تحميل رواية حب وتضحية بقلم داليا السيد pdf
بقلم داليا السيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أمل فتاة هادئة تدرس بكلية تجارة. فتاة مجتهدة تعرف طريقها جيدا، تذاكر باجتهاد ولا يمكن أن يمر عام دراسي دون أن يكون التفوق مصيرها. فهي لا تملك مجال إلا النجاح، وليس أي نجاح، وإنما لابد من التفوق كي تحصل على فرصة التعليم المجاني. فمنذ تركهم والدهم عندما كانت فتاة في الخامسة وأختها الصغرى في عامها الثالث، وهي تعلم أن أمها هي الشخص الوحيد الذي لا ينام كي يوفر لهم مصاريف الحياة. كانت مهنة الخياطة مهنة جيدة ولكنها غير مربحة بل ومتعبة وشاقة، ومع ذلك كانت كافية لتوفر لهم عيشة جيدة دون أن يلجأ أولادها لل...
رواية حب وتضحية الفصل الحادي عشر 11 - بقلم داليا السيد
رواية حب وتضحية الفصل الحادي عشر
خيانة
بالمساء ارتدت الفستان الذي اشترته ورفعت شعرها كعادتها ووضعت عقده اللولي على صدرها العاري عندما رأته يدخل لغرفتها ويقول
&;مساء الخير"
التفتت إليه وقالت "مساء الخير تأخرت"
طبع قبلة على شفتيها وقال وهو يخلع جاكيت بدلته ويلقيه جانبا "نعم السيارة سقطت بالوحل نتيجة الأمطار الشديدة وانتظرت سيارة أخرى لتعيدني"
ضاقت عيونها وهي تتبعه يخلع قميصه ويتجه إلى الحمام فقالت "سيارة أخرى&; ووحل&; أين كنت يا وليد&;"
دخل الحمام اغتسل ثم خرج بالمنشفة حول شعره ووجهه وقال "بمزرعة خارج الولاية"
نهضت وهي تتذكر كلمات أمجد ولكنها ما زالت تتذكر كلمات وليد عن الثقة فقالت بحرص "وما الذي يدفعك للذهاب إلى هناك بمثل ذلك الجو&;"
ارتدى الملابس التي كانت تعدها له وقال "مشروع جديد أحاول دراسته قبل أن أتخذ به أي قرار"
لم ترد وابتعدت عنه ولكنه انتبه إليها فقال "تبدين متعبة&; أعلم أني أترك لك&; أمور الفندق"
قالت وهي تلمس شعرها بتوتر "لست متعبة الأمور تسير على ما يرام لا تقلق فقط ينتظرنا تحديد موعد الافتتاح"
ارتدى جاكتته وقال "سأفعل بعد مراجعة الأمور معك&; ومع موريس بالصباح"
لم ترد عندما أحاطها من الخلف وقال "افتقدتك اليوم حبيبتي"
حاولت أن تبدو طبيعية وهي تبتسم وتقول "ولكنك انشغلت عني"
أعادها أمامه دون أن يتركها وقال "لا يمكن أن يشغلني عنك&; أي شيء حبيبتي ولكنك تعلمين العمل&; أعدك أن أعوضك"
خطف قبلة وتركها وهو يخرج علبة صغيرة من جيبه وفتحها وهو يخرج خاتم ماسي تلألأ ضوئه أمامها وقد حدقت به وهو يلبسها إياه ثم يقبل يدها ويقول
&; لم يكن جميلا&; هكذا وهو خارج يدك حبيبتي&; أنت&; تجعلين كل شيء وأي شيء جميلا&; مثلما فعلت&; بحياتي"
ابتسمت بصدق وقالت "كفى وليد&; لا داع&; لكل ذلك&; أنا لا أريد هذه الأشياء أخبرتك من قبل أني أبسط من ذلك بكثير"
قبل يدها مرة أخرى وقال "أعلم&; ولكن أنا لي رأي آخر ولن يتأثر بكلامك هذا&; ثم هذا الخاتم له سبب&; اليوم مر على زواجنا شهر كامل حبيبتي فكان يجب أن أشكرك على أجمل شهر بحياتي لأنك&; معي"
تراجعت وهي تندهش كيف لم تفكر هكذا قالت بدهشة "أنا! كيف ذلك أنا لم أشعر بمضي الأيام"
عاد وقبلها بحنان وقال "لأن السعادة تمر سريعا&; حبيبتي وأنت&; تجعلين كل أيامي سعيدة"
ابتسمت وقالت "كما هو وجودك بحياتي حبيبي يمنحني الدفء والحنان&; شكرا وليد على وجودك معي"
ابتسم وقبل وجنتيها برقة وقال "أظن أننا لابد أن نذهب كي لا نتأخر أكثر من ذلك"
كان العشاء ممل ولم تكن تركز بأي حديث لزوجة العمدة لدرجة أنه ناداها أكثر من مرة لتنتبه إلى حديث المرأة فتعتذر وتعود إلى الحديث وبالنهاية مالت عليه وقالت بتعب واضح
"وليد أريد أن أذهب أنا أشعر بصداع فظيع"
انتبه إليها وقال "بالطبع حبيبتي"
وبالفعل استأذن من الرجل وزوجته وقادها إلى الخارج حيث سيارتهم وما أن انطلق حتى قال
"هل نذهب المشفى&; تبدين متعبة"
نظرت إليه وقالت "لا&; ولكن هبة اتصلت وأخبرتني أن ماما كانت مريضة وأحضرت لها الطبيب بالبيت مما أثار قلقي عليها"
نظر إليها وقال "هل تريدين العودة&;"
نظرت إليه وقالت "لا الطبيب طمأن هبة فقط طلب منها بعض الفحوصات وستجريها لها بأقرب وقت&; ولكن هذا لا يمنع اشتياقي لها لنا هنا وقت طويل كما تعلم&; أنا لم أعتد أن أبتعد عنهم كل هذه المدة فقط أشتاق إليهم"
نظر إليها ولم يرد&; ما أن عادا حتى رن هاتفه فلم تنتظر لتسمع وإنما غيرت ملابسها واندست بالفراش ونامت.
لم تجده بالصباح ولاحظت أنها تأخرت بالنوم نهضت بنفس الصداع فبحثت عن أي مسكن وغيرت ملابسها ونزلت لتجد السائق بانتظارها وصلت إلى مقر العمل فوجدته هناك&; نظر إليها وهي تتقدم تجاهه وقال وهو يحيطها بذراعه
&;أهلا حبيبتي&; كيف حالك اليوم&;"
ابتسمت وقالت "بخير لماذا لم توقظني&;"
قال بحنان" بدا وجهك شاحبا&; فتركتك لترتاحي قليلا&;"
لم ترد وموريس مدير الفندق يتقدم منهما ليتناقشا بأمور الافتتاح فاندمجت بالعمل رغم الصداع.
بالظهيرة اقترب منها وقال "يمكنك&; العودة مظهرك لا يشعرني بالراحة سأنتهي أنا مما تبقى وأتبعك"
لم تحاول أن تعترض فقد كانت متعبة حقا&; فهزت رأسها وذهبت وما أن عادت إلى الفندق حتى رأت أمجد يتقدم منها مرة أخرى وهو يقول
"لم تتصلي&; كنت أعلم أنك&; لن تفعلي لذا أتيت بنفسي لآخذك إليهم"
نظرت إليه بضيق وقالت "لا أريد أن أذهب لأي مكان&; أخبرتك أن تبتعد عني ألا تفهم&;"
لم يبتعد وقال "إذن شاهدي هذا الفيديو"
تراجعت وهو يضع هاتفه أمامها ويقوم بتشغيل فيديو&; تراجعت عندما رأت وليد مع سارة بمكان لا تعرفه وسارة تتحدث إليه ثم فجأة تقترب منه وتتعلق بعنقه وتلقي رأسها على صدره دون أن يبعدها وسمعت كلمات سارة
&;تعلم أني ما زلت أحبك"
وأخيرا أبعدها وابتعد وقال "سارة لن نتحدث بالماضي كم مرة يجب أن أذكرك"
اقتربت منه ووضعت يدها على صدره ونظرت بعينيه وقالت "لم أنسى وليد ولكني أيضا لم أنس أيامنا سويا ولا لمساتك وأحضانك أنا بحاجة إليها وليد أنا ما زلت أحبك وأعشقك"
ثم احتضنته بقوة وهو لم يبعدها&; أوقف أمجد الفيديو وقال "لا يجب مشاهدة ما بعد ذلك لأنه يخدش الحياء&; والآن هل آمن عقلك هذا بأن زوجك خائن&;"
كانت تحاول أن توقف دموعها ولكن ذلك الألم الذي نبض داخل قلبها زاد من دموعها ولم تجد كلمات تجيب بها بينما قال أمجد بدون رحمة بها أو بقلبها
&; هل ظننت&; أنه مخلص لك&;&; بالطبع لا كل ما في الأمر أنه أرادك كأي امرأة أرادها فتزوجك كي ينال مراده منك&;&; أما سارة فهي القلب"
كانت كلماته سم يسري داخل شرايين قلبها فيزيد من تدفق الدماء منه إلى جسدها وللحظة شعرت بدوار يصيبها فأمسكت رأسها وأغمضت عيونها بينما قال أمجد
"أمل أنت&; بخير&; لا يمكن أن تجعليه يفعل ذلك بك&; لابد أن تتركيه فهو لا يستحق قلبك&; بل أنا من يحبك هاتي يدك&; هيا أمل تعالي معي وأنا سأمنحك ما لم يمنحه هو لك&;"
عندما لمس ذراعها أفاقت ودفعت يده بعيدا وقالت "اتركني وابتعد عني&; لا أريد أن أراك&; لويس&; لويس"
أسرع رجل الأمن إليها بينما تراجع أمجد أمامها وهي تقول بحزم "اصطحب مستر أمجد إلى الخارج من فضلك"
حدق بها أمجد قبل أن ينصرف مع رجل الأمن واستعادت هي نفسها. ظلت واقفة بمكانها لا تعرف ماذا تفعل وكأن جسدها يأبى أن يطيعها ولكنها بالنهاية تمكنت من نفسها وتحركت إلى خارج الفندق لم يمكنها أن تصعد إلى الأعلى&; وسارت بدون هدى ولكن فجأة توقفت سيارة سوداء بجوارها ليخرج منها رجلا لا تعرفه هجم عليها بسرعه وكمم فمها وشل حركتها ثم جذبها إلى داخل السيارة بقوة وهي تحاول أن تقاوم ولكن رائحة غريبة تسللت إلى أنفها جعلت الدوار يعود إليها ولكن هذه المرة حل الظلام مكان النور ولم تشعر بأي شيء.
عندما فتحت عيونها وجدت نفسها مقيدة بقوة من ذراعيها وقدمها وملقاة بدون اهتمام على فراش كبير بغرفة لم تراها من قبل حاولت أن تتحرك ولكنها لم تستطع&; تملكها الخوف عندما تذكرت ما حدث والفيديو وأمجد ولكنها الآن لا تعرف أين هي ومن الذي خطفها ولماذا&;
فتح الباب فجأة ورأت أمجد يدخل وهو يبتسم ويقول "أهلا بالصغيرة&; بصراحة لقد سهلت&; الأمر علينا بخروجك من الفندق فقد كان خطفك من الداخل صعب"
تحرك تجاهها فحاولت أن تبتعد ولكن جسدها لم يطاوعها وكأنها مشلولة الحركة فقال "لن يمكنك&; الحركة لقد حقنتك بمادة تشل حركة جسدك وتمنعك من الحركة&; ولكن لا تقلقي لا رغبة لي بك&;&; لا أهوى من هن أقل مكانة مني&; فأنت&; بالنهاية مجرد سكرتيرة متسلقة لذا سنزيحك من طريقنا ليعود إلينا من نريد"
اقترب أكثر وفك قدمها وذراعيها ولكنها بالفعل لم تستطع أن تتحرك حتى لسانها لم يقو على الصراخ وطلب النجدة
ابتسم قال "لا تقلقي سأفك قيودك هذه بكل هدوء لأن لا داع&; لها فالمخدر بدأ يسري بجسدك"
فجأة بدأ يجردها من ملابسها وهي عاجزة عن أن تفعل شيء توقف وقد سمعت صوت سيارة فأبتسم وقال "والآن اللحظة الحاسمة"
خلع قميصه وفك بنطلونه دون أن يخلعه وانقض عليها بنفس اللحظة التي سمعت فيها سارة وهي تفتح الباب وتقول
&;تعالى وانظر بنفسك لأنك لا تصدقني"
اتسعت عيونها وكاد قلبها يتوقف مما رأت.
رواية حب وتضحية الفصل الثاني عشر 12 - بقلم داليا السيد
اتسعت عيونها وكاد قلبها يتوقف عندما رأت وليد يدخل خلف سارة وما أن رأى أمجد يبتعد عنها حتى تراجع بغضب وأسرع ينقض على أمجد الذي كان بالطبع يتوقع ذلك فانتفض من فوقها إلى الطرف الآخر من الفراش ثم قفز خارج النافذة وهي تدرك أن كل شيء كان معد مسبقاً بالطبع.
سقطت دموعها وهي ترى نظرات سارة الموجهة إليها بينما كاد هو يقفز خلف أمجد عندما لحقت به سارة وقالت:
«لا يا وليد لا تفعل فهو لا يستحق إنها هي التي أغوته وألحقت العار بك»
كان جسدها يرفض أن يستجيب لها كي تسحب أي غطاء تخفي به جسدها وهو يلتفت إليها ويعود ليمسكها من عنقها ويقول بغضب:
«أنتِ تفعلين بي ذلك أيتها الخائنة! وأنا الذي ظننت أنكِ أشرف امرأة! أنتِ طالق! طالق! طالق! أنا لابد أن أقتلك وأغسل عاري لابد أن أقتلك»
أحكم قبضته على عنقها وتوقف الهواء عنها وضاق صدرها واحتبست أنفاسها وشعرت أنها تفقد نفسها وهو يزيد من ضغطه على عنقها دون أن يمنحها أي فرصة للتنفس أو الدفاع عن نفسها حتى عاد الظلام إليها وقد أدركت أن الموت قد أتى ليأخذها من ذلك المصير الذي لحق بها.
عندما أفاقت كان صداع فظيع يدق رأسها ولكنها رفعت نفسها بصعوبة فشعرت بألم حول عنقها فتذكرت ما كان انتفضت بمكانها فوجدت أنها على فراش وسط ظلام غريب بحثت عن أي نور حتى عثرت على زر قريب ضغطته ليضيء المكان فوجدت نفسها بغرفتها بالفندق تحركت لتنهض ولكن الدوار أسقطها مرة أخرى على الفراش استعادت نفسها فوجدت أنها بملابسها فتساءلت هل ما حدث كان كابوس واستيقظت منه؟
دق الباب بطريقة مزعجة فاستعادت نفسها واتجهت إلى الخارج لتفتح فرأت جاك أمامها ويبدو الفزع على ملامحه فقالت:
«جاك ماذا حدث؟»
قال: «آسف مدام ولكن مستر وليد»
انتبهت حواسها إلى اسمه فقالت بخوف: «وليد؟ ماذا به؟ تحدث هيا انطق»
قال: «المشفى اتصل بنا وأخبرنا أنه أصيب بحادث على الطريق وهو الآن هناك وحالته خطرو..»
ترنحت أمام الرجل وقد فقدت أقدامها القدرة على حملها فأسرع جاك يساندها إلى أقرب مقعد وقد تساقطت المصائب عليها كالسيول لا تبقي ولا تذر.
ناولها بعض الماء تناولته بصعوبة وسط فزعها ودموعها إلى أن قالت: «خذني إليه أريد زوجي أريد أن أعرف ماذا أصابه»
أشفق عليها وقال: «عرفت أنه كان يقود بسرعة كبيرة عندما تفاجأ بسيارة بالاتجاه المعاكس فلم يمكنه التحكم بالسيارة التي اصطدمت بجانب الطريق وانقلبت عدة مرات حتى توقفت»
أغمضت عيونها بألم ثم عادت تقول وهي تنهض بصعوبة: «جاك من فضلك خذني إليه! هيا ساعدني من فضلك»
هز رأسه وهو يساعدها على الذهاب والخوف يملاء قلبها وهي تعلم أنها سبب ما أصابه فقد صدق أنها تخونه! أي رجل بمكانه كان سيفعل وهي تعلم ذلك ولا يمكنها أن تثبت براءتها بأي شكل.
وصل بها جاك إلى المشفى وقد استعادت نفسها وقواها. بالداخل أخبرها المسؤولين أن حالته خطيرة وأنه الآن بالعمليات.
تصلبت قدماها أمام غرفة العمليات رافضة أن تتحرك لأي مكان بعيداً عنه بينما تولى جاك كل الإجراءات اللازمة، وظلت هي أمام حجرة العمليات دون أن تعرف ماذا يمكنها أن تفعل من أجله.
«مدام تفضلي اشربي هذا أنتِ بحاجة إليه»
كان جاك يمد يده لها بكوب من القهوة الدافئة لم تمانع وهي تأخذه لتتناوله بصمت قاتل زادها ألماً على ما كان داخلها من ألم.
مر الوقت ولم تعرف مقداره إلى أن خرج الطبيب لتنهض هي وتتوجه إليه فنظر إليها فقالت: «زوجي كيف حاله من فضلك؟ أرجوك أخبرني أنه ما زال معنا ولم يتركني أرجوك تحدث»
أشفق الطبيب عليها وقال: «من أنتِ؟»
قالت بنفس الدموع: «أنا! أنا زوجة وليد كامل! هل هو بخير لماذا لا تتحدث؟»
قال بهدوء: «اهدئي مدام. ما زال الوقت مبكرا حتى نقول ما إذا كان بخير أم لا. لقد أجرينا له العديد من الجراحات فإصاباته كلها جسيمة والنزيف الداخلي كان شديد أوقفناه بأعجوبة»
أغمضت عيونها من الألم وقالت: «والآن ماذا؟ أنا لا أفهم»
قال: «هو الآن بالعناية ولم تمر مرحلة الخطر لذا لا يمكنني أن أخبرك أنه بخير»
انهارت دموعها بقوة بينما حاول جاك تهدئتها ولكنها عادت تقول: «هل يمكنني أن أراه؟»
نظر إليها وربما رفق بحالتها عندما هز رأسه وقال: «لا يجب أن أفعل ولكن يمكنكِ الدخول لدقائق قليلة من فضلك. دقائق قليلة مدام فهو لا يشعر بأي شيء، ثم أريدك بمكتبي عندما تنتهي»
هزت رأسها وتحركت إلى الداخل كان المكان هادئ إلا من صوت الأجهزة ورائحة المعقم وربما سمعت صوت أنين قلبها المتألم. كان ممدداً أمامها والأجهزة متصلة بكل جسده. جلست إلى جانبه وأمسكت يده بيد مرتجفة ثم رفعتها إلى فمها وقبلتها وقالت بحزن وألم ودموع:
«وليد سامحني أرجوك! وليد أنا آسفة والله آسفة لأنني لم أتخيل أن أكون سبباً في ضررك ولكني الآن كنت السبب بدون أن أملك أن أكون! وليد أنا بريئة أقسم أني بريئة ولكني لا أملك أن أثبت لك برائتي! ولكن صدقني أنا لم ولن أحب أحد سواك! أنت حبي الأول والأخير! حب حياتي وحلمي الذي حلمته من أول يوم عرفتك به! ولكن استكثرتك الأقدار على فتاة فقيرة مثلي لا تستحق رجل مثلك! ولكني لم أخنك أنا بريئة يا وليد كيف يمكنك أن تصدق أني يمكن أن أفعل ذلك وأنت أكثر الناس معرفة بي؟ كيف أمكنك أن تصدق؟»
تملكتها الدموع ولكنها عادت تكمل: «وليد من فضلك عد إلي ولا تتركني أنا ليس لي أحد سواك! أنت لست زوجي فقط وإنما زوجي وأبي وأخي وحبيب عمري! أرجوك لا تتركني أنا أحبك وليد! أحببتك من أول يوم رأيتك فيه بل من أول نظرة لعيونك حبيبي! أنا فعلت كل شيء من أجلك وأجل حبي لك وسأفعل أي شيء من أجلك مرة أخرى! أرجوك لا تتركني أنا لن أتحمل فراقك! يا إلهي أرجوك لا تأخذه مني فأنا لن أتحمل فراقه»
شعرت بيد تربت على كتفها فالتفتت لتجدها الممرضة التي قالت: «من فضلك يكفى هذا. هو بحاجة إلى الراحة»
مسحت دموعها وقامت ثم نظرت إليه مرة أخرى قبل أن تخرج في صمت.
لم تجد جاك بالخارج فاتجهت إلى مكتب الطبيب مدير المشفى الذي رحب بها خاصة بعد أن عرف الجميع من جاك من هو وليد كامل وكيف أنه رجل من أغنى أغنياء المدينة.
أشار إليها بالجلوس وقد أصبحت حالتها يرثى لها فجلست أمامه وسمعته يقول:
«بالطبع نحمد الله على نجاته من تلك الحادث الفظيع ولكن أنا أيضاً أعلم أن ما سأقوله الآن أمر ليس بالسهل تقبله ولكن لابد من أن أقوله»
ضاقت عيونها ودق قلبها من المجهول فقالت بصوت مبحوح من الخوف والألم: «من فضلك لا تحاول أن تزيد من قلقي وخوفي أكثر وتحدث مباشرة»
قال وهو ينظر بعيونها: «الحادث كان صعب بالتأكيد وطبعاً أثر على أماكن كثيرة بجسده، بالإضافة إلى الكسور، ولكن كل ذلك يمكن علاجه إلا ..»
وسكت دون أن يكمل فدق قلبها مع كلماته وهي تتساءل: ترى ماذا يمكن أن يحدث له أكثر من ذلك؟
استجمعت شجاعتها وقالت: «إلا ماذا يا دكتور؟ أرجوك تحدث»
تأمل ملامحها المتعبة والحزينة وقال: «هناك جرح عميق في الرأس نتيجة من نتائج التصادم، ولكن هذا الجرح للأسف أثر على عصب النظر وبالتالي أثر على حاسة النظر لديه»
لم تستوعب ما قال فقالت: «ماذا تعني؟ أنا لا أفهم؟»
نهض وتحرك بعيدا وقال: «الإصابة أدت إلى ظهور تجمع دموي على عصب الإبصار، وهذا قد يؤدي إلى أنه قد لا يرى»
تراجعت في مقعدها وهي تحاول أن تستوعب الأمر ونهضت بصعوبة واتجهت إلى الطبيب وقالت: «لا! ليس صحيح لا يمكن أن يصاب زوجي بالعمى! أنت مخطئ بالتأكيد! أحضر له أطباء آخرين نعم أحضر له أفضلهم بالعالم وليد لا يمكن أن يكون أعمى لا يمكن هل تسمعني أنت لا تعلم من هو وليد؟»
ترنحت أمامه فأمسكها وقال: «مدام اهدئي من فضلك أنا أعلم من هو وأنا بالفعل طلبت بعض الأطباء الذين سيصلون غدا لفحصه ولكن كان لابد أن أخبركِ بالأمر»
قالت بقوة: «لن يصبح زوجي أعمى هل تفهم لن..»
ولم تكمل حيث داهمها الدوار مرة أخرى وترنحت بين ذراعي الطبيب الذي ناداها ولكنها لم تقو على الرد، شعرت به يحملها ويضعها على فراش الكشف وسمعت ضوضاء حولها وأصوات لم تميزها ثم شعرت بألم بذراعها وصوت الطبيب يناديها وهي تحاول أن تظل معهم ولكن الدوار كان أقوى.
رواية حب وتضحية الفصل الثالث عشر 13 - بقلم داليا السيد
الممر وقت قبل أن تستعيد نفسها، والطبيب مازال يحاول إفاقتها والممرضة تساعده، إلى أن فتحت عيونها ونظرت إليهم.
فقال الرجل:
"أنتِ بخير؟"
هزت رأسها.
فقال:
"منذ متى لم تتناولي أي طعام مدام؟"
قالت بضعف:
"لا أذكر، ماذا يحدث لي؟ أنا لا أستطيع مقاومة الدوار."
رأت المحلول المعلق بجوارها ومتصل بذراعها، والطبيب يعيد الكشف عليها، ثم قال:
"أعتقد أنكِ حامل مدام، ولكن التحليل سيؤكد أو ينفي ظنوني."
اتسعت عيونها وهي تنظر إليه وتردد بصعوبة:
"حامل؟ أنا حامل؟ لا، ليس الآن يا رب، ليس الآن."
لم يرد الطبيب وقد انتهى من الكشف، ودق الباب ودخل طبيب آخر، فقال:
"دكتور ألبرت، طبيب النسا بالمشفى، تفضل."
بالطبع أكد الطبيب المعلومة، وازداد انهيارها وإحساسها بالألم. كيف يمكن أن يأتي الحمل أثناء تلك الأحداث كلها؟ وهو هل سيتقبل ذلك أم يرفضه؟ وأمها كيف ستخبرها أنها حامل وهي أصلاً لم تعرف بزواجها الذي انتهى بالطلاق قبل أن يبدأ؟
تحجرت الدموع بعيونها وقد تكدست المصائب على رأسها، وشعرت أنها لم تعد بالقوة التي كانت عليها لمواجهة كل ذلك.
نقلت إلى غرفة منفردة، وتبعها جاك الذي قال:
"مدام، كيف حالك الآن؟"
قالت:
"الحمد لله على كل شيء."
ولم تتحدث أكثر من ذلك، وإنما سرى المهدئ بجسدها فنامت إلى الصباح.
دق الباب فاعتدلت وهي تستيقظ لترى الطبيب يدخل ويقول:
"كيف حالك اليوم مدام كامل؟"
قالت:
"أفضل كثيراً، كيف حال وليد؟"
جلس أمامها وقال:
"لم يفق بعد، نحن نمده بمسكنات قوية تبقيه فاقد للوعي، لأنه لو أفاق فلن يتحمل الألم."
هزت رأسها بحزن واعتدلت جالسة وقالت:
"ماذا فعلت بموضوع النظر وما رأيك بالأمر؟ ألن يستطيع الإبصار نهائياً؟"
قال:
"أنا لست طبيب عيون، لذا أخبرتك أني طلبت بعض الأخصائيين، ولكن أظن أن هناك جراحة يمكن إجرائها لعلاج مثل تلك الحالة. بالطبع الأمر يحتاج لرأي الأطباء، كما وأني أعتقد أن الأمل بتلك الجراحة قد لا يتعدى خمسين بالمائة، ولن تكون الآن، ربما بعد أسبوعين أو أكثر، فهذا قرار الأطباء وقرارك."
أسندت رأسها إلى يديها وهي تحاول أن تستوعب الأمر الآن بعقلها لا بعاطفتها. تُرى ماذا يمكنها أن تفعل؟ هل يمكنها أن تتحمل كل ذلك؟ ما حدث لها وبينهما وما حدث له؟ هل يمكن أن تستوعب فكرة أنه لن يستطيع أن يرى مرة أخرى؟
سمعت الطبيب يكمل:
"أعلم أن الأمر ليس بالسهل، ولكن لابد أن أحصل على قرارك قبل كل شيء. لو قرر الأطباء إجراء الجراحة، فهل سنجريها أم لا؟"
نظرت إليه وقالت برجاء أخير:
"أليس هناك حل آخر سوى الجراحة؟"
قال بثقة:
"للأسف ليس لدينا حل آخر، ولكن هذا رأي أنا، ومازال هناك رأي الأطباء المختصين عندما يصلون."
قالت:
"وماذا عنه؟ لو أفاق؟ كيف سأخبره بالأمر؟"
قال:
"في النهاية لابد أن يعلم مدام، لا يفر أحد من مصيره."
هزت رأسها وهي تعلم أنه على حق، وأن وليد لابد أن يعلم سواء منها أو من سواها، فقالت:
"إذن سننتظر حتى نسمع رأي الأطباء."
هز الرجل كتفيه ولم يرد. وقبل أن يذهب، نادته فالتفت إليها، فقالت:
"من فضلك، لا أريد لأحد أن يعرف بأمر الحمل، ليس الآن على الأقل."
ظل ينظر إليها قبل أن يهز رأسه بصمت ويخرج.
استعادت نفسها وعادت إلى الخارج حيث غرفة العناية، وما أن وصلت حتى رأت جاك يتقدم إليها حتى وقف أمامها وقال:
"كيف حالك اليوم مدام؟"
أبعدت عيونها وقالت:
"بخير جاك، أنا بخير، لكن هو لا."
تأملها وقال بقلق واضح:
"ماذا أصابه مدام؟ من فضلك أخبريني، الأطباء ترفض إخباري بأي شيء."
نظرت إليه بألم وحزن وقالت:
"وليد أصيب في رأسه إصابة بالغة أثرت على عصب الإبصار لديه. وليد لن يرى إلا إذا أجريت له جراحة نسبة النجاح فيها لا تتعدى الخمسين بالمائة يا جاك."
جلس الرجل بجانبها ولم يرد، وقد هاله الأمر الذي أصبح أكبر من قدرة أي أحد على تحمله.
خاصة هيف.
في المساء، أحضر لها جاك قهوة لأنها بالطبع بدت متعبة ولم تتحرك من مكانها، وقد أصابها الأمر كله بألم جسماني أثقل حركتها.
نظر جاك إليها وقال:
"أنتِ بحاجة للراحة مدام."
قالت بحزن:
"وهل يمكنني أن أرتاح بدون وليد؟ وأين الراحة وأنا أعلم مصيره ومصيري."
قال جاك:
"مصيرك؟ ماذا تعنين مدام؟ كلنا نعلم أنكِ زوجة رائعة وناجحة، وأنا متأكد أن مستر وليد يعلم ذلك."
نظرت إليه وهي تتألم كلما تذكرت ما حدث لها من سارة وذلك الكلب أمجد، ولكنها لم ترد. لحظات ثم قالت:
"جاك، لابد أن تذهب أنت لمتابعة العمل. لابد أن يكون أحد موجود، موريس لن يؤدي المهمة وحده."
تردد وقال:
"ولكن كيف أتركك وحدك؟"
قالت:
"لست كذلك، المشفى به خدمة رائعة ونحن ندفع الكثير بالمقابل. هيا اذهب، أنا بخير، فلا تقلق. اذهب ولا تنسى أن تبلغني بالأحداث."
هز الرجل رأسه ثم قام ورحل.
على نهاية اليوم، وصل الطبيب إليها وقال:
"لقد وصل الأطباء وسيبدؤون في فحصه."
قالت بأمل:
"وكيف هو الآن؟"
قال:
"بدأ يستعيد نفسه، ولكن ما زال لا يعلم شيء عن عيونه."
قالت بتردد:
"هل يمكن أن أراه الآن؟"
نظر إليها وقال:
"نعم، أمامنا ربع ساعة، تفضلي."
دق قلبها وهي تتحرك إلى الداخل وهي تتساءل، تُرى كيف سيقابلها بعد ما كان؟ دخلت في هدوء إلى نفس المكان وقد كان كما رأته من قبل. اقتربت من الفراش وقد تأملت الضمادات التي على عيونه، ما زالت موجودة والجبائر التي تحيطه.
رأت يده تتحرك فاقتربت منه وقالت بصوت لا يكاد يخرج من جوفها:
"وليد."
اتجه رأسه إليها وقال بصوت غاضب:
"ماذا تفعلين هنا؟ اخرجي، لا أريد أن أسمع صوتك."
ثم أبعد رأسه إلى الجانب الآخر. كانت تعلم أنه سيفعل أكثر من ذلك، ومع ذلك اقتربت وأمسكت يده وقالت:
"وليد، أرجوك اسمعني."
سحب يده بقوة وقال:
"أنا لا أريد أن أسمع شيء، أخبرتك أن تذهبي. ولو استطعت لنهضت وقتلتك، كان يجب أن أفعل بتلك الليلة."
عادت الدموع إليها وهمست بضعف:
"ولكن وليد، أنت تظلمني، أنت تعلم أنني لا يمكن أن أفعل ذلك."
تحركت رأسه تجاهها وقال بنفس الغضب:
"ولكني رأيت بعيوني، ولم يخبرني أحد. ليتني لم أعرفك. اذهبي قبل أن أنهض وأدمر هذا المكان عليكِ، ولن أرحمك."
زادت دموعها وملاء الحزن واليأس قلبها وقالت:
"لا تفعل، أرجوك لا تفعل، لا تدمر ما بيننا."
قال:
"لم يعد بيننا شيء، أنا طلقتك ولا أريد أن أراكِ، ولا أطيق أن أسمع حتى صوتك. اخرجي الآن أيتها الخائنة، أنا أكرهك، أكرهك."
تراجعت والدموع تسيل على وجنتيها وقالت:
"أنت تظلمني يا وليد، أقسم أني بريئة، لابد أن تصدقني، أنت تعرفني جيداً."
تغيرت نبرة صوته وهو يقول:
"كنت أظن أني أعرفك جيداً، ولكن يبدو أن لديك قدرة فائقة على الغش والخداع والتمثيل. كيف فاتني أنكِ مثلت دور الزوجة بنجاح؟ ولكن لا يهم، لقد انتهت التمثيلية ولم يعد لكِ مكان بها، هل تفهمي؟ اخرجي، لا أريدك هنا أو بحياتي، اخرجي."
زاد تراجعها من حدة كلماته وقد أصابها الخوف وأسرعت إلى الخارج وهي لا تعرف ماذا يمكنها أن تفعل لتستعيد حياتها التي ضاعت منها للأبد.
عادت إلى الخارج في حالة يرثى لها، وحاولت أن تستعيد نفسها. وما هي لحظات حتى رأت الأطباء يتجهون إلى العناية، فلم تحاول أن تسأل لأن حالتها لا تسمح لها بأن تفعل.
رن هاتفها فأعادها إلى عالم آخر، عالم العمل، فأجابت لتستعيد بعض السكون. وقبل أن تنتهي، كانت أمها تهاتفها، كتمت دموعها وهي تجيبها وتخبرها بما أصاب زوجها، ثم طلبت منها أن تدعو له بالشفاء.
وأخيراً، عادت لترى الأطباء يخرجون من العناية، ورأت المدير يتجه إليها وقال:
"تفضلي معي مدام كامل."
دخلت معه إلى مكتبه، جلس وجلست أمامه، فقال:
"لقد قرر الأطباء أنه لابد من إجراء الجراحة، والأمل لديهم أكبر مما توقعت."
شعرت بسعادة وقالت:
"إذن لابد من إجراء الجراحة."
قال:
"أولاً، لابد أن ننتظر عشرة أيام لأسباب طبية. ثانياً، الأستاذ وليد نفسه."
نظرت إليه وهي لا تفهم، فقالت:
"ماذا به؟"
قال:
"بالطبع لم يكن الأمر سهل عليه عندما علم بأنه لا يرى، وعندما أخبرناه بالجراحة، رفض تماماً وأخبرنا أنه لا يريد أن يرى مرة أخرى."
أسندت رأسها إلى يدها وقالت:
"يا إلهي، أنا لا أعرف ماذا أفعل."
اتجه الطبيب إليها وجلس أمامها وقال:
"ماذا يحدث مدام؟ ألا يمكنكِ إقناعه؟"
نظرت إلى الطبيب ولم تجد كلمات تجيب بها، ولكنها بالنهاية قالت:
"ربما لا، وليد صعب المراس ولا يمكن تغيير أفكاره بسهولة، حتى ولو كنت أنا من سيفعل؟"
تراجع الطبيب دون أن يجادل، ولكنه عاد وقال:
"إذن ليس هناك سوى حل واحد، ولكن بحاجة لقرارك."
نظرت إليه بعيون الأمل وقالت:
"ما هو؟"
حدق بها لحظة ثم قال:
"أن نجري له الجراحة دون أن يعلم."
تراجعت في مقعدها وقالت وهي تفكر بكلماته، ثم قالت:
"ولكن كيف؟ وليد لن يمرر الأمر بسلام، وأنا أخشى من رد فعله."
نهض الطبيب وابتعد ثم قال:
"أنا والأطباء متأكدين من نجاح العملية ومصرون على إجراءها، وواجبي تجاه المريض أن أفعل ما في صالحه، لذا أنا على استعداد أن يقوم الأطباء بإجراء الجراحة على مسئوليتي الشخصية."
نظرت إليه بحيرة وقالت:
"ولكن أنا لا أعلم، دعني أفكر، الأمر ليس بسهل."
هز رأسه وقال:
"نعم أعلم، حسناً، يمكنكِ التفكير، فما زال أمامنا وقت، ويمكنكِ التحدث أيضاً إلى الأطباء، إنهم ما زالوا هنا."
هزت رأسها وقامت وهي تقول:
"نعم، دعني أتحدث معهم."
انتهت مع الأطباء إلى نفس ما قاله مدير المشفى، ومع ذلك لم تقرر خوفاً من رد فعله. عادت إلى الغرفة التي كانت بها وحاولت أن تنال أي قسط من النوم، ولكنها لم تستطع. تلقت العديد من الاتصالات من العديد من رجال الأعمال للاطمئنان على وليد.
وفي اليوم التالي، تم نقله إلى جناح خاص كما طلبت هي. كان هادئاً بعد أن وضعوه في الفراش، وحاولت هي أيضاً أن تبدو هادئة، وقد ظنت أنه لم يشعر بوجودها، ولكن ما أن خرج الجميع حتى قال:
"ماذا تفعلين هنا؟ أخبرتك أني لا أريدك ولا أطيق وجودك؟"
نظرت إليه، كانوا قد أزالوا الضمادات من على عيونه التي أصبحت خالية من أي تعبير، ولكن ما زالت الكسور التي تلتف الجبائر حولها وبعض الجروح التي يقوم الطبيب بالتغيير عليها.
قالت بحزن:
"أنت تعلم أني لا يمكنني أن أتركك."
قال بغضب:
"ولكني لا أريدك، ألا تفهمين؟ لا صفة لوجودك هنا، وجودك يثير كل الشياطين أمامي."
زاد شعورها بالألم ووضعت يدها على بطنها حيث تحمل ابنه أو ابنته، وتمنت لو أخبرته، ولكن خوفها أوقفها. قالت:
"وليد، أرجوك اسمعني، لابد أن تعرف الحقيقة."
قال بنفس الغضب:
"الحقيقة هي أني خُدعت عندما وثقت بكِ وجعلتك زوجتي، ماذا كان ينقصك؟ كنتِ تعلمين أنكِ لو طلبتِ النجوم، كنت سأجلبها لكِ، لماذا؟"
اقتربت من فراشه والدموع تغشى رؤيتها والألم يمزق قلبها وقالت:
"أقسم أني بريئة. أمجد حاول أكثر من مرة أن يجعلني أشك أن بينك وبين سارة علاقة، ولكني رفضت أن أصدق. أخبرني أنك عندها بالمزرعة وطلب أن يأخذني إليكم وجعلني أشاهد فيديو لك ولسارة، ومع ذلك لم أصدقه. وما أن خرجت من الفندق حتى هجم علي أحدهم ودفعني بسيارة، وعندما أفقت كان أمجد قد خدرني كي لا أتحرك وجردني من ملابسي، لكن لم يحدث شيء، صدقني يا وليد، هذه هي الحقيقة."
لم يحرك رأسه ولا عيونه التي ماتت بها الحياة، ثم قال:
"هل انتهت قصتك الرائعة؟ إذا كانت قد انتهت، فيمكنكِ الذهاب. لم أعد أريد أن أسمع أكثر من ذلك."
زادت الدموع وقالت:
"وليد، لا يمكنني أن أذهب، مكاني هنا بجوارك، أنا زوجتك."
قال بحدة وغضب وقد تلون وجه بلون أحمر يدل على الغضب:
"لا، لستِ زوجتي، أنا طلقتك ولا أريدك، ولم يعد لكِ أي وجود بحياتي. الخيانة ثمنها الموت عندي، وأنتِ تعلمين أني لا أغفرها. ولو أمكنني أن أنهض لقتلتك، فأنا كان لابد أن أفعل وقتها لولا سارة، هي التي أبعدتني وقتها."
رفعت عيونها إليه وقالت:
"وقتها؟"
قال:
"نعم، سارة أبعدتني وقالت أنكِ انتهيت وأرادت مني أن أذهب كي لا أدمر حياتي بسبب واحدة مثلك لا تستحق. كان لابد أن أسمع لها عندما أخبرتني أن أمثالك لا يعرفون إلا المال، أما الحب فهو شيء لا قيمة له عندك."
أخفضت وجهها وهي تتألم من كلماته، وربما تحاول أن توجد له أعذار، فهو رجل رأى امرأته عارية بين أحضان رجل آخر. ابتعدت وهي تقول:
"سارة على حق، أنا لا أستحق رجل مثلك."
أجابها الصمت لحظة قبل أن يقول:
"إذن لا داعِ لوجودك هنا."
توقفت دون أن تنظر إليه وقالت:
"سأرحل، ولكن ليس الآن. اسمك وسمعتك لن تتحمل، الميديا كلها تتحدث عن الحادث، ولو لم أتواجد هنا، ستثير الشكوك حولك. وإذا كنت ما زلت تذكر، هناك فندق على وشك الافتتاح. سأظل أمام الجميع زوجتك إلى أن تنهض وتعود، ووقتها أعدك ألا تراني."
ابتسم بسخرية وقال:
"أراكِ؟ هل تسخرين مني؟ أم أن ما أصابني جعلك تظنين أني ضعيف وبحاجة إلى أحد؟ أنا لا أريدك، اخرجي ولا تجعليني أسمع صوتك مرة أخرى، ولا داعِ لتمثيل دور الضحية لأني لا أصدق."
التفتت إليه والحزن يمزق كيانها فقالت:
"حاضر يا وليد، سأفعل ما تريد، لكن أرجوك دعني هنا حتى تخرج من المشفى، وقتها أعدك أنك لن تسمع حتى أنفاسي."
طال الصمت بينهم إلى أن دق الباب ودخلت تلك المرأة، والتي تعلم أمل أنها كانت سبباً في تدمير حياتها.
تحركت سارة إلى الداخل واتجهت إلى وليد وهى تقول:
"وليد حبيبي، يا إلهي هل أنت بخير؟ أخبرتك ألا تذهب خلفه، ولكن غضبك أعماك."
بالطبع لم ينظر إليها وقال:
"كان لابد أن أقتله وأقتلها."
نظرت سارة إليها بنظرات الانتصار وقالت:
"وتضيع نفسك بسبب خونة لا يستحقون حبيبي."
ظلت أمل تنظر إليها بغضب وقالت بحقد واضح:
"أنتِ السبب، أنتِ من دبر كل ذلك."
تراجعت سارة وقالت:
"أنا؟ والآن تريدين إلقاء جريمتك علي أيتها الخائنة."
زاد غضب أمل وهي تقترب منها وتقول:
"أيتها الوقحة، أنتِ منذ البداية من أراد أن يبعدني عنه وأخبرتني أنكِ لن تتركين أمواله وأملاكه و..."
صوت وليد الغاضب أوقفها وقال:
"كفى، أنا لا أريد أن أسمع صوتك هنا، اخرجي الآن، اخرجي."
زادت دموعها وهي ترى الرجل الذي أحبته ومنحته نفسها وثقتها يتخلى عنها ويردها ويهينها أمام تلك المرأة. تحركت إلى الخارج دون أن تجد أي كلمات يمكن أن تخرج من بين شفتيها.
ما أن خرجت حتى تركت الدموع تنهمر دون توقف، وقد زرفت منها الكثير هنا. هي تعلم أن وجودها هنا أصبح مستحيل، فهو يرفضها، وهي تعلم أنه على حق، لن يصدقها، وإنما يصدق ما رأته عيونه، وسارة تدق الحديد وهو ساخن وتنفخ في النار لتزيد من وهجها.
خرجت المرأة ولم تتحدث وهي ترمق أمل بنظرات غير مفهومة وابتعدت بصمت. كادت تذهب هي الأخرى لتختفي من حياته، ولكنها رأت بعض رجال الأعمال يتقدمون منها لزيارته والاطمئنان عليه، فمسحت دموعها ورفعت وجهها للقائهم ثم دعتهم للدخول، ولم يعترض عندما سمع صوت الرجال.
استمر الأمر طوال الوقت واستسلم هو لوجودها، وهي لم تجد فرصة لتركه أو الذهاب. وخلال كل ذلك لم تنال أي قسط من الراحة لمدة الأيام الثلاثة التالية، ورغم تعليمات الطبيب لها بالراحة من أجل الحمل، إلا أنها لم تسمع. فقد نست ذلك، وربما تمنت لو تخلصت منه، فهي لا تعرف كيف ستعود إلى أمها وتخبرها أنها تزوجت وحملت وطلقت؟
انتظرت أن تعود سارة لرؤيته مرة أخرى، وبالطبع فعلت، وقد كانت تخرج بمجرد أن تدخل، لن تسمح له أن يهينها أمامها مرة أخرى.
توقف الحديث بينه وبينها، فلم يتحدث إليها، وهي لم تحاول أن تفعل إلا عندما كان يحضر جاك أو أحد لزيارته، حتى لا يشعر أحد بشيء.
مضت عدة أيام لم تعد تعرف عددها، ورفض الأطباء خروجه من المشفى، ولم تعترض من أجله. دق الباب ودخل جاك، كانت تودع أحد الرجال عندما دخل جاك وحيا الرجل ثم عادت إلى جاك، الذي ما أن نظر إليها حتى قال:
"مدام، تبدين مرهقة جداً، بالتأكيد لا تنالين قسط وافر من الراحة. يمكنكِ الذهاب الآن وأنا سأبقى معه، وإلا ستفقدين وعيك كما حدث من قبل."
بالفعل بدا عليها الإرهاق، فقد كانت عيناها متأثرة من البكاء المستمر والسهر بجانبه طوال الليل، رغم أنه لم يكن يرحب بوجودها، وإنما كان يسمعها ما يؤلم ويجرح كلما سمحت له فرصة، ولكنها أبدت الصمت تجاهه. أما بالنهار، فكانت تظل في استقبال الزيارات أو تساعده في كل ما يخصه رغماً عنه بحجة أنها لابد وأن تحافظ على سمعته للنهاية.
لم يعلق على كلمات جاك، ولكنها قالت:
"سأفعل، ولكن ليس الآن، لا تقلق بشأني جاك، أنا بخير."
تقدم جاك منه وقال:
"هناك بعض الأمور لابد من عرضها عليك مستر وليد، خاصة موعد الافتتاح، لقد اقترب ولابد من تعليماتك النهائية."
ظل صامتاً لحظة قبل أن يقول:
"ليست هناك أي تعليمات، عليك بإلغاء الافتتاح حتى أعود."
تبادلت النظرات مع جاك ثم قالت:
"لا يمكن التأجيل، أنت تعلم أن علينا اتفاقيات وشروط جزائية، وأفواج قادمة بمواعيد ثابتة وسنخسر الكثير، هذا غير الإضرار بسمعة الفندق قبل أن يبدأ عمله."
قال بحده:
"لست بحاجة لأن أعرف كل ذلك، ولكن أوامري تنفذ، لن يكون هناك أي افتتاح."
لم ترد وهي تنظر إلى جاك الذي لزم الصمت هو الآخر.
أصر على رحيلها بذلك اليوم، وأخبرها بغضب ألا تعود مرة أخرى، فهو ليس بحاجة إليها ولم يعد يطيق وجودها. وما زاد الأمر سوء هو تواجد سارة، وقد تعمد أن يعامل سارة برقة ولطف مما أوجعها بشدة.
عندما عادت إلى الفندق مع جاك، اجتمعت معه بالمكتب فقال:
"ماذا سنفعل مدام؟ هل نلغي الافتتاح؟ بالفعل سنخسر الكثير، وموريس ليس متعاون معي نهائياً."
قالت بإصرار:
"لا، لن نلغي أي شيء، سنكمل الأمر، ومن الغد سأكون هناك وأنت معي، ولن نؤجل أي شيء، سنضعه أمام الأمر الواقع. أنا لن أقبل أن يخسر وليد سمعته لأي سبب من الأسباب."
ابتسم جاك وقال بحماس:
"هذا هو العمل، أنتِ امرأة رائعة مدام، وأنا سعيد لأنني سأعمل معكِ."
نظرت إلى الرجل وقالت:
"وأنا سعيدة أنني وجدت إنسان يمكن أن أثق به."
رن هاتفها برقم لا تعرفه فأجابت، كان صوته هو الذي أجاب. انتفض جسدها ووقفت بدون سبب عندما قال:
"اسمعي; سارة ستأتي وستكون هي المسؤولة عن متابعة الفندق الجديد أثناء غيابي، وعليكِ أن تفعلي ما تأمركِ به."
سقطت مرة أخرى على المقعد وقد سقط معها ما تبقى من قوة تحمل، وجف حلقها واحتجت الكلمات بالحنجرة لا تدري ماذا تقول، وجفت الدموع.
"أين ذهبتِ؟ أنا أتحدث إليكِ."
سقط الهاتف من يدها، ولكن جاك كان يراقبها فأسرع يلتقط الهاتف من يدها وأجاب. لحظة صمت مرت قبل أن يقول:
"ولكن يا مستر وليد.."
صمت مرة أخرى قبل أن يقول:
"حاضر، سأفعل، لا، لن أتراجع سيدي."
لم تنظر إلى جاك وهي تحاول أن تفكر بما يفعله بها. إنه يرد الإهانة، لا بل يعيدها إلى مكانها الحقيقي، سكرتيرة، نعم هي مجرد سكرتيرة دخلت حياته فجرحته وتركت تنزف، والطير المجروح يلوح بجناحه دون اعتبار لمَ يجرح بطريقه حتى ولو كان أقرب المقربين إليه. وها هو يثبت أنه لم يحبها بيوم، وإنما سارة تفوز.
اقترب جاك منها وقال بشفقة واضحة:
"ما الذي حدث مدام؟ هناك شيء غير صحيح ولابد أن أعرفه. مستر وليد ليس كما عرفته ولا يمكن أن يفعل ذلك بزوجته، من فضلك مدام اشرحي لي ما يحدث."
لم تنظر إليه وقالت:
"ليس هناك شيء خطأ، وليد صاحب كل شيء، ولابد أن ننفذ ما يريد."
حدق بها جاك وكاد يعترض لولا أنها نهضت بقوة لا تعلم من أين أتت وقالت:
"لكن اسمع يا جاك، أنا لا أثق بتلك المرأة، لذا لابد أن تراقب تلك المرأة جيداً، لا أريد أن تقع أي أوراق تحت يدها دون أن تراها أنت أو أنا، جاك، سارة تخطط لشيء كبير وعلينا أن نحترس منها."
اقترب جاك منها وقال:
"تلك الليلة، ليلة الحادث، أعادكِ ذلك الرجل إلى هنا قبل أن نعرف بحادث مستر وليد، وقتها لم تكوني بوعيك، وقيل أنكِ كنتِ متعبة من العمل، فماذا حدث بذلك اليوم مدام؟"
نظرت إليه بقوة وشعرت بالذكريات تندفع إليها بقوة ارتجف لها جسدها إلى أن قالت:
"ما حدث بذلك اليوم لا يمكن أن يخرج من طي الماضي، لأنه لو خرج سيدمر وليد وكل ما يملكه من سمعة وأملاك ونجاح، وأنا سأحارب أي شيء يمكن أن يمسه بأي ضرر."
تأملها لحظة قبل أن يقول:
"أنتِ تحاربين من أجله وهو يحارب ضدك."
ابتعدت من أمامه ولكنه قال بإصرار:
"كما تشائين مدام، ولكن أنا معكِ ولست ضدك. أعلم أنكِ هنا وحيدة، ولكن أعلم أيضاً أنكِ قوية، وهو ما يعجبني. فقط أريدك أن تعرفي أني أيضاً أحب وليد بنفس مقدار حبك له، فأنا أعمل معه منذ أكثر من عشر سنوات، أعتبره كابني، لذا لن أشاهد أحدهم يدمر حياته وأقف مكتوف الأيدي. فقط أخبريني ماذا حدث؟ وكيف يمكننا إنقاذ ذلك الفتى من تلك المرأة."
لم ترد، فهي لم تعتد أن تكون ضعيفة، ولكن اليوم وليد هزمها وأصابها بجرح عميق ينزف بقوة ويضعف قواها، والوحدة تزيد من نزيفها. شعرت بيد الرجل على كتفها وهو يقول:
"هيا يا ابنتي، أخبريني بذلك الهم الثقيل الذي يحمله صدرك، وأعدك أن أساعدك."
التفتت إليه ونظرت إليه بثبات وقالت:
"حقاً، أنا الآن أشعر براحة كبيرة من كلماتك، فقد كنت بحاجة إليها. لكن لا تقلق، ليس هناك شيء، فقط أحتاج إليك لحماية وليد من تلك المرأة، فهي لا تريد إلا أملاكه وأمواله."
ابتسم الرجل وقال:
"أعلم يا ابنتي، العمر لا يمضي بدون فائدة، فهو يكسبنا خبرة تجعلنا نجيد التعرف على من نقابل، وأنا رأيت بعيونها ما تتحدثين عنه الآن، لذا دعيني أعرض عليكِ كيفية حصار تلك المرأة بم لا يسمح لها بالإضرار بأي شيء، ولكن هذا يحتاج منكِ مجهود وتركيز."
ابتسمت وقالت:
"هذا أسهل ما في الأمر، جربني وستجد نتيجة تذهلك."
كانت خطة جاك محكمة وحاول هو وهي تنفيذها بمنتهى الدقة بحيث أوهمها الاثنان أنها تدير كل شيء، ولكن بالأساس هي وجاك من كان يتحكم بكل شيء، كما كان يسجل لها ويراقبها برجاله.
لم تتوقف هي عن زيارته رغماً عنه، ولكن جفافه معها وكلماته المهينة والمؤلمة جعلها تتراجع وتخفف من تواجدها. أخبرها الطبيب باقتراب موعد الجراحة لأن حالته الصحية تقدمت كثيراً. أما سارة، فقد كانت تتعمد إحراجها وإهانتها أمام الجميع، ولكنها كانت تتقبل الأمر من أجل أن ينتهي الاحتفال على خير.
"مدام، أريدك الآن."
نظرت إلى جاك، الذي بدت ملامحه تنم عن القلق، فتحركت معه إلى مكتبه بالفندق بعدما عادت من المشفى.
"ماذا هناك جاك؟ تبدو غير طبيعي."
قذف بملف على المكتب وقال:
"عثر رجالي على تلك الأوراق بغرفتها بعد أن قاموا بتفتيشها كما طلبتِ، فانظري ماذا به."
اقتربت ببطء ثم أمسكتها وقلبت الأوراق وقد أدركت الأمر. أغلقت الملف وقالت:
"كنت أعلم جاك، وقد أخبرتك."
قال بضيق:
"كيف يفعل ذلك مدام؟"
جلست وقد أصبح الحمل أكثر تعباً بأعراضه التي لا تنتهي، حاولت أن تستعيد نفسها من الدوار إلى أن هدأت وقالت:
"لا تفهمه خطأ، مهما فعل فلديه أعذار."
تحرك تجاهها وقال:
"أعذار؟ أي عذر هذا الذي يجعله يمنحها توكيل خاص بالأموال وإدارة الأعمال وزوجته موجودة؟"
رواية حب وتضحية الفصل الرابع عشر 14 - بقلم داليا السيد
شعرت بمرارة بفمها وتقلصت معدتها ولكنها تماسكت وقالت:
"لم يعد معها الآن أليس كذلك؟ فلا داعي لقلقك هذا."
اقترب منها مرة أخرى وقال:
"اسمح لي أن أسألك، ألم تعودي زوجته؟ بالتأكيد حدث شيء بينكم، مستر وليد لم يكن يفعل شيئًا بدونك مدام."
رفعت نظراتها إليه وأدركت أن وليد يتعمد فضح الأمر، رغم أنها تحاول أن تحافظ على ما تبقى من مظهر لا يمكن المساس به. لم تجد دموعًا تشاركها أحزانها بعد، لذا قالت بجفاف:
"وهل هناك فارق يا جاك؟"
جلس أمامها وقال:
"بالطبع مدام، زوجته تعني كل شيء وهو يسحب منكِ كل شيء."
ظلت تنظر إليه بدون أن ترد، ولكنه أمسك يدها بحنان وقال:
"أتعلمين أني كان لدي ابنة يومًا ما، ولكن الموت لم يتركها لي. أصيبت بمرض وهي بالعاشرة من عمرها، أهملتها أمها في الأمر وكنت أنا مشغولًا بعملي وتطور أمرها إلى أن رحلت من حياتي، ولكني منذ أن رأيتك ورأيتها، نعم، لها نفس عينيك هذه وطيبة قلبك، لذا اشتقت لشعور اهتمام الابنة بوالديها، ولكني كنت أخشى من فرض نفسي عليكم، ولكن بعد كل ما أصابك وأنتِ بهذا العمر الصغير ووحدك هنا، أشعر أن من واجبي أن أكون معكِ وأحميكِ من أي خطر، ولكني عاجز يا ابنتي لأني لا أعرف شيئًا، فتحدثي، لابد أن تتحدثي."
ظلت تنظر إليه والألم يدق برأسها وقلبها وربما كل جسدها. أغمضت عيونها لحظة ثم عادت وقالت:
"الأمر ليس سهل، فالحكاية طويلة ولا يوجد وقت لها. صدقني يا جاك، أنا أيضًا رأيت حبك وحنانك ولولا وجودك معي لما أكملت الطريق، ولكن كل ما يمكنني أن أخبرك به أن وليد فقد ثقته بي و.. نعم، أنا لم أعد زوجته، ولا تسألني أكثر من ذلك، فلا أملك أن أتحدث. ربما أخبرك أني وقعت فريسة لمؤامرة دمرتني وأفقدتني وليد، ولكن لابد أن تعلم أني بريئة من أي شيء."
ربت على يدها بحنان وقال:
"أعلم، لأني أرى حبك لوليد بعينيك، وأعلم أنكِ لا يمكنكِ أن تفعلي إلا ما لصالحه، وأنا بجوارك ولن أتركك أبدًا. كما أعلم أن تلك المدعوة سارة هي سبب كل هذه المصائب، ولكن كما أخبرتك، أنا معكِ للنهاية مهما كان الثمن."
اطمأنت بكلماته ولم ترد، وهو لم يحاول أن يسألها مرة أخرى. زاد من رجاله حول سارة وهو يدرك خططها وأبلغ بها أمل.
وافق موعد الافتتاح اليوم الخاص بإجراء الجراحة الخاصة به. وقبل الافتتاح بيوم اتجهت إليه في المشفى. كانت الممرضة قد قدمت له الغداء وانتهت. لمّت الممرضة أشياءها وخرجت.
كانت تريد أن تراه اليوم، وربما تكون المرة الأخيرة. سمعته يقول:
"الجميع يتحدثون عن الزوجة الوفية التي لم تتوانَ عن زوجها. أعجبني إخلاصك في الأداء."
نظرت إليه ولم ترد، فعاد وقال:
"أنتِ لا تملين من لعب دور الغش والخداع؟ كم مرة لابد أن أخبرك ألا تأتي هنا؟ لقد انتهى دورك على أكمل وجه وأمكنكِ خداع الجميع بنجاح، فالكل يصدق أنكِ الزوجة الوفية التي تحب زوجها ولا تتوانى عن خدمته، وأنا فقط من يعرف الحقيقة، ولا أعلم كيف أتركك هكذا على قيد الحياة."
لم تعد لديها دموع كالعادة، فقد جفت من كثرة ما بكت، لذلك قالت:
"لأن هناك جزءًا بداخلك يعلم أني بريئة ولم يكن لي يد فيما حدث، حتى إذا كنت ترفض أن تصدق، إلا أنني لا أمثل."
أبعد وجهه وقال:
"أنا أصدق ما رأته عيوني التي ذهبت. هل تظنين أن أي رجل يمكن أن يتغاضى عن رؤية زوجته بنفس المنظر؟"
لم يكمل، فأخفضت وجهها وقالت:
"أنت على حق، كان عليّ أنا أن أصدق الفيديو الذي رأيته لك مع سارة وهي بين أحضانك، ولكني لم أفعل لأني صدقت قلبي فقط. قلبي الذي أخبرني أن ذلك كذب وأنك لا يمكن أن تخون حبي لك. لم أصدق ما رأت عيني، ولكن صدقت قلبي. وأنت أيضًا صدقت قلبك، لأن قلبك يخبرك أنك تحب سارة وأن زواجك مني كان خطأ أو ربما خطة حققت منها ما أردت."
صمت لاح بينهم، إلى أن قال:
"لغة القلوب لم يعد لها مكان هنا. لقد انتهى كل شيء، ووجودك هذا لا داعي له، فهو يذكرني بكل شيء ويجدد ما كان."
هزت رأسها وقالت:
"حاضر، لن أجدد ما كان مرة أخرى."
وتأملت ملامحه وهي تودعه بين نفسها، فهي آخر زيارة لها ولن تراه مرة أخرى. غدًا صباحًا سيجرون له العملية. ستحضرها وتعود لتحضر الافتتاح، ثم تعود لتبقى كي تحضر فك الضمادات وتتأكد من أن بصره عاد إليه. وقتها سترحل لأنها لم تعد تريد البقاء، وسيمكنه أن يعود لنفسه وحياته ويكشف سارة وأفعالها.
سمعته يقول:
"تتحدثين وكأنها آخر مرة لكِ. أتمنى ذلك."
نظرت إليه وقد ملأها الندم على كل ما كان، ولكنها قالت:
"لن يكون هناك فارق."
ضاقت عيونه الميتة وقال:
"ماذا تعنين؟"
قالت بهدوء:
"لا شيء."
لم يرد عليها. تأملته مرة أخرى وهي تعلم أنها لن تكون معه بعد اليوم، عليها أن تذهب. قال بهدوء:
"يمكنكِ الذهاب، لست بحاجة إليكِ. لكل منا حياته ومستقبله الذي سيعيشه كما يشاء."
نظرت إليه وقالت:
"حقا، لدي مستقبل سأعيشه."
قال:
"مع أمجد؟"
رفعت عيونها إليه وقالت:
"أمجد؟ أتعلم، لم أعد أملك قوة للجدال فقد تعبت. فكر كما تشاء وعش الكذبة التي رسمتها لك حبيبتك وانساني وانسَ ما كان."
ثم تحركت إلى الباب، ولكنه قال:
"وأنتِ، هل ستنسيني؟"
نظرت إليه وقالت:
"يمكنك أن تجيب بنفسك، فأنا لن أفعل."
خرجت والألم يسرقها إلى الخارج. ومن داخلها كانت تسخر من نفسها وكيف أنها تفعل كل ذلك وكيف تقوى على تحمل كلماته! والأغرب أنها لم تجد دموعًا تواسيها كما كانت. وتساءلت، هل أصبح قلبها قاسياً؟ أم ماذا؟ هل مات الأمل؟ هل انتهت حدود التضحية؟ نعم، لقد كسرت سارة ووليد فيها كل أمل يمكن أن تحلم به. لقد أهانها هو كثيراً وقسى عليها أكثر، ولكن هي تعلم أن لديه كل الحق. إنها حتى لم تجد ما يمكنها أن تفعله لإثبات براءتها، لذا لابد أن تنتهي من حياته لأنه لم يعد متبقياً لها أي شيء بها.
في الصباح كانت بالخارج تنتظر خروج الأطباء من غرفة العمليات. بالطبع لم يخبروه بشيء، ووقعت هي على الأوراق وتحملت المسؤولية. المشفى. مر الوقت بطيئاً ومخيفاً. إلى أن خرج الأطباء واتجه مدير المشفى إليها مبتسماً وقال:
"الجميع سعداء من الجراحة ولديهم أمل لا يقل عن تسعين بالمائة أنه سيبصر مرة أخرى."
ابتسمت بسعادة وقالت:
"الحمد لله. كنت أعلم أن الله لن يتركه. متى سنعرف النتيجة؟"
قال:
"غداً صباحاً سنزيل المضادات. أما الآن فهو ما زال في الإفاقة، بالطبع سيتعصب علينا وربما يقاضيني على ما فعلت عندما يعلم أننا أجرينا الجراحة دون علمه. وأنتِ أيضاً بالتأكيد لن يرحمك، ولكنك بدون مجاملة تستحقين أكبر جائزة على ما تفعلينه معه."
ابتسمت وقالت:
"هو زوجي يا دكتور، وما أفعله واجب على كل زوجة."
ابتسم وقال:
"ليس كل الزوجات بهذا الإخلاص مدام. أنتِ حتى ترفضين إخباره بالحمل حتى لا يوقف وجودك هنا ويطلب منكِ الراحة. أنا معجب بكِ يا مدام."
شكرته بصدق ثم قالت:
"هل تظن أنه سيثور بشدة؟"
عاد إلى الجدية وقال:
"أظن ذلك، ولكني أخبرت الممرضة أن تعطيه بعض المهدئات كي لا تزداد عصبيته. ستكونين هنا، أليس كذلك؟"
قالت:
"لا أعلم بعد، لأنني لابد أن أذهب. الافتتاح اليوم ولابد أن أكون موجودة. سأحضر في الصباح الباكر."
ابتسم الرجل لها وقال:
"من الجميل أن يكون في حياة الرجل امرأة مثلك."
بادلته الابتسامة وقالت:
"أشكرك."
عادت إلى الفندق الذي أصبح جاهزاً من كل شيء. ولم يتركها جاك وموريس يتبعونهم. ولا تنكر أنها استفادت من خبرة جاك كثيراً.
اجتمعت بهم سارة، رغم أنها لا تعرف شيئاً عن الافتتاح. فقد أخفى جاك وأمل الأمر عنها لأن الدعاية قد أقيمت قبل حادث وليد. وسارة لم تتعمق في دراسة الأمر، وإنما كانت اهتماماتها تنحصر في الأموال. لذا لم يفهم أحد ماذا أرادت من الاجتماع، سوى شيء واحد، وهو ألا أوامر لأمل، وكل الأوامر لها هي فقط. وقد تبادل الحاضرين النظرات لأن الجميع كان لا يعلم ماذا يحدث، ولكنهم بالنهاية كانوا يفعلون الصواب، وهو ما يعني الرجوع إلى أمل أو جاك فقط.
أصر جاك على الاجتماع بعد سارة مع نفس الرجال، ولكن بعدما ذهبت سارة وحضرت أمل مع جاك وكل المختصين بإدارة الفندق. وأعطت هي كل التعليمات اللازمة، وانفرجت أسارير الجميع لكلماتها المشجعة وشكرها لجهود الجميع. ثم أنهت الاجتماع وانطلق الجميع للاستعداد لساعة الصفر. وتبقت هي وجاك، الذي قال:
"كيف حال مستر وليد اليوم بعد الجراحة؟"
نظرت إليه بدون أي تعبيرات وقالت:
"بخير، غداً سيزيلون الضمادات."
تابعها بعيون متسائلة وقال:
"ستكونين معه، أليس كذلك؟"
لم تنظر إليه وهي تقول:
"سأكون بجواره أكيد."
نظر إليها وقال:
"لا أفهم."
قالت وهي تبتعد هاربة:
"لا يهم."
فقام الرجل ليتبعها وقال:
"إلى أين؟"
قالت:
"سأذهب لأستعد، لقد حان الوقت. هيا اذهب أنت أيضاً لتستعد."
وتركته وذهبت.
كان الافتتاح حقاً وهمياً. هي نفسها لم تكن تتخيل أن ينجح هكذا. لقد أدى الجميع دوره بمهارة، حتى العروض التي تم تقديمها كانت على أعلى مستوى، والحاضرون كانوا من أكبر رجال الدولة.
أبدى الجميع إعجابهم بالمكان، وكانت هي تحاول أن تبدو سعيدة أمام الجميع، إلا أن نظرات الحزن التي بعيونها لم يمكنها أن تخفيها، وبخاصة عندما يسألها أحد عن وليد وعن أخباره. فتثور الذكريات وتتجدد الأحزان.
انتهى الاحتفال قبل الفجر بقليل. ودعت الجميع ونظرت إلى جاك الذي قال بسعادة:
"أنا لا أصدق أن الأمر انتهى وأن الافتتاح نجح هكذا وكل شيء يسير على ما يرام. الأفواج وصلت ولم تعد هناك غرفة واحدة خالية. والأفضل أننا استطعنا حبس سارة بالمخدر الذي وضع لها بالطعام كي لا تشعر بشيء. ألف مبروك يا ابنتي، أنتِ امرأة رائعة حقاً."
ابتسمت بصعوبة وقالت:
"أنا وحدي لم أكن لأفعل شيئاً، أنت من علمني وأرشدني وكل العاملين ساعدوني، أنتم من ينسب إليه هذا النجاح. عليك أن تصرف للجميع مكافأة كبرى."
قال بسعادة:
"بالطبع سأفعل، والآن كلنا بحاجة إلى الراحة، هيا لابد أن ترتاحي."
نظرت إلى نور النهار الذي كان قد بدأ يظهر فقالت:
"بل لابد أن أغير ملابسي وأذهب إلى المشفى."
في التاسعة صباحاً، كانت في مكتب مدير المشفى الذي قال بدهشة بعد أن سمع كلماتها التي فاجأته:
"ولكن لماذا لا يمكنكِ البقاء؟"
قالت وهي تخفي عيونها عنه:
"سأكون معكم إلى أن أطمئن عليه، ولكن بعدها لابد أن أذهب، لذا أخبرتك أن تهاتف مستر جاك في حال حدوث أي جديد."
قال بحيرة:
"ولكنه سيكون بحاجة إليكِ."
ابتسمت لنفسها ساخرة وقالت:
"لا أظن، لقد أصبح بخير ولن يحتاج إلي."
بالطبع لم يحاول الطبيب الاعتراض فقال:
"كما تشائين، هيا لندعنا نذهب."
دخل الجميع وظلت هي بجوار الباب وبدأ الطبيب يفك الضمادة ووليد عصبي جداً ويقول:
"أنا سأقاضيكم، ولن أترك المسؤول عن ذلك."
حاول مدير المشفى تهدئته دون أمل إلى أن انتهى الطبيب المختص من عمله وقال:
"يمكنك أن تفتح عيونك الآن، ولكن ببطء."
كانت تقف خلف الأطباء كي لا يراها عندما يستعيد نظره. لحظات وسمعته يقول:
"أنا أرى ضوء شديد، بل أنا أستطيع أن أرى كل شيء."
تراجعت هي بسرعة إلى الخارج وقلبها يهمس:
"الحمد لله، اليوم انتهى وجودي هنا. الوداع حبيبي، أتى وقت الرحيل."
وانطلقت إلى الخارج وركبت السيارة التي انطلقت بها إلى المطار. وعلى سلم الطائرة نظرت خلفها: ستترك هنا كل شيء، أفراح، أحزان، ألم وراحة، حب وسعادة. وأخيراً، دمار أحاط بها حطمها وأذهب كل ما كان حتى قلبها انتهى ولم يعد له وجود. لقد انتهى كل شيء وستبدأ رحلة جديدة. رحلة لم تحاول أن تفكر بها من قبل، ولكنها الآن تفعل. أمها وما ستفعله عندما تعرف ما أصاب ابنتها الكبيرة التي ظنت أنها تميزت بالعقل والحكمة، ولكن ذلك الرجل أفقدها كل شيء ولم تعد تملك الآن إلا قلب محطم وحمل لا تعرف مصيره وربما عار ستنعتها به أمها للأبد.
رواية حب وتضحية الفصل الخامس عشر 15 - بقلم داليا السيد
وقفت أمام باب الشقة وترددت يدها قبل أن تدق الباب.
لتنتظر حتى فتحت هبة الباب لتصرخ من المفاجأة عند رؤية أختها وأسرعت تحضنها بشدة.
خرجت الأم على صرخة ابنتها فرأت أمل وهبة فأسرعت إلى ابنتها وهي تناديها بقلب متلهف ومتشوق للقاء.
فتركت أختها وأسرعت إلى حضن أمها الذي اشتاقت إليه.
هدأت الأشواق وحملت هبة الحقائب إلى الداخل وبدأت تعبث بها وهي تقول:
"ما كل هذا يا أمل؟"
قالت:
"من أجلك وأجل ماما"
ابتسمت الأم وقالت:
"حبيبة قلب ماما كم افتقدتك يا ابنتي ولكن لماذا لم تخبرينا بعودتك؟"
لم تنظر لأمها وقالت:
"لم أكن متأكدة من موعد وصولي"
نظرت إليها أمها ثم قالت:
"ووليد هل عاد معكِ؟ هل شفي وعاد إليه بصره؟"
تناثرت مشاعرها من داخل قلبها على أرض الواقع ومع ذلك قالت:
"نعم ماما استعاد نظره ولكنه لم يعد معي مازال هناك"
كانت هبة تلهو بالملابس والهدايا ولكن الأم انتبهت لحال ابنتها فقالت:
"ولماذا عدتِ وحدك؟ أخبرتينى أنه لا يقبل ألا تكوني معه"
شعرت بحرارة بجسدها وربما عاودها التعب من الرحلة فشعرت بتقلصات بمعدتها.
تحاملت وقالت:
"ولكنه وافق يا ماما، اسمحي لي أنا أريد أن أرتاح الرحلة كانت طويلة ومتعبة"
نهضت إلى غرفتها وجلست على طرف الفراش وهي تسترجع كل الذكريات وربما منذ عرفته وعندما أتى هنا ليطلب منها السماح لم فعل وأن توافق على أن تكون معه.
شعرت بيد على كتفها ففزعت وهي تنظر لتجد أمها.
جلست الأم أمامها فهربت بعيونها منها بينما قالت أمها:
"ماذا حدث هناك؟"
نهضت مبتعدة وقالت:
"ماذا حدث يا أمي؟ أنتِ تعلمين كل شيء"
صمتت الأم قليلاً قبل أن تقول:
"منذ متى تخفين عني شيء يا أمل؟ عيونك تفضحك وتلك العيون الباهتة، والهالات السوداء وبشرتك الشاحبة كل ذلك أكيد له سبب ولن تخفيه أكثر من ذلك لإني لن أصدق أن لا شيء أصابك هناك"
دخلت هبة وهي تحمل الطعام وقالت:
"وها هو الطعام من أجل أجمل أخت بالدنيا"
وضعت الطعام فقالت الأم:
"شكراً يا هبة والآن اذهبي لإفراغ الحقائب أريد أن أتحدث مع أختك قليلا"
حدقت هبة بهم لحظة ثم خرجت دون جدال.
بينما نهضت الأم إلى ابنتها ووقفت أمامها وقالت:
"أمل تحدثي وإلا سأتصل بوليد وأعرف منه ماذا حدث"
التفتت إلى أمها وقالت:
"ماما من فضلك أنا بالفعل متعبة ربما بعد أن ارتاح نتحدث"
صمتت الأم ثم قالت:
"حسنا هيا تعالي لتتناولي الطعام إنه مما تحبينه، أنت بحاجة للطعام"
لم تكن لديها أي رغبة بالطعام ولكنها لم تشأ أن تثير ظنون أمها أكثر من ذلك.
ولكن خانتها نفسها عندما ثارت معدتها على رائحة الطعام وشعرت بالرغبة في القيء.
فأسرعت إلى خارج الغرفة للحمام ولم تجد ما تلقيه إلا عصارة صفراء واشترك الدوار وكأنه اتفق مع القيء عليها.
غسلت وجهها وهي تستند إلى الحوض من الدوار وشعرت بيد تسندها وصوت ينادي باسمها.
عرفت أنه صوت أمها، وهي تغمض عيونها وتتحرك بدون هدى من الدوار.
أجلستها أمها على الأريكة ونادت على هبة ومنحتها بعض العصير.
تناولته بدون اعتراض إلى أن هدأ الدوار وبدأت تستعيد نفسها.
فتحت عيونها لترى نظرات الأم إليها تحوي معان كثيرة.
قالت هبة بلهفة:
"أمل ماذا حدث؟ هل أنتِ بخير؟"
هزت رأسها وهي تهرب من أمها ثم اعتدلت.
فقالت الأم بلهجة حادة:
"تعالي إلى غرفتك أريدك"
أدركت أن لحظة المواجهة قد حانت.
فتابعت أمها بنظرها وهي تتقدم إلى غرفتها ثم نهضت إلى الداخل.
سقطت على الفراش بعد أن انتهت وهي تقول:
"وطلقني"
صمت مخيف مر وهي تتذكر تلك اللحظات.
حتى سمعت صوت أمها تقول:
"والحمل؟"
نظرت إلى أمها التي عرفت دون أن تخبرها.
فقالت:
"لم أكن أعلم، عرفت وأنا بالمشفى بعد إصابته بالحادث"
لم ترد الأم.
فقالت أمل بحزن:
"ماما أرجوكِ لا تفعلي بي ذلك فلن أتحمل"
أخفضت الأم عيونها ولم ترد.
فاتجهت أمل إليها وقالت:
"غصب عني ماما لم أستطع أن أقاوم، أعلم أني أخطأت ولم أفعل ما علمتيني إياه ولكن"
لم تشعر إلا وأمها تصفعها على وجهها وهي تقول:
"كفى، أنتِ لست ابنتي التي ربيتها وعلمتها وشاركتها هموم الحياة"
وضعت يدها على وجهها وسرت دمعة من عيونها وهي تدرك أنها تستحق كل ذلك.
فلم ترد.
بينما أكملت الأم:
“ ألم تفكري بنفسك وسمعتك وأنت عائدة إلي مطلقة وتحملي ابن رجل يصدق أنكِ خائنة؟ ماذا فعلتِ بنفسك ولماذا؟ من أجل الحب؟ وأين هو الحب الآن؟ وأين هو الحبيب الذي ألقيت الدنيا كلها خلفك وضحيت من أجله وفقدت عقلك وحكمتك وضحيتِ بشرفك وسمعتك؟ أنا لا أصدق أنكِ ابنتي التي أعرفها، لا يمكن أن تكوني هي"
ثم تركتها وذهبت.
وظلت هي بمكانها لا تقو على الحركة وكلها ندم على ما فعلت لأنها كانت خطأ ومن سار بالخطأ وقع أسير نيرانه.
ومع ذلك تشعر أن الظلم قد بلغ بها ذروته أيضاً وأنها لم تعد تتحمل هذا القدر من القسوة والظلم والألم.
تهاوت ساقاها من ثقل الهم وشعرت بنفسها تسقط على الأرض وألم يمزق أسفل بطنها وظهرها وربما سائل دافئ يتدفق من بين ساقيها.
وفتحت فمها لتنادي على أمها ولكنها تراجعت ولم تفعل.
ربما تترك نفسها لم دبرته لها الأقدار أو ربما حان موعد راحتها من كل ما حدث.
فأغمضت عيونها واستسلمت للظلام الذي أحاط بها.
عندما فتحت عيونها أدركت أنها بغرفة بمشفى والمحلول متصل بذراعها.
حركت ذراعها بألم ولكنها سمعت أمها تقول:
“أمل، أنتِ بخير؟"
رأت أمها تجلس بجوارها وتنحني عليها بقلق واضح.
فقالت بضعف شديد:
"نعم ماما، ماذا حدث؟"
قالت الأم بحزن:
"وجدناكِ فاقدة للوعي فأحضرنا الإسعاف التي أحضرتك هنا وعرفنا أنه إنذار بالإجهاض يا أمل، جسدك انهار تحت ثقل ما تحملينه"
أخفضت عيونها ولم ترد.
فقالت الأم:
"كنتِ تريدين الموت يا ابنتي؟"
وأخيراً فكت قيود دموعها.
فاقتربت منها الأم وقالت:
"وأنا؟ لم تعودي تفكرين بي؟"
نظرت لأمها وقالت بألم:
"بل لأني فكرت بكِ أردت الرحيل، أنا سبب ألمك وحزنك، أنا من ألحق بك العار، لا مكان لي هنا فأنا تعبت يا ماما تعبت ولم أعد أتحمل أكثر من ذلك خاصة إذا كنت سأخسرك"
دمعت عيون الأم وأمسكت بيد ابنتها وقالت بحنان:
"ما حدث قد حدث ولا مجال للندم الآن، علينا أن نهتم بصحتك الطبيب أشار بأن الأمر كان صعب وكدتِ تفقدين الجنين"
قالت بحزن:
"لو فقدته لانتهى جزء من همومي وأحزاني"
قالت الأم:
"استغفري ربك يا ابنتي إنها عطية الله ولا يمكننا أن نفرط في عطيته، لا ذنب له في كل ذلك وربما يكون سبب في سعادتك بيوم ما"
أبعدت وجهها وقالت:
"سعادة؟ أمثالي لم يعد لهم حق في البحث عن السعادة لقد انتهت الكلمة بكل معانيها من حياتي وحل محلها اليأس والحزن والألم، سارة كانت على حق بأنها ستنتصر فقد هزمتني ودمرتني"
قالت الأم:
"وأنتِ تركتِ لها الساحة وهزمتك بسهولة، أنت حتى لم تحاولي إثبات براءتك أمام زوجك فمن حقه أن يتمسك بإنكارك، والآن تريدين الانسحاب من ساحة الأمومة أيضاً، لم أكن أعلم أن ابنتي التي كنت أظنها قوية وعنيدة وصلبة يمكن أن تكون بهذا الضعف"
التفتت لأمها التي أكملت:
"هيا استسلمي أيضا للانهيار وابحثي عن طريقة للموت كي تفري من كل شيء، هل هذا ما علمتك إياه؟"
قالت بدموع غزيرة:
"لم أعرف ماذا أفعل كنت تائهة ووحدي وتخلي وليد عني أضعفني أكثر، لم أفكر بإثبات براءتي بقدر ما فكرت أن أكمل واجبي كزوجة تجاهه حتى ولو كنت طليقته، خفت يا ماما، نعم خفت من سارة وشعرت أني لا أعادلها قوة خاصة وقد عادت إليه ومنحها الصلاحيات لإهانتي أكثر، وما أن شعرت أني بنهاية الحكاية سأخسرك أنتِ; وقتها فقدت الرغبة في الحياة ولم أعد أريد أن أكمل فلا شيء يجعلني أفعل بعد ذهابك عني"
شدت أمها على يدها وقالت بنفس الدموع:
"لا يمكن لأي أم تحب أولادها أن تخسرهم مهما كانت أخطاءهم كبيرة، فقط هو غضب يأخذ وقته وينتهي حبيبتي وبالنهاية أنتِ ابنتي قطعة مني لا يمكن أن يبعدك عني أي شيء حبيبتي أي شيء هل تفهمين؟ ستظلين ابنتي لآخر العمر ولن تخرجي من أحضاني مهما بلغت أخطائك"
ثم مالت عليها واحتضنتها بقوة وقد علا صوت بكائهم هما الاثنان وكأنهم يغسلون بدموعهم الماضي الأليم وذكرى التضحية التي كانت في غير مكانها أو ربما كانت صحيحة ولكن الشر لوثها وأساء فهمها.
خرجت من المشفى إلى البيت ولكن باليوم التالي كانت أفضل حالاً وتعد حقيبتها للرحيل.
وأمها تقول:
“ ما أن تستقري هناك حتى ترسلي إلي لن نتركك وحدك هناك"
ابتسمت وقالت:
"بالطبع، معتز منحني عرض رائع وأنا تأكدت أنه لم يتراجع عنه أمس عندما اتصلت به وأخبرني أن مكان الإقامة جاهز وما أن أتأكد من أنه مناسب حتى أدعوكم إليه وتكون نتيجة هبة قد ظهرت ونبدأ إجراءات الكلية لي ولها"
أمسكتها أمها من ذراعها فنظرت إليها بدهشة.
فقالت الأم:
"ستكونين بخير أليس كذلك؟ أنا لم أعني ما قلت من أنكِ لابد أن تذهبي، أنا أريدك أن تتراجعي لا يمكن أن أتركك وحدك يا أمل لا تذهبي"
اعتدلت ونظرت إلى أمها وقال بحنان:
"أعلم ماما ولكن أعلم أيضاً أنه لا يمكنني البقاء هنا بعد ما حدث، لابد أن أرحل واطمأني لن أعود للضعف مرة أخرى فأنا دفعت ثمن ضعفي مرة غالياً جداً ولم يعد لدي قدرة على دفع المزيد"
رحلت إلى الغردقة حيث عرض عليها معتز أبو النصر إدارة فندقه الجديد هناك بعد أن قابلها كثيرا هنا مع وليد ثم قابلها بلندن أثناء حادث وليد.
لم يعرف أنها زوجته ولكنه وقتها عرض عليها العمل عنده ولكنها لم ترفض أو توافق لأنها كانت مشوشة الأفكار.
ولكن بعد عودتها كان عليها أن ترحل لن تبق والجميع لا يعرف أنها تزوجت وحملت ولن يصدق أحد أنها شريفة فرحلت دون نقاش.
لم يكن الأمر بالغردقة بسهل فصغر سنها جعلها غير مقبولة بين العاملين القدامى وربما لم يكن هناك مساندة مثل تلك التي كان يمنحها إياها وليد.
ومع ذلك استطاعت أن تواجه ما يواجها ولم تتراجع أو تضعف كما وعدت أمها.
وبنهاية الشهر كانت قد وضعت بصمتها بالمكان واعترف معتز بذلك بنفسه وقال وهو ينظر إليها وقد تغيرت ملامحها بالطبع نتيجة الحمل وقد ارتدت دبلته أمام الجميع ولكنها لم تخبر أحد بمن هو زوجها.
“تبدين مختلفة يا أمل"
قالت:
"ربما الإرهاق فقد كان الأمر صعب الأسبوع الأخير، خاصة مع عودة الدراسة بالكلية"
نظر إلى قوامها وهو يسير بجوارها وهما يقومان بجولة بالفندق داخل القرية وقال:
"لا أقصد ذلك، ولكن وزنك زاد وملابسك تغيرت"
فهمت قصده فقالت بصراحة:
"نعم فأنا حامل"
توقف فتوقفت ونظر إليها فلم تهرب من نظراته وهو يقول:
"لم تخبريني بذلك يا أمل!"
قالت بثقة:
"وهل يغير ذلك من الأمر شيء مستر معتز؟"
أخفض وجهه لحظة ثم عاد وقال:
"لا أعلم يا أمل ولكن حمل يعني ولادة وأجازة وضع والأمر هنا لا يحتمل ذلك"
ابتسمت وقالت:
"لا تقلق سأدبر الأمر قبلها ووقتها ستكون ماما قد أتت ولن أطيل الاجازة"
هز رأسه ثم عاد وقال:
"وترى من هو والده وأين هو؟"
سمعت صوت ارتج له جسدها وأصابها بدوار كاد يسقطها وهي تسمعه يقول:
“ موجود يا معتز"
رواية حب وتضحية الفصل السادس عشر 16 - بقلم داليا السيد
انتهت الأحزان.
رفعت وجهها إليه وقد بدا كما عرفته دائماً؛ أنيقاً ووسيماً. نظراته إليها حادة كالصقر. عادت إليها الحياة كما عاد قلبها يخفق بقوة، أعادتها إلى أيام عشقها له. أطبقت بأصابعها على دبلته وكأنها تذكر نفسها أنها قوية ولن تضعف، ولكن هيهات.
التفت معتز إليه وامتلأت نظراته بالدهشة وهو يهتف:
"وليد كامل، كيف حالك يا رجل؟ أراك أصبحت بخير بعد تلك الحادثة، ولكن أين اختفيت بالفترة السابقة؟ ومتى عدت؟"
أبعد نظراته إلى معتز وقال:
"اختفيت بلندن، كنت أكمل ما لم تكمله مديرة أعمالي التي سرقتها أنت. وعدت أمس لاسترد ما يخصني."
تحركت لتبتعد، ولكنه أمسكها من ذراعها وأوقفها أمامه وقال:
"ليس بهذه السرعة."
أبعدت يده عنها وقالت بقوة:
"اتركني، لا أريد البقاء."
تدخل معتز وقال:
"ماذا يحدث يا وليد؟ اتركها، لم تعد تعمل معك."
لم يبعد عيونه عنها وهو يقول بقوة:
"فعلاً لم تعد تعمل معي، ولكنها ما زالت زوجتي."
تراجع معتز بالطبع، بينما عادت الرجفة تهز جسدها. سمعت معتز يقول:
"زوجتك؟ بصراحة أنا لا أصدق ذلك، فهي تركتك وتركت العمل معك وعادت، ولها شهر تعمل معي."
لم تنتبه إليه عندما جذب يدها بقوة وأخرج دبلته من بين أصابعها ومنحها إليه وقال:
"يمكنك القراءة، أليس كذلك؟"
أبعدت وجهها عنه، بينما أعاد معتز الدبلة إليه وقال:
"حسناً، أنا أنسحب، لكن لن تخبرني أنك هنا.."
قاطعه وليد بقوة وقال:
"بلى، أنا هنا من أجل ما فكرت به. هي زوجتي، فابحث لك عن سواها، فهي استقالت منذ هذه اللحظة."
نظرت إليه ومنعها خوفها من إثارة ما بينهم أمام معتز، الذي هز رأسه وقال:
"تمام يا وليد، كما تشاء."
وابتعد معتز. تحركت هي الأخرى لتبتعد، ولكنه عاد وأسرع ليقف أمامها. فقالت بغضب:
"والآن ماذا تريد مني؟ ألم تفعل ما أردت؟ ماذا تريد مني الآن؟"
نظر بعيونها الغاضبة وقال:
"أجبت عن هذا السؤال مرتين."
قالت:
"للأسف ما تريده ليس موجود، فقد انتهى ولم يعد له وجود."
كادت تذهب مرة ثالثة، ولكنه أمسكها بقوة وقال:
"لا أمل، لم ينتهِ شيء، بل الآن بدأ كل شيء."
تركت ذراعها بيده وقالت:
"ولكني لم أعد أريد أن أبدأ معك أي شيء، لا أريد."
قال بهدوء اعتادته منه:
"ولماذا تحتفظين بدبلتي بيدك حتى الآن إذن؟"
حدقت به لحظة وقد احمر وجهها من الغضب، إلى أن قالت:
"نسيتها بيدي، كما نسيتك ونسيت كل ما كان."
أبعد وجهه لحظة، ثم عاد إليها وقال:
"هل يمكن أن نجد مكان لنتحدث بهدوء قبل أن نكون مثار حديث للجميع؟"
قالت:
"ولم لا نبقى؟ ولا تقلق، فنحن نجيد التمثيل جيداً وبالتأكيد سنحظى بالكثير من التصفيق."
ضغط على ذراعها وقال:
"كنتِ تعلمين أني على حق ولي عذري."
قالت بغضب:
"إذن لا داعي لوجودك ولا لوقوفنا هكذا، واتركني فأنا لا أطيق وجودك."
وخلصت ذراعها منه وتحركت مبتعدة، ولكنه لم يتركها، وإنما تحرك خلفها حتى وصلت لمكان فارغ من الجميع. فوقف أمامها وقال:
"هل كنت تظنين أن منظرك أمامي بين أحضان رجل آخر شيء سهل؟ لقد كانت الخطة محكمة وخيانتك واضحة."
هتفت بغضب:
"نعم خيانتي فعلاً كانت واضحة، ولذلك لم أتركك وأرحل وتحملت كل إهاناتك وأنا خائنة. هل تسمع نفسك يا وليد؟ لقد انتهى كل شيء ولم يعد بيننا أي شيء."
ولكنه قال بقوة:
"كفى أمل، اهدئي واسمعيني. أعلم ما كان مني، ولكني لم أخطئ وأنت."
قاطعته بحزن وغضب:
"حسناً، وأنا لم أطالبك بالاعتراف بالخطأ. فاتركني لحالي، أنا لم أعد أريد أن أسمع منك أي شيء بعد الآن. لقد انتهى كل ما بيننا، أنت من أنهيته. وأنا لست دمية بيدك تلقي بها وقت تشاء وتعيدها وقت تشاء. أنا بشر، تحملت من أجلك وضحيت أيضاً من أجلك، ولكن الآن نفذ رصيدك عندي وليد، ولم يعد لدي ما أضحي به من أجلك. يكفي أني كدت أخسر أمي وحياتي، فأرجوك اترك لي شيء يمكنني أن أعيش من أجله، نفسي التي لن تسامحك بعد ما كان."
قال بقوة:
"أمل، أنا ما زلت زوجك ولي كل الحق بأن أعيدك."
قالت بنفس الغضب:
"وأنا لا أريد أن أعود يا وليد، لا أريد. طلقني من فضلك، فأنت لم تحبني بأي يوم، وأنا لن أظل عمري أعيش مع رجل لا يثق في امرأته ولا يقدر مشاعرها. أنت هكذا ولن تتغير، فقد فعلت ذلك مع سارة عندما عرفت أنها تركتك لسواك، وفعلت معي المثل، عاقبتني وآلمتني بدون رحمة. والآن تظن أني سأعود؟ أنت تحلم، فأنا لن أعود."
تحركت من أمامه ولكنه أمسكها من ذراعها وقال بقوة:
"ما حدث كان أقوى مني، أمل، وأي رجل بمكاني لم يكن ليقبل بما كان. كان عليك إثبات براءتك أمامي، ولكنك لم تهتمي."
أبعدت ذراعها من ذراعه وقالت:
"لأني لم أكن وليد كامل بنفوذه وقوته وغروره لأفعل. ولم يكن لدي الوقت ولا القدرة، كنت حائرة ما بين واجبي كزوجة تجاه زوجها المريض، وبين ما عشت أنت عمرك تبنيه وكاد يضيع بلحظة. وليد، اتركني أرجوك، أنا أتعب من ذكر تلك الأيام، فذكراها تؤلمني وأنا تألمت بما يكفي، فمن فضلك دعني لحياتي، فأنا أريد أن أعود كما كنت، ربما أعالج الجراح التي تركها حبك بحياتي، لأني لن أعود لك."
وتركته واتجهت إلى غرفتها والدموع تغطي عيونها بحزن وألم مما كان، وكأن الذكريات القريبة كلها تمر على ذهنها. سقطت على طرف الفراش وهي تتألم من الذكرى والدموع تنهار بلا توقف، وهي تعلم أن قربه ألم وبعده أيضاً ألم، ولكنها لن تعود إليه. فتخليه عنها وتصديقه لما رأى جعلها تفقد ثقتها في حبه لها، بل أدركت أنه لم يحبها بأي يوم.
أعدت حقيبتها وأدركت أنه لم يعد لها مكان هنا، وعليها أن تعود لبيتها وأحضان أمها. ربما الآن هي بحاجة أكثر لوجودها معه.
لم تتردد وهي تتحرك إلى خارج الفندق، ولم تفكر أين هو ولماذا لم يتبعها أو يحاول معها مرة أخرى، فهي كما قالت له لم يحبها وفعل معها كما فعل مع سارة، وأدرك الآن أنها لا تريده ولن تعود معه.
لحسن الحظ وجدت الباص على وشك الذهاب ومكان فارغ ينتظرها. وتحرك بها الباص وأسندت رأسها على زجاج النافذة وكل ذكرياتها الجميلة تمر أمامها. أحضانه، قبلاته، ابتسامته التي كانت تحلي الحياة أمامها، ثم تتوالى الأحداث المؤلمة فتعيدها لمكانها الحالي، امرأة محطمة تحمل طفلاً لا ذنب له إلا أن أمه فتاة طائشة وفاشلة وضعيفة، ولم يمكنها مواجهة فشلها وتهرب منه كلما واجهته.
مر الوقت سريعاً حتى دخل الليل. ولم تنكر أنها شعرت بالتعب من المشوار الطويل وقد تألم ظهرها وأصابها ألم بأسفل بطنها. وأدركت أن طفلها يعلن عن اعتراضه على ما تفعله به، ولكنها لم تستسلم.
وأخيراً وصلت على فجر اليوم التالي وقد أنهكها التعب بتلك الشهور الصعبة للحمل. وتراجعت أمها بفزع عندما رأتها أمام الباب وقالت بفزع:
"أمل ابنتي، ماذا حدث؟ وما الذي أعادك الآن؟ هل أنت بخير؟"
كادت تحمل حقيبتها، ولكن أمها أسرعت تجذبها منها للداخل وهي تقول:
"اتركيها حبيبتي، تبدين متعبة، هيا ادخلي."
ألقت نفسها على الأريكة وهي تسيطر على الدوار الذي أحاط بها والآلام التي لا تنتهي، وقالت بتعب:
"ماما، أنا متعبة جداً."
أسرعت إليها الأم بلهفة وساندتها إلى غرفتها وساعدتها على الاستلقاء على فراشها. وبعدها لم تشعر بأي شيء.
عندما أفاقت، كان هناك رجلاً ينزع المحلول من ذراعها. فحاولت أن تعتدل ولكنها لم تقوى. بينما نظر الرجل إليها وقال:
"أراكِ بخير مدام؟"
هزت رأسها وقالت:
"نعم، ماذا حدث؟"
قال:
"لا شيء، الأنيميا تأخذ الكثير منك وبذلت مجهود كبير لا يتناسب مع الحمل. ولا أنصحك به مرة أخرى، المرة القادمة سيكون خطر جداً على الجنين وربما يؤدي للإجهاض."
أغمضت عيونها وهي تشعر بحزن. أوقف تفكيرها عندما فتح الباب ودخلت أمها وهي تمسك بالطعام وقالت:
"ها هو الطعام يا دكتور."
ابتسم الرجل وقال:
"وهي بخير الآن، فقط لابد من الراحة لعدة أيام ويفضل أسبوع على ظهرها والحركة قليلة مع الدواء الذي أوصيت به لتثبيت الحمل، ولا داعي للضغوط النفسية."
لملم الطبيب أشياؤه وتحرك للخارج. بينما اقتربت منها أمها ووضعت الطعام أمامها وقالت:
"هل سمعت الطبيب؟ هيا لتتناولي الطعام."
قالت:
"ماما، أنا متعبة الآن، من فضلك اتركيني الآن."
أبعدت الأم الطعام ونظرت إليها وقالت:
"لماذا رفضت عودته إذن طالما ما زلت تحبينه؟"
نظرت لأمها بدهشة. فربتت الأم على يدها وقالت:
"هو بالخارج، عاد خلفك مباشرة، وكالعادة هو من أحضر الطبيب، أمل."
أبعدت وجهها وقالت:
"ماما، من فضلك، أنا لا أريد أن أتحدث، أنا حقاً متعبة، اتركوني أرتاح."
لم تترك الأم يدها وقالت بحنان:
"هو يعلم أنه أخطأ يا ابنتي، وما زال متمسكاً بك."
عادت الدموع وقالت:
"الآن لم يعد متمسكاً بي، بل بابنه أو ابنته. وأنا لم أعد أريد أن أعود لرجل باعني من أجل كرامته وغروره. لا ماما، من فضلك."
ابتسمت الأم وقالت:
"اسمعي أمل، يوم عرفت بزواجك من وليد، كنت غاضبة وغاضبة جداً، وظننت أني لم أقم بتربيتك على الوجه الصحيح. ولكني عندما فكرت جيداً، أدركت أن الخطأ انحصر في أنك لم تخبريني، وأنك لم تقبلي الحرام أو ربما زواج عرفي كان يمكن أن يدمرك، أو حتى تنساقي في علاقة غير شرعية من أجل قلبك وحبك. لذا وقتها ما أن شعرت أنك ستضيعين مني، أعدت التفكير بأن وجودك معي بالدنيا كلها، ولذا تغاضيت عن ما حدث واخترت ابنتي وحياتها ودعيت الله أن يعوضك بالخير يا ابنتي. واليوم ها هو زوجك ووالد ابنك يعود إليك نادماً على ما كان، مدركاً أنه أخطأ يوم فعل ما فعله بك. ألا تظنين أن من الصواب أن تعيدي تفكيرك مرة أخرى وتختاري المصير الذي ستكون نتيجته ليس عليك وحدك، ولكن على ابنك أو ابنتك؟ كلاهما بحاجة لأب يرعى مصالحهم ويحميهم من الزمن."
قالت من بين الدموع:
"أنت قمت بتربيتنا وحدك، وأنا يمكنني أن أفعل، لست بحاجة له."
دمعت عيون الأم وقالت بحزن:
"وهل ظننت أني فعلت ذلك بسهولة؟ لقد عانيت الكثير حتى أفعل. موت والدكم كسرني، وكنت أعيش بلا نوم ولا طعام كي أوفر لكم الراحة والطعام، وأعمل ليل نهار كي أوفر مصاريف الطعام والملابس والتعليم. صدقيني يا أمل، الأمر ليس بسهل أن تكوني أم وأب، بل هو من أصعب الأمور. ثم إن وليد بشر، يخطئ ويصيب، ومن حقه أن يطلب السماح من امرأته التي أحبته وضحت من أجله."
نظرت لأمها بنفس الحزن وقالت:
"ولكنه أهانني وآلمني بشدة يا أمي وتخلى عني."
قالت الأم بحنان:
"كانت الشياطين تتملكه وتلك الأفعى سارة تلعب برأسه، وأنت حبيبتي لم تثبتي براءتك وتركتيه لأوهامه التي تلاعبت بكرامته كرجل شرقي لقى امرأته عارية بين أحضان رجل آخر، فماذا تظنين أنه سيفعل؟"
عادت الدموع وقالت:
"لقد دمرني وحطم كرامتي."
ربتت الأم على يد ابنتها وقالت:
"وقتها كانت كرامته هو الآخر تتحطم، فكرامتك من كرامته، أنتم كيان واحد، وما يصيبك يصيبه، وما يؤلمك يؤلمه. السماح والمغفرة ليست بأمر سهل، ولكن المغفرة اسم من أسماء الله الحسنى، وهي تعني أن الله القوي القادر على كل شيء عندما يغفر، فليس ذلك ضعفاً منه، وإنما هي صفة القوة والعظمة. فكري يا ابنتي بمصير ابنك أو ابنتك، وبالأول بقلبك الذي كان سبب كل هذا، هل سيمكنك أن تقتلي الحب الذي نما داخله، أم تغفري وتسامحي؟"
وتركتها وخرجت وأغلقت الباب. عيونها والحزن والألم يتبادلان مشاعرها. هل حقاً يمكنها قتل الحب بداخلها؟ هل هي فعلت؟ هل نسته يوماً؟ هل استطاعت أن تكرهه أو تبعده عن عقلها وقلبها؟ بالتأكيد لم تستطع، فحبه يسكن كل جنباتها، ومنذ تركته ولم تشعر يوماً بالسعادة. وبالأمس عندما رأته أمامها، كانت ترقص طرباً من داخلها، ولكن غضبها جعلها تستبعد فرحتها ولا تتذكر إلا الألم.
دق الباب ودق معه قلبها، وهي تعلم أنه هو. فأبعدت وجهها ولم تنظر لمن دخل، ولكن عطره وصل إليها فعرفت أنه هو. شعرت به يجذب مقعداً ويضعه بجوار فراشها، ثم قال بحنان:
"لم تخبريني بالحمل؟"
لم ترد. فعاد يقول:
"أمل، أنا أعلم أن الأمور تفاقمت بيننا ووصلت إلى الذروة، وربما أنا أفلت زمام الأمور من يدي، ولكن غصب عني. كنت تعلمين موقفي، أكيد وقتها كنت على حق. أمل، من فضلك أجبي، لن أظل هكذا أتحدث مع نفسي."
قالت بحزن:
"لم يعد لدي أي كلام."
نفخ بضيق، ثم عاد وقال:
"لا أمل، ما زال هناك الكثير وعلينا أن نكمل ما بدأناه."
نظرت إليه بدموع، فلاحظت أنه بدا شاحباً وقد خلع جاكته وفك ربطة العنق وتركها على قميصه، ولم يكن يرتدي جاكته وترك شعر ذقنه على غير عادته. ولكنها لم تبدي أي اهتمام وهي تقول:
"أنت أنهيت كل شيء."
تراجع بمقعده وقال بغضب:
"اللعنة أمل، أخبرتك أني وقتها كنت على حق بما رأيته وبما حدث أمامي. زوجتي عارية بين أحضان كلب ينهش عرضي، ماذا كان علي أن أفعل؟ أمل، أنا لم أبالغ، لقد كنت صاحب حق."
هزت رأسها وقالت بسخرية:
"وما الذي أذهب هذا الحق الآن؟"
عاد ينحني للأمام عندما استجاب لكلماته وقال:
"الحقيقة، أنا أظهرت الحقيقة التي لم تحاولي إثباتها."
لم تتراجع وقالت:
"لم أكن وليد كامل لأفعل، فما زلت فتاة العشرين، ربما ناجحة بعملي، ولكن ليس لي بخطط العصابات أمثال حبيبتك، هذا إذا سمحت لي أن أقول عنها ذلك."
نفخ بضيق مرة أخرى وقال:
"أمل، لا يمكن أن نتحدث بتلك الطريقة، أمل من فضلك لابد أن ننهي كل ذلك."
قالت:
"أنت بالفعل أنهيته، فماذا تريد مني؟"
قال بحدة واضحة:
"لا أمل، لم أنهِ شيء. أخبرتك أنكِ ما زلتِ زوجتي، وأني أعدتك إلى ذمتي، والآن كفي عن هذا الجنون لأني لن أتحمله أكثر من ذلك ودعينا نتحدث بمنطقية."
لم ترد، بل وأبعدت وجهها عنه. ولكنه عاد يقول بنبرة مختلفة:
"والآن يمكننا أن نتحدث."
عندما لم ترد قال:
"ألا تظنين أن موقفك هذا غريب؟ أنا من أصيب بكرامته وقت أن رأيت ما حدث، وأنتِ لم تفكري حتى بإثبات العكس."
التفتت إليه وقالت:
"مرة أخرى؟ أخبرتك أنه لم يكن لدي الوقت ولا المجال لأفعل. كنت أفكر بك أنت فقط وحياتك التي كانت بخطر وبصرك الذي رحل تلك الفترة. كما كان علي ألا أترك ما بنيته بسنوات عمرك يضيع. لم أفكر كيف يمكنني أن أحارب سارة وأستعيدك منها، لأنك كنت لها بدون صعوبة، وأدركت أن حتى لو أثبت براءتي، فلن يعيد ذلك شيء لأني لن أعود إليك."
تراجع من كلماتها المختلطة بدموعها وحدق بعيونها، ثم قال:
"لم أكن يوماً لسارة وكنتِ تعلمين ذلك."
قالت بنفس الغضب:
"حقاً؟ بدليل أنك جعلتها فوق رأسي تهينني بكل وقت وأمام الجميع. ألم تفكر بموقفي وأنا لا أجد إجابات لأسئلة من حولي عما يحدث لي من زوجي؟ ألم تتحرك مشاعرك تجاهي مرة وتشفق على قلبي الذي أحبك؟"
قال بضعف:
"كان الغضب يعميني وكرامتي تثير كل شياطيني وكنت أعاقبك بسارة."
قالت بألم وهي تقاوم تعبها وتنهض مبتعدة عن الفراش. كاد يتحرك تجاهها، ولكنها نهضت وقالت لتوقفه:
"وقد أحسنت العقاب حقاً."
حدق بها وقال:
"ومع ذلك لم ترحلي وتتركي كل شيء، وأوقفتِ سارة عما كانت تريد أن تفعل بي وبأملاكي."
لم ترد. فاقترب منها وقال:
"أمل، لا يمكن أن تنسي الظروف التي أحاطت بي، كانت كلها تدفعني ضدك."
لم تنظر إليه ولم ترد. فتغيرت نبرته إلى الحنان وقال:
"أمل، ما حدث كان أقوى مني ومنكِ، سارة أحكمت الخطة."
نظرت إليه بحزن وقالت:
"نعم، لدرجة أنك كدت تقتلني بدون ندم."
حدق بها لحظة قبل أن يبتعد ويقول:
"لن أعيد مبرراتي، الخيانة لا تُغفر يا أمل."
أخفضت وجهها وقالت:
"ولكني غفرت لك وقتها، بل لم أصدق أنك تخونني."
التفت إليها بحدة وقال:
"وأنا لم أفعل، لم أخنك يا أمل. الفيديو ليس حقيقياً كما هو. ما حدث معكِ، أنا لم أفكر أو أحب امرأة سواكِ."
ابتعدت وقالت:
"لا يا وليد، أنت لم تحبني بأي يوم. من يحب لا يؤلم، ومن أحب وأنت آلمتني بشدة وكنت تستمتع وأنت تفعل. أنت لم تحب سوى سارة، وأدخلتني حياتك من أجل أن تستعيدها، والآن عندما أدركت ما كانت تفعله عدت إلي ليس من أجل الحب يا وليد."
أعادها أمامه ونظر بعيونها الباكية والمتعبة وقال:
"من أجل ماذا إذن أعود إليكِ إن لم يكن الحب هو الذي أعادني؟"
تأملت ملامحه التي افتقدتها، ثم قالت:
"لم أعد أستطيع أن أصدقك."
مسح دموعها بيده وقال:
"لا أمل، لابد أن تصدقيني. أعلم أني صدقت ما رأيت، ولكن كان لي عذري. كلمات سارة لي من أن هناك شيء بينكِ وبين أمجد، صورك معه وأنتِ تقفين أمامه وتتحدثين، ثم بالنهاية ما رأيته. أعلم أيضاً أني تماديت في معاملتي لكِ، ولكن غصب عني يا أمل، أنتِ لا يمكنك أن تشعري بالنيران التي كانت تتأجج داخل صدري كلما تذكرت ما رأيته. كانت الغيرة والألم تملكني. لم أفكر يوماً أن أرى المرأة الوحيدة التي أحببتها واخترتها من بين نساء العالم لتكون زوجتي عارية بين أحضان رجل آخر. كاد الجنون يفتك بي وكدت أقتلك، ولكن ما أن رأيتك تذهبين عن الحياة وقت أن كدت أقتلك، حتى عدت إلى الوعي وأدركت ما كدت أفعله. وليس بسبب سارة كما أخبرتك، فهي كانت تدفعني لقتلك، لكني لم أستطع وتركتك بمجرد أن فقدتِ الوعي، وأسرعت أتبع ذلك الندل الجبان. ولكن مشهدك أمام زجاج السيارة وأنتِ على الفراش ظل يطاردني حتى غشت الرؤيا أمامي وحدث ما حدث لي من الاصطدام. لم يكن الأمر بالسهل صدقيني، كنت أتمزق بكل لحظة وأنتِ معي وأنا أهينك أو أجرحك، وبكل مرة كنت أظن أني بذلك سأجد الراحة. ولكن بعد رحيلك كنت أكره نفسي وألعنها ألف مرة على ما فعلت بكِ. وأنتِ اكتفيتِ بكلمات بسيطة لم تكن كافية بالنسبة لي لأصدق براءتك، فكان تعيين سارة كعقاب لكِ."
تأملته لحظة وقد أدركت أن كل كلماته صحيحة، ولكنها قالت:
"وأعطيتها توكيل."
هز رأسه نفياً وقال بجدية:
"زائف. التوكيل زائف، وبالطبع لم أعرف به إلا بعد عودتي عندما أطلعني جاك على كل شيء بالمشفى لأنه لم يجدك فجأة. وبالطبع عرفت منه كل ما كنتِ تفعلينه بغيابي وكلمات جاك عنكِ من حبكِ لي وتضحيتك بكرامتك أمام سارة من أجل إنقاذ أملاكي وأموالي، والفيديوهات التي سجلها رجاله لسارة، كل ذلك عرفته بعد رحيلك. فجاك منحاز جداً لكِ ويعتبر أفضل محامي بغيابك، وهو أول من ساعدني لإثبات براءتك لأنه لم يصدق ما كان. واتفقنا على خطة محكمة للإيقاع بسارة التي مع بعض الضغط أقرت بالحقيقة."
أخفضت وجهها وقالت:
"أخذت وقتاً طويلاً لتستوعب كل ذلك وتعود."
ابتسم وقال:
"كنت أموت بكل يوم وأنت بعيدة عني. فقدت أي معنى للحياة. فقط إثبات الحقيقة هو ما كان يصبرني على بعدك. حبيبتي، كما كان لابد من إنهاء الحساب مع سارة وأمجد قبل أن أعود إليكِ."
ابتعدت وقالت:
"تأخرت."
جذبها برفق ليعيدها أمامه ورفع وجهها إليه وقال:
"كنت أعلم أنكِ ستنتظرينني إلى نهاية العمر."
زادت دموعها وهي تقاوم ضعفها وقالت:
"ليس صحيح، لقد انتهيت من حياتي."
لم تذهب ابتسامته وهو يقول:
"كاذبة."
ابتعدت مرة أخرى وقالت:
"لا، لست كاذبة، لأنني لم أعد أريد أن أتألم مرة أخرى."
أحاط ذراعيها من الخلف واقترب منها وقال بحنان:
"لن يحدث، لن أسمح لنفسي أو لأحد أن يؤلمك مرة أخرى. لقد كان الدرس قاسياً جداً أمل، وقد تعلمت منه الكثير. لا يمكنني أن أعيش بدونك، أنت الحياة أمل."
أعادها أمامه ونظر بعيونها وقال بحب:
"أنا أحبك يا أمل، لم ولن أحب امرأة سواكِ."
عادت الدموع إليها، ولكنه مسحها بيده وقال:
"كفى يا أمل، كفى أرجوك، لا تزيدي من ألمي وندمي على ما فعلته بكِ. والله كان غصب عني، كنت أتمزق بكل مرة ترحلين فيها وتتركيني بالظلام الذي كنت أعيش فيه. كنت أطردك وأنا من داخلي أتمنى أن تبقي ولا تتركيني. كنت أتألم لألمك وأحزن لحزنك. لم يكن لحياتي معنى بدونك يا أمل، أنا آسف حبيبتي، آسف ونادم."
ثم جذبها إليه وأطبق عليها بذراعيه ودفن رأسه بعنقها وهمس:
"كم اشتقت إليكِ حبيبتي وإلى دفء أحضانك. الوحدة صعبة جداً حبيبتي، ولكن الآن أنت وهو تملؤون حياتي. كان عليك إخباري."
همست وهي بين أحضانه:
"خفت. نعم خفت ألا تصدقني وتدعي أنني أمثل، أو تتهمني بأنه ليس ابنك. خفت يا وليد، خفت من كل شيء. كنت وحدي ولا أجد الأمان ولم أعرف ماذا أفعل، لم أُجيد التصرف بأي شيء."
ضحك وأبعدها ونظر بعيونها وقال:
"وبالنسبة لافتتاح الفندق الذي هز لندن كلها وإحباط خطط سارة ووجودك بجانبي حتى اطمأننتِ إلى أن نظري عاد إلي، لم تتركيني أو تتخلي عني إلا بعد أن تأكدتِ أني عدت. كل هذا وتدعين أنكِ لم تجيدي التصرف؟ من الذي أجاد إذن حبيبتي؟"
رفع يده إلى وجهها وقال بحنان:
"أنت علمتيني معنى الحب والتضحية، وحبك أصبح كل حياتي. تملكني كما الروح، بدونك أموت أمل. أخبريني حبيبتي، أخبريني أنكِ لم تنسيني وأن ما حدث لم يخرجني من قلبك."
قالت بصدق:
"وكيف أنساك وحبك يجري بدمي يا وليد؟ فلو توقفت عن حبك توقف الدم بعروقي وانتهت حياتي."
جذبها إليه مرة أخرى وهتف:
"أحبك يا أمل، أعشقك حبيبتي، لا معنى لحياتي بدونك. لا تتركيني مرة أخرى، لم أعد أعرف كيف أعيش بدونك."
لم ترد. وهو يبعدها ليلتقط شفتيها بقوة العشق والشوق واللهفة، وأخيراً الحب. الحب الذي ولد ونما بينهما أصابه المرض فترة، ولكن قوته أعادته وجعلته يزداد قوة. لم تتراجع أو تقاوم، بل تعلقت ذراعاها بعنقه واستمتعت بقبلته وقربه وأنفاسه ودقات قلبه، إلى أن أبعدها وهي تلهث من انقطاع الأنفاس. ثم أحاط وجهها بيده وقال:
"عليك أن تستعيدي صحتك بسرعة، لدي مفاجأة لك."
انشرح وجهها وعاد إليه الدم والدفء لجسدها بوجوده وعودته. وقالت بلهفة:
"مفاجأة!؟ أي مفاجأة؟ هيا وليد أخبرني من فضلك."
ابتسم وقبل يدها وقال:
"وكيف تكون مفاجأة إذن؟ هيا تعالي لترتاحي وتتناولي طعامك، وغداً ستعرفينها."
كانت ليلة رائعة أمضتها بينهم جميعاً، وشعرت أن وليد تغير كثيراً ولم يتركها، بل وأمضى الليلة معها بغرفتها. ومع صباح اليوم التالي جلست بجواره بالسيارة وقالت:
"وليد، ألن تخبرني إلى أين؟"
ابتسم وأمسك يدها وقبلها وقال:
"لا تتعجلين حبيبتي، أوشكنا على الوصول. المكان ليس بعيد."
أكلها الفضول، ولكن بالنهاية أدركت الأمر عندما وقفت سيارته أمام باب كبير أسود. فقالت بسعادة:
"لا، لن يكون ما أفكر به صحيح."
ابتسم والباب يفتح ويدخل بالسيارة لترى تلك الفيلا الرائعة من طابقين والحديقة التي بدأت تظهر على جانبي الممر الذي سار به بالسيارة حتى توقف أمام الفيلا، وهي مأخوذة من المنظر. وما أن توقف حتى نزلت كالأطفال ووقفت أمامها وهي تهتف:
"وليد، هذا..."
ولم تكمل عندما أحاطها بيده وقال:
"نعم حبيبتي، هذا بيتنا. لن ينشأ أولادنا بالفنادق حتى ولو كانت ملكي. لابد من بيت. أنا تمنيت ذلك، ولكن كنت أنتظر يوم أجد تلك الأسرة، وأنت من منحتها لي."
فتح الباب ورأت امرأة قصيرة تبتسم. فدفعها برقة وقال:
"مدام سهير، مدبرة المنزل، زوجتي أمل."
قالت سهير باحترام:
"أهلاً مدام."
تقدمت وما زال يحيطها بذراعه. والسعادة أيضاً تحيطها وهي تتأمل المكان. وقال وهو يشير للباب الزجاجي:
"بالخارج حمام السباحة، بالطبع. وبالأعلى غرف النوم، هل نصعد لرؤيتها؟"
هزت رأسها بابتسامة جميلة. فقادها إلى الأعلى ورأت أبواباً كثيرة، حتى فتح واحدة وابتعد لتدخل هي. وفعلت وقد كانت السعادة تحملها لعنان السماء. دارت حول نفسها بالغرفة وقالت:
"إنها رائعة حبيبي، لم أحلم بكل ذلك بأي يوم."
وقف أمامها وأبعد شعرها عن وجهها وقال:
"وبماذا كنت تحلمين؟"
تأملته وقالت:
"أنت، لم أحلم إلا بك وبوجودك معي لآخر العمر."
جذبها إليه واحتضنها بقوة وقال:
"حبيبتي، أنا حقاً آسف ونادم على كل شيء وعلى كل يوم رحل من عمري وأنت لست معي. أمل، أنا أحبك جداً، أحبك كما لم أفعل بحياتي، لا تتركيني أبداً بعد اليوم."
أغمضت عيونها بين أحضانه وقالت:
"لن يمكنني أن أفعل، وليد، فحبي لك يقيدني بك إلى الأبد."
أبعدها وقال:
"نعم حبيبتي، إلى الأبد."
وبحث عن قبلتها كي يوقعا عقد الشراكة الأبدية، شراكة الحب والأمل. ولم يعد هناك داع للتضحية، لأن الحب أعاد لهما الحياة ومنحهما ما لم يجعل للتضحية مكاناً.