أسماء بكبرياء: أيوا... زي ما سمعتي، هنتجوز. بصت حياة لرعد، انفاسها تتعالى منتظرة منه رد، لكنه ساكت. سكوته بيقت*لها. قالت بصوت مخنوق: رعد... هـ هي بتقول ليه كدا؟! بصلها بنظرة جافة من المشاعر وقال: انتي طالق. اتصدمت. الكلام وقف في حلقها، مش قادرة تصدق اللي قاله، لكن قالت بصوت متقطع موجو*ع: رعد، اـ ايه اللي قولته دا، اـ انت واعي على اللي بتقوله؟ ابتسمت أسماء بنصر، وبعدين قربت منها وحطت ايدها على كتفها وقالت: كلميني أنا.
زقتها حياة بعصبية قائلة: اوعيييي، ملكيش دع.... لكن سكتت بخضة لما صرخ هو فيها قائلاً بغضب: حياااه... التزمي حدودك. بصتله بصدمة. قلبها نبضاته بتضر*ب داخل صد*رها، مش مصدقة إنه زعقلها عشانها. ابتسمت أسماء وبصتلهم. قالت حياة ودموعها تكاد على الخروج: اـ انت بتزعقلي!!! عشانها؟! نظر لها بحده وجمود قائلاً: دي هتبقى مراتي... مينفعش تعامليها كدا، وأنا موجود. علت صوتها بعصبية وقالت: انت كداااب، أنا مراتك...
مش هييي، اـ انت بتقول ليه كدا!!! مردش عليها. وقربت هي منه بدموع وقالت: رعد... قول إن ده مش صح، قول إن ده مش حقيقة، اـ انت مستحيل تعمل كدا... اـ انت مش هتسبني، اـ انت وعدتني. بصلها بجمود قاتم وقال: هعملها، وهتجوزها. حست بتلك الغصة، لكن في قلبها، كأن سكينة طعنت فيها. وقالت بصوت مرتجف مبحوح: اـ اـ انت بتقول ايه!!! بـ بتقول ايه؟! طـ طب ليه، أنا...
إنكانت بتتنفس انفاسها المرتعشة بالعافية، كانت بتختنق. وهو واقف بارد، قاسي... مفيش رحمة في عينه. قلبها حر*قها قبل دموعها وقالت: رـ رعد... اـ انا حامل.... اـ انت... قاطعها بحده قاسية قت*لت كل ما فيها: مش عايزه. اتصدمت وضمت ايدها على قلبها، بتلملم اللي اتكسر.... أو اللي بيحتضر. وأكمل هو بوجه بارد ونبرة حادة: أنا مكنتش عايز عيال أصلاً... وانتي اللي حِملتي... وانتي أصلاً كنتي مجرد نز*وة. ضر*ب كل احاسيسها بكلامه. دموعها
بتنزل بغزارة وألم وقالت: رعد. أكمل بتلك الحده الجافة: انتي فاكرة نفسك مين! انتي بنت واحدة عايز انتق*م منها وبس... أنا كنت عارف الحقيقة من الأول، وسِكت... سِكت عشان أفكر آخد حق أخويا إزاي. عادت بخطواتها من نظراته المخيفة. وهو بيقرب منها وبيكمل كلامه وقال: اتجوزتك عشان جدي... قربت منك عشان نفسي... مكانش ليكي أي أهمية في حياتي، ولا في حياة حد. أسماء كانت واقفة مبتسمة بشما*تة واعتلاء.
أما حياة كانت بتبصله بخوف، بخذلان، بكسرة.... حطم كل مشاعرها... بقت واقفة مصدومة منه... مش مصدقة إن ده الشخص اللي كانت بتستخبي في حضنه، اللي كانت شايفة ضهره حِصن... بيبعد عنها الألم قبل العدو. لكنها حاولت تبررله، تكدبه. وقربت منه وحطت ايدها الاتنين على خدوده بحزن وقلبها بيصر*خ وقالت بصوت مبحوح: اـ انت أكيد بتكدب، بتقول كدا عشان حاجة، اـ انت مش رعد اللي أعرفه. مسك ايدها بنظرة حاده
خالية من المشاعر وقال: انتي عمرك ما عرفتي رعد يا حياة. ابتسمت بخفة وقالت: لا، عارفاه... انت شخص مسجون بين حبك وإلزامك وانتقامك... مش عارف تختار بينهم، أو توزنهم صح. رجع خطوة للخلف وقال بجمود: بس أنا اخترت فعلاً... اخترت انتقم، مش هاأذيكي وكل واحد يروح لحاله... كفاية عليكي السجن. قالت وسط دموعها المشتعلة: متقدرش، متقدرش تعمل كدا... اـ انت، انت بتحبني أنا. قال بنبرة كسرتها: وأنا من امتى كنت شايفك...
أنا عمري ما حسيت بذرة مشاعر معاكي... يبقى هحبك إزاي. بصتله بدموع وانفاسها مخنوقة، وبتخرج بالعافية... صد*رها بيضيق على قلبها وكأنه بيخنقه. أكمل بحده أكبر وكأنه بيكسر آخر ذرة أمل ليها في حبه: انتي زي أمك بالظبط، مجر*مة.... أخويا راح بسببها، ودلوقتي ابن عمي برضوا.... بسببك، متنسيش انتي مين. قالت بدموع وحدة وهي بتحط ايدها على بطنها: أنا فعلاً مش ناسية أنا مين... أنا مراتك، أم ابنك.... اـ انت متقدرش تغير الحقيقة...
ده ابنك، دمك بيجري في عروقه... ده جزء منك... هتسيبه هو كمان!!! قال بحده قاسية: نزليه، أنا مش عايزه... ده غلطة. اتصدمت مش مصدقة إنها وصلت معاه لكدا: انت بتقول... غلطة!!! ده انت عارف ربنا، وعارف إن ده حرام. قال بسخرية جارحة: وانتي اللي هتفهميني الحلال من الحرام! ... انتي مكانش لازم تيجي على الدنيا أصلاً، مكانش على الأقل حد قالك إنك بنت.... مقدرش يكمل... ابتلع ريقه وبصلها بضيق.
نظرت للاسفل وجهها باهت. دموعها بتتساقط كأنها بحر بركاني مش مائي وقالت: معاك حق... مكانش لازم آجي فعلاً، انت الوحيد اللي قدرت تقنعني بالكلام ده... دلوقتي. غصة في حلقه خنقت روحه وهو ينظر لها. وجهه حاد ولكن بالداخل شخص يلعن نفسه ألف مرة. رفعت عينها وبصتله، قربت منه وقالت بصوت باهت: ارجوك، ارجوك متعملش أنا فيا كدا.... اـ انت عارفني، انت عارف ضعفي قدامك بيبقى عامل إزاي... ارجوك يا رعد، متكسرنيش زيهم...
مش هستحملها منك انت.... من حبيبي. بص امامه بجمود وسكت بضيق. قربت منه أكتر ومسكت في منتصف قميصُه بأطراف أصابعها وقالت بتعب: انت بتعمل ليه كدا؟! اطـ طب أنا عملت إيه؟ اـ انت قولت بنفسك... أنا مليش ذنب. لا رد...... كانت بتبصله وهو بينظر للامام. عينها فيها أسئلة كتير، كلام أكتر... وجع في قلبها لا يُحتمل... كانت بتنظر لملامح وشه الباردة، القاسية، مبقتش شايفة تلك اللمعة في عينه لما بيشوفها، كأن كل حاجة ما*تت.
قالت بذلك القلب المحتر*ق: هـ هتسيبني؟! هتتخلي عني؟! طـ طب وابنك، مين هيربيه؟! دـ دا حتة منك. نظر لها وظل صامت... عينه حمراء حابس شيء جواه، مش قادر يخرجه. قربت أسماء ووقفت جمب رعد ومسكت في دراعه وقالت بهدوء بارد: مش فاضيين لكلامك ده دلوقتي يا حياة، خلاص مبقاش في حاجة بينكم دلوقتي، انتي طليقته.... لازم نمشي عشان نحدد يوم الفرح، متقلقيش، مش هنطول.... اقل من أسبوع بس، وهبقى مراته... على سنة الله ورسوله.
نظرت لها حياة بعيون متعبة، وبعدين نظرت لرعد اللي ساكت بجمود. ابتسمت له بخفة خلف قلبها الذي يضر*بها بقوة من أ*لمه وغيرته وقالت: مبروك.... مبروك يا رعد. بصلها... وأكملت هي بنفس الملامح الباهتة والعيون الميتة وقالت بصوت يختنق من الألم: بس اوعي تنساني، اوعي تنسي حياة، البنت اللي انت كسرت حُبها... البنت اللي انت قت*لتها وهي حيّة بكلامك وقسوتك... البنت الضعيفة اللي دوست عليها بدم بارد.... كملت بنبرة
ضعيفة مطعونة بسكينة حامية: إحنا بقينا قصة حب ملهاش أمل... ملهاش حياة. عينه في عينها شاف عينها اللي كانت بتلمع زمان ينتشر بها الظلام الآن... مبقاش في أي روح بتتحرك جواها... قت*لها وقت*ل مشاعرها، قت*ل البنت الصغيرة بالداخل. أسماء بصتله، وبعدين نظرت لحياة وقالت بجمود: إحنا جينا عشان بس متقعديش منتظرة، وتعرفي اللي هيحصل.... سلام يا حياة. حياة مبصتش ليها حتى. عينها كانت على عين رعد بثبات ونظرة ميتة.
وأسماء بصتلهم، شدته بهدوء وخرجوا من المكان تحت نظراته للأرض الغاضبة... المكبوتة، صوت وحش جواه بيخبط على جدران صد*ره بقوة ليخرج.... ولكنّه محبوس. نظرت له ملامحها ثابتة وباهتة ومتعبة، ولكن دموعها تعلن خروجها. عينها على الباب، وحطت ايدها على بطنها. قائلة بنبرة مكسورة من المشاعر، نبرة باهتة من أي ألوان: "غلطة، كانت مجرد غلطة... لازم تنتهي". في القصر... بعد وقت.
دخلوا القصر هو وأسماء وهو لسة بيبص للأسفل، بيفتكر دموع تلك الصغيرة... دموعها اللي كانت زي سكاكين بتخترق جس*ده. أسماء حطت ايدها على كتفه وقالت بضيق: كفاية يارعد. نظر لها بحده مخيفة أرعبتها، ومسك ايدها بقوة واتجه للمكتب، حاولت تبعد ايدها اللي هتتكسر تحت ايده، لكنه كان أقوى. دخل المكتب وقفل الباب، وضهرها بقى للحيطة. فجأة لقته بيمسك رقبتها بأيد واحدة، وكان بيضغط بقوة وغضب... وكأنه بيخرج جزء من ثنايا صد*ره...
جزء شرس بداخله. كانت هتمو*ت تحت ايده وهي بتحاول تبعد، وهو بيضغط أكتر لدرجة إنه رفعها قليلاً للأعلى وهي خلاص، كادت تفقد النفس، وأعينها تتجحظ وتحمر من الخنق. لكنه تركها ووقعت على الأرض تسعُل، تركها عندما تذكر بأنه يجب أن يجعلها حيّة بعد.... كانت تسعل بقوة وهي تأخذ انفاسها المتقطعة. فجأة نزل لمستواها وامسك فكها بقوة كادت أن تكسرها قائلاً بنبرة غليظة حادة: اللي حصل ده... مش هيعدي بالساهل. أبعد وجهها بقوة وقرف و قام وقف.
دخلت خديجة واتصدمت وبصت لرعد، وبعدين قربت من أسماء بتربت على ظهرها بخفة. نظر لهم بأعين حمراء حادة مشتعلة مثل البركان. واتحرك وخرج من المكتب وخرج من القصر. بصت خديجة لاسماء وقالت: إيه اللي حصل؟! ابتسمت أسماء وسط سُعالاها وخنقتها وقالت: طلقها. اتنهدت خديجة وملامحها باردة، وكأنها لا فرحت ولا حزنت. قامت خديجة وقالت: أنا أقنعت أمك... وهي هتلم أبوكي، عشان الفرح. في العربية، خارج القصر....
كان قاعد بضيق، مش بيسوق، بيفكر وبس. بيفكر فيها وهي بتترجاه ميسبهاش.... بيفتكر دموعها اللي كانت زي إسهُم بتغزوا عليه. نظر للأسفل وهو ماسك الدريكسيون بقوة، انفاسه عالية وثقيلة، عروق يده ورقبته ظاهرة، مش قادر يبعد ذكرياته وهو بيفتكرها، مش قادر ينسى كلامها.... "ده ابنك... دمك بيجري في عروقه، ده جزء منك" "متكسرنيش زيهم... مش هستحملها منك... من حبيبي" "إحنا بقينا قصة حب ملهاش أمل... ملهاش حياة"
كلاماتها كانت زي الرصا*ص بالنسبة له، رصا*ص حارق يخترق قلبه المتحجر. فجأة تجمعت دمعة على حرف عينه تساقطت على قدميه. غمض عينه بقوة وتعب، حزن بينهش فيه. رفع عينه الصقرية الحاده افتكر اللي حصل.... افتكر هو عمل ليه كدا. قبل يومين -دخل القصر بغضب قائلاً: اسمااااااء. مكانش في حد في القصر كلهم في المقابر بيدفنوا عصام. لكن نزلت أسماء من فوق وقالت: كنت عارفة إنك هتيجي هنا... عشان كده مروحتش.
قرب منها بغضب وقال: وصلت بيكي لكده.... جبتي منين الخباثة دي، عارفة الحقيقة وساكتة. كانت بتبصله بحده، بخوف... كانت متماسكة وقالت: أنا معملتش حاجة غلط. قال بغضب: انتي كُلك على بعضك غلط... فاكرة بكده هتستفادي إيه؟! ابتسمت بجنون وقالت: هستفاد... هستفاد كتير أوي، هستفاد بأنك تكون ليا. قال بحده: الساكت عن الحق شيطان أخرس. ابتسمت قائلة: تؤ... أنا مسكتش، أنا بس بحقق أحلامي اللي اتحرمت منها... وهي غلطت ولازم تدفع التمن.
شد أكثر على ذراعها اللي التوى تحت ايده وقال: فين الفيديو؟! بصتله بنظرة قوية وقالت: مش هتاخده... دليل براءتها في ايدي، وعايز تاخده مني!!! قال بحده: الفيديو يا أسماء.... حياتك هتبقى قصاده. اتنهدت وقالت: تمام، تمام... حاضر، اللي انت عايزه. خرجت تلفون من جيبها ورفعته قدامه وشغلت فيديوا... اتصدم بشدة من محتواه. كان عصام يعت*لي حياة على الأرض ومقرب منها ووجهه في رقب*تها وهي بتصرخ وبتعيط. رعد قبض على ايده بغضب جحي*مي.
كمل الفيديو، لما عصام قال حاجة لحياة وبعدين رجع يكمل عملته، لكن حياة مسكت السكينة من على التربيزة وضر*بتها في بطنه. جه بعدوا بالظبط فيديوا في الشارع لما عصام رش في وش حياة المخدر واغمي عليها واخدها في عربيته... ده دليل كافي على براءتها. قبل ما يمد ايده وياخد التلفون، وقعته أسماء على الأرض وداست على التلفون برج*لها بقوة، لدرجة أنها كسرته. بصلها بغضب وقال: انتي اتجننتييييي. قالت بحده: أنا معايا نسخة أخيرة منه...
توافقلي شروطي وأنا مش هعمل فيه زي التلفون. بصله بغضب قادر يحر*قها، لكنه اتنهد وقال بحده: إيه هي؟! ابتسمت وقالت بثقة: نتجوز. قال: شكلك اتجننتي بقي. قالت: فعلاً مجنونة بيك انت... وبس. قربت وقالت: هتتجوزني، دليل براءتها في ايدي... يعني لازم تعمل اللي أنا عايزه عشان تاخده. قال بحده: هقت*لك. ابتسمت وقالت: مش مهم، حتى لو حاولت أنا مش هديك حاجة... ده غير إن لو مت أنا مش هتوصل للدليل. بصلها بغضب، دي ربطت ايده ربطت تحكماته.
أكملت بخبث وغل واضح: وهتطلقها... أنا مش هقبل أكون زوجة تانية. قال بنبرة متجمدة: وإيه اللي يخليني أوافق... إيه اللي مخليكي واثقة من إنك هتسيطري عليا. ابتسمت وقالت: هتتعدم... حياة هتتعدم لو انت مجبتش الدليل يا رعد، هتستحمل تشوفها ميتة. قبض على يده ونظر للأسفل بغضب. قربت من اذنه قائلة: هتقدر تشوفها بتمو*ت... هي واللي في بطنها. رفع عينه وبصلها بشدة وتحدث بنبرة حاده: عرفتي منين؟! بعدت وقالت: طنط خديجة.... عرفت الكل.
نظر لها بعيون مشتعلة، وهي قربت منه وقالت: أكيد هتوافق، في روحين انت متعلق بيهم... هيا، وابنك... لازم تضحي شوية. رفع عينه الرصا*صية ونظر لها قائلاً بحده: إيه اللي يخليني أصدق إنك هتديني الدليل. ابتسمت وقالت: وعد مني، إني هديك الدليل بعد جوازنا... وقتها هتبقى ملكي، مش هحتاج حاجة تانية.... بعد أول ليلة بينا، الدليل هيكون في ايدك.
سكت، لازم يعطي حاجة قصاد إنه ياخد حاجة، دي مش عايزة جوازه منها وبس، دي بتطالب قربه وعلاقة بينهم كمان. أنفاسه كانت ثقيلة ومخنوقة، ونظر لها. أسماء: أنا مش شايلة أي دليل هنا، أنا عارفة تفكيرك برضه.... فقلت إيه؟ موافق ولا.... بصلها بحده وقال: موافق. ابنسمت بفرحة وقالت: وهتطلقها.... قدامي... ولازم تخليها تصدق ده فعلاً من كلامك. بصلها وسكت، وهي لفت واتحركت تجري مكالمة. وهو... هو كان بيغرق في بحر قراراته...
كان بيغرق في بحر ملهوش عُمق. تاني يوم قالوا للعيلة، وحافظ موافقش نظرًا لوفاة عصام... سعاد اللي كان كل تفكيرها تقهر حياة زي ما قهرتها على ابنها. وخديجة اللي كانت موافقة، ومترددتش في الكلام. _كفاق من شروده وعيونه الملتهبة من تلك الدموع الذي تتطالب بالتحرر.... قال بصوت رجولي مبحوح: حياة... أعاد رأسه للخلف، ومسح على شعره بضيق وهو بيفكر فيها، بيفكر في حالتها دلوقتي. نظر امامه بحده، شغل العربية وشد القير في السيارة وانطلق.
بعد أربع أيام... في قسم الشرطة.... في المساء. كانت مستلقية على الأرض، ضامة نفسها كالطفل الرضيع، نايمة على جنبها ووجهها للحائط. وشها بقى شاحب جدا... التعب سيطر عليها، كانت فاتحة عينها وبتبص قدامها بلا هدف. كانوا الستات قاعدين بيتهامسوا عليها. -بقالها أربع أيام مش بتاكل كويس... أصلها حامل. -دي قالت إنها متهمة في جر*يمة قتل... يعني إعدام. -لا يابت... دي ممكن يسبوها لبعد الولادة بسنتين وبعدين تتعدم.
-هي مش قالت إنها متجوزة... أمال فين جوزها ده؟! -شكله كدا سابها ومش سائل فيها... هما الرجالة كلهم كدا. تساقطت دمعة مكومة من ذكريات كثيرة على خدها، ملامحها ثابتة، لكن دموعها بتعبر عن ما بداخلها. كانت بتفتكر كل حاجة... بتفتكر أيامها معاه، ضحكها، ابتسامتها، نشاطها... حبها. كله اختفى في لمح البصر، كل حاجة اتبخرت... ما*تت. دموعها كانت بتنزف.... بتنزف وجع، وقهر، وكسرة... كانت بتتخيل إنه في حضن غيرها دلوقتي...
كانت فاكرة إنه خلاص، اتجوز... كانت فاكرة إن حضنه بقى لواحدة تانية، مكانها، أمانها... بقى لغيرها. قلبها كان بيصر*خ من الوجع والغيرة... صوت انفاسها اتكتم، روحها بقت جثة هامدة. فجأة سمعت صوت مشرفة السجن بتقول: حياة الجبالي... يلا اطلعي، التهمة وقعت من عليكي... براءة. قامت قعدت وبصتلها بشدة، قامت بسرعة والستات بيبصوا عليها. خرجت مع السجانة، واتجهوا لمكتب الظابط.... مكانتش مصدقة، هي خلاص...
هتطلع من هنا، مبقاش في سجن تاني. حاجة جواها قالتلها رعد، ونبض قلبها رجع تاني، لآخر مرة حست إن في أمل. اتفتح الباب، ولقت الظابط قاعد وشخص واقف قدامه وعاطيها ضهره. نطقت اسمه من بين شفايفها، بصوت خافت ومبحوح: رعد. لكنها اندهشت واستغربت لما لف لها وبصتله. ابتسم لها وقرب وقال: فاكراني... أنا جون، اللي كنت جاي أتقدملك. بصتله وهي مصدومة، مش عارفة تعمل إيه... بل مش فاهمة حاجة.
اتنهد الظابط وقال: في شخص جه وقال إن هو اللي قت*ل عصام الجبالي... رغم إني مش مقتنع، بس الأستاذ جون بيمد أدلة إن حضرتك ملكيش علاقة بال حصل... والمفاجأة، إننا كشفنا على البصمات تاني، ولقينا بصمات الراجل اللي عليها. اتصدمت وبصت لجون، بيلبّس غيرها التهمة... عشانها. كانت هتتكلم بس جون منعها بنظراته، وبعدين لف وبص للظابط وقال: أظن هي دلوقتي مش مجر*مة عشان تتحبس... لازم تخرج.
اتنهد الظابط قائلاً: تمام، هتمضي بس على شوية حاجات هنا. جون مسك ايدها وبصلها وقعدها على الكرسي أمام الظابط وقال: امضي يا حياة.... يلا امضي. بصتله، كانت مترددة، خايفة... مش عارفة تعمل إيه. لكن جون خلاها تمسك القلم، وبالفعل نظرت مطولاً للورقة وبعدين مضت بيد مرتعشة. خلصت وجون قومها ونظر للظابط وقال: مُتشكر لحضرتك. الظابط: بصراحة أنا مش متأكد في اللي حصل.... بس هدور، وهعرف. ابتسم جون وقال: وده شغل حضرتك برضه... عن إذنك.
جون مسك ايدها وخرج. امام القسم. قالت بحده: انت مجنون، انت مُتخيل اللي عملته... اـ ازاي تظلم حد عشان تخرجني. اتنهد وقال بهدوء: وانتي كنتي عايزة تفضلي كدا... في المكان ده، فوقي يا حياة... انتي كنتي عايشة في قصر، وفي الآخر تبقي في السجن. دموعها اتجمعت في عينها، لكنها قالت بحده: ملكش فيه... مكانش لازم تتدخل أصلاً. قال: مقدرش أشوفك في الحالة دي وأسكت. قالت بعصبية: وانت مالك؟! حد اشتكالك... أنا اشتكتلك!!! قال بحده: لا...
بس مينفعش أسيبك في الحالة دي.... مش معنى إن رعد اتخلى عنك يبقى أنا أعمل زيه. بصتله بشدة وضيق، ونظرت للارض، كأنه واجهها بحقيقة مُرة، حاولت تنساها معرفتش. أكمل وقال: تبقي انتي محبوسة، وهو ولا شاغل باله.... وبيتجوز. نظرت له. وهو بصلها قليلا وبعدها اخرج تلفونه وشغله على حاجة. قال: بصي كويس، ده بث مباشر على اللي بيحصل في بيت الجبالي دلوقتي. نظرت للشاشة، كان من الخارج، في الجنينة....
البيت متزين بأنوار خفيفة وفي ناس موجودة.... وفي المنتصف كنبة وطربيزة عشان كتب الكتاب. شافت أسماء واقفة مع خديجة وكانت مبتسمة، ولا كأنها واحدة أخوها الكبير لسة مي*ت من أسبوع.... كانت لابسة فستان زفاف أبيض أنيق. كانت عينها بتروح للزاوية، عايزة تشوفه، وبالفعل لمحته واقف بكل هيبة وجمود ببدلته السودا، وواقف وراه أيمن. كان واقف وكأنه مش شاغل بال بحد... لا بيها، ولا بأبنه اللي بينمو داخل رحمها.
تساقطت تلك الدمعة الصا*رخة من اعينها، حطت ايدها على بقها بتحاول تمنع صوت شهقا*تها الموجوعة. بصلها جون وقال بجمود: هو بيستعد لكتب كتابه، وانتي هنا قاعدة إيدك على خدك.... أنا لو مكانك.... هأذيه زي ما آذاكي. رفعت نظرها وبصتله، كلامه دخل عقلها قبل قلبها، نار الغيرة بتحرق في صد*رها.. اخدت نفس وبصت قدامها بعيون حمراء مكسورة، ولكنها حادة. لفت ومشيت. نادا عليها جون وقال: حياة... طب تعالي هوصلك. قرب منها، لكنها حطت ايدها
امامه وقالت بنبرة جافة: مش عايزة حد... سيبني لو سمحت. سكت ووقف مكانه، وهي كملت طريقها في الشوارع مش عارفة تروح فين... لكن جه مكان في دماغها... هتنهي بيه كل الحكاية. في قصر الجبالي. واقف رعد وايمن وراه. همس له رعد بحده وقال: بسرعة يا ايمن.... أنا مش هقدر أكمل، لاقي الفلاشة بسرعة. ايمن: الرجالة عند بيت صاحبتها... لسة في الطريق. قال بحده واضحة: قولهم ينجزوا. أومأله ايمن وبعد. قرب
زيدان من رعد وقال بحده: أتمنى تكون عارف انت بتعمل إيه كويس. بصله رعد ببرود: عارف، مش هاخد أكيد النصيحة منك... ياجدي. اتنهد زيدان بحده وقال: دي مسخرة... يبقى ابن عمك مكملش أسبوعين في قبره واحنا هنا عاملين فرح. : خلاص يا جدو... متبوظش فرحتي. بص زيدان خلفه وكانت أسماء بصلها بقر*ف وقال: مش مصدق إنك حفيدتي... مش مصدق إنك من عيلة الجبالي أصلاً. ومشي من قدامهم، وهي بصت لرعد وقربت منه مبتسمة
وحطت ايدها على كتفه وقالت: مبروك يا عريس. مسك معصمها بحده وقال: متخلنيش اتصرف تصرف مش هيعجبك. ابتسمت وقالت: متقلقش، هخليك تحبني بعد الجواز.... اهدي عليا انت بس. بصلها بحده ولف، لكنها قالت: رعد... كتب كتابنا بعد دقايق، خليك هنا. مردش عليها واتحرك، خرج ووقف قدام القصر بغضب، طلع سيجا*رته وبدأ ينفث الدخان بحده، وهو بيفكر... مش هيقدر يتجوزها، مش هيقدر يلمسها، هو ملك لواحدة تانية... حياة.
فجأة جت شهد بسرعة وهي بتنهج ودموعها متجمعة في عينها. استغرب وقال: في إيه؟! رفعت ايدها وكان بها شيء.... نظر ليدها وكانت فلاشة حمراء. بصلها. وهي قالت بصوت مبحوح: اـ أنا لقيت دي في اوضة ماما... وشوفت اللي فيها، دليل براءة حياة. مسك الفلاشة بسرعة وبصلها وقال: شكراً يا شهد... انتي عملتي معايا معروف عمري ما هنساه. ابتسمت بحزن. وهو كاد التحرك ولكن وقفته مكالمة من هاتفه، مسك تلفونه واستغرب لما قرأ الاسم وكان الظابط.
رد وقاا: الو. اتاه الرد: أهلت بحضرتك يا رعد بيه... أحب أقولك إن المدام حياة خرجت. استغرب وقال: خرجت إزاي؟! قال الظابط: في شخص جه واعترف على نفسه وإنه هو اللي قت*ل عصام الجبالي، رغم إني مش متأكد... بس الأدلة بتقول عكس كدا، وهي خرجت براءة. قال رعد: خرجت لوحدها؟! قال الظابط: لا... مع جون وولف. اتصدم، وقفل التلفون بسرعة، وجري لعربيته بسرعة.... حراسه كانوا هييجوا معاه لكنه شاورلهم بحده محدش يلحقه.
ركب العربية وانطلق بسرعة، مسك تلفونه واتصل بجون اللي مأخرش في الرد. قال رعد بغضب: فين مراااتي؟! سمع تنهيدته وقال بهدوء: مش معايا. قال رعد بغضب: هي خرجت معاك، هتنطق ولا أجى أسحب روحك. قال جون بحده: عايز تعرف هي فين! ... هي دلوقتي قدام عيادة. استغرب رعد وقاا بحده: عيادة إيه؟! قال جون: عيادة نسا... بس للإجهاض. اتصدم، الكلام وقف في حلقه، وقلبه وقع اتشل مبقاش قادر يتحرك من الصدمة....
لدرجة إنه كان هيعمل حا*دثة لكنه لف بسرعة ووقف العربية. قال جون: راحت تخلص من آخر ترابط بينكم. قلبه وقف للحظة، مكانش قادر ينطق، لكنه اتكلم بكل قوته وبصوت رجولي مبحوح: فين، العيادة؟! سكت جون قليلا ولكنه قال: عيادة****، حاول تلحقها بقى و.... ملحقش يكمل عليه لما رعد قفل بسرعة ورمي التلفون جمبه على الكرسي وداس فرامل بقوة ولف العربية وهو متجه لهناك، المكان بعيد لكنه هيعافر عشان يلحقها قبل ما تنفذ تفكيرها.
امام عمارة قديمة في حي قديم فارغ، منور بتلك الانوار الصفراء الباهتة. كانت واقفة قدامها تبص عليها. رفعت عينها وجت على اللافتة الخارجة لمكان معين، وكان مكتوب عليها اسم دكتورة. اتنهدت ودخلت للداخل وصعدت على السلالم الفارغة، واتوجهت لداخل العيادة. لقت السكرتيرة قاعدة. قربت حياة وقالت بنبرة جافة: عايزة أعمل العملية. السكرتيرة: تمام، هتدفعي دلوقتي؟! نظرت حياة للأسورة الماسية اللي في ايدها قلعتها بدون تردد
وحطتها على التربيزة قائلة: دي تكفي. اندهشت السكرتيرة واخدت الاسورة وبصت عليها وكانت معجبة جدا بتصميمها. ابتسمت لحياة وقالت: اتفضلي يافندم، من هنا. اتحركت حياة واتجهت للغرفة، دخلت ولقت مكتب والدكتورة قاعدة عليه. قامت الدكتورة وقالت: اتفضلي حضرتك. قالت حياة بصوت مبحوح: أنا مستعجلة، مش فاضية... خلينا نعمل العملية بسرعة لو سمحتي. اتنهدت الدكتورة وقالت: تمام... طب انتي موافقة على العملية؟! ابو الطفل موافق؟!
سكتت حياة ونظرت للاسفل، اتجمعت دموعها لما افتكرت كلامه... لكنها مطولتش وبصت للدكتورة وقالت: أيوا... مش عايزينه. جابت الدكتورة ملف وقالت: تمام، امضي هنا... ولازم نعمل فحوصات الأول عشان نشوف هتستحملي ولا لا. اخدت حياة الملف ومسكت القلم، عينها معلقة على مكان الامضاء، ابتلعت ريقها، ايدها بترتعش.... نظرت للاسفل برعشة في جس*دها بالداخل. تساقطت دمعة دافئة من اعينها، ولكنها كانت محتر*قة بالنسبة لها.
ولكنها مضت بالفعل، والدكتورة اخدت الملف، واتجهوا لغرفة صغيرة فيها سرير وبعض الادوات المعدنية تخص العملية. استلقت حياة على السرير، وبدأت الدكتورة تتفحصها. وحياه كانت بتبص للسقف، دموعها بتتساقط لوحدها، بحر دموعها مش بيخلص... كانت خايفة، مرتبكة، مترددة. مش عارفة اللي بتعمله صح ولا غلط. لكنها افتكرته لما قالها"ده غلطة". اختفت آخر ذرة ضوء في عينها، الظلام سيطر عليها... عينها اتكسرت خلاص، كل حاجة اتكسرت.
قالت في سرها بصوت مؤلم: مش هخليك تعيش اللي أنا عيشته... إحنا غلطة... لازم كل حاجة تنتهي. بعد وقت. قالت الدكتورة: تمام... هنعمل العملية، نفسيتك متدمرة الطفل مش هيكون بحالة كويسة لو كملتي، فا الأحسن إنك تخلصي منه، ده غير إن عمر الجنين مش كبير.... ونسبة الخطر مش كبيرة. أومأت لها حياة بروح فارغة من الاختيار، من المشاعر، من الأمان. اتنهدت الدكتورة ولفت وجابت بعض الادوات المعدنية عشان تبدأ العملية. بعد ثلاث ساعات.
نزل من عربيته بسرعة وهو واقف امام العيادة.... وصل في رقم قياسي. ماستناش وجري بسرعة ودخل، كان بيطلع على السلالم، المكان فارغ واضواءه خفيفة، مكان باهت من كل حاجة. طلع على فوق وشاف السكرتيرة اللي اتخضت منه ومن منظره وعروقه البارزة. قال بغضب: هي فين؟! قالت بتوتر: مين؟! قال بحده: حياة الجبالي. شاورت على غرفة الطبيبة، بصلها وجري على الغرفة فورا ودخل من غير ما يستأذن حتى. لقي الدكتورة قاعدة على كرسي مكتبها.
قال بغضب: فين حياة الجبالي؟! مراتي. قامت الدكتورة وقالت بأسف: انت والد الطفل. قلبه وجعه وقال بقلق: أيوا... هي فين؟! شاورت ناحية تلك الغرفة وقالت: مدام حضرتك هناك. نظر ناحية الغرفة، اتحرك هناك بخطوات بطيئة وثقيلة. كان قلقان وخايف... خايف عليها وعلى ابنه من تفكيرها... ابنه اللي مكنش متقبله في البداية بسبب ماضيه، لكنه استوعب إنه هيبقى أب... يعني سند. ايده كانت بترتعش لأول مرة، اتحرك هناك ومسك مقبض الباب وفتحه.
دخل واتصدم، شافها قاعدة على الأرض بتعيط وماسكة معدتها بألم، وبتبص في مكان معين في الغرفة... كانت منهارة وكأنها ندمانة، مقهورة. ابتلع ريقه من تلك الغصة القا*تلة.... عينه اتحركت ناحية المكان اللي بتبص عليها.... كانت تربيزة معدنية عليها علبة معدنية كبيرة. عينه جت على اللي في داخل العلبة واتصدم، الزمن وقف، الانفاس اتقفلت، الاحاسيس ما*تت. كانت كتلة حمراء، مليئة بالدم الدافيء... كتلة ميتة، روح مقتو*لة.
اتصدم، صدمته ضر*بت قلبه المتحجر بقوة جعلته يتحرك بألم. حرك رأسه وبصلها هي، مكانتش شايفاه، عينها بس على التربيزة وبتعيط. عيونه اسودت، وعروق ايده ورقبته زادت بروزاً... قبض على ايده بقوة وهو ينظر لها، استوعب إنه خطئهم هما الاثنين، لكن خطئها كان اكبر... كان تدمير لكل حاجة، لكل لحظة لكل وقت.... صدق كلامها فعلاً.... وكما قالت "قصة حب ليس لها أمل... ليس لها حياة".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!