بعد خروج أدهم من غرفة هدى، ظلت هي تبكي. لقد تأكدت أنه لم يحبها، وأنه تزوجها رغبة من أبيها فقط لحمايتها من ابن عمها، ولم يرغب بالزواج منها لشخصها هي. ظلت تبكي حتى غلبها النعاس. أما عند أدهم، فذهب إلى غرفته سريعًا. كان شبحًا يطارده. لديه شعور غريب، أو شعور لم يأتِ إليه منذ زمن بعيد. لم يصدق نفسه أنه تعافى، ولكن كيف؟ كيف عاد كما هو؟ بالتأكيد إنه يحلم. هل يعود إلى هدى مرة أخرى ويسبح معها في بحور العشاق؟
ولكنه خائف بشدة أن يحدث كما حدث بالماضي. لابد له أن ينتظر حتى الصباح ويذهب إلى المستشفى حيث كريم، ويعلم منه ماذا به. وظل هكذا يأخذ الغرفة ذهابًا وإيابًا لعله يهدأ، ولكن كلما ذهب الوقت كلما زاده من الثورة التي بداخله، وفات عليه الوقت بطيئًا جدًا حتى جاء الصباح. بدل ملابسه وهبط للأسفل على الفور، ثم إلى المستشفى، ولكنه ذهب في وقت باكر جدًا ولم يجد كريم. انتظره بداخل مكتبه حتى فات وقت كبير بالنسبة له.
أما كريم، فعند دخوله المكتب تفاجأ بأدهم يجلس على الأريكة وينظر للأعلى بلا هدف، ووجد على وجهه آثار الإرهاق. فذهب إليه على الفور. كريم: أدهم. أما الآخر فكان شاردًا ولم ينتبه إلى كريم الذي دخل إلى الغرفة. انتبه له فقط عندما ناداه. التفت إليه وكأنه طوق النجاة بالنسبة له. قام سريعًا إليه وبدأ يقص عليه ما حدث بكلمات غير مرتبة ولكنها مفهومة. وبعد انتهاء حديث أدهم. كريم: طب اهدى يا أدهم. أدهم: أهدى إيه، بأقول لك أنا حاسس...
كريم: فهمت كل كلامك. أدهم: وبعدين؟ كريم: تعالَ معي. أدهم: على فين؟ كريم: هنطمن. ذهب معه وهو خائف أن يكون ما زال بداخل الحلم، وأنه سيستيقظ على كابوس مرعب ومخيف. وبعد الانتهاء من الكشف والتحاليل وهم بانتظار النتيجة، خرج إليهم الطبيب المختص الذي كان يتابع حالة أدهم من قبل. الدكتور: التحاليل إيجابية. أدهم: يعني إيه؟ الدكتور: يعني أنت تمام جدًا. أدهم: إزاي؟
الدكتور: إزاي دي بقى أنا ما أعرفهاش، بس اللي ظاهر قدامي إن كل حاجة تمام. أدهم: يعني... أنا... أنا... يبقى. كريم: اهدى يا أدهم، اتفضل أنت يا دكتور. أدهم: إزاي دا حصل، أنا مش فاهم. كريم: بص أنا كمان مش عارف إزاي من غير علاج، هو آه كل شيء بأمر الله بس في سبب وأنا ما أعرفهوش. وظل السكون هو السائد بينهم حتى تذكر كريم شيئًا. كريم: أدهم. نظر له الأخير بدون كلام ليحثه على إكمال حديثه.
كريم: في واحد بس ممكن يكون عنده رد للأسئلة اللي بتدور في دماغنا. أدهم: هو مين؟ كريم: قوم تعالَ معي. أدهم: على فين تاني؟ كريم: تعالَ بس وأنت تعرف. وخرجا معًا إلى مكان مجهول بالنسبة لأدهم ولكنه معلوم بالنسبة لكريم. ظلوا في الطريق لبعض الوقت حتى علم أدهم أنهم باتجاه المنصورة. أدهم: أنت رايح فين كدا؟ كريم: استنى وهتعرف. أدهم: لأ، عايز أعرف دلوقت. كريم: ما فيش غيره هو اللي هيكون عنده السبب. أدهم: هو مين؟
كريم: هو اللي في بالك. أدهم: أنت بتقول إيه؟ مستحيل دا هو سبب كل مشاكلي، لولاه ما كانش زماني حصلي كل اللي حصل. كريم: اهدى وهنعرف كل حاجة دلوقت، ما هو ما فيش غيره يعرف حالتك. انصدم أدهم بشدة، من أين علم ما حل به؟ لا أحد يعلم غيره هو وصديقه فقط، وطليقته التي ماتت بالسجن، فمن أين علم؟ أدهم: وهو عرف منين؟ قبل أن يرد عليه كريم فقد وقف بالسيارة أمام المنزل المطلوب. كريم: انزل وأنت تعرف كل حاجة.
هبط أدهم وعقله مشتت وذهب بصحبة كريم إلى داخل المنزل. كريم: صباح الخير يا جدي. الجد منصور: صباح النو يا كريم يا ابني. ثم نظر إلى أدهم. منصور: وأنت مش هتصبح على جدك يا أدهم؟ أدهم وملامحه لا تبشر بخير. أدهم: صباح الخير يا جدي. منصور: تعالوا اقعدوا. جلسوا جميعًا، أدهم وكريم بجانب بعض، ومنصور في المقابل لهم، وعم السكون عليهم قليل من الوقت. أدهم: كريم ممكن أعرف أنا هنا ليه؟
كريم: بص ومن غير ما تزعل مني يا صاحبي جدك عارف حالتك. أدهم: وعرف منين؟ منصور: أنا هأقول لك، أنا جبت كريم هنا من سنين وضغطت عليه كتير لحد ما قال لي حالتك بالظبط، ومن يومها وأنا متابع حالتك عن طريق كريم، وما تزعلش منه ولا مني، إحنا كلنا عايزين مصلحتك. أدهم: مصلحتي إيه في إن حياتي الخاصة تبقى لبانة في بقكم؟
منصور: هي ما كانتش لبانة في بقنا ولا حاجة، كل الحكاية إن إحنا كنا بنحاول نساعدك بكل الطرق، أنت حفيدي يا ابني ومصلحتك تهمني. أدهم: مصلحتي... وتهمني... طب كانت فين مصلحتي دي لما غصبت عليا أتجوز بنت عمي وأنا ما بأحبهاش... هاااااا ولا هو كلام وخلاص؟ منصور: صدقني يا ابني ما كنتش أعرف أي حاجة، والله ما كنت أعرف. سكت قليلًا. منصور: أنا هأقول لك على كل حاجة...
بنت عمك جت لي وضحكت عليا وقالت لي إنك أنت اللي حاولت تعتدي عليها وبعد كدا رفضت إنك تتجوزها، اتحايلت عليا ولعبتها صح، خلتني أقسى عليك وقالت لي ما أعرفكش إني عارف، ولما جيت أنت وحكيت لي اللي حصل عقلي تاه، مش عارف مين الصح ومين الغلط، لقيت نفسي قدام حل واحد هو إني أغصب عليك إنك تتجوزها، في النهاية دي بنت عمك ومن دمك. وبعد كدا عرفت عن طريق الصدفة بعد ما اتجوزتم بكام شهر إنها كانت لعبة بينهم. جت لك وسألتك أنت عامل إيه مع
مراتك، لو مش مرتاح ممكن تطلقها، قلت لي أنت لأ كله تمام وأنا مبسوط معاها. ساعتها خفت أعرفك الحقيقة وتحصل بينكم مشاكل وكنت فاهم إن غرضهم إنكم تتجوزوا علشان فلوسك ما تخرجش برا، لكن الحقيقة المرة ما عرفتهاش غير بعد ما اتطلقتم واتسجنت هي وأبوها.
والله العظيم يا أدهم إني ما كنتش أعرف، وكلام عمك كذب لما قال لك إني كنت عارف كل حاجة، وربنا يشهد يا ابني على كلامي. بعد سكون وقت ليس بكبير. أدهم: طب أنا عايز أعرف أنا خفيت إزاي، كريم قال رد السؤال دا عندك. منصور: بعد اللي حصل حاولت كتير أصلح اللي بينا، وكنت بأدور لك على عرايس ولاد ناس ومناسبين، وكنت بأبعتهملك عن طريق ناس لكن أنت كنت بترفض. في الأول قلت أنت لسه زعلان على اللي حصل...
فات سنة والتانية والتالتة والخامسة وأنت زي ما أنت. قلت لأ أنا لازم أفهم في إيه، وخفت لتكون جت لك عقدة من الجواز والستات. فضلت ورا كريم سنة كاملة أضغط عليه إني أعرف لحد ما هددته إني ممكن أموته، وهو برده على دا الحال مش راضي يتكلم. لحد في يوم ما واحد من البلد ابنه كان عيان وعايز عملية كبيرة، بعته على المستشفى بتاع كريم، ويشاء الله الواد دا يموت. فاتفقت مع أهله بعد ما شلت كل التكاليف وأديتهم كمان مبلغ كبير وخلتهم يعملوا هوليلة في المستشفى ومحضر ونيابة وكدا.
وبعد كدا أنا رحت لكريم المستشفى وفضلت أضغط عليه تاني وهددته بسمعة المستشفى ومستقبلكم أنتم الاتنين، وبعد إلحاح شديد قال لي على كل حاجة... ما كنتش مصدق كنت حاسس إني بأحلم كل دا يجرى لك. فضلت وراك عن طريق كريم إنه يقنعك بالعلاج لحد ما فقدنا الأمل خالص، ومن اليوم دا وأنا وكريم على تواصل. أدهم: أيوه بردو أنا مش فاهم أنا خفيت إزاي.
منصور: كنت بأعرف كل أخبارك من كريم، وفي يوم كلمني وقال لي على جوازك من هدى وعن الشرط اللي اشترطته عليك وإنك وافقت. فكرت كتير في إني أقنعك إزاي بالعلاج، وما كانش في أي حل لحد ما جاء لي الحل على طبق من ذهب. أدهم: إيه هو؟ منصور: مراتك. أدهم: مراتي؟! مش فاهم. منصور: رحت لمراتك بعد ما اتجوزتم بشهرين، اليوم اللي رجعت فيه لقيتني هناك. أدهم: أيوه... عملت إيه؟ وبدأ صوته يعلو والغضب سيطر عليه. أدهم: قلت لها إني عاجز؟
قلت لها... قلت لها إيه؟ قوول قلت لها إيه؟ كريم: اهدى يا أدهم مش كدا. أدهم: أهدى، أهداااااا إزاااااااي، قول ليييييي أهدااااااااا إزااااااااي. منصور: أنا ما قلت لهاش أي حاجة من دي. أدهم: أمال قلت إيه؟ منصور: قلت لها. وبدأ يقص عليه ما حدث وماذا قال لها، وأنها ستساعده بكل جوارحها كي يشفى. أدهم: هههههه هههههه هههههه. استغرب كلا من منصور وكريم من ردة فعله هذه، ما الذي يضحكه؟ كريم: أدهم في إيه؟ أدهم: أنت مش سامع الكلام...
هههههه هههههه هههههه بدل ما يطلعني عاجز طلعني مجنون هههههه. منصور: أولًا المرض النفسي مش عيب، بس ما كانش قدامي حل غير كدا. أدهم: وهي صدقت؟ منصور: ما كانتش مصدقة وكانت خايفة عليك، بس أعتقد إنها بعد ما شافت عصبيتك وأنا موجود صدقت. منصور: أيوه خايفة عليك وبتحبك كمان. أدهم: بتحبني بجد والله؟ كريم: أيوه يا أدهم بتحبك وجدًا كمان. أدهم: إزاي وهي متفقة معايا إنها تطلق بعد سنة؟
كريم: يمكن دا كان في الأول، إنما دلوقت أنا متأكد إنها عايزة تكمل معاك. أدهم: تكمل معي؟ كريم: أيوه يا أدهم. تركهم أدهم وخرج من المنزل، وخلفه كان كريم، وصعد أدهم السيارة وجاء ليتحرك، صعد بجواره كريم في آخر لحظة. ظل أدهم شاردًا في أفكاره، وهل هي فعلًا تحبني أم لا؟ هل أحبتني شفقة أم أحبتني كما أنا؟ يا الله لم أعلم أن عندما أشفى سأحزن هكذا، كنت أتوقع أن أسعد بشدة، ماذا أفعل؟ هل أتركها؟ هل هي ستتركني؟
وظل هكذا شاردًا ثم تحدث مع نفسه (يا ربي أعمل إيه أنا مش عارف أعمل إيه بس لازم الأول أتأكد من إنها بتحبني وعايزاني حتى وأنا مريض نفسي من وجهة نظرها) واتخذ قرارًا عند عودته. أما كريم فتركه يرتب أفكاره ويقرر ماذا يفعل. وظلوا هكذا إلى أن وصلوا إلى المستشفى مرة أخرى، وهبط أدهم من السيارة وذهب ليصعد لسيارته التي تركها في الصباح، وعاد إلى المنزل مرة أخرى. أدهم: ورد. ورد: أيوه يا بيه. أدهم: أمال الهانم فين؟
ورد: فوق ما نزلتش انهارده خالص، حتى ست همس طلبت لها الفطار فوق. تذكر أدهم أنها لا تستطيع الوقوف على قدمها من الأمس، فقد نسي هذا الأمر. أدهم: روحي أنتِ. وصعد إلى الأعلى باتجاه غرفة هدى وطرق الباب، وعندما استمع إذن الدخول دخل على الفور. أدهم: أنتِ عاملة إيه دلوقت يا هدى؟ هدى: أنا الحمد لله. أدهم: أنا آسف إني نزلت من بدري من غير ما أطمن عليكِ. هدى: ولا يهمك. أدهم: أمال فين همس؟ قالوا لي إنها قاعدة معاكِ.
هدى: أنا قلت لها تروح تذاكر شوية من بدري وهي قاعدة معي، وأنا بقيت كويسة بس هي اللي صممت إنها تجيب لي الفطار هنا. أدهم: والله جدعة. هدى: جدعة دي كتفتني طول النهار في السرير. أدهم: كدا أحسن علشان تخفي بسرعة. هدى: يلا الحمد لله. أدهم: بأقول لك إيه. هدى: نعم. أدهم: ما تيجي نتغدى برا انهارده؟ هدى: ما تخليها يوم تاني. أدهم: لأ معلش أصل أنا عايزك في موضوع مهم. هدى: موضوع إيه...
موضوع زي كل مرة تعزمني على الغدا ولا العشا، وتقولي موضوع، وفي الآخر ما يطلعش حاجة أو تطلع حاجة تافهة. أدهم: هههههههه لا المرة دي موضوع مهم. هدى: أكيد؟ أدهم: أيوه أكيد. هدى: ماشي اتفضل روح اجهز على ما أنا اجهز كمان. أدهم: حاضر. وبعد خروج أدهم، ظلت هدى تفكر ما هو هذا الموضوع. وبعد وقت قد انتهت هدى فيه وهبطت للأسفل ببطء لأنها ما زالت تشعر ببعض الألم البسيط. وخرجا سويًا وصعدا السيارة وذهبا إلى أحد المطاعم.
أدهم: تحبي تاكلي إيه؟ هدى: أي حاجة. جاء النادل وطلب أدهم الطعام. هدى: ها، موضوع إيه بقى اللي كنت عايزني فيه؟ أدهم: إحنا اتفقنا إن إحنا صحاب. هدى: آه طبعًا. أدهم: وعشان كدا أنا عايز أتكلم معاكي كأصحاب اتفقوا على الصراحة سوا. هدى: أكيد طبعًا اتكلم. أدهم: بصي، أنا من فترة كدا قابلت واحدة واتعرفت عليها. صدمة قوية سيطرت عليها، هل ما استمعت إليه هذا حقيقي؟ عن أي واحدة يتحدث؟
من أجل هذا أتى بي إلى هنا لكي يجرح قلبي بهذا الشكل؟ أدهم: هدى، أنتي معايا؟ اغرورقت عين هدى بالدموع وحاولت السيطرة عليها. هدى: أنا معاك، وبعدين؟ أدهم: حابب آخد رأيك فيها بما إننا أصحاب. هدى: أصحاب؟ أدهم: أيوه أصحاب، ولا أنتي غيرتي رأيك؟ هدى: لا طبعًا ما غيرتش رأيي. أدهم: خلاص، عايزك تشوفيها وتتعرفي عليها علشان أتقدملها على طول. كانت ما زالت تعتقد أنه يتكلم عن شيء آخر، وبعدت عن تفكيرها لثواني أنه يود أن يرتبط بغيرها.
هدى: أيوه إن شاء الله. أدهم: هظبط معاها ميعاد وأقولك عليه. هدى: ماشي، يلا بينا. أدهم: إحنا لسه ما اتغديناش. هدى: معلش أصل نسيت آخد العلاج ورجلي بدأت توجعني. أدهم: خلاص، يلا بينا. وعادوا إلى المنزل مرة أخرى وصعدت هدى إلى الأعلى وظلت تبكي على حالها وما وصلت إليه. وبعد مرور أسبوع آخر على هذه الأحداث. في منزل أدهم. هدى: صباح الخير. أدهم: صباح النور، أمال الولاد فين؟ هدى: زين راح كليته وهمس مدرستها. أدهم: ما فطروش؟
هدى: هيفطروا برا. أدهم: تمام... بقولك صحيح. هدى: خير. أدهم: بكرة في حفلة لناس معرفة وكنت عايزك تيجي معايا. هدى: من إمتى وأنا باجي معاك حفلات، ومن إمتى أصلًا وأنت بتروح حفلات؟ أدهم: لا ما هو أنا رايح وعايزك معايا علشان...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!