيقي قاسم.
ابتسم متأثرا وقال بهدوء:
أنا لم أفعل سوى واجبي سارة، أنتِ بمكانة أختي وهذا واجبي نحوك.
ابتسمت بامتنان وقالت:
شيئًا آخر، والدتي أيضا اعتذرت لي..
استمع إليها بانتباه وهي تحكي بعد أن زفرت براحة:
قالت أنها تعتذر لأنها لم تقم بواجبها نحوي كأم يوما ما، وتعتذر أيضا لأنها أم فاشلة.
وضحت لوتوتر:
أشعر أنه بإمكاننا ترميم علاقتنا ذات يوم.
ابتسم براحة تغمره وقال مؤكدا:
بالتأكيد عزيزتي، يمكننا إصلاح كل شيء.
إن شاء الله.. ها بالمناسبة.. متى سنزور أبي؟
ابتسم واتسعت ابتسامته وقال:
متى أردتِ أنتِ.
الأسبوع المقبل؟ سيكون عيد ميلاده السابع والأربعين.. أود معايدته.
ممتاز، ممتاز جدا سارة.. سأتحدث للسيد أكثم وأخبره بشأن الزيارة وأبلغك بالرد.
حسنًا، أراك لاحقا في بنايتنا.
ضحك قائلا:
أراكِ لاحقا جارتي العزيزة، مع السلامة.
أنهى الاتصال وانتبه لخروج الممرضة من غرفة عمه وهي تنظر إليه بقلق وتقول:
أستاذ قاسم ، عمك يطلب رؤيتك.
نهض من فوره ودخل إلى غرفة عمه بقلق، وقف على مقربة منه وقال:
كيف حالك عمي؟ هل أنت بخير؟
تحدث صالح بتعب شديد ومد يده ممسكا بها كف قاسم وقال:
قاسم.. ابني..
نعم عمي أسمعك..
أرجوك.. لا تغفل.. لا تغفل عن حياة.
قطب جبينه متعجبا وأرهف السمع بينما استطرد صالح بخفوت ووهن:
إن أنا مت .. حياة بأمانتك..
أسرع يقول بلهفة:
لا تقل ذلك عمي أرجوك..
قاطعه صالح بإشارة من يده وقال:
حياة النبتة النقية الوحيدة…
وأخذ نفسا بصعوبة وتابع:
التي لم تطالها أيدي الشياطين بعد .. أشعر بالخوف.. إن مت ستضيع بين أمها وأختها والحقير عبدالله.. لا تتخلى عن حياة.. هي بحاجتك.. أرجوك.. حياة في أمانتك.
بدأ يشهق بقوة وتغيم عيناه تزامنا مع اضطراب مؤشراته الحيوية فأسرعت الممرضة للداخل وهي تحاول إسعافه بلهفة وقاسم يقف مشتتًا يشعر بالضياع والتيه، حتى أنه لم ينتبه على دخول الطبيب الا عندما قال:
الحمد لله، كان على وشك الاصابة بجلطة، لقد سيطرنا على مؤشراته الحيوية مرة أخرى وحالته الآن شبه مستقرة.
ونظر إلى قاسم قائلا:
ممنوع إزعاجه ثانيةً، أي انفعال سيشكل خطرا على حياته.
خرج الطبيب يتبعه قاسم بعد أن ألقى نظرة على عمه الذي غفا بتعب وخرج فجلس كما كان ولكنه أخذ يفكر فيما قاله عمه بحيرة وقد ازدادت همومه همًا إضافيًا فتمتم بيأس:
في أي جهة ستحارب يا قاسم؟!
///////////////////
في الصباح..
استيقظ عبدالله بعد نومٍ عميق سقط به لما يقارب عشر ساعات متواصلة.
نهض بتكاسل وتشوش وهو يشعر بالصداع يفتك برأسه، ثم نظر إلى الفراش بجواره بابتسامة ونفخ صدره بزهو، ثم خرج من الغرفة وهو يبحث عن سماهر وينادي قائلا:
سمهورة، أين أنتِ يا عصفورتي؟
لم يصله أي صوت فنزل ليبحث عنها ولكنه لم يجدها ، خالجهُ الشك والقلق فأمسك بهاتفه يحاول الاتصال بها ولكن هاتفها مغلقا.
دخل المطبخ، الحمام، الصالون، غرف النوم، ولا أثر لها أو للخادمة!
فأخذ يبحث عنها كالمجنون وهو يهتف:
سماهر .. عظيمة… سماااهر أين أنتِ؟ سماهر!!!
عاد إلى الغرفة مرة أخرى وارتدى ملابسه ولفت انتباهه طاولة الزينة الفارغة، مما أثار انتباهه لاحتمال كارثي.
ذهب وفتح الخزانة ليتفاجأ بها فارغة تماما فصفق بابها بقوة وغضب وهو يقول:
اللعنة.. اللعنـــة!!!!!
وخرج من البيت وهو يبحث بالشارع كالمجنون ويحاول الاتصال بها مرارا وتكرارا بيأس، ودخل متجرًا خاصًا ببيع الملابس بجوار البيت وسأل مالكهُ:
مرحبا، من فضلك السيدة سماهر مدربة الرقص بجواركم، هل تعرف لها عنوانا آخرا غير هذا المنزل؟ أقصد هل تملك بيتا غير هذا البيت؟
لا، أساسا هذا البيت ليس ملكها، هي فقط استأجرته منذ فترة بسيطة، ولا أعرف لها عنوانا آخرا للأسف .
اللعنة، اللعنة عليكِ سماهــر.. اللعنة.
خرج من المحل ووقف يحاول استعادة تركيزه بعد تلك الصدمة، أمسك هاتفه وأرسل لها برسالة صوتية وهو في أوج غضبه وقال:
أقسم بالله إن كان هذا ملعوبا منكِ سأقتلك، افتحي هاتفك اللعين هذا وأخبريني أين أنتِ يا حقيرة!!!!!
زمجر بغضب كوحشٍ يحتضر ثم ألقى بهاتفه على الأرض بغيظ فتهشم وهو يلعن بغضب ويقول:
تبًا لكِ، تبًا لغبائي.. تبا.. تبا.. تباااا يا حقيرررررررة!!
////////////
ذهبت كلا من صفية وابنتيها عنبر وحياة لزيارة والدهما، اتجهن على الفور نحو غرفته حيث كان قاسم برفقته يطمئن على حالته.. وعندما رآهن خرج ليفسح لهن مجالا للبقاء معه على انفراد.
خرج لينتظر بالخارج فخرجت حياة تتبعه وقالت بابتسامة:
ألن تغادر قاسم؟ منذ الأمس وأنت هنا.
نعم سأغادر بعد قليل، بعد أن يفحصه الطبيب.
شكرا لك قاسم، نقدر لك وقفتك بجوارنا.
عقد حاجبيه بتعجب وقال:
هيا يا قصيرة، على ما يبدو لديكِ محاضرات، يجب ألا تفوتك.
ابتسمت قائلة:
صحيح، أراك لاحقا.
مع السلامة.. اعتنِ بنفسك حياة.
منحته ابتسامة صافية وتحركت، في تلك اللحظة خرجت عنبر من الغرفة وقد استمعت لجملته الأخيرة فنظرت إلى قاسم بضيق مخفي بينما تجاهلها هو فتحركت ثم جلست بجواره وعقدت ذراعيها وهي تنظر أمامها مثلما يفعل هو وقالت بهدوء:
ما الذي تريده من حياة يا قاسم؟
قلب عينيه بملل من ذلك السؤال المتكرر وتنهد بيأس وقال:
لا أفهم قصدك.
قصدي أنت تفهمه جيدا، ما الذي تحاول فعله؟ لمَ تعلق قلبها بك؟
قطب جبينه متعجبا ونظر إليها بطرف عينه وقال:
أي هراء تهذين به؟
استدارت نحوه بكامل جسدها ونظرت إليه بحدة وقالت:
هذا ليس هراءً أبدًا، أنت تخدع حياة، تقوم بإيهامها أنك تحبها، تعلق قلبها بك وتتلاعب بها بمنتهى السخافة ، ما غرضك من كل هذا؟ هل فقط كي تحرق قلبي؟!
هز رأسه بيأس ساخرا من جملتها وقال:
يا إلهي ألهمني الصبر!
أنت تظن أنك ستنتقم مني بهذة الطريقة، تستغل أختي وتتلاعب بها وبقلبها البرئ لأجل انتقامك فقط.. خدعتها وأوهمتها أنك تحبها فتركت خطيبها الذي كانت ستتزوجه بعد شهر بسببك..
أنتِ الموهومة وليست حياة صدقيني، حياة تعي جيدا ما تفعله وما تريده، حياة ناضجة بالقدر الذي يمنعها من أن تكون مسيّرة خلف أهواء الآخرين، حياة ليست مثلك أبدا يا ابنة عمي .
ابتسمت بسخرية وقالت:
لا تجرؤ على نطق اسمي أليس كذلك؟ تحاول إقناع نفسك أنك تكرهني وتحقد عليّ وتحاول إقحام تلك الهواجس إلى رأسك قسرًا، ولكنك تفشل دوما، حتى لو حولتني إلى نكرة، حتى لو تجاهلتني مئة مرة لن يتجاهلني قلبك أبدا.. أنا حبك الأول والأبدي قاسم.. أنت لم تشعر بأنثى سواي ولن تفعل، فلا تحاول عبثا أرجوك.
كان يستمع إليها بصمت وبداخله حقدٌ دفين، ولكن شيئا ما بكلماتها أثار ضحكاته فقالت باستياء:
أنا أفهمك جيدا وأفهم ما تخطط له.. في البداية سجنت عبدالله لأنك أردت صيد عصفورين بحجر واحد؛ أن تنتقم منه على ما فعله بك والسبب الثاني أن تنفرد بي في غيابه.. ولما جئتُ أنا وصارحتك برغبتي ضعفت وتحطمت قوتك أمامي لذلك برأت عبدالله كي يخرج من السجن ويبعدني عنك، لأنك خشيت أن تنهار حصونك الواهية أمام رغبتك بي.. والآن تخطط للانتقام مني بوسيلة هي الأحقر والأرخص على الإطلاق، بأن تتودد لأختي وتثير غيرتي.. حسنا قاسم لقد نجحت..
أزالت دمعة عالقة بأهدابها وأكملت:
أنت فعلا نجحت فيما كنت تود فعله، لقد حققت هدفا أهنئك عليه، أنت أثرت غيرتي وغضبي وقهرتني أيضا، أرجوك كفى!
ابتلع ريقه بتوتر وقد أصابه حديثها بالضيق الشديد فأردفت هي:
أخرِج حياة من تلك اللعبة القذرة أرجوك، لا تتلاعب بها ثانية، لا تجعلها تتوهم بأنه من الممكن أن يكون بينكما رابطا ذات يوم لأن ذلك لن يحدث أبدا.
نظر إليها متعجبا وقال باستهجان:
وما السبب؟
اتسعت عينيها وهي تطالعه بغير تصديق وتقول:
هل تسأل عن السبب؟ مستحيل أن يكون بينكما رابطا أبدا.. يمكنك الارتباط بأي امرأه على وجه الأرض إلا حياة.
تابع سؤاله مستهجنا بشدة وقد استفزته كلماتها فقال:
وما السبب؟ مما تشكو حياة؟ هل لأنها أختك فقط؟
ابتسمت بتهكم وقالت بغضب:
لا، حياة لا تناسبك أبدا، أنت تكبرها بعشر سنوات كاملة، لا يوجد بينكما أي توافق في أي شيء، هي متعلمة وأنت جاهل..
وصمتت فقال:
ولكنكِ أيضا كنتِ متعلمة وأنا كنت نفس الجاهل!!
ابتلعت ريقها بتوتر عندما حاصرها في الزاوية وقالت بتوتر:
ولكنك لم تكن رد سجون وقتها!
آلمته كلماتها ولكنه قال مبتسما بثبات:
أنتِ محقة في ذلك..
ثم نظر إليها بتلاعب وقال متعمدا استفزازها:
ولكنني لا أظن أن حياة قد تمانع بزواجها من رد السجون! يمكنني تعويضها بميزات أخرى.
جف حلقها وتبعثرت الكلمات على شفتيها، ثم نظرت إليه قائلة بانفعال:
حياة لا تناسبك، أنت جمرة متقدة في عز رجولتك وهي لاتزال طفلة بحجم الكف!! بربك أي ميزات هذه التي تتحدث عنها؟
فاجأه ردها الجريء أكثر مما كان يتوقع وأصابه بالضيق فقال:
للأسف أنا لم أقصد ما تفضلتي به حضرتك، حياة أشرف وأنقى من أن أنظر إليها بتلك النظرة الدونية، من الواضح أن حادثة الاغتصاب برمجت عقلك على التفكير بطريقة رخيصة حتى أن تصرفاتك كلها باتت مقرفة.
اسود وجهها بصدمة وشعرت بالدخان يتطاير من أذنيها، بينما هو رمقها أخيراً باحتقار ونهض فجأة مغادرا المشفى حتى أنه لم يدخل للاطمئنان على عمه ، وركب سيارته ثم انطلق بها في طريقه للبيت.
/////////////////
عاد إلى منزله وهو يشعر بالغضب الشديد من نفسه، دخل غرفته وخلع قميصه بعصبية وهو يردد:
الخطأ خطأي، لم يكن علي أن أتمادى في الحديث معها.
دخل كي يأخذ حماما باردا كان هو أكثر ما يحتاجه الآن، فوقف تحت سيل الماء البارد مغمضا عينيه وكلماتها لا تبارح أذنيه؛ مما جعله يشعر بالاستفزاز والضيق الشديد.
خرج بعد دقائق وارتدى ملابسه على عجالة ثم اتصل بسماهر وطلب منها الحضور لشقته ومعها المبلغ.
ثم استقبل مكالمة من سارة التي أخبرته أنهما في طريقهما للبناية فنزل إلى المدخل لاستقبالهما والترحيب بهما.
وصلت سيارة فتون وابنتها، ترجلتا من السيارة بحماس وهما يتطلعان إلى المكان بفضول، رحب بهما قاسم واصطحبهما لشقتهما بينما كان حارس البناية يقوم بحمل الحقائب للأعلى.
وفي طريقهم للأعلى كانت فريال تنزل السلم وتعجبت فور أن رأت فتون وسارة برفقة قاسم فقالت:
مساء الخير سيد قاسم ، هل هم أقربائك؟
ابتسم قاسم بلطف وقال:
السيدة فتون وابنتها آنسة سارة حبيب.. جيراننا الجدد.. الحمد لله لم نعد بمفردنا في العمارة.
ألقاها بسعادة غامرة أثارت تعجبهم وتابع وهو يعرفها لفتون:
السيدة فريال جارتنا بالطابق الرابع، أعتقد أنكما ستكونان رفيقتان جيدتان إن شاء الله.
صافحت فريال فتون بابتسامة ودودة وقالت:
مرحبا سيدة فتون، سررت بمعرفتك.. مرحبا سارة.. كم أنتِ جميلة.
ابتسمت سارة بلطف وقالت:
وأنتِ كذلك.
ابتسم قاسم قائلا:
فلنقم بتأجيل فقرة التعارف فيما بعد، سيدة فريال بالمناسبة ستصنع لكما حلوى استقبال رهيبة وتحضرها وتصعد إليكم للتعارف بشكل أفضل.
أومأت فريال بابتسامة وقالت وهي ترمق قاسم بإعجاب:
صحيح، لقد تذوقها قاسم سابقا.. بالمناسبة قاسم، لم يتسنَ لي سؤالك حتى الآن، هل أعجبتك حلواي؟
ابتسم قاسم بحرج وقال:
جدا، طعمها لذيذ وإن كان ينقصها بعض السكر ولكن لا بأس بها، هيا سارة، تفضلي سيدة فتون ، عن إذنك سيدة فريال.
اصطحبهما للشقة ودخل برفقتهما وما إن وطأت سارة بقدمها المكان حتى سحبت شهيقا طويلا براحة وقالت:
يا إلهي، هواءها مريح للنفس.
أومأت فتون بابتسامة وقالت:
صحيح، أعتقد أننا سنقضي بها أوقاتا ممتعة.
ابتسم قاسم قائلا:
إن شاء الله ، والآن لدي موعدا مهما، إذا احتحتما لأي شيء أنا موجود.
نزل إلى شقته تزامنا مع وصول سماهر فاستقبلها ودخلا فقالت:
شقتك مريحة للنفس قاسم.
أجل، هي كذلك.
وضعت الحقيبة فوق الطاولة وفتحتها بابتسامة وقالت:
ها هو المبلغ! وتلك هي الورقة.
أمسك بالورقة أولا، نظر إلى إمضاء عبدالله بابتسامة، ثم قام بنزع نصف الورقة العلوي المكتوب به عقد الزواج العرفي وعليه إمضاء سماهر، فظهرت ورقة أخرى وهي عبارة عن عقد تنازل من عبدالله لقاسم عن جميع ممتلكاته بما فيها شقته ببيت العائلة والمحل شامل البضاعة الموجودة به وقيمتها مليون ونصف جنيه.. وبالأسفل توقيع عبدالله!!!
نظر إليها مبتسما وقال بسعادة:
أبليتِ حسنا سماهر، أبليتِ حسنا!
نظرت إليه سماهر بابتسامة وقالت:
يا إلهي! قلبي كان ينتفض من شدة الخوف أن ينكشف أمر الورقة ويكتشف أنه مضى على عقد التنازل.. ولكنه كان أبلهًا بما يكفي الحمد لله.
ابتسم بسخرية وقال:
مثل هذا الشيطان الذي يلهث خلف شهواته يكون سهلاً الإيقاع به، لأنكِ تعرفين نقاط ضعفه وتعرفين كيفية استغلالها.. والغبي هذا ما أكثر نقاط ضعفه.
صحيح، في الحقيقة لم أرَ رجلا بحياتي أغبى منه، انطلت عليه الخدعة بسهولة وغرق في سبات عميق، وفورا لملمتُ أغراضي ولذتُ بالفرار.
ضحكت بقوة فضحك قاسم بدوره ، ثم فتح الحقيبة وأخرج منها مبلغا ثم أعطاه لها وقال:
تفضلي سماهر، هذا هو نصيبك، نصف مليون جنيها، ستبدأين بهم مشروع صالون التجميل خاصتك وتبتعدين عن أجواء الرقص تلك تماما.
تناولت منه المبلغ بابتسامة امتنان وقالت:
شكرا لك قاسم..
وأعطاها مبلغا آخرا وقال:
وهذه نفقة علاج أخيكِ للشهور القادمة..
أشكرك شكرا جزيلا قاسم.. أنت رجل نبيل حقا.
وأنتِ كذلك سماهر.
نظرت إليه بابتسامة وقالت:
لا، لستُ سماهر..
نظر إليها متعجبا فقالت بابتسامة:
اسمي الحقيقي سميرة، سماهر هو الاسم الحركي.
ضحك بقوة حتى أدمعت عيناه وهو يردد:
يا لحظك البائس عبدالله..
ضحكت بدورها ثم قالت:
صحيح، على العموم السائق ينتظرني بالأسفل كي يقلني خارج المدينة كما اتفقنا.
أومأ موافقا وقال وهو يمد يده لها بورقة:
خذي هذا عنوان مسكنك الجديد والإيجار مدفوع لمدة ستة أشهر مقدما.
ابتسمت بامتنان وقالت:
شكرا لكرم أخلاقك قاسم، أراك على خير.
مع السلامة سميرة.
ابتسمت وغادرت بينما فرد ذراعيه على جانبي الأريكة براحة وأسقط رأسه للخلف متنهدا براحة وقال:
وأخيرا نلت منك يا عبدالله الحداد !!
///////////////////
عاد عبدالله إلى شقته، دخل فرأى ابنه كريم يجلس أمام التلفاز يشاهد فيلما كارتونيا فقال:
أين أمك؟
أمي ذهبت برفقة حياة وجدتي للمشفى للاطمئنان على جدي صالح.
أومأ بصمت وقصد الحمام فأخذ دشا باردا ثم خرج فبدل ملابسه وذهب إلى المشفى.
دخل إلى المشفى فوجد عزيز يجلس وبجواره حنان التي ما إن رأته حتى نهضت مبتعدة بعد أن رمقته بنظرة كره صريحة.
جلس عبدالله بجوار شقيقه وقال بغضب مكتوم:
ما بها زوجتك تنظر إلي بتلك الطريقة وكأنني قد قتلت لها قتيلا؟
نظر إليه عزيز بتعجب وقال:
أين كنت منذ أمس؟ زوجة عمي تقول أنك اختفيت فجأة وهاتفك كان مغلقا، أين كنت؟
مسح وجهه بغضب وجنون وشيك وقال:
كنت في جهنم الحمراء ، بربك لا تسألني عن أي شيء.
تعجب عزيز انفعاله الغامض وقال بإيجاز:
كما تشاء.
هل مات؟ أم لا يزال حيا؟
قلب عزيز كفيه باستنكار وهو يردد:
لا حول ولا قوة إلا بالله. الحمد لله حالته مستقرة..
هز رأسه بصمت وقال:
وأين معشوق الجماهير ؟
تقصد قاسم؟
زفر بضيق وقال:
ومن غيره؟
حياة قالت أنه كان يرافقه طوال الليلة الماضية وغادر منذ عدة ساعات..
ابتسم متهكمًا وقال:
يا له من رجل بقلبٍ حنون!
ثم غمز أخاه بعبث وقال:
أرى أنك تحدثت مع حياة، هل فكرت فيما قلته لك؟
أستغفر الله العظيم.. لا تكن لحوحًا عبدالله.. ما لدي قلته.. أنا أحب زوجتي ومن المستحيل أن أتزوج امرأة أخرى!
في تلك الأثناء كان قاسم قد دخل المشفى، ويسير بالرواق المؤدي لغرفة عمه، وفي نهاية هذا الرواق استطاع أن يرى عبدالله وعزيز يجلسان، وعندما وصل إليهما استمع لحديثهما الذي أثار جنونه.
اسمعني يا غبي، عشقك الواهي أنت وزوجتك المصون لا يتعارض مع زواجك من حياة، ثم أنك ترى حالة عمك ها هو يتأرجح بين الدنيا والآخرة ، وإذا مات سترث كلا من ابنتيه مبلغا وقدره، من شقته ببيت العائلة وشقة المصيف وبالتأكيد لديه حسابا بالبنك من يدري، وما خفي كان أعظم!
تحدث إليه عزيز بضيق قائلا:
عبدالله اسمعني، لقد أخطأت مرة سابقا ونفذت أوامرك كالأعمى ونلتُ عقابي وماتت ابنتي لأني بعتُ ضميري.. ولا يلدغ المؤمن من جُحرٍ مرتين.
تخطاهما قاسم وذهب نحو غرفة عمه وهو يستغفر بسره لكيلا يفقد أعصابه ويهشم رأس ذلك الشيطان.
ابتسم لا إراديا فور أن رأى حياة فبادلته الابتسامة وأقدمت عليه وقالت:
مساء الخير قاسم.
مساء الخير حياة، كيف حال عمي؟
الحمد لله ، الطبيب يفحصه حاليا.. هل نمت؟
أومأ بنفي وقال متنهدا بتعب:
لا، بالكاد أنجزت بعض المهام المتراكمة وأتيت إلى هنا .
هل تشعر بالتعب؟
تساءلت باهتمام برئ فابتسم قائلا:
نعم، ولكن بعد أن رأيتك زال التعب.
توردت وجنتاها بخجل فقالت:
عن إذنك..
ضحك قائلا:
تفضلي.
عادت إلى مقعدها وهي لازالت تبتسم ببلاهة، بينما عنبر تراقبها بضيق وحقد.
خرج الطبيب من الغرفة مبتسما ونظر إلى قاسم قائلا:
الحمد لله حالته الآن أفضل بكثير، سيبقى هنا ليلة إضافية ريثما يستقر معدل ضغط الدم ويمكنه الخروج صباحا إن شاء الله.
تنهد قاسم براحة وقال:
الحمدلله.
دخل للاطمئنان على عمه حيث كان يجلس مبتسما فجلس بجواره قائلا:
حمدا لله على سلامتك عمي، الطبيب أخبرنا أنه بإمكانك المغادرة صباحا إن شاء الله.
تنهد صالح قائلا:
الحمد لله بني، الحمد لله .. الله يعلم أن بناتي بحاجة إليّ .
ربت قاسم على كفه وقال بابتسامة:
أطال الله في عمرك يا عمي.
نظر صالح إلى قاسم بتردد وقال:
قاسم، بخصوص ما أخبرتك به الأمس، كنتُ.. كنت أخشى الموت حينها و…
قاطعه قاسم قائلا بابتسامة:
ليس الآن عمي، أنت مرهق الآن، سنتحدث لاحقا، لدي ما أخبرك به.
//////////////////
في اليوم التالي بعد عودة صالح إلى المنزل..
يجلس صالح بفراشه وعلى كلا جانبيه تجلس كلا من عنبر وحياة اللتان يضمهما بحب، بينما تجلس زوجته على مقعد يجاور الفراش، ويقف قاسم بالقرب منه مبتسما وهو يقول:
حمدا لله على سلامتك يا عمي.
نظر إليه عمه مبتسما بتعب وقال:
سلّمك الله من كل أذى يا قاسم، ونعم الابن أنت.
نظرت إليه حياة بابتسامة تمتزج بالفخر وقالت:
قاسم لم يفارقنا لحظة يا أبي، لقد كان قلقا عليك بشدة.
أومأ صالح مؤيدًا وهو يطالعه بامتنان ويقول:
أعلم، لو كان لي ولد من صُلبي لم يكن ليفعل ما فعله قاسم.
دخلت حنان وعزيز بعدها فاتجه نحو عمه مقبلا يده وقال:
أنرت بيتك عمي.. زال البأس إن شاء الله.
رحب قاسم بشقيقته فضمها مقبلا رأسها كالعادة وأشار لها فاتجهت نحو عمها وقبلته قائلة:
حمدا لله على سلامتك عمي، أنرت بيتك.
ربت على وجنتها بحنو وقال:
سلمكِ الله عزيزتي وجبر بخاطرك.
صباح الخير!
التفتوا جميعهم لمصدر الصوت بضيق وفجأة هتف صالح بحرارة:
أخرجوا هذا الكلب من بيتي! فوراا..
طالعه عبدالله بضيق مزيف وقال:
ما بك يا عمي؟ هل هذا جزاء الإحسان؟ لقد أتيت لزيارتك فتقوم بطردي؟!
نهضت عنبر من جوار والدها واتجهت نحوه وهي تقول بغضب:
ماذا تفعل هنا يا عديم الإحساس ، كدت أن تتسبب بموته والآن تأتي لزيارته؟ أخرج من هنا حالا..
أشار عزيز لأخيه للانصراف بينما جذب قاسم اهتمام الجميع عندما قال:
من فضلك عمي، دعهُ ينتظر ريثما انتهي مما سأقوله الآن.. لأن لا شك أن ما سأقوله الآن يهمه.
نظر إليه عمه بتعجب ونظر إليه البقية بترقب وأولهم عنبر التي دب الذعر بقلبها وشحب وجهها بخوف ظنا منها أن قاسم سيخبر زوجها عما بدر منها سابقا ونظرت إلى قاسم تتوسله بنظراتها ألا يفعل، ولكنه ابتسم وتجاهل نظراتها، ثم نظر إلى عمه وقال بهدوء:
اسمح لي عمي، أنا آسف لأن تلك الظروف غير ملائمة، ولكنني أثق أنك تفهمني..
ازداد تعجب صالح وساد التوتر على كافة الوجوه المترقبة فنظر إليهم قاسم بابتسامة وهو يتطلع بملامحهم بتلذذ واحدا تلو الآخر وقال:
ما شجعني هو وجود أفراد العائلة بالكامل، وبما أنني فرد من هذه العائلة وما يهمني بالتأكيد يهمهم وددت مشاركتهم أمرا غاية في الأهمية.
أغمضت عنبر عينيها بنفاذ صبر وهي تشعر بأن دبيب قلبها قد بات مسموعا للحضور، وقبضت يدها بخوف شديد عندما قال قاسم:
والحقيقة أن هذا الأمر المهم لا يعنيني وحدي، تشاركني فيه واحدة من عائلة الحداد.. واحدة منكم.
احتقن وجه عبدالله بدماء الغضب وكان قاب قوسين أو أدنى من الجنون والانقضاض فوقه وتكييل اللكمات له حتى يسقط مغشيا عليه..
أما قاسم فنظر إلى حياة بابتسامة غامضة وقال:
وهي حياة!!
تحولت الأنظار جميعها إلى حياة التي شحب وجهها وأخذت تطالعه باستغراب بينما نظر هو أخيرا إلى عمه مبتسمًا وقال:
أنا أطلب منك يد حياة يا عمي!