تحميل رواية حب وتضحية بقلم داليا السيد pdf
بقلم داليا السيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أمل فتاة هادئة تدرس بكلية تجارة. فتاة مجتهدة تعرف طريقها جيدا، تذاكر باجتهاد ولا يمكن أن يمر عام دراسي دون أن يكون التفوق مصيرها. فهي لا تملك مجال إلا النجاح، وليس أي نجاح، وإنما لابد من التفوق كي تحصل على فرصة التعليم المجاني. فمنذ تركهم والدهم عندما كانت فتاة في الخامسة وأختها الصغرى في عامها الثالث، وهي تعلم أن أمها هي الشخص الوحيد الذي لا ينام كي يوفر لهم مصاريف الحياة. كانت مهنة الخياطة مهنة جيدة ولكنها غير مربحة بل ومتعبة وشاقة، ومع ذلك كانت كافية لتوفر لهم عيشة جيدة دون أن يلجأ أولادها لل...
رواية حب وتضحية الفصل الأول 1 - بقلم داليا السيد
أمل فتاة هادئة تدرس بكلية تجارة. فتاة مجتهدة تعرف طريقها جيدا، تذاكر باجتهاد ولا يمكن أن يمر عام دراسي دون أن يكون التفوق مصيرها. فهي لا تملك مجال إلا النجاح، وليس أي نجاح، وإنما لابد من التفوق كي تحصل على فرصة التعليم المجاني.
فمنذ تركهم والدهم عندما كانت فتاة في الخامسة وأختها الصغرى في عامها الثالث، وهي تعلم أن أمها هي الشخص الوحيد الذي لا ينام كي يوفر لهم مصاريف الحياة. كانت مهنة الخياطة مهنة جيدة ولكنها غير مربحة بل ومتعبة وشاقة، ومع ذلك كانت كافية لتوفر لهم عيشة جيدة دون أن يلجأ أولادها للسؤال من أحد.
وما أن كبرت أمل أكثر حتى بدأت تبحث عن عمل. وفي الابتدائية، طلبت إحدى الزبائن من أمها أن تعمل عندها في المحل الخاص بها ووافقت هي، وتمكنت من جعل أمها أيضاً توافق. وبالفعل عملت معها سنوات طويلة لا تعلم عددها، تعلمت منها كل شيء. وقد كانت المرأة تحبها لأمانتها وأخلاقها وذكائها. وكانت تقول إنها سكرتيرة ومديرة أعمال رائعة، وأن عندها القدرة على إدارة شركة كاملة وحدها دون أي مساعدة. ولا يمكن أن تنسى كم من المال حصلت عليه من العمل معها مما ساعدها على أن تتحمل مصاريفها وتتمكن من دراسة بعض اللغات والكومبيوتر، لأنها كانت تتعامل مع أجانب. وقد طلبت منها المرأة أن تتعلم لغات وهي بالفعل فعلت.
ربما لم يكن الجمال يميزها، أو يزيدها جاذبية وهي صغيرة، ولكن عندما كبرت وترعرعت بعيونها الخضراء وقوامها المتناسق حتى أصبحت جميلة. أما جدارتها بالعمل وابتسامتها الرقيقة في التعامل مع الآخرين كانت كافية لجذب انتباه الجميع، وقد كان ذلك ما يزيد من تمسك المرأة بها. إلى أن انتهت الامتحانات الخاصة بآخر العام، فقد كانت بالعام الثالث بالكلية ومرت الامتحانات على خير وخرجت سعيدة بما أدت.
اتجهت إلى المحل كما تعودت بالإجازات الصيفية، ولكن عندما وصلت لاحظت أن المرأة مريضة جدا. حاولت أن تساعدها بأي شكل، ولكن الأمر كان أكبر من قدرتها، فاتصلت بابنها الذي أرسل السائق الخاص به دون أي اهتمام. وذهبت هي معها إلى المشفى، وأخيراً عادت بها إلى المنزل وساعدتها لترتاح ولم تتركها إلا بعد أن وفرت لها كل سبل الراحة ثم تركتها لتنام وعادت إلى منزلها.
"أمي أنا عدت."
خرجت امرأة مسنة ولكن بدا عليها علامات الجمال. نظرت إليها وقالت: "أمل أين كنتِ حتى الآن؟ لقد انتابني القلق عليكِ."
قبلت أمل أمها وقالت وهي تجلس أمامها: "أنتِ التي ترفضين أن أحضر لكِ محمول، كنت وقتها سأتصل بكِ وأخبركِ عن مكاني."
جلست المرأة بجانب ابنتها الكبيرة والتي تعتبرها أختها وصديقة عمرها وقالت: "أخبرتك أنني لا أفهم شئ في ذلك الجهاز الغريب."
قالت أمل: "وأنا استسلمت لكِ ماما، أنهيت امتحاني اليوم واتجهت إلى المحل كالعادة، ولكن مدام فوزية كانت مريضة جدا فتحركت بها إلى المشفى وانتظرت حتى ذهبت الأزمة، ولكن الأطباء أخبروني أن حالتها تزداد سوء ولكني لا أعلم ماذا أفعل؟ فقد أخبرت ابنها ولكنه لا يهتم كالعادة."
نظرت الأم إليها وقالت: "هذا شيء طبيعي ولقد اعتدنا على إهماله لها فماذا نفعل؟"
تنهدت أمل وقالت: "تعلمين أني أحبها وقد ساندتني كثيرا بحياتي وأخشى أن تموت هذه المرأة فأفقد مورد الرزق الذي لا أعرف سواه."
ربتت المرأة على يد ابنتها وقالت: "لا تقلقي يا ابنتي فكما أرسل الله لنا هذه المرأة منذ سنوات طويلة فسوف يرسل لنا غيرها فلا تفكرين كثيراً ودعي الخلق للخالق."
تنهدت أمل فهي بالفعل لا تملك أن تفعل أي شيء إلا أن تنتظر وتترك التدابير للقدر.
في صباح اليوم التالي اتجهت أمل إلى المحل كالعادة، ولكن المحل كان مغلق. اتصلت بالمدام ولكنها لم ترد. اتصلت بابنها فأخبرها أنهم نقلوها إلى المشفى مرة أخرى وما زالت هناك وقال أنه أرسل السائق إليها بالمفاتيح كي تفتح المحل حتى يأتي هو إليها.
وبالفعل لحظات ووصل السائق بالمفاتيح وفتحت المحل ومر منتصف النهار وانشغلت بالعمل وانتهت إلى أنه لم يأتِ أحد وانكبت هي على العمل ولم تشعر إلا وآذان المغرب فقررت أن تغلق وتذهب. اتصلت بابن المدام فطلب منها أن تحتفظ بالمفاتيح وأن تباشر العمل حتى يستطيع أن يأتيها.
مر اليوم التالي إلى نهايته ثم جاءها تليفون طلب منها ابن المدام أن تأتي فالمرأة تريد أن تراها بالبيت.
عندما وصلت قادها ابن المرأة إلى حجرتها حيث كانت طريحة الفراش وبدا المرض الشديد على ملامحها. دقت على باب الغرفة المفتوح قبل أن تدخل ففتحت المرأة عيونها وهي تتقدم إليها والحزن بملامحها على تلك المرأة التي لم تبخل عليها بأي شيء. قالت المرأة: "تعالي يا ابنتي أنا انتظرك، تعالي بجانبي هنا."
اتجهت الفتاة إليها وجلست أمامها فأكملت المرأة بضعف: "أنا أعلم أني كنت قاسية في تعاملي معكِ ولكن لا تنكري أن ذلك جعلكِ تتعلمين كل شيء بل وتتقنيه وأصبحتِ ماهرة في إدارة الأعمال والتجارة، وأعلم أيضاً أني كنت مصدر رزق لكِ، وأنكِ اليوم تخشين إذا ما أنا مت فسيذهب ذلك المصدر، ولكن أنا أحببتك كابنتي، أحببت اجتهادك وإصرارك على العمل والنجاح ولذلك فكرت أن أؤمن لكِ مصدر آخر للرزق من بعدي. خذي هذا الكارت واتصلي بصاحبه، إنه رجل أعمال معروف يدين لي بمعروف كبير ويريد أن يرده، أخبريه أني أنا من أرسلك وأنكِ تريدين العمل لديه وأنا كنت قد أعطيته فكرة عنكِ وعن مدى مهارتك وذكائك في الإدارة. اتصلي به غدا ولا تنتظري موتي فأنا أعلم أنه هنا هذه الأيام وهو دائم السفر فالحقي به، أنا أعلم أنكِ إذا عملتِ معه فسوف تفتح لكِ أبواب كبيرة من العز."
سالت الدموع من عيون أمل وقالت: "ولكن أنا لن أتركك أنا لن أعمل مع أحد آخر سواكِ."
ابتسمت المرأة بضعف وقالت: "وأنا ما كنت لأتركك أبداً ولكن أنا ذاهبة ولن يمكنني أن أحتفظ بكِ أكثر من ذلك، عيشي يا ابنتي فأنتِ تستحقين حياة أفضل مما تعيشين الآن."
وبدأت المرأة تسعل بشدة فأسرع ابنها إليها ومنحها بعض الماء فتراجعت هي بخوف وأمسكت بالكارت بيدها واستدارت خارجة لم تعد تتحمل أن ترى تلك المرأة التي عاشت معها سنوات طويلة من حياتها وهي تذهب هكذا.
عندما عادت إلى المنزل كانت قد بكت كثيراً وما أن رأتها والدتها حتى بدا القلق عليها وقالت: "ماذا يا أمل؟ لماذا تبكين هكذا؟"
جلست ومسحت الدموع وقالت بحزن واضح: "لقد كنت عند مدام فوزية إنها مريضة جداً."
وحكت لأمها ما حدث، فقالت الأم: "لقد أخبرتك أن الذي رزقنا مرة يمكن أن يرزقنا مرات كثيرة."
أجابت بتفكير: "نعم ولكن أنا اعتدت عليها وعلى عملها فكيف سأعمل مع غيرها؟ وما هو ذلك العمل؟ وهل أنا أجيده أم لا؟"
قالت الأم بابتسامة حنونة: "أنتِ فتاة ذكية ونشيطة وتحاولين أن تحققي ما تريدين وهذا كافي لأن يكون سببا في نجاحك، فلا تخافي ما عليكِ إلا أن تحاولي."
خرجت هبة أخت أمل الصغيرة فجأة من غرفتها، كانت ما زالت تدرس بالثانوية العامة، لم يكن لها دور بحياة الأسرة. جلست بجانب أمها وقالت: "أنتِ تعلمين أني لا أحب تلك المرأة إنها صارمة وحادة وأنا لا أعلم كيف أمكنكِ تحملها في السنوات الماضية؟ أنا لم أستطع."
قالت بصبر واستنكار: “ولكنكِ تتحملين ذلك الرجل الذى تعملين معه أليس كذلك؟"
كانت هبة أختها تعمل هي الأخرى لدى إحدى المكتبات في الصيف فقط. سمعتها تقول: "هو رجل عجوز ولا أراه إلا مرة في الأسبوع."
قالت أمل: "ولكن زوجته لا تتركك، كل يوم تأتي وتبقى معكِ حتى تأتين وأنتِ تكادي تنفجرين منها ومن تصرفاتها أليس كذلك؟"
أجابت هبة بغيظ: "ماذا تعنين؟ إنها أيضا أفضل حالاً من تلك العجوز الشمطاء."
تعصبت أمل وقالت: "لا تتحدثي عنها بهذه الطريقة، إنها صاحبة أفضال كثيرة علينا."
قامت هبة واقفة وقالت: "عليكِ أنتِ لأنكِ من تتقبلين إهاناتها مقابل ما كنتِ تحصلين عليه منها."
قامت أمل أيضاً وقالت: "أي إهانات تلك؟ أنا لم ولن أتحمل أي إهانات منها أو من سواها وأنت تعلمين أن كرامتي عندي أهم من أي شيء مهما سأفقد في المقابل، ثم المقابل الذي كنت أحصل عليه والذي تتحدثين عنه هل كنت أستفيد به وحدي؟"
قاطعتها هبة: "بلى، كان لكِ و لم نحصل منها على شيء."
نظرت أمل لأمها وقالت: "أمي ألن تقولي لها شئ!؟ إنها تنكر فضل تلك المرأة علينا وكم ساعدتنا بالمال والوساطة وكل شيء، لن ننسى فضلها بمجرد موتها."
قالت الأم: "اهدي يا أمل، مازالت أختك صغيرة لا تفهم أشياء كثيرة."
قاطعتها هبة بغضب: "أنا لست صغيرة ولكني أرفض أن أعيش عمري كله حبيسة فضل امرأة لا أعرفها، ثم نحن لم نكن نحصل منها على صدقة وإنما كنا نحصل على أجر مقابل عمل أختي عندها."
قالت أمل: "نعم ولكن أي أجر هذا الذي كان يمكن أن يساوي ما كانت تمنحه لي هذه المرأة؟"
قالت هبة ببرود: "إذن فالمال عائد لكِ وليس لنا فلا تحملينا ما لا يخصنا."
كادت ترد لولا أنها وجدت أمها تقول: "حسنا كفى، كفاكم أنتما الاثنتين هيا دعونا نتناول الغداء."
وانتهى الحوار ولكن بداخل كلاً من الفتاتين الكثير والكثير لأن أمل كانت تخشى من القادم، أما هبة فقد كانت سعيدة من داخلها لأن الآن لم تعد أختها مميزة بعملها ولن يمكنها أن تتحدث عن عملها والأموال التي تمن بها المرأة عليها.
رواية حب وتضحية الفصل الثاني 2 - بقلم داليا السيد
في اليوم التالي أقنعتها أمها أن تتصل برقم الرجل الذي منحته لها فوزية، وبالفعل اتصلت بالرقم الذي كان بالكارت، ولكن لم يجيبها أحد. حاولت مرة أخرى ولكن ما من مجيب. فقدت الأمل في أن يرد، بالتأكيد لن يرد على رقم غريب لا يعرفه. أدركت أن عليها أن تبدأ بالبحث عن عمل آخر، فذلك الرجل لن يظل حبيس الدين كما تعتقد، فمن يفعل هذه الأيام؟
على نهاية اليوم علموا أن المرأة وافاها الموت وحزنت بشدة عليها وانتابها الخوف من الأيام القادمة وتساءلت ماذا يمكنها أن تفعل؟
في اليوم التالي طلبت منها أمها أن تحاول الاتصال مرة أخرى، ورغم اعتراضها إلا أن الأم أقنعتها بأننا من نسعى إلى الرزق وليس العكس. فاتصلت على مضض، ومرت وهلة حتى جاءها صوت هادئ يقول:
"نعم"
دق قلبها بشدة وحاولت أن تبدو هادئة وهي تقول:
"صباح الخير"
أجاب الصوت:
"صباح النور، من المتصل؟"
ارتجف صوتها لحظة من جدية الصوت ثم قالت:
"أمل، الفتاة التي كانت تعمل مع مدام فوزية، وهي أخبرتني"
قاطعها الصوت بنفس الهدوء:
"نعم، نعم أعرف. من الجيد أنكِ اتصلتِ. يمكنكِ الحضور اليوم في السابعة بالفندق الخاص بي. العنوان على الكارت، لا تتأخري"
وأغلق الهاتف ولم يعطها أي فرصة لأن ترد. وحكت لأمها التي قالت:
"لا يهم، المهم أنكِ ستحصلين على العمل. هيا اذهبي لتعدي نفسك للعمل، فذلك الرجل يبدو مختلفاً. كلامه القليل يدل على أن العمل عنده أهم من كلمات لا معنى لها"
نظرت لأمها ولم تفهم ولم تحاول أن تسأل، فما زال قلبها يدق من المجهول الذي ينتظرها.
كان المكان رائعاً وكانت تظن أن هذا هو مكان إقامته، ولكنها عندما قالت لموظف الاستقبال:
"من فضلك عندي موعد مع الأستاذ وليد كامل في السابعة"
نظر الرجل إليها بتمعن ثم قال:
"الاسم من فضلك؟"
قالت:
"أمل، أمل محمد عبد الحميد"
نظر أمامه ثم قال وهو يشير إلى ممر جانبي:
"نعم، تفضلي إلى السكرتارية هناك"
تأملته بدهشة وقالت:
"السكرتارية؟ أنا أريد لقاء الأستاذ وليد وليس السكرتارية؟"
نظر الرجل وقال:
"السكرتارية ستقودك إليه يا آنسة بمكتبه"
تراجعت بدهشة وقالت:
"مكتبه؟ هل هنا مكتبه أم إقامته؟"
حدق بها الرجل لحظة قبل أن يقول:
"إقامته؟ هو بالفعل يقيم هنا لأن هذا الفندق كله ملك له، إنه المالك يا آنسة، وهناك مكتبه مقر أعماله، والسكرتارية سيدلونك على ما تفعلين"
شعرت بالخجل من نفسها، وأدركت أن ذلك الرجل ليس رجل عادي كما كانت تظن، وشعرت بأنها ترتجف من داخلها ولا تعلم لماذا؟ ربما لأنها تأتي لتعمل عند رجل اكتشفت أنها لا تعرف عنه شيء، أو ربما لأنه أكبر مكانة مما توقعت.
لم تحاول أن ترد أو تنظر إلى الرجل مرة أخرى واتجهت في صمت إلى حيث أشار. دخلت المكتب الذي أشار إليه الرجل وقد كتب عليه السكرتارية. اتجهت إلى أحد المكاتب حيث قالت للرجل الذي يجلس خلفه:
"من فضلك عندي موعد مع الأستاذ وليد"
تأملها الرجل من أسفل إلى أعلى ثم قال:
"ومن أنتِ؟"
قالت برهبة:
"أمل محمد"
تأمل الورق الذي أمامه وقال:
"نعم، تفضلي، انتظري دقائق حتى أبلغه"
لم تحاول أن تجلس، كان القلق يتملكها، فكل ما يحدث لها شيء لم تستطع أن تتوقعه. خرج الرجل وقال:
"تفضلي بالدخول"
دخلت بخطى حاولت أن تكون ثابتة، ولكن من داخلها كان الخوف والقلق هو الشيء المسيطر. كان المكان جميل، ليس ببارد ولا بدافئ، وعلى الطراز الحديث، ولكن غير منظم. لم تر الرجل الذي جاءت للقائه، ولكن ما هي إلا ثواني قليلة حتى رأت رجلاً يخرج من باب جانبي ويمسح وجهه بمنشفة، قذفها على الفوتيه الذي كان يحتل الجانب الأيمن. وأخيراً نظر إليها وتأملها بنظرات شعرت أنها تتخللها، فشعرت بالحرارة تزداد حولها. هي أيضاً كانت تتأمله، كان وسيماً وأنيقاً، رغم أنه كان يرفع أكمام قميصه ويفتح الأزرار العليا، إلا أن ملامحه كانت جميلة.
أخرجها صوته العميق من أفكارها وهو يقول:
"من أنتِ؟ وما الذي تفعلينه هنا؟"
اندهشت من كلماته وقالت:
"أنا أمل، أمل محمد، أرسلتني مدام فوزية رحمها الله"
عدل من ملابسه أمام المرآة التي تحتل ركن جانبي من المكتب، فأصبح أكثر وسامة مما بدأ أول مرة.
قال:
"أنتِ! ولكنكِ صغيرة جداً، أشعر أنكِ طفلة صغيرة. ما عمرك؟"
شعرت بالضيق يجتاحها كالإعصار، فقالت بعصبية:
"أنا لست طفلة، أنا في العشرين من عمري وبالسنة النهائية بالكلية"
ابتسم بهدوء، فبدا فمه الرقيق أكثر جمالاً وعيونه الجذابة تتلاعب بنظرات مثيرة لا تفهمها، وهو يقول:
"إذن لم أخطأ. بالنسبة لي أنتِ كذلك. على العموم أتمنى أن تكون تصرفاتك أكبر من سنك"
قالت بضيق:
"هل تحكمون على الناس بأعمارهم أم بأعمالهم؟"
قال بهدوء وهو يتحرك إلى مكتبه بجدية واضحة:
"وهذا ما قلته. أتذكر أنها قالت أنكِ تجيدين بعض اللغات؟"
قالت بجدية:
"أعرف الإنجليزية والفرنسية وبعض الألمانية"
رفع حاجبه ثم هز رأسه وقال:
"هذا رائع، ولكن أنا عندي بعض التحفظات قبل أن أوافق على عملك"
نظرت إليه بعد أن ارتدى جاكتته، كم بدا وسيماً جداً. ورغم أنها قابلت العديد من الرجال أثناء عملها مع فوزية، إلا أنها تشعر أنها أول مرة ترى أمامها رجلاً مثله، رجل يمتلأ بالرجولة والحيوية، وكأن به مغناطيس يجذبها إليه بقوة تجعلها تعجز عن إبعاد عيونها عنه.
قالت بارتباك حاولت ألا تشعره به:
"أية تحفظات؟"
قال وهو يعبث بالأوراق على مكتبه:
"بالتأكيد، ملابسك هذه لا تليق بالعمل هنا، ولابد أن تهتمي بشعرك هذا"
تضايقت من كلماته فقالت وقد شعرت أن هذه الوظيفة قد لا تليق بها:
"وما دخل ملابسي بالعمل؟ لا أظن أن المظاهر تهم، فهي ليست كل شيء. المهم عملي ودرجة إجادتي له، أليس كذلك؟"
رفع حاجبة مرة أخرى وهو يتجه إلى المرآة ويقف أمامها، وقد بدت على شكل تحفة فنية وهو يصفف شعره بعناية واضحة وقال:
"ألم تعلمك مدام فوزية أن المظهر عنوان صاحبه؟ وبالتالي مظهر العاملين عندي هو عنوان لي"
قالت باندفاع:
"بل علمتني أن أجيد عملي وأن أجود فيه بقدر إمكانياتي، ولم تكلفني بما لا يمكنني تحمله"
فهم كلماتها فالتفت إليها وقال بنفس الهدوء:
"أعلم أنكِ من أسرة بسيطة وعملك أمر هام بالنسبة لكِ ولأسرتك، ولم أقصد تحميلك فوق طاقتك. كما أن مدام فوزية أخبرتني أنكِ تمتلكين موهبة جيدة بالعمل وطلبت مني أن أمنحك الوظيفة اعتقاداً منها أني بذلك أسدد ديني لها. أنا سأمنحك الوظيفة ليس سداد الدين، ولكن لأني أثق بكلماتها، ولكن عليكِ تعديل مظهرك كما أخبرتك"
قالت بتهور طفولي:
"يا فندم، إذا كنت مجبر على الأمر فلا داع لذلك، يمكنك أن توفي لها الدين عن طريق آخر لأن شرطك هذا لا يمكنني أن أنفذه. عن إذنك"
تحركت للباب ولكن صوته القوي استوقفها، وقد أعجبه عندها وجرأتها الواضحة.
قال بحزم أرهبها:
"انتظري يا فتاة"
توقفت ولكنها لم تستدر، وقد سمعته يكمل:
"أنا لم أسمح لكِ بالذهاب. ألا تعلمين مع من تتحدثين؟"
استدارت وقالت بقوة لا تعلم من أين أتت:
"أعلم، ولكني لم أخطأ. أنا أظن أني لا أصلح للوظيفة"
قال وهو يتحرك باتجاهها:
"بلى أخطأتِ، فأنا الذي أقول متى تذهبين ومتى تظلين، وأنا الذي يحدد مدى صلاحيتك للعمل عندي من عدمها"
كان قد اقترب منها ووقف أمامها، وتعطر الهواء من حولها بعطره الممتزج برجولته الواضحة، مما جعلها تشعر بضعف غريب يجتاحها يدمر تلك القوة الزائفة التي تزينت بها أمامه، ولكنها الآن تواجه موجة من حرارة أنفاسه تدفعها بقوة تجعلها ترتجف وتشعر لأول مرة بأنها ضئيلة جداً بجانبه.
حاولت أن تلملم أشلاء نفسها التي تبعثرت أمامه وقالت:
"يمكنك أن تفعل ذلك مع من يعمل عندك، أما أنا فلست كذلك، لأنني لن أعمل عندك، وبالتالي يمكنني أن أفعل ما أشاء وقتما أشاء"
كانت تنظر بتحدٍ غريب إلى عيونه الرمادية التي تلمع بنظرة لم تفهمها، وبدلاً من أن ترى غضبه أو عصبيته من كلماتها، وجدته يقول بهدوء:
"تعجبني جرأتك، فهي تليق بمجالنا، فالتعامل مع الأشخاص التي أتعامل معها يحتاج إلى الجرأة والعند الذين أراهم بعيونك، ولكن لابد أن أذكرك بأن هذا مع العملاء فقط وليس مع رئيسك، هل تفهمين؟"
رفعت رأسها بكبرياء ولم ترد، ولم تفهم هل يعني أنها نالت الوظيفة رغم ما قالت. وقبل أن تسأل، استدار إلى مكتبه وأخذ الأوراق التي كان يعدها وهاتفه ومفاتيحه وقال:
"أنتِ تحت الاختبار. أنا عندي سكرتارية كثيرة، ولكن مدام فوزية أوحت لي بفكرة مدير الأعمال بالرغم من أني كنت أرفض هذه الفكرة لأني أحب أن أدير كل شيء بنفسي، ولكن لأن مسؤولياتي زادت فلابد من شخص أعتمد عليه. ولا أنكر أني جربت أشخاص كثيرة ولكن لم أجد منهم من يمكن أن يتناسب مع طريقتي في العمل، فأتمنى أن تكوني فعلاً مثلما وصفتك تلك المرأة. العمل يبدأ في التاسعة، أنا أقيم هنا وأنزل للمكتب أيضاً في التاسعة، ولكني دائم التنقل والسفر، ولابد أن تكوني مستعدة لذلك"
وتحرك إلى باب المكتب وقال وهو ذاهب:
"وأيضاً حاولي أن تفعلي شيئاً في مظهرك هذا، ستقابلين هنا أشخاص لا يمكن أن تتوقعيهم، لن أقبل بغير ذلك"
وتركها وخرج ولم يترك لها مجال لأن تقول أو تفعل أي شيء، ولم يمنحها الفرصة حتى لتتراجع كما أرادت، إنه رجل لا يمكن أن تقول له لا.
عادت إلى المنزل وحكت لوالدتها كل ما حدث. ربتت الأم على كتف ابنتها وقالت:
"الرجل عنده كل الحق"
نظرت لأمها بدهشة وقالت:
"ماما؟"
قالت أمها:
"نعم يا ابنتي، هذا الوسط يختلف تماماً عن وسطنا، لذا لابد أن تغيري من مظهرك بما يتناسب مع المركز الذي ستحصلين عليه"
قامت الأم ودخلت حجرتها ثم عادت وبيدها كيس منحته إليها وقالت:
"امسكي، هذه بعض الأموال، خذيها واذهبي لشراء بعض الملابس التي تليق بمركزك، واذهبي للكوافير ليضبط لكِ شعرك هذا. هو على حق، لابد أن تهتمي بمظهرك"
دمعت عيونها وقالت:
"لا أمي، هذا المال ليس من حقي، إنه المال الذي نحتفظ به للزمن، فماذا سنفعل بدونه؟ لا، لن آخذه"
ولكن الأم دفعت به إليها وهي تقول:
"ستأخذينه لأنني أعلم أنكِ ستحصلين على ما هو أكثر منه من هذا العمل، وأكيد سنستعيد أكثر منه، أنا أعلم ذلك. هيا لا تضيعي الوقت واذهبي"
ولكنها قبل أن تتحرك سمعت صوت أختها تقول بغضب:
"لا يحق لكِ أن تمنحيها كل المال، إنه ليس من حقها وحدها، أنا لي فيه مثلها"
نظرت أمل إلى أختها وكذلك أمها التي قالت:
"أي حق هذا الذي تتحدثين عنه؟ إنه مالها الذي كانت تدخره معي"
اقتربت الفتاة وقالت بنفس الغضب:
"مالها؟ ومن أين لها بكل هذا المال؟ إنه مالك أنتِ وأنا لي حق فيه مثلها تماماً"
قامت الأم ووقفت أمام ابنتها وقالت بدهشة ممزوجة بالغضب:
"مالي أنا! ومن أين لي بكل هذا المال؟ أنتِ تظنين أن هذه الماكينة تأتي بكل هذه الأموال؟ أنتِ تحلمين إذن، لأنه لولا عمل أختك لما كنا أكملنا عيشتنا هكذا، وما كنتِ الآن تدرسين وتحصلين على دروسك الخاصة ولا ترتدين هذه الملابس وتأكلين هذا الطعام"
فقالت الفتاة:
"أنتِ دائما تدافعين عنها وتجعلين منها الأخت المضحية وأنا الأخت المفترية، ولكن كفى، أنا لم أعد أتحمل، أنا لم أعد صغيرة"
قالت الأم:
"إذا لم تعودي صغيرة كما تقولين فتحملي إذن معنا مصاريف هذا البيت، فأنت لا تحاولين أن تدفعي أي شيء. كل ما تحصلين عليه من عملك تأخذينه لكِ وتصرفيه على نفسك بدون أي تفكير في ذلك البيت، كيف يسير؟ ومن أين يأتي رزقه؟ والآن تأتين وتطالبين بحقك، أي حق الذي تتحدثين عنه؟ هيا اذهبي ولا تحاولي أن تتحدثي معي بهذا الموضوع مرة أخرى"
حاولت الفتاة أن تجادل:
"ولكن ماما أنا"
قاطعتها الأم بحسم:
"قلت لكِ اذهبي من وجهي الآن"
تدخلت هي:
"ماما اهدئي من فضلك، لا داعي لكل ذلك"
تحركت هبة إلى غرفتها بغضب، بينما نظرت الأم إلى أمل وقالت:
"وأنتِ هيا اذهبي، الوقت تأخر، اذهبي واشتري أفضل الأشياء، هيا لا تضيعي الوقت أكثر من ذلك"
قبلت يد أمها وذهبت بصمت وهي لا تشعر بخير تجاه تلك الحياة الجديدة التي فرضها القدر عليها.
في الصباح تساءلت وهي تقف أمام نفس السكرتير:
"هل وصل الأستاذ وليد؟"
نظر إليها الرجل بتساؤل وقال:
"من حضرتك؟"
قالت:
"أنا أمل، لقد عينني الأستاذ وليد أمس، ولكني لا أعرف أين مكتبي؟"
سمعت صوته يقول:
"لم يعدوا لكِ مكتب بعد، هيا تعالي"
وقف الجميع عندما رأوه أمامهم، وتحركت ورائه إلى داخل المكتب واتجه إلى مكتبه وقال:
"اطلبي منهم أن يعدوا مكتبك في الغرفة التي على يسار مكتبي، اعطيهم الأمر وهم سيفعلون الباقي، وحتى يتم ذلك يمكنكِ البقاء هنا معي"
جلس وراء مكتبه ثم نظر إليها وقال وهو يتأملها:
"هكذا تبدين مختلفة، بدأت تتعلمين"
كادت ترد لولا أنه رفع اصبعه وقال:
"أخبرتك أن تحتفظي بجرأتك هذه للعملاء فقط. ألن تسأليني من الذي ستخبرينه عن إعداد مكتبك؟"
قالت بثقة:
"أستطيع أن أتدبر أمري، فهناك السكرتارية وكذلك العاملين بالفندق، أكيد ستكون لي طرقي"
تراجع في كرسيه وقال بجدية:
"هذا شيء جيد، بدأت أكون رأي عنكِ. هيا، دعينا نبدأ العمل، ستبقين هنا حتى يتم إعداد مكتبك"
شعرت بالخوف يهاجمها وهي تتساءل هل يمكنها أن تظل أمام ذلك الرجل طوال اليوم؟ إنها تنهار من لحظات تقضيها معه، فما بالها بيوم كامل بجواره؟
هزت رأسها مخفية ما بداخلها، وما هي لحظات حتى اندمجت معه في العمل ونسيت أفكارها، لأن الأمر لم يكن بالسهل واختلف تماماً عن عملها السابق، فحاز على كل تفكيرها وتركيزها دون التفكير في مخاوفها أو ارتباكها. وحاولت أن تكون واثقة من نفسها، سريعة التصرف والتفكير، رغم أن الأمور لم تكن سهلة.
وبالفعل، كانت أمها على حق، فقد اختلف ذلك الوسط تماماً عما كانت تعيش فيه. ورأت سيدات كثيرات مختلفين في كل شيء، ملابسهم، مكياجهم، وحتى طريقة كلامهم. ورأت كيف تتدلل بعض النساء منهم عليه بشكل ملفت حتى دون أن يراعوا وجودها. بالبداية كانت تشعر بالخجل، ولكن مع الوقت اعتادت ما يحدث، وببعض الأوقات كانت تضطر إلى البقاء بمكتب السكرتارية أثناء وجود بعض العملاء أو العميلات.
بالثالثة تراجع في كرسيه وقال وهي تراجع بعض الحسابات لأحد فنادقه:
"كم الساعة الآن؟"
قالت وهي تنظر إلى ساعتها:
"الثالثة عصراً"
قال:
"ألن نتناول الغداء؟"
قالت وهي لا تعرف ماذا يمكنها أن تفعل تجاه ذلك الأمر:
"حضرتك تتناول الطعام هنا أم أين؟"
نهض وابتسم وهو يتجه إلى الباب الجانبي الذي عرفت أنه الحمام، سمعته يقول:
"أتعلمين، رغم أنكِ حتى الآن تبلين حسناً، ولكن مع ذلك لا زلتِ تبدين أمامي طفلة"
تضايقت وقالت:
"ولكني لست كذلك"
خرج وهو يجفف وجهه بالمنشفة وقذفها على الفوتيه وقال:
"حسناً، لا تغضبي هكذا أيضاً كالأطفال. أنا أتناول الطعام بمطعم الفندق إذا لم يكن لدي غداء عمل، هيا دعينا نذهب"
اتجهت إلى الفوتيه وأخذت المنشفة وأعادتها إلى الحمام وعادت تقول:
"نذهب؟ أي أنا أذهب مع حضرتك؟"
لاحظ ما فعلته فابتسم وقال:
"هل عندك مكان آخر تتناولين فيه الغداء؟ هيا، أنا لا أحب أن أتأخر، هم يعدون الآن المائدة الخاصة بي"
ثم اتجه إلى الباب دون أي كلمات أخرى، أسرعت تلحق به بخطى ثابتة وهي تتحرق شوقاً إلى مجاراة ذلك الرجل الذي يتصرف دون رقيب وهو يعلم أنه لا يخطئ.
عندما وصل كانت ترى نظرات الاحترام الموجهة إليه، جلس وجلست أمامه، وقد حضر الرجال إليهم باحترام واضح ووقف أمامه فقال وليد:
"أهلاً سعيد، الآنسة أمل مديرة مكتبي ستتناول معي وجباتي من اليوم، أخبرهم بذلك، أمل، هذا سعيد مدير المطعم"
هزت رأسها للرجل الذي بادلها الحركة، أشار وليد إليه بيده ليذهب فانحنى باحترام وذهب، نظر إليها وقال:
"لماذا أراكِ مشدودة الأعصاب هكذا؟ هل هي أول مرة تتناولين فيها الطعام بالخارج؟"
هزت رأسها نفياً وقالت:
"لا، لقد سافرت مع الكلية إلى محافظات كثيرة في رحلات المتفوقين وتعودت على المطاعم، ولكن ليس مثل ذلك المكان، وليس مع صاحب المكان شخصياً"
ابتسم وقال:
"صحيح، إن الأمر غريب بالنسبة لي أيضاً، فلم أفعلها من قبل مع موظفيني، ولكن أنتِ مختلفة"
حدقت به بعيونها السوداء المستديرة وقالت وهي تبعد خصلة من شعرها اشتبكت برموشها:
"ولماذا أنا مختلفة؟"
أبعد نظراته عنها وقال:
"أنتِ مديرة مكتبي ولابد أن تعرفي كل شيء خاص بي، لا تسأليني كيف أثق بكِ بهذه السرعة، ولكن أنا أعرف جيداً من أمنحه ثقتي لأني أعرف كل شيء عن الشخص الذي يعمل عندي، وأنتِ بالطبع أولهم"
قالت وقد احمر وجهها:
"ثقة أعتز بها يا فندم، وأسعد جداً أني نلتها بوقت قصير"
حدق بعينيها وهو لا يعلم كيف وثق بها بهذه السرعة، ولكن عملها أعجبه، وربما كلمات فوزية عنها زادته ثقة.
قال:
"ومع ذلك لابد أن تكوني حذرة حتى لا تفقديها بسرعة كما اكتسبتها بسرعة"
هزت رأسها وقالت:
"لا أنوي أن أفعل يا فندم، حضرتك تعلم أني أحتاج إلى العمل بشدة"
تأملها بهدوء وقال:
"جهادك هذا أيضاً سبب من أسباب ثقتي بكِ"
أخفضت وجهها وتناثرت كرامتها أمامه من فرط إحراجها، فعاد يقول:
"أعتقد أن والدتك فخورة بأن لديها ابنة مجتهدة مثلك"
لم ترفع وجهها إليه وقالت:
"ربما، ولكن هي أيضاً أم رائعة تحملت من أجلنا الكثير ولم تشكِ أو تعترض"
قال:
"هكذا هي الأم، فهي من يحيط الأسرة بالحب والرعاية والحنان دون ملل أو كلل"
هزت رأسها وقالت:
"نعم، هي بالفعل كذلك، وهي أول من شجعني على العمل مع حضرتك وأخبرني أن عالمك هذا مختلف"
ابتسم وقال:
"من الطبيعي أن تكون والدتك بهذه العقلية طالما أنتِ ابنتها. ما رأيك بالمكان هنا؟ هل يعجبك؟ لقد كنت أفكر في بعض التجديدات ولكن أقف ساكناً حتى أنتهي من الفندق الجديد بلندن، نكاد ننتهي منه، لي فترة لم أذهب فيها لمباشرة الأمور هناك، كان لدي الكثير من المشاغل هنا والقاهرة"
عاد الرجل بقائمة الطعام ووضعها أمامهم وقال:
"القائمة يا فندم"
نظرت إلى الرجل وإلى وليد ثم نظرت في القائمة واختارت بثقة كما فعل هو أيضاً بصمت.
تناولوا الطعام بهدوء وعادوا إلى العمل ولم يتغير الوضع حتى دقت الثامنة فتراجع في كرسيه وقال:
"كفانا اليوم. كيف حالك بعد أول يوم عمل؟ هل ستظلين هنا أم لن تعودي بالغد؟"
قامت مبتعدة وقالت:
"ولماذا لا أعود؟ أنا أحب العمل، أياً كانت درجة صعوبته يا فندم. السؤال الآن إذا سمحت لي، هل أنا اجتزت الامتحان؟"
قال وهو ينهض مبتعداً:
"ما زال الوقت مبكراً لهذا السؤال، أنتِ لم تخرجي معي في جولاتي سواء هنا أو الفندق الآخر بالقاهرة، ولم تجربي اللقاءات الخارجية والمؤتمرات وما إلى ذلك، فهل يمكنكِ التحمل؟"
نظرت إليه وقالت:
"سأحاول أن أبذل أقصى ما عندي"
قال بنفس طريقته التي لا تمنح أي مجال للنقاش:
"حسناً، كفانا اليوم. أنا ذاهب، تأخرت على عشاء العمل ولابد أن أصعد لأعد نفسي. يمكنكِ الذهاب"
وتحرك إلى الخارج وتابعته بنظراتها في حيرة.
مرت الأيام وبدأت تتغير بالفعل من كثرة ما رأته معه، واستجابت لكل تعليماته، خاصة وأنه قد بدأ يأخذها معه في جولاته وسافرت معه القاهرة وأعجبها الفندق الآخر هناك. ورأت طريقة تعامله مع العاملين عنده من حزم وشدة، ولا يتسامح مع الأخطاء. ولم تكن طلباته تنتهي لذا بدأت تدون كل شيء حتى لا تنسى أي شيء. أما هو فلم يعلق على طريقتها في العمل، كل ما كان يهمه هو إجادة العمل وقد فعلت ومنحته كل اهتمامها مما جعله يدرك أنه لم يخطئ باختياره. بينما رأت نفسها تتغير في طريقة تعاملها مع العاملين ورأت نفسها تعطي الأوامر وتتعصب وتغضب وتعود إلى طبيعتها، ولكن كما قالت أمها "أنتِ أصبحتِ مختلفة"، وهي بالفعل أصبحت مختلفة.
رواية حب وتضحية الفصل الثالث 3 - بقلم داليا السيد
لم تعد تعرف عدد الأيام التي مرت إلا عندما حصلت على أول راتب لها.
عندما أحضره لها أحد السكرتارية في مكتبها، وعندما فتحت المظروف لم تصدق نفسها وهي تمسك بذلك المال الكثير الذي لا تعرف عدده.
شعرت بالسعادة، أخيراً يمكنها أن تريح أمها وأن تجعلها تتوقف عن العمل بهذا المال، كما يمكنها أن تتكفل بكل شيء.
قاطع تفكيرها خروج تلك المرأة من مكتب وليد.
كانت تعلم أن تلك المرأة سيدة أعمال، ولكنها ليست ككل السيدات.
كل مرة تأتي لابد وأن ترى اختلاف على وليد من بعد خروجها، كما لو أنها تأتي لسبب آخر غير العمل.
فأصبحت تتضايق كلما رأتها، بل وأصبحت تتضايق من أي امرأة تأتي إليه وتتمايل عليه بطريقة أو أخرى.
سمعته يناديها في الجهاز فقالت:
"نعم يا فندم"
قال:
"تعالي"
أجابت بغيظ وهي تتبع المرأة وهي تذهب:
"حاضر"
كانت ما تزال تمسك بالظرف فوضعته بحقيبتها ودخلت.
بالطبع كما توقعت كانت الكؤوس على المنضدة وزجاجة الويسكي بجانبهم.
وهي تعلم أنه لا يشرب أثناء العمل، وإنما هي تلك المرأة اللعينة التي تدفعه لذلك.
تضايقت أكثر وهي تعيد الأشياء إلى أماكنها وهو يقف أمام النافذة كما لو لم يكن يشعر بوجودها.
عندما انتهت قالت:
"هل طلبتني؟"
استدار إليها ولاحت عيونه في المكان وقال:
"أحب لمساتك في المكان"
ابتعد عن مكتبه وجلس على الفوتيه وقال:
"هل أكد الفوج الألماني الحجز؟"
هزت رأسها نفياً وقالت:
"لا ليس بعد"
قال وهو يتأمل ملامحها:
"ماذا بكِ تبدين غير سعيدة"
أشاحت بنظرها بعيداً عنه وقالت:
"ليس هناك شيء"
ظل ينظر إليها بحدة وقد بدت غريبة بهروبها منه ومن نظراته.
"لا أصدقك، أنا أستطيع أن أعرفك جيداً نحن نقضي معا وقتاً أكثر مما نقضي مع أنفسنا وأصبحت أعرفك جيداً، ماذا هناك؟"
قالت كاذبة دون أن تواجهه:
"صدقني لا يوجد شيء"
شعرت به يتحرك فاستدارت لتجده خلفها مباشرة ورائحة عطره تخنق أنفاسها كما هو حزنها الذي لا تعرف سببه.
نظرت بعيونه الرمادية التي تشبه السماء بيوم من أيام الشتاء، تلونت سماؤه بالغيوم فتذهب زرقتها وتتلون بالرمادي من كثرة ما تحمله من ماء.
هازت نظراتها هاربة منه وقد أدركت أنها أصبحت ضعيفة أمام تلك العيون الهادئة وتلك الملامح الجذابة والرجولة الصادقة بدون مبالغة.
تمنت أن تنطق وتخبره أن وجود تلك المرأة أصبح يبعث الضيق بنفسها، بل أي امرأة تأتي إليه أو تتعامل معه.
لم تعد تتحمل نظرات النساء إليه ولا كلمات الإعجاب التي يلقينها على مسامعه أو تدللهم عليه بطريقة فاجرة تبعث الاشمئزاز بنفسها.
ولكن من هي لتقول ذلك وبأي حق؟
نادها باهتمام:
"أمل ماذا هناك؟ ألم يعجبك الراتب الذي أمرت به؟ إذا كان كذلك"
أسرعت تقول:
"لا، لا بل على العكس إنه كثير، بل أكثر مما أستحق"
ابتسم وقال:
"بل أنتِ تستحقينه، أنتِ فتاة مجتهدة حقا ولقد أصابت مدام فوزيه عندما قالت أنكِ أكفأ إنسانة لمثل ذلك العمل، هيا أخبريني ما الذي يزعجك؟ أم أن هناك شاب ما في حياتك هو الذي فعل بكِ ذلك؟ هيا أخبريني ولا تخجلين"
اندهشت هل يظن أن في حياتها رجل؟ أي رجل يمكن أن تراه أو يثير اهتمامها بعد ما رأته؟
إنها لم تعد ترى أي رجل آخر سواه، ولكن كيف يمكنه أن يعرف وهي لا يمكنها أن تبوح بما يجول داخلها له بأي وقت.
هزت رأسها نفياً وقالت:
"شاب؟ أي شاب؟ أنا ليس في حياتي أي شاب ولا أعتقد أنه سيكون هناك"
أجلسها أمامه وقال:
"ولماذا؟ أنتِ فتاة صغيرة وجميلة ويمكنكِ الحصول على أفضل شاب ولا تحاولين إخباري أنه لا يوجد بحياتك قصة حب"
تأملته، قبل أن تعرفه لم تكن تعرف للحب أي معنى، ولكن اليوم تعلمت معنى الحب وهو ليس أي حب، وإنما حب من طرف واحد.
حب ومشاعر نمت داخلها دون أن تدري متى وكيف، فاجأها قلبها بذلك الضعف فلم تكن تعرف أنه هكذا ضعيف منكسر أمام ذلك الرجل.
ولو أدركت أنها كانت تسير بطريق حب ذلك الرجل لتوقفت وأجبرت نفسها على التراجع لأنها تعلم أن مثل ذلك الرجل لا يمكنه أن ينظر إلى السكرتيرة التي تعمل لديه من أجل احتياجها المادي وهو يساعدها ماديا لأنه يشفق عليها.
كادت عبراتها تخونها ولكنها أبعدت وجهها وتماسكت وقالت بهدوء:
"ولكن أنا فعلاً لا يوجد بحياتي أي حب ولا أفكر في أي شاب"
لاحت الدهشة على ملامحه وقال:
"كيف ذلك؟ لا توجد فتاة اليوم لم تحب ولم تفكر في فتى الأحلام، كل من هم بعمرك يحلمون بالرجل الذي يخطف قلبهم فما وجه اختلافك عنهم؟"
نظرت بأصابع يدها وقد انكمش قلبها خلف ضعفها وظهر أمامها مشوار حياتها فقالت:
"لم يكن عندي وقت حتى لأفكر في ذلك، كان علي أن أذاكر جيداً لأكون من المتفوقين لأحصل على التعليم المجاني لأن كما تعلم ظروفنا كانت لا تسمح لنا بأن توفر لي مصارف التعليم، بالإضافة إلى أني كان لابد أن أعمل لأساعد أمي وأوفر المال اللازم لمساعدتها، أعتقد أنها حياه معقدة لا مجال للحب فيها"
تحرك تجاهها ووقف يواجها وقال:
"بل هي حياة مشرفة تستحقين عليها وسام من الدرجة الأولى، على العموم معي لن تشعري بأنكِ في حاجة للصراع من أجل المال، فأنتِ فتاه مجتهدة ورائعة تجيدين ما لم يجيده من هم أفضل منكِ لذا أنا لن أترك كنز مثلك ابداً، فأنتِ تعملين معي ومن يعمل معي له حقوق علي ولابد أن أوفرها له، وهذا أمر أنتِ تعرفينه جيداً وبالطبع كلما زاد نجاحك زاد تمسكي بكِ أكثر وبالتالي مكافأتك لأنه حقك، وأعتقد أن هذا يسمح لكِ بأن تعيشي حياتك كأي فتاة من حقها أن تحب وتحب"
نظرت إليه لحظة ثم ابتعدت من أمامه وهي تسمع دقات قلبها الذي ينادي بالإفراج عنه وعن مشاعره الواهنة.
تجاهلت قلبها بقصد وقالت بتساؤل ربما تستعيد قوتها:
"ربما، ولكن طالما حضرتك تتحدث عن الحب فهذا يعني أنك تعرفه؟"
صمت هو الذي أجابها فنظرت إليه وتاهت بعيونه التي لا تتحدث عن صاحبها، وإنما ضاقت وهو ينظر إليها وقال:
"ولم لا أعرفه؟ أم تظنين أني كبير سناً بدرجة لا تسمح لي بالحب، أو أن قطار الحياة فاتني"
أسرعت تقول بصدق:
"لا. لا أنا لم أقصد ذلك، أي عمر هذا الذي تتحدث عنه وأنت ما زلت في الخامسة والثلاثين؟ أنت ما زلت في ريعان الشباب أقصد أنني لم أر لك أي عائلة أو أقارب أو، أقصد امرأة معينة وإنما أولئك النساء اللاتي يأتين هنا"
احمر وجهها عند ذكر الأمر بينما تأملها بهدوء وقال وهو يتراجع مبتعداً:
"أولئك النساء لا يمثلن لي أي شيء هن يفعلن ما يردن لكن أنا لا أهتم أو أبالي ولا مكان لمن يريدونه عندي، هذا لأنني منذ الصغر وأنا أكاد أشبهك، أبي وأمي كانوا من النوع الحاد وكنت ابنهم الوحيد وهم بدأوا حياتهم سويا وحققوا نجاحاً بأول فندق صغير افتتحوه في الفيلا الخاصة بعائلة أمي، ومن وقتها كان كل همهم الأول أن يكبر مشروعهم الصغير، وهمهم الآخر أن أكون رجلاً ناجحاً مثل أبي كي أحافظ على النجاح الذي حققوه، وليفعلوا ذلك لم يعطوني أي فرصة كي أعيش طفولتي كأي طفل بسني، كأن ألعب مثل الأطفال أو أهنأ بحياتي مثلهم وعندما بلغت الثانية والعشرين من عمري مات الاثنان في حادث سيارة على الطريق السريع أثناء عودتهم من القاهرة ليلاً، وأصبح الأمر أكثر صعوبة وأصبحت المسؤول الأول والأخير عن كل شيء وأوله حلمهم ونسيت نفسي وشبابي كما نسيت طفولتي ويمكنك تخيل الباقي إلى أن .."
ودق قلبها عندما ابتعد من أمامها واستجمعت قوتها وهي تقول:
"إلى أن ماذا؟"
التفت إليها لحظة وكأنه يستجمع قواه هو الآخر من نظراتها الثابتة قبل أن يكمل:
"بعد أعوام قليلة كانت حياتي فيها قد اقتصرت على العمل في محاولة أن أكون ناجحاً وحدي كما أراد والدي وفي غمرة توهاني بالحياة قابلتها في لندن، منذ أن رأيتها وتعلق قلبي بها كانت امرأة بكل المعاني، فاتنة سحرتني من أول نظرة، أسرعت بالتعرف عليها وخرجت معها كثيراً حتى قضينا سويا أيام جميلة لم نكن نفترق إلا عند النوم، نسيت نفسي وعملي وأصبحت أستيقظ على صوتها وأنام بعد أن أراها، كنت أعتقد وقتها أننا لن نفترق ولكن فجأة اختفت وأصبحت كالمجنون وأنا أبحث عنها بدون هدى، لا أريد أن أذكر تلك الأيام وكأنها تعيد أحزاني على والدي يوم فقدتهم"
ابتلعت ريقها بصعوبة من الجفاف الذي أصابها ولكنها لن تتوقف هنا لابد أن يكمل فقالت:
"وهل عرفت ماذا حدث؟ أو أين ذهبت؟"
قال بنفس الهدوء الذي لم يفارقه لحظة وكأنه درب نفسه كثيراً على أن يحتفظ به:
"نعم عرفت أنها عادت إلى لندن مع والدها فجأة لظروف خاصة بعمله، ربما حاولت الاتصال بها ولكن لم أنجح بذلك وقد أغلق هاتفها ولم أعرف أين يمكن أن أعثر عليها بلندن رغم أعمالي التي أباشرها هناك ولم أراها منذ ذلك الوقت ومع ذلك ما زالت صورتها لا تفارق خيالي"
شعرت بنفسها وهي تفرك يديها ببعضهم إلى أن أدركت نفسها وهي تشعر بالحرارة تتسلل إلى جسدها وقلبها لا يتوقف عن الخفقان في سباق مع الثواني وهي تدرك أن لا أمل لها في أن يشعر بها أو حتى يراها ويدرك وجودها.
وأدركت أيضاً أنها كانت غبية عندما لم تفكر أن هناك امرأة بحياته فلا يمكن لرجل مثله به كل تلك المميزات، ألا تكون بحياته امرأة فهي لن تحصل حتى على فرصة واحدة في الفوز بقلبه، لماذا تقسو عليها الايام هكذا؟
قالت تحاول أن تخفى ما يجول داخلها وهي تشعر أن علاقته هذه ربما ليست حب:
"وهل تسمى ذلك حب؟"
نظر إليها بدهشة وقال:
"ماذا تقصدين؟"
قالت:
"تحب امرأة من أول لقاء؟ امرأة لم تكن تعرفها ولم تقض معها إلا أيام قليلة ثم ترحل وتتركك دون أن تتأكد من مشاعرك تجاهها أو العكس"
قال وهو يفكر:
"أظن أنه لا يحق لكِ الجزء الأول من السؤال أم أنكِ لا تعلمين شيء عن الحب من أول نظرة؟ الحب لا يحتاج أن نتعارف إنه إذا تلاقت الأعين واهتزت المشاعر واصطدمت بالقلب، انتصر الحب بدون أي مقدمات وعلى كل شيء"
هزت رأسها هو على حق هي عرفت ذلك لأن حبه فعل بها المثل.
لم تجادل وقالت:
"نعم الحب لا يمكن أن يوقفه أي شيء بالتأكيد هي امرأة محظوظة تلك التي تحظى بقلب مثل قلبك"
لم تعرف كيف قالت ذلك إلا عندما قال:
"أهذا أنا الذي تتحدثين عنه؟"
نظرت إليه وقالت بدون تردد:
"بالتأكيد، فأنت إنسان رائع وأي امرأة تتمناك"
ابتعد وقال بضيق واضح:
"نعم تتمناني من أجل أموالي فقط، هذا هو تفكير أي فتاة أو امرأة في ذلك الزمن"
قال تدافع عن نفسها ومشاعرها الصادقة تجاهه:
"ليس كلهن سواء"
ابتسم وقال:
"إذن لا يمكن أن تكون بمثل عمرك وإنما لابد أن تكون قريبة من عمري فلا يمكن لفتاة في مثل عمرك أن تقبل رجلا في مثل سني دون أن يكون لديه الكثير من الأموال كي تتغاضى عن فارق السن؟"
قالت دون تردد:
"إذا أحبتك فلن يهمها إذا ما كان معك مال أم لا، ستعيش معك أيا كانت ظروفك هذا هو الحب الصادق الذي ليس له أهداف أخرى سوى أن يجتمع الحبيبان على سنة الله ورسوله، فيجتمعان سويا ويبنيان حياتهما التي يحلمان بها يظللهما الحب والمودة والرحمة"
تأمل ملامحها وقال:
"إنها أفكار جميلة يا أمل ويا له من رجل محظوظ الذي سيحظى بفتاة مثلك، ولكن ما زلتِ صغيرة على أن تدركي أشياء كثيرة، منها أن الحب في هذه الأيام لم يعد يمثل هذه المثاليات التي تفكرين بها، فالمادة الآن هي أهم شيء وكل الفتيات لا يبحثن إلا عنها"
قالت بضيق:
"أولا أنا لست بفتاة صغيرة ولقد تعلمت من الحياة الكثير وما زلت أتعلم، وأنا التي يمكنني أن آتي بالمادة وليس العكس، ثانيا إذا كان الرجل الذى اختاره قلبي مثلي أي فقير وليس لديه الأموال الطائلة التي تتحدث عنها حضرتك فما الجديد بالنسبة لي؟ أنا اعتدت على أن أجتهد في حياتي وسأفعل المثل ولكن الحياة وقتها ستكون أفضل بوجوده معي وأكيد سيشجع أحدنا الآخر ويكفى أننا سويا وقلوبنا لم تفترق"
قام وقال:
"أنا معجب بتفكيرك ولكن الحلم غير الواقع يا أمل، والأمر ليس بسهل لذا أتمنى أن لا تفعلي ذلك بنفسك، أنا لن أوافق على أن ترتبطي بأي شخص والسلام، لأنكِ تستحقين شخصاً مميزاً ولا تنسين أنكِ أصبحت تعملين معي ومن سيكون شريك حياتك لابد أن يليق بمكانتك الجديدة لأني لن أقبل بأقل من ذلك"
تمنت أن تخبره أنها لن ترتبط بأي أحد سواه ولكن لم يعد ذلك من حقها.
أخذ جاكتته وقال:
"لا أعلم كيف أمكنكِ استخراج تلك الذكريات من داخلي، لم أتحدث بها لأحد من قبل، لابد أن أذهب الآن فأنا أريد أن أنال بعض الراحة قبل حفل زفاف أحمد صديقي هل جهزتِ لي البدلة الخاصة؟"
قامت وقالت:
"نعم لقد تأكدت أنها في جناحك واخترت لك القميص وربطة العنق أتمنى أن يعجبك ذوقي"
ابتسم وتحرك نحو الباب وقال:
"ألن تأتي معي؟"
هزت رأسها وهى تقول:
"لا"
قال:
"حسنا، ولكن عندما يصل الفوج الألماني لن يكون هناك لا لأي شيء، كوني على استعداد لكل شيء بما في ذلك التأخير ليلاً"
هزت رأسها ولم ترد وهي تتابعه وهو يذهب تاركاً إياها بين أحزانها وحدها.
رواية حب وتضحية الفصل الرابع 4 - بقلم داليا السيد
أنا أحب
أعادت كل شيء بالمكتب لمكانه وهي تحاول أن تستعيد طبيعتها بعد أن أدركت أنه لا يمكن أن يكون لها في أي يوم، جاءها تليفون بلغوها أن الفوج أكد الحجز والوصول بعد الغد، أغلقت المكتب واتجهت إلى مكتب مدير الفندق الذي كانت تعلم أنه لا يفضل التعامل معها بحكم أنه يكبرها سنا وخبرة وقد تمنى أن يحصل على مركزها بيوم ما، وكثيرا ما كان يهاجمها بكلمات لاذعة ولكنها لم تكن ترد ولم تحاول أن تتعامل معه من باب أنها مديرة مكتب وليد وبإمكانها أن تلقي الأوامر أو أن تبدوا أنها مديرة عليه رغم أن وليد أعطاها هذه الصلاحيات وبخاصة تجاه ذلك الرجل الذي لا يفضله أحد والجميع يعلم أفعاله.
دقت الباب ودخلت وقالت "مساء الخير أستاذ أكرم"
نظر إليها الرجل من وراء نظارته الطبية وقال "مساء الخير آنسة أمل"
ابتسمت وقالت "لقد أخبروني بأن الفوج الألماني أكد الحجز وأنت تعلم أن الأستاذ وليد يهتم شخصياً بهذا الفوج فجئت لنعد معاً الترتيبات الخاصة"
خلع نظارته وقال "أي ترتيبات التي تريدين الإعداد لها؟ البرنامج معد مسبقاً كما تعلمين ولا توجد أي ترتيبات أخرى"
قالت بهدوء وهي تجلس أمامه "أعلم ولذلك جئت لأحصل على رأيك في بعض التغييرات"
قام من وراء مكتبه واتجه اليها وقال "أي تغييرات ومن الذي سمح لكِ بالتدخل في مثل تلك الأمور الفنية؟ أنتِ مجرد سكرتيرة للأستاذ وليد، مجرد طفلة أتى بها لتلعب بالأوراق التي توضع أمامها أو تسعدينه بوجودك معه، ولكن أن تتدخلي في عمل الرجال فهذا ما لن أسمح به"
لم تتوقع أن يتحدث معها بمثل ذلك الأسلوب أو يلقى عليها تلك الكلمات المهينة ومع ذلك حاولت ألا تغضب وقالت "أوراق ألعب بها؟ أسعده؟ ماذا تعني بكلماتك هذه؟ وكيف تتحدث معي بمثل ذلك الأسلوب؟ أنا لست طفلة ولم أتي هنا لألعب بالأوراق كما تقول، ولو كنت كذلك لما تركني الاستاذ وليد يوماً واحداً، ولست هنا لأسعد أحد، أنا كان يمكنني أن أفعل ما أشاء دون الرجوع إليك ولكني احترمت مكانتك وسنك"
لم يمنحها فرصة لتكمل وهو يقاطعها بغضب وبصوت مرتفع "تفعلين ماذا؟ أنتِ لا تستطيعي أن تفعلي أي شيء أنتِ لا تصلحي أصلاً لشيء، أنتِ مجرد دمية يلعب بها الأستاذ وليد لتسلية وقته ويسعد بها نفسه، هل صدقتي نفسك وأنكِ مديرة مكتبه كما يقول؟ أنتِ لا تعرفين أي شيء عن الإدارة وأنا لن أسمح لفتاة من الشارع أن تأتي لتعلمني كيف أعمل"
أخذها كلامه الحاد والمهين لدرجة جعلتها تشعر بالمهانة والضآلة وحاولت أن تفكر بالرد ولكنها سمعت صوت وليد يقول بغضب
" كفى"
نظر الاثنان إليه وقد بدا الغضب على ملامحه بينما حاولت هي التحكم في عبراتها التي حلقت على أفاق عيونها من إهانة الرجل لها وما أن رأته أمامها حتى تحركت إلى الخارج لتهرب من كل ذلك ولكن ما أن اقتربت منه حتى أمسك هو ذراعها وقال بحزم
"انتظري لم أسمح لكِ بالذهاب"
توقفت فترك يدها وأغلق الباب ونظر إلى الرجل بعيون نارية وقال "كيف تجرؤ وتتحدث مع مديرة مكتبي بمثل هذه الطريقة؟ أنا إذا كنت منحتك صلاحيات كثيرة فهذا لأنني أحترم سنك وخبرتك وصداقتك لوالدي، ولكن أن تهين أحد العاملين معي فأنت بذلك تهينني شخصياً، وبخاصه إذا كانت هذه المرأة"
نظرت إليه من وراء دموعها وهي تتساءل هل يمكن حقا أن يدافع عنها هكذا؟ هل يعنيه أمرها حتى يرفض إهانتها أم لأنها كما قال أحد العاملين عنده؟
سمعت الرجل يقول بنبرة متغيرة "أستاذ وليد إنها تحاول التدخل في عملي وتتحدث معي بأسلوب غير لائق ومنذ أن دخلت وهي تلقي علي الأوامر، هي التي حاولت إهانتي وقالت أنني أصبحت عجوز ولا أصلح لأي شئ"
نظرت إليه بدهشة فهي لم تقل ذلك لذا قالت "ولكن أنا لم أقل ذلك، بل هو"
ولكن وليد أشار إليها وقال "لستِ بحاجة للرد يا آنسة أمل، لقد سمعت الحوار كله وبصراحة لم أتخيل أن مدير فندقي الذي أثق به يدعي بالباطل على أحد العاملين عندنا، ثم من الواضح أنك نسيت من أنا ولم تعد تعلم أنني لست ذلك الشاب التافهة الذي يحضر الفتيات في مكتبه ليقضي معهن وقتاً سعيداً كما قلت، أنا أضع تحت يدي من هو جدير بثقتي وهي كذلك بدليل أنها ليست فقط مديرة مكتبي وإنما مديرة أعمالي"
قاطعه الرجل الذى اصفر وجهه "ما الذى تقوله مستر وليد؟ أنت تمنح تلك الفتاة مركزاً لا يليق بها بدلاً من أن تؤنبها على ما فعلته معي أنا؟ هل نسيت من أنا وماذا فعلت لهذا المكان طوال كل السنوات التي عملت فيها من أجلك؟"
اقترب وليد منه وهو يضع يده في جيوبه ويقول "أنا لم أنكر سنواتك التي قضيتها هنا بدليل أنك لم تعمل بدون مقابل وإنما تحصل على راتب يفوق أي راتب يمكن أن يحلم به الوزراء، غير المكافآت والعلاوات وما إلى ذلك من الأمور التي تظن أني لا أعرفها ولكن للأسف أعرفها كما تعرفها هي أيضاً، لقد طفح الكيل من تصرفاتك ومن كلامك أنا لم أعد أتحمل"
جلس الرجل على أقرب مقعد وقال "مستر وليد أنا .."
قاطعه وليد بنفس النبرة الغاضبة وقال "أنا لا أريد أن أسمع أي كلام آخر، من فضلك سلم كل شيء خاص بالعمل إلى الأستاذة أمل، وهي ستتأكد من أنك حصلت على كل حقوقك المالية"
تحرك تجاه الباب ثم استدار إليها وقال "نفذي الأوامر أستاذة أمل وعندما تنتهين اتصلي بي وتأكدي من أن يحصل على كل حقوقه المالية وإخلاء الطرف، استعيني بالشئون القانونية"
كان الذهول يتملكها فهي بالطبع لم تتخيل أن يحدث كل ذلك لها أو لذلك الرجل، ولكن وليد كان قاسي وحازم مع الرجل وتملكها الصمت وقد تاهت منها الكلمات فلم تقو على أن تقول أي شيء وهي تهز رأسها بالموافقة وتتابعه وهو يذهب
بالطبع كانت نظرات الرجل لها كلها مليئة بالحقد والغضب ولكنها لم تهتم وتصرفت كما طلب منها وتحلت بالقوة والشجاعة بعد الثقة التي منحها لها، استعانت بالشئون القانونية لإنهاء ما يخص الرجل وتسلمت كل شيء منه وكل ما يخص العمل وقد شحب وجهه ولم يحاول أن يتحدث مرة أخرى حتى هي لم تحاول أن تتحدث لقد انتهى الأمر واتخذ هو قراره ولم يعتاد أن يتراجع عن أي قرار اتخذه
وأخيراً انتهت فاتصلت به كما أمرها ولكنه لم يرد عليها، أعادت الاتصال مرة أخرى وبعد رنات كثيرة أجاب عليها فقالت
"آسفة يا فندم على مقاطعتك ولكن أنا أنهيت كل شيء كما أمرت"
جاءها صوته هادئا "حسنا أديري الأمور من عندك حتى أعود لن أتأخر أخبري والدتك أنني سأوصلك إلى البيت بسبب التأخير، لابد أن نراجع بعض الأشياء قبل وصول الفوج"
وقبل أن ترد كان قد أغلق الهاتف فأبعدت الهاتف عن أذنها ونظرت إليه وقد احتارت بذلك الرجل الذي يخفي حنان غريب خلف قسوته الظاهرة.
اتصلت بوالدتها وأخبرتها بالأمر فلم تحاول الأم الاعتراض وكأنها تدرك أن حياة ابنتها اختلفت تماماً.
عندما عاد كانت العاشرة تقريبا وقد كانت ما زالت بمكتب المدير لتعد للفوج الألماني فتح الباب فجأة فنظرت إلى الباب فرأته يتقدم، نهضت من وراء المكتب لتفسح له المكان وهي تقول
"حضرتك لم تتأخر"
اتجه إلى المكتب وجلس وقال "لا مجال للتأخير الفندق أصبح بدون مدير والفوج على وشك الحضور فهل تظنين أنني يمكن أن أتأخر من أجل فرح؟"
بالطبع كان على حق ولكنها شعرت أنه ليس على ما يرام فقالت "هل أنت بخير؟ هل هناك شيء؟"
نظر إليها بقوة وقال "شيء؟ أي شيء؟ أنا لا أفهم سؤالك"
ارتبكت من حدته بالحديث ولكنها قالت "أشعر أن هناك شيء يزعجك"
نظر إلى الأوراق وقال "ليس هناك شيء أكثر من الفندق وما يحدث به الآن أم الأمر لا يستحق بنظرك؟ هيا دعيني أراجع ما فعلتيه في غيابي"
تغاضت عن عصبيته وغضبه الواضح وراجعت معه كل شيء من حيث بدأت وإلى حيث انتهت، أكمل معها بحماس واضح منها وهي تشرح خططها الجديدة وهو يهز رأسه دون أي اعتراض إلى أن تراجع في كرسيه وقال
“ تعجبني أفكارك وأوافق عليها لكن عليكِ متابعة تنفيذها وأعتقد أن الأمور استقرت الآن"
هزت رأسها وهى تشعر بالصداع يدق فيها وقالت "نعم أظن ذلك"
قال وهو ينهض "حسنا دعينا نذهب لقد تأخرنا كثيرا وأرى الإرهاق باديا على وجهك وملامحك"
حاولت أن تكون طبيعية ولكن اليوم كان شاقا ومتعبا وأحداثه كثيرة فقالت "إذا كان هناك شيء آخر تريده فدعنا ننتهي منه"
اقترب منها وقال "أنا أعلم أن اليوم كان صعباً ومزعجاً ولكنك تعلمين أني لن أستطيع أن أمنحك أي إجازة"
قالت بتفهم "أنا أعلم ولا أريد أي إجازات، أنا أحب عملي"
نظر إليها وهي تحاول أن تخفي عيونها التي امتلأت بالخوف والحزن والحيرة فما زال الكلام الذي قاله لها عن تلك المرأة يؤثر عليها ويشغل بالها رغم انشغالها بالعمل، وذلك لأنها أدركت بنفس اليوم أنها أصبحت حبيسة حبه ولن تستطيع أن تبعد أو تتراجع.
تاهت من الوجود لحظة ولم تعد إلا عندما أمسكها فجأة من ذراعها فارتجف جسدها وهي تنظر إليه بدهشه فقال "ماذا بكِ؟ هل أنتِ بخير؟"
هزت رأسها وقالت "نعم بخير"
قال "حسنا هيا دعينا نذهب، الأيام القادمة ستكون أصعب"
ركبت بجانبه في السيارة فقالت "أريد أن أسألك سؤال؟"
قال دون أن ينظر إليها "أعلم، تريدين أن تعرفي لماذا أقلت المدير وقد كان من الممكن أن يكون العقاب أقل من ذلك أليس كذلك؟"
أجابت وهي مندهشة من أنه عرف ما تريد "نعم فعلاً هذا ما أردت أن أعرفه، كيف عرفت؟ أنا من وقتها وأنا أشعر بالذنب لأنني تسببت في فصل إنسان أيا كان"
ابتسم وقال "بصراحة أنا استغليت الأمر، منذ فترة وأنا أعلم أنه يتجاوز في أشياء كثيرة كتلك التي كنتِ تخبريني بها وغيرها من التي عرفتها وعرفت أنه بدأ يتخذ قرارات كثيرة دون الرجوع إلي، غير التجاوزات المالية التي عرفتها فأنا لي عيوني في كل مكان، وبالطبع لم تعجبني طريقته في التعامل معكِ اليوم والكلام الذي تلفظ به لذا كان ما كان أي لم أظلمه ولكن تحينت اللحظة المناسبة"
هزت رأسها وقالت "نعم، ومع ذلك شعرت بأنني تدخلت في عمله"
ابتسم وقال "إذن أنتِ لا تعلمين منصبك جيدا، إنه يمنحك صلاحيات كثيرة أكثر مما يمكنك أن تتصوري، ولكنك ما زلتِ صغيرة لتتعاملي مع هؤلاء الأشخاص، على العموم ما زال أمامك الكثير لتتعلميه وأنا لست متعجلا لأن ما لديكِ الآن من قدرات يؤدي الغرض ويفي باحتياجاتي، المهم عليكِ الآن بمباشرة مهنة المدير بالأيام القادمة مؤقتا حتى نأتي بمدير جديد، ولكن ذلك من مكتبك إلى جانب عملك الأصلي"
كانا قد وصلا إلى بيتها الذي كان بمنطقة هادئة بالإسكندرية فقال "منزلك في مكان هادئ، هيا انزلي الوقت تأخر جدا ولا يمكنك مناقشة أي شيء الآن"
كانت تريد أن تعترض ولكنه لم يمنحها فرصة، كيف يمكنها أن تقوم بكل تلك الأعمال ماذا يظن بها؟ وهل يمكنها أن تفعل ما يطلبه منها؟
عندما دخلت المنزل كانت والدتها ما زالت في انتظارها، نظرت إليها ثم رمت نفسها على أقرب مقعد فقالت أمها
"لماذا تأخرتِ هكذا؟"
حكت لوالدتها ما حدث باختصار فقالت الأم "ولكني رغم ذلك النجاح والثقة التي منحها لكِ أراكِ غير سعيدة بهذا النجاح فلماذا؟"
نظرت لوالدتها وقالت "لا أبداً يا ماما، ولكن فقط أشعر أنني لن أستطيع تحمل كل ذلك وحدي الأمر ليس بسهل وأنا ما زالت خبرتي بهذه الأمور صغيرة، كما أن العاملين هناك قد لا يتقبلون فتاة صغيرة لتصبح مديرة عليهم كما حدث اليوم مع المدير السابق"
قالت الأم بهدوء "إذن أنتِ تشعرين بالخوف"
نظرت لوالدتها وقالت بصراحة "نعم"
لاحت نظرات تساؤل بعيون الأم وقالت "فقط؟ أقصد هل هذا هو كل ما في الأمر؟"
نظرت بعيون أمها ربما ترى ماذا تعني ولكنها لم تر أي شيء فاحمر وجهها دون أن تشعر وقالت "لا أفهم يا ماما، ماذا تقصدين؟"
أجابت الأم بنبرة حانية مطمئنة "أقصد أني لا أظن أن ذلك هو سبب الحزن الذي أراه بعيونك، منذ متى وأنتِ تخشين من العمل أي عمل؟ أنتِ جديرة بأي مكان تكونين فيه، لذا ذلك الحزن الذي أراه في عيونك ليس سببه العمل وإنما شيء جديد فما هو؟"
دق قلبها هل يمكن أن تكون والدتها تشعر بها أم أنها أصبحت كالشفاف واضحة وظاهرة؟ أم هل تفضحها عيونها وتنطق بمكنون فؤادها؟
قالت بهروب واضح "ماذا يمكن أن يكون جديد يا ماما؟ ليس هناك غير ما أخبرتك به، أنتِ تذكريني بالأستاذ وليد فقد سألني نفس السؤال تقريبا"
ابتسمت الأم وقالت "حقا فعل؟ ربما يكون الأستاذ وليد هو الأمر الجديد"
حدقت في والدتها، هل من الممكن أن تكون أمها كشفت مشاعرها قالت "أي جديد به يا ماما أنا معه منذ شهر وأكثر فما الجديد بخصوصه؟"
ربتت الأم على يد ابنتها بحنان وقالت "انظري إلى عيونك وأنتِ تتحدثين عنه، أنا أمك وأعرفك جيداً، ماذا تخفين عني يا ابنتي؟"
شعرت بالصداع يزداد وبأن جسدها يرتجف رغم ازدياد حرارته، لم تجد إجابة وهي تبحث في بحور الكلمات عن إجابة عندما قالت
"أنا، أنا لا أخفي أي شيء"
كانت نظراتها تهرب من مواجهة أمها ولكن الأم قالت "بل هناك وعيونك تفضحك يا ابنتي ماذا تكنين لذلك الرجل يا أمل؟"
تفاجأت من سؤال أمها الصريح وشعرت بأنها تغرق في بحر من الضياع لأنها لا تعرف أين هي وماذا يمكنها أن تفعل أو تقول؟ هل يمكن أن تخفي مشاعرها عن أمها صديقتها الوحيدة؟ أم تخبرها رغم أنها تعلم أن الأمر كله خطأ؟
وضعت رأسها بين يديها ربما توقف دقات الصداع به وقالت بحزن "وإن كان هناك شيء يا أمي فالأمر ليس بالهام"
تراجعت الأم وقالت "وما هو هذا الشيء يا ابنة عمري؟ لن تخبريني أنه الحب؟"
لم ترد ولم تنظر إلى أمها ولكن المرأة فهمت وقالت "لماذا يا أمل؟ لماذا فعلتِ ذلك بنفسك يا ابنتي؟"
زاد حزنها أكثر من كلمات أمها وقالت "ليت الأمر كان بيدي يا ماما"
قالت الأم بحزن "هل يعلم شيء عن مشاعرك هذه؟"
هزت رأسها نفياً وقالت "بالطبع لا إنه لا يراني أصلاً إنه طريق مظلم مغطى باليأس ألقيت نفسي فيه دون أن أشعر منه وملأت قلبي بالألم"
قالت الأم بألم على ابنتها "ولماذا يا ابنتي تركتِ قلبك ينقاد في ذلك الطريق طالما تعرفين نهايته؟"
لم ترفع وجهها وهي تجيب بألم يزداد "لم أشعر يا ماما ولم أكن أعلم، اليوم فقط أدركت أنني أحب وأحب ذلك الرجل، وفي نفس الوقت أدركت أن ذلك الحب خطأ من كل النواحي، فكيف أحب رجل مثله في مثل مركزه ومكانته؟ ماذا أكون أنا بالنسبة له؟ مجرد فتاة أتت لتعمل عنده لأنها بحاجة لأمواله فهل يمكن أن يمنحني أكثر من نظرات الشفقة والإحسان؟"
رفعت وجهها المليء بالدموع وهي تنظر إلى أمها وأكملت "والأهم من ذلك أنني لم أنتبه إلى مشاعره هو إلا اليوم أيضا عندما أدركت أن هناك امرأة في حياته أي أن الطريق مسدود من كل ناحية"
زادت الدموع تجري هاربة من عيونها فاقتربت منها والدتها وأحاطتها بيديها وقالت بحنان "يا ابنتي الحبيبة ماذا فعلتِ بنفسك؟ أنتِ أصغر من أن تتحملي كل هذه الأشياء، حبيبتي لابد أن تعلمي أن ما بدأته من الصعب انهاؤه لأنكِ تعلمين أن الحب حائط صلب إذا أقيم لا يكون من السهل هدمه"
نظرت لأمها وقالت "أعلم والغريب أني لا أريد أنهاؤه يا ماما، لا أريد إخراج حبه من قلبي أنا أحب حبي له واهتمامي بكل ما يخصه أعلم أن كل ذلك خطأ ولكن غصب عني ليس بيدي صدقيني غصب عني"
ثم انهارت دموعها بدون توقف فضمتها الأم إلى أحضانها وربتت عليها حتى هدأت وابتعدت من أحضانها فقالت الأم
"أعلم حبيبتي لكني أعلم أيضاً أنكِ قوية ويمكنكِ مواجهة أي صعوبات وليس من طبعك الاستسلام أو الضعف أو الهزيمة"
أبعدت عيونها وقالت بضعف "إنها ليست حرب يا ماما، إنها مشاعر جديدة لا أعرفها، فقط تؤلمني ولا يمكنني أن أوقفها ولا تغيرها"
قالت الأم "لا يا ابنتي، كل شيء ممكن حتى المشاعر يمكن تغييرها إذا تم توجيهها إلى الطريق الصواب، يمكنكِ أن تتركيه وتبتعدي عنه وعن حياته، والبحث عن عمل في أي مكان آخر، فرص العمل كثيرة، ولا تهتمي بالمال أنا"
قاطعتها قائلة بحزم "لا يا ماما، أنا لا أريد أن أترك العمل معه، بل لا يمكنني أن أفكر بذلك ليس بعد ما وصلت إليه كما لا أستطيع أن أتخلى عنه في ذلك الوقت أو في أي وقت، أنا أضعف من أن أبعد عنه أنا أحبه يا ماما وراحتي ليست في البعد عنه بل لا أشعر بالراحة إلا وأنا بجانبه، أنا آسفة يا ماما ولكن لا أستطيع أن أتركه لا يمكنني"
صمتت الأم قليلا ثم قالت "حسنا يا ابنتي هوني على نفسك لأنكِ اخترتِ طريقا صعبا ولن يكون من السهل عليكِ اجتيازه"
قالت بحزن "هذا قدري إذن ولن أستطيع أن أغيره، اسمحي لي أن أذهب لأنام فأنا مرهقة جداً اليوم، وأعلم أن الأيام القادمة ستكون أكثر إرهاقاً بدنياً وذهنياً"
قبلت أمها التي كانت حزينة لابنتها، بينما ألقت جسدها على الفراش ومازالت الأفكار تتلاعب بها بدون رحمة، وكأنها تستعيد كل كلماته وحكايته وكلما فعلت أوجعتها الغيرة ومن داخلها كانت تتساءل هل حقاً أحب تلك المرأة التي قابلها أيام معدودة ثم رحلت بدون أي مقدمات، لا تعلم لماذا كانت تشعر أن تلك القصة لا يمكن أن تكون حب
رواية حب وتضحية الفصل الخامس 5 - بقلم داليا السيد
بالفعل كان اليوم التالي شاقاً وقد جاءت بشخصية أخرى في محاولة منها ألا يتكرر ما حدث بالأمس من ضعف أو تردد، لم تذهب إلى مكتبها وإنما اتجهت إلى كل مكان سيتجه إليه الفوج الألماني، من المطعم إلى القاعة الليلية والغرف وحتى قسم التنظيفات. مرت على كل شيء وشعرت أن نظرات الجميع إليها اختلفت كما لو كان ما حدث أمس قد أثر عليهم فلم يحاول أحد الاعتراض على قرار كانت تتخذه، وربما نظرات أخرى كانت تحمل تساؤلات كيف فتاة مثلها وصلت لتلك المكانة بهذا الوقت القصير؟
عندما جاءت التاسعة كانت في مكتبها تنتظر أن ينزل من جناحه كالعادة. وبالفعل لحظات وناداها فدخلت وهي تقول:
"صباح الخير يا فندم."
قال بطريقة عملية اعتادتها:
"صباح النور، قبل أي شيء احجزي لنا تذكرتين إلى لندن الأسبوع القادم، لابد أن نذهب للإعداد لافتتاح الفندق الخاص بي هناك. لو لم تجدي حجز اطلبي طائرة خاصة، أعتقد أنني أخبرتك عن الافتتاح من قبل وقد ارسلوا لي أنهم كادوا أن ينتهوا ولابد أن نذهب لإعداد الترتيبات الخاصة بالافتتاح."
نظرت إليه وقالت بحذر:
"تذكرتين لمن؟"
تأملها وقال:
"لا أفهم، أنا وأنتِ بالطبع هل هذا سؤال يا أمل؟"
قالت وهى تجلس أمامه:
"أنا لا أستطيع أن أسافر، لا يمكنني."
كانت عيونه كلها تساؤل وهو يقول:
"ما الذى تقوليه؟ لابد من أن تذهبي معي أنتِ بمركزك الجديد أصبحتِ مسئولة عن أشياء كثيرة، وقرارات اعتمدت عليكِ فيها وبالتالي لابد أن تكوني معي كي تباشريها أنتِ بينما أتفرغ أنا لأشياء أخرى تحتاج قراراتي ووجودي."
هزت رأسها نفياً وقالت:
"لا يمكنني، أنا لا أستطيع أن أترك ماما وأختي وحدهم."
قام من وراء مكتبه وأخرج عصير من الثلاجة وجلس أمامها وقال وهو يتناوله في هدوء:
"لا تتصرفي مثل الأطفال وتشعريني أنكِ لا تستطيعي أن تتركي أمك."
شعرت بالضيق من كلماته التي دائما ما تشعرها أنها طفلة بالنسبة له فقامت وقالت:
"لماذا تصر على أنني مجرد طفلة؟ أنا لست كذلك ولو أنني كذلك كيف تحملت كل هذه المسؤوليات."
ابتسم وقال:
"وكيف لا أفعل وأنتِ تبدين الآن كالأطفال وأنتِ غاضبة."
زاد غضبها وقالت:
"لماذا تصر على ذلك؟ أنا أكره هذا الحديث لماذا لا تراني إلا طفلة رغم أنني لست كذلك، لست كذلك."
ما زالت الإبتسامة على وجهه وهو يقول:
"لأنني أحب أن أراكِ وأنتِ في مثل هذه الحالة من الغضب."
نظرت إليه والدموع تملؤ عيونها فذهبت ابتسامته وقام ووقف أمامها وقال بجدية:
"أمل أنتِ تبكين؟"
استدارت لتخفي دموعها فأمسكها من ذراعها وأعادها إليه وقال:
"أمل كنت أمزح معكِ ولم أكن أعرف أنكِ حساسة إلى هذه الدرجة."
نظرت إليه وكادت تقول وأنا امرأة لي قلب ومشاعر وأنت تجرح هذه المشاعر دون أن تشعر.
لمس وجنتها فجأة بأصابعه ومسح دموعها وقال:
"هيا اجلسي، لابد أن تفهمي أنكِ بالنسبة لي."
قالت تقاطعه باستنكار:
"لا تقول، فأنا لست كذلك."
ابتسم وقال:
"وهل يمكن لطفلة أن تدير مكتب رجل أعمال مثلي؟ وتصبح مدير مؤقت لفندق كبير كهذا بوقت قصير؟ ألا تفكرين أيتها الطفلة العصبية؟"
لم تعرف بماذا ترد وهي تحدق بعيونه وتستمتع بكلماته التي منحتها راحة سرت بكل وجدانها، هو على حق كيف لم تفكر كما قال؟ أخفضت عيونها من الخجل فقال:
"لماذا لا تريدين السفر معي؟"
مسحت دموعها ونظرت إليه وقالت:
"ماما امرأة مسنه وأختي صغيرة وطائشة أخشى من أن أتركهم وحدهم."
تراجع وجلس أمامها وقال:
"ولكن هذا عمل وأنتِ تعلمين أن العمل يفرض علينا أشياء كثيرة ربما ضد رغباتنا ولكنها ضرورية، ثم أنا متأكد من أن والدتك يمكنها تدبر الأمور بدونك فهي التي كانت ترعاكِ أنتِ وأختك وليس العكس، وأختك ليست صغيرة كما تظنين وإنما أنتِ من يريد رؤيتها صغيرة هكذا لأنكِ الأخت الكبرى وتشعرين بالمسؤولية، ولكن الآن الوضع اختلف أنتِ أصبح لكِ عمل وعليكِ مسؤوليات لابد أن تتحملينها وأنا متأكد من أن والدتك ستتفهم الأمر جيداً، وإذا أردتِ يمكنني الحديث معها شخصياً."
قالت بسرعة رافضة عرضه:
"لا، يمكنني تدبر الأمر، إنه أنا التي تخشى أن تتركهم كما قلت أنت، فهي أول مرة."
قال بهدوء:
"ولكن عليكِ أن تعتادي بعدها ففي يوم ما ستتزوجين من أحدهم وربما أراد أن يأخذك ويرحل بكِ إلى الخارج فماذا ستفعلين؟ أنا أعتقد أن وضعنا أهون سنذهب أسبوع أو اثنين وسنعود بعد ذلك، الأمر بسيط هيا لا داع لتضييع الوقت أكثر من ذلك احجزي التذاكر وعودي للعمل."
كان أمر صعب عليها أن تخبر والدتها بالسفر ولكن لابد أن تفعل وكان الأمر صعب على والدتها ولكن لا مفر من أن توافق.
زادت مسؤوليتها أكثر مع الوقت وأصبح يعتمد عليها أكثر حتى بحياته الشخصية فهي مسؤولة عن أي شيء يخصه ملابسه طعامه تنظيم مواعيده كل شيء وأصبحت تقضي معه وقت أكثر مما تقضيه مع نفسها وربما هو نفسه أصبح يطلبها باستمرار ولا يذهب لأي مكان بدون وجودها ومناقشتها بكل أمور عمله وكأنها أصبحت جزء من حياته ولكن هو بالنسبة لها أصبح كل حياتها.
وصل الفوج الألماني في موعده وكانت هي في انتظاره رحبت بالجميع وتأكدت من أنهم حصلوا على كل شيء وعندما نزل وليد كانت في المطعم تشرف على الغداء فأرسل في طلبها فذهبت إليه.
عندما دخلت مكتبه كان يقف أمام النافذة وكأنه لم يشعر بدخولها فقالت:
"أستاذ وليد صباح الخير."
عندما لم يرد عليها اتجهت إليه واقتربت منه وكادت تنادي عليه لولا أنه استدار فجأة فتراجعت وفقدت توازنها وكادت تقع لولا أنه أحاطها بيده بقوة ورفعها إليه، ولأول مرة تقترب منه إلى هذه الدرجة لتجد نفسها بين ذراعيه، رائحة عطره انتشرت حولها ونظراته موجهة إلى عيونها الفزعة الناظرة إلى عيونه الرمادية، وانهار القلب يدق في حدة وكأنه فرحا بقرب حبيبه أو ربما خائفاً من قربه.
حدق فيها لحظات قبل أن يحررها وهو يقول:
"كنت أعلم أن عيونك خضراء ولكني لأول مرة ألاحظ أنها جميلة."
شعرت بأن وجهها احمر من الخجل وتراجعت فقد كانت دائما ترى نفسها أقل جمالاً من كل البنات ولأول مرة تسمع كلمة غزل من أي رجل وليس أي رجل إنه من اختاره قلبها قالت وهي تهرب من مواجهته والخجل يلفها:
"أنا آسفة، ناديت عليك فلم تسمعني."
اتجه إلى مكتبه وقال:
"لماذا تأخرتِ؟"
قالت:
"أنا لم أتأخر، أنا هنا منذ الصباح الباكر ولكني كنت استقبل الفوج وأشرف على التسكين والطعام."
قال بصوت مرتفع وبعصبية واضحة:
"نعم كل شيء الفوج، الآن ستعلقين كل أخطائك على الفوج، هذا عمل بسيط يمكن لأي موظف لدينا أن يؤديه ببساطة دون أن يقصر في باقي أعماله."
اندهشت من كلامه وغضبه الواضح فقالت:
"ولكن أنا لم أقصر في شيء."
قال بنفس الطريقة:
"أنا لا أريد أي مبررات للخطأ، أنتِ أصلا لا تدركين أوجه تقصيرك، يبدو أنني أخطأت عندما وضعت ثقتي في فتاة صغيرة متهورة لا تستطيع أن تتحمل أي مسئولية، أنا لا أعرف كيف فعلت ذلك؟"
نظرت إليه بذهول وهي لا تعرف ماذا يحدث وماذا يقول، وكأنه رجل آخر لا تعرفه ينطق بكلمات عكس ما سبق وقاله لها.
دق بيده على مكتبه مما أفزعها وقام وهو يقول:
"أنا كنت مخطأ في اختياري، لا يمكن لفتاة في مثل سنك أن تتحمل هذه الأعمال، هيا اذهبي لا أريد أن أراكِ الآن هيا."
تحركت والدموع في عيونها وهى لا تعرف ما الخطأ الذي ارتكبته ولكنها قالت:
"سأذهب ولكن أريد أولا أن أعرف ماذا فعلت؟"
اتجه إليها والغضب في عيونه وقال:
"ما زلتِ تحاولين الجدال، حسنا لقد اتصلت بمكتب السياحة لأرى موعد السفر فأخبروني بأنكِ لم تحجزي، أنتِ لا تنفذين أوامري ولا تؤدين عملك كما أطلبه منكِ أليس كذلك؟"
مسحت دموعها وقالت وهي ترفع رأسها لمواجهته بقوة:
"بل اؤديه على أكمل وجه، أنا بالفعل لم أحجز عندهم لأنهم أخبروني بعدم وجود أماكن خلال الوقت الذي نطلبه ولكني حصلت على حجز لدى شركة أفضل وفي الوقت المناسب، أنا لم أقصر في عملي، لذا أنا لن أقبل أن يهينني أحد بهذه الطريقة خاصة إذا لم أكن مخطأة اعتبرني مستقيلة."
واستدارت لتخرج لولا أنه أسرع إليها وأمسك بيدها ليوقفها بقوة فتوقفت رغم أنها كانت تشعر بغضب وألم وجرح ولم يكن في استطاعتها مواجهته ولكنه عاد وجذبها برفق واقترب منها ولانت ملامحه ونبرة صوته وهو يقول:
"أمل انتظري."
لم تحاول أن تنظر إليه كانت غاضبة ومجروحة والدموع تغشى عيونها.
سمعته يقول:
"انتظري يا مجنونة، هل تظنين أن بإمكانك تركي بسهولة؟"
رفعت عيونها إليه بحزن وتمنت لو أخبرته أنها لا تستطيع أن تتركه أبدا ولا تتمنى إلا قربه.
عاد يقول:
"أنا لا أعرف ما الذي أصابني ولكن، يا إلهي كفي عن البكاء أنا لا أحب أن أراكِ تبكين، تعالي."
جذبها برفق وأجلسها وجلس أمامها وقال:
"أمل من فضلك كفي عن البكاء، أنا أعلم أنني كنت قاسي قليلاً، ولكن كيف لي أن أعرف أنكِ غيرتِ الشركة التي نتعامل معها؟"
قالت دون أن تنظر إليه:
"كان يمكنك أن تسألني أولاً."
قام من مكانه وأخذ يتحرك بدون تركيز ثم قال:
"حسنا كان بالفعل علي أن أفعل ولكن."
دق هاتفه فرد عليه وكما فعل معها فعل مع المتحدث ثار عليه وأهانه وأغلق الهاتف وقذفه على المكتب بعصبية واضحة ليس لها سبب، هنا أدركت أمل أن هناك أمر غير طبيعي يحدث فقالت:
"أستاذ وليد هل أنت بخير؟ أنا لأول مرة أراك هكذا هل هناك شيء يضايقك؟"
اتجه إلى مكتبه وجلس وقال:
"هل يبدو علي الضيق؟ بالطبع لا، لأنه لا يمكن لأي شيء أو أي شخص أن يضايقني."
مسحت ما تبقى من دموعها ونست ما كان وهي تحدق بوجهه:
"ولكن أنا لم أراك هكذا من قبل."
قال بنفس العصبية:
"هكذا؟ ماذا تعنين بهكذا؟ هل أبدو مجنون أمامك؟"
أسرعت تقول:
"لا لم أقصد ذلك ولكن كنت أعتقد أنني أعرفك جيدا بما يجعلني أشعر بك و."
توقفت ونظر هو إليها ودق قلبها وهي تخفي عينيها عنه، ما الذي قالته؟ هل جنت؟
أسرعت تقول:
"أقصد أنني عرفتك جيدا بالفترة السابقة ولكن اليوم أراك شخص آخر غير الذي عرفته، لذلك أنا متأكدة أن هناك أمر ما يضايقك، اسمح لي أن أسألك ما هو؟ أعلم أنه قد لا يحق لي أن أسأل ولكن لابد أن أفعل."
تراجع في كرسيه وأحاط وجهه بيده لحظة ثم نظر إليها وقال:
"لقد رأيتها اليوم."
تسارعت دقات قلبها بقوة حتى شعرت بألم يعتصر صدرها، وقد ظنت أنها تفهم معنى كلماته ولكن مع ذلك أرادت أن تكذب قلبها فحاولت أن تفهم جيداً ماذا يقصد فقالت:
"رأيتها؟ من هى؟"
قال بهدوء عاد إليه بعد العصبية:
"سارة المرأة التي حكيت لكِ عنها، لقد رأيتها اليوم صباحاً هنا في الفندق."
شعرت بأن أنفاسها تتلاحق وكأن الغرفة فرغت من الهواء فجأة ولم يعد بإمكانها التنفس وارتجف جسدها وحاولت أن تنهض من مكانها لتهرب من أمامه قبل أن تخونها نظراتها وتعلن عن الغيرة التي بدأت تملكها ولكنها لم تستطع أن تتحرك، فأدركت أنها لابد ألا تبدي أي شيء لذلك قالت:
"حسنا هذا أمر لابد أن يسعدك على ما أعتقد لا أن يغضبك إلى هذه الدرجة أليس كذلك؟"
رجع إلى كرسيه وقال وهو يحاول أن يبدو هادئا:
"لقد كنت كذلك، ولكن ما عرفته هو الذي جعلني كذلك."
جف حلقها ودق رأسها بصداع فقالت:
"أستاذ وليد أنا لا أحب الألغاز ولا أفهم شيء، من فضلك تحدث بوضوح."
نظر إليها وقال:
"ليس هناك ألغاز، هي لم تكن وحدها، كانت مع خطيبها."
نظرت إليه بدهشة وشعرت بأمل يقترب من بعيد هل من الممكن أن ترحل هذه المرأة من حياته وتفسح لها الساحة لتحتل هي قلبه؟ ولم لا؟ لن تحبه كما تحبه هي، هي من تستحق قلبه ومشاعره، هي تشعر أن تلك المرأة لم تحبه بأي يوم، ولكن كلها ظنون قد تخطأ وقد تصيب لذا لابد ألا تتعجل.
قالت محاولة أن تكون هادئة:
"يا إلهي، وأنت؟"
نظر إليها بعيون تائهة وقال:
"لا أعلم ماذا أمثل أنا بالنسبة لها؟ ولكن لا أنا أعلم أنها كانت تحبني، بالتأكيد هناك سبب وراء هذه الخطبة، أنا متأكد من أنها أحبتني كما أحببتها، لقد قالتها لي وأنا صدقتها."
قالت بغضب مكتوم:
"من السهل قول الكلمة ولكن من الصعب أن نشعر بمعناها وأن نكون صادقين فيها."
تأملها وقال:
"أحب كلامك، أنتِ تعتقدين أنها قالتها دون أن تشعر بها؟"
هزت رأسها وقالت:
"لقد سألتك من قبل، هل تسمي ما حدث بينكم حب؟ فأجبت نعم، ولكني أعلم أن حتى حب النظرة الأولى لا يمكن أن ينتهي بسهولة مهما كانت الأسباب هذا إذا كان حب صادق فالحب رباط قوي يدوم إلى الأبد ولا يمكن فكه بسهولة خاصة إذا كان صادقاً ونابعاً من القلب."
نهض وتحرك بعصبية وهو يشيح بيده ثم قال:
"هل تشككين في حبي لها أم حبها لي؟"
لم تعرف بماذا ترد ولكنها قالت:
"لا أملك أن أشكك في أيا منكما، ليس حقي أن أفعل فهي قلوبكم، ولكن أنت يمكنك أن تختبر قلبك وقلبها فتعرف، كما أن تصرفاتها أيضاً ستجعلك تعرف ما يخفيه قلبها."
تحرك مبتعدا في الحجرة على غير هدى ثم قال:
"على العموم هذا أمر سأفكر فيه مع نفسي ولكن ما يضايقني أني تصرفت بدون أي وعي مني، لأول مرة أفقد السيطرة على نفسي وأفعل أشياء أندم عليها."
نظرت إليه بدهشة وقالت:
"أنت؟ كيف ولماذا؟"
قال:
"لقد أصابني الغضب عندما قدمت لي خطيبها وأخبرتني أنهم في رحلة سياحية إلى العديد من الدول وعندما سألتني عن نفسي وأين المرأة في حياتي؟"
توقف عن الحديث لحظات وهو ينظر إليها فقالت تحثه على أن يكمل:
"ما الذي قلته؟"
اتجه إليها وجلس أمامها وقال:
"أخبرتها أنني تزوجت منذ فتره قريبة، لا أعلم لماذا فعلت ذلك ولكني أردت أن أضايقها مثلما حدث لي، أو ربما أردت أن أعلم ما إذا كانت ستشعر بالغيرة أم لا، ولكني فعلت وأخبرتها بذلك والمشكلة ليس بذلك وإنما لأنها أخبرتني أنها ذاهبة إلى لندن في نفس الوقت الذي سنذهب فيه هناك وستقيم في فندقي هناك."
سكت ولم يكمل فقالت:
"حسنا وما المشكلة في كل ذلك هي راحلة ولن تعرف الحقيقة."
هز رأسه وقال:
"ولكني قبل أن أعرف أنها ذاهبة إلى لندن أخبرتها أنني سأقضى إجازتي مع زوجتي هناك لافتتاح الفندق الجديد، هل فهمتِ الأمر؟ كيف أذهب هناك بدون زوجة؟"
ضحكت بسهولة وقالت:
"العديد من الحجج والأسباب."
تراجع بالمقعد وهو يواجها بحدة وقال:
"أعلم ولكني أريد أن أضايقها كما فعلت معي، لا يمكن لامرأة أن تتلاعب بمشاعري هكذا وتمر دون عقاب."
قالت بهدوء:
"كنت بالأمس تتحدث عن حبك لها، فما الذي حدث؟"
حدق بها لحظة ثم قال:
"ألم أخبرك أنها أتت برجل معها على أنه خطيبها أي أنها لم تكن تهتم بما كان بيننا لذا أردت أن أذيقها من نفس الكأس."
ضاقت عيونها وقالت:
"ولماذا أنت متأكد من أنها ستتضايق من أمر زواجك؟ ربما لا يمثل لها الأمر أي أهمية؟"
قال:
"نعم ربما ولكني رأيت ذلك في عيونها فأدركت أنها ما زالت تفكر بي وأنها ربما تغار من وجود امرأة في حياتي."
قالت بنبرة ساخرة أثارت غضبه:
"وماذا؟ تترك خطيبها وترتمي في أحضانك تطلب الغفران."
تعصب من سخريتها وقال:
"تسخرين مني؟ أم ماذا؟"
أسرعت تقول:
"لا، ولكني لا أفهم لماذا تفعل كل ذلك؟ ول لمن؟ لامرأة لا تستحق حتى أن تفكر فيها."
قال بتعابير باردة لا توحي بأي شيء:
"لا، لانتقم لكرامتي، ول ترى أنني يمكن أن أحصل على امرأة أفضل منها بكثير وأني سعيد مع تلك المرأة دون غيرها، ولكن من أين آتي بهذه المرأة؟"
لم يخطر السؤال على ذهنها ولم تحاول أن ترد عليه عندما سأله، فهي تعلم أنها لا تمثل بالنسبة إليه أي شيء، بل بالنسبة له مجرد طفلة كما قال.
دق تليفون مكتبه فأجابت هي:
"نعم حاضر سآتي."
كانوا يريدونها بالاستقبال وهذا ما قالته له فهز رأسه كادت تخرج لولا أن استوقفها:
"غدا سنقيم حفلة على شرف الفوج الألماني أرجو أن تعدي له وأن تكوني موجوده."
قالت:
"حاضر."
لم تراه طوال ذلك اليوم وقد أخبرها أنه سيذهب للقاء بعض رجال الأعمال بالنادي فلم تحاول أن تعرف لماذا يتركها بمثل هذا الوقت؟
كان العمل كثير فلم تملك الوقت لتفكر في أي شيء ولكن عندما عادت للمنزل في المساء كانت والدتها بانتظارها كالعادة.
نظرت إلى أمها وقالت:
"ماما، مساء الخير."
ابتسمت أمها بحنان وقالت:
"مساء الخير حبيبتي، تبدين متعبة."
أرتمت بجوارها وقالت:
"جدا يا ماما، لقد ذهب لأصدقائه وترك لي كل شيء."
قالت الأم:
"ولكنكِ لم تحاولي الاعتراض؟"
شردت قليلا ثم قالت:
"وهل يمكنني ذلك؟ إنه عملي."
سكتت وعادت إلى شرودها إلى أن سمعت أمها تقول:
"أمل أنا أتحدث اليكِ ألا تسمعيني؟"
نظرت لأمها وقالت:
"آسفة ماما لم أسمعك، ماذا قلتِ؟"
أجابت أمها بنظرات حائرة:
"أسألك كيف حال قلبك؟"
نظرت لأمها وقالت:
"كما هو يا ماما، لا يمكنه أن يدق إلا في الخفاء دون أن يسمعه أو حتى يشعر به أي أحد."
تأملتها أمها وقالت:
"وإلى متى؟"
أشاحت بيدها وقالت:
"لا أعلم يا أمي ولا أريد حتى أن أسأل."
قامت وقالت:
"أريد أن أنام، غداً يوماً آخر شاق وآخره حفلة، فلابد أن أذهب لشراء ملابس تليق بالحفلة."
لم ترد أمها.
رأته في الصباح، لم يتحدثوا كثيراً وكان مزاجه كالأمس فلم تحاول الاقتراب منه.
انتقيت فستان سهرة لأول مرة كان مثيراً عليها عندما ارتدته للتجربة وأعجب العاملين بالمحل فاختارته واتجهت إلى كوافير الفندق الذي قام بتصفيف شعرها وعمل المكياج، لقد قررت أن تكون اليوم امرأة كي يعلم أنها ليست طفلة وهو ما كانت تحاول أن تثبته له وستفعل.
كانت راضية عن نفسها أمام المرآة امرأة كاملة الأنوثة رغم أن الفستان ليس مفتوحاً إلا أنه أبرز مفاتنها التي لم تكن واضحة من قبل وتماشي لونه مع لون عيونها الخضراء فبدت فاتنة وتسلب العقل.
لم تحاول أن تخرج إلى القاعة مبكراً إلى أن دق هاتفها وقد كان هو فردت:
"نعم أستاذ وليد."
سمعته يقول بعصبية واضحة:
"أين أنتِ؟ كان من المفترض أن تكوني هنا مبكراً."
كانت قد تحركت بالفعل فقالت:
"دقائق وأكون عند حضرتك."
وبالفعل ما هي إلا دقائق وكانت تتحرك بثقة غريبة لم تكن تعلم من أين أتت بها؟ وشعرت بنظرات العامليين بالفندق تتابعها ولكنها لم تعبأ بأحد.
وصلت إلى القاعة ووقفت أمام الباب، كان الجميع تقريبا موجودين بحثت عنه بعيونها وعندما وجدته كان هو الآخر ينظر إليها وكأنه يبحث عنها أو ينتظرها، اتجهت إليه بخطى لا تدل على دقات قلبها، ولا انبهارها به عندما رأته في كامل أناقته ووسامته وبدلا من أن تفتنه بجمالها قتلها هو بجاذبيته ورجولته التي تهزم أي قوة لديها.
وصلت إليه بخطوات ثابتة ورشيقة وقالت بابتسامة رقيقة:
"آسفة للتأخير."
كانت عيونه تنظر إليها وبها بريق غريب وكأنه لا يسمعها، أو ربما يراها لأول مرة فقالت:
"أستاذ وليد هل هناك شيء؟ أنت لا ترد!"
هز رأسه وقال:
"لا أبداً، ولكن هذه أول مرة أراكِ هكذا، تبدين مختلفة."
لم يحاول أن يقول جميلة فقالت:
"ترى أفضل أم؟"
أسرع يقول:
"بالطبع أفضل."
قاطعهم الحاضرين فاندمجوا معهم في الحديث ولكن من وقت لآخر كانت تختلس النظرات إليه وكثيراً ما التقت بنظراته الجريئة والغريبة بذات الوقت وكم قالت عيونها بلغة العيون ولكن ترى ماذا تقول عيونه؟ إنها لن تقول أحبك كما تقول عيونها، ليتها تستطيع أن تتوقف عن حبه ولكن هيهات.
وأخيراً انفض الجميع من حولها إلى الرقص ووجدت نفسها وحدها معه واقفة أمامه ليس بينهم أي حواجز سوى الماضي الذي يسكن جنباته، وأصلها الذي لا يلائمه، ومع كل ذلك كانت ما تزال تراه بعيون الحب الذي يروي قلبها ويحيي نفسها، تراه الرجل الذي تتمناه أي فتاة وهي أولهم وتتمنى لو كانت آخرهم فليس على الأرض من يمكن أن يحبه مثلها، ليته يعلم ما بقلبها، ليته يعلم أنها أحبته لم تعرف متى وكيف ولكنها فعلت، ورغم علمها أنه المستحيل إلا أنها لا تملك إيقاف قلبها.
سمعته يتحدث إليها ويقول:
"يمكننا أن نشاركهم الرقص."
ابتسمت وقالت:
"حضرتك تعلم أنني لا أعرف الرقص، فلا داعي للإحراج."
ابتسم هو الآخر وقال:
"وهذا أغرب شيء فمنذ عرفتك وأنتِ لا يوقفك شيء إلا الرقص، عموما أنتِ فتاة ذكية وتتعلمين بسرعة، هيا مظهرنا غير لائق أمام الجميع."
أمسكها من ذراعها وتقدم بها إلى الجميع ووقف ونظر إليها فمنحته نظرة الحيرة أو الخوف أو التيه بعيونه التي تجذبها بلا موانع، شعرت بيده تلتف حول خصرها ليجذبها إليه برفق ورقة، مما أشعرها بخوف وارتباك لم تعرفه من قبل، شعور تحول إلى سعادة عندما أدركت أنها بين ذراعيه، وربما لو تأملت النساء من حولها فبالتأكيد ستدرك أنهم يحسدونها عليه، رجل في وسامته ومركزه يرقص مع فتاه مثلها! لكم حلمت أن تكون ولو للحظة بين ذراعيه وها هي تحقق حلمها ولكنها تعلم أنها ليست الحقيقة وإنما مجرد مظهر كما قال من أجل الموجودين فمن هي حتى تحلم بفارس أحلام مثله؟ مجرد سكرتيرة لا فارق لوجودها بحياته من عدمه، ومع ذلك تريد بل تصر على أن تعيش تلك اللحظات حتى ولو كانت غير حقيقية، تمتع نفسها بها لأنها سعيدة وما عليها إلا أن تظل كذلك إلى أن يجد جديد.
"أخبرتك أنكِ تبدين مختلفة ترى لماذا؟"
نظرت إليه بنظرات تحمل الكثير من الكلمات والمشاعر، كانت تريد أن تقول من أجلك ولكنها قالت:
"ربما لأنني ارتدي فستان لأول مرة مع أني أشعر أني أبدو غريبة فيه وأنه غير مناسب أليس كذلك؟"
تأملها بعيونه الجميلة بنظرات أذابت ما تبقى داخلها من قوة وبدت كالقشة أمامه لو نفخ بها لطارت إلى الضياع.
احتارت فيما يمكن أن تقول تلك العيون الصماء التي تخفي أكثر مما تعلن، سمعته يقول:
"على العكس، أنا أرى أنه مناسب تماما تبدين امرأة."
رددت قوله ببرودة اكتسبتها من تلك التي سرت بجسدها من كلماته:
"أبدو امرأة؟ وماذا أكون غير ذلك بنظرك."
زاغت نظراته بعيدا قبل أن يعود إليها ويقول:
"هل أعددت الأمور للسفر؟"
أدركت أنه يغير الحوار بالطبع فهي تعلم أن السؤال لا يمثل أي أهمية بالنسبة له فقالت بضيق:
"نعم اتصلت بلندن، مستر جاك سيكون في انتظارنا بالمطار، وغدا سأتصل بالشركة لتأكيد الحجز، والفندق على علم بوصولك."
هز رأسه ثم قال:
"ولكن ما زالت هناك مشكلة لم نصل لحلها."
قالت بتساؤل:
"أي مشكلة؟"
قال وهو ينظر في عيونها بنظرة جريئة ولكن غير معبرة عن أي شيء:
"زوجتي!"
هزت رأسها وكأنها تذكرت وقالت:
"آه آسفة لقد نسيت، ألم تتوصل لحل؟"
قال:
"بلى توصلت إلى الحل الأمثل."
ضاقت عيونها ودق قلبها وهي تفكر بعمق، ترى هل عثر على امرأة أخرى بذلك الوقت القصير؟ بالتأكيد عثر على واحدة من تلك السيدات الآتي يأتين إليه، فكرت وهي تلعن حظها يا إلهي في كم جهة سأحارب؟ وكم امرأة علي مواجهتها؟
كادت تسأله عن الحل الذي توصل إليه لولا أن انتهت الموسيقى وتوقف الجميع يصفقون للعازفين، وانتقلت الفرقة إلى الموسيقى الصاخبة فتركها وقال:
"لا تناسبني تلك الموسيقى دعينا نجلس أم تفضلين الاستمتاع وحدك."
هزت رأسها بالرفض وقالت:
"بالتأكيد لا أنا لا أفضلها أيضاً."
تحرك وهي تتبعه ولكن أوقفهم بعض الموجودين فانهمكوا في الحديث.
وأخيراً انتهت الحفلة بعد العشاء الفاخر وانصرف الجميع في وقت متأخر، شكرهم المسؤول على الحفل الفاخر والإقامة الرائعة فكانت سعيدة وراضية عن عملها. كادت تذهب لولا أنه ناداها:
"أمل انتظري سأوصلك."
لم تحاول أن تذهب أو تعترض فهي تحب أن تكون معه بأي وقت وأي مكان.
قاد هو السيارة وقال:
"لقد جعلت السائق يذهب لأنني أردت التحدث معكِ قبل أن تذهبي."
نظرت إليه وظنت أنه سيتحدث عن العمل أو ربما ينتقد أي شيء مما تم الليلة فقالت:
"هل هناك شيء؟ أعتقد أن الأمور سارت على ما يرام."
قال دون أن يبعد عيونه عن الطريق:
"ليس الأمر كذلك ولا يرتبط بالعمل، أنا أتحدث عن لندن."
تذكرت أمر الزوجة المجهولة فدق قلبها ترى ماذا سيفعل؟ هل سيطلب منها أن تأتيه بامرأة؟ لا إنها لن تفعل.
سمعته يقول:
"أنا أخبرتك أني اخترت المرأة التي ستكون زوجتي، ولكن أخشى ألا توافق وتخذلني."
حدقت به لحظة قبل أن تقول بصوت يكاد لا يسمع:
"لا أعتقد أن النساء اللاتي تعرفهن يمكن أن يرفضن لك أي طلب."
نظر إليها بنظرات لم تفهمها كالعادة ثم عاد إلى الطريق وقال:
"لا، هي ليست منهن لا يمكنني أن أقبل بأن تكون زوجتي منهن، حتى ولو كان الأمر غير حقيقي، سمعتي على المحك ولابد أن تكون المرأة ممن تليق بي وبمركزي."
لم تفهم أي شيء ولكنها قالت:
"حقاً لا أفهم أي شيء لو لم تكن واحدة منهن فمن هي إذن؟"
نظر إليها مرة أخرى ثم عاد إلى الطريق فرأته يوقف السيارة على جانب الطريق حيث يسود الهدوء المكان فدق قلبها والأفكار تملأ رأسها وتنذر بالخطر على قلبها، ترى من تكون تلك المرأة؟ وماذا سيكون وضعها معها؟ وكيف ستتعامل معها؟
قطع صوته تفكيرها وهو يقول:
"إنها أقرب الناس إلي ولا أعلم كيف لم أفكر بها من قبل؟"
احتارت من كلماته وزاغت عيونها بين نظراته الغامضة ولم تفهم وهي تقول ببطء:
"أقرب الناس إليك؟"
هز رأسه وقال بهدوء:
"نعم."
أبعدت وجهها وهي تفكر ليس بحياته إلا سارة فهل هناك امرأة أخرى قريبة منه كما يقول؟ لم تسأل وهو يكمل:
"لماذا لا تسألين من هي؟"
تحجر فمها وارتجفت شفتاها وهي تقول بآلية غريبة:
"من هي؟"
أطلق مفاجأته التي لم تصدق أنها سمعته:
"أنتِ؟"
تراجعت في مقعدها والتفتت إليه بوجهها بقوة وعيونها تنظر إلى عيونه وكلها تساؤلات ودهشة وحيرة وهي تردد كلمته:
"أنتِ؟ أنتِ من؟ أنت لا يمكن أن تكون تقصدني أنا أليس كذلك؟"
قال بهدوء يكاد يصيبها بالجنون:
"بلى أنا أقصدك أنتِ، أنتِ المرأة التي اخترتها، لأنكِ أكثر الناس تناسباً مع ما أريد، أنتِ تعرفين الموضوع كله وتفهمين ما أريد، أنتِ من تليق بأن تكون زوجتي أمام الجميع، كما وأني اليوم رأيت امرأة جميلة أمامي لم أكن أراها من قبل، لذا أعتقد أني لا يمكن أن أجد امرأة أخرى مثلك، امرأة يمكنها أن تفهمني من مجرد نظرة، نعم أنتِ ستكونين زوجتي ومديرة أعمالي أمام الناس."
حاولت أن تستوعب الأمر ولكنها لم تستطع أن تفهم أو ترد.
قال يحثها على الرد:
"أمل لماذا لا تردين علي؟ لم أكن أعلم أن الأمر بهذه الصعوبة، مجرد أسبوع أو اثنان وبدولة غريبة لا يعرف أحد بها أي شيء."
اعتدلت في مقعدها وقالت وهي تحاول أن تخرج من صدمتها:
"يا إلهي! هل أنا رخيصة إلى هذا الحد بالنسبة لك؟ أرجوك أوصلني إلى المنزل الآن."
أمسك يدها فسحبتها فعاد وأمسكها مرة أخرى بقوة فلم تقوى على أن تشدها مرة أخرى، شعرت بالدموع تملاء عيونها وألم يدب في قلبها، ترى ماذا يظن بها كي يفعل بها ذلك؟
قال بنبرة حانية:
"أمل ماذا تقولين؟ تلك الكلمات لا معنى لها، أنتِ لستِ كذلك ولن تكوني أبداً، فلو كنت أريد امرأة رخيصة لكان من السهل الحصول عليها ولكن اسمي وسمعتي لا تسمح لي بذلك، لابد من أن أحصل على إنسانه محترمة أتشرف بها أمام الجميع حتى ولو كان لعدة أيام أنا لا يمكن أن أضع اسمي وسمعتي بين يدي امرأة رخيصة كما تقولين فالمرأة التي يمكنها أن تكون زوجتي لابد وأن تكون أفضل امرأة في العالم وأنا لم أجد امرأة أفضل منكِ؟"
نظرت إليه من وراء دموعها وقالت:
"هذه هي زوجتك الحقيقية ولكن أنا لن أكون كذلك إنها مجرد تمثيلية."
قال بصدق واضح بنبرته:
"تمثيلية نعم، ولكنها ستكون في الواقع بين أشخاص حقيقية وليس على المسرح، كيف يمكنني أن أغامر هناك بين موظفيني وعملائي بامرأة رخيصة كما تقولين؟ صدقيني أمل أنا فكرت كثيراً أنتِ المرأة المناسبة، فأنا منذ اليوم الذي حكيت لكِ فيه قصتي اعتبرتك صديقتي المقربة واليوم كصديق أطلب منكِ المساعدة فهل ستتخلين عني؟"
كانت عيونها تنظر إليه بحيرة وحزن هي مجرد صديقة؟ نعم هي كذلك بالنسبة له ولكن هو حبيبها ولا يمكنها أن تتخلى عن حبيبها يمكنها أن تضحي بأي شيء وبكل شيء من أجل سعادته لقد كانت تتمنى في كل يوم أن تكون قريبة منه وها هو يقربها منه أكثر وأكثر فلماذا تعترض؟ إنها الآن تأكدت من أنه لن ينظر إليها كحبيبة بأي يوم فلا يمكنها أن تخسر صداقته كي تظل بجانبه إلى الأبد ولكن ليس بهذه الطريقة.
سحبت يدها من يده وقالت:
"لقد تأخر الوقت لابد أن أذهب من فضلك."
ولكنه قال:
"ولكني ما زلت أنتظر رأيك."
لم ترد عليه فعاد وقال:
"أمل من فضلك ردي علي."
سألته فجأة من بين دموعها:
"لماذا تفعل ذلك؟ إذا كنت تحبها فاذهب إليها وأخبرها بحبك وإلا فدعها وشأنها."
نظر أمامه وقال:
"لم يعد هناك مكان للحب ولا أستطيع أن أتركها، لا يمكن أن تتلاعب امرأة بمشاعري وأتركها هكذا، لابد أن أجعلها تندم على ذلك."
قالت بعصبية واضحة:
"وما الندم الذى ستشعر هي به عندما تراك متزوج؟"
قال بحزم:
"عندما تعرف أني تركتها لامرأة أخرى وتراني سعيد معها بالتأكيد ستشعر بالغيرة ويأكلها قلبها أو ربما."
أكملت هي بحدة واضحة:
"أو ربما تندم وتشعر أنها ما زالت تحبك، فتترك خطيبها وتعود إليك وهذا ما تريده بالتأكيد أليس كذلك؟"
ولكنها شعرت في صوته بشيء غريب لم تفهمه وهو يجيب:
"وقتها سأجعلها تندم حقا على ما فعلت معي."
تراجعت وشعرت بالخوف من نبرة صوته وقالت كلمات لم تفهمها:
"ولكنك وقتها ستترك زوجتك من أجلها؟"
نظر إليها بدهشة وقال:
"زوجة!؟ أي زوجه؟"
ولكن سرعان ما تدارك نفسه وقال:
"آه أقصد بالطبع لا، لن أمنحها ذلك الانتصار."
قالت:
"ولماذا لا تسامحها وتتركها؟ من يحب شخص بصدق لابد أن يسامحه لأنه لا يملك إلا أن يسامحه، فالحب لا يبنى على الكره والانتقام، وإنما يبنى على المودة والتسامح."
نظر أمامه وقال:
"الحب جرح يدمي القلب ويستنزفه حتى يموت وترحل منه الحياة، فهل يمكن لمن فقد الحياة أن يسامح؟ لا يا أمل لم يعد بإمكاني أن أسامحها، السماح بالنسبة لي ضعف وليس قوة، من أخطأ فلابد من عقابه وبخاصة من تلاعب بمشاعر الآخرين وقتل قلوبهم."
حدقت به وقد أدركت أن جرحه أقوى من عقله ويسيطر عليه بقوة فقالت:
"هذه قسوة لا تليق بالحب."
قال:
"إذا كان الحب صادق فلابد أن تقابل الخيانة بالقسوة."
قالت بإصرار:
"ما زلت عند رأي، الحب تسامح وليس حرب نتيجتها نصر أو هزيمه."
نظر إليها وقال:
"أمل من فضلك الوقت لا يتسع للنقاش لقد اتخذت قراري ولن أتراجع فيه، لابد أن تقرري الآن ما إذا كنتِ معي أم ضدي."
قالت بحنان صادق:
"أنا لا يمكنني أن أكون ضدك أبداً ولكني لا يمكن أن أفعل ذلك، لا أخلاقي ولا ديني يسمح لي بذلك."
أبعد نظراته وصمت لحظة ثم عاد وقال:
"حسنا يا أمل سأتزوجك بالفعل ليكون وجودك معي شرعي وديني وأخلاقي، غداً نتزوج عرفي ونرحل ولكن بمجرد عودتنا سأتركك لتعودي إلى حياتك."
رواية حب وتضحية الفصل السادس 6 - بقلم داليا السيد
اتسعت عيونها من كلماته التي هطلت عليها كالثلوج تثير البرد بالجسد وتجمد أطرافه.
لم تعرف بماذا تجيبه وقد تلجم لسانها وتعثرت الكلمات على أطرافه.
فتحت باب السيارة ونزلت وهي تسير بدون أي هدى.
ربما هو طريق بيتها أو أي طريق، المهم أنه بعيداً عن ذلك الرجل الذي لا يفكر إلا بنفسه ومصلحته دونها ودون قلبها الذي يعصف به دون رحمة فيغرقه بأحزانه أكثر وأكثر.
جذبها بيده من ذراعها بقوة معيداً إياها أمامه ليتطاير شعرها مغشياً عيونها كما تفعل دموعها.
وقد تحولت عيونه إلى الأحمر وهو يقول:
"أمل هل جننتِ؟ إلى أين تذهبين؟"
خلّصت ذراعها من قبضته بقوة وهي تصرخ بوجهه:
"سأكون مجنونة لو انتظرت معك لحظة واحدة بعد اليوم. أنت إنسان أناني ولا تفكر إلا بنفسك وانتقامك ولو على حساب غيرك لا يعنيك ماذا تهد بطريقك. أنا قلب ومشاعر ولست مجرد آلة تقضي لك احتياجاتك. ألم تفكر بمصيري بعد أن تطلقني بمجرد عودتنا؟ أي سمعة التي ستلازمني لنهاية العمر؟ أي قلب سيظل ينبض داخلي بعد أن قتلته؟"
عادت تتحرك بدون هدى رغم أن جسدها كان يرتجف بشدة.
ولكنها اصطدمت به مرة أخرى ويداه تمسكها من ذراعيها برفق وما زالت تبكي دون توقف عندما قال:
"أمل من فضلك توقفي واهدئي. أنتِ على حق. أنا لم أجيد التفكير. فلتتوقفي عن انهيارك وغضبك هذا لنعيد التفكير سوياً."
ارتخت بين يديه وهي تقول:
"لن نفعل، لأني لن أشاركك بالأمر بل بأي شيء. أنا لن أعمل معك بعد اليوم. اتركني. أنا أريد الذهاب. اتركني."
حدق بها بصمت ثم أغمض عيونه ونفخ بقوة قبل أن يعود بنظراته إليها وقال:
"حسناً، سأعيدك إلى البيت الآن. نحن بحاجة إلى الراحة. وبعد أن نرتاح سنعيد التفكير."
حاولت أن تتخلص من قبضته وهي تقول:
"لن أفكر بشيء، ولن أعود إليك. حل مشاكلك بعيداً عني واتركني. لا أريد أن أكون معك."
ولكنه عاد يقول وهو يشدد من قبضته:
"حسناً أمل، لن نتحدث بأي شيء الآن. فقط تعالي لأعيدك إلى البيت. لن أتركك في وقت كهذا."
هدأت قليلاً واستوعبت المكان والوقت والكلمات القوية التي قالتها.
فتوقفت عن المقاومة فقادها بهدوء إلى السيارة وأركبها.
وقاد بصمت إلى أن عاد بها إلى البيت فنزلت بدون أي كلمات.
لم تر أمها وقد كانت سعيدة بذلك لأنها لن تجد ما تقوله لها.
استلقت على الفراش والدموع لا تتوقف.
لماذا يفعل بها ذلك؟ بالتأكيد لأنه لا يشعر بها وبقلبها الدامي من حبه ولا بحبها الذي نما وسكن وجدانها.
اهتز هاتفها باسمه فنظرت إليه بدموع لا تتوقف ولم تجيب حتى توقف الاهتزاز وانطفأ الهاتف دون أن ترد.
بالصباح لم تستيقظ بموعدها.
شعرت بيده تهزها برفق ففتحت عيونها بصعوبة من البكاء والصداع فرأت أمها أمامها.
اعتدلت بالفراش وهي تسمع أمها تقول:
"أمل إنها العاشرة، لقد تأخرتِ حبيبتي."
أغمضت عيونها وقالت:
"أنا متعبة يا ماما ولن أذهب إلى العمل اليوم."
هدأت الأم قليلاً وقالت:
"أنتِ إجازة إذن؟"
قالت بضعف:
"نعم ماما اتركيني أنام من فضلك فأنا متعبة."
أغمضت عيونها وعادت إلى الظلام مرة أخرى بدون رغبة في العودة إلى النهار.
فكم يصبح الليل جميلاً عندما يخفينا من عيون أحزاننا.
عندما فتحت عيونها مرة أخرى كان نتيجة ألم شعرت به بذراعها.
رأت نوراً يسطع بالغرفة وتحركت رأسها إلى ذراعها الذي يؤلمها فرأت سبب الألم وقد تخللته تلك الإبرة وموصل بها ذلك المحلول الذي يقطر ماؤه المالح ببطء بالأنبوب الذي يصل إلى ذراعها.
كادت أن تتحرك ولكن صوت أمها أوقفها:
"لا تتحركي يا أمل ما زلتِ ضعيفة."
لم تفهم أي شيء وهي تنظر إليها وتقول:
"ماذا حدث؟"
قالت المرأة:
"تركتك لتنامي كما طلبتِ ولكن عندما طال نومك أصابني القلق وأتيت لأطمئن عليكِ وعندما لم تستيقظي فزعت. كدت أطلب الطبيب عندما رأيت الأستاذ وليد يتصل فأجبته بانهيار فأتى وأحضر الطبيب الذي أخبرنا أنك مصابة بأنيميا حادة ظهرت نتيجة إرهاق وعدم راحة وقلة الطعام."
أبعدت وجهها ولم ترد.
فعادت الأم تقول:
"أمل ماذا حدث؟ ماذا أصابك؟"
لم ترد أيضاً.
فأمسكت أمها يدها وقالت:
"أمل الأستاذ وليد لم يتوقف عن السؤال عنكِ بعد أن أحضر الطبيب وبدت ملامحه غير طبيعية وهو يستمع إلى الطبيب. هل حدث بينكم شيء كان سبب لحالتك هذه؟"
حاولت أن تستعيد نفسها كي تبعد القلق أو الشك عن أمها وقالت:
"لا ماما لم يحدث شيء. بالتأكيد أنا تعبت من المجهود الذي بذلته بالأيام السابقة و..."
دق الباب ودخلت هبة وهي تقول:
"أمل الأستاذ وليد بالخارج."
نهضت أمها ونظرت إلى هبة وقالت:
"وليد؟"
عادت ونظرت إلى أمل التي لم ترفع عيونها بأمها ولم تحاول أن تتحدث كي لا تزيد من شكوكها.
ولكن المرأة قالت:
"حسناً أنا قادمة."
لحظات ورأته يدخل إلى غرفتها وتبعته أمها.
حاولت أن تتماسك أمام والدتها وهو يتقدم إليها وقد بدت ملامحه متعبة وصوته غير طبيعي وهو يقول:
"كيف حالك الآن؟"
هزت رأسها وقالت بضعف:
"بخير، شكراً لما فعلته."
قالت الأم:
"نعم، إنه من أحضر الطبيب ولم يتوقف عن السؤال حقاً فعلت الواجب وأكثر أستاذ وليد."
لم يبعد عيونه عنها وهو يقول:
"ليس بين الأهل واجبات. أمل ليست بأي أحد إنها جزء لا يتجزأ من حياتي العملية."
أبعدت عيونها وهي تعلم أنه على حق.
فهي كيان عمله أما حياته فهي مجرد بطلة تمثيلية يريدها أن تنهيها معه.
قالت الأم:
"نعم أمل تحب عملها جدا وتجيده بكل ما يمكنها."
نظر إلى الأم وقال:
"هذه حقيقة، فالعمل متوقف أمس واليوم بسبب غيابها وأنا أتمنى أن تسرع بالشفاء لتنهي ما ينتظرها وبخاصة السفر. أنا قمت بتأجيله يومين حتى يتم شفاؤك."
حل الصمت على الجميع إلى أن انتبهت الأم وقالت:
"أعلم أنك تحب القهوة مضبوطة، سأعد لك واحدة."
تابعها وهي تذهب بينما أبعدت هي وجهها.
ولكنها شعرت به يجلس أمام فراشها ويقول:
"أمل انظري إلي."
عندما لم تفعل عاد يقول:
"حسناً أنا أعلم أني تماديت بذلك اليوم ولكن ظننت أنكِ ستقدرين ما أشعر به وتساعديني عليه لا أن يحدث كل ذلك وتنهاري بهذا الشكل."
قالت:
"لست تلك الفتاة التي تظنها بي. كيف تظن أني يمكن أن أقبل بما عرضته علي؟"
أبعد وجهه لحظة قبل أن يقول:
"أنا أعلم أن ما قلته لا يليق بكِ صدقيني أنا نادم على ما قلت. والآن أخبريني كيف يمكن إصلاح ما حدث؟"
نظرت إليه من وراء الدموع وقالت:
"لا يمكنك أن تفعل. أنت كسرت صورتي أمام نفسي فكيف يمكن أن أستعيدها؟"
اقترب منها وقال:
"لا يمكن لأي شيء أو أي أحد أن يكسر صورتك أمام نفسك أو أمام العالم كله. أنتِ بالنسبة لي شيء لا يمكن أن تصفه الكلمات. ولو لم يهمني أمرك لما اهتممت بكِ وسعيت لإصلاح ما أفسدته وقت غضبي. أنا أريدك معي. أثق بك دون العالم كله. أمل من فضلك عودي لطبيعتك وسنعود لاتفاقنا الأول مجرد تظاهر أمام الناس وهو ما لن يكلفك أي شيء. الفندق والبلد غريبة عنكِ ولن يعرف أحد أي شيء. وبمجرد عودتنا تنتهي القصة."
حدقت به وهي لا تدري ماذا تفعل.
فعاد يكمل:
"أمل لن تتخلي عني الآن. مرة أخرى أنا لا أثق بأحد سواكِ. ولا يمكن أن أطلب ما طلبته إلا منكِ. فوافقي من فضلك. أنا يمكنني أن أفعل ما تشائين مقابل ذلك."
سمع الاثنان صوت الأم وهي تتقدم إلى داخل الغرفة تحمل القهوة وتقول:
"هل ما أسمعه صحيح؟ الأستاذ وليد بذاته يطلب من ابنتي أن توافق على شيء مقابل أي شيء تطلبه وابنتي هي التي تمانع؟"
أبعدت وجهها بينما نهض هو بأدب وتناول القهوة منها وقال:
"هي لا تمانع هي فقط غاضبة مني لأني أسأت التصرف ببعض الأمور. ولكن هذا لا يمنع أن أطلب منكِ مساعدتي بأن توافق."
عادت تنظر إليه بقوة وبادلها النظرة والأم تقول:
"وما هو طلبك يا أستاذ وليد؟"
طالت نظرته إليها وهي تتابعه بعيونها ولا تعلم ما الذي يريده بكلماته.
بينما عاد هو إلى الأم وقال:
"أريدها أن تسرع بالشفاء لنسافر. لا يمكن تأجيل الافتتاح أكثر من ذلك."
ابتسمت الأم وأغمضت هي عيونها وهدأت من ضربات قلبها.
وسمعت أمها تقول:
"ابنتي لا يمكنها الابتعاد عن العمل أكثر من يوم واحد لذا اطمئن غداً ستجدها أمامك بالمكتب وربما تسبقك إلى هناك."
عاد إليها بنظراته وقال:
"أعلم، وربما أشكر مدام فوزية على هديتها لي. اسمحي لي أن أذهب."
تحرك والأم تقول:
"ما زال الوقت مبكراً. انتظر أنا أعد لك العشاء. لن تذهب إلا بعد تناوله معنا ربما توافق أمل على تناول البعض معك. أقصد معنا جميعاً."
حدقت بأمها بلوم وعتاب بينما ابتسم هو للأم وقال:
"إذا كان الأمر كذلك فلا يمكنني أن أرفض ذلك العرض."
ابتسمت الأم واستأذنته في الذهاب.
بينما دخلت هبة وهي تنظر إليه فقال:
"أمل أخبرتني أنكِ تحبين دراستك."
اقتربت هبة منه وكأنها كانت تتمنى أن يوجه لها أي كلمات.
وجلس بمكانه مرة أخرى وشدت هبة مقعداً لتجلس بجواره واندمجت معه بحديث عن دراستها.
وأمل تتابعها بغيظ واضح لأنها أدركت أن أختها تحاول أن تحوز على اهتمام ذلك الوسيم الذي يجلس بجوار فراشها ينتظر طعام أمها البسيط.
رغم أنها منذ ساعات كانت لا تطيق أن تسمع صوته والآن تملؤها السعادة لوجوده بجوارها.
وربما الغيرة من أختها.
قبل أن يرحل قال:
"لم يعد أمامنا سوى الغد. أريد أن أراكِ بالمكتب في الصباح لدينا الكثير مما يحتاج إلى إعداده."
تدخلت هبة:
"ألا يمكن أن أحل أنا محلها حتى تشفى؟"
ابتسم وقال:
"ربما ولكن ليس الآن. بعدما نعود من الخارج وقتها يمكنها أن تعلمك."
تغيرت ملامح هبة وقالت:
"هي تعلمني؟ أنا لست بحاجة لأن أتعلم. على الأقل ليس منها. فقط جربني وأنا متأكدة أني سأغنيك عنها."
ظهر الغضب بملامح أمل بينما قال هو بنفس الهدوء:
"سأفعل ولكن لابد أن تدركي أن لا أحد يغنيني عن أختك."
ثم استأذن في الذهاب وقد أراحتها كلماته وأعادت إليها بعض من الرضا الذي أفقدها هو إياه بتصرفه السابق.
نظرات أمها إليها كانت تعني الكثير والتساؤلات التي بعيونها لم تجرؤ على إجابتها.
ورغم أنها اعترضت على طلبه بالبداية ثم الزواج العرفي، إلا أن تراجعه وإدراكه لخطئه جعلها تتراجع عن الرفض.
ولكنها لم تكن تعلم ما إذا كانت قد تصرفت صح أم خطأ؟
كان قلبها يخبرها أنها على حق ولكن عقلها يقول هذا خطأ.
هذه ليست أنتِ. كيف تفعلين هذا بنفسك؟ كيف تقبلين بذلك الوضع؟
هل أنتِ مجرد رصاصة رخيصة يوجهها إلى تلك المرأة ليقتلها بها ثم في النهاية يلقي بكِ مثل فوارغ الرصاص؟
هل يمكن أن تصبحي كذلك بالنسبة له أو لنفسها؟
لا، لا يمكن أن يفكر بها هكذا وهو ما قاله.
كان بالفعل يمكنه بماله ومركزه أن يحصل على أي امرأة سواها وبمنتهى السهولة.
ولكنه اختارها هي دون غيرها.
لقد قال أنه رأى فيها امرأة أي أنها لم تعد بالنسبة له طفلة كما كان يقول.
وماذا بعد؟
لقد تحولت من طفلة إلى مجرد صديقة.
ولكن الصداقة يمكنها أن تتحول إلى حب.
نعم يمكن أن يراها جيداً ويشعر بحبها.
فقربها منه قد يجعل قلبه يدق لها ولكن أيضاً قد لا يدق.
يا إلهي رحمتك بي.
ليتني لم أحبه بل ليتني لم أقابله.
شعرت برأسها يكاد ينفجر فقررت أن تنام.
ربما تأتي الأيام بما يريح قلبها وعقلها.
بالصباح كانت بالفعل بمكتبها وبدا أثر المرض على وجهها.
وقبل موعده رأته يفتح باب مكتبها ويقف أمامها ويقول:
"لا وقت للجلوس عندك هيا تعالي."
لم يمنحها فرصة للرد وإنما تحرك خارجاً فنهضت لتلحق به وهو يتجه إلى خارج الفندق.
عندما ركبت بجانبه قالت:
"هل أسأل إلى أين؟"
قال وهو يقود:
"بالطبع يمكنك هو حقك."
أبعدت وجهها وقالت:
"إذن أخبرني."
نظر إليها وقال:
"لقد تذكرت بعض الأمور التي لابد من أن ننتهي منها قبل السفر."
لم تنتبه للطريق وإنما قالت:
"أي أمور وإلى أين تذهب حضرتك؟"
نظر إليها وقال:
"حضرتك؟ أعتقد أنه من غير اللائق أن تنادي زوجة زوجها بحضرتك؟ أمل تراجعي عن تصرفاتك هذه لن نعود إلى الخلف مرة أخرى. والآن عليكِ أن تعتادي على التعامل معي بدون ألقاب. أنتِ ستكونين زوجتي أمام الجميع."
دق قلبها وقالت وهي تبعد نظراتها عنه:
"نعم ولكن ذلك في لندن وليس هنا."
عاد إلى الطريق وقال:
"ولكن على الأقل عندما نكون بمفردنا لقد اتفقنا أننا أصدقاء ولا تكلفة بين الأصدقاء."
لم ترد.
ووجدته يتجه إلى أحد المولات المعروف فقالت:
"والآن أنا لا أفهم شيء، ماذا نفعل هنا؟"
أوقف السيارة وقال:
"ماذا تفعل الناس بمثل تلك الأماكن؟"
نزل وتبعته بضيق وقد بدأت تكون فكرة عن ما يدور برأسه.
وعندما حاولت أن تبدي اعتراضها واجهها بنظرات غاضبة وقال بحزم:
"كفي أمل أنا تعبت من اعتراضاتك الدائمة. أظن أنكِ تدركين أن ما نفعله الآن أمر واجب فلماذا تضطريني لأن أنطق بما لا يزيد الأمر إلا سوء؟"
أخفضت وجهها وشعرت بالدماء تندفع بعروقها وهي تقول:
"تعلم أني لا أفعل."
نفخ بضيق وقال:
"بلى تفعلين وأنا لم أعد أتحمل كل ذلك. ستدخلين ذلك المكان وتنفذين كل ما يقال لكِ دون أدنى اعتراض وأنا سأنتظرك بالكافيه."
ثم تركها وتحرك مبتعداً وهي تتابعه بنظراتها الحائرة وقلبها المتألم من مصيره المجهول.
كانت تعلم أنها لابد أن تخطو تلك الخطوة.
فملابسها حتى التي غيرتها لم تكن ترقى إلى تلك التي انتقاها لها العاملين بالمكان.
وربما هي نفسها لم تتخيل بأي يوم أنها يمكنها الحصول على جزء صغير من هذه الأشياء.
وبعد وقت طويل لم تعرف مقداره انتهت فتحركت إلى الكافيه حيث ينتظرها.
نظر إليها وهي تتقدم تجاهه وقد أنهى مكالمته على الفور.
فقال عندما توقفت أمامه:
"ما رأيك بتناول الغداء؟ بعض التغيير لن يضرنا."
بالطبع لم تحاول أن تعترض فهي مجرد ضيف شرف ولا تملك أن تقول أي شيء.
فهزت رأسها بالموافقة.
وضع الرجل الأشياء الجديدة بحقيبة السيارة وجلست هي بجانبه مرة أخرى فقاد في صمت.
وقد اتجه إلى أحد المطاعم المعروفة.
دخلوا بنفس الصمت بينما كان المكان جميل وهادئ.
أجلسها بأدب وجلس أمامها وقال:
"إلى متى سيستمر ذلك الصمت؟ أو هل أقول عقاب؟"
نظرت إليه وقالت:
"ومن أنا لأعاقبك؟ لم أنسى من أنا ومن أنت."
أبعد وجهه لحظة ثم عاد إليها وقال:
"ماذا تريدين يا أمل؟"
تأملت أصابعها الملقاة على المنضدة أمامها ثم رفعت عيونها إليه وقالت:
"وقت مجرد بعض الوقت."
اقترب من حافة المائدة وقال:
"لماذا؟"
لم تبعد عيونها عنه وقالت:
"لأعتاد على كل ما تريدني أن أفعله وأكونه."
قال:
"أنا أريدك زوجة."
دقات متتالية بداخل صدرها.
عيون زائغة تعلن عن حيرة وألم وحزن.
انهيار ذهني لكل ما كانت عليه من قوة وصلابة.
أبعدت عيونها وقالت:
"وهو ما أحاول أن أجيد تمثيله."
حدق بعيونها ثوان قصيرة قبل أن يقول:
"والآن تريدين إشعاري بالذنب لم طلبته."
قالت بنبرة خافتة:
"لا أفعل، فقط الأمر صعب."
قال بحزم:
"لا أمل، ليس بصعب. أنا السبب. ما قلته سابقاً هو سبب حزنك هذا، ولكن أنا عبرت عن أني لم أقصد شيء وأننا اتفقنا على نسيانه. والآن عليكِ إخباري أن الأمر لا يضايقك وأنني لا أجبرك عليه، وأنكِ لا تريدين التراجع به."
قالت دون أن تنظر إليه:
"لا لست مجبرة على شيء، ولا أريد التراجع."
تأملها واقترب مرة أخرى وقال:
"إذن لا أريد تلك النظرات الحزينة بعيونك. لقد اعتدت عليها لامعة ومشرقة يملؤها الأمل والحماس والإصرار. أمل من فضلك حاولي أن تشعري بي."
نظرت إليه وقد عادت مشاعرها تتلاعب على أصابع العزف الخاصة بقلبها.
وقد كادت تخبره أنها أكثر الناس إحساساً به ولكنها بالطبع تراجعت.
وقالت وهي تنظر بعيونه ربما يقرأ ما بها من حب وأنين:
"أفعل يا فندم صدقني أنا أفعل و..."
قاطعها بقوة:
"مرة أخرى أمل. هل أتحدث مع نفسي؟ أي ألقاب تلك التي تتوسط أي زوجين؟"
احمر وجهها وهي تقول:
"حقا لم أقصد ولكن أعدك ألا أفعل مرة أخرى."
هدأ غضبه وتراجع بمقعده والرجل يضع الطعام الذي تناولوه في صمت قاتل مؤلم لها إلى أن انتهى هو وقال:
"إجراءات السفر؟"
قالت:
"تركت أوامر إلى سعيد بإنهائها قبل وصولنا إلى المطار."
لم ينظر إليها وهو يتبادل معها الحديث عن العمل.
وقد تبدلت ملامحه إلى الجدية فعادت هي الأخرى إلى شخصيتها العملية التي افتقدها بالأيام السابقة واندمجت معه وربما تناست ما كان وقررت أن تعود كما كانت.
لم تأخذ الأشياء التي اشترتها معها إلى المنزل.
وقد أخبرته أنها لا يمكنها أن تفعل حتى لا تشك والدتها في شيء.
في يوم السفر كان الوداع غريباً.
تشاجرت أختها معها لأنها كانت تريدها أن تحصل لها على عمل في الفندق.
وبالطبع ثار ذلك الحوار الذي كان بينها وبين وليد وأن عليها أن تعلمها.
ولكنها أخبرتها أن عليها الانتظار حتى تنهي دراستها أولاً قبل أن تفكر بالعمل.
كانت دموع والدتها تعلن عن حزنها الواضح على فراق ابنتها الكبيرة.
ولم تكن تملك أي كلمات يمكن أن تخفف بها أحزانها.
فاحتضنتها وقالت:
"ادع لي أمي."
رواية حب وتضحية الفصل السابع 7 - بقلم داليا السيد
أوصلها السائق بالسيارة إلى المطار وقد استعادت نفسها وثقتها العملية.
وهناك وجدته يتحدث إلى أحد الضباط.
"صباح الخير."
قال وهو ينظر إلى الضابط: "صباح النور، أمل هذا أحمد المقدم أحمد صديقي، أحمد هذه أمل مديرة أعمالي."
ابتسمت إلى المقدم بطريقة عملية، بينما نظر إليها نظرة ذات معنى.
لم تحاول هي أن تهتم بمعناها الحقيقي.
سمعته يقول: "مديرة أعمال صغيرة ولكنها جميلة، فهل عملها جميل مثلها؟"
لم تهتم أيضاً لمغازلته الواضحة.
ولم تظهر إلا ابتسامة هادئة اعتادت عليها.
رد وليد: "صغيرة السن ولكنها كبيرة العقل، في شهر ونصف أصبحت مديرة أعمالي ومسؤولة عن كل شيء في العمل وتتصرف أفضل من رجل عنده خبرة أعوام."
لمعت عيون أحمد وهو يقول: "هذه شهادة من رجل لا يستهان به، أنا تشوقت للتعرف عليكِ أكثر."
قالت: "أشكرك على مجاملتك."
كاد يرد لولا أن رن هاتفها.
كان أحد موظفي المطار الذي أخبرها أن الإجراءات تمت وأنهم بانتظارهم.
أغلقت الهاتف ونظرت إلى وليد وقالت: "يمكننا أن نذهب."
نظر إليها أحمد وقال: "كنت أتمنى أن نتقابل في وقت أفضل كي نتعارف أكثر وبشكل أفضل."
قالت بدون اهتمام: "وأنا أيضاً، إلى اللقاء."
عندما مد يده لها لتسلم عليه، مدت يدها.
ولكنه ظل محتفظ بيدها لحظات وهو ينظر إلى عيونها.
حاولت أن تسحب يدها بلطف.
ولكنه قال: "أنا سعيد للقائك، سنلتقى عندما تعودين بالتأكيد؟"
لم ترد لأنها سمعت صوت وليد يقول بعصبية: "ألن نذهب؟ تأخرنا."
ترك أحمد يدها وتحركت هي وهو معها إلى الطائرة.
عندما جلست بجانبه شعرت بقلق، فهي أول مرة لها تركب طائرة.
سمعته يقول: "أراكِ سعيدة؟"
نظرت إليه وقالت: "أنا؟ بل أنا أشعر بخوف لا حدود له."
نظر إليها وقال: "خوف؟ معي تشعرين بالخوف ومن لحظات كنتِ تشعرين بالسعادة."
لم تفهم عم يتحدث.
فقالت: "منذ لحظات؟ أي لحظات تقصد؟ أنا لا أفهم شيء."
لم ينظر إليها وهو يقول: "أقصد عندما كنتِ تتحدثين مع أحمد، أخبريني هل أعجبك؟ لقد رأيت نظرات الإعجاب في عيونك وكذلك هو، ألا يمكنكِ التحكم في تصرفاتك وأنتِ معي؟ عندما تكونين بمفردك يمكنكِ التصرف بحرية."
اندهشت من حديثه وقالت: "أنا؟ أنا أعجب بأحمد؟ لا هذا غير صحيح، أنا لم أفكر بأي شخص، أنا أصلاً لا أعرفه حتى أعجب به."
قال بنفس الغضب المكتوم: "ولم لا، هذا حقك، أنتِ لكِ حياتك وأنا لا يمكنني التدخل بها، ولكن على الأقل انتظري حتى تنتهي مهمتنا."
زاد ضيقها من كلماته خاصة أنه لم يكن على حق، فهي لا ترى رجل سواه.
والآن أصبحت لا تفهم ما الذي يفكر به.
ولكنها قالت: "أنا لم أفكر بهذه الطريقة أبدا، ربما لا يمكنك التدخل بحياتي ولكن هذا لا يمنع أنك أصبحت جزء من حياتي لا يمكنني تجاهله بسهولة، فكما أخبرتني من قبل، فنحن نمضي سويا وقتا أطول مما نمضيه بمفردنا، وأعتقد أن ذلك يجعلك تعرفني جيدا وتعرف هل يمكن أن يعجبني رجل مثل أحمد أم أن المجاملات تقتضي منا بعض التصرفات التي لا تعجبنا."
نظر إليها وقال: "أنا جزء من حياتك؟ وكيف يكون ذلك؟"
اندهشت من أنه ترك كل كلماتها وتوقف عند هذا الجزء وكأنه لم يسمع سواه.
فقالت بصدق: "ذلك لأني كما أخبرتك أصبحت أقضي معك وقت أكبر من الذي اقضيه حتى مع نفسي وأهلي، لذا لا يمكن أن تكون لي حياتي الخاصة دون أن تكون موجود فيها."
صمت قليلا وهو ينظر مباشرة إلى عيونها الخضراء.
قبل أن يقول: "ولكني رأيت الإعجاب في عيونك وعيونه حتى وهو يمسك يدك."
ابتسمت وقالت: "ربما يكون الإعجاب في عيونه هو، ولكنه ليس في عيوني."
لم يتراجع عن رأيه وهو يقول: "على العموم أنا فقط أهتم لأمرك لأننا أصدقاء وأنا أعرف أحمد جيدا، فهو ليس بشاب مستقيم وأنا أخشى عليكِ منه، فأنتِ لن يمكنكِ التعايش مع شخص مثله ولو حدث فسيصيبك منه الكثير من الألم."
ابتسمت وقد كانت سعيدة لأنه يهتم لأمرها.
فقالت: "أعتقد أنك طالما معي فلن يمكن لأحد أن يفعل بي ذلك أليس كذلك؟"
حدق بعينيها لحظة قبل أن يقول: "ربما لا يمكنني التدخل بحياتك لهذه الدرجة أو أنكِ لا تقبلين تدخلي من الأساس."
بادلته النظرة ربما لتغلق الفجوة التي شعرت بأنها فتحت بينهم.
ثم قالت: "وهل أنت تريد أن تفعل، أو هل يهمك أمري؟"
ظل يتأمل ملامحها قبل أن يبعد وجهه ويقول: "ما زلتِ مديرة أعمالي وأمرك يهمني كي لا أخسرك بيوم ما بلا سبب يستحق."
ظلت تتأمل وجهه رغم بعد نظراته ولم ترد لأنها كانت تريد أن تسمع منه بعض كلمات الاهتمام ولكنه الآن يتراجع.
مر الوقت وقد تولاهم الصمت.
تناولا الغداء سويا وما أن انتهوا حتى أخرج علبة مجوهرات صغيرة من جاكتته ومنحها لها وقال: "لقد نسيته."
نظرت للعلبة وقالت وهي لا تفهم: "لي أنا؟"
هز رأسه ولم يتحدث.
أخذت العلبة وفتحتها.
كانت تلك الدبلة الذهبية تلمع أمامها وأخرى ماسية بجوارها.
دق قلبها وتذكرت ما هي مقبلة عليه مما أعادها إلى الذكريات القريبة.
نظرت إليها وظلت شاردة دون أن تتحرك عيونها بعيدا أو ينطق لسانها.
سمعته يقول: "ألن ترتديها؟ سنصل لندن قريبا وكل من هناك أصبح يعلم أنني سأصل مع زوجتي، ولا يصح أن تكون زوجتي بدون دبلة، هل أضعها لكِ؟ على فكرة اسمي عليها كما هو اسمك على دبلتي."
أعادها صوته من غيبوبة الأفكار.
ولا تعلم ما الذي أصابها.
فهي تعلم ما هي بطريقها إليه.
ولكن الآن يدق قلبها بشدة وتشعر بخوف شديد لا تعلم سببه أو ربما لا تريد أن تواجه نفسها به.
اعتدل وقال: "أمل ماذا هناك؟"
نظرت إليه وقالت: "لا شيء؟"
قال وهو يأخذ العلبة من يدها: "حسنا أنا سأساعدك."
أخرج الدبلة ووضعها في يدها ثم وضع الأخرى عليها.
وظل ممسكاً بيدها لحظات وهو يقول: "هل رأيتِ كم أن الأمر بسيط؟ لماذا أنتِ متوترة هكذا؟ لهذا القدر لا يمكنكِ تقبل أنني سأكون زوجك أمام الجميع؟ إنها مجرد تمثيلية وليست حقيقة."
نظرت إليه وقالت: "ومن أخبرك أنني لا أتقبل أنني سأكون زوجتك؟"
احمر وجهها وتراجعت وهي تصحح كلماتها: "أقصد أمثل زوجتك، ليس هناك امرأة يمكنها أن ترفض ذلك."
نظر إليها وقال: "حتى أنتِ؟"
دق قلبها وهي تواجه نظراته الغامضة وتسمع سؤاله الغريب.
وقتها تمنت أن تخبره أنها تتمنى من كل قلبها أن تكون زوجته، ولا تريد أي شيء آخر أكثر من وجودها بجواره لآخر العمر.
عادت من الأحلام وقالت: "ومن أنا حتى أفكر في ذلك؟ أنا لا يمكنني أن أفكر حتى في ذلك، أنا لم أنس الفارق الكبير بيني وبينك."
ترك يدها وتحول بنظره بعيد.
وقد ظنت أنها أخطأت بشيء جعله يبتعد هكذا.
ولكن كيف تخطئ وهي تتحدث عن الواقع الذي تعيشه معه.
فما زالت هي السكرتيرة وهو...
أخرج علبة أخرى وارتدى دبلة فضية ولم يتحدث معها مرة أخرى.
عندما أعلن الكابتن عن ربط الأحزمة التفت إليها وقال: "أمل حاذري في تصرفاتك أمام الجميع، ولا تنسي أنكِ زوجتي ولستِ فقط مديرة أعمالي، أي ليس هناك ألقاب أو خوف، أريد ثقتك التي أعرفها."
هزت رأسها وهي تحاول أن تكون طبيعية.
ولكن ليس الأمر بمثل هذه السهولة.
ومع ذلك من داخلها كانت تريد أن تكون زوجته وتتصرف على هذا الأساس.
فهو حلم حياتها.
وأخيرا هبطت الطائرة في وقت متأخر جداً ونزلوا إلى صالة الاستقبال.
وكان جاك في انتظارهم.
عرفها عليه وبدأت بالفعل تتصرف بشكل حاولت أن يبدوا طبيعياً.
ولكن ما زال القلق يجتاحها فهي لا تحب الفشل.
عندما ركبت بجانبه قال بصوت منخفض: "متى ستعودين إلى طبيعتك؟ كفي عن القلق، ولا تنسي أنكِ معي وأنا أحب أن تبدي بعض الثقة بي بدلا من هذا التوتر الذي يثير غضبي."
نظرت إليه وقد احمر وجهها وأدركت أنه غاضب من اهتزازها.
لم ينظر إليها فشعرت بالضيق وحاولت أن تهدأ قليلا.
بالطبع لم يكن من الممكن مقارنة ذلك الفندق بذلك الموجود في مصر.
فهذا يبدو عليه الفخامة والثراء.
تأملته بنظرات سريعة وهم يدخلون.
ورأت بعض الرجال يقفون في انتظارهم باحترام واضح.
فأدركت من نظراتهم أنهم المسؤولين الأوائل في المكان.
حيتهم بابتسامه هادئة ودخلت.
وقد وضع يدها على ذراعه.
فت Cتحركت بجانبه في ثقة غريبة اكتسبتها منه ومن قوة شخصيته.
همس دون أن يمنح أحد أي اهتمام: "أعتقد أننا في حاجة إلى النوم الآن وفى الصباح يمكننا أن نفعل ما نشاء."
هزت رأسها فهي بالفعل كانت بحاجة إلى الراحة.
تحدث بإنجليزية واضحة إلى الرجال ليقدمها إليهم والعكس.
وبعد كلمات الترحيب البسيطة اتجه إلى مكان المصعد الكهربائي.
وجاك ما زال يتحدث معه باختصار وهو يرد بكلمات مختارة بدقة تعرفها هي جيدا وتعودت عليها منه.
ركبا المصعد إلى الأعلى.
وقد كان كل ما حولها يثير الدفء والراحة ويمتع العين من جماله.
وأخيراً اتجها إلى باب فتحه جاك.
وقال: "جناح حضرتك جاهز مستر وليد تفضل."
توقف لتتقدم هي.
وهو يقول: "نعم شكراً جاك أراك بالصباح."
انحنى الرجل بأدب وقال: "تمام مستر وليد طابت ليلتكم سأرسل إليكم العشاء فورا."
عندما أغلق الباب خلفه استدارت ونظرت إليه.
فتحرك إلى الداخل بهدوء وقال وهو يتأملها وهي تقف بمنتصف البهو الكبير وهي تتساءل عن هذا المكان الرائع: "لماذا تنظرين إلي هكذا؟ إنه جناحي المفضل ولا أسمح بأن ينزل به أحد سواي ألا يعجبك؟"
وقف قليلا وهو ينظر إليها.
وقد تاهت الكلمات منها وهي تتعثر بكلمات غير مرتبة: "أنا، أقصد، كيف؟"
ثم استدارت لتخفي ما بداخلها من خوف وحيرة.
ولكنه قال ليكمل ما لم تكمله: "كيف سنقيم سوياً بمكان واحد؟ الإجابة واضحة، فلا يصح أن نكون زوجين جديدين وننزل في غرفتين خاصة وأن هذا هو مكاني المفضل."
تحرك إلى الداخل وتبعته وهي تقول: "أستاذ وليد من فضلك."
ولكن ما أن تقدمت للداخل حتى أدركت أنه ليس بجناح عادي وإنما بغرفتين منفصلتين ومزود بكل ما يلزم للإقامة به.
وقد كان هناك صالة أخرى صغيرة.
تحرك إليها وجلس على أقرب مقعد بعد أن خلع جاكتته ونظر إليها وقال: "إذا سمعك أحد العاملين هنا تقولين أستاذ ماذا سيظنون بنا؟"
لم تحاول أن تتحدث.
حيث كانت مشاعرها متباينة.
لم تعرف ماذا تفعل.
فقال: "هذه غرفتك وأنا سأحصل على تلك، هيا اذهبي واستبدلي ملابسك حتى يأتي العشاء."
لم تجد كلمات ترد بها.
وقد كان واضحاً في كلامه مما لا يقبل جدال أو نقاش.
فاستدارت ودخلت إلى حيث أشار.
في الصباح الباكر كانا قد استيقظا ونزلا لتناول الإفطار بالمطعم كما أخبرها.
تساءلت رغم ترددها: "ألم تصل حبيبتك؟"
رفع عيونه إليها بهدوء وقال: "حبيبتى؟ ليس لي حبيبة."
نظرت إليه وقالت: "وماذا تكون سارة إذن؟"
عاد إلى الطعام وقال: "هي الماضي، الماضي الذي لا أريد أن أتذكره لأن ذكراه تنغص حياتي."
تراجعت قليلا وهي تبدي الدهشة وتقول: "إذا كانت ذكراها مؤلمة وغير مرضية لك فلماذا تريد الآن أن تفتح صندوق الذكريات وتنفض محتوياته؟ لم لا تحاول أن تنسى الأمر وتتركها لحياتها وأنت لحياتك؟"
نظر إليها وقال: "لن اتركها لحياتها قبل أن أرى نظرات الألم في عيونها."
قالت في ضيق واضح: "أنت تعذب نفسك."
ابتسم وقال بهدوء: "على العكس تماماً لأني بما أفعله أشعر براحة غريبة."
قالت بدهشة: "وما الذي تفعله ويشعرك بالراحة؟"
تراجع وهو ينظر بنظرات تمنت أن تفهمها بيوم ما.
وقال: "جعلتك زوجتي، وسأجعلها تعرف ذلك وتدرك أن وليد ليس بالرجل الذي تتلاعب به امرأة، أي امرأة."
قاطعهم صوت أنثوى فجأة يقول: "وليد؟ وأخيراً أنت هنا، أنا كنت أعتقد أنك لن توفي بكلماتك وتأتي كما أخبرتني."
لم يتحرك من مكانه وهو يرمق تلك المرأة بنظراته.
بينما دق قلبها هي وهي ترفع عيونها إلى صاحبة الصوت.
بالتأكيد هذه هي المرأة التي كان يتحدث عنها.
هي أول من أحب قلبه وهي من سرقت حلمها الصغير.
عندما نظرت إليها رأت امرأة جميلة.
ولكن من وجهة نظرها هناك من هم أجمل منها فعلا.
عيونها عسلية، بيضاء البشرة تضع الكثير من المكياج وترتدي ملابس مفتوحة.
كانت الأخرى تنظر أيضاً إليها وهي تبتسم ابتسامة غير صريحة.
سمعت وليد يقول: "أهلاً سارة، متى وصلتِ؟"
عادت إليه بنظراتها الصناعية وقالت بدلال واضح: "أنت صاحب الفندق ولا تعلم؟"
قال: "صاحب الفندق نعم ولكني لن أسأل عن كل الرواد متى جاءوا ومتى ذهبوا فهو أمر لا يخصني."
تذمرت سارة كالأطفال في تصنع لم تستسيغه أمل.
وشعرت بأنها تتمنى لو تصفعها بقوة على وجهها لتعيدها إلى صوابها.
وهي تسمعها تقول: "ولكن أنا لي وضع خاص فأنا أخصك وأهمك دون عن الآخرين، أليس كذلك؟"
أخفضت عيونها لأنها تمنت أن تصرخ بوجهها وتوبخها.
ولكنها لم تملك أن تفعل رغم أنها امرأة وقحة وتتعمد أن تتجاهل وجودها وهي زوجته.
ولكن وليد قال: "لا سارة للأسف ليس هناك من يخصني هنا فكل النزلاء لا يربطني بهم شيء وأنت مثلهم فقط زوجتي هي من تخصني ويهمني أمرها."
رفعت وجهها إليه وهي تشعر أنه يتحدث بصدق غريب.
رغم أنها تعلم أن الأمر لا يعدو أن يكون أكثر من تمثيلية.
لاحت نظرة حنان في عيونه كادت تصدقها لولا أنها تعلم أن الأمر كله مجرد تمثيل.
تسربت يده إلى يدها وقال: "أمل هذه سارة صديقة قديمة، سارة، أمل زوجتي."
تأملت المرأة أمل مرة أخرى.
ولكن أمل ابتسمت لزوجها ولم تهتم بنظرات سارة.
التي قالت: "إنها شابة صغيرة تصغرك بسنوات كثيرة، من أين أتيت بها يا وليد؟"
قال بضيق واضح: "من حيث لا يعنيكِ سارة، أين خطيبك؟ أم أنكِ هنا وحدك؟"
نظرت إليه وقالت: "إنه مع أبي بالمزرعة ينهي بعض الأشغال وسيأتي، ألن تدعوني للجلوس؟"
قال وهو يجذب يد أمل لينهض: "لا أعتقد، لأننا ذاهبان لدينا أشياء كثيرة نريد أن نفعلها، أنا أحاول أن أعوضها عن شهر العسل لأننا لم نحصل عليه وسط زحام العمل."
كان قد نهض فتبعته هي الأخرى.
فاقترب منها وأحاطها بذراعه كما لو كان يحاول حمايتها من تلك المرأة.
وسرت رعشة بجسدها من لمسته وارتجف قلبها من قربه القاتل.
بينما حلت نظرات غريبة بعيون سارة.
التي قالت: "حقا! يا لها من رومانسية!؟"
قال وليد بثبات واضح: "نعم وما أجمل الرومانسية مع امرأة فاتنة ورقيقة مثل زوجتي الحبيبة."
لم تعد تقوى على كل ذلك التمثيل.
ورمشت عيونها من نظراته التي لو لم تكن تعلم أنها تمثيل لحلقت بها في سماء الحب والرومانسية.
ذمت سارة شفتيها ثم عضت على شفتها السفلى بأسنانها.
وهي تقول: "زوجتك الحبيبة؟ أنت تعني أنها قصة حب؟"
نظر إلى سارة وقال: "بالتأكيد، وإلا لا يكون للزواج أي معنى بدون الحب؟"
فركت سارة يديها بحركة واضحة وقالت: "والعروس تهيم بحبك هي الأخرى، عيونها تنطق بذلك."
عاد بنظراته إليها ولاحت نظرات ذعر بعيونها.
لمجرد أنها قد تفضح نفسها أمامه.
ولكنه ابتسم وقال: "أريد أن أراك مرة أخرى سارة لأرى تلك النظرات بعيون زوجتي."
لم تعد تشعر بالعالم وهي تحدق بعينيه التى لاح بها بريق غريب لم تعرف سببه.
ولكنها كانت تائهة ولا تشعر إلا بخوف لا حدود له.
فقط عيونه هي التي تشعرها بالأمان وصوته الحنون يمنحها ثقة وثبات.
عاد إلى سارة وقال: "سعيد بلقائك سارة ولكن لابد أن نذهب كي لا نتأخر، أراكِ في وقت آخر إلى اللقاء."
ودفعها برفق دون أن يمنح أي من المرأتين فرصة حتى لألقاء التحية.
وتحرك بها إلى خارج المطعم ثم خارج الفندق.
وما زال يحيطها بذراعه ولم يتركها تبعد عنه إلى أن فتح لها باب السيارة وركبت.
وهي تحاول أن تستجمع قواها من جديد.
بينما جلس هو بجانبها وقاد في هدوء.
كانت المدينة جميلة ونظيفة وهادئة.
ظل الصمت حليفهم فترة.
قبل أن تسمعه يقول: "اليوم الأحد، أجازة نهاية الأسبوع، لذلك تبدو المدينة هادئة دعينا نحظى ببعض المرح."
عندما لم ترد عليه قال: "أمل؟ أنا أتحدث إليكِ."
نظرت إليه وقد انتبهت إليه فقالت: "ماذا؟ ماذا قلت؟"
تأملها قبل أن يقول: "سألتك ماذا بكِ؟ الصمت يستحوذ عليكِ فهل أنتِ بخير؟ لم ينطق لسانك بكلمه واحدة منذ أن رأيتِ سارة فما الأمر؟"
نظرت إلى الطريق ولم تعرف بالفعل ماذا أصابها.
ولكنها قالت: "أنا بخير ولكنى لم أشعر براحه تجاه هذه المرأة، للحظة شعرت بالخوف منها."
توقف عند أحد الأماكن الجميلة فاقترح قضاء بعض الوقت بالمكان.
فلم تعترض.
كانت الحديقة كبيرة والأرض الخضراء تمتد حولهم من كل جانب.
سار إلى جانبها وقال: "لم أعهد فيكِ الخوف، وهو ما يثير غضبي أكثر خاصة وأنا معكِ، ثم لم الخوف وهي مجرد امرأة كأي امرأة؟"
قالت بضعف لا تعرف من أين أتى: "لا إنها ليست كذلك، أنا لا أعرف لماذا شعرت تجاهها بذلك الشعور! أنا لم أخاف منها على نفسي بقدر خوفي عليك."
توقف فجأة وأمسكها من ذراعها ليوقفها أمامه وقال: "تخافين علي؟"
ارتبكت وقالت: "لا أقصد التقليل من شأنك ولكن.."
قاطعها بحسم: "وهل يهمك أمري؟"
نظرت إليه وقد كان الصدق في كلماتها عندما قالت: "أنت تسأل؟"
نظر إلى عيونها وقال: "بصرف النظر عن أنكِ تعلمين أن لا أحد يمكنه أن يكون سبب ضرر لي خاصة إذا كانت سارة ولكن، أنتِ لماذا تخافين علي؟ ولم تهتمين وأنا لا أمثل بالنسبة لكِ سوى مديرك؟"
تحركت من أمامه وانفلتت ذراعها من قبضته.
وهي تبتعد كي لا تفضحها عيونها أكثر من ذلك.
وقالت بصوت واهن ضعيف لا يكاد يسمع: "ربما هذا ما تظنه أنت."
لم يسمعها بالفعل فاقترب منها وقال: "أمل ماذا قلتِ؟"
لم ترد.
فعاد يقف أمامها وقال: "أنا حقاً لم أعد أفهمك، منذ بدأ أمرنا هذا وأنا لم أعد أستطيع أن أقرأ عيونك كما أعتدت أن أفعل، بل أصبح الصمت صديقك وتعلمت عيونك أن تخفي عني كل شيء، لماذا تغيرتِ؟ أشعر وكأني لا أعرفك."
نظرت إليه بحزن وقالت: "لا، أنا لم أتغير، ولكن يبدو أنك أنت الذي لا تستطيع أن ترى جيدا، أو أن موضوع سارة لا يجعلك ترى، أنا كما أنا لم ولن أتغير خاصة تجاهك."
تأملها لحظة ثم قال: "تلك النظرة بعيونك أمل وقت كنا مع سارة كانت تعني الكثير فماذا تخفين لرجل يكبرك بسنوات كبيرة؟"
تناثرت شجاعتها مع النسمة التي هبت عليهم.
وهي تحاول أن تستوعب سؤاله فقالت: "لم أر عمرك يوم عرفتك ولا يمثل ذلك لي أي فارق."
ظل ينظر إليها وفتح فمه ليتحدث.
ولكن رنين هاتفه أوقفه.
فأخرجه ليرد وهو يبتعد من أمامها.
ولكنه عاد والتفت إليها وقال بعد أن أغلق: "لأول مرة أغضب لأن العمل يناديني ولكن بالطبع الأعمال لم تتوقف بالفندق اليوم رغم الإجازة ويبدو أنهم يواجهون مشاكل تستدعي وجودي هل تأتين معي أم أوصلك للفندق؟"
قالت بدون تردد: "بالطبع سآتي معك بالتأكيد هذا عملي ولابد أن أتعرف عليه فأنا هنا من أجله ولم أنسى أنني مديرة أعمالك وأتقاضى راتب على ذلك."
كادت تتحرك لولا أنه أمسكها من ذراعها مرة أخرى وجذبها برفق إليه.
ونظر في عيونها بجرأة أربكتها وجعلت قلبها ينتفض فزعاً من ذلك الرجل الذي لم تعد تفهمه.
سمعته يقول: "أنتِ لم تعودي بالنسبة لي مجرد مديرة أعمال، أمل أنا لم يكن لي أبداً شخص مميز يمكن أن أرتاح في وجوده أو أتحدث معه عما يدور داخلي حتى أصحابي كلهم لا يمثلوا لي أي أهمية إلا قضاء وقت سعيد، أما أنتِ فشيء مختلف."
لامست يده خصلة من شعرها انسابت على عيونها.
وسقطت أصابعه على وجنتها.
كانت تنظر بعيونه وتتمتع بلمسة يده.
وعقلها يتساءل يا ترى هل بدأ يشعر بها؟
هل أحس أنها تحبه؟
هل فضحتها عيونها؟
صوت واهن خرج منه ومازالت يده على وجنتيها وعيونه تتأمل ملامحها: "أمل أنا..."
اقترب منها أكثر وضاع الجميع من حولهم.
ولم تعد ترى أو تسمع إلا هو.
ولم تسمع غير زقزقة العصافير هنا وهناك.
وعندما لاح عبير عطره حولها أدركت أنه اقترب منها إلى حد الهلاك.
وفجأة شعرت بأنفاسه الحارة تقترب من وجهها.
تردد قلبها في أن يقبل باقتراب حبيبه منه أم يبعده.
ولكنه لم يمنحها فرصة لتقرر.
حيث تراجع فجأة كما لو أنه استيقظ من كابوس.
أغمضت عيونها من الألم الذي شعرت به وغضبت من نفسها لأنها صدقت للحظة أنه يمكن أن يفكر فيها.
ابتعدت وهي تحاول أن تخفي خجلها من نفسها وحزنها منها.
استدار إليها مرة أخرى وقال: "هيا دعينا نذهب كي لا نتأخر."
لم يتحدثا طوال الطريق.
ولم تحاول أن تفهم ماذا يحدث؟
الآن تغير معها كثيراً.
أحيانا تشعر أنه أصبح قريب منها إلى أقصى حد.
ثم فجأة يتراجع إلى أقصى مكان مبتعدا عنها.
تاركاً برودة غريبة بينهما.
ترى لماذا كل ذلك.
لقد كانت الأمور بينهم أبسط من ذلك قبل ظهور سارة بحياتهم.
ولكن بالتأكيد ما زالت تلك المرأة تسكن قلبه وهي سبب كل ذلك.
كان الفندق الجديد مختلف تماماً؛ أكبر وأكثر ارتفاعاً وفخامة طبعا، تقريباً انتهى من الخارج.
أما من الداخل فرغم أن الطابع الفرعوني الذى تميزت به الجدران الجرانيتية كان رائعا ومميزا.
إلا أن الأمر ليس بالسهل فهناك الكثير من الأشياء التي لابد من إنهائها.
عرفها على المهندس المسؤول وكذلك النائب الخاص به.
وبسرعه وجدت نفسها كعادتها تندمج في العمل الذي حاولت أن تعرف عنه كل شيء.
لم تشعر بالوقت وهي تتحاور مع المهندس المسؤول في العمل ومع باقي الموجودين.
وبالطبع معه.
كان هادئاً جدا مع الجميع.
أما هي فحاولت أن تتعلم لأن الموضوع جديد عليها.
وبالفعل تولى المهندس شرح العديد من الأمور لها.
ومن لحظة لأخرى كانت تختلس النظرات إليه ورأته وهو ينظر إليها.
أحيانا نظرات لا معنى لها وأحيانا كثيرة يبدو مشغولا فتعود إلى عملها.
ولم تنكر أن الاشخاص الذين كانوا حولها في غاية التعاون وشرح لها المهندس كل شيء.
وفجأة سمعت صوته يقول: "هل انتهيتم؟"
نظرت إليه.
كانت نظراته لا تدل على شيء أو ربما كانت عصبية!
لا تعرف ولكنها ردت قائلة: "وهل ينتهي العمل؟"
ابتسم المهندس وقال: "بالفعل العمل لا ينتهي ولكن حضرتك سريعة التعلم ولا تفوتين أي شيء والعمل معكِ ممتع مدام."
قالت: "شكراً على المجاملة."
كان صوته هذه المرة غاضباً وهو يقول: "هل انتهت مجاملاتكم؟ أظن أنه وقت الذهاب."
وتحرك أمامها دون أن ينتظر أي رد.
وشعرت هي بالإحراج من المهندس.
فاستأذنت منه وتحركت تتبعه والخوف ينبض داخلها والتساؤل مما قد يكون أغضبه هكذا؟
اتجهت إلى السيارة وما أن ركبت حتى تحرك بسرعة أفزعتها.
فقالت: "أستاذ وليد ماذا هناك؟ أنت تقود بسرعة؟"
لم يرد عليها فانكمشت في مقعدها.
وشعرت أنه على غير ما يرام.
فقالت: "ماذا هناك؟ لماذا أنت غاضب بهذا الشكل؟"
لم يرد عليها أيضاً وظل يقود بسرعة.
مما زاد من خوفها فلم تحاول أن تتحدث معه.
إلى أن وصل إلى الفندق فشعرت بالراحة.
لم ينظر إليها عندما نزل وانتظرها حتى وصلت إليه ودخلت معه.
وما أن دخلا حتى سمعا صوت تلك المرأة تنادي علية مرة أخرى.
فتوقف وتوقفت معه.
رواية حب وتضحية الفصل الثامن 8 - بقلم داليا السيد
كانت سارة متألقة في ملابسها المفتوحة والقصيرة وكان معها شاب يبدو مثلها وسيم ولكن ليس مثل وليد في رجولته وأناقته ووسامته التي أسرت قلبها.
تحركت سارة والرجل نحوهم. نظرت أمل إليه ولكنه لم يبادلها النظرات، ما زالت لا تعرف سبب غضبه ولكن ربما أبلغه أحد أن سارة تريد رؤيته أو تكون سارة نفسها طلبته وأرادته فأسرع بالحضور. لا تعلم، ولكن مجرد تفكيرها في ذلك أثار غضبها وغيرتها.
"أين كنتم؟ لقد سألت عنكم فلم أجدكم؟"
وضع يديه في جيوبه وقال بهدوء: "كنا في جولة سياحية، هل تريدين شيئاً؟"
نظرت سارة إليها وقالت: "أمجد خطيبي، أنت تعرفه، يريد أن يدعوكم على العشاء."
نظر وليد إليها وقال: "أعتقد أننا مجهدان وسنتناوله بالجناح، أليس كذلك عزيزتي؟"
قالت سارة بدلال وهي توجه نظرات تحد إلى أمل: "هيا وليد من فضلك، وأنتِ؟ ما اسمك؟ لقد نسيت."
تسربت الحرارة إلى جسدها واندفع الدم يغلي بعروقها من أسلوب السخرية بكلمات تلك المرأة الوقحة. فلم تنظر إليها، وإنما قالت توجه كلماتها إليه: "حبيبي، أنت محق، أنا متعبة لذا سأسبقك إلى الأعلى وأنتظرك، وعندما تنتهي من؟ معذرة، لقد نسيت ما اسمك. عندما تنتهي منها أياً كانت، نتناول العشاء."
وتحركت دون أن تنتظر رداً منه أو إجابة من تلك الوقحة. اتجهت إلى المصعد وهي تكاد تنفجر من الغضب والغيرة لأنها تركته معها. ولكن واضح أنه جاء من أجلها. وربما الآن سيذهب ليعوض ما فاته. ورغم وجود خطيبها المزعوم، إلا أن نظراتها إلى وليد واضحة وليس بها أي حياء.
أخذت حماماً دافئاً، ربما يهدئ من غضبها الذي تملكها. وارتدت روب الحمام الخاص بها وخرجت. تراجعت بذهول عندما رأته أمامها بغرفتها. شدت بيدها على البرنس وهي تتأمله. كان يمنحها ظهره وينظر من زجاج الفراندة. شعر بها عندما تحركت خطوات قليلة فالتفت إليها. وللحظات ظل يتأملها كما كانت تواجه نظراته بقوة رغم الخوف الذي سيطر عليها من تواجده بغرفتها وهي بتلك الحالة. وأخيراً قال ليقطع الصمت المتبادل: "ماذا هناك؟ لماذا شحب وجهك عند رؤيتي؟ أم لم تعد لك رغبة في رؤيتي؟"
لم تفهم شيئاً من كلامه ولا سبب غضبه. فقالت: "عن ماذا تتحدث؟ أنا فقط فزعت لأنني لم أكن أعلم أنك هنا ولم أفكر أن أجدك بغرفتي."
تحركت إلى المرآة في محاولة أن تبدو هادئة من وجوده الذي يربكها. فقال: "ألم تظني أني سأعود؟ أم فكرتِ أني سأذهب لمكان آخر؟"
قالت وهي تمشط شعرها الطويل: "ربما. ألم تدعوك حبيبة القلب على العشاء؟ لقد تركتكم كي تكون على راحتك وربما تستعيد ذكرياتك معها بدون حرج من وجودي."
تحرك في اتجاهها فدق قلبها أكثر وأكثر. ترى ما الذي يريده منها الآن وقد تركت له الساحة؟ قال وهو يتحرك: "هل هذا ما يفكر به عقلك الصغير؟ ألا تذكرين أني أخبرتك أنني لم أعد أسعى لكي أكون معها أو أستعيد ما تتحدثين عنه. كل ما أردته أن أنتقم لكرامتي. ولكن يبدو أنكِ لم تعودي على نفس قدر تركيزك الذي أعرفه عنكِ. أم أن ذهنك أصبح مشغولاً بشيء آخر وأصبح من الأفضل لكِ أن تكوني وحدك بدوني؟"
لم تفهم تلميحاته خاصة وأنها بدأت ترتبك من اقترابه ووجودها معه وحدهم هنا. فقالت لتخفي مخاوفها: "أنت تعلم أن ذلك غير صحيح. ذهني ليس مشغولاً سوى بالعمل ووجودك هو أساس وجودي هنا."
قالت ذلك وهي تتحرك مبتعدة لتهرب من مواجهته. ولكنه أوقفها من ذراعها وأعادها أمامه وقال: "هذا لم يعد كذلك. فأنتِ اليوم كنتِ تبدين سعيدة وأنتِ بعيدة عني أثناء العمل، وتوزعين ابتسامتك على المهندسين. ومنذ قليل اخترتِ أن تذهبي وتتركيني مع سارة، مما يدل على صحة كلامي."
حاولت ألا تنظر إليه وهي تزيغ بنظراتها بعيداً. ولكن في النهاية نظرت إلى عيونه وقالت: "هل هذا ما تظنه؟ ألم تسأل نفسك متى تركتك وحدك؟ منذ عرفتك أنا تقريباً لا أقضي يومي كله إلا معك. وإذا كنت أفعل ذلك، فكيف أكون سعيدة ببعدي عنك؟ أنا فقط تركتك اليوم مع تلك المرأة والتي هي حبيبتك السابقة والتي كانت تتعمد إهانتي بوجودك وأثناء صمتك، فاخترت أن أذهب قبل أن تزيد الإهانات وأنا لن أقف صامتة أمام تلك الإهانات."
أعاد خصلات شعرها إلى الخلف وقال: "كنتِ سعيدة مع سام المهندس؟"
ضاقت عيونها وهي لا تفهم كلماته التي أخذتها إلى مكان آخر غير الذي كانت به الآن. ومع ذلك ردت بدهشة: "سام؟ أي سعادة تلك التي تتحدث عنها؟ كل ما في الأمر أنني كنت أتعلم منه ولم أفكر ما إذا كنت سعيدة أم لا."
قال بنفس النظرات التي تحتوي وجهها كله وما زالت يده تداعب خصلات شعرها وهي لا تعلم لماذا لا تحاول أن تبعده: "ومتى تكونين سعيدة إذن؟"
كادت تقول: "معك أنت"، ولكنها قالت: "وهل يعنيك الأمر؟"
عادت أصابعه تتجول على وجنتها فشعرت بأنفاسها تتسارع بشكل مزعج. ونظرت إلى عيونه فرأت نظرات غريبة بعيونه لأول مرة تراها. وسمعته يهمس: "بالطبع يعنيني، أنتِ لا تعلمين ماذا أصبحتِ بالنسبة لي. أمل، أنا."
اقترب منها أكثر وزادت دقات قلبها وبدأت تتساءل، ما الذي يحدث لها؟ وماذا يريد منها؟ ولماذا لا تحاول أن تبتعد عنه؟ زاد اقترابه ولم يعد هناك هواء يكفيها وهو يزداد اقتراباً منها. ولكن كالعادة يحدث ما يحطم لحظات السعادة. دق هاتف غرفتها فتراجع فجأة وكأنه استيقظ من سبات عميق. بينما شدت هي على روبها بدون داعٍ وهي تخفي خجلها الواضح من قربه وعدلت شعرها بحركة آلية. ثم اتجهت إلى الهاتف لتجيب.
كانت والدتها حيث كانت قد طلبت من الفندق أن يوصلها بهم. فاندمجت في الرد وهي تتابعه وهو يخرج من حجرتها. تحدثت مع أمها وأختها وانتهت. فارتدت ملابس النوم وخرجت لتناول العشاء.
لم يكن الطعام قد وصل عندما خرجت ولم يكن هو أيضاً موجوداً. فخرجت إلى الفراندة تتأمل المناظر حولها وتفكر. هذه المرة الثانية التي يقترب منها إلى هذا الحد. وفي كل مرة ترى تلك النظرة في عيونه ولا تعرف ماذا تعني. ولكن عليها أن توقفه. لا يمكن أن تترك نفسها هكذا. فماذا سيظن بها؟ ثم اندفع تفكيرها إلى وجودها هنا معه بمكان مغلق وحدهم. كيف ينظر إليها الآن؟ ربما يظن أنها فتاة سهلة المنال و...
دق الباب فقطع أفكارها. تحركت تفتح حيث رأت النادل يحضر العشاء. أدخله الرجل وخرج بعد أن شكرته. أعدت المائدة وشعرت به يخرج من غرفته وجلس في مكانه. نظرت إليه كان قد أخذ حماماً هو الآخر بشعره المبلل وملابسه المريحة التي ارتداها فبدا أكثر جاذبية.
انتهت من إعداد المائدة ولم تجد ما يمكنها أن تفعل أو تقول. فجلست وبدأ الاثنان تناول الطعام عندما قال: "لم تخبريني رأيك بالفندق الجديد؟"
قالت وهي تخفي نظراتها عنه: "أعتقد أن الفندق يحتاج أكثر من أسبوعين للافتتاح، أليس كذلك؟"
قال دون أن ينظر إليها: "لا أعتقد ذلك. الأشياء الباقية يمكن إنجازها في وقت أقل مما تتخيلين. الأشخاص هنا يعملون من أجل العمل والمال وأنا أدفع كثيراً."
نظرت إليه وقالت: "هل يمكن أن تخبرني ماذا بك؟ أنت اليوم مختلف وكأني لا أعرفك."
نظر إليها وقال: "أحياناً ما تمر بنا لحظات لا نعرف فيها ما الذي يصيبنا ونتصرف بشكل مختلف ولا نعلم لماذا نتصرف هكذا. أنا أعلم أني تصرفت معكِ بشكل غير لائق ولكن..."
صمت ولم يكمل. شعرت بحرارتها ترتفع عندما فهمت ما يشير إليه من قربه منها أكثر من مرة. أخفضت عيونها وقالت: "لكن ماذا؟ بكل مرة تتذكر بالطبع أنني لست حبيبتك. عموماً، أنا أعلم وأحاول أن ألتمس لك الأعذار."
ترك الطعام بشكل عصبي مما أفزعها وقام مبتعداً وهو يتحرك بالغرفة بدون هدى. فشعرت بأنها أغضبته ولكن لم تفهم سبب غضبه. لم تحاول أن تنظر إليه أو تسأله عن سبب غضبه. وأخيراً قال: "لماذا تصرين على كلماتك هذه؟ ألا تحاولين أن تفهمي أن سارة لم تعد تمثل لي أي شيء؟"
قالت دون أن تنظر إليه: "إذن فلماذا أنا هنا؟"
عاد ليقترب منها ثم انحنى عليها وقال: "أنتِ مديرة أعمالي، أم نسيتِ؟"
تحركت وقامت وهي تقول: "وطالما أنا مديرة أعمالك، فلماذا أنا زوجتك أمام الناس وتضعني هنا بغرفة واحدة مغلقة علينا بوضع لا تقبله أي فتاة مثلي ولكني فعلت من أجلك؟ لماذا من المفروض أن نتحمل امرأة وقحة مثل سارة ونتصرف أمامها وكأننا أسعد زوجين؟"
تراجع وقال: "أنتِ حتى الآن لا تفهمين. ما اتفقنا عليه الغرض منه الانتقام منها ورؤية القهر بعينيها، لا أن أعيد العلاقات القديمة. وهذا لم يكن بإمكاني فعله وأنتِ أمامها مديرة أعمالي فقط."
قالت بضيق واضح: "وماذا غير ذلك من الأمور؟ إنها لا تهتم بكوني زوجتك وتتعامل وكأنني لا وجود لي."
حدق بها وقال: "لأنها ترفض الاعتراف بوجودك وتحاول أن تقنع نفسها أنها هي وحدها التي تملكني ولم تدرك أنها انتهت من حياتي. وما أراه بعينيها يعني أني نجحت حتى الآن."
نظرت إليه وكأن الأمل دق في قلبها من كلماته. ولكنها تذكرت أن ذلك يعني أنها لن تبقى زوجته أكثر من ذلك. وهل هي صدقت بالفعل أنها زوجته فعلاً؟ قالت تبعد أفكارها بعيداً: "ربما، أرتاح. وطالما أنت حققت مرادك، إذن فما الداعي من تكملة التمثيلية؟ فلم يعد لها داعٍ."
اقترب منها وقال: "أنتِ تعلمين أن ذلك غير صحيح، إلا إذا كنتِ لا ترغبين في أن تظلي زوجتي. أم أن هذا أمر أصبح مزعجاً لكِ؟"
تراجع وقال يكمل: "أم أن قلبك أصبح لشخص آخر وتريدين أن تتحرري مني؟"
قالت دون أن تفكر: "عن ماذا تتحدث؟ أولاً، أنا وافقت أن أكون زوجتك منذ البداية وهذا لا يمكن أن يكون مزعجاً لي بالمرة. ثانياً، أخبرتك مراراً أن قلبي ليس ملكاً لأحد."
اقترب منها وقال: "وهل يمكن أن يكون ملكاً لأحد؟"
نظرت إليه وقالت: "ليس لأي أحد بالطبع."
قال بجدية: "ولمن إذن يمكن أن يكون؟"
حدقت به لحظة ثم أخفضت عيونها كي لا تفضحها ولم ترد. كان قد اقترب أكثر وهو يقول: "أنا؟"
نظرت إليه واتسعت عيونها من سؤاله وهي تتأمله ولم تعرف بماذا ترد. كان قد وقف أمامها ولامست يده وجنتها مرة أخرى وقال: "أنا يمكنني أن أختار لكِ."
أغمضت عيونها ودق قلبها بالتأكيد. كانت غبية أن تعتقد أنه يمكن أن يفكر بها. فتحت عيونها وتحركت من أمامه وقالت: "ولكن أنا لا أفكر في الوقت الحالي بأي أحد. ما زلت صغيرة وأريد أن أحقق ما أريد قبل أن يدخل أي رجل حياتي."
قال: "حقاً، أنتِ ما زلتِ صغيرة وأنا أتمنى أن تجدي الشخص المناسب."
قالت: "أشكرك. اسمح لي أن أذهب، أريد أن أنام."
وتحركت إلى غرفتها وهي تحاول أن تمنع دموعها من أن تنزل. وما أن دخلت حتى أغلقت باب غرفتها واستندت على الباب لحظة وسالت دموعها. لماذا يفعل بها ذلك؟ منذ لحظات كان قريب منها إلى حد لم تكن تتخيله. وفجأة أبعدها عنه لمسافة لا يمكن قياسها. يا إلهي، ما الذي يحدث معها؟ هي تحاول أن تضحي بسعادتها من أجله. نعم، إنها تحاول أن تمثل أمام الجميع أنها زوجته وسعيدة معه. وهو ماذا؟ يتلاعب بها وبمشاعرها. كان عليها أن تعرف أن هؤلاء الناس لا تهمهم مشاعر الآخرين. ثم لماذا يهتم أصلاً؟ إنها لا تمثل بالنسبة له إلا شخصاً ينتفع منه. مديرة أعمال تعمل من أجله وتمثل من أجله. وماذا؟ هو لم يجبرها على أي شيء. لقد اختارت بمحض إرادتها. ولم يجبرها على ذلك. قلبها هو الذي أجبرها على ذلك. نعم، إنه قلبها هو الذي جعلها تترك أمها وأختها وحدهم. إنها لم تعد تتحمل. ليتها تعود.
بالطبع لم تنل قسطاً وافراً من النوم واحمرت عيونها من الدموع. ولكنها غسلتها جيداً حتى لا يلاحظها.
تناولت الإفطار معه في صمت بالمطعم. وأخيراً بدأ الحديث: "تبدين على غير ما يرام، كما لو أنكِ لم تنامي. هل أنتِ بخير؟"
لم تنظر إليه وهي تقول: "نعم، أنا بخير. هل سنذهب إلى الفندق أم ماذا؟"
قال بهدوء: "أنتِ يمكنكِ الذهاب. أما أنا فلدي العديد من الأشياء لابد أن أنهيها قبل الافتتاح، تعلمين ذلك."
هزت رأسها ولم ترد. وانتهوا من تناول الإفطار. فقام الاثنان. وأثناء خروجهم قال: "نسيت أن أخبرك أني قبلت دعوة سارة على العشاء اليوم، فلا تتأخري."
نظرت إليه. ها هو يثبت لها أنه ما زال يفكر فيها ويتواجد معها وليس كما قال أمس من أنه لم يعد يحب التواجد معها. قالت: "أنا لا أريد أن أحضر."
قال وهو يفتح لها باب السيارة: "أنتِ تعلمين أنه لابد من حضورك. لا يمكن أن أكون وحدي دون زوجتي حبيبتي."
نظرت إليه فبادلها النظرات. فلم ترد. جلست فأغلق الباب وانطلق بها السائق. وهي تحاول أن تهدأ من نفسها. إنها لم تعد تستطيع أن ترى تلك المرأة وتجلس معها وتبادلها النظرات والكلمات. إنها تذكرها بكل شيء. كيف ستتحمل أن تتواجد معها وتراه وهو ينظر إليها؟ إنها، إنها ماذا؟ كيف تنسى أنها هنا من أجل ذلك؟ لا، لن تقبل أن يهزأ بها هو أو هي. لابد أن يعرف أنها لن تقبل أكثر من ذلك.
بالطبع عادت إلى العمل وحاولت أن تركز جيداً فيه وأن تنسى ما يحدث حولها. فالعمل هو الشيء الوحيد الحقيقي والباقي لها.
عادت قبل موعد العشاء وحدها. ولم يتصل بها ولا مرة واحدة. وهي لم تحاول أن تفعل. ارتدت أفضل ما عندها وسرحت شعرها أفضل من أي كوافير. كانت تريد أن تثبت لنفسها أنها أفضل من أي امرأة أخرى.
انتهت واطمأنت على شكلها. خرجت من غرفتها لتجده يجلس ويتحدث في الهاتف. نظر إليها كما نظرت إليه. كان في أكمل زينته. لهذه الدرجة يهتم بتلك المرأة حتى يتأنق هكذا؟ ومتى فعل كل ذلك وهو لم يفكر حتى أن يهاتفها ولو مرة واحدة؟
أنهى محادثته وقال: "كيف حال العمل اليوم؟ لم تخبريني أي شيء."
قالت بدون اهتمام: "ظننت أنك قد تكون مشغولاً. هل تحب أن أخبرك الآن؟"
تحرك إلى الباب وقال: "لا، هيا بنا قبل أن نتأخر. ربما عندما نعود."
نظرت إليه وهي تفكر بغضب ناتج عن الغيرة. ألهذا الحد يريد أن يذهب إليها بأسرع ما يمكنه دون اعتبار لها ولمشاعرها؟ تماسكت لبضع لحظات ثم خرجت تتبعه.
كانت المرأة هي الأخرى في أفضل زينتها. أجلسها وجلس بجانبها بعد أن حيوا بعضهم البعض. سمعت سارة تقول بطريقة ساخرة: "أنتِ تزدادين جمالاً يا عروسة."
ابتسمت وقالت بنفس طريقتها: "أشكرك، أنتِ أيضاً تبدين جميلة."
كانت الابتسامات زائفة ولا تعبر عن حقيقة مشاعر كل منهما. اندمج هو في الحديث مع أمجد. ولكن سارة لم تتركها. حيث مالت عليها وقالت: "هل تحبينه؟"
كان السؤال غريباً ومفاجئاً. ومع ذلك لم تندهش منه. وإنما قالت بهدوء: "جداً، وربما أكثر من نفسي."
لاح الغضب لحظة على عيون سارة وهي تقول: "ولكن هو؟ تُرى ما هي مشاعره تجاهك؟ هل يحبك مثلما تحبيه؟"
قالت دون أن تفكر: "بالطبع، وإلا لما تزوجني."
أجابت سارة ببرود: "لا أعتقد ذلك. ألا تعرفين أنه يحبني أنا؟ ألا تعلمين أننا كنا على علاقة؟"
قالت وهي تحاول أن تبادلها نفس البرود: "نعم، أعلم. أخبرني وليد بكل شيء. ولكن كما قلتِ، كنتم. وأنا لا يهمني الماضي، فهو ليس ملكي. وإنما ما يخصني هو الحاضر والمستقبل. هما لي أنا وأنا وحدي فقط."
زادت نظرات الغضب في عيون المرأة وقالت: "لا، ليس لكِ. لأن المستقبل سيكون لي أنا. لن تأتي فتاة مثلك وتأخذه مني. لن أسمح لكِ. هل تفهمين؟ لأن أمثالك بالتأكيد لا يريدون إلا ماله وثروته، أليس كذلك؟"
اندهشت أمل من الهدوء الذي أصابها وكأنها كانت تتوقع كلماتها. فأجابت بنفس الهدوء: "المال الذي تتحدثين عنه لا يمثل لي أي أهمية. لأن وليد يمثل الدنيا وما فيها بالنسبة لي. حتى ولو كان فقيراً، فهو بحبه لي أغنى رجل في العالم."
ولكن سارة لم تحاول حتى إخفاء نظرات الحقد بعينيها وهي ترد: "وأنا لن أتركه لكِ. هل تفهمين؟ لن أترك لكِ كل تلك الأموال. أنتِ لا يمكنك أن تكوني مثلي. أنا التي يجب أن تكون زوجته."
ابتسمت وقالت: "ولكنك لستِ كذلك."
دقت الموسيقى ألحانها فتولاهم الصمت. إلى أن نظرت سارة إلى وليد وقالت: "أعتقد أن من حقي الرقصة الأولى، فأنا ضيفتك."
يا لها من امرأة وقحة. نظر إليها وقال: "ولكني أعتقد أن أمجد هو الأولى."
قالت سارة بنفس وقاحتها: "أمجد، هل لديك أي اعتراض على أن أرقص مع وليد؟"
هز الرجل رأسه نفياً. وشعرت أمل أن ذلك الرجل لا معنى لوجوده ولا يمكن أن يكون خطيباً لأي أحد.
قالت سارة توجه حديثها لأمجد: "شكراً حبيبي، ولكن يمكنك أن ترقص مع أمل."
نظر وليد إليها. ولكنها قالت دون تردد: "لا، أنا لا أريد أن أرقص."
قامت سارة وجذبت يد وليد الذي قام معها بدون أن يبدي أي اعتراض. تابعته أمل وهي تشعر أنها لا تطيق ما يحدث. وبدأ ذلك المدعو أمجد يتحدث معها بأحاديث تكاد لا تفهم منها شيئاً. فحاولت أن تركز معه. ولكن نظراتها وعقلها كانا مشغولين بزوجها الذي أخذ تلك المرأة بين ذراعيه. ولاحظت أنها تقترب من وليد بشكل وقح وملفت. حاولت أن تكون هادئة ولكنها لم تستطع. لم تنس أن الأمر لا يعنيها. إنها لا تملك الحق في الاعتراض. ولا يمكنها أن تبدي غضبها. ولكن بالمقابل ليس عليها أن تتحمل كل ذلك.
سمعت أمجد يقول: "دعينا نرقص، الموسيقى رائعة."
لا تعلم لماذا شعرت بأن لديها رغبة في أن تفعل وأن تنهض وتشارك بتلك الليلة التي أراد هو ومحبوبته القديمة إثبات أن لا وجود لها. ربما لو نهضت ورقصت مع ذلك الأمجد لشعرت بأن لها وجوداً وأنها ليست مجرد صورة تزين المكان. قامت معه وتحركت إلى ساحة الرقص. وتلاقت نظراتها معه ورأت نظرة غريبة في عيونه جعلتها تبادله نظرات غاضبة منها. ربما يشعر بما تشعر هي به من غضب. لم تحاول أن تسمع ما يقوله أمجد. فهو لا يعنيها بالمرة. إلى أن انتهت الموسيقى فعادت إلى مقعدها والجميع يفعل. ولكن بدا على وليد التوتر. فلم تهتم كما لم يهتم بها. تناولا العشاء في هدوء إلى أن انتهوا. لاحظت هي أن سارة تقترب من وليد ثم أخذت تتحدث إليه.
شعرت أنها لن تتحمل أكثر من ذلك. فاقتربت منه وهمست: "هل يمكن أن نذهب؟ أعتقد أن الوقت تأخر."
قال ببرود: "لا، لن نذهب الآن. ما زال الوقت مبكراً. دعينا نجلس قليلاً. أم هل ضايقك شيء؟ كنت أعتقد أنكِ تستمتعين!"
نظرت إليه ولم تفهم كلماته. فلاح عليها الصمت وشردت بعيداً. إلى أن سمعت سارة تقول: "أليس كذلك يا أمل؟"
نظرت إليها وقالت بضيق واضح: "ماذا؟ لم أسمع جيداً."
ابتسمت سارة وقالت: "كنت أقول أن الماضي لا يمكن أن ينتهي من حياتنا دون أن يترك أثر وأثر كبير لا يمكن تجاهله."
بالطبع فهمت كلماتها فقالت: "الماضي ماضٍ، نسير ونتركه خلفنا ولا نفكر فيه. لأننا إذا نظرنا خلفنا لن نتقدم إلى الأمام. وإذا ترك فينا أثر فالأيام تستطيع أن تمحيه بسهولة."
قالت سارة بتحدٍ واضح: "وأنتِ؟ أليس لديكِ ماضٍ ترك لكِ أثر ومحته الأيام؟"
هنا تحركت عيونه إليها كما فعلت. وقالت بصدق: "لا. فقط وليد هو الماضي والحاضر والمستقبل بالنسبة لي. حياتي بدأت به وانتهت عنده."
طالت النظرة بينهما إلى أن قالت سارة: "ماضٍ ربما، حاضر أكيد. أما المستقبل فهو أمر غير مضمون."
نظرت أمل إليها وقالت: "ولم لا؟ طالما أن الحب هو الأساس، فكل شيء مضمون."
نفخت سارة وقالت: "تخبريننا أنكِ تحبينه؟ هذا ما تحاولين إثباته."
عادت لتنظر إليه وقالت: "لست بحاجة لإثبات شيء. فهو يعلم جيداً أني أحبه أكثر مما يتصور."
هنا شعرت بيده تتسلل إلى يدها ليحتضنها برقة ويرفعها إلى فمه ويقبلها وهو ينظر بعينيها دون أن يتحدث. وقد تاهت هي بين نظراته وقبلته التي فاجأتها وانقبض قلبها بها سعيدة. حتى ولو كان تمثيلاً، فهي أحبت ذلك وأحبت نظراته.
قطعت سارة تلك اللحظة ببرود وقالت: "ما هذا؟ أنتم تعيشون قصة حب واضحة. كم أنتم محظوظون."
كانت نظراته إليها كلها حنان وتنطق بمعانٍ كثيرة تمنت لو ينطق بها لسانه. ولكنه قال: "نعم، أعتقد أن أي رجل في مكاني ولديه امرأة فاتنة مثل أمل، هو رجل محظوظ حقاً. ليتني أستطيع أن أمنحكِ السعادة التي تستحقينها حبيبتي."
قالت دون أن تشعر بأي أحد من الموجودين وكأنهم تلاشوا من حولها ولم يتبقى سواه معها: "سعادتي معك أنت حبيبي، وبوجودك بحياتي التي لم يكن لها معنى من قبلك."
قالت سارة معلنة انتهاء الحلم: "أعتقد أني أشعر بالنعاس. هل يمكن أن نذهب يا أمجد؟"
قام الرجل الذي لم تعرف هي ماذا يمثل هنا واستأذن في الذهاب وهو يحييهم برأسه. وابتعدت سارة دون أن تودع أحداً وغضبها واضحاً. لم تحاول إخفاءه.
سحبت يدها من يده بمجرد ذهاب سارة وخطيبها المزعوم. لن تسمح له بأن يتلاعب بمشاعرها كما فعل أمس. قالت: "أعتقد أنني أيضاً أريد أن أذهب."
لم تحاول أن تواجه نظراته. بينما قال: "أنتِ غاضبة؟"
قالت: "لا، متعبة قليلاً وأريد أن أذهب."
قال دون أن ينهض: "كنتِ منذ لحظات سعيدة وأنتِ ترقصين مع ذلك الرجل."
قالت بغضب: "أنت أيضاً كنت سعيداً."
قال: "لقد أحرجتني فلم أستطع أن أتراجع."
لم تهدأ وقالت بعصبية: "أنا أيضاً شعرت بالحرج عندما وجدت أنني مجرد صورة أتيت بها لتزين المكان حولك، فكان علي أن أفعل أي شيء لحفظ كرامتي."
قال بغضب: "لم يمس أحد كرامتك، ولقد نسيت أنكِ زوجة وكان عليكِ احترام زوجك."
أجابت بنفس الغضب: "على أساس أنني لست زوجتك أمامهم وأنت لم تراعي مشاعري أو تحترم وجودي وأنت تأخذها بين أحضانك بتلك الطريقة."
أبعدت وجهها لتخفي دموعاً لاحت بعينيها.
قال بهدوء: "تعلمين أنني لم أفعل وأنني لم أقصد أي إهانة."
لم تنظر إليه وقالت: "وأنا أيضاً لم أفعل. هل يمكن أن نذهب الآن؟ أنا حقاً متعبة وأشعر بصداع وأحتاج إلى الراحة."
وقامت فجأة حتى لا تمنحه فرصة للبقاء أكثر أو التراجع.
كادت تدخل غرفتها لولا أن استوقفها: "أمل انتظري."
توقفت فتبعها إلى أن وقف أمامها وقال: "أمل ماذا بكِ؟ لماذا أنتِ غاضبة هكذا؟"
قالت محاولة أن تهدأ من نفسها وغيرتها الفاضحة: "لا أبداً، أنا حقاً متعبة."
ثم رفعت عيونها إليه وقالت: "أنا حاولت أن أساعدك ولكن يبدو أنني لم أكن جيدة وفشلت."
تأمل ملامحها المتعبة وقال بحنان غريب: "بل على العكس، لقد كنتِ رائعة، لقد صدق الجميع أنكِ تحبينني."
أبعدت عيونها عنه ولم ترد. فقال: "لماذا لا تردين؟"
تحركت لتذهب إلى غرفتها لتهرب منه. ولكنه أمسكها من ذراعها وقال: "أمل انتظري، لماذا تتصرفين هكذا؟ أنا لم أعد أفهمك."
نظرت إليه وقالت: "ليس هناك ما يستدعي الفهم. أعتقد أن سارة تحاول أن تخبرني أن وجودي لا معنى له وأنك وجدت ضالتك بعودتها وأن علي أن أنسحب، لذا أظن أن دوري قد انتهى."
حدق بها وقال: "كم مرة لابد أن أخبرك أني لم أعد أفكر بها وأن وجودها لا يمثل لي أي شيء؟"
نظرت إليه وقالت: "كنت سعيداً وأنت ترقص معها وهي تتمايل عليك وتضحك بوقاحة. فماذا يعني ذلك؟"
قال بجدية: "كنتِ أيضاً سعيدة مع أمجد وهو يحيطك بذراعيه."
قالت: "أخبرتك أني فعلت حفاظاً على ماء وجهي. ثم ما الذي يغضبك هكذا وأنا لا أمثل لك أي شيء؟"
قال بعصبية ورد دون تفكير: "بل تمثلين لي الكثير لدرجة أني لم أتحمل أن أراكِ بين ذراعي ذلك الرجل."
نظرت إليه وقالت دون أن تفهم معنى كلماته: "إذن أنت يمكنك أن تشعر بي وبإحساسي وأنت معها."
ابتعد من أمامها وقال: "أنا رجل، ولي حرية التصرف."
قالت بغضب لم يمكنها أن توقفه: "وأنا إنسانة ولي مشاعر وأحاسيس ولم أعد أتحمل كل ذلك، فمن فضلك انهِ كل ذلك وأبعدني عن حياتك."
التفت إليها واقترب منها وهو يرى دموعها فقال: "أبعدك؟ وكيف ذلك؟ أنا لا يمكن أن أبعدك عن حياتي. أمل، أنا لم أعد بإمكاني الاستغناء عنكِ."
انهارت أكثر وقالت باندفاع: "وأنا لم أعد أستطيع أن أتحمل كل ذلك. أنت تقربني إليك أوقاتاً ثم فجأة تقذفني بعيداً وأنا لم أعد أفهم ماذا تريد مني؟ لن أتحمل أكثر من ذلك. أرجوك دعني أذهب. لقد أديت واجبي ولا أملك أن أفعل أكثر من ذلك. لقد صدق الجميع أنني أحبك وتحركت مشاعر تلك المرأة لتعود إليك، فحققت أنت ما تريد وانتقمت لكرامتك. فدعني أنا أحتفظ بالباقي من كرامتي. أرجوك أنا لم أعد أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك، لم أعد أستطيع."
وفاضت الدموع من عيونها بغزارة ولم تشعر إلا وهو يجذبها إلى صدره وهي تحاول أن تبعده وتقول: "دعني، أنا تعبت، دعني أذهب، أرجوك اتركني أذهب قبل أن أصبح لا شيء بالنسبة لك وتتركني. أنا تعبت ولم أعد أتحمل أن يحدث لي كل ذلك، لم أعد أتحمل."
ورغم قبضتها التي تضربه بصدره كي يبعدها إلا أنه لم يتركها وإنما تحملها حتى توقفت عن الضرب. فاحتضنها بشدة وهو يقول: "أمل اهدئي الآن، أنا لا يمكن أن أتركك أبداً. لن أتركك. هل تفهمين؟"
ضمها إلى صدره أكثر فشعرت بدفء أحضانه وسمعت دقات قلبه تنبض من خلف عضلات صدره. ولامست أنفاسه الدافئة وجهها فبدأت تهدأ.
أجلسها وأحضر لها كوباً من الماء. ارتشفت بعضه وأعادته إليه. ركع أمامها على الأرض وقال بحنان: "أنتِ بخير الآن؟"
بدأت تهدأ فهزت رأسها بالإيجاب. فقال وهو يمسح دموعها: "أنا أغضبتك إلى هذا الحد؟"
نظرت إليه ولم ترد. فقال: "لم أقصد إغضابك حقاً وإنما كل ما أردته أن أبحث لكِ عن السعادة."
قالت بدهشة ودون فهم: "أي سعادة؟"
قال: "لا أعلم، ولكن أشعر أن قربي منكِ أصبح يسبب لكِ الألم والحزن."
هزت رأسها وقالت: "لا، هذا ليس صحيح بالمرة. قربك لا يمثل لي أي حزن أو ألم."
نظر إليها بقوة وقال: "إذن ماذا يمثل قربي منكِ؟"
لم تبعد عيونها عنه وقد انهار قلبها أمام نبرة الحنان التي تملاء صوته. فقالت: "وهل من حقي أن أقول؟ لا أعتقد أن فتاة مثلي يمكنها أن تختار أو تفكر بأكثر من أنها مجرد سكرتيرة."
قال بصدق: "لا، أمل. أنتِ لستِ كذلك. لم تعودي كذلك بالنسبة. وأمر سكرتيرة هذا انسيه تماماً لأنه لا يهمني أصلاً. أنا عرفتك أنتِ أمل فقط دون أي شيء آخر وأصبح قربك مني هو الأساس."
طالت النظرات بينهم إلى أن قالت: "وماذا يمثل قربي منك؟"
أحاط وجهها براحتيه وقال: "كل شيء يا أمل، وجودك هو كل شيء."
لاح الأمل في عيونها وقد ملأتها كلماته بالسعادة. وقالت برجاء مختلط بأمل: "حقا؟"
هز رأسه وقال: "نعم، أمل، نعم. كثيراً ما حاولت أن أبتعد عنكِ. ولكن كلما حاولت أن أفعل أجد روحي تعود إليكِ بكل قوة وغصباً عني تدفعني إليك. نعم، كنت أقترب منكِ ولكن كنت أتراجع لأني كنت أخشى أن أكون متطفلاً على حياتك، أو أن يمثل وجودي ألماً أو حزناً لكِ. فكنت أعود إلى البعد."
أغمضت عيونها ودق قلبها بقوة. هل هي تحلم؟ أم هو بالفعل أمامها ويخبرها بما تمنت أن تسمع؟ هل حقاً تحقق حلمها؟ إنها لا تصدق.
فتحت عيونها لتواجهه نظراته وقالت: "متطفلاً؟ يا إلهي، أنا لا أصدق أنني أسمع ما تقول. لقد تمنيت أن تكون معي إلى الأبد."
لاح سعادة غريبة بعينيه وقال: "حقاً يا أمل؟ وفارق السن؟"
هزت رأسها بالنفي وقالت: "لم أفكر يوماً به أو أعترف بوجوده."
ابتسم بأمل وقال: "ولا تفكرين في أحد آخر؟"
ابتسمت رغم الدموع وقالت: "أخبرتك مراراً أني لم ولن أفكر في أي أحد."
مسح دموعها بحنان وقال: "حتى أنا؟"
قالت: "أنت الوحيد الموجود بحياتي. لم أعرف رجلاً سواك."
جذبها إليه بقوة وضمها إلى صدره مرة أخرى. ولكن هذه المرة كانت مختلفة بالتأكيد. وهي لم تتمنى سوى قربه. لذا كانت سعيدة وهي تدفن رأسها بصدره لتعود إلى دقات قلبه السريعة وتستمتع بدفء أحضانه.
سمعته يقول: "أمل أنا لم أعد أعرف ماذا يحدث لي. ولكن ما أعرفه ومتأكد منه أني لا أريدك أن تتركيني لحظة واحدة وأرغب بأن أظل أحيطك بذراعي إلى الأبد. فقط أريد أن أسمع ردك."
لم تفتح عيونها وهي ترد: "أنا لا أريد أكثر من وجودك معي ولكن..."
عندما لم تكمل أبعدها برفق ونظر بعيونها وقال: "ولكن ماذا؟ هل فقدتِ ثقتك بي؟"
هزت رأسها نفياً وقالت: "أبداً لم أكن لأفعل. ولكن..."
قاطعها وقال: "إذن لتكوني زوجتي؟ لن يمكنني أن أتحمل قربك دون أن تكوني بين أحضاني."
شهقت من كلماته ووضعت يدها على فمها وهي لا تصدق كلماته ورددت: "ماذا قلت؟"
لم يبعد يده وهو يقول: "أطلب يدك للزواج فهل توافقين؟"
حاولت أن تستوعب ما يحدث لها. ولكنها لم تجد أي تردد بعيونه. وقالت: "هل تدرك ما تقول؟ هل نسيت من أنت ومن أنا؟ لا يمكن أن تفعل بنفسك ذلك."
ابتسم وقال: "يبدو أنكِ نسيت أني بالفعل فعلت ذلك. فأنتِ أمام الجميع زوجتي. فقط ينقصنا وثيقة الزواج وهو ما سنفعله بالصباح الباكر."
حدقت به بصمت وقد ارتفعت أنفاسها وتملكها خوف بدلاً من السعادة. فلاحظ تغير ملامحها وقال: "ماذا؟ ألا توافقين؟"
أبعد يده عنها. ولكنها قالت: "بالطبع أوافق. ولكن أمي؟ ألا يجب أن ننتظر حتى نعود و..."
نهض وابتعد وقال: "من ماذا تخافين يا أمل؟"
نهضت واتجهت إليه ووقفت خلفه وقالت: "لا أخاف طالما أنت معي. ولكن..."
التفت إليها وأحاط ذراعيها بقبضتيه وقال: "والدتك سأخبرها عندما نعود أو لو شئتِ أخبرها بالهاتف. وعندما نعود سأقيم لكِ حفل زفاف يتحدث عنه الجميع. لكن الآن أنا لن أتحمل أن أعاملك على أنكِ مجرد زوجة زائفة. أنا أريدك يا أمل. أريدك كزوجة حقيقية ولن يكون ذلك إلا على سنة الله ورسوله وبأقرب وقت."
ظلت تنظر إليه بحيرة وهي لا تعرف ماذا يمكنها أن تفعل. قلبها يأمرها أن توافق. وعقلها يخبرها أن تتوقف وترفض. ولكن لمن الغلبة؟ للقلب أم العقل؟
رواية حب وتضحية الفصل التاسع 9 - بقلم داليا السيد
سعادة.
سمعته يعيدها إليه:
"أمل وافقي لا يمكننا أن نتوقف الآن كلانا يريد الآخر فدعينا نمتع أنفسنا بقربنا والدتك لن يهمها إلا سعادتك وما نفعله ليس بخطأ إنه زواج رسمي وبما يرضي الله فلن تغضب أبداً، أمل أنا أعترف أني أضعف من أمنع نفسي من أن آخذك لذا لابد أن توافقي إذا كنتِ حقاً تريديني كما أريدك، هيا أمل أخبريني أنكِ توافقين."
تمنت لو كانت كلماته عن الحب بدلا من الإرادة ولكنها كانت تكتفي بذلك وهي تعلم أنها أضعف من أن ترفض طلبه فهي لم تتمنى أكثر من ذلك.
هزت رأسها بالموافقة فابتسم وجذبها إليه مرة أخرى وهمس بجوار أذنها بحنان:
“لن تندمي أبدا أليس كذلك؟"
قالت:
"وكيف أندم وأنا لم أتمنى سواك."
همس:
"أنا أيضا تمنيتك منذ أن كدت أفقد وجودك بجواري يوم أن تسببت بانهيارك وقتها أدركت أني لا يمكنني أن أعيش بدونك، وأدركت بعدها أني أغير من كل العيون التي تنظر إليك ولا أريد أن يراكِ سواي."
أبعدها قليلا وأحاط وجهها بكفيه ونظر بعيونها بحنان وقد امتلأت نظراتها بالسعادة والحب ثم قرب وجهها إليه فأغمضت عيونها وتركت نفسها له وهو يلمس شفتيها بشفتيه برقة ارتجف لها جسدها وانتفض قلبها معلنا ضعفاً واستسلاماً لذلك الحبيب الذي امتلكها بدون أي مقاومة تحركت يده إلى عنقها وازدادت قبلته قوة وهي تشعر أنه يسحب أسرار قلبها بتلك القبلة فيكشف سر حبها الدفين رغماً عنها.
وأخيراً أبعدها قليلاً وقد اشتعل جسدها بنار الحب واحمر وجهها خجلاً فلم تقو على أن تنظر إليه لذا جذبها إليه مرة أخرى وقال:
“الآن انتهت قبلتي ولكن غدا لن تنتهي أبدا أمل، فلن أتركك بعد الآن."
انتقت فستان يتلاءم مع مناسبة كهذه فكان فستان وردي كألوان زهور الربيع ورفعت شعرها ووضعت ميك أب رقيق وخرجت إليه كان هو الآخر قد انتقى ملابسه بدقة، أنهى مكالمته واتجه إليها وهو يبتسم وعيونه تتأملها وهي تقف أمامه في صمت.
قال:
"صباح الورد أمل حياتي، أنا أشعر أني أكاد أمسك النجوم بيدي."
ابتسمت بسعادة وقالت:
"هل حقاً سنتزوج؟"
أمسك يدها وجذبها إلى الباب وهو يقول:
"يمكنك سؤالي بعد ساعة من الآن هيا."
بعد ساعة كان يخرج بها من السفارة المصرية وهو يحيطها بذراعه والسعادة تملأ قلبها وتخرج من عيونها فقد أصبحت حقا زوجته ولم يكن حلم كما ظنت وإنما كان حقيقي وواقعي.
قبل يدها وهي تجلس بجواره بالسيارة ثم جذبها إليه وقال:
"والآن لا يمكن لأي شيء أن يمنعني عنكِ زوجتي العزيزة."
ابتسمت وهي تنظر إليه ولم ترد وهو ينطلق بالسيارة دون أن تدري إلى أين يتجه بها ولم تسأل فكل ما كانت تفكر به هو أنها الآن أصبحت زوجته وبالرغم من سعادتها إلا أن خوفها مازال يسيطر عليها، ربما خوف لأن أمها لا تعرف، أو ربما خوف من تلك المرأة التي لم تكره بحياتها سواها.
عندما أوقف السيارة أدركت أنهم بمكان منعزل بيت خشبي قديم قريب من ساحل البحر والبيت محاط بسور خشبي مرتفع، رائحة البحر ملأت أنفها فتأملت المكان كان البيت يقف على تل مرتفع ومن بعيد بدت بيوت مماثلة فقالت:
"أين نحن؟"
دخل من بوابة البيت وقال:
"بيت ريفي امتلكته منذ سنوات ولم أفكر أن أزوره ولكن اليوم قررت أن أفعل لنمضي به شهر العسل حبيبتي."
التفتت إليه وقالت:
"حبيبتك؟"
ابتسم وهو يوقف السيارة ونظر إليها وقال:
"هل لديكِ شك؟"
هزت رأسها نفساً فقال:
"إذن هيا لن نضيع لحظة واحدة من عمرنا دون أن نستمتع بها."
كان البيت رائع من الداخل نظيف ومرتب وعلى عكس شكله الخارجي معد على أحدث طراز وبه كل ما يلزم للاحتياج، أحاطها بيده وقال وهو يقودها إلى السلم الخشبي:
"لن نتأمله الآن ليس لدينا وقت أنا أتضور جوعاً إليكِ ولا يمكنني أن أتحمل أكثر من ذلك."
وقبل أن تضع قدمها على السلم كان قد لفها بيديه فجأة ورفعها بين ذراعيه حاملاً إياها بسهولة فهتفت بفزع:
“أستاذ وليد ماذا تفعل؟"
ضاقت عيونه وهو ينظر إليها وقال:
"أستاذ؟ من الجميل أنكِ لا تذكرين أنكِ أصبحتِ زوجتي ربما بعدما نصعد إلى غرفتنا تستعيدي ذاكرتك جيداً."
لم ترد والخجل يتملكها والخوف يسيطر عليها وهي تدرك أنها لا يمكن أن تتراجع الآن فلن تكون إلا كما أراد هو، زوجته.
أنزلها بوسط الغرفة ولكنه لم يفلتها وما زالت تنظر إليه بنظرات زائغة تحركت يده إلى شعرها وفك مشابكه ليرتجل على كتفها كشلال هادئ بين زهور الربيع العطرة، تحركت أصابعه بين خصلاته، ارتجف جسدها بين لمساته فاستدارت لتخفي خجلها ولكنه أمسك ذراعيها بيده فأغمضت عيونها وما زالت تمنحه ظهرها بينما اقترب هو منها إلى أن شعرت بأنفاسه بعنقها وهو يهمس:
“إلى أين؟"
لم تفتح عيونها وهي تشعر بشفتيه تتحرك على عنقها برقة زاد ارتجافها بينما همس:
"أمل هل تخافين مني؟"
هزت رأسها نفيها فأدارها إليه ورفع وجهها بإصبعه ليواجه نظراتها الخائفة ثم همس:
"نادمة؟"
بللت فمها بلسانها وأجبرت نفسها على النطق:
"أبدا."
ابتسم ثم قربها منه وانحنى ليجذب شفتيها إليه بقبلة جديدة أفقدتها ما تبقى لديها من قوة وأنستها كل مخاوفها ولم تتذكر إلا أنها معه وله.
تحركت يده على حنايا جسدها برقة ليفك فستانها الرقيق وتتخلل يداه إلى جسدها الرقيق برغبة واضحة لم يمكنها أن توقفها وقد تملكها بشفتيه التي انطلقت على وجنتاها برقة ثم سبحت قبلاته على عنقها الأبيض وكتفيها العارية وعاد إلى عنقها وهمس بجوار أذنها:
"أنا أشعر بسعادة لم أعرفها من قبل أمل حياتي."
كلماته منحتها سعادة جديدة مما منحها جرأة لترفع ذراعيها وتحيط عنقه بهما فزادت قوة قبلاته إلى أن حملها بين ذراعيه ووضعها بالفراش وهو يهمس:
“أريد أن أمضي باقي حياتي بين ذراعيك فهيا أملي خذيني كما لم يفعل أحد من قبل فأنا ملك لك الآن."
لم تفلته وقالت:
"هذا أكثر مما حلمت، أخبرني أني لا أحلم."
ملأ وجهها بقبلاته وهو يهمس:
"وجودك بين ذراعي الآن أكبر دليل على أن الحلم أصبح حقيقة، هل تريديني مثلما أريدك أمل؟"
قالت:
"لم أرد أحد بحياتي كلها إلا أنت تمنيتك من أول يوم رأيتك به وظللت أحلم بك دون أمل."
ابتسم وقال:
"والآن الحلم حقيقة، أنا وأنتِ فقط."
ثم عاد إلى أحضانها وجالت يداها على جسده القوي فأشعلت به رغبة أقوي لامتلاكها فلم يتراجع وهو ينال عذريتها التي استسلمت له بحب جعلها تستمتع بلمساته وتتقبل رجولته التي أدركت مدى قوتها، وتركته يفض عذريتها بسعادة مغلفة بخوف البنات وخجلهم ولكن رقته وحنانه جعلها تستمتع دون ألم أو خوف.
عندما استيقظت كان الظلام قد ملأ الغرفة اعتدلت بالفراش وهي تلتف بالغطاء، لم تجده بجوارها على الفراش فجلست وهي تتذكر ما كان بينهم، أبعدت شعرها ونهضت دون أن تعرف ماذا تفعل.
رأت باب جانبي ظنت أنه الحمام فدخلت وقد كان بالفعل، شعرت بالراحة عندما وجدت مياه دافئة فالبرد لف الخارج أخذت حمام وخرجت بروب الحمام ولم تعرف ماذا ترتدي ولكنها رأت دولاب كبير يأخذ حائط كامل فاتجهت إليه وفتحته لتعثر على ملابس رجالي فقط، نفخت وأغلقت الدولاب ثم تحركت إلى الخارج لتبحث عنه.
نزلت السلالم وهي تشم رائحة طعام لذيذة فتأملت المكان كانت صالة كبيرة بها مكان لاستقبال الضيوف ودفاية قديمة لا تعمل وبدا المكيف أمامها مما منح المكان دفئا واضحا.
عادت خارجة بالاتجاه الآخر لتجد غرفة أخرى لم تدخلها ثم أخيرا سمعت صوتاً قريباً فاتجهت إليه حيث اتضح أنه المطبخ وزادت الرائحة وابتسمت عندما وجدته يرتدي ملابس البيت وهو يقوم بطهي اللحمة فاقتربت منه وقالت:
“أعتقد أنك لابد أن تضيف بعض الزبدة إليها وإلا احترقت."
ابتسم دون أن ينظر إليها وقال:
"لا تقلقي لن تحترق."
كان يدرك ما يفعل وهو يصب عصير لم تعرفه إلى اللحم لتتصاعد رائحة ذكية فقالت:
"إن رائحته رائعة حقاً أنا بالفعل جائعة."
وضع الغطاء وبلحظة كان يضمها بذراعيه ويقول:
"كما هو أنا زوجتي الجميلة."
ثم التمس قبلتها فاستسلمت له دون مقاومة، ثم أبعد شفتيه وهمس:
"كانت أسعد لحظات حياتي وأنا معكِ أمل، تمنيت ألا تنتهي."
ابتسمت وقالت بصدق:
"ولماذا تنتهي ونحن سويا ولن يفرقنا شيء فأنا أصبحت لك ولن يبعدني عنك إلا الموت."
ضمها إليه وقال:
"نعم حبيبتي، لن يفرقنا إلا الموت."
أبعدها وقال:
"والآن لن يحترق الطعام هيا أعدي المائدة لتتناولي ما لم تتناولي مثله من قبل."
ضحكت بدلال وهو يضع الطعام بالأطباق ويبتسم لها بحب واضح بادلته إياه بصدق.
انتهى العشاء الشهي وأعادا كل شيء إلى مكانه وسط دعاباته وضحكتها التي ملأت الأجواء، إلى أن قطعها وصول سيارة أخرى فخرج هو إليها ليجد جاك يخرج حقائب من السيارة ليدخلها إلى المنزل ثم يبتعد بالسيارة ويعود هو إليها قائلاً:
“تأخرت الملابس حبيبتي ولكن جاك لديه عذر واضح فقد وصل فوج سياحي هام عطله وأنا لم أرغب بأن يقوم سواه بالمهمة فلا أريد لأحد أن يعرف مكاننا أو يقطع وقت عسلنا."
ضمها إليه فأحاطته بيديها الرقيقة وقالت:
"والفندق والافتتاح؟"
قبل شفتيها برقة وقال:
"قمت بتأجيل كل شيء، ربما العمل مستمر لإنهاء الإنشاء ولكن الافتتاح تأجل لحين عودتنا ولن نعود قبل أن أمتع نفسي بك مدام وليد."
ارخت يداها لتداعب قميصه وقالت:
"ألم تندم؟"
رفع وجهها إليه وزاغت نظراته بين عيونها الجميلة وقال:
"بلى نادم يا صغيرة."
تراجعت من كلماته ولكنه احتوي يدها بين يده وقربنا من فمه وقبلها بحنان وقال:
"نادم لأني ضيعت الكثير دون وجودك معي، نادم لأني لم أراكِ من أول يوم."
ابتسمت وقالت:
"كنت ترى طفلة صغيرة."
ضحك بسعادة وقال:
"طفلة مثيرة إلى أقصى حد، طفلة تملك جسدا يأخذ عقلي، طفلة ملكتني وأسرتني لدرجة أني لم أعد أملك الهروب من سجن عيونها الفاتنة ولا ابتسامتها الرقيقة ولا صوتها الحنون أنتِ ملكتني أمل."
وضعت رأسها على صدره وقالت:
"بل أنا ملك لك وليد، لم ولن أكن لسواك."
ضمها بقوة وقال:
"إذن لنستمتع بكل لحظة لنا سوياً فأنا لا أريد إلا أن نكون معاً لآخر العمر."
لم تعارضه وهو يجذبها إلى غرفتهم لينهل منها كما يشاء كما تستمتع هي الأخرى بوجودها معه ومن كلماته الرقيقة التي تمنحها سعادة لا تعرف لها نهاية.
استمتعت معه بكل لحظة ما بين البحر الذي سبحوا به سوياً في جو من الخصوصية وقد عرفت أن الشاطئ خاص وتابع لبيته وعرفت أن البيت ملكه منذ سنوات حصل عليه بأحد الزيارات بالجوار وبالطبع كلف أحدهم بأعداده وصيانته ليصبح بهذا الشكل الرائع.
أخذها إلى القرية القريبة ولم يعرفهم أحد بها ولكنهم استمتعا بالمكان كأنهم سائحين جائلين، وتناولوا الطعام بالمطاعم الموجودة أكثر من مرة مما جعل أهل القرية يعرفونهم خاصة بعد أن انتشر خبر وجودهم بالبيت الخشبي وبدأت الوجوه تبتسم لهم بود، ولكن سرعان ما يعود بها إلى غرفتهم شوقاً إليها وإلى أحضانها التي لم تبخل بها عليه بل كانت تمنحه كل ما تملك من حب وحنان مغلف بالدلال الذي كان يعشقه كرجل يجد بزوجته كل ما يتمناه.
مرت الأيام بسرعة لم يشعر بها الاثنان، شعرت بيده تحيطها من الخلف فابتسمت وهي تنتهي من إعداد العشاء وانتقلت يده إلى خصرها ليعيدها إليه وينظر بعيونها ويقول:
“ألم تنتهي بعد؟"
ابتسمت وقالت:
"بلى انتهيت ولكنك الآن تعطلني عن إعداد المائدة."
خطف قبلة من شفتيها وقال وهو ينظر إلى ملابسها الشفافة وجسدها البارز من خلفه:
"زادك الزواج جمالاً حبيبتي ولم أعد أملك قوة على مقاومته هيا تعالي واتركي ذلك."
تقلصت بدلال وقالت:
"وليد كنت معك منذ ساعات قليلة اتركني لأعد العشاء."
ولكنه حملها كعادته وقال:
"أتركك؟ هذا حلم لن تناليه، أنا لا أشبع منكِ حبيبتي."
قالت بحب:
"ولكني كنت معك ألن تمل مني؟"
وضعها بالفراش ونظر إليها وقال وهو يمرر يده على جسدها:
"وأين الملل وأنت تتلاعبين بي بتلك الملابس وهذا الجمال الذي يثير رغبتي بكِ بقوة لا قبل لي بها، أمل أنا أريدك معي بكل لحظة."
داعبت صدره من بين روبه المفتوح وقالت:
"لقد قاربنا على أسبوعين ألم تكتفي؟"
تسللت يده إلى جسدها بلمساته الرقيقة التي تعرف كيف تجعلها تضيع من الدنيا واقترب ليطبع قبلاته على وجنتاها وقال:
"لم ولن أكتفي أبدا منكِ حبيبتي فجودك بين أحضاني هو أملي الأول والأخير."
وأخذها كما أعتاد أن يفعل وما أن انتهى حتى رن هاتفه فاعتدل بالفراش وبحث عن روبه ليخرج الهاتف وهو يرى اسم جاك فقال:
“إنه جاك."
جمعت هي نفسها واعتدلت تراقبه فقليلاً ما كان جاك يتصل به ملبياً لأوامر وليد الذي أجاب وهو يغلق روبه بإحكام.
وسمعته يقول: “ماذا حدث جاك؟”
صمت قليلاً ثم قال: “ومتى حدث ذلك؟”
لحظات وقال: “حسناً أنا قادم لا تفعل شيء قبل أن أخبرك ولا حتى الشرطة لا نريد ضوضاء قبل الافتتاح.”
أغلق الهاتف بينما كانت هي قد ارتدت قميصها واتجهت إليه وقالت: “وليد ماذا حدث؟”
نظر إليها وقال: “حريق صغير بأحد الغرف بالفندق أحد النزلاء سقطت سيجارته بجوار النافذة دون أن يشعر فأمسكت النار بالستائر.”
قالت بذعر: “يا الله هل هناك أي خسائر بشرية؟”
اتجه إلى الحمام وقال: “لا يا أمل إنها خسارة مادية الغرفة تفحمت تماماً وكاد الأمر يتطور لولا أمن الفندق الذي سيطر على الوضع، لابد أن نعود بالطبع.”
لم ترد وهو يدخل إلى الحمام ويكمل: “لا تهتمي بالحقائب سأرسل من يأخذها فقط استعدي لنذهب.”
لم تجد ما تقوله ولكن ما حدث ذكّرها بالمخاوف التي كانت تتولاها قبل الزواج والآن تعود إليها مرة أخرى ولا تعلم لماذا تذكرت سارة...
بالطبع لم يتحدث إليها وإنما كان يتصل بجاك ليعرف منه الأخبار.
ارتدت ملابسها وتبعته إلى الأسفل، أنهى مكالمته ونظر إليها وقال: “الشرطة تدخلت لابد أن نذهب.”
أمسكته وهو يتحرك وقالت: “هل يمكن أن تهدأ قليلاً لقد حدث الأمر وانتهى.”
وقف أمامها وقال بعصبية واضحة: “لا لم ينتهي يا أمل شرطة تعني قلق وشائعات تضر بسمعة الفندق وهو ما يعني خسارة مادية للفندق هل أعلمك عملك؟”
قالت بضيق من أجله: “هذا لو كان هناك ما تخشاه يا وليد من وراء الحريق كأن يكون الأمر مدبر وليس مجرد خطأ من نزيل ليس لك دخل به.”
نظر إليها لحظة ثم قال: “وماذا لو كان مدبر يا أمل؟ هل نذهب الآن؟”
تابعته وهو يتحرك إلى الخارج وعادت دقات قلبها تدق بنبضات الخوف.
رواية حب وتضحية الفصل العاشر 10 - بقلم داليا السيد
ساعات قليلة قضتها باضطراب وهي بجواره وهو يقود بسرعة جنونية. حاولت أن تثنيه عنها ولكنه لم يكن يسمعها.
عندما وصلا كان النهار قد أوشك على البزوغ. استقبلهم رجال الفندق وهو يتقدم بها إلى الداخل وسط رجال الشرطة المنتشرة ورائحة الدخان التي تعبأ المكان. أسرع جاك إليهم وخلفه رجل الشرطة وهو يتحرك بثبات بجوارها. ثم واجه جاك قائلاً:
"أريد تفسيراً واضحاً لما حدث."
لحظات وكانت تندمج مع الجميع. نسيت ما كان وعادت إلى عملها. ولكن لم تنسَ أنها الآن زوجته حقاً. فتلونت تصرفاتها بالثقة والثبات ولم تهتز كعادتها وهي تمنح الأوامر. رغم أنها لم تفعل من قبل هنا. ولم تأخذ أي وقت للتعرف على سير العمل. ولكنها فعلت بسهولة ودون أن يعترض أحد عليها أو يوقفها.
لم يشعر أحد بالوقت إلا عندما جذبها من ذراعها برفق وقال:
"تعالي، أريدك."
تحركت بعد أن تراجع من حولها برؤيته. سار بها بعيداً وقال:
"الشرطة تحاول التشهير بالفندق وكأنهم يتعمدون ذلك."
قالت بثقة:
"لن يحدث. أنا راجعت كل الإجراءات الأمنية للمكان ولا يوجد أي خلل."
دخل مكتباً لم تره من قبل وأغلق الباب. تقدم خلفها وقال:
"ولكنهم يسيرون إلى شبهة جنائية. أي هناك من تعمد ذلك. وأنا أجريت اتصالاتي لإيقاف ما يحدث ولكن كل شيء يأخذ وقته."
جلس خلف المكتب وجلست أمامه وقالت:
"أنت تشك بأحد؟"
شرد قليلاً ثم قال:
"لا، لم يحدث هذا من قبل وأنت تعلمين أن ليس لي أعداء."
صمتت قليلاً قبل أن يناديها:
"أمل، لا وقت لشرودك هذا. أنا أريد إجابات."
نهضت وابتعدت. فنهض وتبعها إلى أن وقف أمامها وقال:
"لماذا هذا الصمت وتلك النظرات الضائعة؟"
نظرت إليه وقالت:
"أنا فقط أشك بشخص ما ولكن ربما أنت لا تصدقني."
ابتعد وقال بعصبية:
"تحدثي يا أمل."
قالت بصعوبة:
"سارة."
التفت إليها بحدة وقال:
"سارة؟ لا يمكن، سارة لا يمكن أن تضرني بهذا الشكل فهي ما زالت ت..."
وقطع كلماته عندما أدرك ما يقول وهي تبتعد من أمامه بضيق واضح. فنفخ قبل أن يسرع إليها ويجذبها من ذراعها ليعيدها أمامه وقال:
"أمل لم أقصد أي شيء من كلماتي. تعلمين أنها انتهت من الوجود بالنسبة لي، لكن هذا لا يمنع أن هناك ماضي كان بيننا بيوم ما ولا يمكن التجاوز عنه إلى ذلك الشر."
قالت بغضب لم تكتمه:
"بل هو انتقام يا وليد. انتقام منك لأنك تجاهلت الماضي بينكم ورفضت عودتها إليك. هي أخبرتني أنها لن تتركك لي ولن تترك أموالك وأملاكك. أنا أخبرتك من قبل أني أخاف منها عليك وها هي قد بدأت تفعل."
حدق بها لحظة قبل أن يبتعد من أمامها وهو يفكر. واحترمت صمته إلى أن قال:
"علينا إذن أن نسأل ونستفسر قبل أن نوجه الاتهام. لا يمكنني أن أفعل بدون أدلة. الغيرة ليست مقياس يا أمل."
تملكها الغيظ وقالت بعصبية:
"غيرة؟ أنت تسمي شكوكي ومخاوفي غيرة؟ على أساس أني لا أملك القدرة على التمييز بينهم؟ حسناً يا وليد سمها كما شئت ولكني أصر على كلامي. أما إذا كانت مشاعرك تجاهها ما زالت تنبض داخلك وتمنعك من أن تصدق ما أراه أنا فافعل ما شئت."
وتركته وتحركت إلى الخارج بغضب ودموع تملأ عيونها.
أوقفها أحدهم فاستعادت نفسها والضابط ينظر إليها ويقول:
"مدام هل لي ببعض الكلمات؟"
التفتت إليه وقالت:
"هذا ضمن التحقيق الرسمي؟"
ابتسم وقال:
"لا، بالطبع لا. ليس مع زوجة صاحب المكان. ولكن لدي بعض التساؤلات خاصة أني عرفت أن حضرتك كنت مديرة أعمال مستر وليد قبل الزواج."
رفعت رأسها وقالت:
"وما زلت كذلك يا فندم. لا يمنعني الزواج من عملي."
ابتسم وقال:
"هذا أمر رائع. فلن يجد أحد أفضل من زوجته لتكون بذلك المنصب ومحل لثقته."
ضاقت عيونها ولم ترد. فعاد يقول:
"فقط أريد أن أسألك هل هناك أحد يثير شكوكك؟"
قالت بهدوء وثقة وتفكير:
"ولماذا تظن حضرتك أن هناك من يريد الضرر بنا؟ وليد سمعته معروفة بكل مكان وليس له أعداء والفندق لم تحدث به واقعة كهذه من قبل والأمر واضح بأنه خطأ النزيل."
قال:
"ليس بعد مدام. الكاميرات لم تفرغ بعد والتحقيق لم ينتهي. أنا فقط ظننت أن بإمكانك مساندتي."
قالت بثبات:
"ليس لدي ما أساعدك به للأسف."
تراجع الضابط قليلاً. فقالت وهي تتحرك:
"اسمح لي."
كادت تتحرك عندما قال:
"عرفت أن مستر وليد كان على علاقة بامرأة تسمى سارة الوكيل وقد التقاها هنا قبل أسبوعين ويقال أنكم تلاقيتم معها ثم رحلتم وتركتموها هنا. وعرفت أيضا أنها سألت كثيراً عن مستر وليد وبطريقة أثارت انتباه الجميع حيث كانت غاضبة عندما امتنع الجميع عن إخبارها بمكانكم فهل لديك تفسير مدام؟"
تملكها الثبات رغم الغضب وعادت تنظر إليه وهي تقول:
"أعتقد أن من حق كل رجل أن يكون له ماضي وهو أمر لا يعيبه. لكن بمجرد زواجه تتغير حياته ويتحول كل اهتمامه لزوجته وهذا ما حدث مع وليد. أما سارة فأنا أعرف أنها أيضا مخطوبة وقد كان خطيبها معها هنا. وبالفعل تقابلنا قبل رحيلنا مرة أو اثنتين ولا أعرف شيء عن ما فعلته بغيابنا فهو أمر لا يهمني."
قال بابتسامة غير مريحة:
"أحب ثقتك هذه مدام. ولكن هل عرفت أن والد مس سارة فقد أمواله منذ عدة أشهر بأحد الصفقات الفاسدة وكاد يسجن لولا عدم ثبوت الأدلة تجاهه؟"
حدقت به لحظة ثم قالت:
"أخبرتك أن أمرها لا يعنيني."
نظر بعينيها قبل أن يقول:
"ولكن يعنيك أن تعرفي أنها لم تكن مخطوبة لأحد وأن الرجل الذي كان معها هو أحد رجال والدها يرافقها بكل مكان وكلمة خطيب هذه قيلت لكم أنتم فقط."
نظرت إليه وتراجعت من كلماته وقالت:
"يبدو أن حضرتك تهتم بأمرها كي تقوم بالتحري عنها وتعرف كل ذلك بوقت قصير. ولكن بالنسبة لي فكل ما أخبرتني به عنها لا يعنيني. ولا أريد أن أعرف فأمرها لا يخصني. وإن كان يبدو أن حضرتك يهمك أمرها فهو أمر يخصك."
اقترب منها وقال:
"لأنني عرفت أنها تبحث عنكم بقوة وعندما فشلت رحلت ولكن قبل أن ترحل فعلت ما فعلت للانتقام من الرجل الذي تركها إلى امرأة أخرى بالنسبة لها مجرد مديرة أعماله وربما غرضها من الزواج مجرد..."
قاطعته بحدة وعصبية:
"كفى أنا لا أسمح لك بأكثر من ذلك."
وتحركت مبتعدة وقد اشتعل الغضب داخلها. هل يفكر بها الجميع بهذه الطريقة أنها مجرد سكرتيرة احتالت عليه من أجل أمواله؟
ابتعدت إلى خارج الفندق ولفحها الهواء البارد وهي تحاول أن توقف ارتجافة جسدها ومشاعرها الثائرة على زوجها وعلى الضابط وتلك المرأة. وشعرت أنها فقدت السيطرة على نفسها ولم تعد قادرة على التفكير. وقد شعرت أن كل ذلك أكثر مما يمكنها أن تتحمل. فقد ضحت كثيراً من أجل حبها له. بالبداية كانت تتحمل أن تحبه بصمت رغم نزواته بمصر بتلك النساء الآتي كن يأتين إليه. ثم وافقت أن تمثل دور الزوجة من أجله وضحت بكرامتها كي لا تتخلى عنه وتساعده. وانتهت بأن وافقت على الزواج منه دون أن تعرف أمها. فقط لأنها تحبه وتنازلت عن كل شيء من أجله. والآن تتحمل إهانات من حولها واتهامات بعيونهم أنها فتاة متسلقة غرضها المال والنفوذ. تألمت بشدة عند تلك الأفكار.
سارت بدون هدى ربما تستعيد سكينتها التي رحلت عنها إلى أن رن هاتفها برقم أمها. فأغلقت واتصلت هي فقد كانت بحاجة لسماع صوتها عندما قالت:
"ماما كيف حالك؟"
كان صوت أمها غير طبيعي عندما أجابت:
"أنا بخير يا أمل ولكن أنت كيف حالك؟ لماذا أشعر أنك لست بخير؟ ولماذا تأخرتم هكذا؟"
كتمت دموعها وهي تتأمل الظلام من حولها والرياح التي بدأت تشتد. وأخيراً قالت:
"أنا بخير ماما لا تقلقي. وتأخيرنا بسبب الفندق. لم ينته العمل به ووليد يرفض العودة قبل الانتهاء منه."
صمت جاءها إلى أن قالت الأم:
"لماذا أشعر أن قلبك ليس على ما يرام وأن هناك ما تخفيه عني؟ ماذا بك يا ابنتي؟ طمنيني."
قالت بحزن أكثر:
"لا ماما قلبي كما هو ولا أخفي عنك أي شيء. لكن العمل هنا كثير جداً وأنا لا أجد وقت للراحة."
قالت الأم بنبرة حانية شعرت بها أمل:
"رفقاً بنفسك يا ابنتي ما زلت صغيرة على كل ذلك."
لم يعد صغرها يحميها من كل ما يصيبها وإنما يزيدها غرقاً. لأن لا خبرة لها بكيفية البحث عن سبل للإنقاذ. أنهت المحادثة وشدت البالطو الصوف عليها من البرد وظلت تتأمل الظلام عندما رن هاتفها باسمه. فأغمضت عيونها لحظة قبل أن تفتحها وتجيب عندما أتاها صوته غاضباً:
"أمل أين أنتِ؟"
مسحت دموعها وتحركت عائدة إلى الفندق وهي تقول:
"موجودة هل حدث شيء؟"
قال بنفس الغضب:
"لم يحدث شيء ولكني لا أجدك أين أنتِ؟"
كانت قد وصلت الفندق فقالت:
"بصالة الاستقبال هل تريدني؟"
لم تنتبه إلى أنه كان أمامها إلا عندما لم يجيب. فرفعت وجهها لتراه أمامها. أنزلت الهاتف وأبعدت عيونها الباكية عنه بينما قال هو:
"كنت تبكين؟"
لم تنظر إليه وقالت:
"لا كنت أتحدث مع ماما وقد اشتقت إليها هل تريدني في شيء؟"
ظل يتأملها لحظة قبل أن يقول:
"أعلم أني أغضبتك ولكنك تعلمين أني لم أقصد."
لم تنظر إليه ولم ترد. وقد استعدت الدموع للنزول مرة أخرى. قال:
"حسناً أعلم أني زدت بالأمر ولكن الأمور يصعب تصديقها يا أمل. سارة مهما بلغ الأمر بها فلن تفكر في الإضرار بي."
نظرت إليه بنفس الغضب وقالت:
"إذن اسمع إلى الضابط الذي أخبرني عنها وعما فعلته بعد ذهابنا وأن والدها فقد كل أمواله وأن..."
كادت تخبره أن أمجد ليس خطيبها ولكنها خافت أن يجعله ذلك يفكر بالعودة إليها وقد خلت له فيتركها هي ويعود لحبيبته القديمة.
ضاقت عيونه وقال "ضابط؟ هل تحدث الضابط معك؟"
هزت رأسها وهي تمسح دمعة سقطت على وجنتيها وقالت "نعم بل وألمح إلى أني تزوجتك طمعا بأموالك بعد أن تحدث عن سارة وما فعلته بعد ذهابنا."
حدق بها قبل أن يقول "هل جن ذلك الضابط؟ كيف يجرؤ على التحدث مع زوجتي بهذا الشكل؟ سأجعله يندم على ذلك."
رفع هاتفه وأجرى اتصالا. أدركت أنه يتحدث مع أحد الشخصيات الهامة فلم تهتم وجاك يتجه إليهم عندما واجهها وقال:
"لقد رحل الضابط وفريقه ولم يصلوا لأي شيء حتى الكاميرات لم تظهر أكثر مما حدث."
قالت "أعد تقرير بالخسائر ولا تفتح الغرف التي تم إخلائها إلا بعد أن تنتهي الأدخنة ويتم طلاء الدور. هذا طبعا بجوار العمل بالغرفة المحترقة من الغد."
هز جاك رأسه وقال "تمام سنفعل مدام."
انتهى من مكالمته وقال "هل ذهب ذلك الضابط؟"
أجاب جاك "نعم مستر وليد."
نظر إليها وقال "تبدين متعبة حبيبتي يمكنك الصعود إلى جناحنا حتى أوافيك بعد أن أنتهي. لن أتأخر."
لم تعارضه وقد كانت بالفعل متعبة فتحركت إلى جناحهم وتمددت بحوض الاستحمام لتريح جسدها بالماء الدافئ وقد هدأ عقلها من التفكير.
انتهت وارتدت ملابس النوم واتجهت إلى فراشها وذهبت في سبات عميق من شدة التعب.
عندما فتحت عيونها وجدته ينام بجوارها فاعتدلت برفق كي لا توقظه ولكن ما أن تحركت حتى تحرك هو الآخر واعتدل ناظرا إليها فأبعدت عيونها.
مد يده وجذبها إليه وهي لا تمانع وقال بحنان "لا أقوى على هذا الغضب الذي بعيونك. لم أقصد إغضابك يا أمل تعلمين ذلك."
لم تنظر إليه وإنما دفنت نظراتها بصدره الذي كان أمامها وقالت "أنت مازلت تحبها وتدافع عنها."
ضحك بصوت مرتفع فنظرت إليه بدهشة إلى أن توقف وعاد إليها وقال "أحبها؟ يبدو أن التعب يؤثر على عقلك حبيبتي. أنا اكتشفت أني لم أحب سارة بأي يوم وما كان بيننا مجرد إعجاب أو وقت جميل قضيته معها وانتهى بذهابها. نزوة كأي رجل يمر بنزوات كثيرة بحياته حتى يجد من يمنحه الاستقرار. لو كنت ما زلت أحبها لكنت الآن معها وبين أحضانها التي كانت تعرضها علي بشكل واضح لكني لم أهتم وإنما أخترت أحضانك أنت. واخترت أن تكوني زوجتي. لي وحدي كما هو أنا لك. وحدك فلا داعي لهذا الشك الذي يغضبني لابد من أن تثقي بزوجك لأنني لست ذلك الرجل الذي يتزوج امرأة ويمرح مع الأخرى."
كانت ما زالت تنظر إليه بحيرة فأزاح شعرها وقال "أمل لابد أن تدركي أني اخترتك أنت. بكامل إرادتي وأعلم ما يقال من الجميع ولا يهمني كما لابد ألا تهتمي بكلامهم المهم أننا سويا أليس كذلك؟"
هزت رأسها بالموافقة فجذبها إلى أحضانه وهمس "مهما حدث بيننا لا يجب أن تفقدي ثقتك بي لو لم أكن أريدك لما تزوجتك ولو أردت سارة لاخترتها من البداية."
ارتاح قلبها قليلا. ولكن ما زال إحساسها تجاه سارة كما هو لم يتغير وتعلم أن تلك المرأة لن تتركهم هكذا وبسهولة.
أخذ حمام كما فعلت هي وارتدت ملابسها عندما اقترب منها ثم أخرج عقد لولي من جيبه ووضعه على صدرها وأغلقه بين دهشتها وإعجابها وهي تقول:
"وليد ما هذا؟"
ابتسم وقبل عنقها وقال "شبكتك حبيبتي لم أنساها ولكن كنت أريد شيء يليق بجمالك."
نهضت ووقفت أمامه بسعادة وقالت "إنه رائع بالفعل بل أكثر مما أستحق."
ضمها إليه بسعادة وقال "لا شيء كثير على زوجتي الغالية. أمل أنت. كل حياتي. أنت. الأمل والبسمة. أنت. تمنحيني كل شيء بدون مقابل وأنا لم أمنحك شيء مقابل ذلك. لم أنس أنك. وافقت. على تمثيل زوجتي أو أنك. وافقت. على زواجنا دون وجود أهلك أو حفل زفاف أعلم أني حرمتك من كل حقوقك وأنك. ضحيت من أجلي لذا أنا مدين لك. بالكثير."
قالت "لا وليد. لست مدين لي بشيء أنا فعلت كل ذلك من أجلك ولم أفكر يوما. بأي مقابل. أنا فقط أريدك أنت. وجودك حنانك صدرك هذا الذي أخفي نفسي به من العالم. وأنا معك أشعر بالراحة والأمان ولا أريد أكثر من ذلك."
ابتسم وأبعدها برفق وقال "أعلم لذا لم أسألك عن رأيك وانتقيت أنا ما يليق بك. حبيبتي."
قبلته بوجنته وقالت "شكرا. حبيبي."
ابتسم وقال "حسنا ابتعدي عني الآن فهذا القرب خطر وإلا لن نعود لعملنا وسنظل طوال اليوم بالفراش."
ضحكت بدلال وقد أعاد لها نفسها وراحتها وتحركت معه إلى الخارج حيث انطلق كلا. منهم إلى عمله باهتمام.
بالطبع تناسى الجميع أمر الحريق وأغلق التحقيق نتيجة معارف وليد الذين أمروا بذلك ولم يتحدث أحد بالأمر مرة أخرى وتابعت هي أمر الفندق الجديد معه ولم يتوقف الأمر على العمل فقط بل حضرت معه العديد من عشاء العمل أو حفلات لرجال أعمال تعرفت عليهم وبدت ثقتها تزداد وهي تتحرك بجواره وهي تثبت جدارتها أمام الجميع ومرت أيام كثيرة ربما لم تعد تعرف عددها وكأن العمل بالفندق لا ينتهي وعودتها إلى مصر أصبحت تختفى خلف ضباب زحمة العمل وسعادتها بحنان زوجها لها بما لا تفكر إلا في البقاء بجواره إلى نهاية العمر.
"أمل."
تحركت عيونها إلى الصوت فرأت أمجد يقف أمامها فاندهشت منه وهي تردد "أمجد؟"
ابتسم وهو يقترب منها دون اعتبار لمكانها بين العاملين بالفندق وقال "نعم كيف حالك؟ لقد اختفيت. أنت. ووليد ولم نجدكم ثم سافرنا نحن لبعض العمل وها أنا أعود من أجلك."
ضاقت عيونها وقالت "من أجلي أنا؟"
ابتسم بوقاحة وقال "نعم أنا فقط من يمكنه أن يقرأ نظرات العيون وعيونك أخبرتني بالكثير يا جميلة العيون."
غضبت من وقاحته الظاهرة وقالت "كفى أنا لا أسمح لك بتخطي حدودك معي ولا تنسى من أنا."
لم تذهب ابتسامته وهو يقول ببرود "لم أنس يا صغيرة. لم أنس أنك سكرتيرته الصغيرة التي تسللت إليه لتصبح زوجته فجأة ولكني أيضا لن أنسى أن سارة هي حبيبته الأولى والأخيرة ولن تتركه وهو أيضا. لن يتركها. أتعلمين أين زوجك الآن؟"
ضاقت عيونها ولم تبالي بدقات قلبها ولا بالخوف الذي عاد يسكن قلبها بينما أكمل أمجد "إنه معها بمزرعة والدها وليست هذه المرة الأولى فقط أنت. من لا يشعر بخيانته لك. يا.. صغيرة. فلا تدعين الإخلاص له ودعينا نمرح سويا."
قالت بغضب "اخرس وابتعد من هنا أنا أشرف منك ومن كل من عرفت. اذهب من هنا الآن."
نظر إليها بتهكم وقال "حسنا كما تشائين سأذهب وأصدق أنك. شريفة كما تدعين. ولكن زوجك لا. ليس بهذا الشرف وإذا أردت. الذهاب والتأكد بنفسك يمكنني أن أقوم بتوصلك بنفسي وهو شرف لي بالطبع فكم تعجبني تلك العيون."
ولكنها لم تصدقه وقالت بغضب "ابتعد عني أنت كاذب وأنا لا أصدقك زوجي لا يمكن أن يفعل ذلك هيا ابتعد لا أريد رؤيتك. اذهب قبل أن أستدعي رجال الأمن."
ابتسم وقال "سأذهب الآن ولكن أنا متأكد من أنك. ستطلبينني عن قريب هذا كارت به أرقامي ولن أتردد في المساعدة بكل سرور."
عندما لم تأخذ الكارت رفع يدها ووضعه بها ثم ابتعد بصمت وهي تتبعه بنظراتها والشك يملاء قلبها.
قطعت الكارت وألقته بغضب واضح ثم أخرجت هاتفها واتصلت بزوجها. لم يجب من أول مرة فزاد شكها فأعادت الاتصال فأجاب بهدوء "حبيبتي هل هناك شيء؟"
قالت بضيق "لا حبيبي ولكن اشتقت لصوتك أين أنت؟"
صمت قليلا قبل أن يقول "بغداء عمل هل حدث شيء."
قالت بفارغ صبر "ولماذا لابد أن يحدث شيء كي اتصل بك؟ ثم أين ذلك الغداء؟ أنت لم تخبرني به. ومع من؟"
قال بهدوء "منذ متى وأنا أخبرك بخط سيري يا أمل؟ ماذا بك؟ تبدين على غير ما يرام هل حدث شيء؟"
حاولت أن تهدأ من نفسها وهي تقول "لا أبدا. ظننت أننا سنتناول الغداء سويا ولم أعرف أنك رحلت عن الفندق."
صمت قليلا ثم قال "الأمر جاء فجأة. وأنت. تديرين الأمور جيدا. عندك. أم هل هناك جديد؟"
صمتت قليلا. ثم قالت "لا. ليس هناك جديد."
قال "تمام. أراك. بالمساء سنتناول العشاء مع عمدة الولاية وزوجته. أريدك أجمل امرأة كما اعتدت حبيبتي."
قالت بهدوء "حاضر. سأفعل."
ما أن أغلقت الهاتف بغضب حتى عاد العمل إليها فتحركت مع الرجال ربما تعود إلى طبيعتها ولكن ما زال ذهنها مشغول بم سمم به ذلك الرجل ذهنها.