صوت تليفوني خرجني من الإحساس الحلو اللي كنت فيه، وبصيت لقيته رقم طارق. مش هنكر إن في الوقت ده كان مزاجي رايق جداً، ورديت عليه بهدوء: "نعم؟ طارق: "طبعاً حاسة براحة دلوقتي بعد ما العريس طار.. عشان بس تعرفي إن مالكيش غيري يا أحلام." خدت لحظة كده أفكر في كلامه وأنا مستغربة، وقولتله: "انت تقصد إيه؟ سكت ومردش عليا. يا الله، سكوته ده بيجنني!
وحاسة إني عايشة جوه فيلم رعب بسبب كلامه وتصرفاته الغريبة دي. طب هو إزاي عرف دلوقتي إني حسيت براحة لما انتهى موضوع خطوبتي من حسن؟ معقول يكون هو اللي رتب كل اللي حصل ده وهو اللي بعت الشغل ده لحسن وحط شرط إن مراته لازم تكون معاه؟ خلاص تعبت بجد ودماغي وقفت عن التفكير، وسألته: "هو انت اللي بعت الشغل ده لحسن؟ نبرة صوته اتغيرت واتكلم بعصبية: "طب متتكلميش اسمه ده مرة تانية وخلاص، موضوعه ده انتهى ومش عايزك تفتحيه تاني."
اتغاظت منه لأني حسيت إني زي الدمية بالنسبة له، وعمال يتحكم في حياتي. وكل ما أسأل عن حاجة يرد بمزاجه وميردش بمزاجه. وحقيقي تعبت من أسلوبه ده، واتكلمت معاه بعصبية: "على فكرة أنا زهقت وعايزة أفهم دلوقتي حالا، انت عايز مني إيه؟ ليه بتعمل كل ده؟ سكت وسمعت صوت بنت جنبه بتتكلم وبتقوله: "الطيارة جاهزة يا فندم، نقدر نتحرك دلوقتي." قلبي دق بسرعة لما سمعت صوت بنت قريبة منه وقالت إن الطيارة جاهزة، وسألته بخوف: "طيارة إيه؟
هو انت مسافر؟ رد بهدوء: "أيوا يا أحلام، وأنا بكلمك دلوقتي عشان كده. أنا عندي شغل مهم خارج مصر لمدة أسبوع، بس مش عايزك تقلقي. ولو احتاجتي أي حاجة في أي وقت كلميني على طول." قلبي وجعني أوي ودموعي لمعت في عيني لما حسيت إنه هيسافر وهيكون بعيد عني. وبسبب الوجع اللي كنت حاسة بيه لقيت نفسي بقوله بعصبية: "وأنا هقلق ليه؟
تسافر أو متسافرش دي حاجة ترجعلك، أنا مليش علاقة. وعشان أريحك خالص أنا هقفل التليفون اللي بتعرف منه كل حاجة عني ده، وكمان عشان تعرف تركز في شغلك. مع السلامة." وقفت المكالمة قبل ما أسمع رده، وقفت التليفون على طول وأنا بتنفس بسرعة ودموعي بتنزل غصب عني. وحقيقي كنت حاسة بوجع في قلبي غريب. أنا للدرجة دي حالتي بقت صعبة وبقيت أخاف لو عرفت إنه هيبعد عني!
إحساسي ده ضايقني وحاولت أقنع نفسي إن وجوده في حياتي مش مهم، وأنا مش لازم أعلق نفسي بيه. وقمت ومشيت من الكافتيريا وطلعت على الدور اللي فيه العناية، ولقيت حركة غريبة كده قدام أوضة ماما. وقربت من أوضتها وأنا قلبي هيقف من الخوف. ولقيت ممرضة خارجة من أوضتها وحاطة وشها في الأرض. وبعدها خرج الدكتور وهو بيهمّس بحزن: "لا إله إلا الله.. إنا لله وإنا إليه راجعون."
قلبي كان هيقف من الخوف وعقلي رافض يستوعب اللي أنا فهمته. وقربت من الدكتور ودقات قلبي وقفت خلاص: "دكتور، ماما كويسة؟ الدكتور بحزن: "البقاء لله يا بنتي.. مامتك قلبها كان تعبان ومقدرتش تستحمل الجلطة اللي اتعرضت ليها. يشهد ربنا إحنا عملنا اللي علينا لآخر لحظة، وكنت بطمنك عليها وعندي أمل إنها تقوم بالسلامة، بس قضاء الله."
عقلي وقف عن التفكير والاستيعاب. دقات قلبي وقفت. الدنيا كلها وقفت في اللحظة دي. معقول أمي مبقاش ليها نفس في الدنيا دلوقتي؟ معقول هي مش هتبقى معايا تاني، وأقعد معاها ونتكلم، وأنام في حضنها وأنا تعبانة، وتلعب في شعري وتخفف عني؟ معقول لما هكون مهمومة وزعلانة مش هلاقي اللي تحس بيا وتفهمني من غير ما أتكلم؟ معقول أنا مش هنطق كلمة "ماما" تاني؟
آآآآآه، لو الصراخ بيرجع اللي راح، كنت عشت عمري كله أصرخ وأصرخ وأنادي عليكي يا أول إيد شالتني وخدتني في حضنها.. يا أول عيون شوفتها أول لما فتحت عيني على الدنيا. مقدرتش أتحمل الصدمة، ووقعت قدام الدكتور فاقدة الوعي. فات أسبوع، وكان أصعب أسبوع في حياتي. الدنيا كانت في عيني باللون الأسود اللي كنت لابساه. كنت طول الوقت قاعدة في أوضة ماما مش عايزة أسيب الأوضة. ريحتها في كل مكان في الأوضة، وكل شوية أسمع صوتها
وهي بتنادي عليا وبتقول: "يا أحلام". وحشني أوي أسمع اسمي بصوتها. كنت بضايق لما كانت تفضل تنادي عليا كتير وهي بتصحيني! دلوقتي بقول ياريتني كنت سجلت صوتها وهي بتنادي عليا عشان أفضل طول عمري أسمع صوتها. على قد ما كان قلبي راضي بقضاء الله، على قد ما كان قلبي حزين ومكسور ومش قادرة أستوعب اللي حصل. دخلت بسمة الأوضة عليا وهي لابسة الأسود وقعدت جنبي على السرير. مسحت دموعي بسرعة وقعدت وأنا ببص قدامي وبحاول أظهر قوتي المزيفة.
بسمة: "مش هينفع كده يا أحلام.. انتي بحزنك ده بتعترضي على قضاء الله وبتعذبي ماما معاكي." بصتلها وأنا ببتسم لها بحزن وقولتلها: "ربنا عالم بالقلوب يا بسمة، وعارف إن اللي أنا فيه ده حزن مش اعتراض على قضاء الله." اتنهدت بسمة بحزن وحسيت إنها متوترة وعايزة تقول حاجة ومترددة. بسمة: "بقولك إيه يا أحلام، إحنا لازم نرضى بقضاء الله وخلاص. أيام العزاء خلصت وإحنا لازم نرجع لحياتنا."
بصتلها وأنا مستنية تكمل كلامها وتقول كل اللي عندها. بسمة بتوتر: "وكمان يا أحلام، انتي مبقاش ينفع تقعدي في الشقة هنا لوحدك بعد موت ماما." فضلت أبصلها بدون أي رد فعل عشان تكمل كلامها. بسمة: "فأنا بقول يعني إيه رأيك تيجي تعيشي معانا أنا وشاكر في أسوان؟ رديت عليها بهدوء عشان أعرف إيه هدف جوزها بالظبط: "وبعد ما آجي أعيش معاكم يا بسمة، هنعمل إيه في الشقة هنا؟ معقول هنقفلها ونسيبها فاضية؟ بسمة اتوترت ووشها احمر
وهي بتفرك في إيديها بقلق: "لا يا أحلام، ما أنا بفكر يعني إننا نبيع الشقة وشاكر ياخد الفلوس يشغلهالنا ويعملنا مشروع صغير نعيش منه." انتفضت من مكاني واتكلمت بصوت عالي: "مشروع إيه اللي جوزك يعملهولنا يا بسمة؟ انتي بتضحكي على نفسك ولا بتضحكي عليا!! بقى عايزين نبيع شقى أبونا وأمنا عشان الباشا جوزك ياخد تعبهم بالساهل كده ونبقى تحت رحمته." بسمة لسه هتتكلم بس أنا قطعتها بغضب وصوت عالي:
"جوزك ده لو عنده كرامة مكانش طلب منك حاجة زي كده، وحقيقي أنا مصدومة فيكي يا بسمة ومش مصدقة إنك لغيتي عقلك للدرجة دي.. بقى في راجل محترم يطلب من مراته إنه ياخد فلوسها هي وأختها يعمله بيهم مشروع!! هو لو نافع في حاجة كان نفع في شغله أولى." بسمة قامت بسرعة عشان تكتم صوتي بخوف من جوزها وهمست ليا وهي بتبكي: "كفاية يا أحلام، انتي كده هتخسرينا كل حاجة." بصتلها بدهشة: "هخسرك إيه؟
انتي شايفة إن خسارة راجل زي شاكر ده تتسمى خسارة." ردت عليا وهي بتبكي: "أنا خايفة أخسرك انتي يا أحلام.. شاكر خيرني بيني وبينه هو وابني.. قالي إن لو موفقتش أبيع نصيبي هيطلقني وياخد مني ابني، وإحنا بقينا لوحدنا في الدنيا يا أحلام، ملناش ضهر ولا سند يحمينا." اتجمّدت مكاني وسألتها بصدمة: "يعني إيه يا بسمة؟ بسمة وهي منهارة من البكاء:
"يعني أنا آسفة يا أحلام.. لو انتي مباعتيش أنا هبيع.. أنا عندي ابن وعايزة أربيه مع أبوه، لكن انتي لسه لوحدك ومعندكيش اللي تخافي عليه." كلامها كسر قلبي مليون حتة، ولأول مرة في حياتي أحس بالضعف والكسرة. كنت مذهولة من كلامها وسألتها: "يعني أنا لو رفضت أبيع، انتي هتبيعي إزاي يا بسمة؟ بسمة بحزن: "شاكر شاف مشتري يا أحلام واتفق معاه إنه يبيع له الشقة كلها أو نصها، على حسب ما هنتفق أنا وانتي." بصتلها بحزن وقولتلها:
"يا خسارة يا بسمة!! يا ألف خسارة." بسمة ببكاء: "انتي لسه صغيرة يا أحلام ومعندكيش اللي تخافي عليه، لكن أنا عندي ابني ومش هينفع أنشف دماغي مع شاكر وأخسره." رديت بحزن وقهرة: "يعني أنا لو رفضت أبيع، هتبيعي انتي وتدخلي شخص غريب يعيش معايا في الشقة يا بسمة؟ بسمة بحزن: "عشان كده بقولك بيعي انتي كمان يا أحلام وتعالي معانا أسوان، وأنا أوعدك إن شاكر مش هيزعلك أبداً." بصيتلها بحزن وقولتلها: "وأنا مستحيل أبيع يا بسمة."
بسمة بحزن: "براحتك يا أحلام، بس متزعليش مني. أنا بعمل كده عشان خاطر ابني." في الوقت ده سمعنا صوت جرس الباب، وبسمة قالت بتوتر: "أنا هروح أفتح، شكلهم وصلوا." سألتها بدهشة: "هما مين؟ بسمة بتوتر: "اللي هيشتري نصيبي في الشقة.. أنا هروح أفتح لهم، وانتي فكري كويس يا أحلام، ولو غيرتي رأيك وعايزة تبيعي تعالي ورايا."
بسمة خرجت وأنا وقفت مصدومة، مش قادرة أصدق إن شقتنا هتتباع قدام عيني وأنا واقفة عاجزة. قعدت على سرير أمي وكنت ببكي بحزن ومش عارفة أعمل إيه. أكيد مش هينفع أعيش في الشقة مع شخص غريب. بصيت لتليفوني اللي مقفول من أسبوع.. من يوم وفاة ماما لما قفلته بعد ما اتخانقت مع طارق. كنت زعلانة منه إنه مسألش عليا طول الأسبوع وفي موت ماما، وفي عز ما كنت محتاجاله ملقتوش جنبي. أنا عارفة إنه مسافر ويمكن ميعرفش اللي حصل، بس أنا اتعودت لما أحتاجله ألاقيه من قبل ما أفكر. كنت عايزة أفتح التليفون وأكلمه وأحكيله على كل اللي حصلي، بس كرامتي وعزة نفسي منعوني أعمل كده.
وقمت استغفرت ربنا وتوضيت وصليت، وفضلت أدعي كتير في السجود وأبكي وأطلب من ربنا الفرج والصبر ويخرجني من الضيق اللي أنا فيه. بعد ما خلصت صلاة ومسحت دموعي، غيرت لبسي وحطيت الطرحة على شعري وخرجت من أوضة ماما عشان أشوف إيه اللي بيحصل برا. كان فيه اتنين رجالة قاعدين مع شاكر وبيتكلموا، وبسمة قدمت لهم العصير. واتكلم واحد من الرجالة مع شاكر:
"يعني مفيش فايدة يا أستاذ شاكر إننا نشتري الشقة على بعضها.. أصل حوار نص الشقة دي مش هينفع." شاكر اتكلم بغيظ: "أصل الشقة تبقى بتاعة مراتي وأختها، ومراتي عايزة تبيع بس أختها منشفة دماغها ومش راضية." اتكلم واحد منهم: "طب ما تخلينا نتكلم معاها كده، يمكن نعرف نقنعها." اتكلم شاكر: "دي دماغها حجر، أنا حاولت معاها كتير أنا وأختها ومفيش فايدة. بس وماله، نحاول تاني." واتكلم مع بسمة: "ادخلي نادي على اختك يا بسمة."
بسمة هزت راسها بانكسار وكانت لسه هتيجي عشان تنادي عليا، بس أنا دخلت وقولتلها: "ملوش لزوم يا بسمة، أنا هنا وسمعت كل حاجة." وبصيت للرجالة اللي قاعدين: "أنا مصممة على رأيي ومش هبيع شقتنا." واحد من الاتنين الرجالة اللي كانوا قاعدين عينيه لمعت بطريقة غريبة ومخيفة أول لما شافني، وكانت نظراته غريبة أوي وبيتأمل فيا بطريقة وقحة. وقال وهو بيبتسم ابتسامة سمجة: "وماله يا ست البنات، حقك متبعيش." وبص لشاكر وقاله:
"أنا موافق أشتري نصيب مراتك وأشارك ست البنات في الشقة." قلبي دق بخوف من نظراته وطريقته، وكنت مصدومة ومش قادرة أستوعب إن ممكن بسمة تبيع نصيبها للشخص ده ويشاركني في الشقة فعلاً. رد شاكر وهو بيبصلي بتحدي: "واحنا موافقين يا باشا، خلينا نمضي العقود." قلبي كان هيقف بجد، وبصيت لبسمة برجاء وهي خفضت وشها بحزن. وجوزها قالها: "تعالي يا بسمة، امضي على العقد."
بسمة بصتلي بحزن وقربت منهم عشان تمضي، وأنا واقفة وهموت من القهرة ومش عارفة هعمل إيه في المصيبة دي لما بسمة تبيع للشخص ده ويكون له حق في الشقة زيي. وكنت خلاص بفكر أبيع أنا كمان وآخد أي شقة إيجار أعيش فيها، لأن فكرة إني أعيش في شقة بيشاركني فيها شخص زي ده طبعاً فكرة مرفوضة ومينفعش. وقبل ما أنطق وأقول إني كمان هبيع، لقيت جرس الباب رن، وأنا روحت فتحت وكنت ببكي. وأول لما فتحت لقيت طارق قدامي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!