الفصل 17 | من 25 فصل

رواية حب منكسر الفصل السابع عشر 17 - بقلم ايه عيد

المشاهدات
32
كلمة
4,875
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

لم يعد هناك شيء يسمح للوقت بالمرور. وقف الزمن، الحركة وقفت والوقت ثبت، كل شيء تبخر في الهواء الذي يخنقهم لا يحييهم. بصلها، كانت لسة بتعيط بصوت مكتوم، دموعها بتنزل كأنها شلال غزير. دموعه اتجمعت في عينه الحادة. انفاسه بدأت تثقل وتتعالا في نفس الوقت. قبض على ايده بقوة وقرب منها بخطوات ثقيلة. وقف قدامها، ونزل على ركبته وهو ينظر لها. اخيراً لاحظت وجوده ورفعت عينها المتورمة من البكاء ونظرت له.

اول ما تقابلت عيونهم، تساقطت تلك الدموع منه. ذلك الرجل الذي يظهر بروده وجموده أمام الجميع، بكى أمام تلك الصغيرة، دموع رجل حقيقية، لم تكن دمعة أو اثنتين، بل كانت كالبحر الغائر، الذي انتفضت مياهه. شاور بيديه المرتجفة ناحية تلك الكتلة الحمراء وهو ما زال ينظر لها. قال بصوت ضعيف، وملامح مكسورة: -ده ابني؟! كانت تنظر له، توقفت عن النحيب، لكن لم تتوقف دموعها. سكتت، مردتش.

كان منتظر ردها، قلبه بيتقتل من الفضول، كان عايز يسمعها بتقوله لا، لكن... سكوتها كان هو الإجابة. حط ايده على الأرض ونظر للأسفل، كان بيعيط. مكانش مصدق اللي عملته. ابنه جزء منه كان في رحمها بينمو، لكنه مات، فقد حياته قبل رؤيته للعالم. سمعته بيقول بصوت مبحوح: -ليه؟! عملتي ليه كدا!!! سكتت، كانت تنظر له وبس. رفع عينه الحادة ليها، ومسك دراعها بقوة وقام وقف ووقفها معاه.

ضهرها كان للحائط وهو بيضغط على دراعها بقوة وهي حاطة ايدها على بطنها بألم. قال بصوت حاد مكسور: -عملتي ليه كدا؟! ما كانش لازم تعملي كدا... انتي اتجننتي، بتقتليني. زقته في صدره بعصبية ونظرت في عينه بقهر قائلة: -اوعى!!! وانت مهتم ليه أصلاً!!! مش انت اللي كنت عايزه ينزل... مش انت السبب، أنا مليش ذنب... انت السبب في كل حاجة، انت اللي وصلتنا لهناااا... انت اللي سبتنا من الأول، مش هو ده اللي انت عايزه، مش ده اللي قلته...

تبدلت ملامحه للغضب قائلاً: -عشانك... عملت كدا عشانك انتي... مكنتش عارف إنك غبية وهتعملي كدا فعلاً... مكنتش متخيل إنك تفكري حتى في كدا... ده ابنك. قربت منه وضعت صباعها على صدره وهي بتضغط وهي تنظر له بكره قائلة بنبرة باردة: -مفيش غبي هنا غيرك... انت اللي كنت فاكر إن كل حاجة هتمشي بدماغك... مش هيكون في حد خسران... غيري أنا معملتش غير اللي يفيدني. قال بغضب قاتم: -هو ده اللي هيفيدك؟! شاور على ذلك الجنين وقال: -تقتليه...

تقتلي ابننا!!! ملامحها كانت متجمدة، لكن مرتعشة وباهتة، دموع في عينها قاسية بتطعنه. مسك كتفها وقال بنبرة ضعيفة: -أنا عارف إني غلطت بكلامي معاكي، بس أنا عملت كدا عشانك... مكنش لازم تعملي كدا، دي روح بتجمعنا سوا. بعدت ايده وقالت بضيق وحدة: -انت عملت كدا عشان نفسك... أفكر فيك ليه وانت رمتني وبتتجوز النهاردة، رمتني زي شيء ملوش قيمة في السجن، سبتني أواجه مصيري لوحدي وانت عارف ضعفي....

وفي الآخر ييجي الغريب يخرجني، وانت قاعد مع السنيورة. نظر لها، صوته الحاد كان بيخترق قلبها: -فرحانة أوي يعني!!! ده لبس غيرك عشان تطلعي، ضميرك مش مأنبك... واحد غيرك بيدفع تمن غلطتك. صرخت به قائلة بانهيار: -مش غلطتييي، ابن عمك هو اللي شخص زبالة... دايماً كان بيحاول يقرب مني ويلمسني وأنا صغيرة، وأنا أسكت... محدش كان شايفني، محدش كان حاسس بيا، أنا مش مضايقة إنه مات لازم يدفع تمن أعماله الوسخة. نظر لها بشدة وقال:

-كان بيقرب منك؟! ضربته في صدره وقالت: -كلكم زي بعض... كلكم نفس التفكير مش بتفكروا غير في نفسكم وبس... بسببك قتلت ابني. سكت، نار بركانية بتاكل فيه، من ابن عمه... ومنها. قرب منها أكثر وقال بصوت مكسور ولكنه حاد: -تمام... بس اللي عملتيه غلط... غلط هيدفعك كتير... ده ابننا، روح ملوش ذنب في اللي حصل. بصتله بثبات وقالت بعيون مكسورة: -ده غلطك انت... مكنش لازم تقرب مني من الأول... كل اللي حصل غلطة، حياتنا غلطة، ابننا غلطة...

مفيش حاجة صح. نظرت للأسفل بدموع وقالت بصوت مخنوق: -مكنش لازم نكون مع بعض من الأول... حكايتنا وقفت في طريق مسدود. عينه احمرت بغضب، وجهه بقى حاد بشدة، اللي حصل هينهي كل حاجة. قربت منه أكثر وشاورت على الجنين وقالت: -انت اتخليت عنه... يبقى احتفظ أنا بيه ليه... يمكن عشان أنا الهبلة الطيبة اللي ضعيفة، اللي هضحي ومش هقدر أعمل كدا... صح؟! قال وهو بيضغط على أسنانه بحدة: -ده ابني. ابتسمت بسخرية ووجع قائلة: -ولله!!!

ده انت حتى مفرحتش لما عرفت بوجوده، جاي دلوقتي تقولي ابني... زعلان عليه؟! حسيت بالضعف اللي أنا حسيت بيه دلوقتي، حسيت بالكسرة. سكت، عينه في عينها، شايف برودها اللي ظاهر أمام وجعها وصراخها من الداخل. كملت وقالت: -انت قولتلي نزليه... وأنا سمعت كلامك أهو، انت اللي رميته... أنا قاعدة في السجن أبكي وقلبي يوجعني وبموت، وحضرتك!!! ... حضرتك بتتجوز واخر شياكة. قربت منه ومسكت البدلة وقالت بابتسامة خفيفة لكنها مكسورة:

-متشيك ومظبط نفسك وبتستعد لكتب كتابك مع مراتك المستقبلية، وأنا زي الزبالة في السجن، دموعي على خدي وبس. مسك معصمها بحده وقال: -كنت مجبور، عملت كدا عشان براءتك. ابتسمت لتاني مرة بسخرية قائلة: -عشاني... وكنت مجبور!!! اللي أعرفه إنك رعد الجبالي اللي ميقدرش عليه حد غير ربنا، إيه؟! بقيت مجبور دلوقتي!!! ابتلعت ريقها بألم وقالت بصوت مبحوح باكي: -مبقتش عايزاه، عشان كدا نزلته...

مبقتش طايقاك، ولا طايقة أي حاجة تربطك بيا، خلصت منه، مبقاش طايقة نفسي، كان أفضل ليه يروح... ده غلطة.... انت كمان، كان باين في عينك إنك مش عايزه، عشان كدا أجهضته... قبل ما انت تفكر في كدا. مسك ذراعها بحده: -وانتي اللي هتقرري يموت ولا يعيش... بقيتي بتقرري في حياة غيرك دلوقتي. نظرت في عينه وسكتت. قال بحده ولكن بصوت مكسور: -أنا مكنتش عايزه في البداية، بس مكنتش هخلص منه... مكنتش هقتله. رفعت عينها وبصتله

بنظرة باهتة ومكسورة وقالت: -بس انت قتلتني أنا... يبقى هيعيش إزاي؟! ده بياخد أنفاسه مني أنا، وانت خنقتني بإيدك، انت اللي كسرت آخر حاجة بينا. ساب دراعها ورجع خطوة للخلف بضيق في قلبه، ضيق بيخنقه... بيقبض على ايده بقوة وبينظر للأرض، ميقدرش ينكر إنه غلط فعلاً... غلط بكلامه معاها، بس ده كان طلب من شخص أناني. قالت بدمعة دافئة تساقطت من عينيها المتعبة. وقالت: -خلصنا...

مبقاش في حاجة تربطنا، كل واحد يروح لحاله، مبقناش نفع لبعض... كل حاجة اتدمرت... أنا وانت من البداية القدر كان مسيطر علينا... وهو نفسه اللي فرقنا، مكنش في حب أصلاً... دي مجرد علاقة مكسورة كنا بنحاول نلم فيها، لكنها هتفضل مكسورة للأبد. ابتلع ريقه من تلك الغصة القوية، ورفع نظره ليها، كانت نظرة غاضبة، حادة... ضعيفة. قال بذلك الصوت الرجولي المكبوت من الغضب: -عندك حق... مبقاش ينفع، حكاية مقتولة مينفعش تعيش.

لف وعطاها ضهره، نظر لتلك الكتلة الدموية بحزن ووجع في قلبه الباكي المسجون. قالت بنبرة كسرته أكثر، نبرة ضعيفة وباكية: -أنا مليش ذنب، أنا مجرد بنت اسمها حياة... مأخدتش في الدنيا دي غير الموت. قبض على ايده بحده ونظر أمامه وقال بنبرة متجمدة: -صح... الغلط كله عليا... أنا اللي غلطت من البداية. لم تفهم ماذا يقصد بهذا الكلام.... لكنها قالت بنبرة باهتة: -سلام يا رعد... لأول مرة بقولك... بتمنى إننا منطقابلش تاني. مردش عليها....

وبعدها اتحرك بخطواته الثقيلة الغاصبة للخارج، كل شيء انتهى.... لن يروا بعضهم مجدداً.... وقد انتهى ذلك الحب. قعدت تاني على الأرض وهي تنظر له... كان ملامحها ثابتة، لا تبكي لا تتحدث ولكنها مخنوقة. وبعدما ذهب وأغلق الباب وراءه.... انفجرت في البكاء غصب عنها.... حطت ايدها على قلبها وكأنها بتمنعه من الخروج للحاق به. حطت ايدها الثانية على فمها بتكتم صوت شهقاتها العالية، كانت بتكتم روح مكسورة بتصرخ وعايزة تخرج.

لسة بتحبه، لكنها تماسكت، مبقتش عايزة تعيش العيشة دي.... كرامتها اتهانت كتير، منه... أو من أهله، مش عيلتها قررت إنها تنهي كل حاجة وتبعد... يمكن البعد يشفي الجروح. ضمت رجلها ليها وحضنتها زي الطفلة المحبوسة. قالت بصوت خافت مرتعش، بدموعها الغزيرة وقالت: -مش هينفع... لازم كل حاجة تخلص، مش هقدر أستحمل أكتر... هصبر، نصبر وكل حاجة هتمُر مع الوقت... كل حاجة هتعدي... أهه قلبي، هدفنه جوايا... كل حاجة هتتدفن.

انهارت أكثر قائلة بوجع: -مش كل حاجة زي الروايات... مش كل حاجة بترجع أحسن من الأول... مفيش حاجة ميتة بترجع. دفنت وشها على رجلها وانهارت بألم... وجع في قلبها لا يُحتمل، صداع في عقلها يقتلها... وجع في عينها بيحرقها. فجأة اتفتح الباب، ودخل شخص. حياة خبت وشها بين ايديها وهي بتحاول تتماسك. قرب منها الشخص ومسك دراعها بهدوء وقومها ووقفت وهي بتبص في الأرض بتعب وملامح ميتة. دخلت الدكتورة، وبصلها الشخص وقال: -حسابك وصلك.

أومأت له الطبيبة وقالت: -تمام يا مستر جون. نظر جون لحياة وقال: -يلا يا حياة... خلينا نلحق الطيارة. واتحرك وهو يمسك ذراعها بيسندها... وهي ماشية معاه جثة هامدة، مش شايفة حاجة قدامها.... لكنها عارفة رايحة فين. اتحركوا ولكن قبل ما يطلعوا، عينها جت على العلبة المعدنية، وتحديداً على الجنين اللي في العلبة. افتكرت ملامح رعد وهو بيعيط... وكأنه اتهزم في معركة. حطت ايدها الثانية على بطنها ونزلت دمعة موجعة... دمعة تختم كل شيء...

وبعدها اتحركت مع جون. بعد ساعات.... في القصر. كل العيلة متجمعة، والمعازيم مشيت. أسماء كانت رايحة جاية والعصبية على ملامحها، رن تلفونها وردت بسرعة وقالت: -ها، راح فين؟! -خرج بقاله خمس ساعات من عمارة قديمة في القاهرة، وماشي بالعربية أهو وقرب يوصل القصر. قالت بحده: -كان بيعمل إيه في العمارة؟! -معرفش، بس طلع ووشه مضايق أوي. اتنهدت وقالت: -طب اقفل انت. حافظ باستغراب: -بتكلمي مين؟! سكتت أسماء بضيق. قالت سعاد بعصبية:

-يمشي ويسيب كتب الكتاب كدا... فضحنا قدام الناس. زيدان بحده: -ولما قررتوا تعملوا فرح وابنك لسه ميت يا سُعاد، ده كان إيه؟! سكتت بضيق ومردتش. كانت سهير بتبص لاسماء بشكل غريب... كانت عارفة السر. بعد وقت. دخل رعد البيت، لكن ملامحه كلها حزن وضيق، بيبص في الأرض قابض على ايده بحده... وداخل مش شايف حد وبيتحرك متجه للسلم. وقف حافظ وقال بحده: -كنت فين يارعد... هو ده اللي هتتجوز وبتاع، إزاي تسيب بنتي في الحالة دي.

مردش عليه وكمل مشي لحد ما وصل لدرجة السلم. لكن أسماء مسكت دراعه بغضب وقالت: -استنى هنا، رد عليا. لف وجهه ونظر لها، نظر ليديها اللي بتمسك به، وبعدين بصلها ملامحه اتبدلت للشر. وهي كملت بعصبية: -إزاي تسي.... صفعة قوية جنونية نزلت على خدها، أوقعتها أرضاً. سكووووت تام... الكل بقى في حالة صدمة من تغيره المفاجيء. أسماء رفعت وشها وبصتله بخوف وصدمة، وإيدها على خدها ونقطة دم كانت على شفايفها.

قرب منها ومسكها من شعرها من الخلف وقومها بقوة وهي بتصرخ من الألم. نظر في عينها، وهي بصتله عينه كان فيها شيطان بيستعد للقتل. قال بنبرة غليظة مخيفة: -وعزة وجلالة الله، لأخليكي تندمي على اليوم اللي فكرتي تروضي فيه شخص زيي... هتدفعي تمن كل لحظة خلتيني أمشي فيها ورا كلامك الوسخ. حافظ بغضب: -سيب بنتي يا رعد... ماسكها ك.... قاطعه رعد بصوت غاضب: -محدش يدخلللل. سكتوا، خصوصاً خديجة اللي كانت بتبص له بدهشة.

نظر رعد لاسماء بحده مليانة شر، وخبث وقال: -مش انتي بتحبي الابتزاز... أنا هعلمك بيبقى عامل إزاي... مش عبيطة زيك اللي تيجي وتلعب معايا. نظرة الخوف كانت على ملامح أسماء، لكنها قالت: -إياك تتهور، متنساش إن أنا معايا ال.... سكتت بصدمة لما رفع الفلاشة قدامها وهو بيبصلها بحده، بداخله وحش يريد التحرر للانقضاض. قال بنبرة رعبتها وخلتها مش قادرة تقف: -مبقاش حاجة أخسرها... يبقى استعدي بقى...

ولو على اللي فيها، كل حاجة راحت للبوليس خلاص. اتصدمت وانفاسها تعالت بخوف، وهو لسه ماسك شعرها اللي كاد الخروج في يده. بعد عنها وقال بحده: -يا أنا، يا انتي يا بنت الجبالي. ولف وطلع لفوق... سابها واقفة مكانتش مرتاحة إنه سابها دلوقتي، الخوف كان مسيطر عليها... معنى إنه سابها دلوقتي يبقى اللي جاي يخوف. خديجة لأول مرة كانت خايفة من ابنها وتصرفه، دايماً كان شخص عاقل، لأول مرة تشوف النظرة دي في عينه. قرب حافظ من بنته وقال:

-انتي عملتي إيه؟! شهد: -أنا هقولكم عملت إيه؟! نظروا لها وهي بصت ناحية أسماء بضيق وحكت كل حاجة. قام زيدان بغضب وبص ناحية أسماء: -بقي كل ده يطلع منك. سعاد بعصبية: -هو إيه ده كل اللي يطلع منها!!! ... في النهاية دي قتلت ابني، دي حاجة قليلة عليها. زيدان بحده: -بطلي غل وحقد بقى... البت معملتش حاجة ليكوا طول حياتها، من يوم ما جت وانتي معاكي مشكلة معاها، إيه هي! الله أعلم. بصت سعاد لحافظ وقالت بعصبية:

-انت هتسيبوا يكلمني كدااا... مش هترد؟! بصلها حافظ بحده وقال: -كل اللي بيحصل مسخرة... مبقتش عارف أقف مع مين ولا مين!!! ولف وطلع على أوضته، وشهد وسهير طلعوا. زيدان دخل أوضته، وخديجة نظرت للأعلى وطلعت. سعاد بصت لاسماء وقربت منها وقالت: -يلا روحي أوضتك. أسماء كانت بتبص في الأرض بتوتر وقالت: -أنا خايفة ياماما. سعاد: -مش هيقدر يعمل حاجة... هقول لخديجة وهي هتهديه. سكتت أسماء... والخوف على وشها، لكنها اتحركت مع امها.

في غرفة رعد. دخل بغضب، لكن أول ما قفل الباب قناع ضعفه ظهر. قلع جاكت بدلته، اتجه ناحية الكنبة اللي كانت قدام النافذة بالظبط. قعد على الأرض وسند ضهره للكنبة ووجه للنافذة ينظر لضوء القمر اللي أصبح معتم. رفع ركبته ووضع عليها ذراعه.... ملامحه باهتة وحزينة. افتكرها، افتكر كل حاجة وصلتهم لهنا. نزلت دمعة حزينة من عينه الحادة. نظر لذلك القمر، افتكر أيامهم سوا لما كانوا على الجبل. "أنا واثقة فيك". "انت مش واحد غريب...

انت جوزي" "رعد". كلامها مش قادر يفارق دماغه... هاجمته تلك الذكرى وهو شايف كتلة الدم الحمراء... غمض عينه بوجع وهو يتذكر طفله اللي لم يكتمل نموه حتى داخل رحمها.... حس بسكينة بتغرز في قلبه، وكأنه هو اللي بيشدها ناحيته. كتم انفاسه من الخنقة اللي فيها... رفع رأسه ونظر للأعلى... بكى، بكى من الفراق... كل حاجة خلصت، كل حاجة انتهت... مش عارف هيشوفها تاني امتى. "مبقتش طايقاك... مبقتش طايقة حاجة تربطك بيا"

كان بيتذكر كلامها اللي بيغزوا عليه... مكانش شايف لمعة الحب تاني في عينها، يا للسخرية... لقد أنهت على طفلهم، على آخر خيط ترابط بينهم... كيف سيكون لهذا حب!!! أخرج شيء من جيبه ورفعه قدامه... كانت تلك الأساورة اللي أعطاها إياها، شافها مع السكرتيرة وأخدها ووضع مكانها مبلغ مادي. نظر للأسورة اللي لسه ريحتها فيها... احتضنها بكف يده ونظر للبلكونة. شافها... شافها واقفة ومبتسمة ابتسامتها البريئة، لكنها بترجع للخلف...

لفت واتجهت للسور وتدريجياً بتختفي من أمامه، وكأن العقل والقلب يخبروه بأن كل شيء ذهب... لم يعد يوجد مفر من الواقع. خديجة فتحت الباب بخفة، وشافته... شافت ابنها مكسور، لأول مرة... حتى بعد موت فهد مكانش كده، كان ثابت وبيفكر ينتقم وبس... دلوقتي الانتقام جه عليه هو، هو اللي اتكسر في الآخر... بس مش لوحده. لفت وخرجت بحزن وقفلت الباب، اتجمعت دمعة على طرف عينها ومشيت. في أوضة أسماء. دخلت سهير والحدة واضحة على ملامحها.

أسماء كانت لسه بالفستان الأبيض، وقاعدة بترتعش وحاطة إيدها على رأسها وبتنظر للأرض. قربت سهير وقالت بحده: -وفي الآخر، كل حاجة باظت أهو... استفدتي إيه بقى؟! بصتلها أسماء بحده وقالت: -ملكيش دعوة... امشي. سهير قربت منها قائلة: -أنا كنت عارفة كل حاجة، وسكت... كنت عارفة خباثتكم وبرضوا سكت... وفي الآخر، عصام راح... وانتي هتروحي. بصتلها أسماء بشدة. كملت سهير بنظر قوية: -أومال!!! انتي فاكرة رعد هيسكت...

هو يبان هادي وبارد، بس وراه حاجة تخوف وانتي عارفة كدا كويس. انفاس أسماء تعالت وسهير كملت قائلة: -بصراحة مش زعلانة على موت عصام... هو يستاهل، بس انتي صعبانة عليا... حياتك هتتدمر... مش بعيد يقتلك. قالت أسماء بعصبية: -اطلعي براااا. ابتسمت سهير وقالت: -طالعة أهو... واشبعوا بيها، أنا خلاص هاخد حق جوزي وأمشي أشوف حياتي... كفاية قذارة لحد كدا. ولفت وخرجت من الأوضة، وأسماء مسكت مزهرية ورمتها على الباب بغضب وخوف.

قعدت على السرير تفكر هيعمل فيها إيه ياترى؟! لكن جه في بالها حاجة واستغربت قائلة: -بس فين حياة دلوقتي؟! بعد أربع سنوات. في فرنسا "باريس". في فيلا فخمة... وتحديداً في المساء. نزلت على السلم وهي ترتدي هودي أبيض بدون قبعة وبنطال جينز أزرق... وسايبة شعرها. نزلت وظهرت ضحكتها البريئة. كان فيه راجل قاعد على الأرض وعاطيها ضهره... وطفل صغير في بداية الرابعة من عمره... وكانوا يلعبون سوياً، وحوليهم ألعاب كثيرة. قربت

وقعدت معاهم وابتسمت وقالت: -كل شوية هلم من وراكم كدا... ما تعقل شوية يا يونس. نظر لها وكان جون، ولكنه دخل الإسلام وأصبح اسمه "يونس". ابتسم وقال: -معلش ياحبيبتي، مش بشبع منه. نظرت للطفل وابتسمت، وهو قرب منها وأخدته في حضنها تضمه على صدرها. قالت للطفل بابتسامة: -أنا جعان يا ماما. ابتسمت وقالت: -طب اجري في المطبخ عند دادة صوفي. قام وجري متجه هناك، لكنه وقع، بس قام تاني. قالت بقلق: -عدي خلي بالك. ابتسم واتحرك للمطبخ.

قامت وقفت ومعاها يونس. ضحك يونس بخفة وهو ينظر له: -الواد ده شقي على فكرة. ابتسمت وسكتت وهي تنظر ناحية المطبخ. قرب يونس من خلفها وحضنها، لكنها اتخضت وبعدت فوراً وبصتله قائلة بحده: -يونس. نظر لها بضيق وقال: -إيه؟! متنسيش إني جوزك. ابتلعت ريقها واتنهدت ونظرت له بضيق وتوتر وقالت: -مش دلوقتي. قال بضيق واضح: -لحد امتى يا حياة... بقالنا تلت سنين على الوضع ده، محدش بيقرب من التاني. قالت بأنفعال: -قولت مش دلوقتي.

سكت، نظر لها وبعدين اتحرك واتجه للمطبخ. نظرت لايدها، رجعت الحالة الرعشة المستمرة... انفاسها زادت وكأن قربه منها بيفكرها بالماضي. لفت واتحركت ناحية المطبخ وشافت عدي بياكل عادي، ويونس بيجيب حاجة من التلاجة. ونظرت تحديداً لعدي. بعد وقت. في غرفتها، كانت ترتدي بيجامة زرقاء اللون، قاعدة على السرير وعدي قاعد على رجلها وبيتفرجوا على كرتون في الاب توب. بصلها عدي وقال: -ماما... هو بابا يونس مش بينام معانا ليه؟!

اتنهدت بضيق وقالت: -عدي قولتلك متقولش بابا، اسمه عمو يونس. سكت عدي بضيق ولف وجهه ونظر للأسفل وعقد ذراعيه. اخدت نفس وحضنته من الخلف بقوة وقالت: -فيه إيه تاني؟! قال بضيق: -الولاد في الحضانة بيسألوني مين باباك، وبخاف أقولهم عمو يونس عشان انتي متزعليش. سكتت، الحقيقة اللي مش قادرة تواجهها بتهاجمها كل يوم بمجرد كلام بسيط. قالت: -متردش عليهم ياحبيبي. حاولت تلطف الجو وقالت: -واه صح، مش قولنا نقول تشايلد كير...

مش الحضانة، إحنا هنا في فرنسا. قال بغيظ: -كلهم مكان للتعليم وخلاص هو لسه ناقص لعبكة. ضحكت عليه وشدته لحضنها أكثر. قعدت تلعب معاه وفي النهاية... نام. كان مستلقي جمبها وهي بتعيد خصلات شعره الصغيرة الناعمة للخلف وبتتأمل ملامحه. فجأة، شافت فيه شخص تاني ملامح شخص تاني مطابقة لملامح ابنها. بعدت بخوف، انفاسها عالية بشدة. ابتلعت ريقها، قامت من على السرير واتنهدت وحاولت تهدي.

خرجت من الغرفة ونزلت للأسفل، المكان كان شبه مظلم، كانت بتمسح على جبينها. دخلت المطبخ وفتحت التلاجة اللي عاطية نور للمكان. اخذت زجاجة مياه وقفلت باب الثلاجة، ولفت غطا الزجاجة ولفت. صرخت بقوة وخوف ووقعت الزجاجة من إيدها. شافت قدامها مشهد، مشهد لتلك الكتلة الحمراء، لكن مش بتبصلها هي... كانت بتبص لذلك المكسور وهو ينظر للصندوق ويبكي، كانت شايفة ضعفه ودموعه. نزلت دمعة من عينها، وبقت زي المغيبة...

فجأة لقت اللي حط ايده على كتفها. اتخضت ورجعت خطوة للخلف. قال يونس باستغراب: -فيه إيه؟! ابتلعت ريقها وبصتله بتوتر ومسحت دمعتها وقالت: -لا مفيش حاجة. قال: -عدي نام؟! اتنهدت وقالت: -أيوا. قال: -انتي هتروحي مكتبك بكرا؟! قالت: -أيوا... هروح. ابتسم وقال: -القضية رقم تلاتة مبروك. ابتسمت بخفة وقالت: -لسه متخرجة ومكنتش متوقعة كدا بصراحة. قال: -أنا أصلاً عايزك تبقي المحامية عندي في الشركة. قالت:

-لا، عايزة أشتغل لوحدي، مع نفسي كدا. اتنهد وقال يونس: -احم... تمام، طب هتنامي فين؟! استغربت وقالت: -مع عدي، هنام فين يعني. قرب منها وقال: -طب ما تنامي معايا الليلة. سكتت بضيق ونظرت للأسفل. اتنهد بضيق قائلاً: -حياة... مش هينفع كدا، لازم نتأقلم كويس مع بعض، ولازم نقرب واحدة واحدة. نظرت له وقالت: -ارجوك يا يونس... معلش، سيبني على راحتي. اتنهد ونظر لها وقال: -تمام يا حياة... اللي يريحك. ونظر للأرض

وشاف الزجاج المكسور وقال: -خلي بالك لتتعوري، اطلعي وبكرا صوفي تنظفهم. مسك ايدها وخرجها من المطبخ، لكن هي تفكيرها في شيء تاني... ومكان تاني... وشخص تاني. في مصر، وتحديداً في القاهرة... فيلته. دخل في وقت منتصف الليل، الفيلا كانت ظلام، مش فيها أي روح أو حركة... هدوء قاتل. طلع بخطواته الثقيلة للأعلى ودخل تلك الغرفة. قلع جاكت بدلته، وبعدها ساعته. اتجه لطرف السرير وقعد ووضع هاتفه على الكمود بجانبه.

رن الهاتف، حرك عينه الصقرية له وكان رقم متسجل "امي". أغلق الهاتف... وقلع جزمته الجلد.... واستلقى على السرير، نظر للسقف. ملامحه كانت كما هي لكن بقت قاسية أكثر، حادة زيادة... تعب أكبر. كان وحيداً، من عمله للبيت ومن البيت للعمل... حتى إنه يقضي أكثر أوقاته في العمل، كي يستطيع النسيان. أخرج تلك الأساورة اللي ما زال يحملها في جيبه دايماً كي يتذكرها... قد علم بأنها ذهبت للأبد... ذهبت ولن تعود. أغمض عينه قائلاً بتنهيدة قوية:

-يارب. ولم تمر دقيقة وقد أتاه اتصال. أمسك الهاتف بهدوء وكان أيمن. رد بدون أن يتحدث. قال أيمن: -جاهز؟! افتتاح الأسواق بعد يومين... لازم تسافر الليلة. اتنهد رعد وقام قعد على طرف السرير وقال بجمود: -تمام... جهز الطيارة. أيمن: -ماشي، أنا هستناك في المدرج.... أنا واثق فيك. سكت رعد. قال أيمن محاولاً المزاح: -انت هتكسر فرنسا يا جدع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...