الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل وما زالت حب مفقودة، والقلق والخوف من المجهول يعم كل فرد من عائلتها. جواد بقلق: أنا هطلع على القسم وأعمل محضر تغيب، وهيعملوا الإجراءات، وهفضل معاهم لحد ما أوصل لحل ومش هرجع غير وحب معايا، لو وصلتوا لحاجة ابقوا بلغوني. وليد: هاجي معاك. عامر: وأنا كمان معاك. جواد: لأ، هروح لوحدي، وأكيد صحابي هناك هيساعدوني، بس انتوا استمروا برضه في البحث.
صبري: ربنا معاك يا ولدي، ويعترك فيها، وطمني يا ولدي. جواد وهو بالرحيل: حاضر يا جدي. وصل جواد إلى المركز التابع للبلدة. جواد: لو سمحت بلغ شريف باشا إن جواد العزازي عايز يقابله. العسكري: حاضر يا باشا. دخل العسكري إلى الرائد شريف نصر وأبلغه بوجود جواد ينتظره بالخارج. شريف بفرحة: معقول جواد باشا عندنا! اتفضل يا راجل، اتفضل. جواد: شكرًا يا شريف. شريف: ألف سلامة عليك، أنت كنت في العملية الأخيرة دي؟
جواد: آه، الله يسلمك، مش وقته، أنا جاي لك في موضوع تاني يخص بنت عمتي، أصل حصل... سرد كل تفاصيل الاختفاء والثأر والخصوم وكل شيء. شريف: تمام، ممكن نجمع قوة ونقلب المنيا حتة حتة لحد ما نلاقيها. جواد: هكون معاك، ومن فضلك لازم دلوقتي، وبحث مكثف كمان. شريف: أنت شاكك إنها خطف مش اختفاء، مش كده؟
جواد: أيوه طبعًا، أنا مش شاكك، أنا متأكد كمان، وأكيد مش هتوه عشان هي عارفة اسم البلد واسم عيلتها، ومستحيل تكون اختفت من نفسها، وهي جاية عشان الصلح دي، وهي في حالة نفسية سيئة جدًا من ساعة وفاة أهلها، وهي دلوقتي مالهاش غيرنا. شريف: كلام منطقي، يبقى ندور على أعداء أهل والدتها وأهل والدها. جواد: ممكن يكون له علاقة بهروب عمتي زمان مع والدها.
شريف: أنا بستغل هنا بقالي 4 سنين وما شفتش إن في حاجة بتتغير في عقول الناس دي، الدم والثأر وكلام الناس اللي مالوش أي ثلاثة لازمة، ولسه رغم التعليم اللي فيه، إن الجهل غالب، مش عارفة امتى هنقضي على الثأر. جواد بتنهيدة: كانت جاية تصلح بين العيلتين وتقربهم من بعض، ودلوقتي بتروح ضحية، ارجوك يا شريف ساعدني. شريف: واضح إنها مش بنت عمتك وبس. جواد بابتسامة ألم: زوجة المستقبل.
شريف: بجد يا صاحبي، ألف مبروك، وهنلاقيها، ما تقلقش، بس قول لي إيه اللي ليه مصلحة في الصلح ما يتمش، وكمان محروق أوي وعايز ينتقم منكم في حب، رغم إنها جديدة عن البلد أصلًا. جواد: عشان حب طرف رئيسي وأساسي بين العيلتين، وأكيد هتتاخد بذنب اللي حصل زمان، والخيط اللي هيوصلنا ده بقى هو عوض السلماني وابنه حسين، عاوز كل المعلومات عنهم، وممتلكاتهم إيه جوه وبره البلد، ولازم نعمل مراقبة عليهم. شريف: بسيطة، كل ده يبدأ من دلوقتي.
جواد: دلوقتي نعمل مسح لكل الأماكن الموجودة في البلد ومن نواحيها وأطراف البلد، ممكن تكون بعيد عن العمار والأماكن السكنية، ولازم نمسح الزراعية كمان، تقدر معايا على كده؟ شريف: طبعًا، وهنطلع بالقوة دلوقتي. *** في البيت القديم المهجور.
تحاول أن تفتح الباب، ولكن رغم تهالكه إلا أنه مغلق بالقفل الحديدي، وحب قد نفذت قوتها من قلة الأكل والحزن وتعبها أيضًا، فقدت الأمل واستسلمت لظلمة المكان، ولكن الخوف والفزع من صوت الليل وسكونه والحشرات الموجودة بالمكان، ظلت تبكي بأنّين مكتوم على ما تمر به، ولا زالت على يقين أن الله معها. "إن الله معي" تحاول أن تخفف عن خوفها وتتحدث مع الله. يارب نجيني، يارب ماليش غيرك، يارب أنا خايفة، أنا مرعوبة، يارب.
حسبي الله ونعم الوكيل. فوضت أمري للذي لا يغفل ولا ينام. ظلت تستغفر وتدعو الله، وظلت صامدة، لم يغفل لها جفن، تحاول أن تخرج نفسها من هذا المكان المتوحش المهجور المتهالك. ظلت طول الليل على وضعها إلى أن نور الفجر كان مبينًا، وبدأت في رؤية فجر يوم جديد.
لا يوجد ماء بالمكان، فتيممت على حصى ووجهت نفسها لمكان ما، وبدأت في صلاتها في خشوع وبكاء إلى الله لتشكو إليه ضعفها وقلة حيلتها، وأن يظل خير عون لها، لا تطلب من العبد، لكن تطلب كل شيء، وتطمع في رب الوجود، كيف خلقها ويتركها وحيدة هكذا؟ هذا اختبار لصبرها وسوف تتحمل وتصبر، وأن فرج الله قريب. *** خرج مع القوة وبدأت في الانتشار حول البلد ومداخلها ومخارجها. جواد دب الرعب في قلبه عندما سمع الأذان.
بإذن قرر اللجوء إلى المسجد لصلاة الفجر والدعاء بنية فك الكرب. وخرج من المسجد شاردًا، لا ينطق إلا بكلمة "الله العظيم". ولا يدعو ولا يطلب يد العون إلا إلى الله. ترك شريف وواصل سيره حزينًا شاردًا، يتذكر كل مواقفه معها، وكل كلمة قالتها، وحزنها وألمها على فقدان والديها، وطلب شيئًا واحدًا من الله عز وجل.
يارب يارب أنت رب المستضعفين وأنا الضعيف الزليل الطامع في عطفك وكرمك وجودك وإحسانك، يارب أنا الضعيف وأنت القوي، أنا الذليل وأنت المتعال، أنا الفقير وأنت الغني. يا الله مش طالب منك غير تردها ردًا جميلًا يا الله. احفظها بحفظك، وبعينك التي لا تنام. ظل يدعو الله ويمشي بدون وعي ويبكي، ويعلم أن ربه لا يخزله ولا يرد سؤاله.
"فَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ" وصل إلى أرض في مساحة خالية، أرض غير زراعية، ولمح على بعد بصره مكانًا مثل كوخ قديم. جواد بخوف ظل يقرب ويتفحص المكان، إلى أن وجده كوخًا قديمًا ومهالكًا، وانتباه الفضول إلى التقدم أكثر، وفي كل خطوة يخطوها دقات قلبه تتسارع، وقد تكاد أن تقذف من بين ضلوعه.
لا يعلم لماذا هذا الإحساس يراوده، لا يعلم دقات قلبه خوف أو قلق أو توتر أو لهفة، لا يعلم غير أن لا يرى ولا يسمع شيئًا، وإحساسه هو الذي يقوده إلى هناك. وصل إلى المكان وصدم من رؤية القفل الحديدي، وقف يتأمل القفل ويلمسه بأصابع متربة. وفجأة نطق باسمها. جواد بحزن: حب. بصوت أعلى: حب، أنتِ موجودة؟ حب بدموع خلف الباب: جواد. جواد بابتسامة: حب، أنتِ هنا؟ أنا مش مصدق. حب بدموع: جواد، أنتم كويسين؟ كلكم كويسين؟
جواد يحاول أن يفتح القفل ولكن لا يستطيع بيد واحدة، وأخرج سلاحه. جواد بخوف: حب، طمنيني، أنا جنبك وكلنا بخير، بس عايزك تبعدي عن الباب عشان هكسره بالرصاص، فاهمة؟ ابعدي خالص. حب بخوف: حاضر، حاضر. جواد: قام بإطلاق الرصاصة على القفل وتم كسره، ودخل البيت بقلق يتلفت في كل زاوية من المكان. وفجأة وجدها تجلس في ركن تنكمش على نفسها وترتجف من الخوف والفزع الذي تعرضت له. جواد بابتسامة ألم: حب.
جلس جواد أمامها وقرب إليها، وينظر إليها يتفحص هيئتها، ويقربها إلى صدره يحاول أن يطمئنها. حب بدموع: ترتجف وتتمسك بحضنه. جواد: اهدى خالص، أنا معاكي أهو، الحمد لله إنك بخير، الحمد لله. جواد بحزن: ما تخافيش، أنا جنبك ومش هسيبك، اهدى يا حبيبي، وضمها إلى صدره أكثر، يخاف أن يفتقدها مرة أخرى. حب بعد أن اطمئنت لوجود جواد أمامها خارت كل قواها واستسلمت لقدرها. يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!