مر يومان على نقل أغراض مديحة المهمة إلى الملحق في فيلا أمير. كان الملحق في حجم شقة عادية، ومع هذا كان شعور الحزن يضج مضجع الأخيرة، بما تسبب به وحيدها، كيف هانت عليه هكذا ولم يفكر بمصابها. ولكن بوجود مريم وجوارها خفف عنها قليلًا. في حين أن مريم ظلت تبحث عن عمل ولكن دون فائدة. أما وتين وسيف استمر الحال بينهم بالمزيد من المقالب المتبادلة، ولكن أمام أمير وملك الهدوء والإبتسامات الصفراء هي ما تنتشر في الجو.
وهذا ما جعل ملك تطمئن أن وتين هي التي تستطيع تقويم سلوك سيف. أما أمير كان يتعامل بإعتيادية مع وتين فلم يلتقوا كثيرًا مؤخرًا، فهو كل ما يشغله عمله حاليًا والمشروع الذي يستعد له. أرادت وتين أن تتحدث معه وتشكر على السماح لمريم ومديحة بالمكوث بالفيلا، ولكن بسبب انشغاله لم تسنح لها الوقت لذلك. ولكن عندما رأته يدلف إلى غرفة مكتبه قررت الذهاب خلفه وتشكر. سمع أمير طرق منخفض على الباب فسمح للطارق بالدخول.
تجاوزت وتين الباب وهي تقف أمامه وهو يجلس خلف مكتبه. ومع شعوره بالحيرة من تواجدها ولكنه فضل التريس، ولكن بداخله خشى أن تكون جاءت لتركها العمل من أفعال سيف. "كنت عاوزة أتكلم معاك شوية." أومأ لها بالموافقة بإنتظار باقي حديثها ثم أشار بيده إلى المقعد المجاور لمكتبه. تحركت وتين اتجاهه وجلست بهدوء، ثم زفرت أنفاسها المتوترة قائلة دفعة واحدة:
"اسمع أنا عارفة إن حصل سوء تفاهم كتير، ومواقف سخيفة قبل ما أشتغل هنا، فانا قولت لازم أعتذر منك." صمتت قليلًا وعندما ظن أنها انتهت أشارت له بصمت وهي تردف: "أنا لسه مخلصتش كلام، وكمان عاوزة أشكرك على المساعدة اللي قدمتها لصحبتي وخالتي بإنهم يقعدوا هنا." أنهت حديثها ونهضت سريعًا مقررة الاختباء بعيدًا عنه، ولكنه أوقفها بحديثه. "استني." عندما توقفت أردف بهدوء:
"وأنا فيه عندي اعتذار برضو، اللي حصل في الصعيد مكنش مقصود مني، وكمان بالنسبة لمريم وخالتك أنا معملتش حاجة تستاهل الشكر." أومأت برأسها رغم أنها تعطيه ظهرها ثم غادرت تاركة الآخر خلفها يشعر بالارتياح لعلمه سبب زيارتها. دخلت وتين الغرفة المخصصة لها تشعر بدقات قلبها تتعالى. ولكن سرعان ما أخرجت صيحة ذعر وهي ترى أمامها سيف الذي ينظر لها بتجهم وهو يضم ذراعيه إلى صدره وقال: "هتفضلي واقفة كتير كده، عاوزين نكمل التمارين."
قلبت عينيها بغيظ ثم وجدته يتوجه المرحاض تساءلت بتوجس: "انت رايح فين؟ أجابها بسخرية: "هألعب." "في الحمام؟! التفت لها بغيظ قائلاً بمبالاة: "انتي لازم ترجعي تاني دراستك، وتعرفي إن الإنسان لازم يوصل لعملية الإخراج." كرمشت وجهها بإشمئزاز وهي تتمتم: "الإخراج ده بتاع التمثيل صح؟ عندما لم تجد إجابة أردفت: "مش في حمام في أوضتك، روحها جوه حمامي ليه؟ نظر لها بتكبر قائلاً:
"نظرياً انتي ملكيش حاجة في البيت ده، إنما علمياً كل حمام هنا بتوعي." قطبت جبينها بغيظ فما قاله له: "غور." تجاهل حديثها بإبتسامة خبيثة لم تراها لأنه التفت يدلف للمرحاض. جلست وتين بغيظ على الفراش ولكن وقع نظرها على كوب العصير على الخزانة الجانبية للفراش. ابتسمت بسعادة فهي أكثر حاجة لشرب شيء بارد لتحسين مزاجها، ولم تنتظر وسرعان ما قامت بشرب ما به. وبعد انتهائها هتفت: "سيف كل ده بتعمل إيه؟ لتكون بتخترع الذرة."
لم يجيبها ولكنها استمعت لصوت المياه فعلمت أنه بخير. نفخت بغيظ من أفعاله، ثم توقفت بتفكير فبتأكيد وجوده بغرفتها لا يوجد خلفه سوى مقلب ما. ظلت تفكر ما الذي قد يفعله ونقلت أنظارها بالغرفة ولكن لم يسعفها تفكيرها. في مكان آخر وبغرفة مظلمة، جلس آخر في الظلام دون بصيص نور. ولكنك ستعلم بوجوده بسبب ذلك السيجار المشتعل، الذي يتحرك مع يده نحو فمه كل حين وآخر. وصل رنين هاتفه ليزفر بغيظ فهو يعلم من يهاتفه. أجاب بغضب:
"لو مش أخبار أنا عاوزها يبقى متقولش." استمع للجانب الآخر قليلًا ثم أجاب بإنتشاء: "يعني أخيرًا هشوفهم." وبعدما أجاب الآخر بشيء قال بأمر: "عايزك ترتب كل حاجة مظبوط، أنا استنيت كتير وخلاص صبري انتهى." شعرت مريم باليأس يسيطر عليها فها هي لم تجد عمل، ومع شعورها بالأم قدميها قررت الجلوس قليلًا. فهي منذ ساعات تسأل أصحاب المحلات على عمل، ورغم كبر مبنى التسوق التي تسأل عن عمل به ولكن دون فائدة.
نظرت أمامها للناس الذي يحملون حقائب مليئة بالثياب أو بأشياء أخرى، وذلك المحل الذي أمامها والسيدات الذين ينتقون الملابس الفاخرة بالداخل. زفرت أنفاسها مقررة المغادرة ولكن توقفت بإنتباه وهي ترى من تنظر حولها بتوتر. ضيقت عينيها بغموض، ثم وجدت أنها تسحب شيء وتضعه بحقيبتها. شهقت وهي تنظر حولها هل رأى أحد ذلك أم لا ولكن لم تجد أحد ينظر.
وحين قررت التدخل وجدت تلك المرأة تنظر أيضًا وعندما تحركت السارقة للخروج وفي ذات الوقت التي تقدمت منها المرأة أغمضت مريم عينيها بغيظ. ثم تحركت بإتجاه المرأة وهي تصطدم بها ثم تقول بغضب: "مش تفتحي، إزاي المعاملة في مكان محترم تكون كده، أنا خلاص قررت مشتريش من مكان زبالة زي ده." تجمع الكثير نحو الصوت فغادرت السارقة بهدوء وحاولت السيدة الاعتذار حتى لا تطرد.
هدأت مريم ثم نظرت حولها فلم تجد الأخرى فأسرعت بالخروج واللحاق بها. ظلت تنظر حولها بذعر، ثم شهقت بفزع عندما وجدت من تضع يدها بداخل ذراعها كصديقتين وتبتسم لها بتصنع. ثم أشارت لسيارة أجرة وهي تخبره بوجهتهم. ورغم شعور الأخيرة بالخوف ولكنها تحركت معها، فهي رأت أنها من ساعدتها بالخروج من ذلك المحل، فلقد لاحظت نظرات السيدة الأخرى لها وحينها قررت الهروب ولكن مجيء تلك الغريبة ساعدها قليلًا.
توقفت السيارة أمام قسم الشرطة، ترجلت الاثنتين ونظرت مريم إلى رنا قائلة: "طبعًا عارفة أخوكي مكتبه فين؟ أومأت الأخيرة بتوجس وهي تتحرك معها. جلس فريد خلف مكتبه وأمامه صديقه إسلام، الذي كان يحدثه عن أمر بخصوص أحد المجرمين. في حين قال فريد: "سيبك من كل ده، هو خلاص اتمسك، الأمر دلوقتي في إيد المحكمة."
نهض إسلام ينوي المغادرة والعودة لمكتبه ولكن فتح الباب بغتة جعل الاثنين ينظرون إلى المقتحم بذهول، والتي كانت مريم التي تمسك برنا ثم تغلق الباب خلفها. تركت مريم الفتاة وهي تنظر للاثنين أمامها، ثم سحبت حقيبة رنا وهي تفتحها وتخرج ما سرق وهي تقول لفريد: "سرقنا دول، خد رجعهم." توسعت عين إسلام وهو ينظر لها بصدمة ثم نظر إلى رنا وفريد وعاد للجلوس مجددًا.
عند وتين والحيرة التي أصابتها ودخول سيف المرحاض فكرت ربما يفكر بأن يضع لها شيء بالداخل. اقتربت من المرحاض بغيظ قائلة: "سيف اطلع بتعمل إيه كل ده." وعندما لم تجد إجابة منه قالت بتهديد: "لو مطلعتش حالًا هفتح الباب." قال من الداخل: "بجد مش معقول، مفيش احترام خالص." زفرت أنفاسها ترغب بتحطيم الباب فوق رأسه ولكن مع وقوع نظرها على كوب العصير الفارغ نظرت أمامها بتوجس وبدأ شعورها بألم معدتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!