تحميل رواية «حب في الدقيقة 90» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ألا تذكرني؟ تمر الأيام، الأشهر والأعوام كذلك، تمر سريعًا بذلك القدر الذي يجعلك تتفاجئ بعد عشرة أعوام أن عشرة أعوامٍ قد مضت! تُصعق حينما تدرك أن كل تلك الأعوام التي ظننتها لن تمضي، مضت أخيرًا وأصبحت في سلة مهملات حياتك. حينها ستبحث بداخلك.. كل تلك الآلام والأحقاد التي ملأتك في بداية تلك السنين، هل لا تزال موجودة بداخلك الآن؟ أم أنها تبخرت بمرور الوقت ولم يصبح لها مكان؟ كل تلك الأوجاع التي ظننتها لن تمر ولن تبرأ، هل برأت وزال أثرها؟ أم تركت ندباتها بقلبك وأثرًا لن يزول؟ وبينما أنت تتسائل وتبحث بدا...
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نعمة حسن
أنا أطلب منك يد حياة يا عمي!
شهقت حياة بصدمة وكأنها قد أصابها ضربا من الجنون ومالت عينيها نحو أختها التي تقاطرت الدمعات من عينيها بقهر، ثم نظرت إلى والدها الذي كان يطالعه بوجه مجردًا من التعابير.
أعرف أن ما قلته قد أثار دهشتكم، البعض منكم بالتأكيد لا يرى حياة مناسبة لي، ينظرون إلى الفروق بيننا من كل جانب، ولكنني أرى أن تلك الفروق لن تشكل حاجزًا بيني وبين حياة، فحياة إنسانة ذكية، واعية بالقدر الذي يسمح لها بالحكم على الجوهر وليس المظهر.. وفي النهاية الرأي يعود لها ولعمي وأنا شجاع بما يكفي لكي أستمع لقبولهما أو رفضهما أمامكم.
انسحبت حياة على الفور من بينهم وركضت إلى غرفتها وما إن دخلت حتى انفجرت في نوبة بكاء شديدة، دخلت حنان فأسرعت إليها تضمها وهي تقول:
عزيزتي حياة، لا بأس حبيبتي لن يجبرك أحدٌ على شيء، يمكنك الرفض بشجاعة.. هذا زواج.. لا تكرري خطأ عنبر وتكوني زوجة لرجل لا تحبينه.
عانقتها حياة وهي تبكي وتقول:
ولكنني لا أريد الرفض، أنا لا أرفض قاسم، قلبي تعلق به وهذا أكثر ما يؤلمني.
صُعقت حنان لما سمعته ونظرت إليها بصدمة وهي تقول:
ماذا تقولين؟ هل تحبين قاسم؟
أومأت بموافقة وقالت:
أجل، إن كان ما أشعر يسمى حبًا فأنا أحبه، إن كانت لهفتي لرؤيته وسعادتي وضجيج قلبي عندما أراه يسمى حبا فأنا أحبه، إن كانت رغبتي في الحديث إليه طول الوقت وإدماني النظر في وجهه يسمى حبا فأنا أحبه..
عانقتها حنان بقوة وهي تقول:
أنتِ واقعة في الحب يا غبية، كفى اصمتي.
قلبي يؤلمني حنان، أشعر أنني خائنة، لا ينبغي أن يكون بداخلي أي شعور تجاهه لأنني أعرف أنه كان يحب أختي وأختي لا زالت تحبه، لا ينبغي أن أعترف بهذا الحب بيني وبين نفسي، هذا الحب مرفوضا، وممنوعا.. هذا هو العشق الممنوع حنان.
أجهشت بالبكاء وحنان تحتضنها وتربت على كتفها بحنان وتقول:
اهدئي حياة، دعينا نفكر بهدوء، وننتظر رأي عمي..
نظرت إليها حياة بخوف وهي تقول:
هل من الممكن أن يرفضه والدي؟
عقدت حنان حاجبيها بتعجب ونظرت إليها بحيرة وقالت:
يا إلهي! يا إلهي ما الذي دهاكِ حياة؟ ماذا تريدين بالتحديد ؟ أن يرفضه أم يقبل به؟
لا أعرف، حقيقةً لا أعرف، لا أريد أن يرفضه، وفي نفس الوقت لا يمكنني الارتباط به وأنا أعرف أن أختي لازالت تحبه، هذا مستحيلاً.
أسندت حنان جبهتها على يدها وهي تفكر بعجز وتقول:
ما هذا الذي نعيشه؟! واقعا أغرب من الخيال!
تسمرت عنبر بمكانها وهي تنتظر رد والدها كمن ينتظر صدور الحكم ببراءته أو إعدامه وحانت منها التفاتة نحو قاسم الذي ينظر إلى والدها بترقب وتوتر لم يخبُ بريقه في عينيه، بينما علت الصيحات المستنكرة التي صدح بها عبدالله وهو يقول:
هذا مستحيلا، عمي لن يسمح بتلك المهزلة أبدا.. هل جننت أم ماذا؟ تريد أن تدنس شرف عائلتنا بزواجك من حياة؟ أنت يا رد السجون يا مجرم تتزوج حياة؟ هذا مستحيل.
نظر إليه قاسم متصنعا الضيق ولكنه لم يتخلَ عن ابتسامته وألقى بهدوء:
سامحك الله.
استشاط الآخر غضبا ونفرت عروقه بغضب وهو يتحدث إلى عمه ويقول:
هل ستسمح له أن يلوث عائلتنا أكثر من ذلك؟ هل ستعطيه ابنتك المتعلمة التي تركت الطبيب الصيدلي وتزوجها ابن الحرام ذاك!!
نظر إليه قاسم بصدمة وفجأة غلت براكين الغضب بعينيه وانتفخت أوداجه فباغتهُ بلكمة أطاحت بعقله من رأسه وجعلته يصطدم بالجدار من خلفه، ثم انقض فوقه وأمسك بتلابيبه بتحفز ووجه متجهم وهو يقول:
يا حقير يا خسيس، حتى بعد ما كل فعلته معي لم أجرؤ أنا على نعتك بمثل ذلك النعت يا عديم الشرف.
حاول عزيز أن يحول بينهما ويفرقهما عن بعضهما ولكن قاسم كان كمن فقد اتصاله بالواقع وغاص بنوبة من فقدان السيطرة التي ستبتلع عبدالله بالتأكيد وتلحق به أشد العذاب.
كفى، قاسم… ابتعد عنه…
قالها صالح بتعب وهو يدلك صدره وكتفه الأيسر بتعب مما أفزع زوجته فصرخت بهم قائلة:
عمكما سيموت!! حسبي الله ونعم الوكيل..
ابتعد قاسم عن عبدالله فورا متجها إلى عمه بقلق وأمسك بيده بخوف وقال:
عمي، عمي هل أنت بخير؟ هل أستدعي الطبيب؟
نظر صالح إلى عبدالله وأشار له قائلا:
هذا البيت محرم عليك دخوله طالما بصدري نفس يتردد، أخرج من بيتي حالا ولا تطأه بقدماك القذرتان مرة أخرى.
أرغم عزيز شقيقه على الخروج بالقوة وأغلق الباب وعاد للغرفة مرة أخرى حيث كانوا جميعهم يلتفون حول صالح بقلق.. وأولهم حياة التي هرولت إليه عندما استمعت لصوته المنفعل فأمسكت بيده بخوف وهي تبكي وتقول:
أبي، أرجوك لا تنفعل، أرجووك.. نحن بحاجتك أبي أرجوك .
اخرجوا جميعا.. أريد التحدث مع قاسم بمفردنا.
على مضض، خرجت عنبر تتبعها حياة ووالدتهما، وحنان وزوجها الذي يراقب التطورات عن كثب.
أوصد قاسم الباب وجلس بجوار عمه وهو ينظر إليه بقلق وقال:
أرجوك عمي لا ترهق نفسك ، يمكننا تأجيل الحديث فيما بعد.
ومن يدري هل سيكون هناك بعد أم لا يا قاسم؟
وتنهد ممسكًا بكتفه بتعب وقال:
لمَ؟ ما السبب يا قاسم؟ أرجوك كن صريحا معي أنا أثق بك.
أومأ الآخر بتأكيد وأضاف:
لأنها حياة يا عمي، حياة النبتة النقية الوحيدة التي لم تنَلها أيدي الشياطين بعد، عبدالله يحارب باستماتة كي يقنع عزيز أن يتزوج حياة!
حدق به عمه بصدمة وقال:
ماذا؟؟
أومأ مؤكدا وقال:
أجل، سمعته أمس في المشفى وهو يحاول إقناعه بالزواج منها ويسعى لإقحام تلك الفكرة برأسه بكل إصرار كما سعى سابقا ونجح في جعله يساوم حنان على زواجه منها مقابل أن تشهد ضدي.
ولكن.. ولكن الأمر مختلف الآن.. عزيز لن يقبل بشيء كهذا، هو أساسا لن يجرؤ على طلب أمرًا كهذا!
أعلم، ولكن عبدالله لا يتوقف ولا يتراجع إلا وقد حقق مساعيه، عبدالله على استعداد أن يتعاهد مع الشيطان نفسه لأجل تحقيق مطامعه، إن رفض عزيز سيبحث عن ألف خطة بديلة كي ينفذ ما يريده عن طريقها.
تنهد صالح بقلة حيلة وهو يقر في قرارة نفسه بصدق كلام قاسم واقتناعه به فقال:
هل تريد الزواج من حياة فقط لأجل هذا السبب؟ كي تحميها من شرور ذلك الشيطان وأعوانه؟
تنهد قاسم بصمت، وطال صمته حتى أن عمه تعجب، ثم نظر إليه قائلا:
حياة هي التعويض الذي أستحقه يا عمي.
نظر إليه صالح متعجبا ولم يعقب لأنه كان ينتظر أن يكمل قاسم ما بدأه فقال:
حياة بريئة جدا، ملاك، صدقني لا أبالغ أنا أشعر بها فعلا كملاك، أحتاجها، أحتاج ملاكًا مثلها بحياتي، بداخلي نيران وبراكين غضب وشر، وحدها حياة من تستطيع إخمادها.. حياة تشبه كتلة الثلج التي أحتاجها لإطفاء نيران الغضب والحقد والكره بداخلي، أنا أحتاجها مثلما تحتاجني هي.
أغمض صالح عينيه وأسند رأسه على الحائط من خلفه وهو يفكر بما قاله بتمعن فقاطع قاسم شروده وقال:
أعدك ألا أبكيها أبدا، أفديها بعمري إن تطلب الأمر، كن واثقا من ذلك.
نظر إليه عمه بصمت وظلا هكذا لفترة ينظران لبعضهما بصمت وترقب، حتى تحدث عمه أخيرا وقال:
لا شك في أنني أثق بك قاسم.
في الخارج..
كانوا يجلسون بصمت والتوتر سيد الموقف.
وكلا منهم يطالع الآخر بصمت وبداخله الكثير من الانفعالات..
كانت عنبر تجلس بثبات مزعوم، تشبك أصابعها ببعضها البعض بانغلاق وتوتر وضغط نفسي رهيب.
وبجوارها والدتها التي تبتهل إلى الله لئلا ينصاع زوجها لرغبة ذلك المجنون ويقبل به فيكون قد أشعل فتيل الفتنة بيديه.
وإلى جانبها تجلس حياة التي تجلس مغمضةً عينيها وتسند وجنتها فوق قبضتها وبداخلها صراعًا مهلكًا بين قلبها الذي يتمنى أن يعيش تلك المشاعر المدفونة بخوف في العلن، وبين عقلها الذي يرفض الاعتراف بها من الأساس.
وفي مقابلهم تجلس حنان التي تتحدث إلى نفسها وتقول:
يا إلهي، ألهذا الحد أصبحنا بعيدين يا أخي؟ لدرجة أنني لم أعد أفهمك وكأنك شخصا غريباً أتعرف عليه من جديد!
وبجوارها عزيز الذي يهز قدميه بعصبية وهو يحاول مراسلة أخيه المجنون بقلق، وفي نفس اللحظة ينتظر قرار عمه بفارغ الصبر ويتحدث إلى نفسه قائلا:
أرجوك عمي وافق، أرجوك .
وبينما كلٌ غارق في أفكاره انفرج الباب وخرج قاسم الذي تعلو وجهه علامات الارتياح وقال:
عمي يريدكم.
دخلوا جميعا إلى الغرفة فتحدث إليهم صالح برويّة قائلا:
لقد طلب مني قاسم يد حياة، وأنا وافقت!
ساد الوجوم على أوجه الجميع ورمقت عنبر والدها باتهام ولوم صريح وسرعان ما هربت من أمام الأعين التي تراقبها بشفقة.
حياة، الأمر متروك لكِ ابنتي، أنا عن نفسي لا مانع لدي، قاسم إنسان أمين وأنا أثق به ثقة عمياء، ولكن في النهاية أنتِ وحدكِ صاحبة القرار.
تنهد قاسم وهو ينظر لحياة التي تطالعه بوجوم وقال بهدوء:
لديكِ من الوقت ما تشاءين، لا تتخذي قرارًا إلا وأنتِ مطمئنة حياله.. أستأذن يا عمي.
وانصرف قاسم في هدوء بعد أن أضرم النيران بينهم وتركهم في شتات.
نظرت صفية إلى صالح باستياء وقالت بعصبية:
هل أنت جاد بشأن قرارك؟ هل قبلت زواج ابنتك من هذا التافه؟ ابنتي الوردة الشابة الجميلة تتزوج مجرم؟ لمَ؟ ما الذي ينقصها كي تلقي بها بزيجة فاشلة مثل تلك؟ بعد أن كانت ستتزوج طبيبًا له شأنه تتزوج هذا الفاسق؟!
نظرت إليها حنان بعصبية وقالت بنفاذ صبر:
إذا سمحتِ زوجة عمي لا تنسي أن من تتحدثين عنه بتلك الطريقة هو أخي ولن أسمح لأحد بالتجاوز في حقه بهذا الشكل!
نظرت إليها صفية باستهجان ومصمصت شفتيها بسخرية وهي تقول:
حقاً يا عيون زوجة عمك؟ وأين كانت تلك الأخوة والمشاعر النبيلة عندما شهدتِ ضده لكي تنالي رضا حبيب القلب!
نظرت إليها حنان بصدمة ولم تقوَ على الرد، بينما نظرت إلى زوجها الذي يقف قليل الحيلة بنظرة آلمته وقد شعر بما جال في خاطرها ذلك الوقت وقال:
هيا بنا.
حينها صدح صوت صالح صارخا بهم بغضب وهو يقول:
كفى، كفى اصمتوا.. لقد قلت قراري والكلمة الأخيرة ترجع لصاحبة الشأن، إن وافقت فهذا قرارها وهذه حياتها، وإن رفضت فهذا قرارها وهذه حياتها.. انتهى.
نظر عزيز إلى عمه قائلا:
زال البأس عمي، نحن نستأذن.
خرج هو وحنان من الشقة فوجدها وقد توقفت أمام باب الشقة وكأنها تجمدت بأرضها فقال:
ما بكِ حنان؟ هيا..
نظرت إليه بضيق وقالت:
لن أعود معك.
قطب جبينه متعجبا وقال:
ماذا؟ ماذا يعني لن ترجعي معي؟ وأين ستذهبين إذا؟
نظرت بالأعلى وقالت:
سأبقى هنا لفترة.. بشقتنا.. شقة والديّ.
مسح وجهه بغضب قائلا:
حنان لا تختبري صبري أرجوكِ، هيا لنعد إلى بيتنا.
نزلت من عينيها دمعة مقهورة وقالت:
أنا من نفذ صبره عزيز، صدقني لم يعد لدي طاقة ولا قوة لأتحمل.. أود الانعزال قليلا من فضلك .
طالعها بضيق وقال:
حسنا انعزلي ولكن بشقتنا، صدقيني لن أزعجك أبدا..
من فضلك عزيز لا تضغط عليّ أرجوك، يكفي.
تركته وصعدت إلى شقة والديها، أخرجت مفتاح الشقة من حقيبتها وفتحت وهي تقول:
كنت أعلم أن ذلك اليوم سيأتي حتما.
كانت عنبر بشقتها تبكي وترتجف وهي تردد بهيستيرية:
لا، لا يمكنك أن تفعل بي هكذا يا أبي، مستحيل.
مسحت دموعها وانتبهت لابنها الذي يقف بجوار باب الغرفة يطالعها بصمت فقالت بحدة:
ماذا تفعل عندك؟ لماذا تقف هنا؟
أود الاقتراب ولكني أخشى أن تضربيني.
تعال. ماذا تريد؟
وقف كريم أمامها يطالعها بنظرات مترددة وقال:
أرجوكِ لا تبكي، أنا حزين من أجلك.
تقوست شفتيه بحزن فضمتهُ إلى صدرها بحنان وانفجرت باكية وهي تقول:
لا تحزن.. أنا بخير.
لف يديه الصغيرتين حول عنقها وهو يحاول استمالة عطفها وقال:
أمي أنا أحبك.
أجهشت ببكاء مرير وزادت قوة عناقها له وقالت:
أعرف كريم، أساسا أنت الوحيد الذي يحبني.
هدأت بعد قليل وربتت على شعره بحنو وقالت:
أنا آسفة كريم، آسفة لأني أهملك وأتجاهلك دائما ولكني.. والله..
أغمضت عينيها بيأس ووضعت كفيها على عينيها وهي تبكي بقوة وتقول:
يا إلهي، كم أنا أم ميئوس منها، حتى كلمة أحبك لا أستطيع قولها.. اللعنة عليّ.. اللعنة على أم مثلي.
وأخذت تصفع وجنتها وهي تبكي فتعلق كريم برقبتها وهو يقول بخوف:
لا تفعلي هكذا أمي، أنتِ أمي الحنونة.
نظرت إليه بحزن وأمل يملؤها وقالت:
حقا؟ هل أنا أم جيدة؟
أومأ مؤكدا وقال:
نعم، أنتِ أروع أم بالعالم.
واحتضنها فاحتضنته بقوة وكم كانت بحاجة ذلك العناق البريء الصادق الذي هدأ من روعها قليلا.
انفرج باب الشقة فسقط قلبها بقدمها خوفا وهمست إلى ابنها قائلة:
هيا اذهب إلى غرفتك.. سنوفي حديثنا لاحقا.
دخل عبدالله الذي تفاجأ بوجودها فقال:
أهلا وسهلا زوجتي العزيزة .. وأخيرا رضيتِ عني وجئتِ لبيتك، هذا كرم أخلاق منك.
نظرت إليه بضيق وتجاهلته متجهة نحو الحمام فأمسك بذراعها وقال بلهجة حادة:
إلى أين عنبر هانم؟ عندما يتحدث إليكِ زوجكِ قفي واستمعي إليه بإنصات.
نظرت إليه بضيق وقالت:
ماذا تريد عبدالله ، أساسا من المفترض أن تشعر بالخجل من نفسك بعد الحالة التي وصل إليها أبي بسببك.
دعكِ من هذا عنبر، لمَ تفضلتي وعدتِ إلى هنا؟ ألم تكوني غاضبة من أجل والدك وقضيتِ الليلتين الماضيتين برفقة أمك وأختك بالأعلى؟ أتيتِ الآن تجرين خيبتك وآمالك المحطمة بعد أن وافق أبيكِ على زواجهما، اكتشفتِ فجأة أنكِ لا تهمين أحدا غيري، أدركتِ أن والدك الذي كنتِ تحتمين به لم ولن ينفعك فعدتِ إلى ملجأك الوحيد الذي لا تملكين غيره، أي أنكِ عدتِ إلى هنا مضطرة لأنك لا تملكين خيارا آخرا.
وشدد قبضته فوق ذراعها بقسوة وهو يقول بغضب:
ولكن للأسف أنا لستُ بديلا أو احتياطًا عندما تضيق بكِ السبل تأتين إليّ ركضا، طالما أنكِ قررت الوقوف بصف والدك فلا سبيل للتراجع.
وأشار إلى الباب وقال:
هيا، تعرفين طريقك.
أغمضت عينيها بقهر وهوان وهي تجاهد كي لا تسقط دمعاتها وقالت وهي تنظر أرضا:
لا مكان لدي لأذهب إليه.
ضحك ساخرا وقال:
أيعقل؟! وبيت والدك الحنون أين ذهب؟ وحضن والدك الحنون أين ذهب؟ ألم تهددي بقتلي من أجل والدك بالأمس؟
ورفع كفها وهو يهزها ويقول:
ويدك اللعينة تلك ألم تتطاول عليّ من أجل والدك؟ ماذا حدث الآن؟ هل لأن والدك وافق على زواج حبيب القلب من أختك وقطع الطريق أمام آمالك وأحلامك في العودة إليه ذات يوم أصبح الآن أبًا سيئًا ؟ أصبح أبا قاسيا تتبرأين منه؟
قالت وهي لازالت تنظر أرضا بهوان:
أرجوك كفى، ما فعلته كان نابعا من خوفي على والدي، أنا لم أقصد إهانتك.
أومأ متهملا وقال:
حسنا زوجتي العزيزة، سأغفر لكِ زلتك كما أفعل دوما، أساسا أنا لا أفعل شيئا سوى أن أغفر زلاتك منذ أن تزوجتك، ولكن هذه هي الأخيرة يا عنبر.
أومأت بطاعة وقالت بنبرة مبهمة:
أجل، هذه هي الأخيرة!
هل أنت أب؟ بالله عليك هل تعتبر نفسك أبًا؟ ما هذا الجنون الذي ارتكبته؟ تزوج ابنتك الصغيرة لحبيب أختها الكبيرة؟ تشعل الفتنة بينهما بيديك؟!
نظر إليها بتحذير وقال بتعب واضح:
ألم يكن حبيبها حينما غصبتِ عليها كي تفتري عليه وتتهمه اتهامًا باطلًا؟ لماذا لم تفكري بمشاعرها وقتها؟ إياكِ والحديث عن أبوّتي صفية، إياكِ.
فعلت هذا لمصلحتها سيد صالح، لم يكن أمامي خيارا غيره.
أنتِ مخطئة، توهمين نفسك بأنكِ فعلتِ الصالح لها كي لا يتعذب ضميرك إذا كان لديكِ ضميرا من الأساس، تقنعين عقلك الغبي أنكِ فعلتِ الصواب كي لا تقعي فريسة لتأنيب الذات، ما فعلتِه لم يكن بصالحها أبدا، أقنعتيها وبكل بساطة تخلت عن حبيبها ذاك وظنت أنها ستنساه مع الأيام ولكن العكس هو ما حدث، ظلت صامتة طوال عشر سنوات كاملة كمن أصاب حواسه خدر، لا تشعر بشيء، لا تشتكي ولا تتذمر، ولكن عندما ظهر أمامها مرة أخرى انقلبت حياتها رأسًا على عقب، لدرجة أنها ذهبت لتتودد إليه مستغلة غياب زوجها.
أطرقت برأسها أرضا بخزي بينما استكمل حديثه قائلا:
هل تريدين للأخرى نفس المصير؟!
قطبت حاجبيها باستفهام وقالت:
ماذا تقصد؟ ما دخل حياة بقاسم انا لا أفهم؟
تنهد متعبا وقال باستسلام:
حياة تحب قاسم.
لطمت خديها بقسوة وهي تقول بانهيار:
ماذا؟؟ يا ويلي، يا ويلي، يا ويلي…. لاااا هذا مستحيـــل.
حدجها بنظرات تتطاير منها الشر والغضب وقال مشيرا إلى فمه:
اخرسي، كفاكِ نواحًا و ولولة، بماذا سيفيد عويلك الآن؟
نهضت من مكانها وجلست بجواره وأمسكت بيده في توسل وقالت:
أخبرني الحقيقة صالح، هل حياة هي من اعترفت لك بهذا؟ أم أنك تخمن مجرد تخمين؟ أخبرني أرجوك.
لا، حياة لم تعترف، ولكن الحب لا يحتاج لاعتراف يا صفية.. ابنتي واقعة في الحب، عيناها قالت ما تخفيه وتنكره.
أشارت بسبابتها بنفي وهي تقول:
لاا.. هذا الكلام لا ينطلي عليّ، ما شأني أنا بعينيها وما تقوله، سأذهب إليها وأجرها من شعرها أضعها تحت قدمي إن كان ما تقوله حقيقة!
هدر بها قائلا بانفعال:
أقسم بالله إن فعلتِ أيا مما تقولينه لن أبقيكِ على ذمتي ثانية واحدة، لا شأن لك بها، إن قالت أنها تقبل به فلن يثنيني أحد عن قراري أبدا.. لن أخلق بيديّ عنبر جديدة.. يكفي واحدة نالت من الظلم أضعافا.
بعد أن خرج عبدالله ذهب إلى المقهي المعتاد الذي يجلس به، وإذ به يرى أخيه يجلس مهموما ينفث دخان الأرجيلة بغل واضح.
جلس بجواره بعد أن رمقه بسخرية وقال متهكما:
ما بك ابن أمي؟ هل طارت العصفورة من العش؟!
تنهد بضيق مردفًا:
أجل، تقول أنها تود الانعزال وحدها.
قهقه عاليا وقال بشماتة ضمنية :
يا إلهي! هل نحن في آخر الزمان أم ماذا؟ أصبحت المرأة منهن من تقرر هجر زوجها ومن تقرر وصاله، عجبتُ لك يا زمن.
الأمر ليس كما تفهمه، أنا أقدر المشاعر السيئة التي تشعر بها حنان، منذ موت أسيل وهي لم تتجاوز الصدمة بعد، تعتقد أن موت ابنتنا كان عقابا ربانيا على ما فعلناه بقاسم، وتلوم نفسها دائما لذلك.. وما أفاض الكأس اليوم كلام حماتك.. ذكرتها بالماضي وما حدث وكيف أنها شهدت ضد قاسم .. وفي النهاية وجدت نفسها على وشك الانهيار وطبعا هي تحقد علي بما فيه الكفاية وتحملني الذنب أولا وأخيرا؛ لذلك أرادت الابتعاد عني.
يا أسفي عليك يا أخي، ظننتك رجلًا حازمًا تستطيع السيطرة على زوجتك، كنت أعتقد أنّ كلمتك هي الكلمة العليا ولكني كنت مخطأ.
قلب عينيه بملل وهو ينفث دخان أرجيلته بضيق وقال بإيجاز :
نعم أنت مخطئٌ بالفعل، لا تتعب نفسك بالحديث معي مجددا.
افهمني يا عزيز، لا تدع تلك الحمامة البيضاء تضيع من يديك، صدقني ستندم، أقسم لو كان يحل لي الزواج منها لفعلت .. ولكنني متزوج من البومة أختها..
نظر إليه بضيق وقال:
مجددا يا عبدالله؟ أخبرتك أنني أعشق حنان ولن أتزوج غيرها أبدا ..
يا لك من غبي، حنان خاصتك تلك أعلنت حالة التمرد وانتهى، كانت حملًا وديعًا في غياب شقيقها والآن في حضوره أصبحت وحشًا كاسرًا تستعد للاستغناء عن أي شيء إن طلب منها ذلك، وصدقني ستكون أنت أول من تعلن عليه عصيانها..
شرد عزيز قليلا وقد أثارت كلمات أخيه الذعر بقلبه، ولما رأى الإذعان منه استطرد قائلا:
وها أنت ترى، الآن تود الانعزال، وغدا تود الانفصال، والشهر المقبل نجدكم في محكمة الأسرة تتنازعان حول السجاد والثريات.. صدقني عزيز زوجتك تلك ستنقلب ضدك في صف أخيها وسترى.
تنهد عزيز بتشوش ونفض رأسه من تلك الأفكار التي يدسها أخيه برأسه وقال:
لا، لا أنا وحنان روحنا واحدة لا تنفصل أبدا.. لا استطيع إيذائها بذلك الشكل أبدا.
تنهد عبدالله بيأس وقال بغيظ:
تبا لكما ولروحكما الواحدة التي لا تنفصل، أقسم بالله لم أرَ أغبى منك بحياتي.
تنهد عزيز بنفاذ صبر وقال بإيجاز:
حسنا أنت محق، ثم ما الذي أتى بك إلى هنا في هذا الوقت؟ لمَ لا تبقى برفقة زوجتك وابنك كرجل عاقل.
تمتم بهمس:
عاقل؟ وهل ظل لدي عقل!
ماذا؟ ماذا تقول؟
أبدا.. أخبرني.. صديقك أشرف هذا المهندس صاحب برامج الاختراق والتتبع وما شابه..
أجل أجل ما به؟
أريد رقمه.
لماذا؟ هل ستتبع مكالمات زوجتك؟ هل أنت خسيس لتلك الدرجة؟
حدجهُ عبدالله بغيظ وقال:
لقد صادرتُ هاتفها أساسا فلا حاجة لي بتتبع مكالماتها.. أريده من أجل أمر خاص.
أمر خاص؟ وما هو ذلك الأمر؟
قلب كفيه متعجبا واستطرد:
لا حول ولا قوة إلا بالله، لمَ يسمونه أمرا خاصا إذًا طالما بإمكاني إفشاؤه، هيا.. هل ستعطيني الرقم أم لا؟
حسنا، أحضر هاتفك..
هاتفي ليس معي الآن..
نظر إليه بشك وقال:
لقد حاولت مراسلتك أكثر من مرة ولكن هاتفك غير متصل بالانترنت كالعادة؟ هل ضاع؟
أجل أجل..
تنهد وقال ببساطة:
حسنا هل ستكتب الرقم على راحة يدك أم ماذا؟
لا يا خفيف الظل، اكتبه بتلك الورقة ريثما اشتري هاتفا.
أعطاه الورقة فكتب بها الرقم ثم نظر إليه بشك وقال:
عبدالله أين سيارتك؟
ابتلع ريقه بتحفز ونفرت عروقه بغيظ مكتوم وقال:
بعتها.
بعتها؟؟ وما السبب؟؟
نظر إليه مغتاظا وقال بحدة:
يا رجل هل أنت ولي أمري؟ طبعا لا، هل أنت زوجتي؟ بالتأكيد لا.. لماذا تتساءل فيما لا يعنيك إذا؟
ونهض مغادرا متجها إلى وجهته التالية..
كان خالد يقف بصيدليته وأمامه أحد الزبائن يقول:
هل هذا يسبب النعاس؟
أجل، ولكن يكفي قرصًا واحدًا فقط..
حسنا، وأريد أن تصف لي شيئا يحسن المزاج.
نظر إليه خالد بضيق ونفاذ صبر ثم قال:
حضرتك أنا طبيب ولستُ عطارًا، أساسا قد تراجعت.. لن اصرف لك أي دواء بدون روشتة!
وسحب من يده أقراص المنوم بنفاذ صبر وأشار للباب قائلا:
هيا تصحبك السلامة.
رمقه الرجل بضيق وغيظ وخرج وهو يتمتم بينما زفر خالد وهو يقول:
يا إلهي، أكتشف يوميا أصنافا جديدة من البشر الذين لا يمكن التعامل معهم أبدا.
دخل عبدالله وهو ممسكا بيده سيجارة، يراقب الرجل الذي خرج لتوه وهو يلعن الصيدلية ومالكها، وخالد الذي لا ينذر وجهه بالخير أبدا.
مساء الخير حضرة الطبيب.
رمقه خالد بضيق وقال:
أهلا.
أهلا بك عديلي العزيز.
قال بنفاذ صبر واحتجاج:
لم أعد عديلك، أيعقل لم يصلك الخبر بعد؟
سحب نفسًا من سيجارته بعمق ثم نفثه بقوة وقال:
بلغني الخبر المؤسف، صدقني حزنت لأجلك كثيرا بقدر ما كان غضبي منك.
نظر إليه خالد متعجبا وقال:
غضبك؟ وما الذي أثار غضبك؟
سلبيتك.
قطب جبينه وترك ما كان بيده ونظر إليه بانتباه وقال:
سلبيتي؟؟
أجل، تنازلت عن حقك بكل سهولة وخنوع، تلك الطفلة قالت لقد انتهى فقبلت قرارها دون أن تحاول حتى.
وماذا كان عساي أفعل؟ هل أتزوجها رغما عنها؟ أم أقوم بتقييدها وأتزوجها بالإكراه ؟
طالعه بهدوء وهو يدوس ما تبقى من سيجارته بحذاءه وقال ببرود:
ولمَ لا؟
نظر إليه خالد متعجبا ولم يعقب بينما استطرد الآخر قائلا بثقة:
حياة من حقك أنت.. أنت أحببتها وخطبتها وسعيت لإرضاءها كثيرا، حتى أنك تخليت عن سفرك للخارج من أجلها أليس كذلك؟
بلى.
حسنا، وفجأة تبدل حالها وكأن ماردا تلبسها وتمردت عليك بدون سبب.
كيف بدون سبب؟ السبب واضح ومعروف.. المبجل ابن عمك قام بحشو رأسها الغبي وإقحام أفكار مسمومة ضدي.. وأقنعها كي تفسخ الخطبة.
نظر إليه عبدالله بتلاعب وقال بتشفٍ خفي:
وقام بطلبها للزواج..
ماذا؟؟
تصنع الحزن وقال:
للأسف عزيزي، ما لا تعرفه أنه تقدم لخطبتها ووالدها عمي المجذوب وافق بالفعل وينتظر موافقة العروس التي هي بالأساس موجودة.
استشاط الآخر غضبا، وعلت ملامح الوجوم والاستنكار وجهه وقال:
ستتزوجه؟
بالتأكيد سيحدث ، قاسم هذا شيطان.. لا أعرف كيف يستطيع الإيقاع بهم في شباكه..
وتمتم بغيظ صادق وحقد دفين:
حقاً لا أعرف كيف يمكنه فعل ذلك.
كان خالد يقف صامتا بصدمة، يكاد الشرر يتطاير من عينيه، وهو يتخيلها بين يدي قاسم بغيرة وغضب، وهذا الشيطان ينفث سمومه بأذنيه قائلا:
على ما أعتقد أن قاسم قد خدعها وأوهمها أنه يحبها، ومن يدري ربما تكون قد حدثت بينهم بعض الأخطاء التي لا يمكن إصلاحها.. ولذلك قررت الاستغناء عنك وتريد الزواج منه.
تخضب وجهه بغضب وانتفخت أوداجه وقال:
الحقيرة!! ألهذا السبب كلما كنت اقترب منها تنفر مني؟
تحدث الآخر بمكر وقال:
حقيقةً لا أعرف ماذا كان يدور بينكما ولكن كل هذه مجرد تخمينات وتحليلات ليس أكثر، ولكن ما أود قوله هو أن حياة ملكك أنت وأنت من تستحقها لأنها لك من البداية؛ لذلك لا تتخلى عن حقك ابدا.
أومأ خالد مؤيدا ونظر إليه وقد أعمى الغضب عينيه وقال:
ماذا ترى؟ ما الذي يمكنني فعله؟
تململ متصنعا التفكير والحيرة، ثم نظر إليه ببرود قائلا:
حقيقة لا أعرف، ولكن على سبيل المثال يمكنك خطفها.
حدق به خالد بصدمة وقال:
ماذا؟ أخطفها؟
ولمَ لا؟ إذا قمت بخطفها والاعتداء عليها سيضطر عمي لتزويجها منك درءًا للفضيحة، أعتقد هذة هي الطريقة المثلى!
صمت يفكر بتشوش وتخبط بينما أردف الآخر محاولا إقناعه بدهاء شيطاني:
لا تحمل هما، يمكنني مساعدتك وتدبير كل شيء ، وفي النهاية لا تجعل ضميرك يؤنبك أنت من ستصلح ما أفسدته، يعني أنت من ستعتدي عليها وأنت من ستتزوجها، ولكنك ستتزوجها خاضعة، ذليلة، تشعر بالامتنان نحوك هي وأهلها لأنك سترتها ودرأت عنها الفضيحة وحفظت سيرتها وسيرة والديها من أن تلوكها الألسن، بعد أن كانت تتكبر عليك وتنفر منك.
غامت عيناه بتفكير مرهق ولم يعقب، بينما تحدث الآخر قائلا:
على كل حال القرار قرارك.. أنا فقط كنت احاول اقتراح بعض الحلول، ولكن في النهاية أنت حر.. هيا اعطني علاجا للصداع، رأسي سينفجر.
كانت حياة تجوب غرفتها ذهابا وإيابا وهي تتمتم:
يا إلهي ساعدني ، هل أقبل؟ أم أرفض؟ وإن قبلت سأكون قد أعلنت الحرب بيني وبين أختي.. هي تحبه وأنا أعلم ذلك..
أمسكت بجانبي رأسها بتعب ومسحت دمعاتها البائسة وهي تقول:
ولكنني أيضا.. ولكن ماذا يا حياة؟ يا إلهي لا يمكنني نطقها حتى.
جلست على حافة الفراش وزفرت بحيرة وقالت:
إن رفضت سيظل قلبي معلقا به مدى الحياة، أنا .. حقا أشعر بأنني.. أنا أحبه!
قالتها بتخبط وتردد وأجهشت ببكاء مدوي:
نعم حياة أنتِ تحبينه، تحبينه يا بلهاء!! أنتِ تحبينه منذ رأيتِه وهذا ما رفضتي دوما الاعتراف به أو مواجهة نفسك الضعيفة الجبانة به.. ولكن.. لا يمكنني أن أكون أنانية أبدا.. إن وافقت سأكون حكمت على علاقتي أنا وعنبر بالموت.. لن أجد سعادتي معه وأنا أعلم أن أختي تتعذب ..
مسحت دموعها أخيرا وقد اتخذت قرارها النهائي وذهبت إلى غرفة والدها الذي كان يجلس يقرأ بمصحفه، طرقت الباب فدعاها للدخول بابتسامة، فجلست بجواره وقالت:
أبي، لقد حسمتُ قراري.
تنهد بتوتر وتحفز وابتسم مشجعًا وقال:
حسنا حبيبتي وما هو قرارك..
سحبت نفسا عميقا ملأت به رئتيها ثم قالت بخفوت:
أنا.. أنا أوافق!
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نعمة حسن
انقبض قلبه لوهلة، ولكنه لم يظهر سوى ابتسامة حنونة وهو يربت فوق كفها ويقول:
- أنتِ تحبينه، أليس كذلك؟
رفرفت بأهدابها عدة مرات بتوتر واصفرّ وجهها وهي تقول بخفوت وخجل:
- نعم أبي، للأسف أحبه.
زم شفتيه بشفقة، وتنهد تنهيدة طويلة محملة بالهموم التي تحتل قلبه، ثم ربت على يدها قائلا بنبرته الحنونة:
- لا تأسفين على حبك له يا حياة، قاسم يستحق، قاسم رجل يستحق التقدير والاحترام، لم يكن منصفا ما حدث له أبدا.. لذلك هو يستحق الحب.. هو يستحق حبك ابنتي، يستحق أن يجد من يحبه بصدق وإخلاص، يحتاج لأمل يمحو عتمة الظلم الذي عاشه لسنوات ولا زال موشومًا بروحه.
أومأت مؤيدة كلام والدها بينما تابع بتحفز:
- ولكن يا ابنتي. ما سأقوله بعد عليكِ أن تعيه جيدا وتفكري به جيدا.
أومأت بموافقة فاستطرد:
- ولكنك ستعانين معه.
قطبت حاجبيها بتعجب ونظرت إليه باستفهام فقال:
- قاسم لم يستطع السيطرة على الصراع بداخله بعد. لا زال يتأرجح بين قاسم المسالم الذي تلقى صفعات الخذلان من كل أحبائه، وبين قاسم العدواني الذي لن يهدأ إلا بالثأر منهم.. وبين هذا وذاك أنتِ من ستعانين.
ابتلعت ريقها بوجل وهي تستمع إليه ليستأنف:
- قاسم يسير في طريق انتقامه بالفعل، والمرعب أنه لا ينكر ذلك.. اعترف لي أنه من دس المخدرات لعبدالله وزج به في السجن، فرأى أن السجن سيكون راحة له ولن يشبع نهم انتقامه فأخرجه كي يتسنى له التشفي فيه على مهل. وبعد أن أخرج عبدالله أدخل صديقه حسان بدلا منه لأنه يرى أن حسان أيضا يستحق العقاب.
نظرت إليه باستغراب فقال:
- لا تتعجبي، قاسم أخبرني بكل ذلك.. بطريقةٍ ما اعترافاته تلك تشعرني بالأمان نحوه، تجعلني أتأكد أنه نفسه قاسم المسالم الذي لا يبحث سوى عن حقه.. ولكن في النهاية أجدُ أنني عليّ الخوف.. منه وعليه.
وتنهد بتعب وأردف:
- طريق الانتقام طريقٌ وعرٌ يا ابنتي، طريقٌ محفوفٌ بالمخاطر، الشخص الذي يسعى للانتقام لا يشبع أبدا.
توترت ودب الرعب بقلبها بينما مسح على شعرها وقال:
- أتعرفين حبيبتي متى يشبع؟
تساءلت بعينيها فأجاب بابتسامة:
- فقط عندما يعشق.
اهتز بدنها وارتجفت شفتاها وهو يتابع:
- الحب والحقد لا يجتمعان أبدا يا حياة، العلاقة بينهما علاقة عكسية، إذا ما تواجد أحدهما ينفر الآخر فورا، المحب لا يستطيع أن يحقد أبدا، والحقود لن يعرف للحب سبيل.. ها هي مهمتك صغيرتي.
ابتلعت ريقها بوجل فقال:
- ستغمرينه بالحب، أنتِ تحبينه بالفعل.. ستملأين حياته بحبك وبراءتك.. أثق أنكِ تستطيعين فعلها، كما أثق أنها مهمة صعبة.. وصعبة جدا.. ستتخبطين، وتتعثرين، سيبرق الأمل في منتصف الطريق ويخبو مجددا، ستشعرين باليأس، وتتراجعين، فيبرق الحب من بعيد.. ويجعلكِ تتحمسين مجددا.. ستمر عليكِ أيام صعبة، تبكين فيها.. وأيام تكونين كمن تفترش السحاب وتطير عاليا.. ولكنكِ في النهاية ستصلين!
سالت دموعها بقوة، كلام والدها أثار كل جوارحها، استفز دموعها بطريقة جعلتها تجهش في البكاء دون توقف.
ولكنه لم يكن ليتراجع، فلا بد أن يمسي ذلك الأمر محسوما وللأبد!
- لا تظني أن بزواجك منه ستكونين ملكتِ العالم بأسره، لا.. ستقابلك بعض العثرات وأحيانا سيراودك الشعور بالندم واليأس، ولكنك ستتذكرين كلامي هذا وتبتسمين بكل ثقة وتطمئنين روحك أنه سيمر.
احتضنته وتشبثت بعنقه فمسح دمعاتها بيديه الحانيتين وقال:
- كوني له نورًا يا حياة، لا تضليه أبدا يا ابنتي، بقدر عشقك له كوني له مصباحًا يريه الحقيقة بأحلك لحظات الظلام، هذه مهمتك التي لا بد أن تنجحي فيها، لا تيأسي ولا تستسلمي.. أنتِ من ستقضين على قاسم العدواني وتعيديه إلى نسخته القديمة المسالمة البريئة.
أومأت بموافقة وهي لا تزال تتشبث بعنقه فأكمل:
- لقد وافقت على تلك الزيجة لأن كلاكما تحتاجان لبعضكما البعض، قاسم يحتاج حبًا نقيًا صادقًا يكون له تعويضا ومكافأةً عما عاشه، وأنتِ تحتاجين حمايته، وأنا أثق أنه سيحميكِ من نفسه قبل الكل.
ختم حديثه بقبلة على جبينها وربت على كتفها وقال:
- سأبلغه بموافقتك ونحدد موعد الخطبة.
اهتز قلبها بسعادة غامرة وأومأت بابتسامة مترددة، ثم عادت إلى غرفتها بينما هو يتمتم بشرود:
- تُرى هل ستصلح ما أفسدته يا صالح أم أنك تزيد الفساد فسادا؟!!
كانت سارة قد انتهت للتو من وضع أغراضها بغرفتها الجديدة، ووقفت تتأملها عن بعد بابتسامة، فإذ بها تتفاجأ بوالدتها تقف خلفها وهي تمسح على شعرها بحنان لأول مرة تختبره وتقول:
- ها سارة؛ ما رأيك في بيتنا الجديد؟
ابتسمت سارة بسعادة وقالت:
- رائع، أشعر براحة نفسية رهيبة.
- أنتِ محقة، لقد راقني الجو هنا كثيرا، منظر البحر ساحر.
بتر حديثهما صوت رنين الجرس فنظرتا لبعضهما البعض وقالت فتون:
- من يا ترى؟!
هتفت سارة بحماس:
- أكيد قاسم.
كانت الخادمة قد وصلت للباب بالفعل وفتحته فطلت عليهم فريال بابتسامتها العريضة وهي تقول:
- مساء الخير!!
دخلت وهي تحمل صينية فوقها طبق مستطيل مغلفا وقالت:
- قلت أنه لا بد أن تتذوقا حلواي! ستعجبكما بكل تأكيد.
ونظرت إلى الخادمة وهي تقول:
- هيا أعدي لنا الشاي.. أشربه بدون سكر.
نظرت كلا من فتون وسارة لبعضهما البعض بتعجب ونظرا إليها وهي تتجه نحو الطاولة فجلست عليها ووضعت الطبق وهي تقول:
- لا يمكنكما تخيل مدى سعادتي بأننا أصبحنا جيرانا، يا إلهي لقد كنت وحيدة بتلك البناية، ولكن الله استجاب لدعواتي ورزقني بجيرتكم وجيرة السيد قاسم.
وأخذت قطعة من الحلوى وقضمتها وهي تشير إليهما وتقول:
- هيا هيا تفضلا.. لمَ تقفان بأرضكما هكذا؟
تقدمت فتون وسارة وجلست كلا منهما وهما تتطلعان نحوها بريبة فقالت:
- أعرف أنكما متعجبتان من عفويتي وانطلاقي الزائدين، وهذا لأنكما لا تتخيلان مدى سعادتي بأن أخيرا أصبح لي رفقة بهذا المكان الموحش.
تحدثت سارة أولا فقالت:
- هل تسكنين بمفردك منذ زمن بعيد؟
- أجل، منذ زواجي وأنا وحيدة هنا، حتى بعد موت زوجي وبعد أن تم بيع الشقة بالأسفل ظلت مغلقة لسنوات عدة إلى أن أتى قاسم وسكنها..
وابتسمت بحالمية وهي تقول:
- لقد أنار البناية والحي بأكمله، ستظنان أنني أبالغ، ولكنني فعلا أصبحت أشعر بالأمان في وجوده بالعمارة، إنه شخص لطيف وودود جدا بالرغم من صلافته وتكبره..
حملقت بها كلا من فتون وسارة بعدم ارتياح بينما ابتسمت هي وقالت:
- معلومة بسيطة، هذه البناية ملكي! كانت ملك للمرحوم زوجي وبعد وفاته ورثتها عنه.
واهتزت حدقتيها وهي تتذكر الماضي وتقول بابتسامة واهية:
- لقد تزوجتُ في عمر الخامسة عشر!
نظرت إليها سارة بفزع وصدمة فاستطردت فريال وقالت:
- باعني أبي لرجل عربي يكبرني بثلاثين عاما مقابل أن يتنازل عن دعوى كان قد رفعها ضد أبي لأنه كان قد اقترض منه مبلغا ضخما ولم يسدده، أبي كان يعمل موظفا بشركته ومر بضائقة مالية كبيرة، وفجأة عرض عليه الشيخ رحمه الله أن يساعده، فرح أبي كثيرا وظن أنه يساعده لوجه الله، وما لم يكن يعرفه أن الشيخ رحمه الله كان يتصيد الفرص من أجل استغلال ومساومة كل المحيطين به، لقد كان مهووسا بزواج القاصرات، تزوج قبلي ما لا يقل عن سبع قاصرات، منهن من انتحرت ومنهن من هربت، ومنهن من أصيبت بالاكتئاب ودخلت مصحًا نفسيًا، أنا الوحيدة التي دام زواجها منه حتى وفاته، يقول أنني الوحيدة من بين هؤلاء اللواتي تزوجهن من دخلت قلبه، لن أنكر أنه كان حنونا، رأيتُ منه حنانا لم أرَ مثله من أبي، ولكنه كان خوانًا، كان يشك بأصابع قدمه، يشك بالهواء من حوله، كان متملكًا لأبعد حد.. لذلك لم يقبل بأي ساكن أو مستأجر في العمارة، غالبًا كان يفقد الثقة بنفسه ويخشى أن أخونه، عزلني عن العالم الخارجي ووضع لي حدودا خانقة، ممنوع الخروج إلا برفقته، ممنوع زيارة أي شخص، ممنوع تكوين صداقات أو التعرف إلى أشخاص جدد، ومليون ممنوع كنت أواجهه.
كانت سارة وفتون تستمعا إليها بحزن وشفقة وهي تستطرد:
- استسلمت للأمر الواقع ورضيت بالعزلة التي فرضها عليّ، كنت أتطلع للسماء دوما وأدعو أن يرحمني الله من ذلك العذاب، وذات مرة طلبت منه أن يسمح لي بالخروج بمفردي لأنني كنت أمر بحالة نفسية سيئة جدا رفض؛ فدعوتُ الله أن يبتليه بمرض يعجز عنه الأطباء. بعدها بشهر واحد أصيب بمرض عصبي نادر تطور بشكل سريع جدا، وأثر على خلايا الأعصاب في الدماغ وأدى لضمور الخلايا العصبية الحركية ومات.
وتنهدت بتعب وألم وأكملت بابتسامة مترددة:
- أرجو ألا تخافا، لقد استجاب الله دعوتي لأنه شاهدا على ما مررت به من ظلم وقهر، أصبحت أرملة وأنا في عمر الخامسة والعشرين، تقدم للزواج مني رجال كثيرون طمعا في ما ورثته عن الشيخ، ولذلك كنت أرفض، بعد موته انطلقت.. خرجتُ من البناية كالطفل حديث الولادة الذي لا يجيد سوى البكاء، بدأت أتعرف على المدينة.. أكتشف الشوارع والطرقات والأزقة لأول مرة، أكتشف العالم الخارجي وأتعامل معه بخوف وحذر..
أقبلت عليهم الخادمة تحمل الشاي ووضعته على الطاولة وجلست بالقرب من باب المطبخ لتستمع إلى باقي تلك القصة المأساوية، أما فريال فأمسكت بقدح الشاي وبدأت تشرب وهي تتابع:
- أردت تعلم القيادة؛ فاستعنت بسائق الشيخ رحمه الله..
وابتسمت بحزن وقالت:
- نادر.. كان يدعى نادر، هو من ساعدني في كل شيء، وضعتُ ثقتي كلها به.. ساعدني في أمور كثيرة وفجأة وجدت نفسي واقعة في حبه، عرضتُ عليه الزواج، وافق فورا.. تزوجنا بشقتي.. أمضيتُ برفقته أسبوعا لا زلت أعيش على ذكراه حتى الآن.
وصمتت واهتزت حدقتيها بحزن ولمعت عيناها بحزن فقالت فتون بترقب:
- هل مات؟
أومأت بنفي فتساقطت الدموع من عينيها غدرا وقالت:
- لا، سرق كل محتويات الخزنة وهرب!
وأطلقت فجأة ضحكة رنانة وهي تمسح دمعاتها وتقول:
- اعذراني، لقد عشت فيلما أغرب من الخيال، وما عشته كان كافيا أن يذهب بعقلي..
ابتسمت فتون بتعاطف وقالت:
- وماذا بعد أن هرب؟ ماذا فعلتِ؟
رفعت كتفيها بلا مبالاة وقالت ببساطة:
- لا شيء، اعتبرت أن ما سرقهُ من الخزنة كان نظير السعادة التي عشتها معه خلال ذلك الأسبوع.
وأحاطت قدح الشاي بكفيها وقالت ببساطة:
- لأنني أدركت حينها أن لا شيء بدون مقابل، ومن يظن ذلك فهو غبي.
تحدثت سارة قائلة بتردد:
- وماذا بعد؟
نظرت إليها مبتسمة وقالت:
- أما بعد يا سنفورتي فلقد تعلمت الدرس جيدا، لا أمان للبشر.. هذا أولا.. وثانيا لن يمنحك أحدهم شيئا بدون مقابل؛ لذلك عدتُ لوحدتي من جديد ولكن أحاول التعرف على أشخاص جدد، وبالنسبة لأملاك الشيخ رحمه الله تبرعت بها كلها لصالح الأيتام وأطفال الشوارع، وتركتُ فقط هذه البناية.. وها قد تم بيع الشقة التي يسكن بها قاسم وهذه الشقة لم يبق سوى الشقة بالطابق الأخير.. وأفكر باستغلالها.. ما رأيكما بمشروع نادي النساء السري؟
نظرت إليها سارة وفتون باستغراب فأردفت بابتسامة:
- أرى أنه سيكون مناسبا أن نصمم مكانا خاصا بالسيدات، تجتمع فيه النساء ويتشاركن همومهن وآلامهن وطموحاتهن وآمالهن كذلك.. ما رأيكن؟
بدا التعجب جليا على وجه فتون التي قالت:
- حقيقةً لا أعرف، ولكن.. الفكرة جيدة إلى حدٍ ما ولكن تحتاج إلى تخطيط أفضل.
أومأت بحماس وقالت:
- نعم، على كل حال سنجتمع كثيرا ونتحدث بكل التفاصيل على مهل والآن أستأذن.. لقد طننتُ فوق أذنيكما كثيرا، هيا تصبحان على خير.
وانصرفت فجأة كما حضرت فجأة، فتنهدت سارة وقالت:
- يا إلهي ما هذا؟ من يراها لا يصدق أن لديها قصة مأساوية بهذا الشكل.
أومأت فتون بشرود وقالت:
- صحيح، المظاهر دائما خادعة.
أومأت سارة وقد شردت هي الأخرى ثم قالت:
- عيد ميلاد أبي غدا.
أومأت فتون بعد أن زفرت بقوة:
- صحيح، سيتم سبعًا وأربعين عاما.. يا إلهي، لقد أصبح كهلا.
ابتسمت سارة بحنين وقالت:
- ولكنه لا يزال وسيما.
ضحكت أمها بخفة وهي تنهض عن الطاولة وتقول:
- لا أظن، هيا تصبحين على خير.
وتركتها ودخلت إلى غرفتها بينما تتمتم سارة بحنق طفولي:
- لا تظنين ولكنني متأكدة.
كانت حنان تتمدد على فراش والديها وهي تفرد ذراعيها بجانبها وتتطلع إلى سقف الغرفة بشرود ودموعها تتساقط على جانبي خديها بهدوء.
تتذكر أيامًا مرت عليها بذلك البيت، تتذكر ذكرياتها في طفولتها هي وأخيها.. وتتذكر لمحات من ذكرياتها مع أبيها.
أجهشت بالبكاء وهي تردد:
- أنا آسفة أمي، أعتذر أبي، لم أكن الابنة التي كنتما تطمحانها أبدا .
ونقلت بصرها نحو الإطار المعلق على الجدار بجوارها والذي يضم صورة والديها وابتسمت بحزن وهي تقول:
- أعتذر لكما، لقد خيبت بي كل الظنون، هل ستسامحاني؟
رن هاتفها فنظرت إليه لترى اسم زوجها هو المتصل فرفضت المكالمة وأغلقت الهاتف وهي تردد:
- أنا لم أكن حنان التي زرعتما بها الخير والطيبة، كنت مسخًا.. تحولت لمسخ بفعل وهم اسمه الحب، نحيتُ كل شيء جانبا وتخليت عن كل شيء مقابل حب عقيم..
وهزت رأسها بتأكيد وقالت:
- أجل، حب عقيم..
أخرجها من شرودها فجأة صوت جرس الباب فهتفت بأمل:
- قاسـم؟!
نهضت من مرقدها وركضت نحو الباب فإذ بها تستمع لصوت عزيز يقول:
- حنان، أرجوكِ افتحي.
خاب أملها وشعرت بالإحباط واليأس، فتراجعت عن فتح الباب وأسندت ظهرها إلى الباب وهي تقول:
- ماذا تريد يا عزيز؟ لماذا أتيت إلى هنا؟
- أتيت من أجلك، أنتِ تعرفين أنني أحبك، لذلك تتدللين..
ابتسمت بحزن وخذلان وقالت:
- يا ليت.
- عزيزتي حنان افتحي ودعينا نتحدث بهدوء.. أعرف مما أنتِ غاضبة بالتحديد، كلام زوجة عمي سامحها الله هو من أثار ضيقك.
- لا عزيز، زوجة عمي لم تقل سوى الحقيقة، أرجوك لا أريد التحدث الآن، أمهلني بعض الوقت رجاءً.
تنهد بقلة حيلة وقال:
- حسنا حنان، كما تشائين، تصبحين على خير.
انصرف فأسقطت رأسها فوق ركبتيها بحزن وأخذت تبكي بندم وخزي.
كان قاسم متمددا فوق فراشه وهو يمسك بهاتفه ويشاهد مقطع الفيديو الذي قامت سماهر بتصويره لعبدالله وهو يحاول كبح جماح ضحكاته ثم أغلق المقطع وهو يتمتم بتفكير:
- ليس الآن يا قاسم، كل شيء بالوقت المناسب.
تنهد وألقى بالهاتف بجواره وأخفض ضوء المصباح استعدادا للنوم ولكنه لم يكحل جفنيه ولم يواتِهِ وسبح في أفكاره وما فعله وما أقدم عليه وهو يتحدث إلى نفسه قائلا:
- ترى هل ما فعلته صائب أم لا؟!
فجأه ارتفع رنين هاتفه برقم حياة فابتسم وهو يطالع اسمها ويقول:
- كنت أعرف أنكِ أشجع مني.
أجاب الاتصال قائلا:
- مرحبا حياة.
صمتت لبعض الوقت ثم تنهدت مطولا وقالت:
- هل سننجح؟
صمت للحظات يستوعب سؤالها، ثم سرعان ما فهم قصدها فابتسم وقال بثقة:
- نعم، كوني واثقة.
صمتت مجددا ثم قالت:
- ولكن الأمر ليس سهلا..
قال بثقة:
- وليس مستحيلا..
- إذًا ما بين السهل والمستحيل صعب..
- نعم، هو كذلك .. والمهام الصعبة لا تُوّكل إلا للشجعان، هل أنتِ شجاعة بما يكفي كي نخوض حربا لا هدنة بها؟!
تنهدت بحماس طفيف وازداد توترها وقالت:
- نعم، أنا شجاعة للغاية.
تنهد براحة كبيرة تغمره ثم قال:
- أعرف ذلك.
صمتت لثوانٍ ثم قالت:
- قاسم، أرجوك لا تجعلني أشفق على نفسي ذات يوم.. أعلم أنها ستكون حربا ضروسًا سأواجه بها الكثير وصدقني أنا على أتم الاستعداد لذلك، ولكن مطلقا لا تجعلني أشفق على نفسي.. عدني أرجوك.
زفر بتوتر وتردد ثم قال:
- أعدك.
سكن اضطراب قلبها قليلا ثم تنهدت بهدوء وقالت:
- حسنا، على كل حال أبي سيبلغك بقراري غدا.
ابتسم، ثم تحولت ابتسامته لضحكات فقالت بضيق:
- لماذا تضحك يا تافه؟ هل قلت مزحة؟
- لا أبدا لاسمح الله، ولكنني أضحك من فرط تلهفي لمعرفة قرارك الغامض هذا الذي لا أعرف عنه شيئا حتى الآن.
- أشعر بأنك تسخر مني ولكنني لستُ في حال جيد لمجادلتك، هيا تصبح على خير.
صمت للحظات ثم قال:
- حياة…
- ها؟
- أنتِ أروع إنسانة في الوجود.
تسللت الابتسامة الى شفتيها بخجل وهمست:
- وأنت كذلك.
وأنهت الاتصال فورا ودست هاتفها أسفل الوسادة وغطت في نومٍ عميق.
بينما كان هو يتأمل الهاتف بابتسامة ثم ضحك وهو يهز رأسه بيأس ويقول:
- سيخبرني والدها بقرارها إذًا، أقسم أنها اختارت أسماء أولادنا منذ خمس ساعات وانتهى الأمر.. تبا لدهائك ومكرك يا حياة.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نعمة حسن
كان نائماً، فإذا به يسمع صوت طرقات على باب الشقة. نهض وهو ينظر لنفسه متعجباً وإلى المكان من حوله ليتفاجأ بأنه ينام على فراش والديه بالشقة القديمة. أخذه من شروده صوت طرقات الباب مرة أخرى، فهرول متجهاً نحوه وفتحه ليتفاجأ بآخر شخص من الممكن أن يزوره.
"أبي؟!"
قالها بدهشة. وفجأة عانقه بحرارة وهو يقول:
"لقد اشتقت لك كثيراً يا أبي، تفضل."
دخل والده وهو يتطلع إلى جدران البيت بحنان وابتسامة حزينة، ثم جلس على مقعده المعتاد بعد أن نفض الغبار من عليه وقال مبتسماً:
"كيف حالك يا بني؟ أين حنان؟"
ابتسم قاسم قائلاً:
"أنا بخير، حنان نائمة، لحظة سأوقظها."
هم بالنهوض، فأمسك والده برسغه وقال:
"لا، هي متعبة، لا توقظها، فقط كن بجانبها."
قطب جبينه متعججباً وكان سيسأله عن مقصده، ولكنه سبقه وردد:
"كن بجانبها يا قاسم."
وابتسم ابتسامة حزينة. فهز قاسم رأسه بموافقة كالمسحور وهو لا يزال يتطلع إلى والده بشرود، ثم قال:
"كيف حالك أبي؟ لمَ لم تأتِ أمي معك لزيارتي؟"
نظر إليه أبوه نظرة لائمة ثم قال بابتسامة حنونة:
"تسأل عن أمك يا قاسم وأنت لم تزُرها؟ للأسف غالية غاضبة منك وبشدة، تقول أنها لن تأتي لزيارتك إلا إذا زرتها أنت أولاً."
تجهم وجهه بحزن وضيق، ثم قال:
"معك حق، أنا انشغلت للأسف عن زيارتها."
كرر والده نظرته اللائمة وقال:
"لا تنشغل عن عائلتك يا قاسم، العائلة أولاً يا ولدي."
أومأ قاسم مؤكداً وهو ينظر لوالده الذي مد يده في جيب جلبابه وأخرج عملتين ذهبيتين وأعطاهما لقاسم وهو يقول:
"خذ يا قاسم، هذه هديتك لحياة."
أخذ منه قاسم العملتين ونظر إليهما بابتسامة مشرقة ثم دسّهما في جيبه وقال بنبرة مطمئنة:
"لم يحِن موعدهما بعد يا أبي.. سأعطيهما لها في الوقت المناسب."
أومأ والده بابتسامة ونهض متجهاً نحو غرفته، ثم نظر إلى قاسم مجدداً وقال:
"لا تغفل عنها يا قاسم، العائلة أولاً."
***
استيقظ قاسم فجأة من نومه وهو يبحث حوله ويهمس:
"أبي.. أبي كان هنا!!"
استمع فجأة لآذان الفجر يصدح في الأرجاء، فأدرك أنه لم يكن سوى حلماً. أسند جبهته فوق كفيه بألم وهو يتمتم:
"رحمك الله يا أبي، ورحم أمي.. رحمكما الله."
بدأ يستعيد كلام والده عندما أخبره أن والدته غاضبة منه، فنظر أمامه بصدمة في لحظة إدراك أنه لم يقم بزيارة والديه منذ اليوم الذي خرج فيه من السجن!! لونّت الصدمة ملامحه وأخذ يمسح على وجهه بغضب ويرجع خصلات شعره التي استطالت مؤخراً إلى الوراء ويقول:
"استغفر الله العظيم، ماذا دهاك يا قاسم! ماذا دهاك؟"
نهض متجهاً إلى الحمام، توضأ وخرج، ثم وقف يصلي الفجر. وبعد أن انتهى جلس بالشرفة يتأمل منظر البحر الهادئ من أمامه، مغمضاً عينيه باسترخاء. وفجأة تذكر وصية والده بأن لا يغفل عن أخته!! انقبض قلبه فجأة وأمسك هاتفه واستدعى رقمها، ثم توقف للحظات متردداً. وفي النهاية حسم أمره وقام بالاتصال بها ولكنه وجد هاتفها مغلقاً؛ مما أثار قلقه أكثر. وظل يحاول محاولات عديدة دون جدوى.
بلغ منه القلق مبلغه ولكنه كان يحاول طمأنة نفسه وهو يقول:
"لا بأس قاسم، من الممكن أن يكون الهاتف قد فرغ شحنه، أو تغلقه منعا للإزعاج، بالتأكيد ستعاود الاتصال بي عندما ترى رسائلي.. ولكن.. هل وصية أبي تلك مجرد صدفة؟! بالتأكيد لا."
نهض فوراً وارتدى ملابسه على عجالة، ثم انطلق على الفور صوب بيت حنان وهو يردد بتوعد:
"أقسم إن كنت أذيتها يا عزيز لن أرحمك!"
***
كان عزيز يجلس فوق الأريكة، ممسكاً بصورته هو وحنان بِيَد وباليد الأخرى يمسك بزجاجة خمر يتجرعها وهو يبكي ويتحدث إلى الصورة قائلاً:
"عصفورتي هل كرهتيني؟ يا ويلي إن كنتِ كرهتيني حنان، ما فائدة الحياة إذا؟"
رفع الزجاجة إلى فمه وتجرع ما تبقى منها دفعة واحدة وهو يقول:
"أذهب للجحيم أفضل إذا.. ما قيمة حياتي إن لم تقاسميني بها يا حبيبتي؟"
ورفع الصورة إلى فمه وقبلها ثم وضعها فوق قلبه، وأسقط رأسه للخلف مغمضاً عينيه وهو يقول:
"كنت تعلم يا عزيز.. ذلك الانفجار كان متوقعاً، صغيرتي كبرت.. نضجت وأدركت ما فعلته أنا والآن باتت تحقد عليّ، تخاصمني وتهجرني لأنها تعلم أن هجرها يعني موتي."
مسح دمعاته بحزن ونظر للصورة مجدداً وقال:
"أنا آسف يا صغيرتي، كنت أنانياً معكِ. سامحيني حنان."
أمسك بالهاتف يحاول الاتصال بها مجدداً ولكن ككل مرة يجد الهاتف مغلقاً، فألقى به بنفاذ صبر ليصطدم بالحائط ويسقط أرضاً، ثم تبعه بالزجاجة الفارغة فتهشمت. ونهض وهو يحاول استعادة وعيه وتركيزه وهو يتحدث إلى نفسه ويقول:
"ماذا أفعل هنا؟ أجلس وأنوح كالنساء؟ لا يفترض بي أن أكون هنا الآن، من المفترض أن أذهب وأجلس على بابها حتى ترضى وتسامحني."
فجأة استمع لجرس الباب فذهب بتباطؤ، يجر قدميه بثمالة، وفتحه ليصدم برؤية قاسم!
"قاسم؟!"
طالعهُ قاسم بتعجب، هيئته المشعثة، هندامه الغير مرتب، وعيناه الحمراوان وعلى وجهه أثر البكاء! وأخيراً رائحة الخمر التي تفوح منه بوضوح.
ابتعد قاسم خطوة للوراء بنفور وهو لا يزال يتفحصه بقلق وقال:
"ما هذه الحالة؟"
ونظر بالداخل وهو يتابع:
"أين حنان؟ هل هي بخير؟"
دفعه للخلف ودخل مندفعاً يبحث عنها بقلق وهو يقول:
"أين حنان؟ هل أصابها مكروه؟ هل هي بالغرفة؟"
ونظر إليه بنفاذ صبر فرآه وقد تهدل كتفيه بإحباط وحزن وقال بانكسار:
"حنان ذهبت، تركتني وغادرت."
رجع إليه ووقف أمامه مباشرةً وهو يقول:
"أين ذهبت؟ انطق أين ذهبت أختي؟"
"ذهبت عند والديها."
طالعهُ بصدمة وجحظت عيناه بفزع وهو يقول:
"ماذا؟ ماذا يعني أنها ذهبت عند والديها؟ ماذا حدث لأختي يا عزيز، انطق وإلا أقسم أنني سأقوم بدفنك بأرضك."
نظر عزيز إليه وهو يحاول استعادة وعيه والخروج عن حالة التيه التي تغمره وقال:
"هي بخير، أقصد أنها بشقة والديها الآن، ببيت العائلة."
تقوس حاجبيه بتعجب وقال:
"ببيت العائلة؟ والسبب؟"
ثم أمسك بتلابيبه بغضب وتحفز وقال:
"ماذا فعلت بها؟ من المؤكد أنك أذيتها وأخطأت بحقها.. تكلم يا حقير."
كان قاسم يهزه بقوة وغضب دون أي مقاومة منه، فكان يقف يتأرجح بين يديه باستسلام وهو يتمتم بدون تركيز:
"حسناً هي غاضبة، بسبب ما فعلته بالماضي، هي تحاسبني على ذنب اقترفته منذ عشر سنوات، حسناً أنا.. أعرف أنني أخطأت، لقد كنت.. كنت حقيراً، أنانياً لا أفكر سوى بنفسي.. أعترف أنني أخطأت ولكنني أحبها.."
ونظر إلى قاسم وهو يبكي وقال:
"أقسم أني أحبها.. أقسم أني أحبها."
أخفض قاسم يده وأعادها إلى جواره وهو ينظر إليه متفاجئاً من تلك الحالة التي يراه عليها لأول مرة، ثم تنهد مطولاً وقال:
"سأذهب إليها، لا تضغط عليها ودعها وشأنها."
وانصرف وتركهُ يتحدث إلى نفسه بضياع ويقول:
"أساساً أنا لا أملك سوى هذا الحل، ما قلتهُ ليس جديداً."
***
انطلق قاسم بسيارته نحو بيت العائلة! صعد مسرعاً ورن جرس الباب بتلهف، ثم وقف ينتظر ردها فاستمع إليها بعد دقائق تقول:
"ما لدي قلته عزيز، أرجوك لا تضغط عليّ أكثر."
فتح الباب بمفتاحه الخاص ودخل فتفاجأ بها تجلس خلف الباب فقال:
"حنان، حبيبتي.."
نظرت إليه بتفاجئ ثم سرعان ما ارتمت بحضنه وأجهشت ببكاء مرير.
زفر قاسم مطولاً وهو يضمها إليه ويردد بأسى:
"أنا آسف.. أعتذر."
قالت وهي تطوق عنقه بيديها وتنتحب:
"أنا من أعتذر، لقد أخطأت بحقك أخي، سامحني."
أبعدها عنه ونظر إليها يحاول استيعاب ما أصابها، ثم مسح دمعاتها بحنان وهو يقول:
"ما بكِ حنان؟ أخبريني ما بكِ، هل أنتِ بخير؟"
هزت رأسها بنفي وقالت:
"لا، لست بخير أبداً، أشعر بالتشتت والضياع، أشعر بالندم، أشعر بالقرف من نفسي."
ضمها إلى صدره وقبل رأسها ثم قال:
"لا بأس، لا بأس كل شيء قد مضى."
ابتعدت عنه وهي تنظر إليه بقهر وتقول:
"لا أخي، لم يمضِ.. ولن. قاسم أنا أشعر كأنني كنت مغيبة، معمية، مخدرة، مسحورة، أجل.. كنت مسحورة، وعندما زال تأثير السحر أدركت فداحة ما ارتكبته.."
وانغمست في نوبة بكاء جديدة وهي تقول بهيستيرية:
"كيف سامحتني أخي؟ أي قلب تملك؟ كيف استطعت النظر بوجهي بعد كل ما فعلته؟ أنا إنسانة حقيرة، لا تستحق عطفك ولا حنانك.. أنا فعلاً ما فعلته وأنت تناسيت وعدت أخي الكبير مجدداً، وها أنت تركض إليّ قلقاً وتسأل عن أحوالي، أنا لا أستحق اهتمامك هذا، صدقني أنا إنسانة جشعة أنانية لا تهتم سوى بمصلحتها."
ضمها قاسم إليه وهو يحاول تهدئتها ويقول:
"لا حنان، أنتِ حنونة، تملكين قلباً نقياً أنا أثق بذلك.. لا بأس لا تهتمي بما مضى."
وأمسك بوجهها بين كفيه وهو يقول:
"انظري إليّ، انظري لأخيكِ.."
نظرت إليه بانتباه فقال بابتسامة مهزومة:
"ها أنا أقف شامخاً، لا يهمني ما مضى، ولا يهمني القادم، ما حدث لم يؤثر بي، انظري إليّ جيداً.. أملك كل شيء كان يصعب علي التفكير به حتى، أخوكِ كالوتد لا تقلقي."
سكنت أخيراً بعد نوبة بكاء متواصلة، ثم مسحت وجهها وهي تقول:
"كيف عرفت أنني هنا؟"
تنهد بتعب وهو يرمقها بشفقة:
"عزيز."
اضطرب قلبها وأحست بالدماء تهرب من عروقها وقالت:
"ماذا قال لك؟"
تنهد وهو يسحبها من يدها ثم دخلا إلى الشرفة وجلسا مقابل بعضهما البعض وقال وهو ينظر أمامه بشرود:
"لم أكن أعلم أنه يحبك هكذا."
سالت دموعها مجدداً فقال:
"وأنتِ تحبينه، لذلك برأيي ألا تطيلي خصامكما وارجعي إلى بيتك."
مسحت دموعها وتساءلت مجدداً:
"ماذا أخبرك عزيز؟ هيا قل لي."
"ذهبت إليه لأطمئن عليكِ بعد أن اتصلت بكِ مراراً وكان هاتفك مغلقاً، وجدتهُ في حالة يرثى لها حقيقةً، يبكي ورائحة الخمر تفوح منه بطريقة مُحزنة، وقال أنكِ تركتِه بسبب ما فعله سابقاً وهذى بكلمات من هذا القبيل."
أطرقت برأسها أرضاً فاقترب منها ومد يده أمسك بيدها وقال:
"حنان، ارجعي لزوجك.. هو يحبك وأنتِ تحبينه.. لمَ العذاب إذا؟ وإن كنتِ تفكرين فيما مضى فأنا سامحتكما، عزيز إنسان ضعيف.. للأسف يسهل خداعه، منذ صغره وهو تابع لعبدالله في كل شيء، ودائماً كان كالدمية بين يديه يحركه كيفما شاء ويستخدمه كيفما شاء، للأسف هو سلبي ولكنه يحبك بصدق، وطالما أنكِ تحبيه وتتعذبين في بعدك عنه ارجعي إليه وصدقيني أنا سأكون سعيداً لأنكِ سعيدة."
نظرت إليه بعينين يائستين وقالت:
"الأمر تجاوز ما حدث في الماضي قاسم، الأمر أصبح يخصني أنا، أنا استيقظت من الغيبوبة التي كنت غارقة بها فجأة، طوال عشر سنوات كنت مغيبة، عزيز خدعني واستغلني يا قاسم، هذا ما يقهرني ويجعلني أشفق على نفسي، أنه استغلني بتلك الطريقة.. في حين كان من المفترض أن يدعمني ويقف بجواري في تلك المحنة ويرشدني للصواب، استغل صغر سني وتعلقي به واستغلني لأجل مصلحة أخيه.. جعلني أرتكب خطأً فادحاً لا زلت أعاقب عليه حتى الآن.."
واهتز بدنها وسالت دمعاتها بغزارة وهي تقول:
"ابنتي، ابنتنا ماتت.. ولا أستطيع تعويضها.. هل سأظل وحيدة ما تبقى من عمري قاسم؟؟ هل حرمت من أن أكون أماً للأبد؟ يا إلهي.. سامحني.."
أسندت جبهتها على يدها وهي تبكي بصمت، وهو يجلس أمامها يطالعها بشفقة، يراقب تخبطها، حزنها، يأسها واستسلامها، يراقب خلجاتها الحزينة المنكسرة..
وبعد فترة طويلة ظلا فيها صامتين نهض ومسح على شعرها وقال:
"عليّ أن أغادر، لدي يوماً مليئاً بالمتاعب، هل ستبقين هنا أم تذهبين معي لشقتي؟"
"لا، أود البقاء هنا."
أومأ بهدوء وقال:
"ستسمحين له بالحديث معك، لا بد أن تتحدثا حنان، سيكون هذا في صالحكما."
أومأت مجدداً بهدوء فانحنى وقبّل رأسها وقال:
"سأخبر حياة كي تصعد وتبقى معك، لا ينبغي أن تبقي وحيدة هكذا."
نظرت إليه باهتمام وقالت:
"هل تحبها قاسم؟"
اضطربت ملامحه بصمت ولم يجب فقالت بحزن:
"لماذا إذًا؟؟ ألا ترى أن هذا ظلماً؟"
"لن أظلمها أبداً يا حنان، كوني واثقة من ذلك."
نهضت ووقفت أمامه ونظرت إلى عينيه مباشرةً وقالت:
"وما السبب إذا؟ ما الذي طرأ فجأة وجعلك تطلب الزواج منها؟ هل لأنك تود قهر عنبر و..."
"اصمتي حنان.."
قاطعها وأردف:
"آخر همي هو أن أقهر عنبر أو أن أثبت لها شيئاً، لدي أسبابي للزواج من حياة وعمي يعرفها، صدقيني أخوكِ ليس سيئاً بهذا القدر كي يستغل إنسانة لم يرَ منها إلا كل الخير."
تنهدت بعدم ارتياح وقالت:
"أرجوك قاسم، إلا حياة."
ابتسم مطمئناً وربت فوق كتفها وقال:
"لا تخافي، إلا حياة."
أخذ أغراضه وانصرف وتركها تتمتم بحيرة:
"لا أفهمك أخي، لا أفهمك وأشعر بأنني أتعرف على قاسم جديد، إنسان لا أعرفه أبداً.."
وجلست وهي تتابع بزوغ النهار وتحدث نفسها قائلة:
"أبهذا القدر تغيرنا؟ أصبحنا بعيدين كل البعد، للأسف أصبحنا بعيدين وكأن ما يربطنا اسماً فقط!"
***
خرج قاسم من شقة والديه، ثم وقف للحظات يحاول استعادة صلابته ورباطة جأشه، ثم نزل فتوقف أمام شقة عمه الذي انفرج بابها فجأة وظهرت حياة التي تلبد وجهها وذهب لونه عندما رأته وقالت:
"بسم الله، قاسم؟"
ابتسم قائلاً بهدوء:
"صباح الخير حياة."
"صباح الخير قاسم، ما الذي أتى بك إلى هنا منذ الصباح؟"
"كنت أزور حنان، هي بشقتنا بالأعلى من فضلك اطمئني عليها من حين لآخر."
قطبت حاجبيها بتعجب وقالت:
"حنان بالأعلى؟ وما السبب؟"
"أجل، السبب ستخبركِ إياه، أين تذهبين الآن؟"
اغلقت الباب وسارت خطوات بجواره وقالت:
"اليوم الامتحان الأول.."
نزلا سوياً وقال:
"بالتوفيق إن شاء الله، وكيف حال عمي؟"
"الحمد لله، أفضل."
خرجا من البيت سوياً فقال:
"سأوصلك.. هيا اركبي."
"لا أود تعطيلك، سأذهب بالمواصلات كالعادة.."
"هل عمي مستيقظ الآن؟"
"أجل، لقد صلى ويقرأ بمصحفه كعادته."
قام بالاتصال بعمه فأجابه فوراً:
"صباح الخير قاسم، كيف حالك بني؟"
"بخير عمي، كنت أزور حنان بشقتنا والتقيتُ بحياة أثناء نزولها، وأنا أقترح أن أقوم بتوصيلها للجامعة، فماذا ترى؟"
"حسناً قاسم، تصحبكما السلامة."
أنهى الاتصال ونظر إليها مبتسماً وقال:
"هيا حياة، لقد استأذنتُ عمي وانتهى الأمر."
ركبت بجواره وتحرك فقالت:
"هل حنان بخير؟"
تنهد بحزن وقال:
"نعم بخير، ولكنها تحتاج لوجودنا بجوارها، اقترحت عليها أن تذهب معي ولكنها فضلت البقاء."
"هل تشاجرت مع عزيز؟"
"على ما يبدو ذلك."
تنهدت بضيق وأردفت:
"رحمك الله يا عمي ناجي، أنجبت رجلين لا يمتان للرجولة بِصلة ورحلت بكل هدوء."
ابتسم قائلاً بهدوء:
"رحمه الله ورحم والدي."
ثم تنهد قائلاً:
"لقد زارني أبي الليلة الماضية، أخبرني أن أمي رحمها الله غاضبة لأني لم أزرها منذ خروجي من السجن."
نظرت إليه بأسف فقال:
"وأوصاني على حنان كذلك.. لم أدرك أنني مقصر بحقها إلا اليوم، على ما يبدو لقد انشغلت بحالي ونسيت كل شيء."
"هل ستذهب لزيارتهم اليوم؟"
"أجل، وبعدها سأذهب لزيارة سيد حبيب، وبعدها سأذهب لزيارة صبر بالمشفى لأنني لم أره منذ يومين."
"هل سارة ستكون معك؟"
أومأ بهدوء وقال:
"نعم، عيد ميلاد والدها اليوم وتود معايدته."
كانت تعبث بحقيبتها بتردد وقالت:
"هل أنتم أصدقاء؟"
نظر إليها متعجباً سؤالها ثم قال:
"ولمَ تسألين؟"
نظرت إليه بضيق ورفعت حاجبيها باستنكار وقالت:
"حقاً؟ أسأل لأني سأصبح خطيبتك.. أقصد من الممكن أن أصبح خطيبتك.."
"وإذا؟"
"وإذا فعليك أن تطلعني على كل أسرارك وتخبرني بأدق تفاصيل حياتك.. هكذا يفعل الرجال مع خطيباتهم."
نظر إليها متصنعاً الدهشة وقال:
"حقاً يفعلون هكذا؟"
أومأت بجدية صارمة وقالت:
"نعم، يفعلون طبعاً، مثلاً أنا أعرف صديقة لي يخبرها خطيبها بكل تحركاته وكل خطواته خارج وداخل المنزل."
"يا له من إمعة."
نظرت إليه بضيق وقالت:
"هل لأنه يخبرها بتحركاته يكون إمعة؟"
"طبعاً، وما الذي يجبرني أن أخبر خطيبتي بكل تحركاتي؟ هل سأضيع مثلاً وحينها ستخبر الشرطة؟ إذاً من الأفضل أن أعلق في رقبتي سلسلة بها جهاز تتبع كي ترصد تحركاتي وتراقبني وهي ترقد بفراشها بكل أريحية."
وهز رأسه باستنكار، فضربته بصدره فجأة وقالت:
"أنت إنسان معقد وبغيض.. هيا توقف."
نظر إليها متفاجئاً وفجأة أطبق بقبضته فوق قبضتها وقال:
"يا لوقاحتك، تضربين الرجل الذي من الممكن أن يصبح خطيبك؟ هل أنتِ حمقاء؟"
"أجل، حمقاء لأنني أتعاطى مع إنسان بغيض مثلك، توقف لقد وصلنا أخيراً."
توقف أمام مدخل الجامعة وهو لا يزال قابضاً فوق قبضتها وقال:
"بالتوفيق يا كهرمانة."
ابتسمت فقال:
"وسلامي لصديقك وخطيبها الإمعة."
نزعت يدها من قبضته بعنف وطالعته بغيظ بينما هو يبتسم بسماجة ويشير لها مودعاً، فنزلت. وبمجرد ما إن أدارت وجهها عنه حتى ابتسمت ابتسامة متسعة وهي ترفع يدها التي كان ممسكاً بها وشمتها بسعادة وهي تقول:
"يا إلهي، عطرك الساحر لا يتناسب مع لسانك السليط أبداً."
***
استيقظ عبدالله بتكاسل ونظر إلى جواره فلم يجد عنبر، خرج من الغرفة متباطئاً ليصدم برؤيتها تقف وترتدي إسدالها وتصلي. ظل واقفاً يطالعها باستغراب. وما إن انتهت حتى قال:
"تقبل الله زوجتي العزيزة.. سأفرق شربات على أهل الحارة قريباً."
تنهدت بضيق ولم تُجِبه. فقال:
"حضري لي الفطور سريعاً.."
دخلت إلى المطبخ فأمسك بهاتفه وقام بالاتصال برقمٍ ما وقال:
"صباح الخير، أخبرني ماذا فعلت؟"
"صباح الخير عبدالله، لقد حاولت تتبع الرقم كما طلبت مني، ولكن الرقم فقد نقطة الاتصال، على ما يبدو قد أتلفت الشريحة."
أغمض عينيه بنفاذ صبر وقال:
"حسناً، شكراً لك.."
أنهى الاتصال وهو يتمتم بغضب:
"أقسم أنني سأقتلك إن وجدتكِ يا سماهر الحقيرة.."
كانت عنبر قد أتت ومعها صينية فوقها الفطور وقالت بتعجب:
"من سماهر؟"
نظر إليها بغضب وتوتر ثم قال:
"زبونة، اشترت بضاعة بمبلغ وقدره واختفت."
"ماذا يعني اختفت؟ ولمَ لم تدفع ثمن البضاعة قبل شراءها؟"
زفر بضيق وقال:
"لأنني مغفل، هل ارتحتِ؟"
رفعت حاجبها بتعجب وقالت:
"وماذا ستفعل؟ هل ستتركها تهرب بالبضاعة؟"
"طبعاً لا، أقسم أنني سأبحث عنها في كل شبر ولن أتركها إلا وقد استرجعت مالي.. أساساً سأبلغ الشرطة وأحرر بلاغاً ضدها وأتهمها بالسرقة."
نظرت إليه متعجبة وقالت:
"وما دليلك ضدها؟ هل أخذت عليها إيصالاً أو ما شابه؟"
جز على أسنانه بغضب وقال:
"لا."
ضحكت بسخرية ونهضت وهي تقول:
"إذاً وماذا ستفعل لك الشرطة؟ القانون لا يحمي المغفلين."
ودخلت إلى غرفتها وتركته مصدوماً مما قالته، وأخذ يرغو ويزبد بغيظ وقال:
"صحيح، ولكني سأعيد حقي بأي طريقة سواء بالقانون أو بغير القانون."
بدأ بتناول فطوره فإذا تصله رسالة من خالد، ففتحها وقرأها مبتسماً وقال:
"هكذا تكون الأخبار السعيدة."
***
كانت فريال ترقد في فراشها تغط في نومٍ عميق، وفجأة صدح رنين هاتفها برقم سمسار معروف، أجابت بصوتها الناعس وعينيها مغمضتين وقالت:
"صباح الخير أستاذ مصباح."
"صباح الخير سيدتي، أنا الآن أقف أسفل البناية، برفقتي الدكتور ممدوح علم الدين طبيباً نفسياً مشهوراً.."
"ها وماذا بعد أستاذ مصباح منذ الصباح؟"
ضحك بسماجته المعهودة قائلاً:
"يا لخفة ظلك سيدة فريال، أستاذ مصباح منذ الصباح اسم فني."
كانت على وشك لطم وجنتيها بنفاذ صبر وقالت:
"سيدي أنا لست في حالة تسمح بتبادل النكات الآن، أرجوك تفضل وأخبرني سبب اتصالك الكريم."
"صحيح، حسناً سيدتي، الدكتور ممدوح علم الدين…"
"ها طبيباً نفسياً مشهوراً لقد فهمت.. وماذا يريد الدكتور المشهور؟ يريد إجراء اختبار نفسي لسكان العمارة مثلاً أم ماذا؟ من فضلك أخبرني باختصار.."
"حسناً حسناً، الدكتور يريد شراء الشقة بالطابق الأخير."
"مرفوض.. مع السلامة."
"انتظري سيدتي من فضلك.. الحديث أخذ وعطاء.."
"أي عطاء يا أستاذ مصباح منذ الصباح؟ هل الطبيب رآنا بمنامه أم ماذا؟ الساعة لم تتجاوز التاسعة بعد."
"نعم هو يريد شراء الشقة بأقصى سرعة، لقد افتتح مركزاً خاصاً بالعلاج النفسي بالبناية المجاورة ويريد شراء تلك الشقة كي تكون بجوار عمله.."
"يا أستاذي الفاضل هذه ليست مشكلتي، أنا أخطط لاستغلال الشقة ولديّ خطط كثيرة، اعتذر له، لن أقوم ببيعها إطلاقاً، مع السلامة."
"ولكنه مستعد لدفع أي مبلغ تحددينه حضرتك، أعتقد سيكون أفضل إن تحدثتِ معه بنفسك، نحن ننتظرك بالأسفل سيدتي.."
"يا سيد انتظر…"
وقطعت حديثها عندما استمعت لصوت انتهاء المكالمة ونظرت إلى الهاتف بغيظ وقالت:
"تباً لك أنت وطبيبك المشهور.. ماذا علي أن أفعل الآن؟ هل أتجاهلهما أم سيكون سوء تصرف مني.."
ونهضت لتستعد للنزول سريعاً وهي تغمغم بحنق:
"تباً لك يا مصباح منذ الصباح."
بدلت ملابسها سريعاً ونزلت فوجدت سيارة فخمة جداً تصطف أمام مدخل البناية، وفجأة ظهر مصباح من النافذة يلوح لها قائلاً:
"صباح الخير سيدة فريال.."
توقفت أمام السيارة وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وتتطلع نحوهما بضيق وتقول:
"صباح الخير."
نزل من السيارة رجلاً وسيماً للغاية، يبدو في العقد الخامس من عمره، يرتدي حلة سوداء أنيقة، وما إن وصل إليها حتى اشتمت عطره الراقي وأخفض نظارته الثمينة فأظهرت خلفهما عينان زرقاوان خالصتان، ومد يده بلباقة قائلاً:
"صباح الخير سيدتي وآسف على الإزعاج."
نظرت إليه فريال ببلاهة ومدت يدها تصافحه بابتسامة وقالت:
"لا أبداً، صباح الخير دكتور."
ابتسم قائلاً:
"في الحقيقة أنا أحتاج لشراء الشقة بصورة ضرورية، كما شرح لكِ أستاذ مصباح الوضع، عيادتي بالجوار، وأحتاج لسكن بالقرب منها، إضافةً لأن الموقع يروقني بشدة ولم أجد سكناً متاحاً بالحي، لا يوجد سوى شقتك.."
أومأت مؤيدة وهي لا تزال تتطلع بعينيه قائلة:
"نعم أفهم وأقدر الوضع، حسناً دكتور ممدوح لا مانع لدي، البناية بأكملها تحت أمرك."
ابتسم بسعادة قائلاً:
"حقاً، أشكرك سيدة فريال، هذا لطف منك.. على كل حال أنا مستعد لدفع الثمن الذي تريدينه، لا مانع لدي."
"لا دكتور أنا لا يهمني المبلغ أبداً، وجود حضرتك بالبناية يعد مكسباً لنا أساساً."
"أشكرك سيدة فريال، على كل حال أنا جاهز لإمضاء العقود والدفع حالاً.. وبعد الاتفاق إن شاء الله سأحضر أنا وابني قصي للاستعداد للانتقال."
ظهرت خيبة الأمل على ملامحها وتهدلت وجنتيها وهي تقول:
"هل حضرتك متزوج؟ أعذرني أنا متطفلة قليلاً."
ضحكت بخفوت فابتسم قائلاً:
"لا أبداً، وبالنسبة إلي أنا أرمل، توفيت زوجتي منذ خمس سنوات ولدي ابن وحيد اسمه قصي يدرس بكلية الطب."
اتسعت ابتسامتها مجدداً وقالت:
"رحمها الله، حسناً دكتور لقد اتفقنا.. تفضل لإمضاء العقود."
***
وصل قاسم إلى المقابر المدفون بها والديه، صف السيارة ونزل ثم دخل وألقى التحية ثم وقف يقرأ لهما الفاتحة. بعد أن انتهى جلس بتعب وإنهاك وأراح ظهره على شاهد القبر من خلفه وقال:
"كيف حالك أبي؟ كيف حالكِ غاليتي؟"
وابتسم ووأد تلك الدمعة بمحجره وقال:
"أعلم أنكما غاضبان مني، لقد انشغلت بأموري التافهة ولم آتِ لزيارتكما، لقد وصلت رسالتك أبي."
وصمت للحظات ثم قال:
"أنا آسف لأنني غفلت عن أحوال أختي، وآسف لأنني نسيتكما، آسف لأني لم أكن مخلصاً ووفياً كما يجب. ولكنها الحياة.. الحياة لم تكن منصفة أبداً، كان لدي أحلاماً وطموحاتاً كأي إنسان، فجأة سُحقت، وفجأة وجدت نفسي أواجه واقعاً مليئاً بالمتاعب."
ثم تنهد وأردف:
"ولكن عليّ البدء من جديد، عليّ أن أثبت للجميع أني ما زلتُ أقف راسخاً كالجبل، كل الذين تكالبوا وأجمعوا على أذيتي لا بد أن يطالهم أذاهم، في النهاية الجزاء من جنس العمل وأنا لست ملاكاً كي أصفح عنهم وأنسى ما فعلوه."
أغمض عينيه بتعب وقال:
"ولكني سامحت حنان يا أبي، حتى لم أجرؤ على أذية زوجها لأنها تحبه، وقفت أمامهما ضعيفاً عاجزاً، يكفي ما حدث لهما، أما البقية فلن أتراجع عن استرداد حقي منهم، العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم."
***
كانت سارة تقف أمام البناية في انتظار قاسم الذي أخبرها أنه سيصلها بعد دقائق.. وإذ بها تتلقى اتصالاً من صديقتها چاسي.. تجاهلت الاتصال عدة مرات وعندما سئمت أجابتها بضيق:
"نعم چاسي؟"
"اللعنة عليكِ سارة، لقد اتصلت بكِ عشرين مرة، لمَ لا تجيبين؟"
"لأني أعرف ماذا ستقولين، وأخبرتك سابقاً أنني لن أحضر اجتماعاتكم مجدداً."
"وما السر؟"
"أنا حرة، يا إلهي ما كل هذا الإلحاح! أنا أصبحت أشعر بالضيق والإنزعاج من مثل تلك التجمعات."
"وسيف؟ هل لم تعودا مرتبطين؟"
أطبقت أسنانها بغيظ وغضب مكتوم وقالت:
"لا، لم نعد كذلك، أرجوكِ دعكِ من هذا الأمر أو…. مهلاً يا غبي!!"
نظرت سارة بغضب إلى ذلك الحائط الذي اصطدم بها فجأة وكادت أن تتعثر وتسقط ولكنها ذهلت عندما رأت شاباً فارع الطول ينظر إليها من علوٍ بعينيه الزرقاوين ويقول بابتسامة لبقة:
"أنا آسف آنسة، كنت أتحدث بالهاتف ولم أنتبه، أعتذر منكِ."
نظرت إلى عينيه بتيه وقالت بشرود:
"حسناً، لا بأس.."
ابتسم وهو يمد يده معرفاً عن نفسه وقال:
"قصي علم الدين."
مدت يدها وفعلت المثل:
"سارة حبيب."
"مرحباً سارة، أنا انتقلت للتو للسكن بتلك البناية أنا ووالدي."
نظرت حيث يشير باستغراب وقالت:
"أنا أسكن بنفس البناية!"
"أيعقل؟ نحن جيران إذا!"
ابتسمت بخفة وقالت:
"نعم، أهلاً بك في بنايتنا."
ابتسم بلطف قائلاً:
"أشكرك سارة، وأتمنى أن أراكِ مجدداً بما أننا جيران."
أومأت بابتسامة وقالت:
"إن شاء الله، عن إذنك."
كان قاسم قد وصل للتو، ركبت بجواره وعلى ثغرها ابتسامة مشرقة وقالت:
"صباح الخير قاسم."
ابتسم وقال:
"مساء الخير آنسة سارة، الساعة الآن الثانية عشرة ظهراً."
"أجل، هيا تحرك سريعاً، أنا متحمسة جداً."
ابتسم وانطلق بالسيارة وقال:
"من كان هذا الطويل؟ هل تعرفينه؟"
ابتسمت تلقائياً وقالت:
"هذا قصي، جارنا الجديد."
"جاركم؟"
"جارنا!"
"جارنا؟؟"
"أجل؟ ما الغريب؟ أخبرني أنه ووالده انتقلا للسكن بالبناية اليوم."
مط شفتيه بتعجب وإعجاب في نفس الوقت وتمتم:
"وأخيراً جيران رجال في العمارة.. كنت قاربت على نسيان شكل الرجال من كثرة النساء المحيطة بي من كل جانب."
وابتسم وهو يهز رأسه بسخرية ثم قال:
"ها، أخبريني ماذا أحضرتِ لوالدك؟"
نظرت إليه بابتسامة وقالت:
"في الحقيقة كنت في حيرة شديدة، ماذا أشتري؟ وفي النهاية قررت أن أهديه هدية غالية جدا.."
نظر إليها متعجباً ولكنه كبت فضوله وابتسم قائلاً:
"حسناً أنا متحمس لأرى الهدية بالرغم من أنني لا أرى بيدك أي هدايا، على ما يبدو هي صغيرة بما يكفي لتضعيها بحقيبة يدك."
ابتسمت وقالت:
"هناك ستعرف ما هي، والآن نريد شراء قالب حلوى كبير."
وأشارت بيديها المتباعدتين عن كبر حجمه فابتسم قائلاً:
"حسناً، كما تشائين."
ارتفع رنين هاتفه برقم عمه فأجاب باهتمام بالغ وقال:
"مساء الخير عمي، كيف حالك؟"
"مساء الخير قاسم، أنا بخير، كنت أود مقابلتك."
"تحت أمرك عمي، ولكنني الآن في طريقي لزيارة سيد حبيب، بعد الزيارة إن شاء الله سآتي إليك."
"حسناً بني، على كل حال أود أن أخبرك بموافقة حياة، عندما تأتي إن شاء الله نتحدث في التفاصيل."
"إن شاء الله، مع السلامة."
وصلا إلى السجن، دخلا وسارة تحمل قالب الحلوى ثم توجها إلى مكتب المأمور حيث أنها زيارة خاصة وليست زيارة شهرية. جلست سارة بترقب تنتظر خروج والدها وهي تشبك أصابعها ببعضها وتقربها من ذقنها بتوتر والانتظار يعصف بأحاسيسها عصفاً.. دقائق مرت كالسنين.. خرج بعدها حبيب والسعادة تعلو ملامحه، هرول إلى الغرفة وما إن رأى ابنته حتى احتضنها بقوة وهو يقول بتأثر:
"كنت أنتظرك صغيرتي، دعوتُ الله أن تتذكريني في مثل هذا اليوم واستجاب الله لدعوتي، اشتقتكِ كثيراً سارة، اشتقتكِ كثيراً حبيبتي."
طوقت سارة عنقه بيديها بقوة وتلك كانت أول مرة تعانقه بمثل تلك الطريقة وقالت:
"عيد ميلاد سعيد أبي."
وابتعدت عنه ونظرت إليه بابتسامة متألقة وتوتر ثم قالت بتردد كالطفل الذي يتعلم النطق:
"أبي.. أحبك كثيراً وأفتخر بك كثيراً.."
نظر حبيب إليها بصدمة وتجمعت الدموع بعينيه بغزارة وفجأة هطلت على وجنتيه كالأمطار، ثم ضمها إليه بقوة وهو يمسح على شعرها ويقول:
"وأنا أحبك حبيبتي، أحبك كثيراً سارة، أحبك صغيرتي وفخورة أن لي ابنة مثلك."
كان قاسم يقف متفاجئاً من اعتراف سارة المفاجئ وهو يتطلع إليها بفخر وابتسامة عريضة تعلو ثغره بعد أن أدرك أن تلك الكلمات هي هديتها التي أحضرتها لوالدها، وأيّاً هدية، هدية ردت إليه الروح وأعادت النبض لقلبه من جديد. وتفاجأ بحبيب ينظر إليه سعيداً وفجأة احتضنه بقوة وهو يقول:
"أشكرك، أشكرك كثيراً يا رجل، لقد فعلت المستحيل، لم أتوقع أبداً أن أسمع هذه الكلمات من ابنتي، لم أكن أصدق أنها ستقبل النظر في وجهي ذات يوم، ولكنها الآن تقول أنها تحبني وفخورة بي، وأنا أحبك وفخور بك قاسم، أنت رجل مخلص."
ربت على كتفيه بابتسامة وقال:
"أنت تستحق الحب سيد حبيب، في النهاية أنا لم أفعل شيئاً سوى أني حاولت إذابة ذلك الجليد بينكما."
ربت الآخر على كتفه بامتنان حقيقي وقال:
"لقد فعلت كل شيء قاسم."
ونظر إلى ابنته وقال مبتسماً وهو يجلس ويجلسها بجواره:
"أخبريني حبيبتي، كيف حالك؟"
"أنا بخير، انتقلنا للسكن بجوار قاسم، المكان رائع ومريح جداً، تعرفنا إلى جارتنا فريال، سيدة لطيفة للغاية، واليوم انتقل للسكن بالبناية جيران جدد."
"عظيم، هل اقتربت امتحاناتك؟"
"أجل، الامتحان الأول غداً."
"إن شاء الله، سأدعو الله كي يوفقك وتحصلين على أعلى الدرجات."
ابتسمت فقال:
"كيف حال فتون؟ هل هي بخير؟"
"أجل، تقول أنك أصبحت كهلاً، ولكنني رفضت ذلك وبشدة."
ضحك بملء فمه وقال:
"أخبريها رسالة مني صغيرتي، أنني مهما كبرت وأصبحت كهلاً سأعود طفلاً عند رؤيتها."
ضحكت سارة واحتضنته بينما كان قاسم مبتسماً بسعادة أمام رؤية تلك الابتسامة التي تنير وجهه وتشرق محياه.
***
في المساء..
وبعد يوم طويل مليء بالمهام الشاقة، تأنق قاسم كالعادة تأهباً لزيارة عمه، فارتدى قميصاً أسوداً وسروالاً من نفس اللون، ورش عطره الساحر ووضع ساعته الأنيقة، ثم نظر نظرة أخيرة إلى صورته بالمرآة بتقييم، ثم انصرف.
بعد حوالي نصف ساعة توقف بسيارته أمام بيت العائلة. صعد وهو يحمل عدة حقائب بيده وتوقف أمام شقة عمه ثم طرق الباب بهدوء.
ثوانٍ وانفرج الباب واستقبله عمه بترحاب شديد وقال:
"مرحباً ابني، تفضل."
دخل قاسم وجلس مقابله بعد أن وضع الحقائب على الطاولة وبدأ بالحديث مباشرةً وقال:
"حضرتك أبلغتني بموافقة حياة."
أومأ صالح موافقاً وقال بعد أن أطلق تنهيدة كتومة:
"أجل، تحدثت إليها ووجدت أنها تقبل وقالت لي صراحةً أنها موافقة."
تنهد الآخر بارتياح وقال:
"وأنا أعدك أنها لن تندم أبداً، اطمئن عمي، حياة معي في أمان، سأضعها بعيني ولن يمسها الهواء حتى."
ابتسم عمه بقلق دفين وربت على ركبته بتقدير وقال:
"أثق بك قاسم، إن شاء الله لن يحدث سوى كل خير."
أومأ بتأكيد وقال:
"بإذن الله، على كل حال أنا مستعد لكل شيء، سنقرأ الفاتحة الآن ونحدد موعد الخطبة وعقد القران، وبعد العيد إن شاء الله حفل الزفاف."
أومأ صالح وقال:
"إن شاء الله، يوم الجمعة القادم مناسب، سنقيم حفلاً عائلياً بسيطاً.."
"كما تشاء، وكما تحب حياة، أنا لا مانع لدي."
"حسناً، إن شاء الله لن نختلف، فلنقرأ الفاتحة."
رفعا كفيهما وبدأا بقراءة الفاتحة وفي الداخل كانت حياة تقف على باب غرفتها وتقرأ الفاتحة برفقتهما بسعادة غامرة تملؤها وقد قررت أن تستمع بكل لحظة على حِدى وتترك مخاوف المستقبل جانباً.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نعمة حسن
كان قاسم يجلس بمكتبه في المعرض يتابع إيرادات الأسبوع.
إذا به يتفاجأ بعزيز الذي يقف أمامه واجمًا، وعلى وجهه آثار الحزن والهم واضحة.
قال عزيز:
صباح الخير يا قاسم. أعلم أنك لا تود رؤيتي، ولكني أتيت من أجل حنان.
طالعه قاسم بتمهل ثم سأل بضيق واضح:
ماذا تقصد؟ تحدث مباشرةً.
تقدم منه عزيز ووقف كالمذنب وقال:
حنان تركت البيت منذ أيام.
أومأ قاسم متفهماً وأردف:
أجل، عرفت. وما المطلوب مني؟ هذه مشكلة شخصية بين زوجين، ما دخلي أنا؟
قال عزيز:
حنان تعاقبني على ذنب اقترفناه منذ سنوات.
قاطعه قاسم متحفزاً وقال:
ألا ترى أنك تستحق العقاب؟ ما فعلته حنان كان حتماً سيحدث، سواء الآن أو لاحقاً. أنت خدعتها واستغليت أنها مراهقة لا تفقه شيئاً. استغليت أنها وحيدة، والدها متوفى وأمها توفيت منذ أيام وأخوها الوحيد بالسجن. أقنعتها أنت وأخاك الشيطان أن تفتري على أخوها، وإن لم تفعل فلن تلقى سوى الوحدة والعذاب ببعد حبيبها عنها. يا لك من مسكين لا تستحق العقاب فعلاً.
ثم أخذ يتحرك بمقعده يميناً ويساراً، وهو ناصب ظهره، ويطرق بالقلم على مكتبه ويقول بتسلية:
هل تعرف عزيز، أختي مهما فعلت فلن أكرهها لأنها أختي. أما أنت، فسأظل أحقد عليك حتى ولو لم تفعل شيئاً، فقط لأنك أخاه.
جلس عزيز على المقعد أمامه وقال باستسلام:
وأنا متنازل عن أخوته. يكفيني ما نالني منه، من الآن فصاعداً سأحتسبه ميتاً. لا يهمني عبد الله، كل ما يهمني حنان. صدقني يا قاسم، أنا أحبها بصدق.
أومأ قاسم متمهلاً وتنهد. ثم أسند ذراعيه على المكتب ونظر إليه فقال:
حسناً عزيز، سأصدقك وأساعدك. بالرغم من أنني كنت قد أخذتُ عهداً على نفسي ألا أتعامل معك مجدداً، ولكن ما يهمني هو راحة أختي وسعادتها، وهي للأسف معك فقط. أنا من جهتي سأمنحك فرصة أخيرة، عليك استغلالها جيداً. ولكن ولاؤك سيكون لي. صدقني عزيز، إن اكتشفت أنك تخطط للغدر بي مرة أخرى، أنت أو أخاك، أقسم سأمحيكم، ولن يثنيني أحد عن قراري وقتها، ولا حتى حنان نفسها.
أومأ عزيز موافقاً وقال بحماس:
أعدك أنني لن أكرر خطأي مرة أخرى. لقد ندمت على ما فعلت، صدقني، ولن ترى مني غير كل خير.
قال قاسم:
سنرى. على كل حال، أنا أحتاجك للعمل معي هنا. سنتناوب لأنني لست متفرغاً أبداً، وخاصةً حالياً. أرني همتك.
أومأ عزيز موافقاً وقال بسعادة:
كن مطمئناً، لن تندم على قرارك هذا أبداً. ولكن كل ما أتمناه هو أن تحاول إصلاح علاقتي بحنان.
أومأ قاسم وقال:
لا تقلق بشأن علاقتك بحنان. الحب لا يموت. أتركها لتأخذ من الوقت ما يكفيها.
تنهد الآخر بقلة حيلة وقال:
حسناً. على كل حال، أنا أعتذر يا قاسم، وأتمنى أن نعود رفاقاً كما كنا دوماً. أود أن نبدأ صفحة جديدة.
مد يده إليه يصافحه بترقب. فنظر إليه قاسم، ثم إلى يده الممدودة، ثم صافحه بقوة وهو يقول:
سنبدأ صفحة جديدة سوياً يا عزيز.
***
في المساء.
كان عبد الله يجلس بالمحل. فإذا به يتفاجأ برسالة على هاتفه. فتحها ليتفاجأ بمقطع فيديو مرسل من كاميرا مراقبة. يظهر به أخاه وهو يجلس بكل أريحية ويقول:
وأنا متنازل عن أخوته. يكفيني ما نالني منه. من الآن فصاعداً سأحتسبه ميتاً. لا يهمني عبد الله. كل ما يهمني حنان.
حملق عبد الله بالفيديو بصدمة، وأعاد تشغيله عدة مرات وهو يستمع لما يقوله بغيظ. ويتمتم:
خابت أخوتك يا نذل يا جبان. تحتسبني ميتاً، أليس كذلك؟ حسناً.. صبراً يا عزيز.. أقسم أنني سأريك الأخوة كيف تكون.
حاول الاتصال على الرقم الذي أرسل له الفيديو ولكنه لم يجب. فقال بغضب:
مؤكداً أنك من أرسلته لتتشفي بي يا مجرم يا حقير. أقسم أنني سأجعلك عبرة لمن لا يعتبر. فقط انتظر.
خرج من المحل واتجه نحو بيت أخيه مسرعاً. وما إن انفرج الباب حتى قفز فوقه وكال إليه اللكمات بغضب وهو يقول:
أنا لست أخاك؟ تتنازل عن أخوتي إذا؟ مقابل ماذا؟ من أجل امرأة؟
أمسك عزيز بأنفه بألم وطالعه بغضب وهو يقول:
نعم، من أجل امرأة. هذه المرأة هي زوجتي. وأجل، أقولها بكل صراحة ووضوح، أنا متنازل عن أخوتك يا عبد الله. من الآن فصاعداً لا أخَ لدي.
أومأ عبد الله بوجوم وشر مستطير وقال:
حسناً، حسناً عزيز، كما تشاء. ولكن من لا خير له في عائلته، فلن يكون له خيراً في الناس.
تركه وانصرف وهو يشعر بالضيق يملأ صدره ويفعل به الأفاعيل. ويتوعد قاسم قائلاً:
حسناً سيد قاسم، تستفزني وتلعب معي بدناءة. وأنا أحب هذا الأسلوب أيضاً.
***
في نهاية الأسبوع.
حل اليوم المنتظر أخيراً.
استيقظت حياة من نومها على صوت رنين هاتفها. فأجابت والابتسامة تعلو ثغرها:
صباح الخير يا قاسم.
قال قاسم:
مرحباً حياة. هل لا تزالين نائمة؟ على حسب معلوماتي أن اليوم عقد قراننا. هل تنامين بيوم عقد قرانك يا فتاة؟
ابتسمت بحماس وقالت:
أنت محق. لدي مهام كثيرة علي أن أنجزها قبل الثامنة.
قال قاسم:
حسناً. حنان أخبرتني أنها سترافقك اليوم.
تنهدت حياة بضيق وقالت:
أجل، أكيد لن أقوم بكل تلك التجهيزات بمفردي.
فهم قاسم قصدها وأن ما يصيبها بالضيق عدم وجود أختها معها في مثل هذا اليوم، إضافةً إلى أنها تشعر بتأنيب الضمير وجلد الذات. لذا كان عليه أن ينزعها من تلك الدوامة الساحقة. فقال:
أنتِ لستِ بمفردك يا كهرمانة. أنا معك. إذا كنتِ ترغبين، يمكنني تأجيل كل شيء ومرافقتك أينما تحبين.
اتسعت ابتسامتها بحالمية وقالت:
أشكرك سيد قاسم. عليّ أن أكون مراعية ولا أضع فوق كتفيك مهام إضافية. لذا سأصطحب حنان، إضافة لكونها تحتاج للخروج والانشغال بأي شيء يبعدها عن الحالة السيئة التي تعيشها.
قال قاسم:
أنتِ محقة. حسناً يا عروسة، أتمنى لكِ قضاء يومٍ سعيدٍ.
قالت حياة:
وأنت كذلك. مع السلامة.
أنهت الاتصال وقفزت من سريرها بسعادة. ثم فتحت خزانتها وأخرجت منها تلك اللوحة الممزقة التي قامت بتجميعها ولصقها. وأخذت تنظر إليها بابتسامة وهي تقول:
مرحباً قاسم، مرحباً حياة. منذ اليوم لن تفترقا أبداً.
وضمت اللوحة إليها وعانقتها بسعادة. ثم وضعتها بالخزانة مجدداً وذهبت لتستعد.
خرجت من غرفتها قاصدةً الحمام فالتقت بأمها التي كانت تنظر إليها بتجهم. فمنذ اليوم الذي أعلنت فيه عن موافقتها على الزواج من قاسم، وهي تتجنبها ولا تتحدث إليها إلا للضرورة.
قالت حياة بترقب وهي تراقب ردة فعل والدتها:
صباح الخير أمي.
ردت والدتها بجفاء:
صباح الخير.
تخطتها والدتها متجهةً للمطبخ. ولكن حياة استوقفتها عندما قالت:
ألستِ سعيدة من أجلي؟
توقفت صفية بمكانها وهي تستمع إلى ابنتها التي تستطرد بحزن طغى على صوتها:
اليوم خطبتي وعقد قراني.. وبعد أسابيع زفافي.. هل ستظلين على نفس جفائك تجاهي؟ ألستِ سعيدة من أجلي؟
لم تنظر إليها، بل أجابتها بصوتٍ متحشرج وقالت:
لا يمكنني الرقص من أجلك على دموع أختك.
أغمضت حياة عينيها بحزن واستدارت تنظر إليها وقالت بصوتٍ ميت:
أنتِ السبب في دموعها منذ البداية ولست أنا يا أمي.
وتجاوزتها ثم دخلت إلى الحمام وأوصدت الباب خلفها. ثم انفجرت في البكاء بقوة في نوبة أخذت دقائق بسيطة. ثم بعدها مسحت دموعها وهي تنظر لصورتها بالمرآة ولعينيها الذابلتين وتقول:
كفاكِ يا حياة. لا تسمحي لأياً كان أن ينزع فرحتك اليوم.
بعد دقائق.
خرجت من الحمام وبدلت ثيابها. ثم قامت بالاتصال بحنان تخبرها أنها أصبحت جاهزة. ثم خرجت من غرفتها لتجد والدها يقف أمام الباب ممسكاً بيده وردة حمراء وهو يقول بابتسامة:
صباح الخير يا وردتي.
تقوست شفتاها فجأة وعادت لنوبة البكاء من جديد واحتضنته وهي تقول:
أنا أحبك كثيراً يا أبي.. أرجوك لا تتخل عني أبداً.
تعجب هشاشتها المفاجئة واحتضنها وهو يربت على كتفها ويقول:
ما بكِ حبيبتي؟ هل هذه دموع الفرح؟
ضحكت من بين دموعها وابتعدت عنه وهي تجفف وجهها وتقول:
على ما يبدو. لا أعرف ماذا دهاني منذ الصباح يروقني البكاء والنحيب.
مسح دموعها بأنامله الحانية العطوفة وقال:
تفضلي وردتي. الورد للورد.
ابتسمت بسعادة والتقطت منه الوردة. ثم قبلت خده وقالت:
أشكرك يا حبيبي. إذا كنت أنا وردة فأنت بستان ورود يا أبي.
ابتسم بحنو وربت على وجنتها بلطف وقال:
ها حبيبتي، هل تستعدين يا عروسة؟
ارتسمت على ثغرها ابتسامة مترددة وقالت بهدوء:
أجل. سأذهب أنا وحنان لصالون التجميل.
تنهد بقلق خفي وأجاب بابتسامة ثابتة لا تتراجع:
اعتنِ بنفسك يا جميلتي.
أومأت بموافقة ثم نظرت إليه وقالت:
هل أنت سعيد من أجلي يا أبي؟
لمعت عيناه بفرحه وحنان وهو يؤكد:
طبعاً حبيبتي. سعيد لأنكِ سعيدة. سعيد لأن صغيرتي سترتبط برجل تحبه.
تهدل جفنيها وبكت مرة أخرى وقالت:
وعنبر؟ ألست حزيناً من أجلها؟
تنهد بإحباط واختفت ابتسامته وحل محلها الوجوم وهو يقول:
قلبي ينفطر لحالها، ولكن كلاكما قطعة من روحي. لا يسعني تجاهل واحدة منكما على حساب الأخرى. لا تقلقي ابنتي، أختك ستكون بخير. أنا لن أتركها أبداً.
أومأت بموافقة مريرة ومسحت دموعها مجدداً ثم قالت:
أنا سأذهب يا أبي. أرجوك لا تدعو جارتنا أم بكري وأحفادها. البيت أساساً بالكاد يحملنا، لا تجعله ينهار بنا وبأم بكري وأحفادها.
ضحك ملء فمه ثم قال:
لا تقلقي يا مشاكسة. الحفل سيكون عائلياً. لن يحضر سوى راجح ومحسن أولاد عمي لحضور عقد القران.
أومأت بابتسامة لطيفة وقالت:
حسناً يا حاج صالح. ألقاك لاحقاً. عن إذنك.
وخرجت من الشقة وهو لازال يتأمل أثرها متمتماً بقلق:
استودعتكِ الله يا ابنتي.
***
خرجت حنان وحياة من البيت. فإذا بحياة تتلقى اتصالاً من قاسم. فنظرت إلى حنان قائلة بابتسامة عريضة:
يا إلهي، لا يطيق الابتعاد عني للحظة.
ضحكت حنان وأجابت الأخرى فقالت:
مرحباً قاسم.
قال قاسم:
مرحباً كهرمانة. هل نزلتِ؟
قالت حياة:
نعم، أنا أقف أمام البيت الآن.
قال قاسم:
حسناً، ستصلكما سيارة الآن سترافقكما حيث تريدان الذهاب.
ردت حياة:
حسناً سيد قاسم، هذا كرم أخلاق منك والله.
قال قاسم:
أعلم يا خفيفة الظل. هيا مع السلامة.
أنهت الاتصال وهي تنظر لحنان بزهو وتقول:
خطيبي سيد قاسم أرسل لي سيارة خاصة ستكون برفقتي ريثما أنتهي من تحضيرات اليوم.
سارت بجوارها حنان وهي تقول بابتسامة مرحة:
هذا يليق بكِ يا سمو الأميرة.
توقفت السيارة أمامهما فركبتا بالمقعد الخلفي وأخذتا تتبادلان أطراف الحديث. فلاحظت حياة شرود حنان وانشغالها بهاتفها فقالت:
ماذا بكِ يا حنان؟ هل لا تزالين تتجاهلين مراسلات عزيز؟
أومأت الأخرى بحزن وقالت:
لا أستطيع التخطي يا حياة. كأن هناك حاجزاً وضع بيننا لا أستطيع تجاوزه. الأمر أصبح خارج سيطرتي للأسف.
أمسكت حياة بيدها بين كفيها وقالت بدعم:
كل شيء سيكون بخير. الأيام تداوي الكثير.
تنهدت الأخرى بيأس وهي تنظر إلى الهاتف بيدها وإلى اتصالات عزيز المتكررة. فقالت حياة:
أجيبيه يا حنان. تحدثي معه. من الممكن أن يكون في حديثكما شفاء لكما. اثنانكما تشعران بنفس الشعور وأنتِ متأكدة أنه يعشقك بصدق. لمَ لا تعطينه فرصة.
أومأت الأخرى برفض وقالت:
لست مستعدة الآن. ربما في وقتٍ لاحق.
توقفت السيارة أمام صالون التجميل أخيراً وترجلت كلا منهما وذهبتا في طريقهن إلى الصالون كي تبدأ رحلة استعدادهما. فدخلت حياة إلى غرفة خاصة بتزيين العرائس فقط وبقت حنان بالخارج.
لم تتوقف اتصالات عزيز ولم تمتنع رسائله اللحوحة أبداً. مما اضطرها لإجابته فقالت بنفاذ صبر:
ماذا هناك يا عزيز؟ أخبرتك مراراً ألا تضغط عليّ ولكنك تتجاهل رغبتي دوماً ولا تسمح لي بـ…
قاطعها عزيز بصوت بكائه الذي مزق قلبها:
حنان، أنا أحتاجك…
فصمتت تستمع إليه وهو يقول:
فعلت كل الحيل لأرضيكِ. ذهبت واعتذرت لقاسم ووعدني بأن نبدأ صفحة جديدة سوياً. قاطعت عبد الله من أجلك. وعلى استعداد أن أفعل أي شيء كي ترضي عني. أرجوكِ يا حنان كفاكِ هجراً. أنا لا أملك سواكِ.
استمع إلى شهقاتها فقال بلهفة:
لا حبيبتي، لا تبكي أرجوكِ. لن أسمح لنفسي أن أكون سبباً في بكائك مجدداً. أرجوكِ لا تبكي.
خارت قواها جميعها، وانهارت جميع الحصون التي كانت تضعها أمامها رادعاً كي لا تضعف. وذاب قلبها وهي تستمع لرجائه واحتياجه لها. وقالت بضعف:
أنا أيضاً أحتاجك يا عزيز. صدقني، أنا أيضاً أحتاجك. ولكن قلبي يؤلمني بشدة.
تجدد الأمل بداخله مرة أخرى وقال بلهفة:
أقسم أنني سأحاول جاهداً أن أرمم ما كسرته. صدقيني لن أتوانى عن تعويضك عما فعلته. أرجوكِ، كل ما أحتاجه هو رؤيتك وضمك. صدقيني هذا كل ما أريده. حتى لو قررتِ الذهاب لشقة والديكِ مجدداً ومواصلة هجري، يكفي ضمة واحدة منك.
مسحت دموعها وتنهدت وهي تقول باستسلام:
حسناً. أنا الآن برفقة حياة في صالون التجميل. سأتركها وآتي إليك، ولكنني سأعود إليها سريعاً.
قال عزيز:
حسناً، حسناً حبيبتي. أنا في انتظارك.
نهضت من فورها وغادرت المكان. ثم استوقفت سيارة أجرة وانطلقت بها عائدة إلى بيتها. وهي تتمنى لو أنها تطير فوق السحاب فتصله سريعا وتضمه إلى صدرها بقوة كي تهدأ روحه وتستكين.
وأخذت تردد دون وعي:
لا بأس يا حنان، هو عناق واحد وتعودين حيث كنتِ. عناق واحد يكفي.
***
وصلت حنان إلى شقتها. فتحت الباب ودخلت. فوجدت عزيز يتمدد فوق الأريكة باستسلام وهو يضع ذراعه فوق عينيه. وبمجرد أن استمع لصوت الباب حتى هب واقفاً وركض نحوها وضمها إليه بشوقٍ جارف. رفعها عن الأرض وهو يضمها إليه بقوة مغمضاً عينيه براحة كبيرة بعد تعب مضني أضناه أياماً طويلة.
طوقت عنقه بيديها باحتياجٍ شديد وأطلقت زفرة حارة وكأنها وجدت ضالتها أخيراً.
أبعدها عنه وهو يطالع قسمات وجهها الذي اشتاقه حد الجنون. وباغتها بقبلةٍ عاصفة تصرخ بحاجته الشديدة لها. ثم ابتعد عنها وهو ينظر إليها مجدداً بغير تصديق. وضمها لصدره مجدداً وهو يقول:
وأخيراً يا حنان، أخيراً حبيبتي. كدت أن أصاب بالجنون من فرط شوقي إليكِ.
وأخذ يقبل وجهها باشتياق حقيقي وهو يقول:
أنا آسف. لن أفعل إلا ما تجدينه صواباً. لن أبكيكِ مجدداً أبداً، أعدك.
أسند جبهته على جبهتها ووقف مغمضاً عينيه وهو يهمس:
أحبك. وأنتِ تعرفين. أو.. لا.. لا تعرفين، لأنني اكتشفت أنني حتى أنا لم أكن أعرف ذلك. لم اكتشف مدى حبي لكِ إلا عندما أحسست أنني سأفقدك. أحبك كثيراً يا حنان.
تنهدت وهي تشعر بسيل ساخن من الدمعات الحزينة تبلل وجنتيها. بينما هي تقف مغمضةً عينيها وهي تستمتع بأنفاسه القريبة منها والتي تدفء روحها وتطمأن قلبها. وقالت:
وأنا أحبك يا عزيز. ولكن هناك شيئاً بقلبي يؤلمني. إحساساً بالذنب، يختلط بعتاب مؤلم. أحبك ولكنني غاضبة منك. أحقد عليك لأنك خدعتني واستغللتني. أشعر بالغضب يملأ قلبي لأنك لم تكن ملاكي الحارس كما كنت أتوهم. لا.. أنت استغليت حبي لك وحاجتي لك أسوأ استغلال.
وابتعدت عنه خطوات وهي تنظر إليه بلوم صريح وتقول:
لماذا يا عزيز؟ لماذا فعلت ذلك بنا؟ أنا كنت صغيرة، غبية، مراهقة تلهث خلف الكلام المعسول والمشاعر المجنونة التي تختبرها لأول مرة. أنا كنت بريئة يا عزيز وأنت استغليت برائتي. أنا أحقد عليك بشدة.
انفجرت في نوبة بكاء جديدة. فحاول الاقتراب منها ولكنها صرخت به بقوة:
لا، ابتعد أرجوك. أنت استغليت حبي سابقاً، ولا تزال تستغلني بكل بشاعة. أنت تعرف أن روحي مدموغة بعشقك يا جبان، لذلك تنجح في استغلالي كل مرة، وها أنت تفعلها مجدداً.
رفعت يديها تضغط على جانبي رأسها ثم نظرت إليه بغضب وقالت:
وأنا كالبلهاء أركض إليك في كل مرة دون تفكير. لماذا؟ لأني أحبك. للأسف أحبك. أنت تعرف أني أشعر بالتشتت والضياع، أشعر بالصراع داخلي ومع ذلك لا تمنحني الفرصة كي أستجمع شتاتي. تستدرجني بوهم احتياجك لي يا نذل.
أقبل عليها فوضعت كفيها أمامها كساترًا بينهما وهي تقول:
أرجوك يا عزيز كفى. احترم رغبتي ولو لمرة واحدة. أرجوك لا تستغل ضعفي وحاجتي إليك، أرجوك.
تهدل كتفاها بيأس. فاقترب منها وضمها إليه بكل قوته وأردف وهو يقبل أعلى رأسها:
أنا آسف، آسف حبيبتي. والله آسف ونادم وأشعر بالخزي. أرجوكِ سامحيني. أنا أتعذب في بعدك يا حنان. أنتِ تعرفين أنني لا أملك غيرك.
وأمسك بوجهها بين كفيه وهو يرنو إليها ويقول:
لا أملك عائلة. أنتِ عائلتي الوحيدة. لا أملك رفاقاً. أنتِ رفيقتي الوحيدة. حتى أخي لا أريده. أنتِ ستكونين أختي إن احتجت لأخ. ستكونين رفيقتي إن احتجت لرفيق. ستكونين لي كل شيء كما كنتِ دوماً.
هدأ بكائها قليلاً فقال:
أنا اعتذرت من قاسم، ووعدني بأن نبدأ صفحة جديدة. كما أنني سأعمل معه بالمعرض من الآن فصاعداً. أقترب منه من أجل أن أثبت لكِ صدق نواياي. صدقيني أنا أحبك وأستطيع فعل أي شيء يرضيكِ. لا تتركيني مجدداً يا حنان، أرجوكِ.
قالت وهي تشهق بتأثر:
الأمر ليس بإرادتي يا عزيز. أنا مشتتة. مشتتة بين ألف هاجس يغزو عقلي في كل لحظة. أنا وأنت ارتكبنا ذنباً لا يغتفر. عوقبنا عليه بوفاة ابنتنا. كلما تذكرت ابنتي وهامت روحها حولي، أتذكر ما فعلناه. لو أننا لم نفعل ما فعلناه بحق قاسم، لكانت ابنتنا حية وبحضني الآن. هذا عقاب الله لنا. وأشعر بأننا سنبقى معاقبين للأبد.
ضمها إليه وهو يجاهد كي يمنع دموعه من السقوط. بينما هي تنتحب بقهر وهي تتمسك بقميصه. وهو يحاول تهدئتها واحتوائها ويقول:
الحمد لله على كل شيء يا حنان. لله ما أعطى ولله ما أخذ. هذا قدرنا وعلينا أن نرضى به كي يرضى عنا الله. نحن أخطأنا وكل البشر خطائين.
نظرت إليه بضيق وغضب شديد. ثم تقدمت نحوه باندفاع وهي تقول:
أخطأنا فعلاً. وأنت تزيد الخطأ أخطاءً. أصبحت تقبل على شرب الخمر كذلك. يا إلهي. لا أصدق. هل أتعرف عليك من جديد يا عزيز؟ منذ متى وأنت تشرب الخمر؟
أطرق وجهه أرضاً بخزي وندم وقال:
تلك كانت أول وآخر مرة. أرجوكِ لا تبتعدي عني مجدداً. أنا ضعيف بدونك يا حنان. أنتِ من تقوميني وتدعميني وتوجهيني. أنتِ تعرفين ذلك، لذلك لا تتخلي عني أرجوكِ.
أومأت بتخبط وشرود. فما كان منه إلا أن أحاط خصرها بيديه وهو يقول بنغمة حب تعرفها جيدا:
أنا لكِ وأنتِ لي يا حنان. كلانا واقعان في الحب. كلانا لا نملك سوى سلاحاً واحداً. قلبنا.
أغمضت عينيها وهي تستمع لكلامه الذي تغلغل في روحها وجعل حقدها وغضبها يلفظان أنفاسهما الأخيرة. فقالت:
أنا لك وأنت لي يا عزيز. كلانا واقعان في الحب. كلانا لا نملك سوى سلاحاً واحداً. قلبنا.
وتناست حنان. تناست كل ما كانت تحمله من مخاوف وأحقاد وأفكار مؤلمة. لم تتذكر الآن سوى أنها عاشقة، متيمة، وتهوى الوقوع في الحب دون أدنى شعور بالذنب.
***
بعد مرور ساعة تقريباً.
كانت حياة قد انتهت للتو. وقفت تطالع نفسها بفرحة وعيونها تبرق بريقاً سعيداً. أمسكت هاتفها وقامت بالتقاط صورة لها. ثم أرسلتها لقاسم. الذي فور أن رآها قام بالاتصال بها سريعاً.
قال قاسم:
مرحباً حياة. بربك يا حياة، ما كل هذا الجمال؟
ابتسمت بخجل وتوردت وجنتيها أكثر فقال:
تبدين أميرة فعلاً. ولو أنني أرى أنكِ لستِ بحاجة لأي زينة أو تجميل. أنتِ جميلة بدون أي إضافات.
ازداد خجلها فقالت:
شكراً. أنت رجل وسيم أيضاً.
ضحك من قلبه وقال:
الحمد لله. لو أني كنت بشعاً كنتِ ستختالين عليّ بجمالك.
ضحكت وقالت:
لا عزيزي، أنا متواضعة جداً. الجمال جمال الروح.
قال قاسم:
صحيح. وأنا لم أرَ جمالاً كجمال روحك يا حياة.
تنهدت تنهيدة طويلة بارتياح ثم قالت:
حسناً، لقد انتهيت للتو وسأنتقل لغرفة تبديل الملابس. أنت ماذا تفعل؟
قال قاسم:
أنا وصلت حالاً لشقتنا. قمتُ بدعوة السيدة فتون وسارة والسيدة فريال كذلك.
همهمت حياة بضيق وقالت:
همممم. يا إلهي. ما كل هذه النساء. أنت كالمغناطيس حقاً.
تعجب ضيقها ورد بهدوء وبساطة:
هن جيرانك المستقبليين يا بغيضة. سيدات غاية في اللطف حقيقةً. لا بد أن تتعرفن إلى بعضكن البعض.
قالت حياة:
وهل ستحضر الشقراء؟
قال قاسم:
تقصدين سارة؟ بالطبع ستحضر. هي تعتبرني بمثابة أخ لها وستلبي دعوتي أكيد.
ردت حياة:
أخ لها إذا… حسناً. ولكن لحظة يا قاسم، هل قلت شقتنا؟
قطب جبينه متعجباً وقال:
أجل، أقصد شقتي. ولكنها أصبحت شقتنا، يعني.. سنتزوج بها.
اتسعت ابتسامتها مجدداً وقالت:
نعم، أفهم.
قال قاسم:
وأنا لا أفهم. هل لديكِ اعتراض على زواجنا بتلك الشقة؟
ردت حياة:
لا لا أبداً. ليس لدي اعتراض على أي شيء.
ضحك وقال متعمداً استفزازها:
أعلم. علامَ ستعترضين وأنتِ ستتزوجين من جوهرة مثلي؟
اختفت ابتسامتها وحل محلها العبوس وهي تقول بحنق نجح في إظهاره:
جوهرة؟ نعم جوهرة. والجوهرة لا يتزوج إلا جوهرة.
ضحك قائلاً:
صحيح. وأنتِ أثمن جوهرة بحياتي يا كهرمانة.
رفرفت بأهدابها عدة مرات بسعادة ثم قالت بتوتر:
حسناً، سأذهب لرؤية حنان ثم أذهب لارتداء الفستان. أراك لاحقاً.
قال قاسم:
اعتنِ بنفسك يا عروسة.
قالت حياة:
وأنت أيضاً.
أنهت الاتصال وهي تضم الهاتف لصدرها بحالمية وتتنهد بسعادة وهي تقول:
يا إلهي، ماذا فعلت أنا بحياتي كي تكافئني برجل مثله. الحمدلله.
خرجت من الغرفة وأخذت تفتش بعينيها عن حنان حيث تركتها، ولكن ليس لها أثر. أمسكت بهاتفها وقامت بالاتصال بها ولكنها لم تجب. بعد عدة محاولات اضطرت لدخول غرفة تبديل الملابس. ولكن بالها ظل مشغولاً عليها وأخذت تطمئن نفسها أنها بالتأكيد خرجت لشراء بعض الشطائر.
بعد حوالي نصف ساعة خرجت من الغرفة ولكنها لم تجدها أيضاً. مما أثار خوفها وقلقها. وعادت تحاول الاتصال بها مجدداً دون جدوى. فقامت بالاتصال بقاسم الذي أجاب:
نعم حياة. هل انتهيتما؟
قالت حياة:
قاسم، حنان ليست هنا.
ضيق قاسم بين حاجبيه بتعجب وقال:
ماذا يعني ليست هنا؟ أين هي إذا؟
قالت حياة:
لا أعرف. اتصل بها ولا تجيب.
قال قاسم:
حسناً حسناً لا تقلقي. أنا كنت قد طلبت منها أن تشتري لكِ طعاماً. دقائق وتكون عندك. لا تقلقي.
تنهدت حياة بعدم ارتياح وقالت:
وما الذي سيمنعها من الرد على مكالماتي؟
قال قاسم:
لا تقلقي حياة. ربما لم تسمعه. على كل حال سأحاول الاتصال بها وأنتِ لا تشغلي بالك.
ردت حياة:
حسناً، سأعود للغرفة لوضع اللمسات الأخيرة وأنت حاول الاتصال بها. مع السلامة.
أنهت المكالمة وإذ بها تتفاجأ باتصال من خالد. دب الرعب بقلبها فجأة وهي تتطلع إلى الهاتف بيديها في وجوم. إلى أن انتهى الاتصال. وفجأة أرسل لها برسالة صوتية. ففتحتها بقلق وتردد واستمعت إليه هو يقول:
حياة، لقد بلغني الخبر أن عقد قرانك اليوم. حقيقةً لم يسعني سوى أن أتمنى لكِ السعادة. في النهاية بيننا عشرة طيبة. ولكن إكراماً لهذه العشرة الطيبة كان لزاماً علي أن أبلغك بما عرفته عن قاسم. قاسم لم يخبرك بالحقيقة كلها للأسف. لقد استقطع منها الجزء الأهم والذي لم يكن فيه ضحية أو مجني عليه. أنا آسف لأنني أخبرك بهذا الكلام في مثل هذا التوقيت. ولكنني كنت متردداً وحسمت أمري للتو. ما ستعرفينه من الممكن أن يغير قرارك للأبد.
اضطربت ضربات قلبها وارتجف بدنها وهي تعيد سماع رسالته أكثر من مرة. وأخذت تهز رأسها برفض وهي تقول:
لا، لا مستحيل. لقد أخبرني قاسم بالحقيقة كاملة. أنا أثق بذلك. هذا الجبان يود خلق خلافاً بيننا. لا تكوني حمقاء وتفسدي فرحتك يا حياة.
انتفضت عندما رن هاتفها فجأة برقم خالد مجدداً. فأجابته باندفاع وتوتر:
ماذا تريد يا خالد؟ صدقني أنا أثق بقاسم أكثر من نفسي. ومحاولاتك المسكينة تلك لن تنجح في إفساد علاقتنا أبداً.
ابتسم خالد بألم وأجابها:
وأنا لا أريد إفساد علاقتكما يا حياة. كل ما أريده هو كشف الحقيقة. ووقتها لكِ مطلق الحرية أن تكملي طريقك معه أو لا.
تنهدت بتوتر وقالت:
أي حقيقة؟ ما الذي تود قوله؟
قال خالد:
ما أود قوله ستودين أنتِ رؤيته.
تساءلت باستغراب:
لا أفهم قصدك. لا تتلاعب بالكلمات وإلا سأنهي المكالمة ولن أجيبك ثانية يا خالد.
تنهد خالد بضيق وقال:
حياة، أنا أقف بسيارتي أمام الصالون. اخرجي وخذي ما أتيت لأحضره لكِ.
وأنهى الاتصال وتركها تتململ من فرط فضولها وتوترها والتردد الذي عصف بها عصفاً. فأخذت تتنفس أنفاساً مرتبة وهي تحاول لملمة شتاتها وهي تتحدث إلى نفسها وتقول:
اهدئي يا حياة. أنتِ إنسانة عاقلة ولن تنساقي خلف تلك الترهات أبداً. سأقوم بالاتصال بقاسم فوراً وإخباره. ولكن.. ولكن ما سبب ذلك الإصرار؟
ونظرت حولها بشرود وهي تقول:
يا إلهي ماذا أفعل؟ سأذهب لأرى تلك الكذبة التي يظن أنه سيخدعني بها وأعود سريعاً. دقيقتان فقط.
خرجت من الصالون وهي تمسك ذيل فستانها الحريري. ووقفت تنظر حولها فوجدت سيارته تصطف على بعد خطوات. فذهبت إليه ووقفت بجوار النافذة وقالت بضيق:
ماذا تريد يا خالد؟
طالعها خالد بغيرة وغضب شديدين. ولكنه رسم على وجهه ابتسامة ودودة وقال:
تبدين كالملاك.
نظرت إليه بتعجب وقالت:
هل جئت لتخبرني بذلك؟ أنا حقاً لا أفهمك. ماذا تريد يا خالد؟ وما تلك الأكاذيب التي تحاول دسها بيني وبين قاسم؟
تصنع الحزن وهو يقول:
كنت أعرف أن ذلك سيكون ردك. ولكن أنا ألتمس لكِ العذر. على كل حال اركبي لتري وتسمعي بأذنيكِ ما قاله عبد الله عن تلك الليلة المشؤومة.
نظرت إليه بضيق شديد وقالت:
هل تظن أنني سأركب السيارة برفقتك؟ إذا كنت لا تعلم اليوم عقد قراني، من أنت حتى أركب سيارتك؟
قلب عينيه بملل ورفع كتفيه ضيقاً واحتجاجاً وقال:
حسناً يا حياة. لا تركبي برفقتي. هيا اركضي وتزوجي من ذلك الكذاب المغتصب، ولا تلومين سوى نفسك.
تنهدت بضيق ونفاذ صبر وقالت:
ما الذي تقوله؟ أنت الكذاب وليس هو. هيا أفضِ ما بجعبتك.
قال خالد:
ارركبي أولاً. لن نتحدث وأنتِ تقفين بالطريق هكذا.
استدارت وفتحت الباب ثم ركبت بجواره وقالت:
أرني حالاً ما لديك.
أومأ موافقاً وانحنى قليلاً وبيده اليسرى ضغط قفل أبواب السيارة. ثم التقط زجاجة صغيرة وفجأة رش منها أمام أنفها وهو يقول:
أنا آسف يا عزيزتي. لم تتركي لي حلاً آخر.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نعمة حسن
كان عزيز مستلقيًا، مغمضًا عينيه براحة وهو يضمها إليه بقوة، بينما هي تحيط خصره بذراعها وتغفو فوق صدره باطمئنان. بيده يمسح على شعرها بابتسامة وهو يستمع لأنفاسها المنتظمة التي تدل على عمق نومها.
مال بشفتيه مقبلًا جبينها وأسند رأسه فوق رأسها وهو يتمتم:
"أنا لكِ وأنتِ لي حنان، نبتعد ولكن لا نفترق أبدًا."
تنهد براحة شديدة، وفجأة شعر بها تتململ بين ذراعيه فابتسم وهو يراقبها بعينين محبتين. فتحت عينيها ببطء وتكاسل ونظرت إليه لثوانٍ حتى استوعبت الموقف، ثم احتضنته واقتربت منه أكثر وهي تقول:
"أحبك عزيز، كنت أشتاقك جدًا."
مال على جانبه وهو ينظر إليها بابتسامة وقبّل وجنتها بقوة وقال:
"وأنا كنت ولا زلت أشتاقك حبيبتي، شوقي لم ولن يزول أبدًا."
أحاطت وجنتيه بيدها وابتسمت وهي تقول:
"أرجوك حبيبي دعنا لا نفترق أبدًا.. صدقني أنا بحاجتك دومًا."
نظر إليها بعتاب وقال:
"ولكن أنتِ من تركتِ البيت حنان، أنا لم أطلب منك ذلك."
"أعلم، ولكنني كنت بحاجة إلى تلك الهدنة، أرجوك كن متفهمًا، لا تضغط عليّ مجددًا."
أومأ وهو يحيط وجنتيها بكفه وقال بابتسامة:
"حاضر، لن أضغط عليكِ أبدًا، ولن أخطئ بحقك ثانيةً هذا وعد.. من اليوم ومن هذه اللحظة سنحاول إصلاح كل ما مضى وأنا أثق أننا نستطيع."
ثم نظر إليها وكأن مصباحًا قد أضاء برأسه وقال:
"حنان هل نذهب لأداء عمرة؟ رمضان على الأبواب وسيكون توقيتًا مناسبًا للغاية."
نظرت إليه متفاجئة فقال:
"أعتقد أن كلانا نحتاجها، نغسل ذنوبنا جميعها ونعود بصفحة بيضاء نسطر بها مستقبلًا مشرقًا، أنا أثق أننا لن نعود كما ذهبنا أبدًا.. ما رأيك؟"
ابتسمت ولمعت عيناها بحماس وقالت:
"سيكون هذا رائعًا عزيز.. لقد تحمست للغاية."
أومأ مؤيدًا ومال على وجنتها يقبلها بحنوٍ ويقول:
"كل شيء سيكون رائعًا أعدك، ما دمنا سويا كل شيء سيكون بخير."
فزعت بمكانها فجأة عندما استمعت لصوت جرس الباب يرن دون توقف، فنهضت وقالت بصدمة:
"عزيز، لقد نسيت حياة!!! يا إلهي ماذا فعلت أنا!!!"
نهض سريعًا وارتدى ملابسه على عجالة وخرج من الغرفة موصدًا الباب، ثم توجه نحو الباب وفتحهُ ليتفاجأ بقاسم يقف كالمجنون، يلهث وينظر إليه بعينين محتقنتين ويقول:
"أين حنان؟ ماذا فعلت لها؟ هل هي هنا؟"
أجابه بتعجب وهو لا يفهم سر الحالة المزرية التي هو عليها فقال:
"أجل، هي هنا."
قاطعه قاسم بعصبية شديدة وانفعال مفاجئ وصدح صوته عاليًا:
"ماذا تفعل هنا؟ ألم تكن برفقة حياة؟ ما الذي أتى بها إلى هنا؟"
تلعثم وهو يحاول إيجاد ما يقوله، ولكن حنان خرجت من الغرفة وهي تركض نحوه بلهفة وتقول:
"قاسم، أنا آسفة، لقد.. لقد هاتفني عزيز و.."
مسح على وجهه بغضب وهو يشير إليها بيده كي تتوقف عن الحديث وقال:
"حياة اختفت."
نظرا كلا من عزيز وحنان لبعضهما البعض بصدمة فقالت حنان:
"ماذا؟ ماذا يعني اختفت؟"
زفر مطولًا وانتفخت أوداجه وهو يمسح على وجهه عدة مرات متتالية بانفعال مكبوت وقال بضيق:
"اختفت، ليست بالصالون، لا تجيب مكالماتي، لا أعرف أين هي، اختفت."
ونظر إليها بضيق وانزعاج وهو يقول:
"وسيادتك منذ أربع ساعات وأكثر نحاول الوصول إليكِ ولكنكِ لستِ هنا."
"قاسم، أنا.. أنا آسفة."
قاطعها بانزعاج:
"كفى حنان، كفى."
اتجه نحو الباب ليغادر، فركضت خلفه وهي تقول:
"انتظر سآتي معك."
أجابها بضيق وحدة:
"لا، ابقي مع زوجك."
وتركها وانصرف، بينما هي تتطلع في أثره بتيه وتقول:
"ماذا يعني حياة اختفت؟!!"
ونظرت إلى زوجها وقالت:
"هيا عزيز لا بد أن نلحق به."
***
كان قاسم يقود سيارته على أقصى سرعة وهاتفه بيده يحاول الاتصال بحياة مجددًا ولكنها لا تجيب، فأخذ يضرب المقود بقبضته وهو يقول بعصبية:
"تبًا.. تبًا.. أين أنتِ حياة!!"
وفجأة خطر له خاطر فقال:
"الكاميرات، كيف نسيتها؟"
توقف أمام الصالون، ثم دخل وتحدث مع مالكة المكان وشرح لها الأمر سريعًا، وطلب منها مراجعة تسجيلات الكاميرات الخارجية، فإذا به يجد حياة وهي تخرج من الصالون وبيدها الهاتف تتحدث به، ثم نظرت يمينًا ويسارًا وتقدمت نحو سيارة تصطف بالجوار، ثم وقفت تتحدث إلى شخص بداخلها من النافذة وعلى ما يبدو أنهما يتناقشان بحدة، ثم استدارت وركبت السيارة وانطلقت بها بعد دقيقة تقريبًا.
كان مصدومًا، وضع يده على خصره والأخرى يمررها بشعره ثم يمسح بها على عنقه، ثم وجهه وهو يحاول تصديق ما رآه وخرج فورًا من المكان وهو يتحدث بعجز:
"لا، مستحيل، هذه سيارة خالد.. مستحيل."
توقف بمنتصف الطريق بعدما اكتشف أنه لا يعرف إلى أين سيذهب، ثم صرخ بقوة كوحشٍ يحتضر وهو يضرب المقود بقبضته بغل ويقول:
"لا.. لا.. تبًا.. تبًا.. تبًاااااااا."
أسند رأسه على المقود بتعب وعجز وهو يردد بقلة حيلة:
"يا إلهي، ماذا فعلتِ يا حياة؟"
وتحرك بسيارته فجأة عائدًا نحو الصيدلية الخاصة بخالد وهو يتوعده قائلًا:
"أقسم إن كنت تعرضت لها بسوء سأجعلك تتمنى الموت يا حقير."
وأخذ يردد بلوعة:
"أين أنتِ يا حياة، أين أنتِ؟"
***
بدأت حياة تستعيد وعيها، فتحت عينيها ببطء وهي تشعر بأن كل ما حولها يدور، كل شيء مشوشًا ومهتزًا وضبابيًا، وشيئًا فشيئًا بدأت تستعيد توازنها من جديد. نظرت حولها بهلع، الغرفة تبدو حديثة الطراز، كل ما بها يبدو جديدًا وفخمًا، وفجأة هتفت بخوف:
"يا إلهي، ما الذي أتى بي إلى هنا؟!"
تعرفت على المكان فورًا، فلطالما كان خالد يرسل لها صورًا لتلك الغرفة ولجميع غرف الشقة وكان يتابع معها التجديدات والتجهيزات أولًا بأول.
ابتلعت ريقها بتوتر وحاولت النهوض ولكنها صعقت عندما رأت يديها مقيدتين بأصفاد على كِلا جانبي الفراش!
توقف عقلها عن التفكير وقلبها عن النبض للحظات وهي تحاول تدارك الموقف، وفجأة تكالبت عليها الأفكار دفعة واحدة فصرخت بكل قوتها صرخةً زلزلت جدران الغرفة.
بدأت تتحرك بعشوائية وقد اندفعت بداخلها غريزة حماية النفس، فأخذت تجذب يدها وهي تحاول نزعها من بين تلك الأصفاد المخيفة التي صورت لها ملايين التخيلات المظلمة وهي تهذي بلا وعي:
"لا، مستحيل، هذا مستحيل ولن يحدث، قاسم.. قاســـم."
انفجرت في بكاءٍ مدوٍ وهي تنادي باسم قاسم بهيستيرية وهي تقول:
"يا إلهي أرجـــوك.. أتوسل إليك لا تجعله يواجه نفس المصير ثانيةً يا ربي."
غرقت في بكائها وهي تدعو وتتضرع إلى الله كي ينجيها من ذلك الموت المحقق، وفجأة انتبهت إلى صوت خطوات تدنو من الغرفة فتوقف نحيبها بخوف، وفور أن رأت خالد يدخل الغرفة حتى نظرت إليه بكره وغضب وهي تقول:
"يا جبان يا حيوان.. أنت حيـــوان.. حلّ وثاقي حالًا."
اقترب منها متمهلًا وجلس بجوارها على السرير فانزوت حول نفسها بخوف، بينما مال نحوها بجذعه وهو يتفحص ملامحها ويقول:
"ما بكِ حياة؟ هل أنتِ خائفة؟ هل أنتِ خائفة مني؟"
"أنت أقذر إنسان رأيته بحياتي، أنت إنسان منحط وقذر، فكني حالًا وإلا.."
أطبق بقبضته فوق فكها بقوة وهو يقول بغضب:
"حياة، لا تتخطي حدودك حبيبتي وكوني مهذبة."
سالت دمعاتها بقهر وعجز وهي تقول:
"أرجوك خالد فكني، هل هذا جزاء ثقتي بك؟"
أومأ موافقًا ثم ضحك ضحكته الشريرة التي تراها لأول مرة وقال:
"هذا ليس جزاء ثقتك بي، هذا جزاء غبائك حبيبتي."
"أرجوك، بالله عليك فكني ودعني أغادر، أرجوك لا تفعل ما تنوي فعله أرجوك."
اقترب منها حتى بات ملتصقًا بها وقال وهو يجوب تفاصيل وجهها بعينيه بخبث:
"وما الذي أنوي عليه حبيبتي؟ معنى ذلك أنكِ تعرفين ما أنوي فعله؟ إذا هذا جيد.. وسيكون ممتازًا لو أنكِ كنتِ متعاونة حتى تتم مهمتنا بنجاح."
مد أنامله يتلمس بها شفتيها فأدارت وجهها وهي تحاول نزع يدها بقوة آلمتها، فقال وهو يحيط وجهها بكفيه:
"لا تحاولي عبثًا يا حياة، تلك الأصفاد من النوع الجيد، كي تناسب مقاومتك وشراستك."
نظرت إليه بكره وغل وقالت:
"أنت حيوان."
"أعرف، ولكني أحبك."
وتنهد ثم نظر إليها مطولًا وقال بهدوء مخيف:
"وأنتِ تعلمين أني أحبك، وأريدك.. ولكنك بكل بساطة ذهبتِ وتزينتي لذلك القذر حتى تقدمين نفسك له كقربان."
"لا تتحدث عنه بتلك الطريقة، قاسم أشرف منك."
ضحك ثم تعالت ضحكاته وهو ينظر إليها بضيق وقال:
"نعم، هو أشرف مني فعلًا، ولكن الشرفاء حظهم قليل دومًا."
أخذت تنظر حولها برعب فقال:
"هل تعرفتي على المكان حلوتي؟ هذه شقتنا، أو التي كانت من المفروض أن تكون شقتنا، عش زوجيتنا الذي صممت كل ركن فيه على حسب رغبتك، ذلك العش الذي كان سيجمعنا، وذلك الفراش الذي تنامين فوقه الآن كان من المفترض أن يكون شاهدًا على أحلى أوقاتنا."
ثم نظر إليها بكره وصدح صوته الجهوري يقول بغضب:
"ولكنكِ خائنة، غدرتِ بحبي وتركتِني لأجل ذلك المجرم، انظري لحالتك المؤسفة، ذهبتِ وتزينتِ كي تكونين عروسًا له ولم تظني لو للحظة أنكِ تستعدين كي أظفر أنا بكِ."
نظرت إليه بكره وقالت:
"هذا بأحلامك فقط، أنت لن تنال ولو شعرة مني."
ضحك عاليًا بسخرية، ثم مد يده بجيبه وأخرج منه قرصًا وهو ينظر إليها بتلاعب وهو يقول:
"هل تعرفين ما هذا؟"
ابتلعت ريقها بخوف وهي تنتظر إجابته بصمت وترقب، فقال مبتسمًا بفظاظة:
"هذا يا حلوتي يسمى عقار الاغتصاب؛ ولكننا لن نسميه هذا الاسم المخيف، من الممكن أن نسميه مثلًا عقار الأوقات السعيدة."
ابتلعت ريقها وهي تحاول التمسك بثباتها الواهي وهي تستمع إليه وهو يتابع:
"عقار الأوقات السعيدة هذا سيجعلكِ تشعرين بالاسترخاء الشديــد، سيفقدكِ القدرة على التحكم بعضلاتك فبالتالي ستنعدم مقاومتك، أي أنكِ ستكونين واعية لما أفعله ولكنكِ كالأموات تمامًا."
بدأ جسدها في الارتجاف بقوة بينما هو يردف بتسلية:
"ولكن الميزة التنافسية التي يتمتع بها هذا العقار هو أنه سيجعلكِ تنسين كل ما حدث لكِ، يعني سيضعف وعيك وإدراكك بحيث لا يثبت ما حدث بذاكرتك، هل رأيتِ كم أنا رحيم بكِ يا حلوة؟ لا أود أن أترك لكِ أي ذكرى سيئة عن أول لقاء يجمعنا."
وفجأة أمسك برأسها بقوة وجذبها للخلف وهو يحاول دس تلك الحبة بفمها ولكنها أطبقت شفتيها على بعضهما بقوة وأخذت تحرك وجهها بقوة، وفجأة صفعها بقوة وهو يهتف بغضب أعمى:
"اثبتي حياة."
جحظت عيناها من هول الصدمة وحدقت به بذهول، فقال بضيق شديد:
"هل رأيتِ نتيجة عنادك؟"
ووضع الحبة بحلقها بقوة وهو يقول:
"أخبرتك أن تكوني متعاونة حتى نتمم مهمتنا بيسر ونمضي أوقاتًا سعيدة، ولكنكِ مصممة أن يتخذ لقاءنا منحنى آخر ويسمى اغتصابًا."
سعلت بقوة وهي تحاول التقيؤ عنوةً كي تتخلص من تلك الحبة قبل أن يسري مفعولها بجسدها ويجعلها كالجثة الهامدة، وبالفعل تقيأت، فنظر إليها متقززًا ودفع رأسها للخلف وهو يقول:
"تبًا لكِ يا غبية!"
***
كانت عنبر تجلس برفقة ابنها وهي تدرسه وتحاول الانشغال برفقته عما يدور حولها، فاستمعت إلى عبدالله وهو يقف خلفها ويقول:
"حماكِ الله زوجتي العزيزة، أخيرًا اكتشفتِ أن لكِ ابنًا وتقومين بواجباتك تجاهه؟"
نظرت إليه بضيق ولم تعقب، فقال:
"هيا، قومي واستعدي."
طالعته باستفهام وقالت:
"لمَ أستعد؟"
"كي تحضري خطبة أختك.. ألستِ أختها الوحيدة؟ إذا من المفترض أن تكوني بجوارها."
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
"لا، لن أحضر."
"بلى، ستحضرين."
طالعته بتعجب وقالت:
"وما سبب ذلك الإصرار لا أفهم! قلت لا أريد."
تقدم منها وأطبق بقبضته فوق ذراعها بقوة آلمتها وهو يهمس كفحيح الأفعى بجوار أذنها ويقول:
"وأنا قلت ستحضرين، عليكِ التعود من الآن فصاعدًا على رؤيتهما بجوار بعضهما البعض لعلكِ تقحمين ذلك إلى رأسك الغبي هذا وتقتنعين أنه لن يحل لكِ بعد الآن."
نظرت إليه بقهر وانسابت دموعها، فقال:
"لا تبكي يا عزيزتي، عليكِ التأقلم على الوضع من الآن فصاعدًا، ثم أن أختكِ المصونة ستكون بحاجتك الليلة أكيد."
قطبت جبينها بتعجب وقالت:
"لا أفهم قصدك، لمَ ستكون بحاجتي؟"
أجاب بتلاعب وهو يتعمد إثارة حنقها واستفزازها:
"لا أعرف، ولكن هذا اليوم بالتأكيد ستكون بحاجة لمؤازرتك ودعمك.. أليست عروسًا؟"
وضحك باستهزاء وتركها وغادر، بينما أخذت تفكر في كلامه الذي لا يحمل معنى مباشرًا أبدًا.
ولكنها تنهدت وهي تحدث نفسها وتقول:
"كلامه صحيح، عليكِ التعود على رؤيتهما بجوار بعضهما البعض منذ الآن، عليكِ وضع تلك الصورة برأسك كي لا يتخطى عقلك الغبي حدوده مرة أخرى."
***
توقف قاسم بسيارته أمام الصيدلية ثم دخل مشحونًا بالغضب وهو يبحث عنه كي يدفنه بأرضه ولكنه لم يجده، نظر إلى تلك الفتاة التي تنظر إليه بذعر وتقول:
"تفضل حضرتك؟"
"أين هو؟"
تساءل بانفعال شديد فقالت بهدوء:
"من هو؟"
"الكلب خالد.. أين هو؟"
نظرت إليه بصدمة وقالت:
"دكتور خالد ليس موجودًا حاليًا."
"وأين يسكن؟ ما هو عنوان بيته؟"
"الدكتور لا يعطي عنوانه لأحد، يمكنك الاتصال به أو الحضور مرة أخرى."
في تلك اللحظة دخل رجل مسن يستند على عصا خشبية متينة، فنزعها من يده بقوة وأخذ يكسر كل ما يراه وهو يهتف بغضب كالمعمي:
"أين عنوان ذلك الكلب.. انطقي حالًا وإلا سأهشم رأسك."
نظرت إليه بفزع وهي تحتمي بزاوية في المحل وقالت:
"حسنًا، حسنًا اهدأ من فضلك، سأعطيك العنوان."
اقتربت من حقيبتها ببطء وحذر وفتحتها ثم أخرجت بطاقة مدون بها عنوان خالد وأعطتها له وهي تقول:
"هذا هو عنوانه."
نزع البطاقة من يدها وغادر وكل ما يقابله يجعله حطامًا منثورًا، استقل سيارته واتجه نحو العنوان المدون في البطاقة وهو يقول بتوعد شرير:
"أقسم بآيات الله إن كنت لمستها يا خالد سأميتك ميتةً بشعة."
قاد سيارته على أقصى سرعة وهو لا يرى أمامه سوى الماضي يتجسد أمامه بكل تفاصيله الحية وكأنه يعيد نفسه من جديد، فأخذ يهمس بجنون:
"يا إلهي أتوسل إليك احفظها."
ارتفع رنين هاتفه برقم عمه فقبض على شعره بتيه وهو يردد:
"لا، لا لا لا ليس الآن يا عمي أرجوك."
انتهت مكالمة عمه فاستقبل مكالمة أخرى من أخته فأجابها فورًا:
"هل وصلتِ لشيء؟"
قالت وهي تبكي بانهيار:
"لا، اتصلت بها كثيرًا ولا تجيب، نحن الآن في المخفر ولكنك تعرف الإجراءات.. لا يمكن تحرير بلاغ باختفائها قبل مرور أربع وعشرين ساعة… قاسم.. هل تسمعني؟.. قاسم.."
توقف أمام بيت خالد وأنهى المكالمة دون سابق إنذار ثم أسرع خطاه إلى الداخل وهو يطرق الباب بكلتا يديه ويهتف بانفعال:
"خالــد… أين حياة يا حيوان؟"
دفع الباب بكل قوته ولكنه لم ينفرج، ركله بقدمه مرات عديدة دون جدوى، فأخذ يتطلع حوله عن شيء يستطيع كسر الباب به فتفاجأ بتجمهر الجيران حوله وهم يطالعونه بتعجب وحذر فقال:
"ماذا بكم؟ لمَ تنظرون إلي بتلك الطريقة؟ جاركم المحترم يختطف خطيبتي بالداخل.. هل ستقفون هكذا؟"
انضم إليه شابين في الحال وساعداه في كسر الباب فدخل وهو ينادي باسم خالد تارة وباسم حياة تارة أخرى وأخذ يفتش في كل ركن بالمنزل ولكنه لم يجد لهما أثرًا.
كان يشعر بأنه على وشك الجنون، سيجن بالتأكيد لو لم يجدها، وسيفقد عقله حتمًا لو وصل إليها بعد فوات الأوان.
وقف عاجزًا ينظر حوله بضياع، فوقعت عيناه على إطار معلقًا على الحائط به صورة خالد فحمله وألقاه في الأرض بقوة وهو يزمجر كالوحش الكاسر ويقول:
"أين أنت يا حيـــوان!!!!!"
نظر إليه أحد الشابين وقال:
"الدكتور يملك شقة ثانية فوق صيدليته بميدان الساعة."
نظر إليه وكأن مصباحًا أضاء برأسه فجأة وتذكر هذه المعلومة التي أخبره بها عمه من قبل، فخرج مسرعًا وهو يدعو الله أن يصلها قبل أن يمسها ذلك الجبان.
***
كان صالح يقف حائرًا، ينتظر بالشرفة ويترك بالخارج عددًا لا بأس به من المدعوين والمأذون، ينظر يمينًا ويسارًا بقلق وهو يردد:
"يا رب سترك، أشعر بأن هناك شيئًا قد حدث!"
انضمت إليه زوجته بقلق وتساءلت:
"أين هم للآن يا صالح؟ أيعقل كل هذا الوقت بصالون التجميل؟"
أجابها بحيرة وعجز:
"لا أعرف يا صفية، لا أعرف شيئًا، المريب أن قاسم لا يجيب اتصالاتي ولا حياة، عزيز وحنان يقولون أن كل شيء على ما يرام وأن حياة لم تنتهِ بعد، ولكن قلبي ليس مطمئنًا."
دخلت عنبر في تلك اللحظة وهي تحاول إخفاء وجومها وحزنها وقالت:
"مساء الخير أبي، مبارك لأختي."
احتضنها والدها بقوة وقال:
"جبر الله بخاطرك ابنتي، ادعي لأختك يا عنبر."
طالعته باستغراب ونظرت لأمها التي تقف شاردة وقالت:
"ماذا بها حياة يا أبي؟"
شهقت صفية وانقبض قلبها فجأة فوضعت يدها موضع قلبها بألم وهي تقول:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يا رب احفظها يا رب."
تساءلت عنبر بقلق:
"ماذا بها حياة يا أمي؟ أخبريني."
تحدث صالح بإيجاز وهو يحاول التخفيف من حدة الموقف وقال:
"أشعر بأن هناك شيئًا غريبًا في الأرجاء، أختك لا تجيب على هاتفها، قاسم أيضًا لا يجيب على هاتفه، لقد تأخرا عن الوقت المحدد ولا نعرف ماذا يجري معهما."
تحدثت صفية وهي تشعر بالاختناق وقالت:
"ابنتي ليست بخير أبدًا.. أشعر بها."
نظرت إليها عنبر وهي تحاول طمأنتها وقالت:
"لا تقلقي أمي، من الممكن أن تكون زحمة سير أو.. أو الصالون مزدحم."
وفجأة قفزت إلى رأسها كلمات زوجها وهو يقول:
"لا بد أنها ستحتاجك اليوم."
ابتلعت لعابها بتوتر واختنقت الكلمات بحلقها وهي تحاول تفسير ما قاله وتربطه بالوضع الحالي، وازداد خوفها وقلقها وقد افترستها الظنون وعصفت بها الأفكار بعد أن تهادى سيل من الذكريات السوداء إلى عقلها وجعلها تنتفض بخوف وقالت:
"لا يجب أن نقف هكذا، دعنا نذهب إلى الصالون ونطمئن عليها."
***
"تبًا لكِ يا غبية؟ ماذا فعلتِ؟ هل تظنين أنني لن أتمكن منكِ الآن؟ استيقظي حياة وانظري لحالتك وإلى يداكِ المصفدتان. لن تستطيعي مقاومتي على كل حال، ولكنني أردت إسداء خدمة لكِ وجعلكِ تنسين تلك اللحظات المؤلمة ولكنكِ غبية، غبية."
فتح الخزانة وأخرج بعض المناشف وأخذ يمسح آثار القيء من على الفراش، ثم اقترب منها وبدأ يمسح وجهها وملابسها وهي تبتعد عنه دون جدوى، فأمسك برأسها مجددًا وهو يمسح فوق صدرها بتسلية ويقول:
"أرأيتِ نتيجة عنادك يا حلوتي؟"
"ابتعد عني يا حيوان، ابتعد وإلا أقسم أني سأقتلك بيدي."
ضحك عابثًا وقال:
"حبيبتي أنتِ لا تقوين على قتل ذبابة حتى."
واقترب منها وهو يمرر أنفه على عنقها ويقول:
"أعرف حبيبتي حساسة ومرهفة الـ."
وفجأة ابتعد عنها بضيق ونفور وهو يقول:
"لن يتم الأمر هكذا، رائحتك تصيبني بالغثيان."
صمت للحظات، ثم فجأة ابتسم وهو يطالع جسدها بتفحص ونظرات مخيفة، بينما هي تهز رأسها برفض وقد فهمت ما يفكر به وأخذت تتحرك بعصبية وتصرخ بقوة:
"لا، لن يحدث يا حيوان، فكني حالًا يا خسيس، فكني أرجوك، قااااااسم.. قااااااااسم."
ضحك بعلو صوته بفظاظة وهو يقول:
"قاسم حقًا؟ للأسف عروستي لا أحد يعرف عنوان هذه الشقة غيرنا، يعني أنه لن يصلك أبدًا ولن ينقذك ولن يكون ملاكك الحارس كما تظنين."
واقترب منها وجثا بركبتيه فوق الفراش وهو يحاول فك الأصفاد اليمنى وهو يقول:
"سأساعدك في الاستحمام، سنذهب حالًا إلى الحمام وتقومين بالاغتسال وتبديل تلك الثياب اللعينة."
ثم مسح شفته بظهر إبهامه وهو ينظر إليها باشتهاء ويقول:
"لو كنت أعرف كنت اشتريت لكِ قميصًا يناسب ليلتنا البيضاء تلك، ولكن على كل حال لن يعوقنا شيء.. هيا حبيبتي كي تأخذي حمامًا دافئًا لعله يساعدك على الاسترخاء ويفعل مفعول تلك الحبة التي بصقِتها."
فزعت بمكانها ونظرت إليه بعينين محتقنتين وهي تقول:
"لا، لن تلمسني بيديك القذرتين أبدًا.. ابتعد عني، لا تلمسني إياك."
نظر إليها وقال بضيق:
"ولمَ؟ ما السبب؟ هل كرهتِني فجأة؟ أم أنكِ أحببتِه بذلك القدر الذي يجعلك تنفرين من لمساتي؟ ألا تذكرين حبيبتي عندما كنا نتبادل القبل بشكلٍ رائع؟"
نظرت إليه باشمئزاز وقالت بانهيار:
"اللعنة عليّ، اللعنة عليّ، اللعنة عليّ وعلى غبائي وحقارتي."
أمسك وجهها وثبته في مواجهته وهو يقول بتعاطف مزيف:
"لا حبيبتي، لا تفعلي ذلك بنفسك أرجوكِ، لا تفسدي ليلتنا بهذا الشكل، أعدك أنها ستكون ليلة مميزة."
وصمت للحظات ثم قال بجدية وتوتر:
"حياة، لن أغتصبك."
برق الأمل في عينيها ونظرت إليه بترقب، فأردف:
"اتركي نفسك لي طواعيةً، نحن بيننا مشاعر ويمكننا إيقاظها صدقيني، إن تقبلتِ الأمر واستسلمتِ سيكون كل شيء سهلًا صدقيني."
نظرت إليه بغضب عاصف وفجأة بصقت بوجهه باحتقار مما أثار ثائرته وجعله يخرج عن تعقله ووعيه وهو يمسح وجهه بانفعال ثم صفعها مراتٍ متتالية وهو يقول:
"يا حقيرة، أساسًا أنا الغبي لأنني ضيعت كل ذلك الوقت في استمالة عطفك ورضاكِ.. مثل أشكالك لا يليق بهم سوى العنف."
"ابتعد عني حالًا، ابتعد عني أرجوك."
أعاد غلق الأصفاد اليمنى مجددًا وهو يقول بغضب أعمى:
"اللعنة عليكِ حياة، تضطريني لنيلك وأنتِ بتلك الحالة المزرية، اللعنة على غبائك."
خلع سرواله أمام عينيها المفزوعتين فأغمضتهما بقوة وهي تصرخ بكل ما أوتيت من قوة وتقول:
"لااا.. لن تفعل ذلك، قاااسم أرجووووك."
اقترب منها وأمسك بشعرها يجذبه للأسفل بغل وهو يقول:
"توقفي عن ذكر اسم ذلك المجرم أمامي."
صعد للفراش بركبتيه وأمسك بقدميها يحاول إبعادهما عن بعضهما، فأخذت تركله ركلات عشوائية واهية تحاول بها الدفاع عن نفسها لآخر لحظة، فنظر لهت مغتاظًا وهو يقول:
"حيــاة!! كل هذا ليس في صالحك."
صرخت أكثر وهي تحاول عبثًا نزع يديها من تلك الأصفاد اللعينة وقدميها تتحرك بعشوائية كي لا يتمكن منها وهي تصرخ قائلة:
"يا إلهي ساعدني، أتوسل إليك يا رب."
فجأة استمعت لصوت جلبة بالخارج فدب الأمل بقلبها من جديد وأخذت تصرخ بقوة لم تختبرها من قبل:
"قااسم.. ساعدني أرجوك."
نظر خالد خلفه وأدرك أن أحدهم يحاول كسر الباب، فاقترب منها منفعلاً وهو يحاول تجريدها من ملابسها عنوةً وهي تصارع بقوة ضئيلة ومقاومة واهنة ولسانها لا يتوقف عن النداء باسم قاسم.
وفجأة انفرج الباب بقوة وركض قاسم إلى حيث مصدر الصوت ووقف مصدومًا عندما رأى حياة ترقد بتلك الحالة ويداها مصفدتين وخالد يجثو أمامها ويحاول نزع ملابسها، فانقض فوقه فورًا وأبعده عنها وأخذ يسدد له اللكمات بكل قوة وغضب وكأنه كالأعمى لا يرى أمامه وهو يهتف بغضب:
"يا حقيـــر، يا كلب."
كال له عددًا لا بأس به من اللكمات التي أدمت وجهه وأسقطته أرضًا، فأخذ يركل جسده بقدمه بكل وحشية وحياه تطالعه بصدمة وتصرخ:
"كفى قاسم سيموت."
ولكنه لم يسمعها من الأساس، نظر إليه باحتقار وهو يتمدد أرضًا ووجهه قد تخضب بالدماء تمامًا، ثم اقترب منه ووقف بحذائه على رقبته بينما يسعل الآخر باختناق وهو يحاول إبعاد حذاء قاسم عن عنقه، بينما الآخر يقف كالجبل الراسخ لا يهتز ولا يتحرك من مكانه وقد أعماه الغضب وبلغ منه مبلغا بعيدا.
"قاسم، أرجوك لا تقتله، أنت لست مجرمًا أرجوك."
هتفت حياة بتلك الكلمات بلوعة وهي تبكي بضعف وقد خارت قواها تمامًا وتنظر إليه بتوسل، فطالعها مصدومًا وكأنه يكتشف وجودها بالغرفة للتو، فأسرع نحوها وهو يسألها بخوف:
"هل تعرض لكِ؟ هل لمسكِ؟"
هزت رأسها بنفي ولكنه لم يصدق فقال وهو ينزع الأصفاد عن يديها:
"أخبريني حياة أرجوكِ هل لمسك هذا الحقير؟"
أجابت بضعف:
"لا، لم يلمسني."
نزع الصفد الثاني عن يدها وكأنه حرر روحها للتو، فتشبثت بعنقه فضمها إليه بقوة وأحاطها بذراعيه وصوت دقات قلبه أعلى من قرعات طبول الحرب.
كانت تلك هي نوبة البكاء الأقوى والأعلى في تاريخها، بكاءً مخلوطًا بالخوف والفزع والتوتر، بكاءً يمتزج بالامتنان والشعور بالراحة بعد ساعات من القلق والترقب، بكاءً تلتمس فيه الأمان بين ذراعيه اللذان يضمانها إلى قلبه.. لا، إلى صدره.. هي كانت تشعر فعلًا أنه يضمها إلى قلبه.. وقلبه يصدر نبضًا عنيفًا يخبرها عن مدى خوفه ولهفته.
ابتعد قاسم عنها وهو يتفحص وجهها بخوف وهتف دون وعي:
"حبيبتي أنتِ بخير، أليس كذلك؟"
اضطرب نبضها واهتز بدنها فتدفقت الدمعات بغزارة وهي تومئ بموافقة وتقول:
"بلى، أنا بخير."
ضمها إليه مجددًا وهو يتمتم:
"الحمد لله.. كدت أموت من فرط الخوف."
وابتعد عنها وهو يتفحصها بنظرة شاملة، جسدها، وثيابها التي لم تنقص خيطًا، فمسح وجهه وهو يتنهد براحة قليلة ويقول:
"الحمد لله، الحمد لله."
"أنا بخير قاسم لا تخف، لقد أتيت في الوقت المناسب تمامًا."
أطرقت برأسها أرضًا وهي تتذكر المعاناة التي عاشتها منذ قليل وكيف أنه كان على وشك اغتصابها لولا قدوم قاسم في آخر لحظة.
مسح وجنتيها بإبهاميه وقرب رأسها يضمها لصدره وقبل أعلى رأسها وهو يقول:
"لا بأس حبيبتي، لقد انتهى."
ارتفع رنين هاتفه برقم حنان فأجابها فورًا وقال:
"لقد وجدتها الحمد لله، نحن بشقة ذلك الكلب فوق صيدليته، أخبري الشرطة حالًا.. لا بد أن يتم القبض عليه قبل أن أقتله أنا بيدي."
أنهى الاتصال وهو ينظر إلى حياة التي تدلك رسغيها بألم وتبكي في صمت، فأمسك بيدها وأخذ يدلكها بحنان، ثم رفعها إلى فمه وقبل رسغها وهو يقول:
"لا بأس، الحمد لله.. كل شيء سيمضي."
كانت تنظر إليه وهي تبكي، ليس لأنها تتألم، لا.. لقد فقدت أدنى شعور بالألم منذ أن رأته، ولكنها تبكي لأنها تراه يعاملها بحنان ولهفة لم تتخيل أن تراهما منه أبدًا.
ربت على كتفها بدعم وهو يقول بابتسامة غير واثقة:
"كل شيء سينتهي حالًا، ستأتي الشرطة وتلقي القبض عليه ويلقوه في السجن كي ينال جزاءه."
أومأت بصمت وفجأة استمعت إلى رنين هاتف فانتبها كلاهما، فقال:
"هل هذا هاتفك؟"
هزت رأسها بنفي، فنهض وهو يبحث عن مصدر الصوت فوجد هاتف خالد الملقى على الأرض يرن باسم عبدالله!!
ظل ينظر إلى الاسم بذهول ثم استقبل المكالمة ووضع الهاتف على أذنه دون رد، فاستمع إلى صوت عبدالله يقول بعبث:
"مرحبًا يا عريس، هل افترست الغزالة أم لا؟"
سحق قاسم أسنانه بغضب مكبوت وهو يستمع إليه يتابع:
"اسمع خالد، البيت يعج بالضيوف، وسيلاحظون اختفاءها، أسرِع يا صديقي لا وقت للحب."
"أقسم أنني سأقتلك يا حقير، إن لم أجعلك تتمنى الموت لن يكون اسمي قاسم حينها."
رد قاسم بتلك الكلمات المتوعدة فانقطع الاتصال حالًا، فزمجر بغضب وكان بصدد تحطيم الهاتف ولكنه تراجع في آخر لحظة بعدما أدرك أن الهاتف سيكون دليل إدانة عبدالله.
فجأة استمع إلى صوت أقدام كثيرة ودخلت حنان التي فزعت عندما رأت حياة بتلك الحالة، وبعدها عزيز الذي لم تقل صدمته عنها شيئًا، وبعدها ضابط وبرفقته مساعده واثنين من العساكر.
انتبه قاسم على رنين هاتفه فاجاب الاتصال بحزن قائلا:
"نعم عمي."
صاح الآخر غاضبًا وهو يقول:
"أين أنتم يا قاسم؟ ولمَ لا يجيب أحدكم اتصالاتي؟ أين حياة؟"
تنهد بضيق وأجاب:
"حياة معي يا عمي، لا تقلق هي بخير."
"معك أين؟ وكيف لا أقلق؟ أين أنتم يا قاسم أخبرني حالًا ماذا حدث لابنتي؟"
مسح وجهه بتعب وهو يحاول انتقاء الكلمات الأقل تأثيرا عليه فقال:
"لقد اختطفها خالد."
"ماذا؟؟ أين ابنتي يا قاسم؟ أين أنتم؟"
"نحن بشقته الجديدة فوق صيدليته، ولكن لا تقلق، أقسم لك حياة بخير.. ستحدثك حالًا."
أعطى الهاتف لحياة فتحدثت إلى أبيها وهي تحاول كتم دمعاتها وتقول:
"أبي، أنا بخير الحمد لله.. لا تقلق لم يمسني ذلك الحيوان."
استمعت إلى صوت بكاء والدها فغرقت في البكاء مجددًا وهو يقول:
"حياة ابنتي، سأصلك حالًا حبيبتي.. أخبريني هل أذاكِ؟"
"لا.. لا تقلق أبي، والله أنا بخير اطمئن، لقد أنقذني قاسم لا تخف."
"الحمد لله.. اللهم لك الحمد.. أنا في طريقي إليكِ حالًا، حالًا حبيبتي."
أعطت الهاتف لقاسم وأسندت رأسها على كتف حنان التي تحيطها وتحاول تهدئتها، بينما تستمع إلى الضابط وهو يأمر مساعديه ويقول:
"أيقظوه حالًا."
ونظر إلى حياة وقاسم وقال:
"تفضلا معنا، سنأخذ أقوالكما."
سكب العسكري دلوا من الماء فوق رأس خالد الذي شهق كالغريق الذي طفا فوق الماء لتوه وبدأ باستعادة وعيه، فأمسكوا به واتجهوا للأسفل حيث سيارة الشرطة تنتظره.. ثم بدأ مساعد الضابط بتمشيط الغرفة سريعًا بحرفية وخبرة ونظر إلى الضابط وهو يشير إلى زاوية الغرفة ويقول:
"كاميرا."
نظروا جميعهم بصدمة وأولهم حياة إلى حيث يشير، فقال الضابط:
"قم بتحريزها.. تفضلوا معنا لاستكمال التحقيق بالمخفر."
نهضت حياة بمساعدة حنان وقاسم الذي هرول إليها وهو يقول:
"إذا كنتِ تشعرين بالتعب يمكننا طلب تأجيل التحقيق لوقت لاحق ونذهب للمشفى."
أومأت بضعف:
"لا، أنا بخير ما دمت معي."
ابتسم متأثرًا ومسح على كفها بحنان وقال:
"لا تقلقي أنا معك."
غادرا الشقة متجهين إلى الأسفل تزامنا مع وصول صالح وصفية وعنبر الذين أتوا هرولةً، وبمجرد ما إن رأوا حياة بتلك الحالة التفوا حولها جميعهم يتساءلون بخوف وفزع:
"حياة، هل أنتِ بخير؟"
نظرت عنبر لأختها بلهفة وهي تقول:
"أنتِ بخير حبيبتي؟ هل أذاكِ حياة؟ هل فعل لكِ شيئًا؟"
احتضنتها حياة بقوة وانفجرت في بكاءٍ مرير وهي تردد بهيستيرية:
"كنت سأعيش نفس الكابوس عنبر، كنت سأواجه نفس ما حدث لكِ."
ربتت على ظهرها وهي تقول:
"اهدئي حبيبتي، الحمد لله لم يحدث شيئًا."
انتزعتها أمها من حضن عنبر وضمتها وهي تبكي بقهر وتقول:
"هل أنتِ بخير يا أمي؟ هل أذاكِ هذا الجبان؟ هل تعرض لكِ؟"
أومأت وهي تحتضنها بقوة وتقول:
"لا، لم يتمكن مني الحمد لله."
تحدث الضابط بنفاذ صبر قائلا:
"من فضلكم، علينا التحرك حالًا.. اطمئنوا عليها لاحقًا."
تحركت سيارة الشرطة التي تقل خالد، بينما ركبت حياة وقاسم بسيارة أخرى ولحق بهما كلا من عزيز وحنان وعنبر وصالح وزوجته.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نعمة حسن
جلست حياة على المقعد أمام مكتب الضابط وبالمقابل جلس قاسم، بينما يقف خالد عاقدًا يديه المصفدين، منكسًا رأسه بالأرض وهو يشعر بالأرض تهتز به من فرط الألم الذي يشعر به.
حينها تساءل الضابط قائلاً:
"آنسة حياة، كيف وأين تقابلتِ أنتِ ودكتور خالد المتهم بخطفك؟"
بدأت تفرك يديها بتوتر وهي تنظر لقاسم الذي يشجعها بعينيه أن تتحدث، فقالت:
"كنت في صالون التجميل وهو كان ينتظر بسيارته في الخارج، لقد هاتفني في البداية وطلب مني مقابلته حتى..."
وفركت جبينها بتوتر وأشاحت بوجهها عن قاسم وقالت:
"هو أخبرني أنه يملك دليلاً ضد قاسم فيما يخص قضية قديمة وطلب مني أن أخرج حيث ينتظرني أمام الصالون كي يعطيني هذا الدليل، ولما خرجت طلب مني الركوب بسيارته.. وفجأة أخرج بخاخ منوم أو مخدر تقريبًا لا أعرف، ورش منه بالقرب مني وبعدها بدأت أفقد الوعي وعندما أفقت كنت على الفراش ويديّ مصفدتان."
سالت دمعاتها وهي تتذكر تلك اللحظات التي عاشتها وبدأت تبكي بهستيرية وهي تقول:
"كنت أصرخ وأقاوم وكأني أصارع الموت، ترجيتهُ وتوسلتهُ ولكنه لم يشفق عليّ.."
ومدت يدها على وجنتها وهي تتحسس آثار صفعاته وقالت:
"صفعني عدة مرات حتى كدتُ أفقد وعيي.."
وأجهشت في بكاءٍ مقهور، فاقترب قاسم منها وأمسك بكلتا يديها بين كفيه وقال:
"لا بأس حياة، لقد مضى وانتهى.. أرجوكِ لا تبكِ."
أمر الضابط بإحضار عصير ليمون لتهدئتها وناولها منديلاً وهو يقول:
"إهدئي آنسة حياة، أنتِ لستِ مضطرة لسرد ما حدث فقد تم توثيق كل شيء بالصوت والصورة.."
ونظر إلى خالد هازئًا وقال:
"دكتور خالد مشكورًا قام بتصوير كل شيء حتى لا يكلفنا عناء التحقيق مطولاً."
ونظر إلى خالد الذي لا يتحرك ولا ينطق وقال:
"أخبرني دكتور خالد، ما دافعك وراء خطفها ومحاولة اغتصابها؟"
تنهد خالد ثم أجابه وهو ينظر أرضًا بخزي:
"أنا أحبها، نحن كنا مرتبطين ونخطط لزفافنا، وفجأة تبدل حالها وقررت فسخ الخطبة، أردت الانتقام لكرامتي، نويت فعل ما فعلته كوسيلة للضغط عليها كي تقبل الزواج بي."
نظر إليه الضابط بهدوء وهو يحاول سبر أغواره وقال:
"لقد قمت بزرع كاميرا بالغرفة التي كنت تنوي تنفيذ جريمتك بها وحددت زاوية التصوير بحيث تكون فوق الفراش مباشرةً، أي أنك كنت تنوي تصوير ما سيحدث! كنت تنوي توثيق واقعة الاغتصاب، ما السبب؟"
تجهم وجهه بندم وعيناه لا تبارحان الأرض وأجاب باعتراف صادق:
"هذه كانت فكرة عبدالله.. عبدالله صديقي وزوج أختها وابن عمها أيضًا."
حدق به قاسم بصدمة وازدادت عصبيته وانفعاله، ولكنه كبت مشاعره وهو يستمع للضابط وهو يقول:
"وما الذي دفع عبدالله للوسوسة إليك بتلك الفكرة؟"
"لا أعرف، حقيقةً لا أعرف."
تحدث قاسم قائلاً بانفعال وقال:
"دليل إدانة عبدالله هذا بهاتف هذا الكلب، بالتأكيد بينهم مكالمات سابقة وقام بالاتصال به منذ قليل يريد معرفة هل تم اتفاقهم القذر أم لا، يجب العثور على تلك المكالمات ومعاقبة هذا الخسيس."
نظر إليه الضابط بنفاذ صبر وقال:
"سيد قاسم أنت لن تخبرنا ماذا نفعل، هذا اختصاصنا ونحن أدرى به."
ونظر إلى خالد وقال:
"أخبرني، ماذا كان هدفه بالتجديد؟ كيف أقنعك بتركيب تلك الكاميرا وتصوير ما سيحدث؟"
رفع رأسه قليلاً على استحياء وهو ينظر لقاسم الذي يهز قدميه بعصبية وانفعال مكبوت وقال:
"هو من اقترح عليّ تلك الفكرة، أخبرني أني إذا لم أتمكن من إقناعها بالزواج مني يمكنني ابتزازها وقتها بالفيديو، وقال أنها بالتأكيد سترضخ لذلك التهديد درءًا للفضيحة."
نهض قاسم عن مقعده فجأة وانقض عليه بنفاذ صبر ولكمه بقوة وهو يهتف:
"يا قذر، يا عديم الشرف."
طرق الضابط فوق مكتبه بصوت صارم وقال:
"من فضلك عد حيث كنت، وإن تعديت حدودك مرة أخرى سآمر بوضعك في الحجز أربعة وعشرون ساعة."
عاد قاسم إلى مقعده وهو يشعر بالدماء تغلي بعروقه، وحانت منه التفاتة نحو حياة التي بدأت تبكي بصمت فمد يده وضم أناملها بقبضته بدعمٍ صامت.
استطرد الضابط التحقيق وتساءل مجدداً:
"وهل عبد الله هو شريكك في جريمة الاختطاف؟ هل ساعدك بأي شكل من الأشكال؟"
هز رأسه بنفي وقال:
"لا، ولكن الفكرة كانت فكرته من الأساس، أقصد أنه هو من اقترح عليّ ذلك المقترح اللعين وأنا كالغبي نفذت كلامه بدون تفكير."
"هل هو من أعطاك العقار الذي دسسته بفمها؟"
أجاب بعد أن بلع ريقه بتوتر ووجل:
"لا، أنا صيدلي ولدي معلومات عنه، وأعرف تأثيره وأعراضه."
نظر قاسم إلى الضابط قائلاً:
"أساسًا هذا ليس جديدًا عليه، الدكتور مشهور ببيع الأدوية الممنوعة."
نظر الضابط لقاسم وسأله بتفحص ونفاذ صبر:
"هل لديك شهودًا على كلامك؟ أم أنها مجرد افتراءات؟"
تدارك قاسم الموقف مسرعاً وقال:
"لا، ولكني سمعت ذلك الحديث من أكثر من شخص، وهذا هو السبب وراء فسخ الخطبة، أنه دكتور مشبوه."
حملقت حياة بقاسم وهي تستمع لما يقوله بصدمة ولم تعقب، بينما رمقه الضابط باهتمام وقال:
"هل كنتِ تعرفين عنه شيئاً من هذا القبيل؟"
ابتلعت ريقها بتوتر وأجابت:
"في البداية لا، ولكن فيما بعد بدأ ذلك الكلام يتردد على مسامعنا ففسخنا الخطبة."
أومأ الضابط بوجهٍ جامد، خالٍ من التعابير؛ مما أثار ريبة خالد الذي كان يقف في موقف لا يحسد عليه أبداً.
"دكتور خالد، أنت تعترف أنك أقدمت على خداع واستدراج وخطف الآنسة حياة ومحاولة تخديرها ومن ثم اغتصابها، أليس كذلك؟"
صمت خالد فتابع الضابط قائلاً:
"على كل حال الإنكار لن يفيدك أبداً لأن الواقعة كلها مسجلة بالكاميرا التي قمت أنت بزرعها في الغرفة.. أي أن موافقتك من عدمها تحصيل حاصل."
شحب وجهه بيأس وأومأ:
"أجل، أعترف."
"عظيم، وتعترف أن المدعو عبدالله الحداد هو من قام بتحريضك لخطفها وابتزازها ومساومتها بالفيديو، أليس كذلك؟"
أومأ موافقاً وقال:
"بلى، وهو من أعطاني الكاميرا."
مط الضابط شفتيه متفاجئاً ثم قال:
"هل لديك أقوال أخرى؟"
أومأ نافياً وقال:
"لا."
"إذًا تقدم وامضِ على أقوالك."
تقدم خالد بخوف وحذر ومضى حيث أشار له الضابط ثم هم بالانصراف برفقة العسكري، ولكن قاسم نهض واقفاً أمامه وهو يطالعهُ بغل وغضب، ثم أمسك بيد حياة وأوقفها عنوةً وهي تنظر إليه باستفهام فقال:
"اصفعيه."
نظرت إليه بصدمة وعدم استيعاب، فقال مؤكداً وهو يشير إليها بحدة:
"اصفعيه كما صفعك!"
هزت رأسها برفض وهي تنظر إليه بخوف، فهدر بها بعصبية:
"افعلي ما قلته حياة، هيا اصفعيه كما صفعك."
قاطعه الضابط قائلاً:
"أستاذ قاسم هذا لا يصح أبداً…"
هدر به قاسم بحدة وهو يقول:
"وهل ما فعله يصح؟ عندما اختطفها وصفعها وكان على وشك اغتصابها لولا ستر الله، هل هذا يصح يا حضرة الضابط؟"
"نحن من سنعاقبه وليس أنت، القانون سيرد لها حقها."
ضحك ضحكة قصيرة بسخرية وهو يقول:
"والذي عاشته؟ الكابوس المرعب الذي عاشته ونفسيتها التي تدمرت من سيداويها؟ هل القانون أيضاً؟ أرجوك لا تحدثني عن القانون، القانون لا يحمي سوى المجرمين أساسًا."
حدق به الضابط بغضب فتجاهله ونظر إلى حياة وقال بإصرار:
"اصفعيه حياة، هيا."
نظرت إليه بتردد فوجدت الإصرار بعينيه، فتجرأت ومدت يدها بحذر ثم صفعته وضمت يدها إليها بسرعة وخوف.
"مرة أخرى."
نظرت إليه بغير تصديق فقال:
"هيا."
أخذت نفسًا عميقًا ثم مدت يدها بجرأة أكثر وصفعته بكل قوتها فأطرق برأسه أرضاً دون النبس بكلمة.
هدر الضابط صائحاً بقوة غاضبة:
"خذه إلى الحجز."
ونظر إلى قاسم قائلاً:
"لولا حالتها وما حدث ما كنت سأسمح لك بتجاوز حدودك أبداً، ولكن عليك ان تعرف، نحن لا نعيش في غابة، نحن في دولة يحكمها القانون."
ابتسم متهكماً وقال:
"وأنا خير شاهد."
نظر الضابط إليه بعدم ارتياح، ثم نظر إلى حياة وقال:
"هل لديكِ أقوال أخرى؟"
أومأت بنفي فقال:
"تفضلي امضي على أقوالك."
تقدمت ومضت حيث أشار لها، ثم خرجت برفقة قاسم فهرول الجميع نحوها فابتعدت عنهم فجأة بحدة وقالت:
"أرجوكم، أرجوكم كفى، لا تقتربوا مني وأنا بتلك الحالة، أشعر بالقرف من نفسي."
ضمتها أمها بقوة وهي تمسح على وجهها بحنان وتقول:
"لا بأس يا حبيبتي سنذهب للبيت وتأخذين حماماً وتعودين كالوردة كما كنتِ."
تنهدت بشتات وهي تنظر إلى قاسم الذي كان يقف تائها، فاقتربت منه بتعب وهي تقول:
"قاسم، هل أنت بخير؟"
انتبه إليها ثم طالعها بهدوء للحظات وقال:
"أجل، هيا لنذهب."
وتخطاها واتجه للخارج وتركها تقف والحزن يأكل قلبها وهي تهمس بيأس:
"لن يسامحني، أعرف."
عادت حياة إلى البيت، دخلت فوراً إلى الحمام ووقفت تحت سيل الماء البارد وهي تضم جسدها بيديها بخوف وهي تبكي بقوة وتتذكر اللحظات العصيبة التي عاشتها وكاد أن يكون بها هلاكها.
خرجت بعد دقائق ودخلت إلى فراشها على الفور وتدثرت بغطائها وأغمضت عينيها وهي تحاول إقصاء تلك الليلة بعيداً عن مخيلتها، ولكنها لم تستطع فأمسكت هاتفها بتردد وقامت بالاتصال بقاسم.
ثوانٍ وأجاب:
"نعم حياة؟"
صمتت للحظات وهي تحاول اختيار ما تقوله، فقال بعد تنهيدة حارة:
"هل اتصلتِ لتصمتي؟"
"هل أنت غاضب مني؟"
زفر بقوة عدة مرات بغضب مكبوت، ثم أجاب:
"أجل، أنا غاضب بشدة."
"أنا آسفة."
"وبمَ سيفيد الأسف حياة؟ أساساً أنتِ من تستحقين الأسف، كيف ستتزوجين برجل لا تثقين به؟"
"لا، أنا أثق بك كثيراً قاسم، ولكن ما قاله ذلك النذل…."
قاطعها قائلاً بتعب:
"حياة أرجوكِ، كفى، نحن متعبان للغاية، الآن ليس الوقت المناسب أبداً."
صمتت ثم تنهدت بتعب وقالت:
"أنت محق، تصبح على خير."
أنهت الاتصال وأغمضت عينيها وطفقت تبكي بصمت، استمعت لصوت طرقات على باب الغرفة، ثم انفرج الباب ودخل والدها وهو يهمس:
"حياة، هل نمتِ صغيرتي؟"
نظرت إليه وفجأة انفجرت في نوبة بكاء جديدة وجلست واحتضنته بقوة وهي تردد:
"كيف يأتيني النوم أبي؟ لقد عشت لحظات لا تُنسى، رأيت الموت بعيني."
"بسم الله عليكِ حبيبتي، اهدئي حياة لقد انتهى كل شيء وأنتِ بخير الحمد لله."
هزت رأسها بنفي ونظرت إليه وهي تبكي وتقول:
"لست بخير أبداً يا أبي."
نظر إليها مفزوعاً وأحس بالهواء يلتصق بحلقه وقال:
"ما بكِ حبيبتي؟ ماذا حدث؟"
وضعت جبهتها على كفيها وهي تبكي وتقول:
"قاسم سيتركني."
تنهد مطولاً براحة وقال باسمًا:
"لا تفكري كثيراً حبيبتي."
نظرت إليه وهي تبكي بقهر وقالت:
"كيف لا أقلق أبي، لقد تحدث معي بطريقة غريبة منذ قليل وقال أنه لا يريد التحدث الآن."
ربت على ذراعها وقال بحنو:
"اعذريه حياة، هذا اليوم لم يكن سهلاً عليه أبداً، أعطِهِ وقته حبيبتي.."
"لا، قاسم غاضب مني لأني استمعت لكلام ذلك الحقير ووقعت في الفخ بغبائي."
مسح على شعرها وقال بابتسامة:
"لا تفكري كثيراً حبيبتي، ليفعل الله خيراً يا ابنتي، هيا ارتاحي، تصبحين على خير."
دثّرها جيداً وأطفأ المصباح ثم خرج ليتفاجأ بعنبر التي أتت للتو وهي تلهث وتقول:
"أبي، لقد هرب عبدالله."
نظر إليها مصدوماً وقال:
"كيف هرب؟"
"لقد أخذ معه أغلب ملابسه وحقيبته ليست موجودة."
"النذل الحقير، هرب لأنه يعرف أنهم سيلقون القبض عليه."
"وماذا سنفعل أبي؟ هل سنتركه يفر هكذا دون عقاب؟"
"لا تقلقي، لن يفلت منها هذه المرة."
تنهدت بضيق وحيرة فقال:
"هيا حبيبتي، تعالي لتبقي برفقتنا أنتِ وكريم، لم أعد أئتمن هذا الحقير أبداً."
نزلت عنبر كي تحضر أغراضها استعداداً للبقاء بشقة والديها، بينما وقف صالح يتمتم بحزن:
"يا رب احفظ بناتي، أتوسل إليك اكفِهم شرور شياطين الإنس والجن."
كان يجلس مغمضاً عينيه وهو يحمل الحقيبة التي تضم أغراضه على قدميه، بينما يطالعه السائق بشك وريبة وهو يقول:
"نحن الآن على أطراف المدينة، إلى أين ستذهب حضرتك؟"
نظر إليه عبدالله بطرف عينه وقال:
"آخر نقطة ستصلها أنت."
"أنا بالكاد أذهب عند محطة القطار.. هذا آخر خط سيري."
"جيد جداً، سأنزل بالمحطة."
تنهد السائق بريبة وقال:
"أمرك."
أحاط الحقيبة بيديه ثم أغمض عينيه مرة أخرى والسائق لازال يطالعه بشك.
بعد حوالي خمسٌ وأربعون دقيقة توقف السائق بالمحطة كما أخبره عبدالله، فقال:
"ها قد وصلنا المحطة، أعطِني أجرتي وتفضل."
أعطاه عبدالله أجرته ونزل وهو يتطلع حوله لا يعرف إلى أين سيذهب وهو يتمتم بحيرة:
"أين ستذهب يا عبدالله؟ عليك الاختفاء سريعاً."
كانت تتلوى بفراشها وهي تتصبب عرقاً، ترى ذئاباً ووحوشاً غريبة الشكل تلاحقها وهي تحاول الفرار منها ولكنها لم تستطع، ولم يسعها سوى الصراخ، فلقد كانت مصفدة الأيدي وكلما حاولت التخلص من تلك الأصفاد نزفت يداها بشدة، وبينما هي تصارع الموت بمكانها كان قاسم يقف أمامها يطالعها بنظرات غاضبة وكلما حاولت الاستغاثة به يبتعد عنها أكثر حتى اختفى!
فزعت من نومها وهي تصرخ وتنادي باسم قاسم، هرول والديها إلى الغرفة وجلست أمها بجوارها وضمتها إليها وهي تقول بلهفة:
"بسم الله، ما بكِ حبيبتي؟"
تشبثت بخصر والدتها واحتضنتها بقوة وهي تقول:
"أرجوكِ أمي لا تتركيني."
مسحت صفية على شعرها وهي تقول:
"لا تخافي حبيبتي لن أتركك أبداً، إهدئي ابنتي."
وبدأت تقرأ بعض من الآيات التي تحفظها وهي تمسح على شعرها وذراعيها وتقربها منها حتى هدأت ونامت.
جلس صالح بالقرب منها وهو يتحدث إلى صفية ويقول:
"لم أتوقع أن يكون الكلب عبدالله له يد في خطفها، كيف وصلت به الدناءة أن يفعل هذا ببنت عمه، خسيس، حقير، إنسان قذر يسعى لتدنيس كل شيء نقي."
"أنا خائفة صالح، عبدالله أصبح لا يُؤتمن مكره، ما دام في الأرجاء ولا نعرف أين هو لا بد أن نخاف."
نظر إليها معاتباً وقال:
"وأخيراً اقتنعتِ أنه إنسان لا يؤتمن! كنتِ تدافعين عنه باستماتة وتقولين أنه فعل ما فعل بعنبر لأنه يحبها بجنون، وما الذي دفعهُ لفعل ذلك بحياة؟ ما هدفه كي يلطخ شرف عمه بتلك الطريقة البشعة سوى أنه إنسان مريض لا يحب رؤية أي إنسان ناجح أو سعيد أو محبوب."
ضمت ابنتها بخوف فقال:
"أرأيتِ كيف كنتِ مخطئة؟ عبدالله هذا لا يحب سوى نفسه فقط، أرأيتِ قاسم الذي كنتِ ترفضينه ماذا فعل؟ هو الذي أنقذ ابنتك يا امرأة، ولو لا قدر الله عاشت نفس الموقف مرة أخرى سينقذها أيضاً، ولو عنبر نفسها.. عنبر التي أصبح يحقد عليها.. لو مرت بتجربة مثل تلك سينقذها دون شك.. هل تعرفين لماذا؟"
نظرت إليه بانتباه ووجوم صامت فقال:
"لأنه قاسم، هو نفسه الفتى الطيب الذي تربى بيننا، لأنه لازال يصارع الشر الدخيل على مشاعره ولم يتركه ليتمكن منه بعد، أما ذلك المجرم تمكن منه الشر منذ قديم الأزل وانتهى."
تنهد بتعب ثم قال:
"الحمد لله، الحمد لله على كل حال، لعله خيرًا."
نهض وقال:
"سأذهب لأرى عنبر، ومنذ الغد سأتحدث إلى المحامي بخصوص الطلاق."
خرج ولم ينتظر ردها، وتركها تبكي بصمت وهي تهمس:
"يا إلهي، ما هذا الحظ الذي يملكونه بناتي."
كان قاسم يجلس على الأريكة وبيده هاتفه وهو يشاهد الفيديو الذي صورته سماهر لعبدالله عندما كان يرقص ثملًا، يطالعه بضيق وغضب شديدين، ثم قام بمشاركة المقطع مع عدداً من أصدقاء عبدالله ومعارفه عبر حساب وهمي، وأخذ يهز قدميه بعصبية وهو يردد:
"أقسم أني سأجعلك تركع عند قدمي ذليلاً يا عبدالله الكلب."
استمع إلى صوت رنين جرس الباب فنظر إلى ساعته ليجد الساعة قد تجاوزت منتصف الليل فذهب وفتح الباب:
"سارة!"
"مساء الخير قاسم."
"مساء النور سارة."
"علمنا بما حدث، ذهبنا لحضور الحفل ولكننا فوجئنا بالخبر فجئتُ لأطمئن عليك وعلى حياة، هل هي بخير الآن؟"
أومأ متعباً:
"بخير، الحمد لله.. ننتظر انتهاء التحقيقات والقبض على المجرم الثاني."
زمت شفتيها بأسف وقالت:
"سيكون كل شيء على ما يرام، لا تقلق."
"إن شاء الله."
تنهدت بضيق وأسى وقالت:
"لم أكن أعرف أن هذا الحقير من الممكن أن تصل به الحقارة والدناءة ويُقدم على خطف أحدهم!!"
"من يُقدم على بيع ضميره وخيانة عهد الله والقسم الذي أقسمه يُقدم على فعل كل شيء بشع يا سارة."
أومأت بتأييد وقالت:
"أنت محق، ولكنه سيأخذ عقابه وما يستحق، أليس كذلك؟"
تنهد وهو يقرص بين عينيه بتعب وقال بإيجاز:
"نأمل ذلك."
زفرت بخفة وقالت:
"حسنًا، تصبح على خير."
"تصبحين على خير."
عادت أدراجها حيث شقتهم وهمت بفتح الباب ولكنها انتبهت لصوت خطوات سريعة فنظرت خلفها فإذ بخا تجد جارها الجديد قصي الذي كان بصدد نزول الدرج ولكنه توقف لما رآها وقال مبتسماً:
"مساء الخير سارة."
ابتسمت باشراق وقالت:
"مساء الخير قصي، كيف حالك؟"
"بأفضل حال، هل كنتِ بحفل أو ما شابه؟"
نظرت للملابس التي كانت ترتديها من أجل حفل الخطبة وابتسمت بأسف وقالت:
"نعم، ولكن الحفل لم يكتمل."
"مؤسف جداً، إذًا بما أنكِ جاهزة فمن الممكن أن نذهب سوياً لحضور حفل للموسيقار عمر خيرت بدار الأوبرا، ما رأيك؟"
قطبت جبينها باستغراب وقالت:
"أوبرا؟ حقيقةً لم أجرب أبداً.. ثم أني لا تستهويني الموسيقى العربية على كل حال."
"ولكن مع موسيقى عمر خيرت الأمر مختلف، على كل حال لا أريد الضغط عليكِ أكثر.. ولكن عديني أن تفكري في الأمر مجدداً."
أومأت بابتسامة ثم قالت:
"أعدك، هيا اذهب واستمتع."
"حسناً، أراكِ لاحقاً."
تركها وانصرف، بينما هي تقف تتأمل خطواته إلى أن انتهى فزفرت مطولاً ثم قالت:
"يا إلهي، يدرس الطب ويحضر حفلات بدار الأوبرا، على ما يبدو لديه تركيبة فريدة من نوعها."
كانت فريال تقف بشرفة شقتها وهي تستمع لأغنية بصوت السيدة فيروز وتردد كلماتها بانسجام شديد وهي تترقب وصول الهدف المرتقب.
وفجأة لاح طيفه من بعيد ورأتهُ يدخل بسيارته إلى مرآب البناية فركضت للخارج وعدلت هندامها ثم أخذت طبق الحلوى الخاص بها وخرجت عندما استمعت لصوت خطواته ونادت قائلة:
"مرحباً دكتور ممدوح.."
نظر إليها الطبيب الوسيم بابتسامة ودودة وقال:
"مرحباً سيدتي.."
"فريال، اسمي فريال، ومن الممكن أن تناديني فلة."
اتسعت ابتسامته وقال:
"مرحباً سيدة فلة."
ابتسمت باشراق وقالت:
"تفضل، هذه الحلوى ترحيباً مني بك في بنايتنا، اعذرني لقد تأخر هذا الطبق ولكن أن تأتي متأخراً خيراً من ألا تأتي أبداً."
أومأ موافقاً والتقط منها الطبق ثم تناول قطعة حلوى منه ووضعها بفمه متلذذاً بابتسامة وقال:
"مذاقها حلو للغاية، هل انتِ من أعددتها بنفسك؟"
أومأت بسعادة مفرطة وقالت:
"أجل، لقد اعتدت صنعها في المناسبات السعيدة، وأرى أن انتقالكم للسكن بالبناية معنا مناسبة سعيدة للغاية."
ابتسم بود وقال:
"أشكرك سيدة فلة، الحقيقة أننا نحن السعداء بجيرتكم، أدام الله الود."
"آمين."
وتنهدت ثم تساءلت:
"هل انتهيت من عملك للتو؟"
أجابها وهو يتناول قطعة أخرى من الطبق وقال:
"أجل، أتعرفين.. طبق الحلوى هذا بمثابة مكافأة لي بعد يوم طويل مليء بالصراعات النفسية."
ابتسمت وقالت:
"أعانك الله، من المؤكد أن أغلب المرضى النفسيين نساء، أليس كذلك؟"
أومأ بهدوء وقال:
"للأسف هذه حقيقة، أنتن الجنس اللطيف أكثر عرضة للإصابة بالأمراض النفسية عن الرجال، ويعود ذلك بنسبة كبيرة لطبيعة المجتمع والمعايير التي تلعب دوراً مهماً في هذا الصدد."
تنهدت بضيق وأردفت بحزن عميق:
"أنت محق، نحن في مجتمعنا هذا للأسف نواجه ضغوطاً لا يتحملها بشر، ولكن أنتم الرجال سبباً رئيسياً في عقدنا النفسية أيضاً."
وضحكت بخفوت فضحك عالياً وقال:
"لا أستطيع الإنكار سيدتي، ولكني أظن أن طبق الحلوى هذا لا تعده يدين لسيدة معقدة أبداً.. هذا صنع بكل حب وعطاء.. تخيلي أني أشعر أن هرمون السعادة لدي ارتفع للتو."
تزين ثغرها بابتسامة خجولة وقالت:
"أشكرك دكتور، هذه مجاملة لطيفة للغاية."
وضع يده على قلبه معرباً عن امتنانه وقال:
"أنا من أشكرك سيدة فلة، وأرجو ألا يكون ذلك آخر طبق حلوى تكافئيني به."
أومأت والغبطة تملؤها وقالت:
"أكيد، عن إذنك."
وتركته ودخلت شقتها والابتسامة لا تفارق شفتيها وهي تقول بحالمية:
"وأخيراً وجدتِ من يقدر طبق الحلوى خاصتك يا فلة!"
في اليوم التالي..
استيقظ عبدالله بعد أن غرق في نوم عميق فور أن وصل لذلك الفندق الذي يقع بالقرب من المحطة وحجز به ليلة واحدة.
نهض واستعد ثم خرج يحمل حقيبته على كتفه ووصل لأقرب محل لبيع بطاقات الهاتف واشترى بطاقة جديدة ثم قام بالاتصال فوراً على صديقٍ له.
"مرحباً حسين، أنا عبدالله."
تحدث حسين قائلاً باهتمام:
"أين أنت عبدالله؟ ماذا فعلت كي تبحث عنك الشرطة؟"
"اسمعني، أنا أمر بظروف صعبة ولا أملك قرشاً واحداً، تخيل أن نقودي لم تكفِ لحجز سوى ليلة واحدة بفندق مرعب مليء بالأشباح، أحتاج للنقود بضرورة.. أنت كنت عرضت عليّ سابقاً أن تشاركني في المحل، ما رايك لو بعته لك بالكامل؟"
صمت الآخر للحظات فقال عبدالله:
"أرجوك يا رجل، أنا بأشد الحاجة للمال ولا أثق بغيرك."
"وأنا موافق.. قم بتجهيز العقود وأنا جاهز بالمبلغ."
زفر بارتياح وقال:
"عظيم، العقود جاهزة، سأرسل لك عنواني برسالة، ولكن أنت تعرف ماذا سيحدث إن غدرت بي وأبلغت الشرطة عن عنواني، لا تنسَ أني أعرف كل قاذوراتك ولا زلت أحتفظ بفيديو الراقصة اللبنانية وعلى حسب معلوماتي حماك عضو مجلس الشعب لن يسره أبداً رؤية زوج ابنته في مثل ذلك الوضع؟"
تنهد الآخر بضيق وأردف:
"لا تخف، أرسل لي العنوان وسأقوم بتجهيز المبلغ والاتصال بك.. ولكن أخبرني أولاً فيما أنت متورط؟ وما قصة الفيديو خاصتك؟ ومن هذه سماهر؟"
جف حلقه من شدة الصدمة وتساءل بصوتٍ خافت:
"سماهر؟ كيف عرفت عن قصة سماهر؟ وعن أي فيديو تتحدث؟"
"ما بك يا رجل؟ أحدثك عن الفيديو الذي كنت ترقص به متخصراً بحزام الرقص وأنت تتمايل ثملاً."
"أين هذا الفيديو وكيف عثرت عليه؟"
"ما بك عبدالله؟ أنت من أرسلت به إلي من حسابك الجديد! وأرسلته لجميع رفاقنا! وصراحةً المقهى يضج بإسمك منذ البارحة بسبب ذلك الفيديو الفريد من نوعه."
ثارت ثائرته واهتاج بغيظ وهو يقول:
"أي حساب هذا؟؟ اللعنة.. أنا لم أرسل شيئاً ولا أعرف عن أي فيديو تتحدث، أرسله لي حالاً."
وأنهى الاتصال وهو يدور حول نفسه بجنون حتى وصله المقطع ففتحهُ مصدوماً وهو يرى نفسه بتلك الحالة المزرية ويقف متخصراً بحزام الرقص كالنساء وهو يتمايل بلا وعي من أثر الخمر ويتحدث إلى سماهر.
رفع رأسه إلى جبهته وبيده الأخرى يمسك بالهاتف وهو يردد:
"اللعنة عليكِ سماهر، أقسم أني سأقتلك، سأقتلك يا حقيرة."
استيقظت حياة بتعب، فتحت عينيها ببطء وهي تنظر حولها بخوف وكأنها تخشى أن تفيق فتجد نفسها بذلك الفراش اللعين مرة أخرى، تنهدت براحة وفجأة شعرت بالصداع يدق برأسها ولمحات من تلك الليلة المشؤومة تهاجم ذاكرتها.
وفجأة تذكرت ما فعله قاسم، عناقهما الدافئ، ولهفته عليها وعندما سألها "هل أنتِ بخير حبيبتي!"
تنهدت بحزن وأمسكت برأسها بألم وهي تقول:
"يا إلهي لا تحرمني منه."
أمسكت بهاتفها وقامت بإرسال رسالة له وظلت تنتظر رده لدقائق معدودة دون جدوى.
دخلت عنبر إلى غرفتها وجلست بالقرب منها بحنو وقالت:
"صباح الخير حبيبتي."
ابتسمت حياة بتعب وقالت:
"صباح الخير عنبر."
"كيف حالكِ الآن؟"
زفرت مطولاً وقالت:
"لست بخير، الكوابيس لم تفارقني أبداً، حتى أني كنت أخشى أن أفتح عيني وأجدني لا زلت أواجه نفس الكابوس، جسدي يؤلمني و روحي تؤلمني.. و قلبي أيضاً."
وتابعت بدون وعي:
"قاسم غاضب مني، هل تظنين أنه سيتراجع عن قرار ارتباطنا بسبب ما فعلته؟"
ونظرت لأختها فوجدت وجهها قد تلون بضيق، فاغمضت عينيها وهي تلعن غباءها ثم قالت:
"أشعر بالتعب الشديد، سأذهب لآخذ حماماً دافئاً."
وغادرت غرفتها هاربة نحو الحمام وتركت أختها شاردة، غارقة في ذكريات ملعونة.
ظل عبدالله يجوب الشوارع ذهاباً وإياباً لا يعرف إلى أين سيذهب وإلى من سيلجأ، دخل أحد المطاعم وطلب بعض الشطائر ثم أخذها وخرج وجلس على أحد مقاعد الاستراحة يتناولها بشرود وهو يحدث نفسه قائلاً:
"لا بأس عبدالله، كل هذا سيمر، ستنجو منها كما نجوت سابقاً، بمجرد أن أبيع المحل سأهاجر فوراً على اليونان وأبدأ هناك بداية جديدة، ولكن أولا عليّ الانتقام من الشمطاء سماهر وأجعلها تعيد لي كل قرش أخذته مني."
فتح موقع التواصل الاجتماعي وأخذ يتصفح فيه ولم يكن يعلم أنه سيجد تلك المفاجأة بانتظاره، لقد لاقى المقطع الخاص به تفاعلاً كثيراً وتم مشاركته على أوسع نطاق في أقل من أربعة وعشرون ساعة، بالإضافة للصفحات التي تناولته كمادة للسخرية والضحك وإلقاء النكات.
زم شفتيه كخطٍ مستقيم بغضب شديد وهو يردد بتوعد:
"سماهـــر، يا حقيــرة.. اللعنة عليكِ."
وأخذ يضرب الأرض بقدمه بعصبية كاتماً انفعالاته كي لا يثير انتباه الموجودين بالمكان وهو يقول:
"نهايتك ستكون بيدي.. أقسم."
في المساء..
أعد قاسم قهوته وخرج إلى الشرفة يحتسيها وهو يجري بعض المكالمات.
قام بالاتصال بالسيد أكثم الذي أجاب على الفور:
"مساء الخير قاسم، كيف حالكم الآن؟"
"بخير سيد أكثم، مازالت التحقيقات مستمرة.."
"أجل، أتابع عن كثب لا تقلق."
"أشكرك سيد أكثم، في الحقيقة لقد اتصلت بك من أجل تنفيذ ما سبق واتفقنا عليه."
همهم بتفهم مردفاً:
"هل حسمت أمرك؟"
"أجل، أرى أنه الوقت المناسب."
"حسناً، كما تشاء."
"حسناً سيد أكثم، مع السلامة."
أنهى الاتصال تزامناً مع رنين جرس الباب فنهض واتجه نحو الباب وفتحهُ ليتفاجأ بحياة تقف أمامه فقال:
"حياة؟ ماذا حدث؟"
دخلت وهي تطالعه بعينين دامعتين وقالت:
"ما حدث هو أنك لا تجيب اتصالاتي.."
"ولأني لا أجيب اتصالاتك أتيتِ إليّ وبمفردك.. حياة ألا تملكين عقلاً بذلك القدر؟"
وأشار بسبابته وإبهامه كعلامة على صغر الحجم، فقالت بحنق:
"بلى، أملك عقلاً وقلباً كذلك."
نظر إليها بانتباه فقالت:
"ماذا أفعل إن كنت تتجاهلني منذ ما حدث.."
"لا أتجاهلك حياة، ولكني لا أستطيع تجاهل ما فعلتِه أيضاً، لا يمكنني غض الطرف عن تصرفك الأحمق، كلما تذكرت أنكِ انصعتِ لطلب ذلك الحقير وانطلت عليكِ خدعته شب الجنون برأسي، كلما تذكرت أنكِ ذهبتِ معه لأنك تريدين الحصول على الدليل الذي يملكه ضدي أشعر بأنني أريد خنقك بيديّ هاتين، أي دليل وأنا قد أخبرتكِ بكل شيء؟ هل استطاع اقناعك بتلك السهولة أني كاذب وأخفي عنكِ الحقيقة؟ أين ثقتك بي حياة؟"
انهمرت دمعاتها وهي تقول:
"أنا آسفة."
"حياة أنا لا أريد اعتذارك، أساساً اعتذارك لن يفيد بشيء، ولكني أظن أن عليكِ إعادة النظر في أمر زواجك مني، لا ينبغي أن تتزوجي بشخص لا تثقين به الثقة التامة."
جففت دمعاتها وأومأت بحزن ثم قالت:
"أنت محق، يبدو أن كلانا نحتاج لإعادة النظر في هذا الأمر.. على كل حال أنا سأذهب."
" انتظري، سأقِلكِ."
" لا، شكراً.. أحتاج للمشي بمفردي قليلاً."
همت بالانصراف فأمسك ذراعها وقال بحدة وصرامة:
"أنا لا أعرض عليكِ الأمر، قلت انتظري ستذهبين معي."
نظرت إليه بحدة وقالت بعصبية شديدة فاجأته:
"وأنا قلت لا.. أريد المشي لأني أشعر بالاختناق.. ستزهق روحي.. سأموت من فرط الضيق والضغط.. لمَ علي أن أذهب معك إذًا؟"
"لأني أخاف عليكِ."
صمتت للحظات واهتزت مشاعرها قليلاً وقالت ببرود:
"ولمَ الخوف؟ لقد ألقوا القبض عليه أساساً.."
أومأ متهكماً وقال:
"نعم ألقوا القبض على المجرم المساعد، ولكن المجرم الحقيقي لا يزال طليقاً."
رن هاتفه برقم عمه فنظر إليها بغيظ وقال:
"حياة هل خرجتِ بدون علمهم؟"
أطرقت برأسها أرضاً فجز على شفتيه بغضب وأجاب المكالمة فوراً:
"مساء الخير عمي."
"قاسم، حياة ليست موجودة."
نظر إليها متوعداً وقال:
"حياة برفقتي لا تقلق."
تحدث غاضباً:
"ماذا؟! وما الذي أتى بها إليك في ذلك الوقت؟! ولمَ لم تخبرني أو تخبر والدتها؟ ما هذا التصرف الأحمق!"
تنهد قاسم وقال محاولاً تهدئته:
"لا تقلق عمي هي بخير، كل ما هنالك أنها كانت تشعر بالضيق ولم ترد إثارة قلقكم.. على كل حال لا تقلق هي بأمانتي."
"حسناً قاسم، مع السلامة."
أنهى الاتصال ونظر إليها بغضب شديد وقال:
"إذا تصرفتِ بعقل وحكمة سأشك أنكِ حياة أساساً، ألا تفكرين يا فتاة؟ بالأمس كان والدك على وشك الإصابة بأزمة قلبية من فرط خوفه عليكِ والآن تخرجين دون إبلاغ أحد وكأنكِ تتعمدين إثارة خوفهم وقلقهم."
أطرقت برأسها أرضاً بصمت فقال:
"اصمتي حياة، تجيدين الصمت في الأوقات الخاطئة ببراعة."
وزفر زفرةً حانقة ثم قال:
"انتظري ريثما أحضر أغراضي ونذهب."
ودخل إلى الغرفة فدخلت وهي تتفحص المكان بأعين دامعة ولم تلحظهُ وهو يقف يتطلع إليها بأسف، ثم قال بهدوء:
"هل نذهب؟"
تنحنحت وهي تشيح بعينيها عنه وقالت:
"نعم."
تقدمت خطوات نحو الباب ثم توقفت ونظرت إليه بابتسامة حزينة وقالت:
"قاسم، لقد أخبرتني بالأمس أن هذه هي شقتنا.. وابتلعت ريقها بتوتر وسقطت منها دمعة وهي تسأله برجاء أقرب منه لسؤال وقالت: "هل ما زالت شقتنا؟ أم أنك غيرت رأيك؟"
تجهم وجهه وعبس وهو يقول:
"لا حياة."
نظرت إليه بصدمة واحتل الوجوم تعابيرها، بينما ابتسم وهو ينظر إليها بحنان ويقول:
"لم أغير رأيي."
ابتسمت مجدداً، ثم ضحكت وهي تذرف الدموع من بين ضحكاتها وفجأة طوقت عنقه بيديها وهي تقول:
"أحبك كثيراً قاسم."
تجرد وجهه من التعابير وشرد باعترافها فابتعدت عنه وقبلت خده وهي تقول بابتسامة:
"هذه لأنك أنقذتني يا ملاكي الحارس."
ارتفع حاجبيه متفاجئاً وطالعها وهي تهرب من أمامه للخارج فرفع ده ولمس أثر قبلتها وهو يردد بذهول:
"ما هذا الجنون يا ربي!!"
وصدح صوته وهو يناديها:
"انتظري يا فتاة، خدي هذا شريف لعلمك!!"
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نعمة حسن
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نعمة حسن
خرج راكضاً من البناية، يلتفت حوله يميناً ويساراً بفزع، ثم هرول مسرعاً وهو يحاول الفرار سريعاً وكأنه يخشى أن تلحقه روحها وتنتقم منه أشد انتقام.
رفع يده ليوقف إحدى سيارات الأجرة، ولكنه انتبه لمنظر الدماء على يديه مما جعله يتراجع. دس يديه بجيب سترته وهرول مبتعداً، ثم اتجه لأقرب حمام بالشارع ودخل، ثم غسل يديه جيداً وخرج، واستوقف سيارة أجرة وركبها وطلب منه أن ينقله إلى حارة شعبية على أطراف المدينة.
نظر إليه السائق بشك قائلاً:
"ولكن الأجرة ستكلفك كثيراً."
أومأ الآخر وقال بصوتٍ مرتجف:
"سأعطيك ما تطلبه."
طالعهُ بغير تصديق وقال:
"لا، أعطني الأجرة أولاً، معظم الزبائن يقولون نفس الكلام وعندما نصل يخالفون الاتفاق."
كان عبدالله يسند جبهته على كفيه شارداً يفكر فيما حدث قبل قليل؛ فمد يده وأخرج عدة ورقات لا يعلم عددها وأعطاها للسائق وهو يقول:
"خذ ما يكفيك، المهم أن تنقلني من هنا."
نظر السائق إلى النقود بيده، فأفزعهُ منظر الدم الذي يشوبها ونظر إلى عبدالله بشك ثم قال:
"ما هذا الدم؟!"
نظر إليه الآخر بفزع، فرآه وهو يشير إليه بالنقود الملطخة بالدم ويقول بشك وخوف وفي آن واحد:
"ما هذا الدم؟ ما قصتك؟"
تجاهل عبدالله سؤاله وقال بتوتر:
"هيا تحرك ولا تسأل كثيراً."
تأكدت شكوك السائق، فمنذ أن رآه وهو يشعر بعدم الارتياح لهيئته ووجهه اللذان يشعّان بالسوء، والآن بعد رؤية الدماء على النقود أصبح متأكداً أنه مجرم أو قاتل متسلسل حتى.
أوصد أبواب السيارة ونظر إليه بغضب قائلاً:
"لا يا عزيزي، لن أتحرك قبل أن أعرف قصة تلك النقود الملطخة بالدماء. وإلا سأذهب وأسلمك للشرطة وهم سيعرفون قصتها بطريقتهم."
نظر إليه عبدالله بغضب والشر يتطاير من عينيه وقال بتحذير:
"قلت لك تحرك، لدي موعدٌ هامٌ ينبغي ألا أتأخر عليه، هيا تحرك."
هدر بالأخيرة وقد نفرت عروقه بغضب، فتحرك السائق فوراً ولكنه اتجه بمسار قسم الشرطة.
رن هاتف عبدالله مرات عديدة برقم عنبر، ولكنه تجاهلها، فكل ما كان يشغل تفكيره الآن هل ماتت سماهر أم أنها لا تزال على قيد الحياة؟! وإن ماتت ماذا سيكون مصيره؟ هل سيصبح قاتلاً وانتهى الأمر؟! هل يعقل أنه ألقى بنفسه في السجن الذي كان يفر منه بمنتهى السذاجة.
رفع رأسه وهو يدلك جبهته بتعب، فتفاجأ بالطريق حوله فأدرك أن السائق يسير به في اتجاه مغاير، فقال:
"أين تذهب؟ لمَ تسير بهذا الطريق؟"
لم يُجِبه السائق، ففهم فوراً أنه ينوي تسليمه للشرطة، فقفز من المقعد الخلفي لجوار السائق وهو يقول:
"لا تجعلني أفقد أعصابي وإلا ستندم، صدقني."
"فلتذهب للجحيم أنت وأعصابك يا مجرم، سأقوم بتسليمك للشرطة وهم سيعرفون دماء من هذه التي تلطخ نقودك يا مجرم."
ابتلع ريقه بتوتر وغضب عاصف وقال:
"توقف حالاً."
"لن أتوقف."
"قلتُ لك توقف حالاً."
وقبل أن ينطق كلمة أخرى، أخذ عبدالله يكيل له اللكمات بوحشية وقد عاد لنفس الحالة الهستيرية التي انتابته قبل قليل، ولم يستيقظ منها إلا عندما فقد الرجل وعيه. نظر إليه مهتاج النفس وأخذ يلعنه ويقول:
"اللعنة عليك وعلى غبائك، لم تصرون على جعلي قاتلاً اليوم! تباً لكم جميعاً!"
فتح قفل الأبواب ونزل من السيارة، ثم عاد إليها مرة أخرى، ومد يده بجيب السائق وسرق ما بحوزته من نقود وهرب مرة أخرى.
***
عادت عظيمة بعد حوالي ساعة وهي تحمل الأكياس التي أحضرت بها الأغراض الناقصة التي طلبتها منها سماهر. تفاجأت بباب الشقة مفتوحاً فدخلت وأغلقت الباب وهي تقول:
"سيدتي، هل نسيتِ الباب مفتوحاً؟ سيدتي…"
وفجأة سقطت الأكياس من يديها وصرخت بقوة وفزع عندما رأت سماهر ملقاة أرضاً غارقةً في دمائها. هرولت نحوها وهي تصرخ وجثّت بجوارها وهي تقول:
"سيدتي، سيدتي سماهر استيقظي أرجوكي.. سيدتــي….."
خرجت من الشقة وأخذت تصرخ بكل ما تملك من قوة، وتستغيث بسكان العمارة الذين خرجوا من شققهم على صوت صراخها ونزلوا باتجاه الصوت.
"سيدتي قُتلت، لقد عدت من الخارج فوجدتها ملقاة والدماء تسيل من رأسها، أرجوكم ساعدوني."
تجمهروا جميعهم بداخل الشقة، وعرض عليهم أحد السكان أن ينقلوها للمشفى، ولكن أحدهم عارضه وقال أن الحل الأمثل أن يقوموا بإبلاغ الشرطة أولاً. وبالفعل أيده الكثيرون في هذا الاقتراح وقاموا بالاتصال بالشرطة وإبلاغهم بما حدث.
بعد مرور حوالي نصف ساعة تقريباً، وصلت سيارتا الشرطة والإسعاف. دخل الضابط الذي أمر بإخلاء موقع الحادث تماماً وسمح لرجال الإسعاف بنقل المجني عليها إلى المشفى.
ثم أمر بالتحفظ على المكان كما هو دون إحداث أي تغيير به، واستدعاء خبراء البحث الجنائي لمعاينة مسرح الجريمة وفحص كاميرات المراقبة بالبناية، كما أمر بالتحفظ على عظيمة باعتبارها الشاهدة الوحيدة.
***
في المساء..
نزلت فريال من سيارتها وتوقفت أمام تلك البناية التي قصدتها بالتحديد وهي تقرأ اللافتة الموضوعة بكل فخر:
"مركز الدكتور ممدوح علم الدين أخصائي الطب النفسي"
تقدمت بحماس وتوتر ودخلت. رتبت هندامها للمرة التي لا تعرف عددها، ثم جلست على أحد مقاعد الانتظار وهي تتفحص المكان من حولها وأناملها تطرق على حقيبتها بتوتر طفيف.
لحظات وانفرج الباب وخرجت سيدة جميلة في مقتبل العمر، ودخلت بعدها سيدة أجمل منها. فأخذت فريال تتمتم بحسرة وتقول:
"الجميلات دائماً ناقصات حظ."
ارتفع رنين هاتفها، فنظرت لاسم المتصل بحماس وأجابت:
"مرحباً تونة، كيف حالك حبيبتي؟"
أجابتها فتون قائلة:
"بخير، هل أنتِ بشقتك؟ كنت أقترح أن نخرج سوياً في أي مكان، لقد مللت."
"أوه، هذا اقتراح جيد جداً، ولكني لست بشقتي حالياً، بعد ساعة سأقوم بالاتصال بك."
"حسناً، أراكِ لاحقاً."
أنهت الاتصال وهي مبتسمة ونهضت لتقف أمام المرآة وتعدل ملابسها وشعرها وزينتها، ثم نظرت إلى باب غرفة الكشف بملل وهي تقول:
"ما كل هذا؟ هل يحكين قصص حياتهن منذ خُلقن أم ماذا؟"
تأففت بملل ثم نظرت إلى السكرتيرة وقالت:
"هل الأمر يستحق كل هذا التأخير؟"
"نعم سيدتي، الدكتور ممدوح معروف بأنه يجيد الاستماع لمرضاه، لذلك تأتي إليه النساء من كل حدبٍ وصوب."
زمّت شفتيها بنزق وقالت:
"للأسف."
"عفواً سيدتي؟?"
"أقصد للأسف أن الكشف يستغرق وقتاً طويلاً وأنا لست متفرغةً أبداً."
انفرج الباب، فنهضت على عجالة ودخلت بابتسامتها الواسعة وخلفها السكرتيرة تلحق بها وهي تقول:
"من فضلك سيدتي انتظري لحظة."
أشار لها الطبيب بالانصراف واستقبل فريال بابتسامة ونهض ليصافحها بترحاب وهو يقول:
"مرحباً سيدة فلة، لو فقط كنت أعلم أنكِ ستأتين لزيارتي هنا لفرشتُ الأرض بالورد."
ابتسمت بإشراق وقالت:
"أشكرك دكتور ممدوح، أنت رجلٌ لطيفٌ للغاية!"
"تفضلي سيدتي، ماذا تشربين؟"
"عصير ليمون من فضلك."
أخبر السكرتيرة أن تحضر اثنين من عصير الليمون ونظر إلى فريال مبتسماً وقال:
"لقد أسعدتني زيارتك جداً سيدة فلة.."
قاطعته قائلة:
"فلة يكفي، أقصد أن نرفع التكاليف والألقاب، فنحن جيرانٌ ولا داعي للتعامل بتلك الرسمية، ثم أننا مقاربان لبعضنا البعض في السن."
ضحكت وهي تعبث بخصلاتها وتقول:
"بالتأكيد أنت أكبر مني ولكننا متقاربان."
أومأ موافقاً وقال:
"أنتِ محقة فلة، على كل حال وأنا أيضاً لا أحب الرسميات."
"جيد جداً، إذًا أنت ستناديني فلة وأنا سأناديك دكتور ممدوح لأنني أشعر بالهيبة والوقار وأنا أناديك بالدكتور."
ضحك قائلاً بهدوء واتزان:
"كما تشائين، لكِ مطلق الحرية أن تناديني بالاسم الذي تفضلينه."
تنهدت براحة وقالت:
"أنت حقاً طبيبٌ نفسي، تستطيع مداواة النفس بمجرد ابتسامة، حديثك وابتسامتك يبعثان الراحة والسكينة في نفوس مرضاك.. هنيئاً لزوجتك رحمها الله بزوجٍ مثلك."
ابتسم قائلاً:
"رحمها الله، أنا فعلاً طبيبٌ نفسي ولكنني لست مثالياً، في النهاية كلنا بشر، الكمال لله وحده."
"ونعم بالله، أعلم ذلك، ولكن حتى النقصان يتفاوت، هناك من هي محظوظة بالقدر الكافي كي تقابل وتحظى بحب رجل مثلك، حتى ولو كنت ناقصاً ولكن ذلك النقصان يمكنها مداواته بالكثير والكثير من المميزات التي تتمتع بها. وهناك من هي مثلي مثلاً؛ قليلة حظ بالقدر الذي يكفي كي تتزوج زيجتين فاشلتين وتمضي ما تبقى من حياتها وحيدة."
نظر إليها بوجهه البشوش؛ متفرساً ملامحها التي تدفن الحزن بين طياتها بعمق، وسألها قائلاً بابتسامة:
"هل تعرفين فلة؟ الإنسان أكبر عدو لنفسه."
قطّبت حاجبيها ونظرت إليه بتعجب واستفهام، بينما أردف هو قائلاً:
"لو أننا استقبلنا كل ما يحدث معنا ولنا وكل ما نمر به من مصائب وأزمات ونوائب بعقيدة لهان الأمر كله. كل ما يحدث معنا هو مقدر لنا منذ خلقنا، ما حدث لكِ هو قدركِ الذي لا يمكنكِ الفرار منه."
"أجل أعرف ذلك."
"وبما أن ما حدث كان محتماً أصلاً، لمَ التفكير بتلك الطريقة المتشائمة؟ لمَ النظر للنصف الفارغ من الكوب؟"
ابتسمت باستغراب وقالت بلمحة من التهكم:
"وأين هو النصف المملوء الذي عليّ رؤيته؟"
مطّ شفتيه ببساطة وقال:
"أنكِ لا تزالين شابة، جميلة وتملكين كل مقومات الجمال، لا تزال أمامك العديد من الفرص، سيدات غيرك مررن بزيجات فاشلة أيضاً ولكنهن أفنيْن فيها أعمارهن وتلِفت زهرة شبابهن وفي النهاية أصبحن وحيدات أيضاً."
صمتت لحظات تستوعب كلماته ثم قالت:
"ولكن تلك النساء اللاتي قضين أعمارهن في زيجات حُكم عليها بالفشل في النهاية وأصبحن وحيدات، من الممكن أنهن شبعن من الحب والاحتواء والعاطفة بشكل عام خلال سنوات زواجهن.. ألا يعد هذا إنجازاً في حد ذاته؟"
أطرق برأسه قليلاً ثم نظر إليها وقال بابتسامته المعهودة:
"الشبع! الشبع عزيزتي فلة أول لَبنة في جدار انهيار أي علاقة بين شخصين. الشبع هو أول الخطوات في طريق الفتور والملل، المُحِب لا يشبع أبداً. العلاقة التي لا تتسم بالنهم والشغف والتعطش والاحتياج لا تدوم طويلاً، الإنسان بطبيعته ملول جداً، إذا اكتفى من الشيء زهده وسئمه. هؤلاء النسوة اللاتي تعتقدين أنهن محظوظات لأنهن شبعن من الحب والاحتواء، صدقيني هنا تكمن المشكلة. أنهن شبعن، هذا يعني أن مشاعرهن أصيبت بنوع من التخمة والتبلد وأصبحت في حالة خمول، فالمثل يقول 'إذا شبع المرء لن يجد للخبز طعماً.'"
واستطرد قائلاً:
"أما أنتِ يا فلة، مشاعرك لا تزال بخير، لا تزالين قادرة على العطاء والحب، لا تزالين قادرة على الاستمتاع بطعم الحب والخبز معاً."
ضحكت بقوة فضحك بدوره وقال:
"ثم أنكِ بعد الزيجتين الفاشلتين ما زلتِ قادرة على الابتسام والضحك بتلك الطريقة المبهجة. ألا تظنين أن هذا في حد ذاته انتصار؟"
خفق قلبها بقوة ونظرت إليه بابتسامة ممتنة وقالت:
"حقيقةً أنت ألطف طبيبٍ قابلته بحياتي."
ابتسم بود وقال:
"وأنتِ كذلك."
نهضت وهي تشعر بالارتياح كثيراً وكأنها نزعت عِبئاً ثقيلاً عن كاهليها وقالت بامتنان صادق:
"أشكرك كثيراً دكتور، الحديث معك يجعلني بأحسن حالاتي."
أومأ مُرحباً وقال:
"تحت أمرك بأي وقت فلة."
صافحته بود وقالت:
"أشكرك شكراً جزيلاً، تستحق طبق حلوى فريد من نوعه."
ابتسم قائلاً:
"سأكون ممنوناً جداً سيدتي."
***
كان عبدالله يجلس منزوياً حول نفسه خلف شجرة، يرتجف بخوف، يحيط جسده بيديه ووجهه مختبئ بين كفيه ويتحدث بخوف ويقول:
"لا، أنا لست قاتلاً، هي لم تمت، أكيد فقدت الوعي مؤقتاً، لا، لا يا غبي، إن كانت حية ستخبر الشرطة عني وسيتهمونني بالشروع في قتلها، يا إلهي ماذا أفعل؟ يجب أن أهرب سريعاً، يجب أن أغادر البلد في أسرع وقت."
أمسك هاتفه وقام بالاتصال بعنبر التي أجابت الاتصال بتوجس وخوف فقال:
"أحتاج المال الذي اتفقنا عليه في أسرع وقت، إن تأخرتِ سأقوم بنشر الفيديو."
وأنهى الاتصال وهو يردد:
"ستأتين، ستأتين يا عنبر الجبانة."
وأغمض عينيه بتعب وأسند رأسه على جذع الشجرة وراح في النوم.
***
في اليوم التالي.
استيقظ قاسم من نومه على صوت رنين جرس الباب، نهض فجأة مفزوعاً وكأنه صُعق ونزل من سريره متكاسلاً بشدة، وذهب نحو الباب وهو يجر قدميه ببطء شديد وهو يتوعد ذلك المزعج الذي أرق مضجعه وأيقظهُ من نومه.
فتح الباب فرأى حياة تقف أمامه والابتسامة تعلو شفتيها، وما إن رأت حالته تلك حتى قالت:
"صباح الخير زوجي المستقبلي العزيز."
نظر إليها وهو يشعر كأنه يراها اثنتين وتثاءب بنعاس شديد وأسند رأسه على الباب وهو يقول مغمضاً عينيه:
"عساه خيراً حياة؟ ما سبب ذلك الإنزال الجوي منذ الصباح؟"
ضحكت وهي تدفعه للداخل ودخلت وهي تحمل بيدها بعض الحقائب، ورفعتها لمستوى بصره كي يراها وقالت بابتسامة عريضة:
"كنت أشتري بعض الأغراض الخاصة بي، وجئت لأضعها بغرفتك."
ثم غمزت إليه بمشاكسة وقالت:
"أقصد غرفتنا."
رفع حاجبيه متعجباً وطالعها باستنكار وهو يتمتم:
"أستغفر الله العظيم."
تجاوزته ودخلت إلى الغرفة ووضعت الحقائب بالخزانة، ثم خرجت وهي تحمل كيسين وتقول:
"وبما أنني أتيتُ إليك قلت أصنع بك معروفاً وأحضر لك الفطور بنفسي، هيا اذهب واستعد ريثما أنتهي."
أومأ موافقاً وهو يتثاءب وقال:
"حالاً."
ودخل إلى غرفته وألقى بجسده العريض فوق الفراش وغط في النوم مرة أخرى.
وقفت حياة بالمطبخ كي تعد الفطور وقامت بتشغيل أغنية لفيروز على هاتفها وأخذت تدندن معها وهي تحضر الفطور بكل حب، ثم نادت:
"قااااسم، هيا يا زوجي الوسيم، لقد أصبح الفطور جاهزاً."
وخرجت من المطبخ وهي تبحث عنه لتتفاجأ به يتمدد فوق فراشه بكل أريحية. فقالت بغضب:
"قليل الذوق، يترك زوجته التي أتت خصيصاً لإعداد الفطور له ويكمل نومه بكل راحة وسلام."
ودخلت الغرفة، ثم وقفت بالقرب منه تقول:
"أنت، يا سيد قاسم، مرحباً سيد قاسم أنا هناا.."
كان قاسم يغط في نوم عميق، فاقتربت من وجهه وهي تقول:
"يا إلهي هل تنام وعيناك مفتوحتان؟! يا ربي هل أنت ذئب؟"
ثم جلست بالقرب منه وأخذت تتفحصه بابتسامة وهي تقول:
"ما أجملك! يا إلهي ماذا فعلت أنا كي أحظى بزوج وسيم كهذا؟"
وأخذت تهزه برفق وهي تقول:
"قاسم، هيا لقد أعددت الفطور، قاسم.. هل سأنتظر كثيراً؟"
تحدث قاسم بدون وعي قائلاً:
"انتظر طه ريثما أنتهي من غسل الصحون."
كتمت ضحكتها بصعوبة وهي تتمتم:
"غسل الصحون؟ شكراً يا إلهي لقد مننت عليّ بزوج مراعٍ سيساعدني في الأشغال المنزلية."
وضحت بخفوت ثم نظرت لقامته الطويلة بابتسامة وفجأة مالت على ذراعه وعضّتهُ، فانتفض فجأة وسحب ذراعه منها، وجلس فوق الفراش بتحفز وأمسك برسغها بقوة وهو يطالعها بنظرات يتطاير منها الشرر ثم قال:
"ما هذا الغباء يا حياة؟ أساساً ما الذي تفعلينه هنا؟"
نظرت إليه بصدمة وتجهم وجهها وقالت:
"كنت أمزح فحسب.. وإذا أردت يمكنني الذهاب."
أبعد رسغها بقوة أجفلتها وأسند جبهته على كفيه وهو يحاول استعادة وعيه بالكامل، ثم نظر إليها فرآها مطرقةً برأسها أرضاً فقال:
"منذ متى وأنتِ هنا؟"
نظرت إليه بضيق وقالت:
"منذ أن كنت تغسل الصحون برفقة طه."
قطّب حاجبيه بتعجب وسرعان ما أدرك أنه كان يحلم، فقالت بفضول كعادتها:
"من هو طه؟"
أجاب باختصار وضيق:
"صديقي بالسجن."
تفاجئت من إجابته قليلاً ثم قالت:
"وهل كنتم تغسلون الصحون في السجن؟"
"أجل."
"والسبب؟"
نظر إليها متعجباً وقال بسخرية لاذعة:
"لأن غسالة الأطباق كانت معطلة فاضطررنا لغسلها بأنفسنا."
حكت رأسها بتفكير ونظرت إليه بعدم استيعاب وقالت:
"أشعر أنك تسخر مني."
زفر مطولاً بنفاذ صبر وقال بابتسامة لم تصل عينيه:
"لا طبعاً أستغفر الله، صباح الخير حياة."
اتسعت ابتسامتها بعفوية وقالت:
"صباح الخير قاسمي الوسيم.. هيا لقد أعددت لك فطورا عالمياً."
هز رأسه بيأس وقال:
"وهل جئتِ من بيتك إلى هنا منذ الصباح كي تعدين لي الفطور؟ هل أنا مصاب بالشلل مثلاً؟"
نظرت إليه بضيق وقالت:
"أعوذ بالله، اتفل من فمك."
جزّ أسنانه بغضب وضيق وقال:
"أساساً أنا على وشك فعل هذا لا محالة، لذا أرجوكِ ابتعدي عن مرمى فمي لأنني بالكاد أتحمل نفسي، ولا ينقصني طنينك فوق أذنيّ منذ الصباح."
نظرت إليه بغضب وقالت:
"هل تعرف أنك قليل الذوق؟"
"أجل أعرف."
"ولا تعرف شيئاً عن التعامل بتهذيب وكياسة مع الجنس اللطيف."
"أجل أنا كذلك.. من فضلك انتظري بالخارج ريثما أبدل ملابسي وأخرج لنتناول الفطور معاً بكل تهذيب وكياسة."
رمقته من أعلى لأسفل متعمدةً إثارة ضيقه، ثم نهضت على مضض. وعندما اقتربت من الباب نظرت إليه بنظرة العارف وقالت:
"لم يكن ضرورياً أن تطردني خارج الغرفة، كان بإمكانك أن تطلب مني أن أدير وجهي أو أن أغمض عيني، ولكن على ما يبدو أنك خائف من شيءٍ ما."
نظر إليها مغتاظاً، وفجأة أمسك بالمنبه الموجود بجواره وقذفها به، فأوصدت الباب سريعاً فاصطدم المنبه بالباب ووقع على الأرض، بينما قاسم لا يزال متطلعاً نحو الباب حيث تختبئ خلفه وهو يقول:
"تباً لكِ لم أرَ مثل وقاحتك."
كتمت حياة ضحكاتها وهي تركض نحو المطبخ وتضع يدها على موضع قلبها الذي يدق بقوة وانفعال وهي تقول:
"يا إلهي، ما هذا الجنون الذي يصيبني بالقرب منه!"
أعدت الشاي وأخذت الفطور ثم خرجت إلى الشرفة ووضعت الفطور على الطاولة ثم جلست تتطلع نحو البحر في انتظار قاسم.
أغمضت عينيها بانسجام مع ذلك المنظر المريح الذي يبعث السلام النفسي على القلب وأخذت نفساً عميقاً، وفجأة فتحت عينيها عندما ضربها قاسم على مؤخرة رأسها فقالت:
"ما هذا الغباء يا قاسم؟"
طالعها شزراً وقال:
"من بعض ما عندكم."
ثم نظر إلى ذراعه وأثر العضة به وقال باستياء مصطنع:
"سأذهب للمشفى وأخضع للفحص لأرى إن كانت سامة أم لا."
رفعت حاجبها بضيق فضحك قائلاً:
"كنت أمزح فحسب. هيا تناولي الفطور."
بدآ في تناول فطورهما بصمت إلى أن قطعه هو وقال بجدية:
"حياة، لا تتصرفي بتلك الحماقة مجدداً أرجوكِ."
قطّبت حاجبيها بتعجب وقالت:
"لا أفهم قصدك."
تنهد وترك قطعة الخبز من يده وقد بدا الضيق جلياً على ملامحه وقال:
"أقصد تهورك واندفاعك، خطر عليكِ أن تأتي إلي منذ الصباح وتحضرين لي الفطور ففعلتِ، وسابقاً خطر لكِ أن تخرجي وتتمشين دون إخبار والديكِ ففعلتِ! وكثير من التصرفات الطائشة غير المحسوبة التي تندمين عليها في النهاية."
نظرت إليه بضيق وقالت:
"هل مجيئي إليك أزعجك بهذا القدر؟"
"بربك حياة أنا لا أتحدث إلى طفلة، لا تتجاهلي صلب الموضوع وأساسه وتعاتبيني على أفكارك الخاطئة. مجيئك لم يزعجني بقدر ما أزعجني جنونك.."
قاطعته بضيق وقالت:
"هذا ليس جنوناً، أنا أتصرف بعفوية فحسب."
"والعفوية الزائدة ترمي بصاحبها في المخاطر.. ثم أن الإنسان العاقل دائماً خطواته موزونة ومحسوبة، نحن نعيش في زمن لا تليق به العفوية يا حياة."
نظرت أمامها بغضب وقالت:
"حسناً قاسم، لن أتصرف بعفوية مجدداً، ولن أزعجك بحضوري وطنيني فوق أذنيك منذ الصباح، ولن ترى وجهي مجدداً إن أردت."
نظر إليها بغيظ وقال بانفعال:
"لا حياة، أنا لم أقل لا تتصرفي بعفوية، قلت لا تتصرفي بجنون واندفاع، توقفي عن فعل ما يحلو لكِ متى يحلو لكِ وكأنكِ تعيشين في هذا الكون بمفردك."
هزت رأسها بموافقة ونهضت وهي تقول:
"حسناً، على كل حال أنا آسفة لأنني أزعجتك، أعدك أنك لن ترى وجهي من الآن وحتى موعد عقد القران."
"حقاً؟ موعد عقد القران الذي هو بالأمس أساساً، أليس كذلك؟"
رفعت أنفها بغرور وقالت:
"بلى."
هز رأسه بيأس وهو يضرب كفاً بالآخر ويقول:
"أستغفر الله العظيم، إجلسي حياة، إجلسي وتناولي فطورك الجميل هذا هيا."
"لا أريد، لقد فقدت شهيتي."
"حسناً، كما تريدين، هيا كي تغادري قبل أن ألقي بكِ من هنا فتغادرين للأبد وأستريح من جنونك."
"سأذهب بمفردي، شكراً لك، أنت تعرض المساعدة بشكلٍ جميل يجعل الجميع يظنونك شهماً."
رفع حاجبه وقال:
"لا أنا لست شهماً، ولكنني لست غبياً كذلك كي أتركك تتجولين في الطرقات بمفردك وأنتِ معرضة للخطف ثانيةً.. وصراحةً لقد سئمت ملاحقتك وقد اتخذت قراراً لا رجعة فيه. إن تعرضتِ للخطف مجدداً فلن أكلف نفسي عناء البحث عنك؛ لأنكِ تبحثين عن المتاعب و تقعين فيها كما يقع الذباب بالعسل."
نظرت إليه بغضب وهتفت بحنق طفولي يثير حماسه:
"يبدو أنني عليّ أن أعيد النظر في أمر زواجي منك عشرين مرة من الآن وحتى الأمس."
قلّد نبرتها الحانقة وحركة يدها وهو يقول:
"أدعو الله ألا يحل المساء حتى تنتهي من المرة العشرين وتتخذين قراراً لا تندمين عليه فيما بعد."
***
خرجت عنبر من غرفتها وهي تحث الخطى نحو غرفة والدها، استغلت وجوده بالحمام ودخلت غرفته وأوصدت الباب خلفها وهي تشعر بقلبها يكاد أن يقفز خارج صدرها من الخوف، فتحت الخِزانة ومن ثم فتحت خزنة والدها الصغيرة وأخذت منها مبلغا كبيرا، ثم أغلقت الخزنة والخِزانة وعادت إلى غرفتها مرة أخرى.
دخلت ووضعت النقود بحقيبتها ثم أخذت نفساً عميقاً بتوتر وجهزت حقيبتها ثم ارتدت ملابسها وألقت نظرة على ابنها الذي يغفو بفراشه، واقتربت منه ثم قبلت رأسه وهي تهمس بحزن:
"أنا آسفة حبيبي، لم أكن يوماً الأم التي تستحقها ولا أظن أنني سأصبح."
خرجت من الغرفة فالتقت بوالدتها التي قالت بتعجب:
"إلى أين تذهبين عنبر؟"
نظرت إليها عنبر بحزن وقالت:
"أشعر بأني سأختنق، سأذهب لأتمشى قليلاً."
نظرت إليها والدتها بحزن وأسى، هي تعرف أن اليوم لن يكون سهلاً بالنسبة لها، لذلك لم تمانع خروجها فقالت بابتسامة:
"حسناً حبيبتي، أخرجي ورفهي عن نفسكِ قليلاً."
أومأت عنبر بابتسامة منكسرة وقالت:
"اعتني بكريم."
نظرت إليها أمها بشك ولكنها لم تعقب، فخرجت الأخرى مسرعة قبل أن يراها والدها، فهي تعرف أن والدها إن رآها بتلك الحالة فلن يسمح لها بالخروج أبداً.
خرجت من البيت وسارت خطوات حتى ابتعدت عن محط أنظار الجيران، ثم أخرجت من حقيبتها نقاباً ووضعته على وجهها، ثم استقلت سيارة أجرة وطلبت من السائق أن يوصلها للمحطة؛ فلقد كانت تلك هي خطته التي رسمها بإحكام وطلب منها تنفيذها بالحرف الواحد حتى لا تتبع الشرطة أثرها ويستطيعون القبض عليه من خلالها.
شردت عنبر وهي تتذكر حديثهما الأخير وكيف أنه ابتزها وساومها وكأنها ليست زوجته أو أن فضيحتها لا تعني فضيحته أيضاً.
تنهدت بأسى وحزن؛ فلقد قررت أن تخضع آسفةً لابتزازه الحقير لسببين؛ أما الأول فهو أنها تخشى أنه إذا قام الشيطان زوجها بنشر الفيديو، فبالتأكيد سينتشر الأمر سريعاً كالنار في الهشيم وتصبح عنبر حديث المدينة وتكثر الأقاويل حولها وبالتالي سيؤثر ذلك على صحة والدها التي تدهورت بما يكفي في الآونة الأخيرة، والأخير أنها قررت أن تجلد ذاتها أكثر بالخضوع له ككل مرة حتى تذكر نفسها الأمارة بالسوء دوماً أن كل بشاعة زوجها تلك هي نِتاج سلبيتها وتخاذلها منذ البداية، و كلما شعرت بالقهر والظلم كانت تقنع نفسها أنه لولا وجود الفاسدين لما استطاع الشيطان ممارسة ظلمه وفساده وتجبره.
بعد حوالي نصف ساعة نزلت من السيارة التي توقفت بالمحطة، ثم استقلت القطار الذي سينقلها للمدينة التي يتواجد بها عبدالله الآن.
كانت تنظر من النافذة الزجاجية الكبيرة إلى الطريق الذي يركض أمامها وهي شاردة؛ تفكر فيما سيؤول إليه حالها بعد أن تلقي بنفسها بين براثن ذلك الذئب من جديد، لقد ذهبت إليه طواعيةً، ستقدم نفسها إليه مكبلة الأيدي وتستقبل منه كل نوبات عنفه المكبوتة إذا تطلب الأمر، الشيء الوحيد الذي لن تستطيع تحمله أن يموت والدها بسبب مشاكلها وهمومها، يكفيه ما ناله من وراءها للآن.
أغمضت عينيها بحزن، وأراحت رأسها على ظهر المقعد وهي تهمس:
"سامحني يا أبي. لم يعد هناك مجال لمعالجة الخطأ، على ما يبدو كُتب عليّ أن أعيش مكبلة بأغلال هذا الشيطان للأبد."
***
في المساء..
وقفت حياة أمام مرآتها تطالع هيئتها الجميلة الفاتنة؛ وقد اختارت فستاناً باللون الوردي الفاتح من الحرير.
فلقد تعمدت ألا تكرر أياً من تفاصيل تلك الليلة المشؤومة، لذا اختارت لوناً غير الأبيض وكم كانت تشعر بالراحة والسكينة تملؤها.
تنهدت بأمل وهي تقول:
"يا رب أتوسل إليك أن تجعل أيامي المقبلة كلها سعادة."
انفرج الباب ودخلت والدتها التي لمعت عيناها وهي تتذكر ما حدث سابقاً ووضعت يدها على كتف ابنتها وقالت:
"هل ستتركين البيت يا حياة؟"
وضمتها إليها بقوة وقد أجهشت في بكاءٍ مرير وهي تقول:
"أدعو الله أن يجعل لكِ حظاً وافراً، وأن تعيشي العمر في هناء وراحة."
ابتسمت حياة وضمتها أكثر وهي تتساءل بأمل:
"هل أنتِ سعيدة لأجلي أمي؟"
نظرت إليها أمها بابتسامة حزينة وقالت:
"الأم عندما ترى ابنتها سعيدة لا يسعها سوى أن تكون سعيدة يا وردتي."
"ولكنكِ قلتِ سابقاً أنكِ لا تستطيعين الرقص من أجلي على دموع أختي."
"كنت مخطئة حبيبتي، أنتِ ابنتي وعنبر ابنتي، أنتما جزآن من روحي، القلب الذي ينبض حزناً من أجلها هو نفسه الذي ينبض فرحاً لأجلك."
ابتسمت حياة وقالت:
"أشكرك كثيراً أمي، كلامك هذا يعتبر دعماً من نوع خاص، لن أنساه أبداً."
ربّتت أمها على كتفها وقالت وهي تشير إلى موضع قلبها:
"لا تخافي حبيبتي، قلبي هذا وإن كان جامحاً بعض الشيء ولكنه يبقى قلب أم، لا تكره سعادة أولادها أبداً."
انفرج الباب ودخلت حنان التي فرّقت عناقهما وهي تقول:
"هيا حياة المأذون ينتظر، تعانقا لاحقاً."
نظرت حياة إلى أمها بتردد ثم قالت:
"أمي؟ أين عنبر؟"
ربّتت أمها على كتفها بمواساة وقالت:
"خرجت، تقول أنها تريد أن تتمشى قليلاً، لا تشغلي بالك حبيبتي، هيا."
خرجت حياة من الغرفة وخلفها حنان ووالدتها، تقدمت من الصالون بتوتر وهي تشعر بقلبها يطرق بصوت مسموع وكاد أن يتوقف عن النبض عندما رأت قاسم يجلس متأنقاً، مستعداً لعقد القران كما كان مستعداً المرة الماضية.
كان يجلس بجوار المأذون وبالجهة الأخرى يجلس والدها، وإلى يمينه يجلس عزيز الذي أصر أن يكون شاهداً على عقد قرانهما كي يثبت ولاءه الكامل لقاسم وحنان، وبجوار عزيز يجلس أحد أقارب صالح الذي يثق به ثقة مطلقة فدعاه للحضور لأنه يضمن أن الخبر لن ينتشر ويصل إلى مسامع عبدالله.
***
نزلت عنبر من القطار لتوها، قامت بالاتصال بعبدالله الذي أجابها متلهفاً وقال:
"هل وصلتِ؟"
"أجل."
"الآن ستوقفين سيارة وتطلبين من السائق أن يوصلك لفندق الفونتيرا، هذا الفندق شبه مهجور ولن يطلب منك أي أوراق إثبات شخصية."
"حسناً، هل ستكون بانتظاري؟"
"سآتي إليكِ بعد منتصف الليل."
أنهت الاتصال، ثم ذهبت لأحد المطاعم واشترت طعاماً، ثم استوقفت سيارة أجرة من المحطة وطلبت من السائق أن يوصلها لذلك الفندق. فرمقها الرجل بشك ولكنه لم يعقب، أخذ أجرته وانطلق بها وبعد حوالي ربع ساعة توقف أمام الفندق.
كان مكاناً مهجوراً فعلاً، يبعث في النفس الخوف والرعب، دخلت فرأت رجلاً كهلاً منحني الظهر، يقف مستنداً على عصا كالساحر العجوز. فهمست في نفسها بارتياب:
"يا إلهي ما هذا المكان المرعب!"
تقدمت منه وحجزت غرفة فردية لليلتين ودفعت ما طلبه، فنظر إليها الرجل بشك، ثم أعطاها المفتاح وصعدت إلى الغرفة وهي تشعر بأنها دخلت مدينة الأشباح!
***
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير إن شاء الله."
قالها المأذون بعدما انتهى من عقد القران ونهض يجمع أوراقه استعداداً للانصراف.
نظرت حياة إلى قاسم بابتسامة مشرقة، فمنحها ابتسامة أكثر إشراقاً واقترب منها وقبّل جبينها وهو يقول:
"مبارك علينا زوجتي الجميلة."
نظرت إليه حياة بحب ولمعت عيناها بتأثر، فلم تفكر مرتين وكعادتها المتهورة عانقته بفرحة وهي تقول:
"مبارك علينا قاسم."
أحاطها بذراعه اليسرى وربّت باليمنى على ظهرها وقال ضاحكاً:
"أرجوكِ لا تفقدي وعيكِ من الفرحة، تماسكِ لو سمحتِ."
ضربته بقبضتها وابتعدت عنه حانقةً وهي تقول:
"هذه الفرحة أنت أفسدتها بسخريتك يا سمج."
انتبهت لوالدها الذي اقترب منها مبتسماً وعينيه تلمع بتأثر وحزن وقال:
"مبارك عليكِ حياة."
احتضنته وهي تقاوم دموعها، فأخذ هو يمسح على رأسها بحنان وهو يقول:
"سأدعو الله في كل لحظة أن ترافقك السعادة أينما ذهبتِ وأن يرزقك الرضا والراحة دائماً."
تشبثت بحضن والدها أكثر وقالت:
"أرجوك أبي لا تتوقف عن الدعاء لنا أبداً."
ربّت على ظهرها مطمئناً وقال:
"لا تقلقي حبيبتي، الأب لا يتوقف عن الدعاء لأولاده مثلما لا يتوقف عن حبهم أبداً."
أومأت وهي تمسح دموعها وعانقت أمها وقالت:
"أحبك كثيراً أمي."
مسحت والدتها دموعها بيديها وقالت بنبرة مهزوزة:
"وأنا أحبك حياة، وأختك تحبك كذلك. تأكدي من ذلك."
أومأت بموافقة وقالت:
"عندما تأتي أبلغيها سلامي."
"حسناً، هيا حبيبتي زوجك ينتظر، أسعدكِ الله أينما حلت خطاكِ."
انتزعت نفسها من بين أحضان والدتها وعانقت حنان وصافحت عزيز اللذان تمنوا لهما السعادة، ثم نظرت إلى قاسم الذي ينتظرها مبتسماً وقال:
"هل نذهب؟"
أومأت بفرحة وأمسكت بيده، ثم رمقت المكان بأعين دامعة وخرجت برفقته نحو عالمها الآخر.
عالمًا مليئاً بالغموض والخبايا والأسرار، عالمًا تتمنى ألا تندم على الانضمام إليه أبداً.
***
توقف قاسم أمام باب الشقة، وضع حقيبتها بجواره أرضاً ونظر إليها بابتسامة وقال:
"هل أنتِ مستعدة؟"
أومأت بحماس شديد ففتح الباب متمهلاً، فظهرت الزينة المعلقة بكل مكان والبالونات الملقاة أرضاً وغيرها تتدلى من السقف.
شهقت بفرحة تماماً كالأطفال ودخلت، فحمل الحقيبة ودخل وهو يراقبها بابتسامة، كانت تنظر حولها بسعادة كما ينظر الأطفال لزينة العيد، وازدادت فرحتها عندما رأت ذلك البالون الكبير المعلق بجوار باب غرفة نومهما مكتوباً فوقه بأحمر الشفاه خاصتها "مرحباً بكِ حياتي".
نظرت إليه ولمعت عيناها بتأثر شديد، ثم أسرعت الخطى نحوه واحتضنته بقوة. فقال ضاحكاً:
"تعشقين الأحضان يا قصيرة."
أومأت وهي لا تزال تطوق عنقه بيديها، فابتعد عنها ونظر إلى وجهها وقال مبتسماً بحنان:
"مرحباً بكِ حياتي."
سالت دمعاتها، فقال:
"لقد ادخرتُ تلك الكلمة لهذا اليوم خصيصاً لأنني أردت أن أبدأ بها حياتي الجديدة معك، من الآن فصاعداً أنتِ ستكونين كل حياتي يا حياة."
عانقته مرة أخرى فقبل أعلى رأسها وهو يقول:
"هل سنبيت ليلتنا هنا أمام الباب ونحن متعانقين هكذا؟"
نظرت إليه وتوردت وجنتيها بخجل وقالت:
"ماذا سنفعل إذا؟"
"سنتناول الطعام مثلاً، لم تدخل لقمة جوفي منذ الصباح، هيا يا عروس، من الآن مطبخك هو مملكتك الخاصة، أبدعي!"
نظرت إليه بتفاجؤ، بينما هو يكتم ضحكته ويتصنع التعجب قائلاً:
"ماذا هناك؟ هل نسيتِ طريق المطبخ؟"
طالعته بحنق وقالت:
"لا، سأبدل ملابسي وأعود، بالتأكيد لن أدخل المملكة، أقصد المطبخ بفستاني هذا."
ابتسم قائلاً:
"أنتِ محقة، خذي وقتك. البيت كله أصبح ملكك وأنا هنا مجرد ضيفاً، أتمنى أن أكون ضيفاً خفيفاً."
واتسعت ابتسامته، فقالت وهي تطالعه بضجر:
"لا، لست خفيفاً على الإطلاق."
ودخلت غرفتها وهي تلعن غباءها وتتمتم قائلة:
"ما بكِ يا حياة؟ ضعي بعينك ذرة ملح واحدة يا فتاة، سترمين نفسك على الرجل بعد قليل، يا إلهي ما هذا!"
نزعت فستانها ودخلت إلى الحمام لتأخذ حماماً وهي ما زالت تحدث نفسها وتقول:
"أساساً الرجل محق، لم يأكل شيئاً منذ الصباح، لمَ العجلة إذاً، لمَ الوقاحة؟"
أوصدت المياه وخرجت وهي ترتدي مئزره، وفتحت الخزانة لتنتقي منها شيئاً تلبسه، فتفاجئت بالخزانة فارغة، فضربت جبهتها بقوة وغضب وهي تقول:
"الله الله.. أساساً هذا ما ينقصني، تركتِ حقيبتك بالخارج يا حياة، هنيئاً لكِ."
تقدمت من الباب وفتحته، فاستدار نحوها تلقائياً وتعجب عندما رآها تتقدم منه بمئزر الحمام خاصته والذي يصل طوله لبعد ركبتيها، فكان أشبه بالجلباب مما جعله يضحك عالياً، ولكنه قطع ضحكته عندما رآها تنظر إليه بغضب وقالت:
"جئت لآخذ حقيبتي لقد نسيتها بالخارج."
أومأ وقال بنفس اللهجة الصارمة التي تحدثه بها:
"تفضلي."
نظرت إليه بغضب أكبر وقالت:
"هل ستدعني أحمل كل تلك الحقيبة وتقف متفرجا هكذا؟"
انحنى والتقط الحقيبة فوراً وهو يقول:
"لا يصح طبعاً."
اتجه نحو الغرفة ووضع الحقيبة فوق الفراش، بينما هي تتقدم منه وهي لازالت تهتف بعصبية:
"أساساً كل هذا بسببك، أخبرتك أن آتي وأضع أغراضي مسبقاً بالغرفة كأي عروس ولكنك رفضت."
ثم رفعت كتفيها بضيقٍ واحتجاجٍ وقالت:
"لا أعرف صراحةً لماذا رفضت؟ هل كنت تخشى أن تبقى برفقة أغراضي بمفردكما أم ماذا؟"
نظر إليها بطرف عينه وضرب جبهتها وهو يتجاوزها للخارج ويقول:
"أسرعي حياة، أنا أتضور جوعاً وأنتِ تقفين هنا وتبقبقين منذ ساعة .. ها هي حقيبتك. أسرعي."
خرج وأوصد الباب وهو يهز رأسه بيأس ويفرك جبهته بتوتر ويقول:
"ماذا فعلت بنفسك يا قاسم!"
فتحت الحقيبة وأخذت تنظر إلى محتوياتها بخجل وهي تقول:
"أقسم أنني وقحة فعلاً، ما كل هذه القصاصات؟ هل سأخرج وأقف بالمطبخ وأعد له العشاء بتلك الملابس المخلة بالآداب، بربك حياة ماذا سيظن بكِ ذلك السخيف!"
أغلقت الحقيبة ووضعت يدها بخصرها وباليد الأخرى أطبقت على شعرها بحيرة وهي تقول:
"ماذا سأفعل؟"
فتحت الخزانة مرة أخرى وهي تنظر إلى ملابسه وتقول:
"بالتأكيد لن أرتدي هذه الملابس، يكفيني المئزر الذي يبتلعني بداخله.. أمري إلى الله."
فتحت حقيبتها مرة أخرى وانتقت قميصاً حريرياً طويلاً أسود اللون يصل طوله إلى ركبتيها، ارتدته وتركت شعرها منسدلاً على ظهرها، ووقفت أمام المرآة تطالع هيئتها الفاتنة بابتسامة واثقة وهي تقول:
"يا رب احفظني، يا إلهي كم أنا جميلة!"
وقفت خلف الباب تعد عدّاً تنازلياً ثم أخذت نفساً عميقاً، وفتحت الباب فلم تجده يقف حيث كان، دخلت إلى المطبخ فرأته يقف مولياً ظهره نحوها فقالت بقصد لفت انتباهه:
"ماذا تفعل؟"
نظر إليها بعفوية وقال:
"أُعد السلطة.."
ابتسمت فتسمر في مكانه عندما رآها بتلك الهيئة الساحرة، شعر بالخدر يسري في أطرافه وجسده بالكامل، ابتلع لعابه بتوتر وأدار وجهه مجدداً وأخذ يعبث بطبق السلطة أمامه وهو يحاول تشتيت تفكيره عن تلك الفاتنة خلفه.
اقتربت منه خطوة فابتعد خطوتين، فنظرت إليه بضيق وتهكم وقالت:
"لا تخف، لن أبتلعك."
أخذت خيارة من الطبق الموجود أمامه وهي تنظر إليه بهدوء وابتسامتها لا تزال على وجهها، فقال:
"أستغفر الله العظيم."
نظرت إليه بحنق وقالت:
"هل جئتَ لتتوب هُنا؟"
وهزت رأسها بضيق زائف وتابعت:
"هيا أخرج، أنا سأكمل تحضير كل شيء."
هرول مسرعاً للخارج وهو يقول:
"أشكرك حياتي، سأبدل ملابسي ريثما تنتهين."
وهرول للخارج متجهاً لغرفته أبدل ثيابه وأخذ هاتفه ودخل لينتظرها بالشرفة وأخذ يتصفح بهاتفه لحين مجيئها، وبينما هو يتصفح أحد مواقع التواصل أصابته الصدمة عندما قرأ الخبر الأكثر رواجاً:
"جريمة في الحي الراقي.. الضحية راقصة تُدعى سماهر، والجاني مطلوبٌ للعدالة."
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نعمة حسن
جريمة في الحي الراقي؛ الضحية راقصة تُدعى سماهر، والجاني مطلوبا للعدالة.
قرأ قاسم عنوان الخبر الذي تصدر محركات البحث وأصبح الأكثر رواجا خلال بضع ساعات فقط، وصعق عندما رأى صورة سماهر وبجوارها صورة عبدالله التي تم تفريغها من كاميرات المراقبة.
سقط الهاتف من يده بصدمة، وشعر بالبرودة تسري في أطرافه وشحب وجهه كشحوب الموتى وهو يردد بذهول:
_ لا، مستحيـل!
أتت حياة وهي تحمل صينية الطعام ووضعتها أمامه على الطاولة الصغيرة وهي تقول بابتسامة:
_ تفضل زوجي الوسيم. العشاء جاهزا.
نظرت لوجهه الشاحب وعينيه الغائمتين وأثر الصدمة بادٍ عليهما، ثم إلى هاتفه الملقى أرضا بين قدميه فانحنت والتقطت الهاتف وهي تقول:
_ قاسم، ما بك؟
نظرت إلى الهاتف وقرأت الخبر دون رد فعل وفور رؤيتها لصورة عبدالله شهقت بصدمة وقالت:
_ أليس هذا عبدالله؟ يبدو واضحا جدا، يا إلهي هل أصبح قاتلا؟
كان قاسم لا يزال على نفس الحالة، شاردا والوجوم يصيبه، بينما حياة تتحدث بجواره قائلة:
_ ومن هذه سماهر؟ ولماذا قتلها؟
ثم صمتت فجأة ونظرت إليه بصدمة أكبر وهي تقول:
_ أليست سماهر تلك من كانت معه بذاك الفيديو؟!
انتفض قاسم فجأة ونهض من مقعده مغادرا الشرفة، ودخل الحمام ثم فتح صنبور المياه ووضع رأسه تحت الماء البارد علّه يطفئ السعير الذي يأكل رأسه الآن.
نظرت حياة في أثره بتعجب وأخذت تفكر مع نفسها بصوتٍ خافت:
_ ما الذي دفع عبدالله لقتلها؟ عنبر قالت أنها وراء بيع المحل والشقة! هل يعقل أن يكون قتلها انتقاما منها؟ لا أفهم.. لاتزال هناك حلقة مفقودة.
ونظرت فجأة اتجاه الحمام حيث يوجد قاسم وارتجفت أطرافها فجأة وهي تقول:
_ أيعقل أن يكون قاسم هو تلك الحلقة المفقودة؟ لا.. لا ينبغي أن يكون.. ولكن ما سر تلك الحالة التي انتابته؟!
شعرت بالصداع يفتك برأسها وأخذت الشكوك تعصف بها وبين كل خاطر والآخر يتهشم قلبها ويصبح فتاتا.
خرج قاسم من الحمام بعدما أخذ حماما ودخل إلى غرفته مباشرةً وكأنه نسي وجودها معه، فلحقت به ودخلت فوجدته يقف أمام الخزانة شاردا وعندما رآها قال بصوتٍ جهور:
_ لمَ لم تطرقِ الباب؟
تحركت خطوتين حتى أصبحت أمامه مباشرةً وقالت بهدوء:
_ ولمَ عليّ أن أطرق الباب؟
أشاح بوجهه نحو الخزانة مرة أخرى وقال بعصبية:
_ من فضلك حياة أخرجي الآن، أود البقاء بمفردي قليلا.
نظرت إليه وإلى انفعاله الذي بدأ يكون مبررا بالنسبة لها، وسارت نحوه حتى أصبحت أمامه مباشرةً وقالت وهي تنظر إليه داخل عينيه بقوة:
_ لن أخرج، ولن تبقى بمفردك.
مسح وجهه بغضب وتأفأف بصوت مسموع وهو يأخذ ملابسه ويقول:
_ إذًا أنا سأخرج.
تجاوزها بخطوتين نحو باب الغرفة، وتيبس بمكانه فجأة عندما استمع إليها تقول:
_ هل لك علاقة بسماهر تلك بأي شكل من الأشكال؟
توقف فجأة وكأنه تجمد بأرضه ولم يقوَ على التحرك، ولم يعقب سواء بالنفي أو الموافقة؛ مما أكد ظنونها التي كانت تأمل أن تخيب حتى آخر لحظة.
اقتربت نحوه وهي تجاهد كي لا تبكي واستدارت لتقف أمامه ونظرت لعينيه المظلمتين وقالت مجددا بصوت مرتجف:
_ سألتك، هل لك علاقة بسماهر؟ هل كنت تعرفها؟ أرجوك أجبني.
أطرق برأسه أرضا كالطفل المذنب وقد خارت كل قواه فلم يعد يملك طاقة للجدال وقال:
_ نعم.
هَوَت تلك الكلمة البسيطة على مسامعها كأمر بالموت واجب التنفيذ، وشعرت بالوهن يجتاح جسدها فسارت إلى الأريكة الموضوعة بزاوية الغرفة وألقت بجسدها عليها وهي تشعر بأن كل أنملة بها تهتز من فرط الصدمة، نظرت إليه وهو يقف بمكانه لا يحرك ساكنا وقالت:
_ كيف تعرفت عليها؟ هل بعد معرفتها بعبدالله أم قبلها؟
ونظرت إليه وسالت دموعها وهي تسأله السؤال الذي تخشى إجابته:
_ هل أنت من عرفتها به؟ أنت من وضعتها بطريقه أليس كذلك؟
ابتلع لعابه بتوتر وقال:
_ بلى.
فغرت فاها بصدمة وشهقت بصدمة أكبر، أخذت دموعها تشق خديها بغزارة وهي تطالعه بذهول وهو لايزال واقفا بمنتصف الغرفة وكأنه معاقب.
كانت تهز رأسها برفض، تأبى أن تصدق برغم اعترافه بأنه هو من فعل، كان لديها أملا ضئيلا ألا يكون متورطا فيما حدث ولكن على ما يبدو أن تلك الصدمة لن تكون أول صدمة تتلقاها منه.
نظرت إليه وهي تحاول أن تظهر متماسكة أكثر ومسحت دموعها وقالت:
_ لمَ؟ لماذا؟ لماذا وضعتها بطريقه؟ ماذا كان هدفك؟ هذه المرأه خدعته وأخذت منه كل ما يملك تقريبا..
وبترت كلماتها فجأة عندما وجدت أنها تجيب نفسها على تساؤلاتها تقريبا وأن ما قالته كان هو طرف الخيط، فنظرت إليه بصدمة أشد في لحظة إدراك هي الأثقل والأصعب على الإطلاق وقالت:
_ هل كان هذا هدفك؟! أن تسلبه كل ما يملك؟ هل.. هل أنت من أخذت منه المحل والشقة؟ والسيارة؟ هل أنت من فعلت هذا؟ هذا يعني أنك كنت الحلقة المفقودة فعلا أنا لم أكن واهمة!! أنت صلب الموضوع وأساسه.. أنت من نصبت له ذلك الفخ وألقيت إليه الطُعم الذي قمت باصطياده عن طريقه وهو سماهر!! وفي النهاية سماهر هي من دفعت الثمن!!
احمر وجهه وانتفخت أوداجه بغضب وحقد من نفسه ولم يعقب بكلمه فصرخت به بجنون وهي تقول:
_ لمَ أنت صامت؟ تكلم.
نهضت من مكانها وسارت خطوات ثم توقفت أمامه وهي تتحدث بعصبية:
_ تكلم أرجوك، أرجوك قل شيئا قاسم.
نظر إليها وإلى عينيها الباكيتين اللتين تتوسلانه وقال بصوتٍ ميت:
_ صحيح، كل ما قلتيه صحيح.
اتسعت عينيها بصدمة وهي تهز رأسها بغير تصديق وتقول:
_ لا، مستحيل، أنت لا تفعل ذلك أبدا..
_ بلى، فعلت.
أغمضت عينيها وهي تبكي بأسى وتمسكت بمئزره وهي تشعر بالتعب وقالت:
_ يا إلهي، لا أصدق.. لا يمكنني أن أصدق، كيف بلغ بك الإجرام لتفكر بتلك الطريقة؟ أم أنك مجرمٌ من الأساس وأنا لم أكتشف ذلك؟ هل أنت من خططت بتلك الطريقة؟ استخدمت إنسانة بريئة كأداة لتحقيق أهدافك الشيطانية عن طريقها وفي النهاية هي من دفعت الثمن يا حقير.. هذه الإنسانة البريئة ماتت بسببك ودمها بعنقك يا مهووس يا مريض!
خرت على ركبتيها بعد أن شحت قواها تماما وبكت بانهيار وهي تردد:
_ هذه الإنسانة ماتت بسببك يا مريض! ما ذنبها أنها وثقت بمجرم مثلك؟
جثا على ركبتيه بجوارها وهو يحاول مساعدتها لتنهض وهو يقول:
_ صدقيني حياة أنا لا أعرف كيف تطورت الأمور بهذا الشكل؟ أنا طلبت منها أن تبتعد وتغادر المدينة بأكملها، وأعطيتها مبلغا لتبدأ به مشروعا جديدا وتبتعد عن الرقص، بالإضافة أنني ساعدتها في علاج أخيها المدمن، لقد صنعتُ معها معروفا صدقيني أنا لم أقصد أن أورطها بذلك الشكل، ولا أعرف كيف وصل إليها عبدالله وقتلها.
وزفر بضيق وقد اكتسح الندم خلاياه وقال بإحباط:
_ لم أتوقع حدوث ذلك أبدا.
نظرت إليه وكأنها تتعرف إليه من جديد وقالت بنبرة اتهام:
_ ساعدتها في علاج أخيها أم أنك ساومتها على علاج أخاها؟ أيهما الأصح قاسم؟!
نظر إليها مشدوها بما قالت وقال:
_ لمَ تقولين هذا؟
صرخت بوجهه بجنون وقالت:
_ لأنني أعرفك، أعرف أنك ساومت حسان على علاج ابنه وألقيت به في السجن بتهمة لم يفعلها، والضحية من؟ صبر الذي يقيم بالمشفى منذ شهر تقريبا بمفرده كاليتيم. حتى أنك انقطعت عن زيارته منذ فترة.
أطرق برأسه أرضا معترفا بذنبه فقالت:
_ وأثق بأنك ساومت سماهر كذلك على علاج أخيها كي تستطيع الانتقام من عبدالله على مكثٍ وتتلذذ بعقابه وتستشفِ به كما يحلو لك، والضحية من؟ سماهر.
أغمض عينيه متألما وقال بإرهاق:
_ كفى حياة..
قاطعته صارخة بانفعال:
_ لا، لا يكفي أبدا.. أنت خدعت الكل، جعلتنا كلنا دمى بين يديك، خيوطًا تحركها كما تشاء ومتى تشاء، المهم أن تصل لهدفك وتحقق انتقامك.. لا يهم أن تضحي ببعض الدمى أو تلقي بهم في الجحيم حتى، المهم أن تصل إلى هدفك وتحقق انتقامك.. لو دُست فوقنا واحدا تلو الآخر لا يهم ، المهم أن تصل إلى هدفك وتحقق انتقامك.
ونهضت مبتعدة عنه ورمقته بغضب وهي تقول:
_ اللعنة عليك وعلى انتقامك هذا الذي أباح لك كل الطرق القذرة وجعلك ترى الضلال حقيقةً والخطأ صوابًا.
وتركته وخرجت من الغرفة واتجهت إلى الغرفة الثانية وأوصدت الباب خلفها، بينما بقى هو جاثيا كما كان وكلامها يحفر بقلبه شرخًا عميقًا.
كانت صفية تجوب الشقة ذهابا وإيابا وهي تقول:
_ الساعة قاربت على منتصف الليل، لا يعقل أنها تتمشى حتى الآن!
نظر إليها صالح بغضب كبير وقال:
_ اخرسي صفية، أقسم بالله إن أصابها مكروها سأخنقك بيدي هاتين، أساسا كل المصائب التي تحدث لها أنتِ السبب فيها بشكل أساسي.. لو أنكِ أخبرتيني أنها خرجت لتتمشى كنت سأخرج معها، لم أكن لأتركها بمفردها أبدا، ولكنكِ تصرفتِ بعقلك الغبي هذا وأخفيتِ علي الحقيقة، وليس هذا فقط.. كذبتِ عليّ وأخبرتِني أنها ذهبت لتزور صديقتها المريضة.. أي عقلٍ تملكين يا امرأة؟!
وضعت صفية رأسها بين كفيها بحزن وحسرة وأخذت تبكي وهي تدعو الله أن تعود عنبر سالمة وألا تُقدم على فعل شيئٍ مجنونا تؤذي به نفسها.
كان صالح يحاول الاتصال بعنبر التي لا تجيب ثم وضع الهاتف بجواره بيأس وهو يقول:
_ لا تجيب، ماذا سنفعل الآن؟ حسبي الله ونعم الوكيل. ماذا سأفعل الآن وأين سأبحث عنها؟ أم أنني سأجلس مكتوف الأيدي هكذا لحين عودتها؟
ونهض من مكانه وهو يقول بغضب هادر:
_ أخبريني صفية ماذا أفعل؟ هل أقتلك وأستريح من غبائك؟ لماذا تتصرفين في كل مرة كأنها ابنتك بمفردك؟ تتصرفين في كل ما يخصها دون الرجوع إلي وفي كل مرة تلقين بها إلى الهلاك؟ كيف تصرفتِ بهذا الغباء؟ كيف تتركينها تخرج بمفردها وأنتِ تعلمين أنها ضعيفة ومذبذبة ومشتتة، وتعلمين أن هذا اليوم لن يمر عليها مرور الكرام؟ لماذا أخفيتِ عني الحقيقة تكلمي.
تكلمت ببكاء وقالت:
_ صدقني أنا لم أود الضغط عليها، ظننت أنها ستخرج لترفه عن نفسها قليلا وتعود، وخشيت إن علمت برغبتها تلك أن ترفض وتصر على بقاءها بالبيت.
مسح وجهه بغضب مستغفرا وقال بعجز وقلة حيلة:
_ والعمل؟ ماذا سنفعل الآن؟
_ اتصل بحياة.
نظر إليها متعجبا وقال:
_ هل أتصل بحياة بيوم مثل هذا وأسألها عن أختها المفقودة؟
_ أرجوك أطعني، اتصل بحياة فمن الممكن أن تكون عنبر قد ذهبت إليها أو هاتفتها.
_ وما الذي سيجعل عنبر تذهب إليها في مثل ذلك اليوم؟ إذا كانت قد فرت من البيت كي لا تحضر عقد قرانها فهل ستذهب إليها بقدميها في بيت زوجيتها؟ أساسا عنبر لا تعرف عنوانها.
صرخت به بحرقة ولهفة وهي تقول:
_ ماذا ستخسر إن هاتفتها؟ على كل حال ستعرف بغياب أختها .. من الممكن أن يساعدنا قاسم في البحث عنها.
تمتم مستغفرا وأمسك هاتفه بقلة حيلة وقام بالاتصال بحياة.
كانت حياة ترقد فوق الفراش وهي تحتضن الوسادة وتبكي بقهر وقد تبخرت كل أحلامها وآمالها.
فجأة استمعت لرنين هاتفها بالخارج فخرجت من الغرفة لتقع عينيها على قاسم الذي يجلس بالشرفة.
التقطت هاتفها بتعجب عندما رأت أن والدها من يهاتفها ولكنها أرجأت الأمر بأنه يريد أن يطمئن عليها فأجابت وهي تحاول رسم البسمة على وجهها وقالت:
_ مرحبا أبي.
_ مرحبا حياة كيف حالك؟
_ بخير، ما به صوتك؟ هل أنت متعب؟
تنهد ببؤس ففطنت لحجم الألم الذي يعتري صوته فقالت بقلق:
_ ما بك أبي؟ هل أنت بخير؟ أمي وعنبر بخير؟
أجابها بصوتٍ مرتعش:
_ عنبر مختفية منذ الصباح.
_ ألم تعد بعد؟ لقد ذهبت لتتمشى و..
قاطعها قائلا بعصبية:
_ اللعنة على غبائكم جميعا، هل كنتِ تعرفين أنها خرجت لتتمشى؟ ألم يخطر ببالك أبدا أنها من الممكن أن تتصرف بحماقة كما تفعل دوما أو أن تقدم على إيذاء نفسها؟ لا طبعا.. كنتِ مشغولة بنفسك فقط! وأنا كالأبله اعتقدت أنها تزور صديقتها فعلا.
اضطربت دقاتها بخوف ووجل وقالت:
_ لا تقلق أبي، ستعود أكيد.. سأتصل بها..
قاطعها قائلا بنفاذ صبر:
_ لا تحاولي عبثا، لا تجيب.. على كل حال سأخبرك بما سيحدث معنا.
وأنهى الاتصال دون أن ينتظر ردها فنظرت إلى قاسم الذي يتطلع نحوها بترقب وقالت بنبرة اتهام:
_ عنبر مختفية، ترى أين ذهبت؟
قطب جبينه متعجبا وقال بضيق:
_ وما أدراني أنا؟ هل كنت مكلفا بمراقبتها وأنا لا أعلم؟
ابتسمت بتهكم وقالت:
_ لا لست مكلفا بمراقبتها، ولكنني أصبحت أشعر أن إجابة أي سؤال موجودة عندك، ومن يدري ربما تكون عنبر إحدى الدمى التي تستخدمها للوصول لأهدافك.. في النهاية كل شيء متوقع.
وتركته ودخلت إلى غرفتها مجددا بينما جلس هو بمفرده وهو يشعر بالندم ينهش قلبه ويلتهم ثناياه.
كانت عنبر تقف بمنتصف الغرفة ، ترتدي قميصا حريريا باللون الأحمر أحضرته برفقتها، وتضع الطعام الذي أحضرته على الطاولة الصغيرة بالزاوية، ثم نظرت إلى عقارب الساعة المعلقة أمامها والتي أعلنت دقاتها عن انتصاف الليل.
شعرت عنبر بأن دقات قلبها تكاد تكون أعلى من دقات الساعة ونظرت إلى المرآة أمامها وهي تحاول تهدئة روعها وطمأنة ذاتها أن ما فعلته هو الصواب.
طُرِق الباب فأجفلت وشعرت كأن روحها تغادر جسدها، اتجهت نحو الباب وفتحتهُ لتتفاجأ بعبدالله وقد تغير شكله تماما وهزل جسده بشكل ملحوظ، دخل وأغلق الباب مسرعا ونزع نظارته وطاقيته اللتان يخفي بهما وجهه ونظر إلى عنبر بعينين متوهجتين وقال:
_ يا إلهي، لم أتوقع أن تنتظريني بتلك الهيئة أبدا. كنت متأكدًا أنكِ ستأتين خوفا من الفضيحة ولكني لم أكن أعلم أن لمجيئك سببا آخرا. وهو أنكِ اشتقتِ إليّ.
رسمت ابتسامة هزيلة على ثغرها وقالت:
_ وكيف لا أشتاقك وأنت متغيب منذ فترة.
نظر إلى الطاولة والطعام فوقها واقترب وهو يمسك معدته الخاوية ويقول:
_ يا إلهي، أنا فعلا كدت أموت من فرط الجوع، أشكرك زوجتي العزيزة ، لم أكن أعلم أنكِ حنونة بذلك القدر.
بدأ يأكل بنهم فجلست أمامه تراقبه وهي تسند خدها على قبضتها فقال:
_ هل أحضرتِ النقود؟
_ أجل.
_ أين هي؟
فتحت حقيبتها وأعطته المبلغ الذي أخذتهُ من والدها وقالت:
_ لمَ تحتاج لمبلغ كهذا؟ ماذا ستفعل به؟
_ سأذهب إلى اليونان.
قطبت حاجبيها وقالت بتعجب:
_ من المفترض أن الشرطة تبحث عنك لأنك حرضت خالد على خطف حياة.. كيف ستسافر؟
أجابها وهو يتناول الطعام بشراهة:
_ بحرا، هجرة غير شرعية.
مطت شفتيها بتعجب ثم قالت:
_ أود أن أسألك سؤالا أتمنى أن أجد له جوابًا غير الذي أعرفه، لماذا أردت أن تتكرر مأساتي مع حياة؟ هل لتلك الدرجة تكره قاسم وتحقد عليه وتريد أن تنال من كل شيء يخصه؟!
نظر إليها غاضبا وقال بتحذير:
_ هل ينقصنا الحديث عن قاسم الآن؟ لدي هموما تكفيني.
بدأ يشعر بألم يهاجمه ولكنه كان يتجاهله فنظرت إليه بانتباه وقالت:
_ لماذا بعت المحل والشقة؟ وما علاقة سماهر ببيعهما؟ على الأقل أخبرني فيما أنت متورطًا معها؟
كاد الطعام يتوقف بحلقه فسعل بقوة ومد يده ممسكا بكأس الماء وتجرعهُ كاملا، ثم مد يده ومسح جبينه المتعرق وتوقف عن الأكل فنظرت إليه قائلة:
_ لماذا خُنتني معها؟ بعد كل تلك الويلات التي عانيتها معك تكون هذه مكافأتي؟ أن تخونني مع امرأة أخرى؟
أمسك بطنه بتعب ونظر إليها وقال بألم مكتوم:
_ لم أخُنكِ، لم يحدث بيننا شيئا، لقد سرقت مالي وهربت، هي من خانتني وتستحق ما حدث لها.
مسحت دموعها التي نزلت من عينيها غدرا وقالت:
_ بلى، لقد خنتني مرات كثيرة عبدالله وفي كل مرة كنت أتجرع خيانتك وكأن شيئا لم يكن، تذوقت معك كل أنواع الخيانة الموجودة بالحياة، هذا ما جعلني أستجمع عصارة خبرتي كما يقولون وأخترع للخيانة مذاقا آخرا ، مذاقا ستجربه للمرة الأولى.
نظر إليها بتعجب وقال:
_ ماذا تقولين؟ أنا لا أفهم شيئا.
_ وإن كنت لا تفهم ولكنك بالتأكيد تستطيع التذوق! تستطيع تذوق طعم الخيانة بطبقك عزيزي.
نظر إلى الطبق الموضوع أمامه ونظر إليها بصدمة وقد أدرك مقصدها وأمسك بطنه بألم شديد وقال وهو يزدرد لعابه:
_ ماذا تقصدين؟ ماذا فعلتِ؟
نظرت إليه بعينين دامعتين وثغرٍ باسم وقالت:
_ وضعت السم بطبقك كما وضعته بقلبي قبل عشر سنوات، طوال عشر سنوات كاملة تفننت في تعذيبي وإهانتي، كنت تتلذذ ببكائي وصراخي وكأنني أنا المذنبة وليس أنت! وكأنني أنا المخطئة بحقك وليس أنت. أنا نلت منك ظلمًا ما يكفيني، واليوم قررت أن أرد لك جزءا يسيرا من ذلك الظلم.
تشنجت عضلات بطنه وشعر بالنار تلتهم أحشائه فانحنى بجذعه إلى ركبتيه أكثر وهو يتألم ويقول:
_ لا، أنتِ أجبن من ذلك. عنبر التي أعرفها أضعف من ذلك.
ضحكت ضحكة قصيرة متهكمة وقالت:
_ كنت كذلك، ولكن كثرة الظلم تميت القلب.. وعندما يموت القلب يصبح الجسد آلة، مجرد آلة يمكنك التصرف بها كما تشاء.
صرخ متألما بقوة ونهض من مقعده وهو يسير نحو الحمام منحنيًا ولكنه سقط أرضا فجأة وأخذ يتلوى كالأفعى فوق كثيب رمال ملتهب وهو يقول:
_ لماذا فعلتِ هذا؟ كنت أستعد للهرب وكنتِ سترتاحين مني على كل حال.
نهضت تطالعه من علوٍ وهو يتألم أمامها بشماتة وقالت:
_ لقد أرحت البشرية كلها من شرك، لأنك أينما ذهبت تركت خلفك ضحايا.
ونظرت إليه بأعين باكية وقالت:
_ لم أود أن تكون تلك نهايتك أبدا، لم أتمنى يوما أن أفعل ما فعلت ولكنك لم تترك لي خيارا آخرا، لقد طفح الكيل عبدالله ، تهديدك وابتزازك لي كان القطرة التي أفاضت الكأس.
وجثت بجواره وانفجرت في بكاءٍ مرير وهي تقول:
_ أرجوك سامحني.
نظر إليها والدموع تغرق عينيه وقد استكان قليلا وفرد ذراعيه بجواره وقال:
_ لا تبكِ زوجتي العزيزة، لا تجعلي ضميرك يؤلمك، أنا لا أستحق تلك الشفقة في عينيك، أنا لم أحب أحدا بحياتي، لم أحبك أيضا..
وابتلع لعابه بألم وجهد كبيرين وقال وهو يشخص ببصره في سقف الغرفة:
_ عبدالله لم يحب سوى عبدالله!
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثلاثون 30 - بقلم نعمة حسن
دخل صالح إلى غرفته مجددا، صلى ركعتين ودعا الله أن يرد ابنته سالمةً. ثم فتح الخزانة ليخرج ملابسه كي يلبسها ويخرج في محاولة مسكينة منه للبحث عن ابنته.
لكن شيئا ما جعله يتوقف أمام خزنته ويفتحها وكأن هاتفا هتف إليه بفعل ذلك. ليقف مصدوما عندما رأى آخر مبلغ كان قد وضعه بها قد انتشل من مكانه ولم يبق له أثر. فهتف عاليا:
_ صفية!!
هرولت صفية إليه وهي تقول بلهفة:
_ نعم صالح؟ هل أجابت اتصالك؟
نظر إليها وإلى الخزنة ثم قال:
_ عنبر أخذت من الخزنة عشرة آلاف جنيها!
نظرت إليه بصدمة وقالت:
_ ماذا؟ وما أدراك أن عنبر هي من أخذتهم؟
نظر إليها بنفاذ صبر ثم قال:
_ إذًا أنتِ من أخذتِهم.
هزت رأسها بنفي وقالت:
_ لا، أنا لم أفعل ذلك أقسم لك.
_ إذًا من سيأخذهم؟ أكيد ليست حياة، وأنتِ لم تفعلي، وأنا لم آخذهم، وعنبر مختفية ولا نعلم أين هي! برأيك من أخذهم؟
أطرقت برأسها أرضا تفكر بحيرة وقد زادت مخاوفها وهواجسها أكثر فقالت:
_ ولمَ ستأخذ مبلغا كبيرا كهذا؟ إن كانت تحتاج للمال لمَ لم تخبرني أو تطلب منك؟ ما الذي يضطرها لسرقتك؟!
تهاوى على مقعده بتعب وصدمة وقال بضياع:
_ عنبر لم تخرج لتتمشى، عنبر هربت!
صرخت بفزع وضربت بيدها على صدرها وهي تقول:
_ ماذا؟ هربت؟ ماذا يعني هربت؟ ولمَ ستهرب؟ ما الذي تقوله يا صالح؟
_ ما أقوله هو ما حدث يا صفية، ابنتك هربت والله وحده يعلم أين هي الآن وماذا فعلت بنفسها؟
قاطعه رنين هاتفه برقم حياة فوضع رأسه على يده بتعب وهو يقول:
_ حياة تتصل، ماذا سأخبرها أنا؟ هل سأقول لها أن أختك هربت؟ يا إلهي ماذا يحدث معنا؟! ماذا فعلتِ بنا يا عنبر؟
***
كانت عنبر تجلس بجوار جثة عبدالله الممددة على الأرض، تسند رأسها على الجدار بجوارها وهي تبكي وتقول:
_ كان بإمكاننا أن نصبح زوجين سعيدين! لو أنك حاولت إصلاح خطأك وساعدتني كي أتقبلك، كنت من الممكن أن أنسى أنك اغتصبتني وقتلت كل معاني الحياة بعيني، كنت سأنسى وكان من الممكن أن أحبك، ولكنك كنت تجدد حكم الإعدام علي يوميا، لم تترك طريقة بشعة إلا وعاملتني بها. لقد تحملتك كثيرا عبدالله، تحملت إهانتك وعذابك وساديتك، تحملت الظلم والقهر والذل، بالرغم من أنني كنت أستحق معاملة أفضل، ولكنك استكثرت الكلمة الطيبة حتى، حتى كلمة حبيبتي أو زوجتي العزيزة التي كنت تناديني بها دوما لم تنطقها إلا ساخرا مستهزئا وكأنك تتعمد الحط من قدري والانتقاص من شأني. أنت من جعلتني مجرمة بفضلك، عاشرتك عشر سنوات كاملة وتعلمت منك فنون الإجرام شتى. أنت تستحق أن تموت بتلك الطريقة، وبالرغم من أنني أشعر بالشفقة عليك وأنت ترقد بجواري عاجزا مستسلما بهذا الشكل ولكن لو عاد بي الزمن سأفعل نفس ما فعلت وأجعلك تتمزق إربا أمامي من شدة الألم! أكرهك عبدالله.. أكرهك وأكره نفسي التي أصبحت عليها.
استمعت أخيرا لصوت رنين هاتفها الذي لم يتوقف فالتقطته بيدٍ وبالأخرى مسحت دموعها الغزيرة ثم ابتسمت وانفجرت بالضحك فجأة وهي تقول:
_ حياة! البلهاء تترك زوجها في ليلة كتلك وتهتم بأختها المسكينة المثيرة للشفقة.
استقبلت المكالمة بعد أن جففت دموعها بالكامل وقالت بابتسامة:
_ مرحبا بالعروس، لماذا تتصلين بهذا الوقت يا فتاة؟ ألستِ برفقة زوجك؟
هتفت حياة بلهفة وهي تقول:
_ عنبر، أين أنتِ؟ والدي على وشك أن يصاب بالجنون وأمي منهارة، أين أنتِ بربك؟
تنحنحت تجلي حلقها وتحدثت ببساطة وكأنها بأحسن حالاتها وقالت:
_ لماذا هي على وشك الانهيار؟ هل لأنني اختفيت بضعة ساعات؟ أساسا أنا مختفية منذ سنوات ولم يلاحظ أحد غيابي، هل اليوم فقط اكتشفوا أنني مختفية.
_ عنبر هذا ليس وقت التلاعب بالكلمات أرجوكي الجميع بالكاد يتمالك أعصابه، أين أنتِ.
_ اطمئني أنا لست بالمدينة من الأساس.
_ ماذا يعني لستِ بالمدينة؟ هل هذه أحجية؟ عنبر أخبريني حالا أين أنتِ أين ذهبتِ؟
_ لا تقلقي عزيزتي حياة، لقد ذهبت إلى مصيري المحتم.
كانت حياة قد خرجت من الغرفة وهي تتحدث إلى أختها بلا وعي وتقف الآن بمنتصف الصالة بالتحديد أمام قاسم الذي لا يزال جالسا بالشرفة ويستمع إليها بهدوء.
_ عنبر، أرجوكِ حبيبتي أخبريني أين أنتِ؛ أقسم لكِ إن كنتِ لا تريدين إخبار والداي فلن أخبرهم ولكن لأطمئن عليكِ فقط.
بدا صوتها مهزوزا وهي تقول:
_ لا، والداي سيعرفان بمكاني على كل حال، الجميع سيعرف.
_ ماذا تقصدين؟ علامَ تنوين؟ إياكِ أن تؤذي نفسك أرجوكي نحن بحاجتك، كريم أيضا بحاجتك.. ابنك يحتاجك عنبر لا تنسي هذا.
عند ذكر اسم ابنها انفجرت في البكاء بقهر وأخذت تشهق وتبكي بقسوة مما جعل حياة تبكي بدورها وهي تقول:
_ أرجوكي أخبريني أين أنتِ؟ أرجوكي.. هل أنتِ مع عبدالله؟ حتى لو كنتِ قد ذهبتِ إليه صدقيني لن أغضب منك.
تحول بكاؤها إلى شهقات تدمي القلب وتوخز الروح وقالت بصوتٍ مرتعش:
_ حياة، أنا قتلت عبدالله.
***
توقف بها الزمن، توقف كل شيء حولها وصمتت كل الأصوات، بهتت كل الألوان وانمحت كل المعالم، توقف قلبها عن النبض تقريبا ودارت بها الأرض، وفجأة سقط الهاتف من يدها بعدما استمعت لما أخبرتها به أختها.
نهض قاسم من مكانه فجأة راكضا نحوها بهلع وهو يقول:
_ حياة، ماذا بكِ؟ حياة..
لم تجب وظلت على نفس حالتها، فالتقط الهاتف عن الأرض وتحدث إلى عنبر عندما استمع لصوت بكائها وقال:
_ عنبر، أين أنتِ؟ ماذا حدث معكِ؟
توقفت عنبر عن البكاء عندما سمعت صوته وصمتت تماما وكأنها لم تتوقع أن تسمع صوته في تلك اللحظة، ثم تحدثت إليه بصوتٍ متردد مهتز وقالت:
_ قاسم؟!
_ ماذا حدث؟ بماذا أخبرتي حياة حتى تصاب بتلك الصدمة؟
أجهشت عنبر بالبكاء بهستيرية وهي تقول بأحرف متقطعة:
_ قاسم، لقد أخذت لك ثأرك أخيرا ممن ظلمك، أنا وعبدالله ظلمناك ظلما بيّنا وآن الأوان كي ترد المظالم.
حدثها بنفاذ صبر وهو يجز أسنانه بضيق:
_ ماذا فعلتِ عنبر؟ أي حماقة ارتكبتِ؟ تكلمي مباشرةً.
_ قاسم، أنا قتلت عبدالله، وضعتُ له السم بالطعام وانتهى.
فغر فاهه حتى أحس بالهواء يكاد يلتصق بحلقه فوضع يده فوق فمه مع شهقة خفيفة، وهو يحاول استيعاب الأمر وقال:
_ ماذا فعلتِ؟ ماذا تقولين؟ أنتِ تمزحين أليس كذلك؟
_ لا، أنا لا أمزح، لا أمزح لقد قتلته فعلا، قاسم.. أود أن أقولها لك للمرة الأخيرة ولا أعلم إن كان هذا الوقت مناسبا أم لا، أحببتك كثيرا قاسم.
طعنتهُ كلماتها بمقتلٍ وأدمت روحه أكثر، شعر بالعجز والخوف والشفقة، خليطًا من المشاعر ضرب قلبه كعاصفة هوجاء اقتلعت قلبه من جذوره؛ فأخذ يضرب جبهته بكفه عدة مرات بغضب وهو يقول:
_ تبا لغبائك عنبر، ماذا فعلتِ يا غبية؟ لماذا ورطتِ نفسك من أجل إنسان قذر كهذا، يا غبية إنه كان ميتا لا محالة لماذا فعلتِ هذا بنفسك؟ أخبريني حالا أين أنتِ؟
أخبرتهُ بمكانها وسط حالة من الانهيار التام وأنهت المكالمة فورا فترك الهاتف من يده ووقف متخصرا بيديه بقلة حيلة ثم اقترب من حياة التي لا تزال بموضعها وأمسك بذراعيها وأوقفها وهو ينظر إليها قائلا بحزم:
_ حياة، هيا استيقظي، هذا ليس الوقت المناسب لتلك الحالة أبدا، لا بد أن نتحرك، ينبغي أن نفعل شيئا.
رآها تنظر إليه بشرود فهزها كالخرقة البالية بين يديه دون أدنى رد فعل وهو يقول:
_ حياة، هل تسمعيني؟ يجب أن نخبر والدك..
صفعتهُ فجأة!!
صفعة قوية خرجت من أعمق أعماقها وهوت فوق وجنته فصدمته وجعلته يحدق بها تحديق الأبله!
_ كفى!
قالتها وهي تصرخ وتابعت:
_ كفى انتقاما أرجـوك، كفاك عبثا بحياتنا، كفـى!!!
نظر إليها مصدوما ومد يده ليتحسس وجنته على إثر صفعتها وقد خيل له أنها صفعته، ولكن لا.. في الحقيقة هي صفعته فعلا.
_ ماذا فعلتِ؟ ما الذي فعلتِه هذا؟
هدر بها بغضب وأمسك برسغيها وهو يهزها بقوة وعنف ويقول:
_ هل جننتِ؟ كيف تتجرأين عليّ بتلك الوقاحة، ماذا تظنين نفسك؟
_ لا شيء، لا أظن نفسي شيئا قاسم، نحن جميعا لا شيء، نحن بنظرك لا شيء، هل رأيت نهاية انتقامك العظيم؟ عبدالله مات! وأختي من قتلته؛ بسببك.. لأنه خانها فقتلته .. وأنت من أبليته بتلك البلوة أساسا أي أنك السبب، هل رأيت ماذا حدث لنا أم أنك لا زلت معميًا بانتقامك؟ أرجوك كفى.
طالعها بغضب ولم يعقب، كان لا يزال ممسكا برسغيها فدفعها لتسقط على الأريكة من خلفها واتجه صوب غرفته وهو يقول:
_ بدلي ملابسك حالا، سنذهب لوالدك.
***
بعد قليل، ترجل قاسم من السيارة ولحقت به حياة، دخلا إلى البيت فتقابلا بصالح الذي كان ينزل الدرج متجها للخارج وتفاجأ بوجودهما فقال:
_ حياة! لماذا جئتِ؟ أنا سأذهب للبحث عنها، سأبحث عنها بكل مكان حتى أجدها لا تقلقي.
نظرت حياة إلى والدها بشفقة ثم إلى قاسم الذي تحدث قائلا بتردد:
_ أنا أعرف مكانها عمي.
نظر إليه صالح متلهفا وقال:
_ حقا؟ هل تحدثتما إليها؟
أومأ قاسم موافقا وهو يتحاشى النظر إليه وقال:
_ أجل.
نظر إليه عمه بشك وقال بريبة:
_ إذًا لماذا ننتظر؟ لماذا أشعر أنكم تخفون علي شيئا؟ تحدث قاسم هل حدث لابنتي شيئا؟ هل آذت نفسها؟
نظر قاسم إليه بخوف وقال:
_ عمي، أرجوك حاول أن تبقى متماسكا، عنبر تقول أنها دست السم لعبدالله بالطعام ومات.
صرخ بقوة:
_ لاااا.. لا يمكن. مستحيــل!!!
احتضنته حياة وهي تحاول أن تهدئ من روعه وقالت:
_ أبي أرجوك اهدأ.
_ ماذا فعلتِ عنبر ماذا فعلتِ!!
أمسك قاسم بيده وهو يقول بأسف:
_ عمي أرجوك تماسك، يجب أن نكون بجوارها الآن، يجب أن نتحرك حالا.
أومأ صالح ونزل ما تبقى من درجات السلم ودموعه تتساقط حتى وصل إلى السيارة فركب وركب قاسم وبالمقعد الخلفي ركبت حياة وانطلق قاسم متحركا.
***
بعد مرور ثلاث ساعات كاملة قضاهم قاسم وهو يقود السيارة بصمت وكل ما يفعله أنه يستمع لنحيب حياة وبكاء عمه إلى أن وصل أخيرا للعنوان الذي وصفته له عنبر.
صف قاسم سيارته ونزلوا ثلاثتهم يركضون باتجاه الفندق ولكنهم تسمروا بمكانهم بصدمة عندما رأوا سيارة الشرطة موجودة أمام مدخل الفندق وبجوارها سيارة المتهمين وسيارة الإسعاف ، وعددًا من العساكر ورجال الشرطة يقفون بمدخل الفندق، وبعد لحظات ظهرت عنبر وقد ألقي القبض عليها فكانت تتوسط اثنين من العساكر ويديها مكبلةً بالأصفاد.
_ استرجاع زمني قصير _
كان حسين يجلس وبيده هاتفه يتصفح به فإذا به يجد خبر مقتل سماهر وصورة عبدالله أسفل الخبر. فزع ونهض من مكانه وهو يجوب الغرفة ذهابا وإيابا ويقول:
_ غير ممكن، عبدالله قاتل!! يا إلهي كيف حدث هذا؟ أليست سماهر تلك من كان يتحدث إليها في الفيديو؟! لماذا قتلها؟ يا إلهي! وأنا كالغبي كنت سأساعده وأعطيه المال، بالتأكيد كان يخطط للهرب!
وعاد ليجلس بمقعده مرة أخرى وهو يفكر بشرود ويتحدث إلى نفسه قائلا بتيه:
_ وماذا إن تم التوصل إلى مكالماته واتهموني حينها بالتستر عليه أو تم توريطي بأي شكل، في النهاية هذا القاتل لا يأمن مكره، علي أن أخبر الشرطة بما أعرفه وأخلي مسئوليتي تماما، لا ينقصني أن أجد نفسي فجأةً متورطا مع مجرم كهذا.
حسم قراره وخرج من بيته متجها لمركز الشرطة على الفور وأخبرهم باتصال عبدالله وكيف أنه طلب منه أن يشتري المحل لأنه يحتاج للمال بصفة ضرورية وأعطاهم الرقم الذي تحدث إليه منه فقام الضابط بتكليف فريق البحث بتتبع مكان الرقم وبالفعل تم الوصول للنقطة المتواجدة بها الشريحة وتحركوا على الفور للقبض عليه.
ولكن كانت المفاجأة الصادمة لرجال الشرطة أنفسهم هي أن يصلوا ليجدوه مقتولا والجانية تجلس بجواره تبكي على الأطلال.
فقاموا بإلقاء القبض عليها واستدعاء سيارة الإسعاف لنقل الجثة إلى المشرحة لمعرفة سبب الوفاة.
_ عودة للوقت الحاضر _
_ عنبر.
هتف بها والدها بحرقة فانتبهت لمصدر الصوت ونظرت إليه بلوعة وقالت:
_ أبي، سامحني أرجوك.
ركض والدها نحوها بعزمٍ ضعيف ووقف أمامها وأحاط وجهها بكفيه وهو يقول:
_ لماذا فعلتِ ذلك بنفسك؟ لم يستحق يوما أن تضيعي نفسك لأجله.
نظرت إليه وهي تبكي وقالت:
_ لقد أبليتُ حسنا أبي، هذا الشيطان وصل لأفظع درجة من الخسة والدناءة، لقد استحق ما فعلته به.
ونظرت إلى حياة التي تقف على بعد خطوات متيبسة بمكانها وقالت:
_ حياة، كريم بأمانتك.
اصطحبها العسكري لسيارة المتهمين وعيناها معلقةً لآخر لحظة بقاسم الذي كان يرمقها بندم وأسف، ثم التفت لرجال الإسعاف الذين خرجوا وهم يحملون جثة عبدالله وأدخلوها إلى سيارة الإسعاف وتحركوا بها نحو المشرحة.
ظل صالح ينظر في أثر ابنته التي تبخرت فجأة من أمامه وكأنها لم تكن وفجأة شعر بالخدر يسري في جانب جسده الأيسر فمد يده ممسكا كتفه الأيسر بألم شديد وفجأة سقط أرضا فاقدا وعيه.
***
تجلس فتون بشرفة شقتها وهي تمسك بيدها قدحا من القهوة ترتشفه على مهلٍ، وعلى ثغرها ابتسامة لم تفارقها منذ ذلك اليوم الذي أبلغتها سارة برسالة والدها إليها " أخبريها أنني حتى وإن صرتُ كهلا، سأعود طفلا عند رؤيتها "
تألقت ابتسامتها أكثر ولمعت عيناها بحنين وتمتمت:
_ حتى وإن عدت طفلا من يعيد لي شبابي الذي أفنيتهُ يا حبيبي.
انتبهت لصوت سارة التي جلست بجوارها وقالت:
_ هل كنتِ تحدثين نفسك؟
نظرت إليها أمها وقالت بابتسامة:
_ أجل، في بعض الأحيان نحتاج للحديث مع النفس عندما لا يسعنا الصمت.
تنهدت سارة ونظرت أمامها بشرود ثم قالت:
_ أنتِ محقة، على ما يبدو أن كلانا نحتاج للحديث.
_ ماذا بكِ؟ هل هناك شيئا حدث معكِ؟
ابتسمت سارة ابتسامة متكلفة وقالت:
_ هل تهتمين حقا؟ أم أنكِ تحاولين إثبات أنكِ تَسعين لإصلاح ذلك الشرخ بعلاقتنا.
تنهدت فتون بتوتر وقالت:
_ بالرغم من أن نبرتك تشعرني بالاستياء ولكنني سأجيبك، اسمعيني سارة أنا فعلا أحاول، قد أنجح وقد أخفق ولكنني أحاول جاهدة لرأب ذلك الصدع بيننا، اعتبري أنني لا زلت أتعلم الأمومة كأم مبتدئة، أنا فعلا أشعر أنني أمًا مبتدئة لذلك أرجوكي لا تحبطيني بكلامك هذا.
أومأت سارة بعد أن أطلقت تنهيدة حارة وقالت:
_ حسنا، أعتذر لم أقصد إحباطك، على كل حال أنا أشعر بالتوتر هذه الفترة ربما بسبب الامتحانات. لذلك رجاءً لا تنزعجي من حديثي التافه.
ابتسمت فتون بلطف وقالت:
_ لا تبتئسي طفلتي. كل شيء سيمضي. أشعر أنكِ ستتفوقين على نفسك هذه السنه بالتحديد.
أومأت سارة موافقةً وقالت:
_ أتمنى ذلك، ربما يكون هذا التفوق بسبب تحسن علاقتي بأبي، من يدري!
أومأت والدتها بتأكيد وقالت:
_ أكيد، ومن المؤكد أن تفوقك هذا سيسعده جدا.
_ ورؤيتك ستسعده أيضا.
تفاجأت فتون من ردها ونظرت إليها بصمت ثم قالت:
_ رؤيتي؟
_ أجل، إلى متى ستتجاهلينه؟ أنتِ تعرفين أنه نادم، أبي لن يخرج بعد سنه أو اثنتين، أبي لازال ينتظره سبع سنوات كاملة، هل ستظلين على موقفك حتى تمر تلك السنوات كلها؟ ومن يدري أنه سيخرج أساسا؟ من يضمن أنه لن يموت قبل أن يخرج؟
اغرورقت عيناها بالدموع بحزن وصمتت بينما كانت والدتها تفكر في ما قالته بتأثر وقد لمست كلماتها شغاف قلبها فعلا.
_ أمي، أنتِ تحاولين رأب ذلك الصدع كما تقولين، وأنا أيضا أحاول، وأبي يحاول بكل جهده، هل تستكثرين عليه أن يعيش سعيدا في ظروفه تلك؟ ألا ترينه إجحافا أن تظلي كل تلك السنوات على نفس جفائك وتهمشينه كأنه وحده المذنب؟ أنتِ أيضا أخطأتِ ومع ذلك علاقتنا قيد التعديل، أرجوكِ، علاقتك بأبي تستحق أن تبذلي قصارى جهدك.
ثم نهضت وقالت:
_ من فضلك حاولي.
وتركتها ودخلت إلى غرفتها فتنهدت تنهيدة حارة وتطلعت إلى البحر أمامها وهي تقول:
_ قبل أن أصلح علاقتي معه يجب أن أصلح ما فسد بذاتي أولا.
أمسكت بهاتفها وقامت بالاتصال بصديقتها الجديدة فريال التي أجابت على وجه السرعة وقالت:
_ مرحبا تونه، هل ستأتين لنسهر سويا؟
_ لا، مرة أخرى فريال، هاتفتك لأنني أردت أن أسألك عن شيئ ٍ ما، الدكتور ممدوح.
_ ما به؟
_ أود زيارته بعيادته، تقولين أنكِ تشعرين بالارتياح منذ أن تحدثتِ إليه وأنا أشعر أنني بحاجة للحديث.
صمتت فريال للحظات ثم همهمت وقالت:
_ همممم، صراحةً لا أنصحك بزيارته، هذا الدكتور فاشل فاشل فاشل.
تعجبت فتون كلامها وقالت:
_ حقا؟ ولكن هذا لم يكن رأيك بالأمس؟
_ أعلم، ولكني مدحته من باب حسن الجيرة فقط لا غير، ولكن في الحقيقة أنه طبيب فاشل، ابحثي عن طبيبٍ غيره.
مطت شفتيها بتعجب وقالت:
_ حسنا، ليكن ذلك.
_ حسنا حبيبتي تونه، يمكنكِ التحدث إلي أيضا إن أردتِ، أنا مستمعة جيدة لعلمك.
ضحكت فتون قائلة:
_ صراحةً أشك بذلك، أنتِ تتحدثين أكثر مما تتنفسين عزيزتي فلة، على كل حال إن نويت الحديث سأقصد بابك بكل تأكيد.
_ في انتظارك دائما جارتي الحبيبة، تصبحين على خير.
وأنهت فريال المكالمة وهي تتمتم بحنق وتقول:
_ يبدو أنني سأتصرف تصرفات صبيانية عفا عليها الزمن من أجلك طبيبي ذو العينين الزرقاوتين.
وتنهدت بحالمية مفرطة وعادت بنظرها إلى البحر من أمامها وغرقت مع صوت موجه الهادر من جديد.
***
نزل قاسم من سيارته أمام مدخل المشفى تتبعه حياة التي لم تتوقف دموعها عن الانهمار، ثم استدعى طاقم الطوارئ الذين نقلوا صالح على السرير النقال لغرفة الفحص والأشعة على الفور.
وقف قاسم أمام الغرفة يدعو الله ويناجيه بسره وهو يقول:
_ يا رب أنجِهِ، أتوسل إليك ألا يصيبه مكروه، يكفي ما حدث!
زفر بتعب واستدار فنظر إلى حياة التي تسند رأسها على حافة المقعد من خلفها وتبكي بصمت، فانقبض قلبه لرؤية حالها وما حل بها، و رق لأجلها بالرغم من أنه كان ينوي أن يلقنها درسا قاسيا ولكن ما حدث يذهب العقل لذلك قرر أن يحنو عليها لأنه يعلم أنها بحاجة إليه في هذا الوقت وبشدة.
نظر إلى كمية الاتصالات التي وردته من حنان وعزيز ولكنه تجاهلها كلها، لا يجد ما يقوله ولا يملك ما يجيب به أسألتهما في الوقت الحالي.
تقدم نحو حياة وجلس بجوارها فنظرت إليه نظرة مبهمة، فسرها هو أنها عتابا صامتا، عتابا يمتزج بالخوف والحيرة، كان هذا هو إحساسها تماما، ودائما ما ينجح قاسم في سبر أغوارها وفهم ما تشعر به وكأن بينهما رابطا روحيا لم يتم اكتشافه بعد ولا حتى من قِبَلِهما.
نظر إليها نظرةً مطولةً قال بها ما لم يستطع لسانه نطقه، ثم تنهد وقال بصوتٍ مرتجف:
_ لا تكرهيني حياة، أرجوكي.
وضمها إلى صدره فكانت هنا الانطلاقة؛ نوبة بكاء عنيفة ، بركانًا من المشاعر المختلطة، سيلًا عارمًا من الأحاسيس المتناقضة ؛ بين الحب والحقد، بين الخوف والأمان، بين الحيرة والاطمئنان، بين الشك والثقة، أحاسيس مهلكة جدا لنفس ضعيفة هشة بذلك القدر.
أسندت خدها على صدره، فوق قلبه بالتحديد، ولفت ذراعيها بقوة خلف خصره وكأنها تخشى أن تخرج خارج هذا العالم. هذا العالم الذي تشعر بداخله فقط بالهدوء والسلام.
الأمر أشبه بأن تلجأ الضحية لجلادها؛ تعرف أنها لن تجد راحتها معه، لن تجد سوى المتاعب والمؤرقات، ستخرج من خيبة وتدخل في هزيمة، هي تدرك كل ذلك، ولكن لا يسعها سوى اللجوء إليه ، تعرف أنه من الممكن أن يحتضنها بقوة وينتزعها من حضنه فجأة ويلقيها أرضا بنفس القوة، ولكن لا يسعها سوى أن تنعم بتلك اللحظات الدافئة وتترك مخاوفها وهواجسها لما بعد، الأمر مهلك جدا. صراعًا بين القلب والعقل، بين الفكر والإحساس ، صراعًا لا تنتصر فيه أبدا. تبقى معلقا مذبذبا لا إلى ذلك ولا إلى ذلك. تبقى في المنتصف تتأرجح بين هذا وذاك ولا يسعك إلا أن تواجه كلا منهما على حدة.
هدأت أخيرا، سكنت بين ذراعيه بعد أن شعرت بدفء قلبه واستمعت لدقات قلب قاسم الذي تحبه، بعد أن تلذذت بوجود قاسم الذي تعرفه قبل أن يتبخر وتجد أمامها رجلا آخرا لم ترَهُ من قبل.
قبّل هو جبينها بقوة وربت على ظهرها بحنوٍ بالغٍ وقال:
_ لا تتخلي عني حياة.
نظرت إليه فوجدت الرجاء صريحا بعينيه فأومأت بخفة وهي تمسح دموعها ثم انتبهت إلى خروج الطبيب من غرفة الفحص فركضا نحوه مسرعين فقال:
_ لا أخفيكما سرا، الحالة خطرة، الفحص والتصوير المغناطيسي أثبتا وجود جلطة دماغية، سنعمل كل ما بوسعنا ونتمنى أن يكون الوقت بصالحنا. عن إذنكما.