عدت الأيام وجاءت إجازة الشتاء. كان عندي وقتها تكوين ومطلوب مني أسافر القاهرة لمدة أسبوع. كان فيه واحد كده ما نزليش من الزور من ساعة ما وصلت، وهو بيبصلي. ومن حظي الهباب أنه كان معاي في نفس تخصصي، يعني هنعمل تكوين سوا طول الأسبوع.
خلص أول يوم، كان يوم التجمع بس، وفيه كل واحد يعرف هو بيدرس فين وأوضته فين. وأنا لقيت نفسي مع ست كبيرة شوية جوزها مسافر وحبت تكمل تكوينها. أما هو فكان بيحاول يوصل لي، وكنت ملاحظة ده وما رضيتش أبص ناحيته أبداً.
تاني يوم خلصنا شغل ووصلت ورقة الحضور مطلوب فيها كل واحد يكتب اسمه واسم محافظته واسم مدرسته. المهم مسك الورقة يدور عليا وعرفني أنا بشتغل فين، بس ما لقاش أي فرصة يكلمني فيها. انتهز فرصة أنه يكلم الست الكبيرة دي اللي كانت معاي وفهمها إنه معجب بيا وعاوز يتعرف عليا. يعني مع إني كنت مفهمة الست دي إني بحب واحد تاني،
لكنها قالت لي: "كلميه بالراحة وفهميه عشان ما يفضلش يحاول إنه يوصلك. ده حتى بيقول إنه بنت خالته بتشتغل معاكي، يعني مش هيبطل يلاحقك! ". هزيت راسي ببلاهة عشان ما تفضلش بس تلح عليا، لأني محترمة سنها، بس أنا ما كنتش ناوية أصلاً يعني إني أبص في خِلقته حتى. ثالث يوم طلعنا من المطعم ويادوب بدور ألاقي لي مكان تحت شجرة أقعد على المقعد الخشبي اللي تحتها. فجأة لاقيته في وشي، ما عرفتش طلع لي منين؟
"سلام عليكم يا آنسة، ممكن لو سمحتي دقيقة بس من وقتك أسألك سؤال؟ أفففف، إيه اللي جابه ده بقى؟ وهقول له إيه بس أنا دلوقتي! جاوبته ببرود من غير ما أبص له: "خير حضرتك، أنت تعرفني؟! اتحرج من طريقتي في الكلام، ومع ذلك من بروده خد بعضه وراح قاعد. ده إيه البني آدم ده!! "أصل أنا عرفت بالصدفة من ورقة الحضور بتاعتك إنك بتشتغلي في مدرسة.... "آه بشتغل هناك، بتسأل ليه؟
"سبحان الله، الدنيا صغيرة قوي. تعرفي الأستاذة رحمة اللي بتدرس كيمياء هناك؟ دي تبقى بنت خالتي لازم. صدفة غريبة مش كده؟ أنا نادر، اتشرفت بمعرفتك." ما حبيتش أرد عليه رد ينسفه نسف، قولت خليكي ماسكة أعصابك يا بنت يا بسمة. ابتسمت له ببلاهة وقولت له: "اتشرفنا" وقمت وسيبته هناك. ومن ساعتها وأنا كل ما أشوفه أمشي الناحية المعاكسة عشان ما يتجرأش يكلمني تاني. كان طول الأسبوع يلهث وراي وما عرفش يوصلي.
أخيراً خلص الأسبوع وارتحت منه ومن قرفه! رجعت بيتنا وخلصت الإجازة. وفي أول يوم شغل لقيت رحمة جايه عليا وبتتبسم لي: "بسمة وحشتيني، حمد لله على السلامة." كنت عارفة إنها جايه تكملني عنه، ما هي أصلاً عمرها ما كلمتني كلمتين على بعض، ما فيش غير سلام عليكم وعليكم السلام، ولا فيه بينا أي مواضيع يعني.
أنا: "الله يسلمك، وانتوا كمان وحشتوني." وعملت نفسي مش واخدة بالي من تصرفها الغريب ده ومستنية أشوفها هتقول إيه بعد المقدمة البايخة دي. "في الواقع كنت محتاجة أكلمك على انفراد لأنه موضوع خصوصي شوية." وشي اصفرر ومعدتي اتقلبت. افتكرته وكنت عارفة هتقول إيه. (سامحني يارب، أنا عمري ما كرهت بني آدم للدرجة دي، ودي كانت أول مرة) "خير يا رحمة، ادينا لوحدنا، اتفضلي."
"بصراحة نادر ابن خالتي قالي إنه كان معاكي في التكوين وهو بصراحة أعُجب بيكي من أول نظرة. ومن ساعة ما رجع وهو ما بطلش كلام عنك وعاوز ميعاد منكم عشان ييجي هو وخالتي عندكم إذا ما كانش عندك مانع طبعاً." ارتبكت ووشي اتخطف. جاوبتها بزهق: "رحمة، انتي زميلتي وعلى عيني وراسي، بس أنا ما بفكرش في الجواز دلوقتي، ده أنا لسه ما كملت 22 سنة حتى! "معقولة الكلام ده؟ بنت حلوة زيك وموظفة كمان وما بتفكريش في الجواز؟
بقى ده اسمه كلام يا شيخة؟ ما عرفتش أرد أقولها إيه. كنت ناوية أديها كلمتين وأطنشها. قولتلها: "طيب ماشي، سيبيني أفكر وأرد عليكي." وأنا ما كنتش ناوية أفكر أصلاً ولا أرد عليها حتى. ما كنتش عارفة إن الحكاية هتطلع لي من ناحية تانية. عدى أسبوعين، لا أنا رديت عليها ولا هي استجرأت تفتح الموضوع تاني. قولت الحمد لله، يبقى خلصت منه موضوع نادر ده.
بس نادر ما استناش بنت خالته ترد عليه. ولما شاف الموضوع طول، راح سأل وعرف عنواننا وجيه قابل أبويا وقاله إنه كان معايا في التكوين وإنه معجب بتربيتي وأخلاقي، قال وكمان عاوز يجيب أهله ويطلب إيدي رسمياً. أبويا وافق وقاله: "تشرفونا في أي وقت." "يبقى يوم الجمعة إن شاء الله." أما أنا بقى، فكنت قاعدة في أوضتي بحضر دروسي. فجأة لقيت أمي داخلة عليا مرة واحدة وعيونها فيهم ألف سؤال: "كنتي ناوية تقوليلنا امتى بقى على نادر بيه دا؟
عيوني وسعت من أثر الصدمة: "نادر!!! مين اللي قالك عليه؟ "ده جه الصبح لأبوكي وطلب إيدك ويوم الجمعة جايين هو وأهله يتقدمولك رسمي." رديت بفزع: "إيييييييه؟؟؟؟؟؟؟ "اللي سمعتيه يا عروسة، وابقي حضري نفسك وإظبطي أمورك. ولو فكرتي تبيني للناس إنك مش عاوزة الجوازة دي، إنتي هتشوفي هعمل فيكي إيه؟
"يا أمي، إنتي ما شفتيش شكله. أنا مش هضحك على خلق الله يعني، بس والله ما هقدر أتخيل نفسي إني مراته. دا حتى ربنا جميل بيحب الجمال، حرام عليكي! بصت لي بتريقة: "آآآآآه، ما هو عشان كده كان عاجبك الـزف^ـت اللي اسمه محمد ده؟ اسم الله على حلاوته، ما يكونش عبد الحليم حافظ وأنا مش واخدة بالي؟ " وضحكت بإستهزاء وطلعت وسابتني قاعدة باندب حظي: "يادي نادر الزف^ت ده!! طلعت لي من فين المص^يبة دي كمان؟
يارب، هو أنا أخلص من رياض يطلع لي نادر؟ قعدت أفكر أعمل إيه. طب ما أنا ممكن أهرب وأروح عند خالتي لحد ما يجوا ويمشوا؟ هو إيه الحل الغبي دا؟ ما أنا مصيري هارجع عشان الشغل طيب! المهم ما لقيتش أي حل أهرب بيه من المص^يبة دي وجيه اليوم المشؤ^وم ده. حضرت نفسي وحطيت ميكب خفيف قوي ولبست فستان أسود قصير وعملت شعري كعكة ودخلت حطيت لهم العصير. وكانت أمي وأمه وجدتي وخالته رحمة بنتها (طبعاً هو في مكان تاني مع أبويا!
. فضلت أمه تبص لي بإعجاب وكل العيون عليا. حسيت نفسي كنت هأتخنق. قحقت أمه الأول: "ما شاء الله تبارك الرحمن! وأنا بأقول ليه نادر من ساعة ما رجع وهو بيزن عليا يلا نروح لهم يلا نروح لهم! ... قال إيه؟ خايف يا حد يسبقه! ضحكوا كلهم وهي كملت: "أتاري البنت قمر." "وأنا لا كنت عارفة أضحك ولا أبكي ولا قادرة أعمل أي حاجة، قاعدة متنحة وبس. وأمي كل دقيقة تبص لي بغ^ل، قال إيه عاوزاني أبتسم، خايفة أمه تحس إني مجبو^رة."
فضلوا على كده يجي ساعة. بعدين أمه وأخيراً نطقت: "بقى أنتوا عارفين سبب زيارتنا واحنا يشرفنا نطلب إيد بنتكم بسمة لابننا نادر." قمت أنا طلعت من غير ما أكلم أي حد ولا أنطق أي كلمة. كنت حرفياً همو^ت من الغي^ظ ونفسي أصرخ وأقول لاااا والناس كلها تسمعني!! أمي حاولت تغطي الموقف ورايا قالت لهم: "معلش، أصلها بتتكسف قوي." المهم بعد ما راحوا الجماعة، أمي جات لي وعينيها بتطق شرار: "إيه الموقف البايخ اللي إنتي عملتيه ده؟
عايزة الناس يقولوا عليا إيه إني ما عرفتش أربي؟ ضحكت بسخرية وجاوبتها وأنا أصلاً أعصابي كانت بايظة: "يا أمي، هو يعني عشان الكلمتين اللي أنا قولتلهم قدام جدتي عشان تبعد عنك وتبطل تأذيكي، يبقى إنتي هتصدقي نفسك إنك ربيتيني بجد ولا إيه؟ راحت رافعة إيدها وضربتني بقلم جامد علم على وشي من شدته: "اخرسي يا قلي^لة الأدب، الظاهر إني ما عرفتش أربي بجد؟ واعملي حسابك بقى، أبوكي خلاص إدي كلمة للراجل ووافق عليه."
طلعت وخبطت الباب وراها وسابتني بعيط وبكلم نفسي بقهر وأنا حاطة إيدي
على خدي من أثر الضربة: "على فكرة يا أمي، أنا طول عمري متربية لوحدي في الخرابة دي وبين الأربع حيطان دول وعمري ما افتكر حتى موقف حصل لي وإنتي وجهتيني فيه ولا نصحتيني ولا قلتي لي دا صح ولا دا غلط. الحقيقة ما تزعلش يا أمي، أنا اتربيت في حلقات الذكر بتاعة الثانوية والجامعة ولولاها كنت ضِعت. دا إنتي حتى حجابي كنتي رافضاه ومكنتش عاوزاني أتجبجب لولا إصرار أبويا لما شاف كتر معاكس^ات الشباب ليا. إنتي طول عمرك يا إما مشغولة بمشاكلك مع جدتي وسعاد، يا إما مع إخواتي الصغيرين، يا مصدعة ونايمة. عمرك ما كنتي لي أم وطول عمري حاسة باليتم ومحر^ومة من الحنان وأهلي عايشين. وآخرتها أتحرم من حب عمري وأتغصب على جوازة مقن^دلة زي دي كمان!؟
فضلت أعيط كتير لحد ما النوم أخدني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!