تحميل رواية «حب رحيم» PDF
بقلم سمر عمر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
“صدفة..” ” عارف أنت أجمل إنسان شوفته في حياتي..” قالت هذه الجملة سرًا.. وهي مستندة بوجنتها على قبضة يدها، وباليد الأخرى تقلب فنجان المشروب الساخن.. ومقلتيها البندقية تنظر إلى ذلك الرجل الجالس أمام طاولة تقع على الجانب الآخر منها. مرتديًا بدلة سوداء أنيقة أسفلها قميص ناصع البياض، تاركًا أزراره الأولى مفتوحة لتظهر بعض علامات عضلات صدره البارزة. كان يقلب في الهاتف النقال، وباليد الأخرى حاملًا فنجان القهوة السادة. أخذت تتأمله وهو لم يراها، بل لم ينظر حوله قط.. فهو يجلس بشموخ، حتى طريقة مسكته لفنجان...
رواية حب رحيم الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سمر عمر
” نظرة خجل.. ”شعر بثقل جسدها فضحك ضحكة خفيفة ثم عاد بها إلى الطاولةِ لتجلس على المقعد واعطى لها كوب ماء تناولت منه الكثير ثم وضعته أعلى الطاولة وقالت دون أن تنظر إليه :-عايزة أمشي حالًاوضع شعرها خلف أذنها فانتفض جسدها من لمسته ليشعر بتوترها الزائد وتركها حتى لا يحدث لها شيئًا ..ثم حمل باقة الورد واعطاها إليها وحمل هو صندوق الفستان مستعدًا للذهاب فنهضت متجهه نحو الباب مهروله.. لحق بها بخطوات ثابتة وعقب خروجه ضغط على زر فتح السيارة لتختبئ منه داخلها ..جلس هو أمام المقود وقام بوضع الصندوق على قدميها ثم قاد السيارة.. كانت ترمقه بنظرات سريعة وتشعر بالتوتر والسعادة معًا و يا له من شعور رائع حقا تود أن يبقى هذا الشعور في القلبِ للأبد..
عند وصوله صف السيارة فحملت أغراضها وترجلت فترجل هو الأخير واتجه نحو الباب وفتحه وجاءت تدخل وضع ذراعه أمامها مانعًا إياها من الدخول.. فابتلعت لعابها بصوت مسموع وحركت شفتيها تكاد أن تتحدث ولكن توقفت الكلمات في حلقها ..أخذ منها صندوق الفستان ثم تركها تدخل و تركض إلى غرفتها فيما دخل رحيم مغلقًا الباب خلفه واتجه نحو غرفتها بخطوات ثابتة كانت هي دخلت وأغلقت الباب ..وقف أمامه يدقه قاطبًا جبينه متسائلًا :-مش عايزة الفستان ؟وضعت يديها على وجنتيها التي تتوهج من كثرة الخجل ثم فتحت الباب ومدت يدها وهي تطلب الفستان دون أن تنظر إليه ..ابتسمت عيناه وهبط برأسه وقبلها على يدها برقه.. اتسعت عيناها ساحبه يدها إليها وقالت بارتباك :-الفستان لو سمحتدخل الغرفة وألقى بالصندوق ليسقط على الفراش ثم أحاط خصرها وبيده الأخرى أغلق الباب وجعل ظهرها يلتصق به واضعًا يديه بجوار رأسها ..شهقت بخفه وحاولت أن تتجاوزه لكنهُ منعها وأخذت عيناه تفحص ملامح وجهها عشقًا ثم قال بنبرته الرجولية التي اهلكتها :-عايز أسمعها تانيدفنت وجهها في كفيها تومئ بالنفي فانحنى برأسه يقبلها على ظهر يدها لتتوتر أكثر وسحبت يديها فورًا عن وجهها ..تفاجأت بأنه قريب منها لدرجة كبيرة حتى يكاد أن يلامس شفتيها وانفاسها المضطربة اختلطت بأنفاسه الثابتة فوضعت يديها على وجهها ثانيةً وهي تترجى أن يخرج ..أطبق شفتيه على ظهر يدها ثانية لتشعر بدفئهما ثم رفع رأسه وقال بحسم :-اسمعها تاني الأول وبعدها هخرجأطرقت رأسها تجز أسنانها بشدة ثم قالت بتوتر شديد :-بـ با ..بـ بحبكأحاط خصرها بكلتا يديه فوضعت يديها على صدره محاولة إبعاده.. احتضنها أكثر لتلتصق في صدره وقال بلؤم :-مسمعتش كويسزفرت بغضب وحاولت التحرر من بين يديه وهي تقول بتذمر :
-لاء بقى متحلمش بأكتر من كدهشدد عليها أكثر بذراعيه القوية مستند بأنفه على وجنتها لتشعر بأنفاسه الثابتة تلفح وجنتها فاصطبغت بحمرة الخجل وهو يهمس :-هحلم بأكتر من كده بمراحل يا ندى ..بحبكثم قبلها على جبينها بحنان وتمنى لها ليلة سعيدة وغادر الغرفة تاركًا إياها تتسارع مع أنفاسها التي تكاد أن تخرج من جسدها.. جلست على حافة الفراش تنظر إلى يديها التي ترتعش وكأنها كانت في حرب وبعد لحظات ابتسمت وكلمة ” بحبك ” لاتزال تتردد في أذنها بصوته الرجولي الذي خطف روحها***صباح اليوم التالي تناولت الفطار مع الاطفال في حديقة المنزل.. وبعد انتهاء الطعام ساعدت ريان على الصعود إلى غرفته وفتحت له ألعاب الفيديو يتسلى بها ثم نظرت إلى ساعة يدها قائلة :-ساعة واحده بس يا ريانلينظر إليها بتذمر طفولي قائلًا :-ندى احنا خدنا الإجازةأرتفع حاجبيها بتعجب وقالت ساخرة :-قال يعني حضرتك طالع من ثانوية عامة ..دا أولى ابتدائي يعني يعتبر طول السنه اجازة اصلا..ليلوي ثغره ثم تابع اللعب فقالت وهي واقفة أمام الباب :-هجيلك كمان ساعةثم أغلقت الباب واتجهت نحو الدرج واستمعت إلى صوت رحيم لتشعر بنبضات قلبها العالية تدق في صدرها و وقفت أمام الدرج تنظر إليه ..كان يجلس على ركبتيه أمام أشرقت ويبدو أنهم يرون شيئا هي لم تراه ..هبطت الدرج واقتربت خطوتين فقط و وقفت تفرك في أصابع يديها بتوتر ..نظرت أشرقت إليها وأشارت إليها أن تأتي قائلة :-ندى تعالي شوفي بابي جبلي أيه
التفت رحيم برأسه إليها وبمجرد أن وقع نظره عليها اتسعت عيناها وازدادت دقات قلبها ليصل صوتها إلى أذنيها ..استمعت إلى صوت ” مواء ” فعلمت أنها قطة فقالت بخوف :-قطة ..لاء بخاف من القططنهض رحيم متجه نحوها وهو يقول بذلك الصوت الذي يجعلها تذوب به :-حد يخاف من القطط ألا اذا كان رقيق وجميل زيك..ثم أمسك بكفها وعاد إلى القطة فتوقفت عن السير وقالت بجدية :-بخاف منها بجدجلس على ركبتيه وأجلسها معه وهي شبه مختبئة خلفه ثم وضع يدها على رأس تلك القطة البيضاء فشهقت بخوف وبيدها الأخرى تشبثت في معطفه من الخلف ليشعر بتشبثها به زابتسمت عيناه وتحدث سرًا :-لو كان الخوف كده فلازم اخوفها كل يومثم ترك يدها لتسحبها من على القطة فورًا ونهضت لتبتعد عنها فنهض هو الأخير وتقدم نحوها و وقف بجوارها هامسًا :-جميلة حتى وأنتِ خايفةثم تركها واتجه نحو الدرج فيما ابتسمت ندى ومسحت على وجنتيها مستديرة بكلتها لتنظر إليه حتى دخل غرفته ..حملت أشرقت القطة وطلبت من ندى أن تأتي معها إلى الحديقة.. فخرج الاثنان و وقفت ندى عن بعد تجانبًا للقطة.. وضعت القطة أمامها فصرخت ندى وتراجعت للخلف خطوتين وهي تقول بجدية :-أشرقت أنا بجد بخاف من القططابتسمت أشرقت وقالت بمزاح :-هو في حد بيخاف من القططابتلعت ندى لعابها بصوت مسموع وفي لحظة قفزت القطة على قدمي ندى فصرخت بفزع وتعثرت وهي تتراجع للخلف في توتر فسقطت في حمام السباحة ..جحظت عيني الصغيرة وصرخت باسم ندى التي تطلب النجدة من الغرق وترتفع رأسها وتهبط ثانية عدة مرات ..اقتربت أشرقت من حمام السباحة و وجدت نفسها تبكي خوفا على ندى ثم ركضت إلى الداخل تنادي بهستيريا البكاء :
-بابي ..بابي..خرج رحيم من غرفته فور سماعه لنداء أبنته بهذا الشكل وكان ماسكًا بسترته التي كان سيرتديها و وقف أمام الدرج ينظر إليها بلهفة قلق فقالت قبل أن يتحدث :-ندى يا بابي هتغرقاتسعت عيني رحيم تاركًا السترة تسقط أرضا وهبط الدرج بالقفز وخرج ليجد ندى مستسلمة للغرق.. قفز في المياه يسبح إليها ثم رفعها للأعلى و وضعها على الحافة.. خرج وجلس بجوارها على ركبتيه يربت على وجنتها برفق وهو يقول بخوف واضح :-ندى ..فوقي يا ندى..أخذ يضغط على مقدمة صدرها ثم مسح على شعره المبلل للخلف وهو ينظر إليها بقلق واضح.. وأخذ يحرك رأسه بالنفي وقال بنبرة ألم :-لاء يا ندى فوقي ..ندىشعر بأنه سيجن ثم انحنى واعطى لها تنفس صناعي وضغط على مقدمة صدرها ولكن بلا جدوى ..فجز أسنانه وبدا يضغط أكثر بجنون وقلبه يعتصر ألما فلم يطيق فراقها ثم بدًأ يهز رأسها وهو يقول بألم :-لاء يا ندى ..ندى ..ندى مقدرش أعيش لحظة من غيركأعطى لها تنفس صناعي وعاد بالضغط على مقدمة صدرها فعل هذا مرتان حتى خرجت المياه من فمها وسعلت بقوة ..وضع يده أسفل رأسها وبيده الأخرى يمسح على وجنتها يتطلع إليها بعينين استحوذ الخوف عليهما ..نظرت إلى عيناه مباشرةً لترى ذلك الخوف في عيناه للمرة الأولى فابتسم لها ثم قبلها على جبينها وحملها على ذراعيه ليدخل بها.. في ذات الوقت كانت تدخل السيدة وفيه المنزل بعد أن جلبت طلبات البيت.. وعندما رأتهم تركت ما في يدها ولحقت بهما إلى غرفة ندى ..وضعها على الفراش برفق ثم وضع الغطاء عليها وصعدت أشرقت إلى الفراش وقالت بحزن :-أسفه يا ندىلتنظر إليها ومسحت دموعها وقالت بصوت مبحوح :-متزعليش حبيبتي أنا كويسهدخلت السيدة وفيه تساءل عن حالة ندى لينظروا إليها دون أن يتفوه أحد بكلمة فتعجبت وكررت سؤالها فقال رحيم بنبرة ألم :
-وقعت في حمام السباحة ..من فضلك اعملي لها مشروب دافيثم خرج تحت أنظار ندى التي يبدو عليها السعادة ونظرة الخوف التي رأتها في عيناه عالقة في ذهنها ..لم تفيق سوى على يد السيدة وفيه التي تمسح على شعرها وقالت :-الحمد لله يا بنتي جت سليمة ..قومي غيري هدومك على ما اعملك ينسونثم خرجت مغلقة الباب خلفها فنهضت ندى وأخذت ثياب من الخزانة ثم دلفت إلى المرحاض ..بعد دقائق خرجت و وقفت أمام المرآة تمشط شعرها فقالت أشرقت :-خليني أسرح لك شعركلتراها ندى في المرآة ثم التفتت متجه نحو الفراش وجلست بجوار الصغيرة واعطت لها الفرشاة لتمشط شعرها وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي ندى مستمتعة بتمشيط الصغيرة لها.. دخلت السيدة وفيه وضعت الكوب أعلى المنضدة الصغيرة المجاورة إلى الفراش ثم نظرت إلى ندى وقالت بحنان :-اشربي وارتاحي شويةاومأت موافقة فيما نظرت السيدة وفيه إلى أشرقت بابتسامة وعلمت كم هي تحب ندى حقا ثم بدلت بها ملاءة الفراش المبللة بأخرى وبعد لحظات ..دق الباب فنظرت ندى إليه بلهفة على أن الطارق رحيم وعندما أذنت وفيه بالدخول فتح رحيم الباب ليرى ندى التي اتسعت ابتسامتها فور رؤيتها له.. لكن أطرقت رأسها دخل وعيناه مثبته على ملكة قلبه والتي اوجعت قلبه عليها اليوم ..تساءلت السيدة وفيه :-أنت خارج ؟!لينظر إليها بطرف عيناه ثم عاد بالنظر إلى ندى قائلًا :-أيوه أنا بس جيت اطمن على ندى قبل ما اروح المصنع..ثم تناول الكوب ومد يده به إلى ندى قائلًا :-اشربيه كله يا ندىأخذت الكوب من بين يديه متمتمه بالشكر.. وقف ينظر إليها بحنان تحت أنظار كلا من ابنته والسيدة وفيه ولم يعطي لهما اهتمام ..يود أن يحتضنها ويخبرها أنه يحبها كثيرًا ويطمئنها على نفسها من أجله ..حرك فقط كفيه بخفة يكاد أن يحتضنها ولكن تذكر وجودهم فتنهد بهدوء واستأذن منهم ليغادر..
رفعت ندى رأسها ولاتزال الابتسامة مزينه ثغرها وبعد تناول الينسون أخذت وفيه الكوب وأخذت أشرقت وخرجت لتستريح ندى ..ضمت الوسادة إليها تتذكر نظرات رحيم إليها وتبتسم..…… الساعة الثانية عشر صباحًا حاول رحيم أن يذهب إلى النوم و تململ على الفراش وهو يزفر بسأم ..فقلبه يود أن يطمئن على ندى لدرجة كبيرة فقد جاء من العمل رآها نائمة ولم يتمكن من رؤيتها.. ألقى بالغطاء بعيدًا ونهض يرتدي حذائه ثم خرج من غرفته مغلقًا الباب خلفه بهدوء هبط الدرج سريعًا متجه نحو غرفة ندى ..وقف يدق الباب ولم يجد رد فدق مرارًا وتكرارًا ثم استند بجبينه على الباب هامسًا :-اصحي يا ندىلم يسأم ودق الباب ثانية حتى استيقظت ندى بوجه عابس ونهضت عن الفراش بلهفة قلق وفتحت الباب.. تنهد رحيم بعمق ليشعر بالارتياح فيما تفاجأت هي به وتساءلت بتوجس :-حصل حاجة ؟!صمت للحظات ثم أومأ بتأكيد ودخل مغلقًا الباب خلفه.. واحتضنها بقوة هامسًا :-ندىثم اغمض عيناه مستنشقًا للهواء بهدوء..اتسعت عيناها قليلًا معلقه يديها في الهواء وبعد لحظات ابتعد عنها وهو يلتقط أنفاسه بصوت مسموع واضعًا وجنتيها بين راحتي يديه قائلًا :-مقدرتش انام غير لما اطمن عليكِابتلعت لعابها مغمضة عيناها وقالت باضطراب :-أنا بخيراستند بجبينه على جبينها يومئ بالنفي وقال بجدية :-بس أنا مش بخير يا ندى ..مش متخيل انك كنتِ هتبعدي عني..ثم ميل برأسه و وضع شفتيه على وجنتها بلطف بعد ذلك ابتعد عنها وحملها على ذراعيه ليضعها على الفراش برفق و وضع الغطاء عليها وجلس على حافة الفراش رافعًا قدمه اليسرى إليه.. ثم مسح على شعرها قائلًا :
-هفضل جمبك لحد ما تناميرفعت عيناها إليه في لحظه ثم تململت لتستقل على جانبها اليمين مواليه له ظهرها ..ابتسمت عيناه ينظر إليها وهي تحرك مقلتيها متعجبة من تصرفاته ثم ابتسمت واغمضت عيناها لتكمل نومها.. استند بجانب رأسه على قبضة يده غلبه النوم وسقطت رأسه على الوسادة..” في الصباح..”فتح عيناه ببطء ورفع رأسه عن الوسادة ليشعر بيدها المتشبثة في كنزته لينحني برأسه ليرى يدها ثم رفع عيناه المبتسمه إليها ومسح على وجنتها.. استيقظت تنظر حولها وتفاجأت به فرفعت ظهرها عن الفراش في دهشة متسائلة :-أنت بتعمل اي هنا ؟!ثم تركت الفراش فابتسم وقال بمكر :-أنتِ اللي كنتي ماسكة فياوضعت يدها على جبينها وقالت بحنق :-رحيم أخرج من هنانهض عن الفراش رافعًا سبابته وهو يقول مداعبًا :-هخرج بس أنتِ الخسرانةثم خرج مغلقًا الباب خلفه فابتسمت ندى واضعة يدها أعلى صدرها ثم تنهدت بعمق وقالت :-بحبك***وقف يضبط ثيابه أمام المرآة فيما دق الباب فأذن بالدخول ليفتح علاء الباب ينظر حوله حتى رأ شقيقه.. ثم دخل متجه نحوه و وقف بجواره يضبط معطفه هو الأخير ثم قال :-مضطر اروح المصنع النهاردة اجرب حظي تاني
ليقول رحيم بسأم وهو يضع من عطرة :-اتمنى علشان أنا زهقت منكارتفع حاجبي علاء واستدار نصف استدارة قائلًا :-احترم فرق السن اللي بيناليستدير إليه هو الأخير وقال مبتسمًا :-حاضر ..وأنت كمان احترم سنك وغير من نفسك..ثم أردف :-و دي اخر فرصه ليك في المصنع-ماشي يا عم المدير ..وصلني في طريقك بقى-بكل سرورأما في الأسفل وضعت أشرقت القطة في الداخل ثم خرجت إلى الحديقة لتجلس مع ندى ..فيما هبط رحيم الدرج برفقة شقيقه في حين دخلت السيدة وفيه لتراهم يتحدثون معًا وابتسامة على شفتي رحيم .. ابتسمت وأخذت تدعي سرًا أن يصلح حال علاء ..وقف رحيم أمامها وقال :-هروح الشركة يا فوفا ونص ساعه بإذن الله وهرجع البيت-وأنا كمان..قاطعه شقيقه بمرح :-أنت كمان ايه ؟؟ ..دا لسه أول يوم يعني لسه متعرفش مواعيدك اصلًاضحكت السيدة وفيه على حديث رحيم وضحك علاء ضحكة خفيفة ثم لكزه بخفه وأشار إلى الباب قائلًا :-طيب يلا اتفضلذهب الإثنان ودخلت السيدة وفيه المطبخ ..أما في الحديقة كانت ندى تضع قدم ريان على مقعد أخر وهو يلعب بالمكعبات على الطاولة ..ثم نظر إليها بسأم متسائلًا :
-ندى الجبس دا هخلص منه امتىقبلته على وجنته ثم قالت بمرح :-قريب يا بطلتركته يكمل تركيب المكعبات وذهبت إلى أشرقت تلعب معها كرة السلة كانت تحمل أشرقت لتضع الكرة في السلة ثم تضعها على الأرض ثانية فتساءلت الصغيرة :-ندى متعرفيش تلعبي سلة ؟!جلست على الأرض عاقدة قدميها وهي تجيب عليها :-لاء عمري ما لعبتها ..أنا كان أخري اروح النادي العب شوية رياضة واجري وبس كدهجلست أمامها على ركبتيها وقالت مبتسمة :-لما بنروح النادي يوم الجمعة بابي بيلعب معانا سلة وشاطر فيها اويقالت بمزاح :-ما هو بابي ما شاء الله طوله مساعدةضحكت أشرقت وهي تأكد على حديثها ..دغدغتها ندى بمرح لتضحك أكثر ثم ضمتها إليها ..وبعد ساعة ونصف تقريبًا جلست على الأريكة بجوار أشرقت التي ترسم وندى تراسل صديقا لها ..بعد أن انتهت أشرقت رفعت الورقة لتراها ندى فتركت الهاتف على قدميها ونظرت إلى الرسمة بإعجاب شديد قائلة :-واو.. فنانه يا روحي الله أكبر-ثانكس ندى..ثم وضعت الورقة كما كانت ونظرت إلى شاشة الهاتف لترى صورة كتاب فقالت :-دا شبه كتاب بابي..لتنظر ندى إليها وجعلتها تنظر إلى الكتاب بتمعن لتتأكد من حديثها وقالت :-شوفته بيقرأ فيه قبل كده
-فين يا عفريتهلتخبرها بأنه في غرفته فقبلتها ندى على وجنتها ثم نهضت عن الاريكة متجه إلى الداخل من ثم صعدت إلى غرفة رحيم بأريحية فتعلم أنه ليس هنا ..وقفت أمام مكتبة الكتب تبحث عن الكتاب للحظات وخرج رحيم من المرحاض بعد أن أخذ حماما لم يرتدي سوى سروال أسود قطني وتفاجأ بندي التي على يساره مواليه له ظهرها ..مسح على شعره المبلل من الأمام للخلف ثم تقدم نحوها بخطوات هادئة بينما رفعت ندى يدها وأخذت ذلك الكتاب وفتحت أولى صفحاته لتعلم أنه هو ..وقف رحيم خلفها لتتسع عيناها قليلًا وازدادت ضربات قلبها عندما شعرت به ..فقد استمعت إلى صوت أنفاسه التي تخطف عقلها وأيضًا رائحته اخترقت أنفها..أخذت نفسًا عميقًا وزفرته بهدوء ثم التفتت لتنصدم به فأحاط خصرها بذراعة متسائلًا :-بتعملي أيه هنا ؟!هبطت بعينيها بعيدًا عن نظراته لترى صدره العاري فخجلت واغمضت عيناها وقالت بتوتر :-معرفش أنك هنا ..وكنت جايه علشان الكتاب دهنظر إلى الكتاب ثم جذبها إليه أكثر وقال بنبرة ثقيلة :-طب وصاحب الكتاب أي نظامه معاكِوجدت نفسها تبتسم ورفعت الكتاب على وجهها لتفتح عيناها وقالت بنبرة خجل رقيقة :-رحيم لو سمحتعض على شفته السفلى وقال :-قلب رحيم..-أشرقت مستنيه تحتابعد الكتاب عنها وقبلها على أنفها برقة قائلًا :-بس صاحب الكتاب ما صدق إنك جيتيابتعدت عنه لتضع الكتاب على وجهها ثانية وقالت بخجل :
-على فكرة بقولك أشرقت مستنياني تحتأخذ الكتاب من يدها فأدارت رأسها إلى الاتجاه الأخر ليرى وجنتها ذات بريق مميز وقال بحسم :-مش هسيبك غير لما تبصي في عيني وتقوليلي بحبك يا رحيم-مستحيل.. مستحيلابتسمت عيناه وترك الكتاب يسقط أرضًا ليحيط عنقها بيده وأدار رأسها إليه رغمًا عنها وقال بإصرار :-بصيلي يا ندى حالًا ..بجد عيونك وحشتنياومأت بالنفي عدة مرات فجز أسنانه ثم رفع حاجبه اليسار وقال بخبث :-يا أما تنفيذي اللي قلتلك عليه..ثم مسح بـ إبهامه على شفتيها متابعًا :-يا أما ادوق الكرزتين الممزوجين بالكيوي دولعقدت بين حاجبيها وضربته على صدره بتذمر قائلة :-رحيم مش عايزة منك حاجة ..سبني بقىاستند بجبينه على جبينها وهو يقول بنبرة رجولية ثقيلة :-بحبك يا ندى ..با حبكثم قبلها على أنفها برقه وطلب منها أن تقولها فقلبه اشتاق لسماعها فأخذت تلهث بصوت مستمع وقالت باضطراب :-بـ بحبك يا رحيمقبلها على جبينها بحنان ثم حررها من بين يديه وانحنى ليأخذ الكتاب واعطى إليها متسائلًا :-عايزة الكتاب دا ليه ؟!وضعت شعرها خلف أذنها وهي لاتزال كلماته مأثرة على توترها وأجابت دون أن تنظر إليه :
-عايزة أقرأه ..وكنت طلبته من صديق ليا يجبهوليعقد بين حاجبيه بحده متسائلًا :-استني استني ..صديق ليكِ ازاي يعني ؟!-صديق من أيام الجامعةحرك رأسه بالفهم ثم أمسك بمرفقيها وهو يتقدم وهي تتراجع حتى التصق ظهرها بالمكتبة.. ليترك مرفقيها ليستند بكفيه إلى المكتبة وهي اندهشت من فعلته هذه.. لمعت عيناه بلمعة الغيرة وتحدث من بين أسنانه :-تقطعي علاقتك بيه ورقمه يتمسح ..مفهوم-لاء هو صديقيجز أضراسه حتى تحرك صدغاه وقال بعصبية :-ندى متختبريش صبري أكتر من كدهتساءلت بحنق :-ليه امسحه ومفيش بينا غير علاقة صداقه واحترامضرب بيده على مكتبه وتحدث بعنف بفضل تلك الغيرة التي تؤلم قلبه :-بغير عليكِ يا ندى ..بغير ..بغير ما بتفهميشقال أخر كلمتان بعصبية بالغة لترفع رأسها إليه وتنظر إلى عيناه تعاتبه دون أن تتفوه بكلمة وهو ينظر إليها بذاك الجمود ويلهث بصوت مستمع ..ثم انحنت لتتخطى ذراعه واتجهت نحو الباب وكادت أن تخرج ألا أنه كان أسرع منها بإغلاق الباب وادارها إليه يحيط خصرها فحاولت التحرر من بين يديه وهي تقول بنبرة بكاء :-ابعد عني يا رحيماحتضنها بشدة وهو يقول بحده :-مش هسيبك..
وجدت نفسها تبكي فاغمض عيناه واضعًا يده على شعرها من الخلف وقال بهدوء :-بحبك وبغير عليكِ ..بهدوء كده مفيش حاجه اسمها صديقيقالت بنبرة عتاب :-أنت ما بتعرفش تتكلم براحهدفن أنفه في عنقها مستنشقًا رائحتها الهادئة معتذرًا لها ثم ابتعد عنها ومسح دموعها بعد ذلك قبلها على وجنتها وقال :-روحي يلا علشان أشرقتالتفتت لتفتح الباب وخرجت مغلقه الباب خلفها وهبطت إلى الطابق السفلي ثم خرجت إلى الحديقة وجلست على الأريكة وهي تلتقط الهاتف وأرسلت رسالة إلى صديقها تعتذر وتخبره بأنها لا تريد الكتاب.. ثم وضعت الهاتف جانبًا واحتضنت الكتاب الذي يحمل عطره الرجولي هذا..بعد لحظات فتحته وبدأت تقرأ وهي تنتبه إلى الطفلان ..فقد جلست أشرقت أمام شقيقها تلعب معه بالمكعبات ..بعد دقائق خرج علاء وجلس على المقعد المجاور للأريكة ينظر إلى ندى التي لم تعطي له اهتمام وانشغلت أكثر بالقراءة ..استند بمرفقه إلى ساعي المقعد وقال :-ندى ممكن بقى تقبلي اعتذراي ..أنا مكنتش في وعي أصلًاأغلقت الكتاب وهي تزفر ثم نظرت إليه وقالت بحنق :-أنا خلاص نسيت الموضوع ده-يعني قابلتي اعتذاري ؟خرج رحيم في ذات الوقت ليستمع إلى كلمات شقيقه فيما اومأت ندى بأنها تقبلت اعتذاره وعندما رأت رحيم فتحت الكتاب لتتابع القراءة ..كاد أن يسأل عن سبب الاعتذار ولكن جاءت وفيه تخبرهم بأن الغداء جاهز فنهض علاء متجه نحو الأولاد ليحمل ريان على ذراعيه ودخل به وأشرقت ركضت إلى ندى قائلة :-ندى يلا نتغدىوضعت الكتاب جانبًا وهي تقول :-لاء حبيبتي انا هتغدى مع طنط وفيه
حركت رأسها بتفهم ثم دخلت الصغيرة مع السيدة وفيه فانتظر رحيم للحظات وهي ترمقه بنظرات سريعة وتفرك في أصابع يديها بتوتر وكاد أن يخرج قلبها من بين ضلوعها.. تقدم نحوها وجلس بجوارها وتساءل:-كان بيعتذر ليه ؟!أدارت رأسها لتنظر إليه بلهفة ثم أطرقت عيناها وقالت بهدوء :-مكنش بيعتذر علشان حاجةعلم أنها تخبئ شيئاً عليه وقال بحده :-ندى ..أنا سمعته وهو بيعتذر ..بلاش كذبرفعت عيناها إليه وقصت عليه ما حدث ثم أنهت حديثها بحنق :-وأنا مبكدبشقطب بين حاجبيه وهو يقول بعصبية :-ليه مقلتليش على الموضوع ده-مش عايزه اعمل مشاكل ..وخلاص الموضوع عدى عليه فترة فياريت متفتحش الموضوع ده معاهعصر قبضته وكاد أن ينهض إلا أنها أمسكت بيده فنظر إليها ليرى الترجي في عينيها :-أرجوك مش عايزة مشاكلأمسك بذقنها يمسح بـ إبهامه أسفل شفتيها ثم ضمها إلى صدره بحنان وقبلها على رأسها بحنان اكثر فقالت :-يلا قوم علشان تتغدى-ممكن تتغدي وتجهزي علشان عايز اوريكِ مكان كدهاومأت برأسها موافقه ثم ابتعدت عنه فنهض متجهًا إلى الداخل وهي دخلت تتناول الطعام مع السيدة وفيه والخادمة الأجنبية.. بعد تناول الطعام دلفت إلى الغرفة وبدلت ثيابها بسروال أسود من الجلد وكنزة بيضاء بكم ثم تناولت الحقيبة وخرجت مع رحيم بعد أن ودعت الطفلان..
استقلت معه السيارة ليغادرا نظرت إليه ليرمقها بنظرة سريعة فنظرت إلى الأمام فورًا بابتسامة خفيفة ..وحالفهم الصمت حتى وصل إلى الفيلا وطلب منها أن تجلس أمام المقود لتدخل بالسيارة فنفذت رغبته وهو ترجل ليفتح البوابة وعندما دخلت اغلقها ثم جلس بجوارها وأشار لها أن تدخل ..حتى وصلت إلى الباب الرئيسي و أوقفت السيارة ..ترجلا منها وأمسك بيدها ليدخل الفيلا ونظرت حولها رأتها خالية من الاثاث فتساءلت :-بيت مين ده ؟!-ده بيتي الجديد ..أي رأيك ؟-حلو اوي ..مبروك عليكأمسك بيدها وخرجا إلى الحديقة ووقفا أمام شجرة وقال :-البيت دا لراحة البال ..وعايزك تختاري كل حاجة على ذوقكجلس وهو يجلسها معه مستنده بظهرها إلى الشجرة فوضع رأسه على قدميها مستلقيًا على ظهره ..نظرت إلى الأمام تلتقط أنفاسها باضطراب وتوتر فيما أمسك هو يدها يضعها على شفتيه يقبلها برقه ثم وضعها على صدره ورفع يده الأخرى يضعها على وجنتها وقال بجدية :-عمري ما عشت لحظات الحب دي مع حد غيرك يا ندى..اومأت رأسها دون أن تتحدث وهي تعض على شفاها السفلى بخجل واضح ..فقال وهو يتفحص ملامحها بجدية الحب :-حلمي دلوقت حالًا إنك تبصي لعيوني وتقوليلي بحبكوضع شعرها خلف أذنيها فابتلعت لعابها وقلبها يقرع كالطبول حتى وصلت إلى مسامع أذنيها وقالت بصوت مبحوح من فرط الخجل :-مقدرش ..أنا بتكسفشعر بحرارة وجنتيها أسفل يده وقال بنبرة ثقيلة :-أنا بعشق خجلك ده ..بس وحشتني عيونكوضع يده حول عنقها وجعل رأسها تنحني إليه فأغمضت عيناها وهي تقول بهدوء :-بتكسف من عيونك ومن نظراتك
أغلق عيناه قائلا :-غمضت عيونيفتحت عيناها ببطء حتى نظرت إليه وفحصت ملامحه باشتياق وحركت شفتيها بكلمة :-بحبكفتح عيناه فجأة فجحظت عينيها وادارت رأسها إلى الاتجاه الأخر.. ابتسمت عيناه واضعًا يده أسفل ذقنها ليدير رأسها إليه طالبا منها أن تنظر إليه ولو للحظة واحدة ..حركت مقلتيها إليه ببطء شديد حتى نظرت إلى عيناه أخيرًا ولكن بنظرة خجل قابضة قبضة يدها الأخرى وتجز أسنانها بشدة مسيطرة على ذلك الخجل اللعين.. أما عن قلبها فيبدو أنه توقف عن النبض وأصبح أسيرًا لعينيه.. تمعن بالنظر داخل مقلتيها التي أسرته وهم يتبادلون بنظرات الحب مستمتعا بنظراتها له أخيرًا ..وأخذ يمرر يده على ملامح وجهها حتى وصل إلى شفتيها فهبط بعينيه إليهما ورفع رأسه عن قدميها ببطء وخطف قبلة هادئة من شفاها ليستمع إلى أنفاسها المضطربة ابتعد عنها قليلًا ناظرا إلى عيناها التي لاتزال تنظر إليه وقال :-بحبكأطرقت رأسها فقام برفعها ثانية بيده لتنظر إلى عيناه طالبًا منها أن تقولها وهي تنظر إليه.. ارتفع حاجبيها وصدرها يعلو ويهبط برهبة وقالت بتوتر شديد :-بـ ..بـ بـ بحبكابتسمت عيناه وقبلها على جبينها ثم وضع رأسه على قدميها طالبا منها أن تمسح على شعره فرفعت يدها لتنفذ رغبته وبمجرد أن شعر بلمسة يدها أغلق عيناه مستمتعًا بحركة يدها..بعد دقائق ليست قليلة نهض وهو ينهضها معه وأخذها في جوله داخل وخارج المنزل ثم تجول بالسيارة في الشوارع ..بعدها ذهب إلى إحدى المطاعم وطلب عشاء ثم عاد به إلى السيارة وطلب منها أن تطعمه ابتسمت بخجل وبدأت تطعمه بيدها والمرة الثانية لم يأكل بل قبلها على باطن معصم يدها ثم تناول الطعام.. رأى كاتشب جانب شفتيها فمد يده ليمسحه ثم وضعه في فمه مستمتعًا بتذوقه تعجبت من فعلته وأطرقت رأسها خجلًا قال بجدية :-عمري ما حسيت بالسعادة إلا وأنا معاكِقبلها على وجنتها بعدها شغل السيارة وغادر إلى وجهته ..وعند وصولهم ودع ندى بقبله حانية على رأسها ثم ذهب كلا منهما إلى غرفته..
بعد أن بدلت ملابسها جلست على الفراش تقرأ الكتاب وكانت الساعة تدق التاسعة والنصف مساءً ..بعد لحظات رن جرس الباب فانتظرت على أمل أن يفتح أحد ولكن لم يحدث فوضعت الكتاب جانبًا ونهضت لتخرج مهرولة إلى الباب لتفتحه.. في حين خرج رحيم من غرفته عند سماعه للجرس و وقف أمام الدرج.. تفاجأ بشاب ما دخل و وقف أمام ندى قائلًا :-مبترديش عليا يا بنتي قلقت عليكِتساءلت في دهشة :-أنت عرفت العنوان من مين؟!-أنتِ بعتهولي لما طلبتي الكتاب..ثم مسح على ذراعها يتساءل عنها فعصر رحيم قبضته يجز أضراسه بشدة وقد تحولت نظراته إلى نظرات الغيرة القاتلة..
رواية حب رحيم الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سمر عمر
هبط الدرج متجهًا نحوهم بخطوات واسعة ووقف بجوارها قابضًا على معصم يد ذلك الشاب الذي يمسك بذراع حبيبته.
سحب يده عن ذراعها وهو يعتصر معصمه جاعلًا من ملامحه تتألم دون أن يتحدث،
فيما نظرت ندى إليه في دهشة.
وقال الشاب بحنق:
- أنت مين؟
وقف أمام ندى لتصبح خلفه وهو يحدق به بلمعة الغيرة الأتية من نار الجحيم وتساءل بصوت عنيف:
- أنت اللي مين؟
- أنا صديق ندى وجيت أطمن عليها.
اجحظت عيني رحيم يجز أضراسه بشدة قائلًا:
- أخرج من هنا وإياك تتكلم معاها تاني.
وقفت ندى بينهم وأمسكت بيد رحيم وقالت بحدة:
- رحيم سيبه.
ابتسم بخفة وقال متعجبًا:
- مين أنت علشان تمنعني أكلمها؟
وضعت يدها على وجهها فيما غضب رحيم من كلماته حقًا واشعلت الغيرة أضعافًا في قلبه.
أخرجه من الفيلا وترك يده بعنف ثم رفع سبابته ينظر إليه بنظرة متوعدة وهو يتحدث بصوته الرجولي الحاد:
- لو قربت من البيت دا تاني هتخرج على ضهرك.
ارتفع حاجبي الشاب في دهشة غير مستوعب ما يحدث.
بينما دخل رحيم وأغلق الباب بعنف لتنظر ندى إليه بحدة واتجهت نحو الباب وكادت أن تفتح له ثانية لكنه منعها بالقبض على ذراعها واتجه نحو غرفتها ساحبًا إياها خلفه.
وعند وصوله فتح الباب وأدخلها بعنف ثم دخل مغلقًا إياه خلفه فأبعدت شعرها عن عينيها واندفعت في وجهه بعصبية:
- أنت ملكش حق تعمل كده.. وحبك دا حب مزيف.
نظر إليها نظرة قاتلة مشيرًا إلى نفسه بعنف قائلًا:
- علشان بغير عليكِ يبقى حبي مزيف؟
جزت أسنانها بغيظ وقالت بحدة بالغة:
- أيوه أنت قاسي ومتعرفش يعني أي حب.. شيل قناع الحب دا مش لايق عليكا.
استفزته كثيرًا بحديثها لدرجة أنه خرج عن شعوره ووجد نفسه يصفعها بقوة على وجنتها جاعلًا من رأسها تستدير إلى الاتجاه الآخر.
جحظت عيناها في صدمة ونظرت إليه نظرات عتاب بدموع تجمعت حول مقلتيها في لحظة فيما كان ينظر رحيم إلى يده بصدمة وصدره يعلو ويهبط ثم نظر إليها وعندما رأى دموعها التي هبطت على وجنتيها وجد نفسه يحتضنها.
وبعد لحظات استمع إلى صوت شهقاتها عقد بين حاجبيه بقوة قابضًا قبضة يده التي صفعتها عاصرًا إياها يعاتب نفسه حتى شعر بأنه يحتضر من كثرة الألم.
حاولت أن تبتعد عنه لكنه منعها وأحكم قبضته عليها فقالت بصوت ضعيف:
- ابعد عني وأخرج بره.
- ندى..
قاطعته بهستيريا من الصراخ:
- بقولك سبني.. أنا بكرهك.
جحظت عيناه وصدم من كلمتها ولكن ليس أكثر من صدمتها فقد قذفت تلك الكلمة دون وعي أو تفكير منها.
ابتلع لعابه بهدوء ولم يهتم لتلك الكلمة واقنع نفسه أنها تقولها فقط لأنها غاضبة.
رخى ذراعيه فابتعدت عنه فورًا مواليةً له ظهرها.
تنهد بعمق ثم خرج مغلقًا الباب خلفه.
بمجرد أن علمت بخروجه سقطت على الأرض تبكي بقهر واضعة يدها على مقدمة صدرها.
لم تفيق من نوبة البكاء إلا على صوت رسالة وصلت إلى هاتفها نهضت عن الأرض وأخذت الهاتف لتفحص رسالة صديقها الذي يسأل عن ذلك الغشيم فأرسلت له رسالة اعتذار ثم أغلقت الهاتف وألقت به على الفراش.
ووضعت يدها على وجنتها التي تؤلمها أثر صفعته.
تقدمت نحو المرآة ووقفت تنظر إلى وجنتها لتجدها تاركًا أثرًا لأصابع يديه بدأت بالبكاء ثانية ودلفت إلى المرحاض لتضع وجنتها أسفل الماء البارد لكي تهدأ قليلًا.
ثم عادت إلى الفراش دثرت نفسها به والدموع تهبط من عينيها بهدوء خارجي ولكن بألم داخلي يؤلمها حقًا.
***
في الصباح لاتزال حبيسة غرفتها حتى إنها لم ترَ الأطفال اليوم ولم تتناول الطعام.
دقت الساعة الحادية عشرة فنظرت إلى هاتفها لتجد الكثير من الرسائل.
زفرت بسأم وكادت أن تفتح الرسائل لكن منعتها دقات الباب الثقيلة لتعلم أنه رحيم وضعت الهاتف جانبًا وأذنت بالدخول بعد أن نهضت عن الفراش.
فتح الباب ودخل مغلقًا إياه خلفه ووقف ينظر إليها ليلفت نظره وجنتها التي لاتزال حمراء أثر صفعته لها.
كانت تنظر إلى الأرض وتلهث بصوت مسموع منتظرة حديثه لكنه لم يتحدث فتساءلت بحنق:
- نعم؟ .. جاي ليه؟
تقدم نحوها يمد يديه إليها يكاد أن يمسك بذراعيها لكنها تراجعت للخلف وهي تقول من بين أسنانها:
- متحاولش تقرب مني.. ويا ريت تبعد عني.
حرك رأسه بخفة وقال بنبرة ندم:
- ندى أنا أسـ..
توقف عن الحديث ناظرًا إلى هاتفها الذي وصلت له رسائل متتالية فعاد بالنظر إليها بحدة وتساءل بعنف:
- أنتِ كلمتيه تاني؟
أخذت نفسًا عميقًا وزفرته دفعه واحدة ثم نظرت إليه نظرة تحدي ممزوجة بالغضب قائلة:
- ملكش دعوة.. أكلمه مكلموش شيء ميخصكش.
نجحت في استفزازه حقًا مبللًا شفتيه بلسانه بعنف ثم قبض على ذراعيها بقوة فتألمت ملامح وجهها قبل أن تتأوه وهو يناظرها بحدة الغيرة القاتلة مع لمعة عيناه المميزة عندما يغار وقال وهو يلهث:
- يخصني يا ندى أكتر ما تتصوري.. وليا فيكِ أكتر من نفسك.. وعايزك تفهمي أنكِ اتخلقتي علشاني.
حدقت به وهي تحرك رأسها بخفة وبعد لحظات تركها ليأخذ هاتفها وطلب منها أن تفتحه لتنظر إلى الهاتف تومئ بالنفي.
جز على أسنانه طالبًا منها أن تفتح الهاتف فأغمضت عيناها لتهبط دموعها الساخنة على وجنتيها ببطء ثم فتحتهما وقامت بفتح الهاتف ليدير شاشته إليه وفتح تطبيق ”واتس اب” وتفقد رسائل ذلك الشاب حتى رأى اعتذار ندى له عم ما بدر منه ليلة أمس.
أدار الشاشة إليها لترى رسالتها وهي تلهث بصوت مسموع وهو يقول بعنف:
- بتعتذري.. يهمك أوي هو صح؟
ابتلعت لعابها ورفعت مقلتيها إليه وهي تقول بعناد:
- أه يهمني.
حرك رأسه عدة مرات ضاغطًا على الهاتف بكل قوته ثم ألقى به في الحائط فشهقت ندى بصدمة ونظرت إلى هاتفها الذي سقط على الأرض فيما خرج رحيم مغلقًا الباب خلفه عنوة جاعلًا من قلبها ينتفض قبل جسدها.
تقدمت نحو الهاتف وانحنت بجذعها لتأخذه وحاولت فتحه لترى الشاشة نصفها أحترق والنصف الآخر لونه أصفر.
وضعت يدها على فاها تبكي وجلست على حافة الفراش وشعرت بالألم لتقم بحذف تطبيق واتس اب بفضل أنه في المنتصف الذي يعمل ثم ألقت برأسها على الوسادة.
***
“بعد مرور ثلاثة أيام..”
حافظت ندى فيهما ألا تتحدث معه أو تراه ونجحت في ذلك.
بالرغم من أنها اشتاقت إليه كثيرًا وكلما استمعت إلى نبرة صوته ترغب باحتضانه لتخبره بأنها اشتاقت إليه كثيرًا لكنها سيطرت على قلبها وعقلها سيطرة كاملة.
حاول هو أن يتحدث معها ولكن لم يستطيع فكانت تحبس نفسها في غرفتها معظم الوقت وتوهم الجميع بأنها متعبة ولهذا لم يزعجها أحد.
كان يكتفي بالوقوف أمام باب غرفتها ليلًا لوقت ليس بالقليل يتحسس الباب ويمسك بالمقبض بعد لمساتها له واضعًا أذنه على الباب لعله يستمع إلى صوت أنفاسها.
ذات مساء ارتدت فستان طويل يصل إلى رسغيها بنصف كم لونه أخضر داكن ثم خرجت لتطمئن على الطفلين لتجد ريان يلعب بألعاب الفيديو وأشرقت تلعب مع العرائس بمرح داخل غرفتها.
ابتسمت ندى ووقفت تنظر إليها بإعجاب فهي تذكرها بنفسها كثيرًا عندما كانت بعمرها ثم أغلقت الباب بهدوء وهبطت إلى الطابق السفلي واضعة يدها على رأسها التي تؤلمها ثم اتجهت نحو المطبخ وهي تتوعد لرأسها بعمل فنجان قهوة لعل الألم يهدأ.
دخلت لتنظر السيدة وفيه إليها وقالت فورًا:
- رحيم طلب أقولك تعملي له قهوة.
انتفض قلبها بمجرد أن سمعت أسمه وتنهدت بعمق متأوهة بخفة كم هي اشتاقت إليه.
ثم شردت به تساءلت وفيه:
- أنا ملاحظة إنكم مبتتكلموش.. في حاجة؟!
لتفيق ندى من شرودها ناظرة إليها بابتسامة هادئة وقالت:
- لاء خالص عادي.. هعمله قهوة حاضر.
- طيب يا حبيبتي هو في مكتبه.
أما هو فكان بالمكتب واقفًا أمام النافذة يدخن سيجارته وينفث دخانها في الهواء.
جاء له اتصال فالتفت إلى المكتب ليأخذ الهاتف وأجاب على المتصل والذي كان صديقًا له من روسيا يحدثه بلهجته واستمع فقط إلى حديثه دون أن يتفوه بكلمة حتى أنهى سيجارته وأطفأها في المطفأة الخاصة بها ثم تنحنح بخفة وتحدث باللهجة الروسية بصوت مبحوح:
- حسنًا.. هذا يكفي بل وأكثر.. شكرًا لك صديقي العزيز.
ثم أنهى معه المكالمة وتنهد بعمق مستشعرًا بالسعادة واتجه نحو الأريكة وجلس أمام الحاسوب يتابع عمله.
بعد دقائق قليلة دقت باب الغرفة ودخلت لتجده يجلس على الأريكة أمام الحاسوب اقتربت لتضع فنجان القهوة أعلى المنضدة دون أن تنظر إليه عن قصد.
نعم اشتاقت إليه لكن ما فعله أغضبها حقًا.
كادت أن تذهب إلا أنه قبض على معصمها أدارت رأسها إليه بحزن وهو يقول:
- ندى لازم نتكلم.
أجلسها على الأريكة وعندما تذكرت صفعته لها تجمعت الدموع حول مقلتيها ناظرة إلى الأمام في صمت.
وبمجرد أن أمسك بيدها سحبتها فورًا فأغمض عيناه تاركًا العنان للألم يشق طريقه داخل قلبه لينقسم إلى نصفين ثم فتحهما وقال بنبرة ثقيلة:
- ندى.. وحشتي قلبي.
جزت على أسنانها وقالت بحنق ممزوج بنبرة البكاء:
- أنا مليش نفس أتكلم.
ثم نهضت متجهة نحو الباب فأسرع بالنهوض ليتخطى خطواتها الصغيرة بخطواته الواسعة وأغلق الباب وباليد الأخرى أمسك بذراعها ليديرها إليه ضربته على صدره بغيظ محاولة أن تحرر يدها ولكن لم تستطع.
ثم أعادها إلى الأريكة وجلس بجوارها رافعًا أحد قدميه على الأريكة.
فيما تركت ندى العنان لدموعها التي تقتل قلبها تهبط على وجنتيها وانفجرت بحديثها:
- أنت ازاي بتحبني وبتعاملني بالقسوة دي.. رحيم أنا بجد مش حمل كده.
وضعت ظهر يدها على أنفها تبكي ثم ابتلعت لعابها الممزوج بالدموع وأكملت بضيق:
- أنا ما صدقت لقيت حد حنين عليا.. تيجي أنت تعاملني بالطريقة دي.
ثم نظرت إليه بتلك العينين الممتلئتين بالدموع وتابعت بألم كالأسهم الحادة تخترق صدرها:
- دا صديق ليا يا رحيم ومفيش حاجة بينا رسمي علشان أقوله متكلمنيش علشان رحيم بيغير عليا لكن احترامًا ليك مسحت الواتس دا خالص علشان ميكلمنيش تاني.. لاء وتيجي تاني يوم تاخد تليفوني علشان تشوف إذا كنت كلمته ولا لاء ولما شفت اعتذاري له بعد اللي عملته معاه كسرت التليفون.
كان قلبه يعتصر ألمًا واحتضن وجهها بكفيه يمسح دموعها بإبهاميه ثم استند بجبينه على جبينها وقال وهو يلهث بصوت مسموع وبنبرة ضيق:
- أعمل أي فغيرتي عليكِ يا ندى؟ .. دي حاجة مش بأيدي.. بحبك.. بحبك.. بحبك.. بحبك وبتخنق لو حد بس فكر يبصلك يا ندى.
ترك وجهها ليمسك بيدها منحنيًا برأسه وأطبق شفتيه على راحة يدها الناعمة ثم رفع رأسه لينظر إليها بندم واضح على ما فعله معها وقال بنبرة مهلكة:
- أنتِ فعلًا رقيقة وجميلة وحساسة يا ندى.. تستهلي واحد زيك بالظبط ميتعصبش عليكِ.
ابتلعت كلماته بكف يدها التي وضعها على شفتيه ثم سحبتها وأطرقت عينيها تومئ بالنفي وهي تقول بنبرة بكاء طفولي:
- لا مش عايزة حد غيرك.
قطب جبينه بابتسامة عيناه التي تجعله جذابًا أكثر ولكن سرعان ما اختفت وقال بنبرة ثقيلة مرهقة:
- حبي جحيم يا ندى.. غيرتي بركان.. ومش يتتحملي عصبيتي.
حركت رأسها بالنفي ثانية ثم اقتربت منه أكثر لتحتضنه بكلتي يديها ومسحت على شعره وهي تقول ببكاء:
- إذا كان حبك جحيم أنا راضية بيه.. وإذا كانت غيرتك بركان فأنا بحبها.. وعصبيتك بزعل منها بس لما تيجي تصالحني بحنيتك ورقتك دي بالدنيا كلها.
احتضنها بشدة بكلتي يديه دافنًا وجهه بين ثنايا عنقها مستنشقًا عطرها الأنثوي الذي يشعره بالهدوء والسكينة ثم قبلها على أذنها برقة وهمس بحب منبعث من القلب مباشرةً:
- كلامك سحرني يا ندى.. بحبك.. بحبك يا أغلى ما أملك.. أسف يا حبيبة قلبي.
ثم ابتعد عنها وقبلها على جبينها بحنان فأغمضت عينيها لتشعر بحنيته وكأنها داخل حلم رائع لا تريد أن تستيقظ منه قط.
ثم هبط بقبلته بين عينيها بعد ذلك نهض متجهًا نحو المكتب فتحت عينيها لتنظر إليه وهي تمسح على وجنتيها.
فتح درج المكتب وأخذ صندوقًا أسودًا وعاد إليها ليجلس أمامها وقام بفتح العلبة لتنظر إليها وهو ينظر إلى ندى بعينين مبتسمتين.
رأت ورقة بيضاء فأخذتها لترى أسفلها علبة هاتف جديد ومن أحدث أنواع الـ”آيفون” وجدت نفسها تبتسم ثم فتحت الورقة أولًا وقرأت بعينيها:
”لقد بحثت كثيرًا وكثيرًا بين الورود كي أجد كلمات تناسبك لم أجد ..فبحثت بين أمواج البحار لم أجد أيضًا ..لأذهب بين الطرقات وأشق بلاد لكن بلا جدوى فلم أجد كلمات تناسبك ..فبحثت بين كل شيء جميل عيناكِ تراه لم أجد سوى نظراتك تأسرني ..بحثت داخلي لأجد قلبي ينبض بشدة ومع كل نبضه يخرج حرف مميز بلغة مميزة وقمت بترتيب تلك الحروف لأجد أخيرًا كلمات تناسبك ..تعلمين لماذا وجدتها في قلبي وليس في شيء آخر؟!“
لأنكِ خلقتِ لي ولروحي ولقلبي فقط ..فإذا كنتِ وجدتِ الكلمات بين الورود أو الأمواج أو بين البلاد لكنتِ شعرتِ بالغيرة ودمرتِ الورود ودمرتِ الأمواج ونسفتِ البلاد ودمرتِ كل ما هو جميل حتى لا تري غيري.. فكلماتكِ الخاصة داخلي أنا.. ندى أحبك كثيراً وأغار أكثر ..آسف حبيبتي ..بحبك وهل يوجد حب بعد حبي لكِ ؟! ..هلا نظرتِ إلى عيني الآن وقلتِ بحبك.. رفعت عيناها عن الورقة ونظرت إليه تدريجياً حتى تقابلت عيناهما كما طلب منها وقالت بنبرة خجل:
- بـ بحبك.
ثم احتضنته لتختبئ من نظراته فضحك ضحكة خفيفة خطفت أنفاسها ثم شاركها بالعناق هامساً بالقرب من أذنها:
- بحبك.
ابتعد عنها وأعطى لها الهاتف طالبًا منها أن تفتحه لتنفذ رغبته وأخذت تفحصه لتجده بثلاث كاميرات من الخلف فضمت شفتيها بإعجاب شديد قائلة:
- واو.. كان نفسي فيه جدًا.
أحاط وجنتها بيده ينظر إلى عيناها بعتاب واضح فنظرت إليه بابتسامة لكن سرعان ما اختفت عندما رأت نظرة العتاب تلك وبعد لحظات قال بجدية:
- متقوليش كلمة بكرهك تاني مهما يحصل بينا.
أطرقت برأسها بحزن وهي تومئ موافقة فمسح بإبهامه على شفتيها ثم انحنى برأسه وأطبق شفتيه بالقرب من شفتيها للحظات مغمض العينين ثم ابتعد عنها قليلاً يتأمل عيناها بحب اصطبغت وجنتيها بحمرة الخجل ودقات قلبها تدق في صدرها لتشعر أيضاً بالتوتر بفضل قربه منها لهذه الدرجة ..هبط بمقلتيه إلى شفتيها ثم أطبق شفتيه عليهما فلم يستطع أن يقاوم طعمهما بعد أن تذوقهما من قبل كما أنه لم يستطع مقاومة جمالها أيضاً ..كان سيكتفي بتلك القبلة السطحية لكن شيء ما منعه من الابتعاد ليقبلها بعمق واضعاً يده خلف عنقها يقربها منه أكثر حتى التصق أنفها بأنفه ..على الرغم من أنها لم تبادله فاكتفت فقط باتساع عيناها تتنهد باضطراب شديد وصل إلى مسامع أذنيه ليفلت شفتيها فوراً ونظر إليها ليجدها كالصنم لا تستطيع أن تتحرك وأنفاسها ثقيلة فقال متعجباً:
- ندى في أيه؟..
لم تتحمل جسدها الثقيل هذا فسقطت رأسها على صدره رفع حاجبيه في تعجب شديد ثم ابتسم قائلاً:
- لاء أنتِ بجد صعب..
فتح زجاجة المياه وأخذ القليل على يده ليمسح بهما على وجنتها فتحت عيناها بفزع ورفعت رأسها عن صدره تلتقط أنفاسها بهدوء ..ضحك ضحكة خفيفة استفزتها وقال بمكر:
- يعني أنا اتجوزك إزاي دلوقت ..أنتِ بتنهاري من بوسه.
جزت على أسنانها بغيظ وضربته على كتفه وقالت بحدة:
- أنت وقحا.
فنفر ضاحكاً فنظرت إليه باستفزاز ثم أخذت أغراضها وغادرت الغرفة ولا تزال تستمع إلى ضحكاته.. اختبأت داخل غرفتها ثم جلست على الفراش تضع أغراضها عليه برفق لترفع يديها تضعهما أعلى صدرها الذي يعلو ويهبط وعند تذكرها لحديثه الأخير وجدت نفسها تبتسم بتعجب قائلة:
- الوقح ..الوقح.
مساء اليوم التالي في الحديقة كانت تجلس مع الطفلين وارتدت في يديها أرنب وأرنبه وبدأت تحركهما بأصابع يديها وتتحدث بصوت رفيع كالأرانب وتمثل لهم مسرحية وهما يضحكان ..وبعد دقائق ليست قليلة من المرح اقتربت بيديها إلى كل من ريان وأشرقت وتحدثت بصوت خشن:
- يلا يا لوزة كلي أشرقت وأنا هاكل ريان..
ثم دغدغت الإثنين ليضحكا بصوت عالي وهي متابعة:
- هم ..هم ممم لذيذ يا لوزة ..هم ..و أشرقت لذيذة أوي يا لوز ..هم ..هم.
ثم توقفت وقبلت كل منهما على وجنته وخلعت الأرانب وضعتهما جانباً ثم أفرغت كيس المكعبات الكثير وقالت:
- يلا اشتغلوا شوية عم اشرب واجيلكم.
بدأ الإثنان يلعبان بالمكعبات ونهضت هي متجهة نحو الداخل بمرح ثم اتجهت نحو المطبخ وتوقفت عند الباب بمجرد أن سمعت تأوه السيدة وفيه.. فاستدارت في اتجاه الصوت لتجدها واقفة أمام الدرج واضعة يدها على ركبتها ..أسرعت إليها ووقفت بجوارها تمسك بمرفقها متسائلة:
- مالك يا طنط ؟!
أجابت بألم:
- رجلي بتوجعني شوية يا بنتي.
- طيب ارتاحي وأنا هجبلك اللي أنتِ عايزاه.
ربتت على يدها الممسكة بمرفقها وقالت:
- كتر خيرك يا بنتي ..أنا كنت طالعه اجيب الغسيل اللي في حمام رحيم.
أومأت بالفهم وصعدت الدرج ثم دلفت إلى الغرفة.. من ثم دلفت إلى المرحاض وأضأت المصباح تبحث بعينيها عن سلة الغسيل حتى وجدتها بجوار رخامة الحوض فاقتربت منها وانحنت بجذعها لتحملها.. وهي ترفع ظهرها لفت نظرها كارت متوسط الحجم على الرخامة تركت السلة مكانها وأخذت الكارت لتقرأ ما يحمله من كلمات ” هذا القلم هدية خاصة لك ..لك أنت فقط ..بحبك رحيم ..امضاء زوجتك ” طبقت الكارت في يدها وهي تجز على أسنانها بغيرة واضحة ثم وضعت الكارت في جيب سروالها وحملت سلة الغسيل لتعود إلى السيدة وفيه وأدخلت السلة إلى الغرفة الخاصة بغسل الملابس لتشكرها وفيه كثيراً ثم خرجت ندى متجهة نحو غرفة المكتب بخطوات سريعة.. عند وصولها اقتحمت الغرفة مغلقة الباب خلفها عنوة ..كان يجلس على المكتب موالياً ظهره للباب يدخن سيجارته ويعبث في هاتفه وبمجرد أن استمع إغلاق الباب التفت برأسه إليها ثم عاد بالنظر إلى الهاتف وهو يسحب دخان السيجارة إلى صدره ثم زفره في الهواء.. اقتربت نحوه ووقفت أمامه تنظر إليه بحدة وصدرها يعلو ويهبط ثم أخرجت الورقة ومدت يدها بها متسائلة:
- عندك بتعمل أي دي ؟!..
رفع عينيه عن الهاتف لينظر إلى الورقة ثم أغلق هاتفه ليضعه جانباً ونظر إليها ببرود مستمتعاً بنظرات الغيرة الموجه له وهو يسحب دخان السيجارة ويزفره ثانية دون أن يجيب عليها استفزها حقاً وقالت بعصبية:
- أنت مش بترد ليه ..بسألك.
نفث آخر ما في السيجارة رافعاً قدمه اليمنى عن الأرض ليضعها على المقعد وهو يطفئ السيجارة ثم استند بمرفقه على قدمه التي قد رفعها وتساءل بمكر:
- غيرانة ؟!
اتسعت عيناها قليلاً لتقرع دقات قلبها كالطبول وقالت بتوتر:
- أ أ لاء طبعاً ..بسأل عادي.
احتلت ابتسامة خبيثة على شفتيه وقال بقصد مضايقتها:
- اتكلم براحتي بقى طالما مش غيرانة ..هي كانت جيبالي قلم هدية والكارت محتفظ بيه ..وجبتلي جاكيت كمان جميل جدًا محافظ عليه لدرجة اني مبلبسوش ..وقميص كحلي اللي بلبسه على طول ده.
ابتلعت لعابها بصوت مسموع وتذكرت ذاك القلم في أول مقابلة بينهما وتساءلت من بين أسنانها وهي تلهث بصوت مسموع:
- القلم دا اللي نسيته في الكافيه ورجعت علشانه ؟!
ليتذكر ذلك الموقف فأومأ بتأكيد والتقط هذا القلم من أعلى المكتب ليريها إياه ثم وضعه على أنفه يستنشق عطره ..فأخذت القلم وقذفت به جانباً ليقع في النافذة ولأنه ثقيل كسر قطعة من الزجاج ..نظر إلى النافذة في دهشة فيما هي كانت تتطلع إليه بحدة ثم نظر إليها ثانية وابتسم بذات الدهشة قائلاً:
- واضح إنك مش غيرانة..
ألقت بالكارت على المكتب بعنف وكادت أن تسير إلا إنه أحاط خصرها وباليد الأخرى مسك بذقنها ينظر إليها وهو يتساءل بمكر:
- كنتِ بتعملي أيه في حمامي ؟
قالت بتأفف:
- مش هقولك غير لما تجاوب على سؤالي.
رفع حاجبيه وقال هو الأخير بعناد:
- وأنا مش هجاوب غير لما تعترفي بغرتك.
ثم رفع رأسها إليه لتنظر إلى عيناه التي تنظر إليها بابتسامة جذابة ..أطرقت عيناها بخجل واضح تفرك في أصابع يديها وهي تومئ برأسها على أنها تغار ..مسح بإبهامه على شفتيها وقال بنبرته الرجولية:
- عايز أسمع.
تقول بتلعثم:
- أيوه ..بـ بغير عليك.
ترك ذقنها ليمسح بظهر يده على وجنتها حتى وصل إلى أذنها ليضع شعرها خلفها ثم تنحنح بخفة وقال:
- الكارت ده لقيته في الدولاب بالصدفة حطيته في جيبي على أساس ارمي لما أخرج بس نسيت ..لما دخلت استحمى لقيته في جيبي فحطيته لحد ما استحميت ونسيته..
ثم تابع بالهمس:
- علشان أنتِ تشوفي وأشوف الغيرة الحلوة دي.
رفعت عيناها إليه في لحظة وأطرقتها ثانية متسائلة:
- طيب والجاكيت والقميص ؟!
ضحك ضحكة خفيفة ثم قبلها على جبينها بحنان وقال وهو يحتضن وجنتيها براحتي يديه:
- لاء مفيش ولا جاكيت ولا قميص ..كنت بضايقك.
تنهدت بعمق وتساءلت بتوجس:
- أنت لسه بتحبها ؟!
قطب جبينه متعجباً من سؤالها وأجاب بجدية:
- ندى أنا محبتهاش أكتر ما أنا حبيتك ..ولو كنت لسه بحبها مكنتش حبيتك.
- أمال ليه محتفظ بالقلم بتاعها؟
- عشانه القلم خطه عجبني جدًا ..صدقيني محتفظ بيه علشان كده وبس.. وهي كانت جيباه من بره مش فاكر منين..
أومأت بالفهم فأشار إلى النافذة وقال مداعباً:
- يلا صلحي الزجاج.
لتنظر إلى النافذة ثم ابتسمت هامسة:
- تستاهل.
- مجنونة.
قاطع تلك اللحظة رنة هاتفها الجديد فأخذته من جيب سروالها لتنظر إلى شاشته التي تضيء باسم والدها مما رآه رحيم فاستند براحتي يديه على المكتب من خلفه ليرفع صدره الصلب للأعلى قليلاً ويطقطق ظهره.. فيما أجابت ندى ليخبرها بأنه مريض ويود رؤيتها الآن فأنهت معه المكالمة بعد أن أخبرته أنها قادمة إليه.. أعتدل رحيم في جلسته وتساءل بلؤم:
- والدك ماله ؟!
لتنظر إليه وقالت بهدوء:
- تعبان شوية ..هروح أشوفه ساعة وهكون هنا.
أومأ بالموافقة فتركته وذهبت سريعاً ليشعل سيجارة أخرى ونفث دخانها في الهواء وتحدث ساخراً:
- ألف سلامة على بابا.
بعد مدة من الزمن..
وصلت إلى المنزل وترجلت من السيارة ثم دخلت تسأل عنه لتخبرها الخادمة الأجنبية أنه في الحديقة ..فخرجت ندى وجلست بجواره على الأريكة تنظر إليه بحزن نظر إليها بإرهاق واضح وبعد تبادل السلام بينهما ..مسحت على ذراعه برفق وتساءلت:
- أيه اللي حصل يا بابا ؟
أغمض عينيه بقوة ثم فتحهما وقال بصوت ضعيف:
- خسرت خمسة وعشرين مليون جنيه يا ندى.
صعقت من الرقم واضعة يدها على فاها وتساءلت في دهشة:
- إزاي ده حصل ؟!
- شحنة الزجاج وصلت روسيا متكسرة كلها..
ضرب على ركبته بقبضة يده وهو يزفر وقال بألم يكاد أن ينهار:
- خمسة وعشرين مليون جنيه خسرتهم في غمضة عين ..بس عارف مين اللي عمل كده.
أمسكت ندى بيده وقالت بحزن:
- بابا صدقني الفلوس بتروح وتيجي واللي راح فداك ..المهم صحتك.
قال بنبرة الجبروت والطمع:
- متقلقيش هما يومين بس وهرجع أقوى من الأول ..وهعرف أخد حقي كويس أوي.
تنهدت بنفاذ صبر وقالت سراً:
- مفيش فايدة فيك يا بابا ..ربنا يهديك.
الفيلا..
دق علاء باب المكتب المفتوح ودخل فرفع رحيم عينيه إليه ثم عاد بالنظر إلى الحاسوب ..جلس بجواره على الأريكة مستنداً بمرفقيه على فخذيه مشبكاً يديه في بعضها البعض وقال دون مقدمات:
- ندى إنسانة بسيطة ورقيقة جدًا ..فبلاش تخدعها.
أغلق شاشة الحاسوب وأدار رأسه إليه وقال بحدة:
- ومين قالك إني هخدعها.
نظر إليه قاطباً جبينه وقال بتأكيد:
- أنا عرفت اسم ندى بالكامل من مدام وفيه لما سألتها عنها ..وعارف ومتأكد قد أيه أنت كنت بتحب بابا الله يرحمه..
تعمق رحيم بالنظر إليه فتابع بتيقن:
- ومستحيل تحط إيدك في إيد اللي اتسبب في موت بابا وتتجوز بنته.
تنهد بعمق ونظر إلى الأمام بعينين حادتين كالصقر وقال بعنف:
- متدخلش في حياتي يا علاء.
- أنا عمري ما أدخلت في حياتك ..بس لما أشوفك بتعمل حاجة غلط لازم أمنعك أو على الأقل أفوقك..
ثم أردف:
- ندى ملهاش ذنب باللي عمله والدها..
نظر إليه نظرة ساخرة ليفهم علاء معناها جيداً وقال بجدية:
- أنا مستهتر وبتاع بنات ..لكن ندى مش زي أي بنت ..هتخسر كتير أوي لو ضيعتها من إيدك.
ثم ربت على كتفه ونهض ليغادر الغرفة تحت أنظار رحيم حتى اختفى من أمام عينيه ..وضع رأسه بين يديه يضغط عليهما بقوة ثم زفر بسأم وأخرج أي أفكار مزعجة من رأسه ونهض ووقف أمام المكتب يبحث عن مستند ما.. بعد دقائق قليلة وصلت ندى ودخلت بعد أن فتحت الخادمة الأجنبية لها ويبدو عليها الحزن من أجل والدها ..وقفت أمام باب غرفة المكتب تنظر إلى رحيم الذي يواليها ظهره للحظات من الصمت ..رن جرس الباب فنظرت إليه وكادت أن تتجه نحوه إلا أن الخادمة خرجت من المطبخ وفتحت الباب لتجد ندى امرأة بيضاء ذات عينين بنيتين داكنة وشعر ناعم منسدل على كتفها اليمنى بلون عينيها..
تساءلت على رحيم لتخبرها بأنه داخل غرفة المكتب.
دخلت وقذفت ندى بنظرة اشمئزاز لتستعجب ندى من نظرتها.
ثم دخلت الغرفة ببطء شديد تحت أنظار ندى حتى احتضنت رحيم من الخلف.
فشهقت ندى بخفة واتسعت عيناها.
بينما تفاجأ رحيم ونظر إلى تلك اليدين التي تحيط به فقالت بابتسامة واسعة:
- وحشتني أوي يا رحيم بجد أوي.
التفت إليها بحدة، نظرت هي إليه بحب وهو مندهش من هيئتها.
فهي ترتدي سروال مجسم وكنزة حمراء قصيرة ذات أكمام عريضة.
ثم مسك بخصل شعرها وقال ساخرًا:
- دا حجاب جديد؟!
لوت ثغرها ثم أحاطت عنقه بذراعيها وقبلته على وجنته وقالت:
- بقولك وحشتني.
أزاح ذراعيها عن عنقه وقال بعصبية مفرطة:
- أنتِ أي اللي جابك هنا.. اطلعي بره.
حدقت به ثم قالت بحنق:
- أنا جيت علشان أشوفك وأشوف أولادي.
ثم تساءلت بهدوء:
- أنا موحشتكش؟!
ضربها بأنامله على جانب رأسها بعنف متسائلًا:
- أنتِ فاقدة الذاكرة ولا إيه؟!
ثم أردف بحدة:
- أنا طلقتك.. ومش طايق أشوف وشك.
رفعت أحد حاجبيها وقالت بعناد:
- دا بيتي ورجعت تاني.
ثم استدارت برأسها لتنظر إلى ندى بحدة متابعة:
- وهنضفه من أي حد قذر هنا.
نظر إلى ما تنظر إليه ليرى ندى والتي اتجهت نحو غرفتها.
فقبض على عنقها بقوة فجحظت عيناها وأصبح وجهها أحمر داكن وهو يقول بعنف:
- لو جبتي سيرتها هطلع روحك.
ثم تركها بعنف لتضع يديها على عنقها تسعل بشدة وتلتقط أنفاسها بصوت مسموع.
ثم نظرت إليه بحدة وقالت:
- ماشي أنا بقى عايزة ولادي.
رواية حب رحيم الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سمر عمر
"أشعر بك.."
قبض على معصمها بقوة وخرج كالإعصار ساحبًا إياها خلفه. حاولت أن تتحرر من قبضته لكنها لم تستطع.
عند وصوله، فتح الباب ليدفعها في الخارج وقال بحده:
"متجيش البيت دا تاني.. وانسي ولادك زي ما نستيهم قبل كده."
ضبطت شعرها وقالت وهي تلهث:
"مش هنساهم يا رحيم.. دول ولادي.. أنا جاية اجازة يومين وعايزاهم يقعدوا معاي."
قال بتأكيد:
"مش هيوافقوا.. يلا امشي من هنا."
أستمع إلى صوت السيدة وفيه تنادي من الخلف فالتلتفت إليها وهي تتقدم نحوه. وقفت قائلة:
"دي مهما عملت دي امهم يا بني."
نظرت إليها باشمئزاز وقالت بعصبية:
"وأنتِ مالك بتدخلي بينا ليه."
نظرت إليها بصدمه. بالرغم من أنها تدافع عنها، تمنعها من التدخل.
فيما غضب رحيم من طريقة حديثها وقال بحنق:
"دي بقى اللي بدافعي عنها."
ربتت على كتفه بحنان وقالت:
"مسامحه عشان الأولاد."
جاءت تدخل. أمسك بمرفقها ليوقفها ناظرًا في عينين هذه الوقحة بتحدٍ قائلًا:
"مش هتشوفي الأولاد إلا إذا أعتذرتِ."
زفرت بسام وقالت بكبرياء:
"سوري يا طنط."
أومأت بخفه ثم تركتهم ودخلت.
سمح لها بالدخول. صعدت إلى الطابق الثاني سريعًا ودخلت غرفة ريان الذي يلعب بألعاب الفيديو.
فقال دون أن ينظر خلفه:
"ندى أنا لسه بادئ لعب."
ارتفع حاجبيها في تعجب ثم جلست إلى جواره وقبلته على وجنته وقالت وهي تضمه إليها:
"أنا مامي."
أوقف اللعبة لينظر إليها في دهشة دون أن يتفوه بكلمة. فنظرت إلى قدمه الملفوف عليها شاش أبيض وتساءلت:
"أنت فكيت الجبس؟"
قال وهو لا يزال مندهشًا من وجودها:
"أه.. ندى جت معايا والدكتور حطلي ده."
نظرت إليه تحتضن وجنتيه براحتي يديها وقالت بحنين:
"وحشتني اوي.. اوي."
أومأ برأسه فقط. تعجبت من ردة فعله فكانت متخيلة بأنه سيحتضنها ويخبرها بأنه أشتاق إليها كثيرًا ويترجاها أن تبقى معهم.
تنهدت بحزن وقالت بهدوء:
"أنا جايه عشان أخدكم تقعدوا معايا يومين."
نظر إلى التلفاز ليكمل لعب وهو يقول بتذمر:
"لاء أنا بحب بابي ومش هسيبه."
"والله.. ماشي بس مش همشي غير وأنت معايا."
ثم نهضت عن الأرض متجه نحو الباب وخرجت لتدخل عند أشرقت.
نظرت الصغيرة إليها في دهشة وتركت ألعابها لتنهض راكضة إليها. فاحتضنتها رافعه إياها عن الأرض قائلة:
"وحشتي مامي جدًا."
"أنتِ كمان."
قبلتها على رأسها ثم جلست على حافة الفراش وهي لاتزال تحتضنه بقوة.
ابتعدت عنها لتنظر إليها وقبلتها على وجنتها وجبينها وقالت مبتسمة:
"يلا عشان هتيجي معايا."
اختفت ابتسامتها وتراجعت إلى الخلف وهي تومئ بالنفي قائلة:
"لاء أنا هقعد مع بابي و ندى."
حدقت بها بشراسة وأندفعت:
"هي ندى دي بقت أمك وأنا ما عرفش.. هتيجي معايا أنتِ واخوكي.. مفهوم."
ثم تركتها. فركضت أشرقت إلى الباب وقامت بفتحه وخرجت راكضة تنادي ندى ووالدها بنبرة بكاء. فيما نهضت هي وركضت خلفها لتمسك بها عند الدرج وأشرقت تحاول التملص منها.
خرجت ندى من غرفتها ورحيم من غرفة المكتب. فيما وقفت ندى أمام الدرج وقالت بقلق:
"خلي بالك البنت هتوقع."
لم تعطي لها اهتمام. بينما صعد رحيم الدرج سريعا ليحرر طفلته من يدها ودفعها بقوة لتتراجع إلى الخلف.
وحمل طفلته يضمها إليه بحنان وهي تبكي قائلة:
"بابي مش عايزة أمشي من هنا."
قذف تلك اللعينة بنظرة قاتلة ثم هبط الدرج. فلحقت به وهي تقول بحنق:
"رحيم أنا عايزة الولاد النهاردة بس."
سألتفت ينظر إليها بغضب شديد وقال بحده:
"اقعدي معاهم هنا.. غير كده مستحيل يوافقوا."
قالت ندى بهدوئها المعتاد:
"أنا ممكن أقنعه."
نظر رحيم إليها بحده فتلاشت نظراته وتقدمت نحوه لتأخذ أشرقت واتجهت نحو غرفتها تحت أنظارهم حتى دخلت الغرفة.
تركها رحيم وعاد إلى غرفة المكتب مغلقًا الباب خلفه بقوة. فيما جزت جيجي أسنانها حتى استمعت إلى صريرها. وجلست على الأريكة تلهث وتزفر بقوة غير مستوعبه رفض الأولاد لها.
أما ندى فغسلت وجه الصغيرة بالماء ثم أخذتها إلى الخارج وحملتها لتجلسها على مقعد المرآة وبدأت تمشط شعرها بهدوء وهي تغني بصوت هادئ:
"شو حلو حبيبي شو حلو.. هالقمر شوفوا ما أجملو.. بس أنا عبالي ادلـله وحياتي ما حدا بقى يزعلوا.. واستحوا إذا بتسمحوا واستحوا ما بقى تجرحوا.. لو زعل أنا بصالحه حبيبي بالقلب صاير مطرحه.."
ثم تركت الفرشاة بعد أن فرقت شعرها وبدأت تصنع لها الضفائر في كلا الاتجاهين.
بعد أن انتهت قبلتها على وجنتها ثم نظرت إليها في المرآة بابتسامة واسعه قائلة:
"قمر بالضفاير."
ابتسمت وهي تومئ تأكيدًا على حديثها ثم تحدثت بنبرة إعجاب:
"ممكن تغنيلي تاني."
شهقت واضعه يدها على فمها وتساءلت بتعجب مصطنع:
"أيه ده هو أنا صوتي عجبك أوي كده؟"
ضحكت ضحكة خفيفة وقالت:
"جدًا جدًا."
حملتها ندى على ذراعيها وأخذت ترقص بها وهي تغني لها ذات الأغنية بصوتها الهادئ وبدأت تستدير بها. وأشرقت جعلت من ذراعيها طوق حول عنقها وتحرك رأسها مع الأغنية بإعجاب.
ثم وضعتها على الفراش برفق ومددت بجوارها وقالت بهدوء:
"عارفة أنا بحبك اوي."
"وأنا كمان بحبك."
قبلتها على وجنتها ثم ضمتها إليها بحنان وقالت بمكر:
"وهحبك أكتر لو طلعتي بوستي ماما و وافقتي تقعدي معاها النهار ده."
ابتعدت عنها لتنظر إليها بتذمر طفولي. فقالت ندى بابتسامة واسعة:
"لو روحتي هتيجي تاني يوم تلاقيني عامله لك جيلي بموز وكريم كراميل و تورته كتير ليكِ لوحدك."
أقتنعت قليلًا. ورفعت ندى جذعها عن الفراش لتجلس أمامها عاقدة قدميها وأمسكت بيدها وقالت بهدوء:
"عارفة لو صَلحتي ماما هتدخلي الجنة.. و اوعدك بكرا بابي هيجيلك علشان ترجعي معاه.. هي ماما ما وحشتكيش ولا ايه."
قالت بحزن:
"وحشتني بس أنتِ هتوحشيني أكتر."
ابتسمت بتأثر على ذلك الحب الكبير ثم احتضنتها وهي تخبرها بأنها سوف تشتاق إليها أكثر.
بعد دقائق خرجت من الغرفة. فنظرت جيجي إليهم وركضت أشرقت إليها ووقفت إلى جوارها تقبلها على وجنتها و وافقت أن تذهب معها. لتنظر جيجي إلى ندى في دهشة لتأثيرها القوي عليها.
تركتهم وصعدت إلى غرفة ريان ودخلت لتجلس بجواره تشاهد لعبه على التلفاز. فنظر إليها ثم عاد بالنظر إلى التلفاز وقال:
"الجيم ده وبس."
رفعت حاجبيها ناظرة إليه بطرف عيناها. ثم أخذت الدراع و أوقفت اللعبة. زفر بتذمر طفولي. فأخذت تدغدغه ليضحك. ثم حملته برفق لتجلسه على قدميها وأمسكت بيديه ترافعهما إلى الأعلى وتتحرك بكلا الاتجاهين وهي تغني بهدوء:
"الله على اللي خلا الفرحة في كل مكان.. أي الجمال ده الله الحياة احلوت كمان.. حبايب وعيلة وعشرة ليالي جميلة ولسه في بكرا ولسه الحكاية طويلة.. أجمل ناس في حياتنا خلوا المكان بيهم جنه.."
ثم أنزلت ذراعيه وأحاطت خصره مستنده بذقنها على كتفه وقالت:
"أنت وأشرقت أجمل ناس في حياتي."
أدار رأسه اتجاها متسائلًا:
"وبابي؟"
جحظت عيناها ناظرةً إليه في دهشة ثم ابتسمت وغيرت الحوار قائلة:
"على فكرة أنا ممكن ازود ساعة لعبك بـ البلاي ستيشن بس بشرط."
قال مسرعًا:
"موافق.. موافق."
"الشرط.. إنك تروح تقعد مع مامي النهاردة وبكرا.. وبكرا بليل بابي هيجيلك انت وأشرقت علشان ترجعوا معاه."
أومأ بالنفي عدة مرات وقال بتأفف:
"مش عايز ألعب بلاي ستيشن خالص."
تعجبت من رده ثم احتضنته بقوة وقالت بهدوء:
"حبيبي.. أنت وحشت مامي أوي."
قال بنبرة بكاء:
"هي اللي مشيت وسابتنا.. وأنا بحب بابي أكتر منها."
"طيب روح النهار ده بس.. النهار ده بس أوعدك."
أطرق عيناه بحزن ثم وافق. فاتسعت ابتسامتها وساعدته على تبديل ثيابه. ثم وضعت له ثوب للنوم داخل حقيبة ظهر متوسطة الحجم وذهبت إلى غرفة أشرقت لتضع لها ثوبها هي الأخيرة.
ثم عادت إلى ريان ووضعت الحقيبة على كتفه وحملت إياه على ذراعيها وهبطت إلى الطابق السفلي. وضعته على المقعد برفق.
وقف رحيم أمام باب المكتب ينظر إليهما بحزن يخبئه خلف جموده. بينما جلست ندى على ركبتيها لتساعده في ارتداء حذائه.
نادى رحيم على أشرقت لتركض إليه. ووقفت أمامه فأدخلها الغرفة وأغلق الباب. ثم ركع أمامها ليحتضنها مغمض العينين بقوة للحظات وهي تشاركه العناق بيديها الصغيرة.
ثم ابتعد عنها وأعطى لها هاتف صغير قائلًا:
"خليه معاكِ يا حبيبتي واتصلي بيا لو احتجتي حاجة هتلاقيني عندك."
ثم نظر إلى الهاتف وبدأ يعلمها:
"طبعًا عارفه بيفتح ازاي.. أضغطي على الأخضر ده هتلاقي أسمي الوحيد اللي عليه وبعدين أضغطي عليه كده وبعدين أضغطي على الأخضر ده هيتصل عليا.. تمام يا روحي."
أومأت بتفهم. فوضع الهاتف في جيب سروالها وهو يخبرها ألا تخبر والدتها بأمر هذا الهاتف.
ثم أحتضنها ثانية وهو يشعر بعدم الراحة من مغادرتهما المنزل فقلبه دائمًا مطمئن عليهما هنا.
ثم ابتعد عنها وأمسك يدها وخرج ليركع أمام طفله ويحتضنه وقبله على رأسه ثم حمله على ذراعيه وخرج به.
لحقت جيجي به ممسكه بيد طفلتها التي استدارت برأسها إلى ندى وتودعها بيدها. فودعتها ندى بابتسامة رقيقة. وعندما خرجت أختفت ابتسامتها وجلست على الأريكة حزينة.
وضع ريان على المقعد الخلفي وقبل يداه. وكان ريان ينظر إليه بترجي أن يمنع ذهابه ليشعر بألم في قلبه. ومسح على شعره ثم ساعد صغيرته على الدخول بجوار شقيقها و ودعها بقبلة على رأسها قبل أن يغلق الباب.
جلست جيجي أمام المقود لتغادر. فيما ألتفت الطفلان ينظرون إليه بحزن من خلف الزجاج الخلفي.
قطب بين حاجبيه قابضًا قبضته بقوة ويعتصر قلبه قهرًا. فلم يتحمل نظراتهم تلك.
ابتعدت السيارة عن عيناه فتقدم خطوتين وهو يزفر كي يهدأ قليلًا. ثم تحدث من بين أسنانه:
"يا ريتك ما رجعتي.. يا رب."
وقف السائق الخاص به خلفه واستأذن بأخذ إجازة لأن زوجته تلد فوافق على الإجازة دون أن ينظر إليه. فقلبه وعقله بين يدي طفلاه الأن.
شكره السائق كثيرًا وغادر. وبعد لحظات دخل رحيم وأغلق الباب. فنظرت ندى إليه وهو يتجه نحو الدرج بخطوات سريعة دون أن ينظر إليها. ثم صعد إلى غرفته مغلقًا الباب خلفه.
شعرت ندى بالحزن من أجله بل وشعرت به أيضًا كأنهما جسد واحد.
بعد لحظات وصل علاء المنزل ووقف أمام ندى وتساءل بفضول:
"مش قاعده مع الأولاد ليه؟"
رفعت رأسها إليه بحزن ونهضت قائلة:
"والدتهم جت النهار ده خدتهم ومشيت."
أندهش وقال بحنق:
"ازاي رحيم وافق على كده."
هزت شفتيها بحزن وهي تحرك رأسها بخفة. فتركها وصعد إلى شقيقه ليتحدث معه.
بينما ذهبت ندى إلى غرفتها وبعد تبديل ثيابها إلى تنورة بطبقة من الستان وطبقه فوقها من الشيفون فضاضة مزينه بورود بيضاء وكنزة سوداء بثلث كم بعنق دائري منقوش بورود صغيرة بذات اللون.
ثم فتحت النافذة ليدخل ضوء الصباح وجلست على المقعد تكمل قراءة الكتاب كي يضيع الوقت.
"مساء ذات اليوم.."
قررت أن تذهب إلى رحيم كي تهون عليه فراق أولاده. تعلم جيدًا أنه حزين. وكلما تنفست كلما يؤلمها قلبها عليه لتشعر وكأن قلبها في جسده.
وقفت أمام الباب تدقه وأنتظرت أن يجب ولكن لم يفعل. فأضطرت أن تفتح الباب ونظرت في جميع أرجاء الغرفة حتى رأته داخل الشرفة. واضعًا يديه في جيبي سرواله الأسود رافعًا رأسه إلى النجوم المتناثرة.
دخلت مغلقة الباب خلفها بهدوء ثم خرجت إلى الشرفة. وشعر بخطوات قدميها. فابتسمت عيناه ناظرًا إلى الأمام.
وقفت بجواره ولكن خلفه بخطوه و وضعت يدها على كتفه. فأمسك بيدها بيده اليمين وأزاحها عن كتفه وضعها خلف ظهره ليسلمها إلى يده اليسار ليضع يدها على صدره وأمسك بيدها الأخرى جاعلًا إياها تحتضنه من الخلف.
أفترقت شفتيها قليلًا واتسعت عيناها كما شعرت بالخجل ايضا من تصرفة هذا. لاحت ابتسامة على ثغره فقد علم أنها الأن تشعر بالخجل وأصطبغا وجهها بحمرة الخجل وقال بصوته الرجولي:
"شاركيني في الحضن يا ندي."
أغمضت عيناها وأقتربت منه أكثر واستندت بوجنتها على ظهره مغمضة عينيها بقوة متشبثة في سترته من الأمام.
رفع يدها الأخرى إلى شفتيه يقبلها على أناملها برقة عدة مرات. ثم رفع رأسه واضعًا يدها على صدره وقال بهدوء:
"عايزك تفضلي كده طول العمر."
اتسعت ابتسامتها ثم عضت على شفاها السفلى بخجل. فتساءل:
"اقنعتي الاولاد ازاي؟"
تنحنحت بكبرياء مصطنع وقالت:
"بطريقتي الخاصة بقى."
ضحك ضحكة خفيفة وأصر أن تخبره بالسبب. ففتحت عيناها وتنهدت بعمق تستجمع قوتها مسيطرة على خجلها. ثم بدأت بالغناء بصوتها الهادئ:
"أنا نفسي اطير فرحانه جدًا ودايبه وبغير حاسة بسعادة ودا احساس خطير.."
مجنونة بيك، نفسي أفضل قصادك وأقولك بحبك كتير، ودا مش كلام، دا أنا جاية أغرق عنيك اهتمام، ووعد عليا وقرار والتزام، لو كنت أطول كنت أمسح حياتي ونبدأ من الليلة أوام.
هو أنت جيت منين؟ حبيتك بالتلاتة من غير أي اتفاق، عقلي في ثانية أنت خدته.
ثم توقفت عن الغناء وتابعت بنبرة خجل:
مش فاكرة بقى.
رفع يدها إلى شفتيه يقبلها برقة وتحدث مبتسمًا:
حبيبي طلع صوته حلو أوي، سحرتيني بصوتك والأغنية الحلوة دي.
احتضنته بشدة، فاغمض عيناه وهي تقول بهدوء:
غنيت لكل واحد فيهم أغنية وأقنعتهم بشوية كلام.
ضغط بيدها على صدره، منحني برأسه للخلف قليلا وقال بنبرة ثقيلة:
عايزك يا ندى، عايزك معايا دايمًا.
دفنت وجهها في ظهره بخجل وقالت بنعومة:
أنا معاك اه.
ابتسمت عيناه قائلًا:
لأ، أنا طماع، عايز أصحى ألاقيكِ في حضني.
عضت على شفاها بخجل شديد واصبغا وجهها بحمرة الخجل.
تابع بـ بحة صوته الرجولية:
بحبك يا ندى.
ثم وضع راحتها على شفتيه يقبلها، مغلقا عيناه وكأنه في مكان خيال بعيدًا عن الأرض، مكان خاص بهم فقط.
ثم جعلها تقف أمامه محيطًا خصرها بذراعيه، مستند بجبينه على جبينها يتفحص ملامحها بتمعن، وهي تنظر إلى الأرض بخجل وقال دون مقدمات:
تتجوزيني؟
انكمشت معدتها ورفعت عيناها لتحدق به بعدم تصديق، وأخذ صدرها يعلو ويهبط من دقات قلبها القوية التي تدق داخله.
مسح بـ إبهامه جانب شفتيها ثم قبلها على وجنتها واحتضنها، دافنًا وجهه بين ثنايا عنقها، في حين ندى مازالت تحدق لم تصدق أذنيها، بل تود الفعل لكي تتأكد من طلبه هذا.
ثم أغمضت عيناها رافعه يديها تضعهما على ظهره لتشاركه بالعناق وهمست في أذنه:
بحبك جدًا.
قبّلها على عنقها برقة، ثم نظر إليها يضع شعرها خلف أذنيها ناظرًا إلى عيناها بجدية الحب، وهي تبادله بذات نظرات الحب، ثم همس بأنفاسه الساخنة:
مجوبتيش ليه؟
أطرقت عيناها ثم دفنت وجهها في صدره خجلًا وقالت بهدوء:
أكيد موافقة.
قبّلها على رأسها بحنان وكاد أن يتحدث إلا أن رن هاتفه، فأخذه من جيب سرواله لينظر إلى شاشته التي تضيء بالرقم الذي في هاتف أشرقت، فأجاب فورًا ليستمع إلى بكائها الطفولي:
بابي تعال دلوقت، مامي عايزانا نسافر معاها.
جز على أضراسه حتى استمع إلى صريرهما وقال بهدوء على عكس البركان الذي بداخله:
طيب اهدي، أنا جاي حالًا.
ابتعدت عنه لتنظر إليه في توجس، فيما أنهى رحيم المكالمة ودخل مسرعًا ليأخذ مفتاح سيارته وهو يقول بحده عالية:
الهانم عايز تاخد الولاد وتسافر.
وضعت يدها أعلى صدرها ولحقت به في توجس واضح قائلة:
خلي بالك وأنت سايق.
قال وهو يخرج من الغرفة بخطوات سريعة:
ماتخافيش.
لحقت به و وقفت أمام الدرج تنظر إليه حتى خرج مغلقًا الباب خلفه، فجلست على الدرج تدعي له.
بينما استقل رحيم سيارته وقاد مسرعًا وأخذ يضغط على بوق السيارة بعصبية ليفتح الأمن البوابة وخرج بسرعة فائقة تاركًا أثرًا للعجلات على الأرض.
عند وصوله أوقف السيارة أمام البوابة يضغط على البوق بقوة ليخرج الأمن من بوابة صغيرة فاندفع رحيم طالبا منه أن يفتح البوابة.
قام بفتحها ليدخل بالسيارة، في ذات الوقت كانت تضع جيجي الحقائب داخل السيارة ورجل صلب من يقوم بحراستها حاملًا أشرقت على ذراعيه وهي ترفص بقدميها وتبكي، وواحد آخر يحمل ريان والذي لم يصدر منه أي ردة فعل فقط ينظر إلى الأمام ويبدو عليه الصدمة.
تفاجأت بسيارة رحيم والذي صفها وترجل منها راكضًا إلى ذلك الوغد الذي يحمل طفلته ووقف يسدد له عدة ضربات قوية ثم أخذ أشرقت وانزلها إلى الأرض، فسدد له ذلك الضخم ضربه قويه جانب شفتيه وكاد أن يسدد له واحده أخرى تفاداها وركلة بغيظ شديد جعله يتراجع إلى الخلف ثم سقط أرضًا متأوهًا.
بينما تحدثت جيجي بصوت مرتفع:
أنا هاخد ولادي يا رحيم، مش هسمح لوحده حقيرة تربيهم.
احتضنت أشرقت قدم والدها.
فيما نظر إليها نظرة قاتلة وصاح بعنف:
الحقيرة دي برقبتك، وأنتِ هتاخدي الولاد علشان ترميهم مع مربيه أجنبية وتشوفي شغلك، أنا جايب لهم مربية لكن واخد بالي منهم وتحت عيني.
قالت بعصبية ساخرة:
أه واضح بأمارة أن رجل ابنك انكسرت.
أنتِ فاهمه كويس اوي رجليه انكسرت ازاي.
ثم طلب من ابنته أن تذهب إلى السيارة فركضت إليها لتختبئ داخلها، بينما اقترب من ذلك الرجل الثاني وأخذ ريان، بينما خرجت والدة جيجي توبخه بحده وهو يضع ابنه داخل السيارة.
ثم نظر إليهم بغضب شديد وكأن الجحيم سكن عيناه قائلًا بفحيح مرعب:
أنتِ فكرة أنك لو كنتِ أخدتي الولاد كنت هسيبك، دا أنا كنت ههد الدنيا فوق دماغك.
ثم جلس أمام المقود ليغادر من ذلك المكان اللعين.
فزفرت جيجي وضربت عجل السيارة بقدمها بغيظ، فوقفت والدتها بجوارها وقالت بقسوة:
ولا يهمك، دول حتى كانوا هيعطلوكِ عن شغلك، سافري وابني نفسك مفيش حاجة هتنفعك.
عند وصوله صف السيارة أمام الباب وهاتف ندى طالبًا منها أن تأتي لتأخذ أشرقت.
بعد لحظات من المكالمة خرجت وحملت أشرقت تضمها إليها ونظرت إلى ريان الذي ينظر إلى الأمام في صمت مرعب وتساءلت:
ريان مالك؟
ليقول رحيم بضيق:
خدي أشرقت وادخلي يا ندى.
ابتلعت لعابها بصوت مسموع وشعرت بالقلق على ريان ثم دخلت المنزل.
حمل طفله اجلسه على قدميه واحتضن وجنتيه براحتي يديه ينظر إليه بألم واضح.
فقد تذكر ذلك الوجه الذي رأه عندما غادرت والدته للمرة الأولى وذهب به إلى الكثير من الأطباء النفسيين كي يتحدث من جديد حتى نجح بعد معاناة ليستمع إلى صوته من جديد.
ويخاف أن تعود تلك الأيام ثانية فقال بهدوء:
ريان حبيبي، أنا بابا، أنا معاكم.
قلتيه مثبته إلى الأمام ولم يتحرك قط فقط يلتقط أنفاسه.
رفع رأسه إليه وهو يقول بترجي:
لأ يا ريان، أنا مقدرش أعيش من غير ما اسمع صوتك.
احتضنه بشدة وقبله على رأسه ثم أغمض عيناه لتهبط دموعه على وجنتيه وقال بنبرة ألم:
أنا أسف، أسف يا روحي.
فتح باب السيارة وترجل وهو يحمله على ذراعه ثم دخل مغلقًا الباب بقدمه، فألتفتت ندى برأسها تنظر إليه وهو يتجه نحو الدرج من ثم صعد إلى غرفته.
وضعه على الفراش برفق ثم مدد بجواره وأخذه بين أضلاعه وقال بنبرة ضيق:
مش هخليك تعمل حاجة غصب عنك تاني، بس سمعني صوتك.
ابتلع لعابه ليشعر بألم حاد في حلقه فيما ابتعد ريان عنه رافعًا رأسه ينظر إليه نظرة عتاب، فنظر رحيم إلى عيناه ومسح على وجنته وابتسم ببهوت قائلًا:
هتنام جمبي النهار ده وبكرا وبعده ولحد ما تزهق، علشان أنا بحبك أوي، قولي رحيم كده.
قبّله ريان على وجنته ثم اغمض عيناه، فحرك رأسه بخفة ثم أخذه بين ضلوعه حتى ذهب ريان إلى النوم.
نهض من جواره بهدوء وخرج إلى الشرفة يدخن سيجارة.
بعد لحظات دقت ندى الباب لم تستقبل رد فقامت بفتح الباب بهدوء ناظرة إلى الفراش لتجد ريان فقط، فدخلت مغلقة الباب بهدوء.
ثم خرجت إلى الشرفة و وقفت بجواره.
نفث دخان سيجارته في الهواء وقال بنبرة عتاب:
ليه تقنعي يروح يا ندى؟ يا رتني ما وافقت يروح معاها.
هو ريان عنده أيه؟ تساءلت باهتمام ليخبرها بكل شيء حدث معه.
وكم هو عان معه حتى تحدث ثانية بعد أن صدم من كم المشاجرات التي كانت تحدث بينه وبين والدته وايضا كانت تتشاجر مع جدته امامه والصدمة الأكبر كان فراق والدته المفاجئ.
أمسكت بمرفقه مستنده برأسها على كتفه وقالت بحزن:
أنا أسفه مكنتش أعرف إن كل ده هيحصل.
ثم قبلته على كتفه، فأمسك بيدها مخللًا أصابع يده بين أصابع يدها واضعًا إياها على صدره وهي تقول بهدوء:
متقلقش بكرا هيبقى كويس اوي وهيتكلم.
ميل برأسه ليستند على رأسها واغلق عيناه بهدوء هامسًا بجدية:
خليكي معايا يا ندى، وجودك بيطمني، وجودك جمبي بيطمني بيغلب قسوتي، بيخرج كل حاجة حلوه جوايا، بحبك.
قالت بابتسامة ونبرة رقيقة خجولة:
أنا كمان بحبك.
رواية حب رحيم الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سمر عمر
دخل الغرفة في الصباح حاملًا صينية طعام متوسطة الحجم وضعها على الفراش ثم اتجه إلى الشرفة وفتح ستائرها لتخترق إشاعة الشمس الغرفة.
ثم عاد إلى طفله وجلس إلى جواره يمسح على شعره برفق. رفع عيناه لينظر إليه بنعاس فابتسم وقبله على وجنته وحمله على ذراعيه ودلف إلى المرحاض. ثم أوقفه أمام الحوض وباليد الأخرى غسل وجهه وفمه وخرج وهو يستدير به بمرح. بعد ذلك وضعه على الفراش برفق وشاركه في تناول الفطار.
بعد دقائق دق الباب ودخلت ندى بابتسامة واسعة فبادلها رحيم بابتسامة خفيفة. تقدمت نحو الفراش وجلست إلى جوار ريان تلقي عليه الصباح فلم يرد عليها. قبلته على وجنته ثم همست:
"أي رأيك أزود لك ساعات اللعبة نص ساعة؟"
كانت قاصدة أن تجعله يضحك ولكن فشلت في ذلك. تنهدت بهدوء ومسكت بيده فسحبها فورًا لتتعجب ندى. ثم نهض من مكانه وجلس على قدم أبيه مستند برأسه على صدره. شعرت ندى بالحزن وحسبت أنها ستبدأ معه من جديد.
نظر رحيم إليها ليرى الحزن واضح على جميع ملامح وجهها ثم طلب منها أن تذهب الأن فحملت صينية الطعام وخرجت. أحاط طفله بكلت يديه وقال:
"ما روحتش الشغل النهاردة عشان خاطرك. هنلعب مع بعض سباحة وبلاي ستيشن كمان."
صدح صوت هاتفه فأخذه من أعلى المنضدة المجاورة للفراش واجاب على عمرو صديقه وأخبره بماذا يفعل اليوم في الشركة لأنه لن يأتي اليوم ثم أنهى معه المكالمة. وضع الهاتف جواره ثم نظر إلى طفله قاطب جبينه قائلًا:
"سمعت بنفسك. مع أني ورايا شغل كتير جدًا لكن يهون علشان خاطرك. المفروض إنك تشكرني."
نظر في عيني والده للحظات ثم أبتسم أخيرًا وقبله على وجنته ونظر إليه ثانية وقال بصوت هادئ:
"شكرًا مستر رحيم."
رفع حاجبيه بمرح واحتضنه بشدة وبشدة حتى كاد أن يخترق عظامة ثم أخذه إلى غرفته. جلس رحيم عاقدًا قدميه يلعب مع طفله ألعاب الفيديو قال وهو يضغط ازرار الذراع منسجم في اللعب:
"ندى بتسمحلي ألعب ساعة واحده بس في اليوم. شوفت بقى بعاني قد أي."
ضحك ضحكة خفيفة ثم تساءل وهو منتبه إلى اللعبة:
"ومامي كانت بتسمح لك تلعب كام ساعة؟"
"لااا. مامي كانت بتسبني ألعب طول النهار عادي وطول الليل برده."
تساءل بمكر:
"طب وليه رفضت تسافر معاها علشان تلعب براحتك؟"
أومأ بالنفي عدة مرات وقال بتأفف:
"مستعد ملعبش خالص بس مروحش معاها."
لينظر رحيم إليه متعجبًا وأخذ يسأل ماذا فعلت تلك الأم كي يرفض طفلها أن يسافر معها لهذا الحد؟ لم يرى شيئًا مثل هذا من قبل ولكن ما يجعله سعيدًا عشقه لأولاده وسعادتهم وهم معه. ثم عاد بالنظر إلى التلفاز ليكمل اللعب وقال بمزاح:
"طيب ركز بقى علشان هتخسر حالا."
ضغط على أسنانه يقول بإصرار مؤكدًا على حرف الياء:
"مستحيل."
أما في الأسفل كانت ندى تقف بعيدًا تشاهد أشرقت وهي تطعم القطة عن بعد فابتسمت وتذكرت عندما أمسك رحيم بيدها ليضعها على القطة. ثم ضمت نفسها بذراعيها تتنهد بعمق وهي تخبر نفسها سرًا بأنه احيانا يكون رقيق وحنون أكثر.
ثم تقدمت نحو أشرقت و وقفت عن قرب فرفعت الصغيرة رأسها إليها وقالت:
"ندى متخافيش دي كيوت زيك."
ضحكت ضحكة خفيفة ثم جلست على ركبتيها ورفعت يدها بتردد فأمسكت أشرقت بمعصمها تقرب يدها رويدًا رويدًا قائلة:
"متخافيش دي شعرها ناعم أوي."
ثم وضعت يدها على رأسها فخرجت شهقة خفيفة من بين شفتيها لكن سرعان ما ابتسمت وبدأت تمسح على شعر القطة بأريحية.
بعد دقائق من اللعب تركتها وصعدت إلى غرفة ريان ووقفت عند الباب وهي تضم ذراعيها امام صدرها بتذمر مصطنع قائلة:
"مش كفاية لعب بقى."
ترك ريان الذراع ليشير إلى رحيم قائلًا:
"مستر رحيم اللي بيلعب."
سعدت عندما تحدث وتعجبت من قول رحيم. بينما ترك رحيم الذراع وأخذ يدغدغه ليضحك فضحكت ندى ضحكة خفيفة. بعد ذلك توقف عن المشاكسة ومسح على شعره من الأمام إلى الخلف فقال ريان:
"يلا نسبح بقى شوية."
نهض لينظر إلى ندى بابتسامة عيناه التي ترهقها فأطرقت رأسها خجلًا وهو يشير إليها قاطبًا جبينه قائلًا:
"لازم أعلمك السباحة."
ثم غادر الغرفة بينما فتح ريان خزانة الثياب والتقط سروال قصير وساعدته ندى في ارتداءه وجاءت تلبسه ستره رفض قائلًا:
"عايز ابقى زي بابي."
أومأت بالفهم ثم قبلته على رأسه وتركته يخرج ينتظر والده حتى خرج من الغرفة يرتدي سروال يصل إلى ركبتيه اسود من الجينز وستره نصف كم بذات اللون. حمل طفله على ذراعيه وهبط الدرج فلحقت ندى بهم حتى خرجوا إلى الحديقة.
خلع سترته وضعها على يد المقعد ثم هبط إلى الماء حاملًا طفله على ذراعيه تركه يسبح بمفرده ويلعب معه بالماء. جلست ندى على المقعد وشعرت بملمس سترته الناعم أسفل يدها فنظرت إليها ثم انتقلت ببصرها بين رحيم وسترته حتى التفت ليواليها ظهره فانحنت لتدفن أنفها في سترته تستنشق عطره ثم رفعت رأسها تتنهدت بعمق مغلقة عينيها.
بعد ربع ساعة تقريبًا خرج ريان من الماء وساعدته ندى في ارتداء معطف يجفف بدنه من الماء ثم تركته يدخل. وقف رحيم بعد خروجه يحرك رأسه لتخرج المياه من بين خصل شعره وقذفها على ندى فوضعت يديها على وجهها مانعه المياه من الوصول إليها.
ثم مسح على شعره من الأمام إلى الخلف عدة مرات وقال بمكر:
"مش هتلبسيني التي شيرت زي ما ساعدتي ريان."
عضت على شفاها السفلي وقذفته بنظرة خجولة سريعة ثم تركته ودخلت. اتسعت ابتسامته ثم تناول السترة ليرتديها ودلف إلى الداخل من ثم صعد إلى غرفته. ليأخذ حمام سريع وبعد خروجه بدقائق رن جرس الباب خرج من غرفته وهبط إلى الطابق السفلي ليفتح الباب. رأى الرجل الذي كان ينتظره واعطى له حقيبة بلاستيكية فأعطى رحيم له المال وشكره وبعد أن غادر أغلق الباب ثم اتجه نحو غرفة ندى و وقف يدق الباب.
نظرت إلى الباب وانهت المكالمة مع صديقتها ثم نهضت متجه نحو إليه لتفتح. تنحت جانبًا فدخل وأغلق الباب ثم مد يده بالحقيبة وهو يقول:
"الكتالوجات اللي هتختاري منها."
أخذت الحقيبة وأخرجت منها اول كتالوج تنظر إلى صفحاته فأشار بسبابته إليها قائلًا:
"بكرا هنقضي اليوم كله مع بعض. النهاردة للأولاد."
ثم أقترب منها أكثر حتى أصبحت المسافة بينهم شبه معدومة ومسح بظهر يده على وجنتها برقه فضمت الكتالوج إليها واصطبغت وجنتيها بحمرة الخجل وهو يقول:
"وبكرا لحضرتك ندى هانم."
ثم انحنى برأسه وأطبق شفتيه على وجنتها إلى لحظات قبل أن يبتعد عنها وخرج مغلقًا الباب خلفه. وضعت يدها على وجنتها بابتسامة تزين ثغرها ثم جلست على الفراش تفحص جميع الكتالوجات.
صباح اليوم التالي استيقظت بوجه عابس على صوت دقات الباب وحولها الكتالوجات. نهضت عن الفراش وفتحت الباب لترى رحيم فنظر إلى ساعة يده التي تدق التاسعة والنصف قائلًا:
"متاخره نص ساعة ندى هانم."
تنهدت بابتسامة قائلة:
"عشر دقايق بس."
ضم ذراعيه أمام صدره وقال بغزل:
"شكلك احلى من القمر وأنتِ صاحيه."
شعرت بالخجل ووضعت يدها على صدره الصلب تبعده عن الباب قائلة:
"يلا علشان منتأخرش."
أومأ برأسه موافقًا ثم غادر فأغلقت الباب ودخلت المرحاض لتأخذ حمام سريع. فيما جلس رحيم أمام المقود يرتدي نظارة شمسية أنيقة تعطي له مظهرًا جذاب خاص به.
بعد ربع ساعة استمع إلى صوت الباب ينفتح وخرجت ندى التي ترتدي تنورة تصل إلى قبل ساقيها بقليل بيضاء تحمل ورود متوسطة الحجم من الأعلى فقط وكنزة زرقاء ذات كم شيفون بذات اللون. انبهر من جمالها رافعًا نظارته على شعره فالأزرق حقًا يعطي لها جمالًا خاص بها ووجهه براقًا. جلست جواره فنظر إلى معصمها المزين بنبضات قلبه وعنقها البراق مستحوذًا على قلبه. أبتسم ثم شغل السيارة وتحرك وحافظت على ألا تنظر إليه وهي تخبر نفسها سرا أنه جذاب اليوم كثيرًا و تود أن تمل عيناها منه ولكن تشعر بالخجل.
عند وصوله صف السيارة أمام الباب وترجل ثم ترجلت هي تحمل حقيبة الكتالوجات ودخلا إلى المنزل تنظر حولها وبعد لحظات شعرت به يمسك يدها وخرجا إلى الحديقة يجلسان أسفل إحدى الأشجار. وفتحت الكتالوجات لتري اختيارها للأثاث وأيضا الألوان فلاحظ أنها اختارت ألوان مبهجة مثل ألوان الربيع. نظر إليها وتساءل:
"كنت فاكر هتختاري الأسود والأبيض زي البيت التاني."
قالت دون أن تنظر إليه:
"عارفة إنك بتحب اللونين دول مع بعض لكن خلي البيت دا مبهج بالألوان."
وافقها الرأي ثم هاتف أحد المطاعم المشهورة وطلب لهم غداء عقب انتهاء المكالمة أزاح الكتالوجات عن قدميها ليضع رأسه عليهما مطالبًا بالعبث بين خصل شعره بيدها الناعمة مسحت على شعره برفق ليغمض عيناه مستمتعًا بحركة يدها وقال:
"قوليلي حبتيني امتى؟"
لتغمض عيناها فجأة وقلبها يدق في صدرها وتحدثت بنبرة توتر:
"كنت ..كنت بشوفك في الكافية ..بس يعني كـ كان مجرد اعجاب ..لحد.."
توقفت عن الحديث تعض على شفاها السفلى من الداخل. فتح عيناه لينظر إليها وأكمل:
"لحد ما الصدفة جبتك لحد عندي. وقربتي مني أكتر فتحول الاعجاب إلى الحب."
اومأت بتأكيد فقال بحب:
"أنا معرفش حبيتك امتى و ازاي. لكن فجأة لقيت نفسي بغيير عليكِ والغيرة يعني حب. بحبك."
رفع يده ليضعها حول عنقها واغلق عيناه وميل رأسها إليه طالبًا منها أن تقبل جبينه. أطبقت شفتيها على جبينه بحنان ليشعر بدفئهما فتزداد دقات قلبه حبًا ورغبه بها ثم ابتعدت عنه ورفعت رأسها تنظر إلى الأمام وبعد دقائق من تبادل حديث الحب بينهم رن جرس المنزل. نهض ودلف إلى الداخل بينما وضعت هي يديها أعلى صدرها تزفر بهدوء ثم استندت برأسها إلى الشجرة.
عاد ومعه الطعام ثم جلس بجوارها وأخرج سندوتش بخبز دائري ضخم فأخذته وهي تحدق به وفتحت فاها كي تستطيع أن تقطم ولكن لم تستطيع فضحك رحيم عليها فلكزته في كتفه وقالت بتحدي:
"طيب ما توريني كده هتعرف تاكله ازاي."
قطم من الأعلى فقط ففعلت مثلما يفعل وبدأت معه تحدي لمن ينتهي أولًا. بدأ الإثنان يأكلان بسرعة ومن كثرة سرعتها تلطخت شفتيها بالكاتشب. نظر إليها ثم مسح بـ إبهامه عليهما وهي تنظر إليه ببعض من الدهشة وهو يتذوق الكاتشب نظرت إلى الأمام بخجل وهو ينظر إليها بعينين مبتسمتين. لم تستطيع أن تكمل طعامها وتركت السندوتش ثم نهضت لتدخل تغسل يديها. وضع ما تبقى من طعامهما داخل المعلبات قبل أن ينهض متجه إلى الداخل.
بعد دقائق أخذها في جولة داخل المنزل وعلمت على الأثاث الذي تم اختياره ثم خرج يتجول بجوارها في الحديقة يحيط كتفها بذراعة ومد يده بـ موزة. قطمت قطعة صغيرة واكل بعدها حتى انتهوا منها. ثم أخذ دراجة كبيرة وجعلها تجلس أمامه ولف بها حديقة المنزل بأكمله.
في المساء طلب منها أن تدخل إلى أحد الغرف بالفعل نفذت رغبته ودخلت مغلقة الباب خلفها نظرت حولها لترى مقعد في أحد الأركان وعليه علبة فتقدمت نحوه و وقفت لتقوم بفتحها لتجد شورت من الجينز وكنزه سوداء ذات حملات عريضة و ورقة قامت بفحصها بعينيها ” اللبسي و مستنيكي..” تعجبت ومع ذلك بدلت ثيابها به لكونها معتادة على مثل هذا النوع من الملابس ولكن لم تعد ترتديهم في منزله تجانبًا لغيرته الزائدة عليها.
ثم خرجت إلى الحديقة لتجده أمام حمام السباحة يدخن سيجارة وقد بدل ثيابه إلى سروال قصير يصل إلى بعد ركبتيه بقليل جينز بني وستره بذات اللون. وقفت خلفه ليشعر بها والتفت ينظر إليها من رأسها حتى قدميها ثم نفث أخر دخان السيجارة وألقى بها أرضًا ليدعسها. فتساءلت:
"ليه اتخنقت معايا قبل كده بسبب اللبس ده."
تقدم نحوها بخطوات ثقيلة ووقف أمامها يحيط خصرها بذراعه الصلب وقال بصوته الرجولي:
"علشان اللبس ده ميتلبسش غير ليا أنا."
ابتلعت لعابها بصوت مسموع فاقترب منها لتشعر بالتوتر الشديد وانكماش في معادتها وتأثيرها بصوته يجعلها في حالة من الذعر. ابتعد عنها وقام بخلع سترته وضعها جانبًا ثم أمسك بيدها وقفزا في المياه. شهقت بهلع ومسحت على وجهها فوضع يديها على كتفيه وقال بهدوء:
"متخافيش."
نظرت إلى عيناه لتشعر بالاطمئنان ثم تحدثت بتوتر:
"أنا مبعرفش أعوم وبخاف من الميه."
قال مداعبًا:
"بتخافي من القطط والميه. عايز اعرف مبتخافيش من أيه."
اتسعت ابتسامتها فابتسم ناظرًا إلى تلك الشفتين المبتسمتين ثم احتضنها هامسًا بالقرب من أذنها:
"متخافيش من أي حاجة طالما رحيم معاكِ. أنا هحميكِ حتى من نفسي."
ثم ابتعد لينظر إليها يمسح على وجنتيها بعد ذلك التفت واضعًا ذراعيها حول عنقه وسبح بها ذهابًا وإيابًا وبدأ يعلمها السباحة. شعرت بالتعب فتوقفت عن السباحة وهي ترفض أن تتعلم المزيد ضحك ضحكة خفيفة لتضربه على كتفه ثم صعدت على حافة حمام السباحة لتجلس وهو يسبح أمامها ذهابًا وإيابًا وتحدثت هي بجدية:
"الأولاد وحشوني اوي."
أقترب منها ووقف أمامها واضعًا يديه جوارها ينظر إليها بحب نظرت إلى الاتجاه الآخر خجلًا من نظراته وهو يقول:
"أنتِ هتبقي أم حنينة اوي."
تحدثت بصوت منخفض من فرط الخجل:
"شكرًا."
مسك يدها ليضعها على صدره الصلب وقال بجدية الحب:
"حبك بينبض في قلبي ويدق في صدري."
ثم رفع يدها واضعًا راحتها على شفتيه يقبلها برقه ثم صعد ليجلس بجوارها ويضمها إليه يقبلها على رأسها.
بعد ساعات ليست قليلة عاد إلى المنزل وتمنى لها ليلة سعيدة ثم قبلها على وجنتها وتركها تدخل غرفتها. صعد إلى غرفة ريان كي يطمئن عليه ليجده نائمًا فقبله على رأسه بحنان ثم أطمئن على ابنته ودلف إلى غرفته.
في الصباح الباكر ذهب إلى العمل كي يتابع كل ما فاته. وبدأ يعمل بحماس ونشاط ومن حين لأخر كان يراسل ندى برسائل الحب لتبادله بذات الرسائل بابتسامة مزينه ثغرها. الساعة الثالثة مساء خرج من الشركة واستقل سيارته ليغادر عائدًا إلى المنزل. وبعد دقائق تفاجأ بعدم وجود فرامل في السيارة فأخذ يضغط على المحابك بقوة ولكن بلا جدوى وبدأ يتفادى السيارات بسرعة فائقة ثم صوب السيارة باتجاه أحد الأشجار الجانبية. وفتح الباب كي يقفز من السيارة لتصطدم السيارة في الشجرة بقوة فيما ارتطمت رأسه بخفة في الأرض وسقط على ذراعه اليسار. نظر إلى سيارته وهو يشعر بألم حاد في رأسه وذراعه اليسار بالكامل. تجمعت الرجال من حوله وطلب أحدهم أن يذهب به إلى المشفى ولكن رفض وطلب فقط سيارة أجرة.
أما في المنزل شعرت ندى بغصة في قلبها لتفزع واضعة يدها على صدرها ثم توقفت عن الطعام. لتنظر وفيه إليها متسائلة:
"مالك يا ندى؟!"
نظرت إليها بلهفة وقالت بنبرة قلق:
"أنا كويسه."
ثم نظرت إلى شاشة هاتفها بعد دقائق نهضت السيدة وفيه واستعدت للذهاب لشراء بعض الأغراض وأخذت أشرقت معها عندما أصرت وصعد ريان إلى غرفته ليلعب بألعاب الفيديو. جلست على الأريكة تنظر إلى الهاتف وكادت أن تتصل على رحيم لأن قلبها يشعر بالقلق عليه ألا أن فتح رحيم باب المنزل لتنظر إليه ثم نهضت راكضة إليه بلهفة لتحتضنه بذراعيها التي تحيط بهم خصره وقالت بنبرة قلق:
"قلقت عليك."
تألم وجهه قاطبًا حاجبيه رافعًا ذراعه اليمين يمسح على شعرها وهو يقول بصوت منخفض:
"أنا بخير ماتقلقيش."
شعرت من نبرة صوته بشيء ما فابتعدت عنه لتنظر إليه وشهقت بهلع متسائلة:
"رحيم حصل أي؟"
طلب منها أن تأخذه إلى غرفته أمسكت بيده اليمين ومضت بجواره ثم صعدا إلى غرفته واراح جسده على الفراش متاوها بخفة. وضعت الهاتف على المنضدة ثم جلست على حافة الفراش بالقرب منه ومسكت بيده ناظرة إليه بدموع تجمعت حول مقلتيها وهو يقص عليها ما حدث. ثم أخذت منديل ومسحت الدماء التي هبطت من جانب رأسه برفق وقالت بنبرة بكاء:
"لازم تروح المستشفى."
جاء يتحرك تألم من ذراعه فوضعت يدها على كتفه اليسار وقالت بقلق:
"أكيد ذراعك فيه حاجة."
"ندى أنا كويس مفيش داعي للمستشفى خالص."
مسحت أسفل عيناها مانعة الدموع من الهبوط وقالت بنبرة ضيق:
"طيب على الأقل خليني اشوف دراعك."
أومأ بالموافقة فبدأت تفك له ازرار قميصه وهو يتفحص تلك الملامح الحزينة من أجله وعيناها التي تنطق بالخوف من فقدانه. رفعت مقلتيها إليه لتخجل من نظراته فأطرقت عيناها وبدأت تفك ازرار القميص بيدين مرتعشين من كثرة الخجل الذي أثر على معادتها وقلبها يقرع كالطبول في صدرها ليجعله يعلوا ويهبط.
بعد أن انتهت سحبت كم القميص اليسار ونظرت إلى ذراعه العالي لتجد كدمات على كتفه فضغطت عليه ليتأوه فابتعدت عنه فورًا وقالت بإصرار:
"لازم تروح المستشفى."
أمسك بيدها وتساءل قاطب جبينه:
"خايفه عليا؟"
أطرقت عيناها أولًا ثم نظرت إلى الأمام تبتلع لعابها بصوت مسموع وقالت باضطراب:
"أه أكيد."
وضع راحت يدها على شفتيه يقبلها بحنان ثم تحدث بنبرة ثقيلة:
"يا رتني كنت عملت الحادث دا من زمان علشان اشوف نظرة الخوف دي."
أغمضت عيناها لتهبط دموعها على وجنتيها رغمًا عنها بينما هو ترك يدها ليضع يده على وجنتها يمسح دموعها وقال بجدية:
"دموعك أغلى من حياتي."
"ربنا يخليك."
تساءل بمكر:
"لمين؟"
عضت على شفاها السفلى من الداخل ثم تحدثت بنبرة خجل:
"ليا و لأولادك."
"يا رب يا روحي."
قاطع تلك اللحظة رنة هاتفها فأخذه من أعلى المنضدة وأجاب على المتصل و وضعه على أذنه ليستمع إلى صديقتها:
"يا زفته يا نعجة مبترديش ليه؟"
ابتسم وقال ببحة صوته الرجولية:
"لاء أنا حبيب النعجة و الزفته."
ضحكت ندى ضحكة خفيفة فيما فزعت صديقتها وفصلت المكالمة فنظر رحيم إلى شاشة الهاتف ثم تحدث بمزاح:
"صحبتك ماتت باين."
مسحت دموعها وهي تضحك على كلماته الأخيرة فقال بابتسامة واسعة:
"اطمني عليها يا ندى."
أخذت الهاتف من يده واتصلت عليها ثم تركته وخرجت إلى الشرفة لتتحدث معها فأخذت توبخها صديقتها في البداية ثم تساءلت بهدوء:
"رحيم اللي رد عليا."
"أكيد يعني يا غبية."
كان رحيم ينظر إليها من خلف زجاج الشرفة وهي تتحدث معها وانهت المكالمة سريعًا لتعود إليه وقالت بإصرار:
"هتروح المستشفى غصب عنك."
غمز لها وقال بنبرة رجولية ثقيلة:
"دي حياتي تهمك اوي بقى."
عقدت بين حاجبيها بتذمر قائلة:
"يا بايخ."
"بيموت فيكِ."
تعجبت متسائلة:
"هو مين ده؟"
عض على شفته السفلى بجرأة واجاب بنبرة هادئة ممزوجة بالحب:
"البايخ."
رواية حب رحيم الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سمر عمر
ضحكت ضحكة خفيفة على كلمة "البايخ".
ثم مدت يدها إليه فمسك يدها الصغيرة مقارنة بيده الكبيرة ونهض عن الفراش.
ساعدته في إغلاق أزرار قميصه ثم مسكت بمرفقه وسارت معه.
قبل أن تغادر أوصت الخادمة على ريان ثم غادرت بسيارتها إلى المستشفى.
تحسس على جيوبه ليجد الهاتف فأخرجه ليطمئن على حالته.
ليُرى شرخ بسيط أعلى الشاشة ثم وضعه في جيبه ثانية.
عند وصولهما، صفت السيارة جانبًا وترجلت متجهًا إلى المستشفى.
تخبر إحدى الممرضات بحالته لتخبرها بمكان غرفة الطبيب.
عادت إلى رحيم وفتحت له باب السيارة ومسكت بمرفقه الأيمن ودخلا إلى المشفى.
ثم إلى غرفة الطبيب وتركته وخرجت.
جلست على أحد المقاعد.
بينما ساعده الطبيب في خلع قميصه وفحص كتفه جيدًا.
ثم وضع لاصقة على جرح رأسه.
بعد ذلك عاد إلى مكتبه وجلس يكتب له شيئًا لذراعه وهو يقول:
"كدمات بسيطة أثر الخبطة. حافظ على ذراعك الفترة دي وبلاش أي مجهود."
أومأ موافقًا وارتدى القميص متأوهًا وبيده اليمنى بدأ يغلق أزراره.
أخذ الورقة من الدكتور متمتمًا بالشكر له ثم خرج.
فنهضت ندى تنظر إليه بلهفة متسائلة:
"قالك إيه؟"
مد يده بالورقة قائلاً:
"بخير."
فحصت الورقة سريعًا ثم طلبت منه أن يجلس لينفذ طلبها وهي تقول:
"هجبلك بس العلاج ده من الصيدلية اللي هنا."
أخرج محفظته من جيب سرواله لتخبره أنها معها ما يكفي من المال.
فاستند بظهره إلى المقعد قاطبًا حاجبيه وقال بحسم:
"ندى اسمعي الكلام وخديها."
أخذت المحفظة الممتلئة بالأموال ثم ذهبت إلى الصيدلية الخاصة بالمستشفى.
لتخبرها الدكتورة كيف تستعمل المرهم وكيف تربط رباط الضغط.
ثم أخذت الأغراض وأعطت لها المال وعادت إلى رحيم وغادرا المشفى.
أخبرته بثمن العلاج لكنه قاطع حديثها قبل أن تكمل:
"مش عايز أعرف أخدتي كام للعلاج ولا باقي كام. أنا بثق فيكي أكتر من قلبي."
رفعت حاجبيها متعجبة وهي تنتبه إلى الطريق وقالت بصوت هادئ:
"أكتر من قلبك. إزاي؟"
استند برأسه إلى المقعد ناظرًا إليها قاطبًا جبينه قائلاً:
"أنا قلبي ممكن يوقف عن النبض في لحظة. لكن حبك ليا عمره ما يوقف أبداً."
بللت شفتيها بلسانها وقالت بنبرة خجل:
"بعيد الشر عليك."
وضع أنامله على شفتيه يقبلها ثم وضعها على وجنتها فابتسمت وتنهدت بعمق.
فيما هو نظر إلى الأمام في صمت.
عند وصولهما، ظلت معه حتى صعد إلى غرفته.
وقفت أمامه تفك له أزرار القميص وهو يضع يده الأخرى على كتفه الأيسر قاطبًا حاجبيه بألم.
توقفت عما تفعله وقالت بقلق:
"الوجع هيخف أول ما أحطلك المرهم والرباط."
ثم أزاحت يده اليمنى عن كتفه وأكملت ما بدأته تحت أنظاره.
فرفعت مقلتيها تنظر إليه لكن سرعان ما أطرقتها وبدأت يديها ترتعش بتوتر حتى انتهت.
ثم وقفت خلفه لتسحب الكم الأيسر رويدًا رويدًا حتى لا يشعر بالألم.
فيما رن هاتفه فأخرجه من جيب سرواله ليجيب على المكالمة ووضعه على أذنه.
فاستمع إلى صوت المتصل:
"رحيم خد بالك من نفسك. رؤوف الشاذلي هو اللي فك فرامل العربية."
جحظت عيناه والتقط أنفاسه التي تشبه شرارات الجحيم وانهى معه المكالمة عاصرًا قبضته التي بداخلها الهاتف.
فيما انتهت ندى وجاءت تسحب القميص من ذراعه الآخر.
أبعد يده عنها بعنف فنظرت إليه ويدها معلقة في الهواء.
وألقى بالهاتف على الفراش وسحب هو الكم الثاني تاركًا القميص يسقط أرضا.
أخذت ندى أنبوبة المرهم وضعت القليل على كتفه وبدأت توزعه على ذراعه بحركة دائرية.
ثم وقفت أمامه لتُمسد كتفه من الأمام.
بعد ذلك تناولت رباط الضغط وضعته عند بداية كتفه.
ونظرت إلى تلك العينين اللتين سكنهما الجحيم في لحظة لتشعر أن شيئًا ما حدث وقالت:
"ممكن تحط إيدك على الطرف ده."
رفع يده ليضعها على الطرف وهي تلف باقي الرباط.
والتفتت لتأخذه من أسفل ذراعه اليمنى ثم أوصلته بالطرف الآخر.
طالبة منه أن يزيح يده فأنزل يده وهو يقول بعصبية:
"ساعة على ما تخلصي."
انتفض بدنها من العصبية غير المتوقعة وأخذت تلف الرباط بهذا الشكل عدة مرات وهي تقول باضطراب:
"خلاص قربت أخلص."
ثم ثبتت الرباط جيدًا ووقفت أمامه قائلة:
"لو عايز حاجة ناديني."
ابتلع لعابه وقال بحده:
"لأ شكرًا مش هحتاج حاجة."
حدقت به بعدم فهم من تغيره المفاجئ لهذه الدرجة.
لكنها استنتجت أنه معصب بسبب ما حدث معه فقالت بهدوء:
"طيب أنا هبقى أجي أطمن عليك. ارتاح."
ثم تركته وغادرت.
أخذ يلهث بصوت مسموع جاعلًا صدره الصلب يعلو ويهبط.
ثم دلف إلى غرفة الثياب المتوسطة الحجم.
وبدل ثيابه وخرج ليريح بدنه على الفراش ناظرًا إلى السقف ويحدث نفسه سرًا:
"هو آذاني وبنته بتخفف الجروح اللي اتسبب فيها."
جز على أضراسه بشدة حتى تحرك صدغاه.
ثم عقد بين حاجبيه وهو يقول بضيق:
"ليه كل ما بشوفك يا ندى بحس إني شايف والدك القذر. أنتقم منك إزاي وأنتِ خطفتي قلبي."
***
دقت الساعة الواحدة صباحا وهي لا تزال مستيقظة تود الاطمئنان عليه قبل أن تنعس.
خرجت من غرفتها وصعدت إلى غرفته.
وقفت تدق الباب لم تستقبل رد فدخلت بهدوء وتقدمت نحو ذلك النائم ووقفت جوار الفراش تتأمل ملامحه النائمة.
كم هو يشبه الأطفال.
لاحظت حبات العرق المنتشرة على جبهته لهذا وضعت يدها على جبينه لتشعر بحرارة جسده العالية.
فلتت شهقة من بين شفتيها.
ثم خلعت طوق شعرها القطني وركضت إلى المرحاض.
وضعتها أسفل الماء البارد وافرغت منها القليل من الماء ثم عادت إليه.
جلست أمامه ووضعتها على جبينه ناظرةً إليه بحزن وخوف.
وكل عشر دقائق كانت تذهب إلى المرحاض لتبللها ثم تعود إليه لتضعها على جبينه.
حتى الساعة الثانية والنصف صباحًا.
شعرت بالدوران والنعاس.
فوضعت ظهر يدها على وجنته لترى أن الحرارة انخفضت قليلاً.
تنهدت بهدوء ثم جلست على الأرض بجوار الفراش مستندة برأسها عليه.
وما هي إلا دقائق وغلبها النعاس.
ذهب الليل سريعًا ليأتي النهار وتخللت أشعة الشمس من ثقوب باب الشرفة.
استيقظ رحيم ليشعر بشيء ما أعلى جبينه.
فرفع يده ليأخذها وينظر إليها واستنشق رائحة ندى بها.
وضعها على أنفه يستنشق تلك الرائحة الأنثوية الرائعة عن قرب.
ثم نظر إلى جواره ليرى ندى على هذا الوضع.
رفع ظهره ليستند به إلى الفراش وخلل أصبع يده اليسار بين خصل شعرها.
ثم ابعد يده عنها ووضع رابطة رأسها أسفل الغطاء قبل أن يقوم بإيقاظها.
"ندى.. ندى."
ربت على رأسها بخفة يناديها لتستيقظ.
ورفعت رأسها إليه بلهفة ثم نهضت واقفة وهي تتنحنح وتساءلت بصوت منخفض:
"أنت كويس؟"
قال دون أن ينظر إليها:
"أنا تمام. نايمة هنا ليه؟"
قالت بارتباك:
"جيت أطمن عليك لقيتك سخن أوي."
ثم اتجهت نحو الباب متابعة:
"هطلب لك دكتور."
"ندى ما تطلبيش أي دكتور."
قذف تلك الكلمات من فمه بحنق وهو يفتح أول درج من المنضدة المجاورة للفراش وتناول علبة سجائر ليقوم بفتحها.
تقدمت نحوه بخطوات واسعة وخطفت علبة السجائر من يده.
فنظر إليها بحدة وهي تقول بتذمر:
"أولاً مينفعش تشرب سجاير أول ما تصحى. ثانيًا أنت تعبان."
نهض عن الفراش مسرعًا واسرعت هي أيضا بوضع يدها الممسكة بالسجائر خلف ظهرها.
ومد يده قائلاً بعصبية:
"ندى هاتي السجاير ومتخديهاش بالطريقة دي."
أومأت بالنفي فقبض على ذراعها وأدارها بعنف ليأخذ علبة السجائر.
ثم جلس على حافة الفراش يشعل واحدة وهي تحدق به.
وبعد لحظات تساءلت بعدم فهم:
"أنت متغير معايا ليه؟"
نفث دخان سيجارته وقال بسأم:
"ندى أنا مصدع."
اقتربت منه وأخذت الهاتف من أعلى المنضدة الصغيرة وقالت بحسم:
"لو تعرف أي دكتور كلمه."
رفع عيناه إليها وهو يأخذ الهاتف وقال بجمود:
"حاضر. روحي أنتِ."
"مش هروح في مكان غير لما تتصل."
نفث دخان السيجارة وهو يتمعن بالنظر إليها.
ليخيل له أنه يرى والدها فأشاح برأسه بعيدًا وهاتف دكتور صديقًا له مضطرًا وطلب منه أن يأتي.
ثم أنهى المكالمة وأطفأ السيجارة في المطفأة التي أعلى المنضدة.
ثم نهض ينظر إليها بحدة متسائلاً:
"ارتحتي؟"
حملقت به بغرابة إلى لحظات من الصمت.
ثم تركته وغادرت دون أن تتفوه بكلمة.
مسح على شعره من الأمام للخلف عدة مرات ثم خرج إلى الشرفة.
***
بعد ربع ساعة خرجت من غرفتها بعد أن بدلت ثيابها المكونة من فستان طويل يصل إلى قبل ساقيها بقليل لونه أزرق مزين بفراشات صغيرة بيضاء بشكل عشوائي ذات أكمام من الشيفون منتهي بأسورة.
دَلفت إلى المطبخ وجلست مع السيدة وفاء فتساءلت:
"رحيم عامل إيه؟"
لتنظر إليها بعدم وعي قائلة:
"الحمد لله كويس."
طريقته معها التي تغيرت فجأة استحوذت على عقلها بل وقلبها أيضا.
وتصبر نفسها بأن ما حدث معه البارحة يؤثر على نفسيته.
فاقت من شرودها على صوت السيدة وفاء:
"أنا بعمله غدا خفيف ويغذيه."
أومأت برأسها ثم تحدثت بصوت مبحوح:
"في دكتور هيجي يشوفه علشان حرارته مرتفعة."
"ربنا يشفيه يا بنتي يا رب."
همست "يا رب".
وعندما رن جرس الباب نهضت فورًا راكضة إلى الخارج وفتحت الباب لتجد الطبيب.
رحبت به وأغلقت الباب ثم مضت بجواره إلى غرفة رحيم وأوقفته قائلة:
"دكتور من فضلك ممكن تمنع رحيم من السجاير."
تعمق بالنظر إلى تلك العينين الخائفتين حقًا والتي تحب بصدق وبقلب أبيض حنون.
ثم ابتسم وهو يومئ بالموافقة.
دقت ندى الباب ثم فتحته ونظرت حولها لم تجده.
فخرجت إلى الشرفة لتخبره بوجود الطبيب ثم خرجت من الغرفة مغلقةً الباب خلفها.
تفقد الطبيب حالته ورأى درجة حرارته مرتفعة نوعًا ما.
فقال رحيم بسأم:
"خلصني من السخونية دي أنا لازم أروح الشغل."
"ارحم نفسك من الشغل شوية."
ثم تساءل:
"أنت اتجوزت تاني؟!"
رفع حاجبيه ونهض عن الفراش وهو يقول ببحة صوته المميزة:
"لأ. بتسأل ليه؟"
"البنت اللي كانت هنا شكلها بتحبك أوي يا رحيم. نادر أوي لما تشوف لمعة الحب اللي في العيون."
عقد بين حاجبيه وهو يومئ تأكيدًا على حديثه.
بينما جهز الطبيب حقنة ليخفض حرارته.
أما في الخارج كانت ندى تقف مستندة بذراعيها على السور.
وبعد لحظات خرج الطبيب فألتفتت إليه بلهفة.
فقال وهو يغلق الباب:
"بخير الحمد لله متقلقيش. ومنعته من السجاير."
ابتسمت برقة متمتمة بالشكر ثم سارت برفقته إلى الخارج.
وبعد أن غادر أغلقت الباب.
ثم صعدت إلى الطابق العلوي تنظر إلى غرفة رحيم تود الاطمئنان عليه.
ولكن منعت نفسها ودخلت غرفة ريان لتجده يلعب ألعاب الفيديو.
فقالت بتأفف:
"أنت فطرت علشان تلعب يا أستاذ."
قال وهو يضغط على أزرار الذراع:
"الجيم دا بس يا ندى."
أغلقت التلفاز ليزفر بتذمر وهي تقول بحسم:
"ولا ربع جيم."
ثم وقفت أمامه وتساءلت باهتمام:
"غسلت وشك واسنانك؟"
"أيوه أول ما صحيت."
مدت يدها إليه فأمسك بيدها لينهض ثم قبلته على وجنته.
وقالت بابتسامة واسعة:
"برافو عليك يا قمري."
أخذه وأخذت أشرقت إلى الطابق السفلي.
ثم إلى غرفة السفرة وجلست تتناول معهم الفطار بمرح وضحكاتهم تتردد في الأرجاء.
كان رحيم يهبط الدرج يرتدي سروال أسود جينز وقميص ناصع البياض تاركًا أزراره العلوية مفتوحة لتظهر قسمات صدره الصلب.
استمع إلى صوت ضحكاتهم ليجد نفسه يتوقف عن السير.
يفكر أن يتجه إليهما لكن سرعان ما طرد تلك الفكرة من رأسه وتابع السير.
خرج متجه نحو جراج خاص به ووقف ينظر إلى سيارته التي كانت معه في الحادث والتي جلبها له أحد أفراد الأمن بعد أن طلب منه.
مسح عليها فكانت عزيزة عليه لأنها كانت ملك والده رحمه الله.
ثم قبلها واستقل سيارة أخرى ليغادر إلى عمله وهو يقود بيده السليمة.
***
بعد ساعة من المرح مع الطفلين في الحديقة صعدت إلى الطابق العلوي ووقفت تدق باب رحيم.
ولم تجد أي رد فدخلت تبحث عنه ليس له أثر.
ووقفت تدق باب المرحاض ولكن بلا جدوى فاندهشت قائلة:
"خرج المجنون."
خرجت من الغرفة وعادت إلى الطفلين ترسم وتلعب معهما.
وعقلها منشغل على رحيم لدرجة كبيرة.
تود أن تطمئن عليه لكن كلما تذكرت جموده ومعاملته الناشفة معها تتراجع عن قرارها.
توقفت عن التلوين شاردة في الفراغ.
فقالت أشرقت:
"ندى هتلوينها ولا ألونها أنا."
نظرت إليها وتركت القلم لها وقالت بابتسامة بسيطة:
"معلش يا حبيبتي لونيها أنتِ."
أومأت موافقة وتناولت القلم لتكمل ما بدأته ندى.
بينما نظرت ندى إلى ريان لتجده منسجم في لعب حل الألغاز.
نهضت متجه نحو الداخل وهي تنظر إلى شاشة الهاتف.
وكادت أن تتصل عليه كي تطمئن عليه ألا أنه فتح الباب ودخل.
رفعت عيناها إليه بلهفة ثم تنهدت بهدوء وسكينة.
وهو يتقدم نحوها لكنها تركته واتجهت نحو المطبخ.
وقف أمام الدرج ألقى نظرة غاضبة على المطبخ التي دخلته للتو.
ثم صعد إلى غرفته ووقف أمام باب الشرفة الزجاجي يمسح على كتفه الذي يؤلمه وجعله يترك العمل ويعود إلى المنزل.
بعد دقائق دق الباب فاتجه نحوه وقام بفتحه ليرى ندى دخلت حاملة صينية الطعام.
وضعتها أعلى المنضدة في حين أغلق رحيم الباب واتجه نحو الفراش ليضع أغراضه أعلى الطاولة.
وحرك ذراعه الأيسر دون قصد فتأوه بخفة.
انتبهت له وأسرعت إليه لتقف أمامه بلهفة قلق قائلة:
"خليني أساعدك."
تراجع إلى الخلف خطوتين وقال بحده:
"مش محتاج مساعدة."
حدقت به بعدم فهم.
بينما هو يفك أزرار القميص بيده السليمة محدقًا في الأرض.
بعد أن انتهى رفع ذراعه الأيسر كي يزيح الكم.
تأوه عاقدًا بين حاجبيه بشدة.
اقتربت منه ووقفت خلفه لتساعده في خلع القميص ليسمح لها مضطرًا.
وضعت القميص على الفراش وبدأت تفك في رباط الضغط.
عندما انتهت وضعته جانبًا.
ثم اخذت الدهان وضعت القليل على أنامل يدها ثم مسحت على كتفه بشكل دائري.
وهي تنظر إليه بعدم فهم من تغيره المفاجئ معها.
كان يلتقط أنفاسه بصوت مسموع جعلت من صدره الصلب يعلو ويهبط.
عاصرًا قبضته ويود أن يبتعد عنها لكنه مستمتع بحركة يدها الناعمة على جسده.
بعد أن انتهت أخذت القليل من الدهان لتضعه على ذراعه من الأمام.
ووقفت أمامه توزعه على كتفه.
وجد نفسه ينظر إليها ولم يتحمل بعد نظرة عنها.
رفعت مقلتيها لتتقابل عيناهما ليرى الحب والحنان داخل وجه قهوته.
رفع ذراعه اليمين ليحيط خصرها ينظر إلى عيناها بعمق أكثر وقال وهو يلهث:
"عيونك كل ما أتقدم خطوة للخطر بترجعني عشرة."
أطرقت عيناها ثم ابتعدت عنه وأخذت رباط ضغط جديد ووضعته كما كان.
ثم ثبتته وهي واقفة أمامه ونظرت إليه متسائلة:
"متغير معايا ليه؟..وتقصد إيه بكلامك؟"
رفع يده يضعها على وجنتها وقال بنبرة ثقيلة:
"أقصد إني بعشق عيونك."
امتلأت عيناها بالدموع ليصبح أنفها لونه أحمر.
وقالت بنبرة بكاء:
"أنا مش فهماك."
"مش عايزك تفهمي غير إني بحبك."
عقدت بين حاجبيها وتساءلت بصوت مبحوح:
"طيب أنا عملت حاجة ضايقتك؟!"
مسح بإبهامه على شفتيها وقال بجدية:
"بعدك عني بيضايقني."
"بس أنا مبعدتش.. أنت مخبي عليا حاجة."
التفتت وكادت أن تغادر.
ألا أنه قبض على ذراعها ليديرها إليه بقوة حتى اصطدمت بجبينها في ذقنه.
وفي لحظة ميل برأسه ليخطف شفتيها في قبلة عميقة.
فاتسعت عيناها ودقات قلبها تقرع كالطبول.
لتلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة.
نسي نفسه بطعم تلك الكرزتين والكيوي معا.
ويرفع ذراعه المصاب ليحيط خصرها.
فعقد حاجبيه متأوها بخفة لتبتعد عنه فورًا.
وامسكت بذراعه المصاب دون قصد جعلته يتأوه أكثر.
ابتعدت عنه فورًا معتذرة.
وجلس هو على حافة الفراش.
وقالت بتذمر:
"كان لازم تروح الشغل يعني."
وضعت الوسادة على ظهر الفراش طالبة منه أن يريح ظهره.
لينفذ رغبتها ووضعت الغطاء عليه.
ثم اتجهت نحو المنضدة لتحمل صينية الطعام وعادت إليه لتضعها أمامه.
وكادت أن تغادر إلا أنه مسك بيدها وقال بنبرة ثقيلة:
"خليكِ معايا."
ثم قرب يدها من شفتيه وطبع قبلة حانية عليها.
فسحبت يدها من يده وقالت بدموع القلب:
"أسفه.. ورايا حاجة لازم أعملها."
تنهد بألم وقال بضيق:
"حقك."
تجهت نحو الباب مهرولة تحت أنظاره حتى خرجت.
أغلقت الباب ثم وضعت يديها على فمها تبكي بحرقة على رفضها لطلبه وهو يحتاج إليها.
شعرت وكأنها قست عليه عندما رفضت لتشعر بقلبها ينزف ألما كأسهم سامة اخترقته.
برغم من أنه يعاملها أحيانا بقسوة وجمود ألا أنها تعشقه كثيرا.
***
في المساء كانت تجلس في غرفتها ورحيم لا يزال مستحوذا على عقلها بالكامل.
فاقت من شرودها على صوت دقات صغيرة على الباب.
فنهضت عن الفراش وفتحت الباب لتجد أشرقت.
ابتسمت إليها ومسكت بيدها وأدخلتها ثم أغلقت الباب.
فقالت أشرقت بحزن:
"ندى أنا زهقانه وأنتِ مش قاعدة معايا."
ركعت أمامها قابضة على وجنتيها بخفة تحرك رأسها في كلا الاتجاهين قائلة:
"مقدرش على زعلك أبداً."
ثم نهضت وأخذت الحاسوب فتحته وشغلت أغنية رقص وامسكت بيدها لترقص معها.
فابتسمت أشرقت وتمايلت معها على أنغام الأغنية العالية وندى تغني معها بمرح.
وتنتهي الأغنية وتشغل بعدها أغنية أخرى.
مضي الوقت دون أن يشعرا به.
حتى دقت الساعة الثامنة والنصف مساء.
عملت كلا من السبابة والوسطى مسدس لتفعل أشرقت مثلها والاثنان في صوت واحد:
"مافيا مافيا مافيا أنا مافيا مافيا."
أخذت تغني بمرح وترقص وأشرقت تقفز على الفراش.
كان رحيم يدق الباب ولا أحد يسمعه بفضل الأغاني العالية.
فاضطر لفتح الباب ليرى ذلك الرقص المرح.
وندي تردد "مافيا".
كتم ضحكاته وألتفتت ندى تفاجأت به في صدمة وجحظت عيناها.
ثم أوقفت الأغنية فجلست أشرقت على الفراش تلتقط أنفاسها.
فيما قال رحيم بابتسامة عيناه تلك التي تسرق قلبها:
"معاد جلسة العلاج يا عم المافيا."
ارتسمت ابتسامة خجولة رقيقة على ثغرها.
بينما غادر رحيم فاستأذنت من أشرقت دقائق ولحقت به.
دخل الغرفة تاركًا الباب مفتوح لتدخل بعده.
وجهزت المرهم بينما هو يحاول أن يرفع ذراعه كي يخلع سترته.
ولكن يؤلمه ذراعه بشدة.
وقفت أمامه وحاولت معه أن يرفع ذراعه ولكن لم يستطيع.
وقال بسأم:
"ندى.. ندى مش هقدر."
قالت بحزن واضح:
"حاول بس.. ومتلبسش التيشرتات تاني."
خلعت حذائها ووقفت على الفراش.
فنظر إليها مندهشًا ثم ضحك ضحكة خفيفة.
فابتسمت وهي تقول:
"علشان أطولك وأقدر أساعدك أكتر."
وقف أمامها لتكن هي أطول منه بمسافة بسيطة.
وقامت برفع ذراعه قليلًا وهو يتأوه بخفة.
ثم رفعت السترة ونجحت في نزعها.
ثم وقفت على الأرض وفكت الرباط وبدأت تضع له الدهان على كتفه من الخلف.
فلاحت ابتسامة جانبية على ثغره وتساءل بهدوء:
"اليوم كان كئيب أوي.. عشان زعلتك مني."
ابتسمت ثم كتبت على الدهان كلمة "مافيا".
شعر بحركة سبابتها التي كتبت شيئا.
ورفع حاجبيه بمرح متسائلاً:
"كتبت إيه يا عم المافيا؟"
وجدت نفسها تضحك وأخبرته بماذا كتبت ليضحك بخفوت.
فيما وقفت هي أمامه تمسح كتفه من الأمام.
فنظرت إليه بحب وكاد أن يتحدث.
ألا أنها قالت دون أن تنظر إليه:
"أنا عارفه قد إيه أنت مضغوط.. واللي حصل معاك مش حاجة سهلة."
ثم انتهت من الذي كانت تفعله وجلبت رباط آخر وبدأت تلفه عليه.
وهو شاردًا في كلماتها الأخيرة.
واغمض عيناه يقول سرًا:
"آه لو كانت بسبب الضغوط بس. لكن أنا محتار أوي يا ندى. حيرة من النار من الجحيم اللي بيحرق قلبي. كل ما أحاول أذيكِ انتقامًا من والدك مقدرش. يا رب."
وقفت أمامه تثبت الرباط على كتفه جيدًا.
ليفتح عيناه ناظرًا إليها بعينين لامعتين من الحب المنبعث من القلب مباشرةً.
ثم همس بنبرة ثقيلة:
"بحبك."
اصطبغ وجهها بحمرة الخجل.
ثم تناولت السترة فقال:
"لأ أنا هنام كده عشان متتعبنيش في خلعها."
حركت رأسها بالفهم وأراح هو بدنه على الفراش عاقدًا حاجبيه بألم.
فوضعت الغطاء عليه.
ثم دلفت إلى المرحاض لتضع سترته في سلة الثياب.
ثم خرجت متجه نحوه ووقفت لتضع يدها على جبينه.
وكادت أن تسحبها ألا أنه مسك معصمها يمسح بها على وجنته.
ثم وضع راحتها على شفتيه يقبلها برقة قائلاً:
"أنتِ فتاة أحلامي."
جلست على حافة الفراش تنظر إلى الفراغ في صمت.
حيث تابع بصدق:
"عارفة أنتِ لما تبقي مضغوطة أوي أو حيرانة بين حاجتين ويبقى عندك حد عشمانة فيه تطلعي كل ضيقتك وعصبيتك عليه؟"
حركت رأسها بتفهم.
فقبلها على راحة يدها بحنان وقال بصدق:
"أنا بقى عشمان فيكِ يا ندى. بثق فيكِ أكتر من قلبي. عارف ومتأكد إني مهما اتعصبت عليكِ هتزعلي مني شوية وهترجعيلي تاني. مش طالب منك غير أنك تتحمليني."
عقدت بين حاجبيها وتود أن تقول الكثير والكثير.
لكن الخجل مستحوذا عليها.
فلمعت عيناها من الدموع.
رفع ذراعه اليمين متجه نحوها رافعًا كتفه قليلاً ليصل إلى ذقنها ويدير رأسها إليه ينظر إلى عيناها بعمق.
ليرى الحديث الذي تود أن تخبره به.
فإذا صمتت الشفتين العيون تتحدث وتتحدث أكثر.
أطرقت عيناها تجز على أسنانها مسيطرة على خجلها.
وقالت بنبرة بكاء:
"اللي بيحب لازم يتحمل وأحيانا بيضحي. وأنا معاك."
ثم نهضت وقالت بابتسامة خجولة:
"هسيبك بقى ترتاح."
أومأ بخفة فاتجهت نحو الباب.
ليقول بصوت عالي:
"بحبك.. بحباااك."
وضعت يدها على فمها ووقفت أمام الباب قائلة:
"أنا كمان بحبك."
ثم خرجت مغلقة الباب خلفها.
تنهد بعمق ويشعر بالسعادة البالغة.
لينسى كل شيء سيء حدث معه.
ثم اغمض عيناه وقال:
"بعشقك يا ندى."
***
في الصباح بعد أن أخذ حمام سريع ارتدى سرواله فقط وخرج مغلقًا الباب خلفه.
ووقف أمام المرآة يمشط شعره.
ثم جلس على حافة الفراش منتظر ندى تأتي لتضع المراهم على كتفه وتثبت له الرباط.
دق الباب فأذن بالدخول لتدخل ندى حاملة ظرف ووقفت أمامه قائلة:
"الظرف ده جالك."
أخذه من يدها وهي متابعة:
"هجبلك الفطار وأجيم."
سك بيدها وقبلها بحنان ثم أومأ موافقًا.
فابتسمت وخرجت مغلقة الباب خلفها.
بينما هو فتح الظرف وأخذ الورقة التي بداخله ليقوم بفحصها.
جحظت عيناه يجز على أضراسه بشدة حتى تحرك صدغاه.
ونهض عن الفراش يمسح على شعره كالمجنون.
ثم ألقى بالظرف على الفراش وركل الفراش بقدمه عدة مرات.
ومسح بيده على وجهه حتى ذقنه.
عادت ندى بابتسامة مرتسمة على ثغرها ووضعت الصينية على المنضدة.
وهو ينظر إليها بشرارات من الجحيم تقذف كتل من النيران تحرق قلبه.
عندما نظرت إليه لترى تلك النظرات.
لتختفي ابتسامتها تدريجياً.
ونظرت إلى صدره الصلب الذي يعلو ويهبط لتعلم أن شيئًا ما جعله يغضب.
تلاشت نظراته وتقدمت نحوه لتقف خلفه وأخذت المرهم.
فالتفت إليها يحدق بها بنظرات قاتلة كالصقر.
وأخذ المرهم من يدها بعنف وألقى به أرضا.
لتشهق وهو يقول بعنف:
"مش محتاج مساعدتك."
حدقت به فتلاشى النظر إليها لأنه يخيل له أنه يرى والدها أمامه وليست ندى.
فيما هي وضعت يدها على صدرها الذي يعلو ويهبط وقلبها ينقسم إلى نصفين.
وتساءلت بنبرة بكاء:
"إيه اللي حصل؟.. أنا عملتلك حاجة؟"
"يا ريتني ما شفتك.. حبك عذاب ليا."
قال تلك الكلمات بعصبية.
وهي تحدق به وقالت باندفاع:
"أنت بحالات.. أنا بجد مش قادرة أفهمك."
برغم شعوره بالألم ألا أنه سحب الغطاء عن الفراش وألقى به أرضاً ليؤلمه كتفه بقوة.
فيما شهقت ندى بصدمة وجاءت تقترب منه.
تراجع إلى الخلف وهو يلهث بقوة وقال بعصبية مفرطة:
"اطلعي بره."
تجمعت الدموع داخل مقلتيها.
ثم وضعت رأسها بين يديها وقالت بنبرة بكاء:
"بس لو تقولي أنا عملت إيه."
حمل الظرف عن الفراش وألقى به في وجهها.
فتأوهت بخفة وسقط الظرف أرضا.
فانحنت بجذعها لتأخذه وقامت بفحصه بعينيها.
"قتلت والدك بكل سهولة ومقدرتش تقتلني والمرة الجاية هتبقى قنبلة مش فك فرامل.. علشان ابوك شكله وحشك.."
رفعت عيناها إليه في صدمة وبدأت تبكي بشهقات عالية.
ثم تساءلت بضيق:
"طيب أنا ذنبي إيه.. واحد بعتلك الظرف ده.. ذنبي أنا إيه؟"
جز على أضراسه حتى تحرك صدغاه وصدره يعلو ويهبط.
وهو يقول سرًا:
"أبوكِ.. ذنبك إنك بنته."
ألقت بالظرف على الفراش.
ثم تقدمت نحوه لتحتضنه وقالت بنبرة مؤلمة ممزوجة بالبكاء:
"عرفت دلوقتي أنت ليه مضايق.. متديش فرصة لحد يستفزك بكلامه.. عارفه إن آخر جملة قد إيه واجعة قلبك."
أغمض عيناه بقوة رافعًا ذراعه السليم ليحيط كتفها ويحتضنها بقوة.
وقال بصوت مبحوح:
"تعبان يا ندى.. تعبان ومضغوط نفسيًا."
مسحت على كتفه بلطف وقالت بحنان:
"بعيد الشر عليك من التعب."
ثم ابتعدت عنه وأخذت الدهان لتفعل له مثلما تفعل دائما.
وبعد أن انتهت دلفت إلى المرحاض لتغسل يديها ووجهها.
ثم خرجت وحملت صينية الطعام متجه نحو الباب قائلة:
"تعالى أفطر في الجنينة."
أخذ نفسا عميقا وزفره بهدوء.
ثم ارتدى سترته بصعوبة بالغة قبل أن يترك الغرفة.
وهبط إلى الطابق السفلي ثم إلى الحديقة وجلس على الأريكة بجوار ندى التي كانت تنظم له أطباق الطعام.
وقالت دون أن تنظر إليه:
"الفطار قدام الطبيعية الجميلة دي بتريح الأعصاب."
مسك بيدها فرمقته بنظرة سريعة لتخبره بها أنها غاضبة منه حقًا.
قال بصوت مبحوح:
"أنا مقدرش على زعلك.. أسف."
تنحنحت بخفة وجاءت تنهض.
منعها واضعًا يدها بين راحتي يديه وقال بصدق:
"عارفه يعني إيه بقولك أسف؟.. يعني أنتِ الدنيا كلها.. يعني مقدرش أعيش من غيرك.. يعني بحبك.. قلبي بينبض بوجودك جنبي.. بثق فيكِ أكتر من روحي وقلبي."
هبطت دموعها الخائنة على وجنتيها.
فرفع يده ليمسح تلك الدموع الساخنة وقال بتأكيد:
"دموعك أغلى مني.. أسف يا ندى.. بحبك."
نظرت إليه إلى لحظات.
ثم ابتسمت ابتسامة مؤلمة وقالت بتأكيد:
"أنا حاسة بيك يا رحيم.. علشان الكلمة اللي اتكتبت في آخر الظرف اتقالت لي قبل كده."
ثم أطرقت رأسها وقالت بخجل:
"وأسفك على راسي."
قبلها على رأسها عاقدًا بين حاجبيه.
ثم تحدث بتأكيد:
"أنتِ اللي على دماغي يا أغلى من حياتي."
نظرت إليه بابتسامة واسعة.
ثم تناولت قطعة جبنة ومدت يدها إلى فاه.
فأخذها من يدها يمضغها بإعجاب شديد وقال:
"أحلى وأجمل وأرق جبنة كلتها في حياتي."
نظرت إليه بحب ولمعت عيناها من الحب.
فأحاط كتفها بذراعه اليمين يضمها إلى صدره وقال بنبرة ندم:
"أنا اسف."
ثم ابتسمت عيناه هامسًا:
"بحبك."
رواية حب رحيم الفصل السادس عشر 16 - بقلم سمر عمر
” زواج.. ”
أغمضت عيناها بهدوء وسكينة داخل قلبها وصدرها الذي كان يؤلمها منذ لحظات.. عندما يكون لطيفا معها تشعر وكأنها امتلكت العالم بأكمله تتمنى أن يبقى بهذه الحنية دائمًا ..لكن أخذت عهدًا بأنها ستتحمل تقلب مزاجه لأنه يحتاج وجودها بجانبه بشدة ..وستحاول جاهدةً أن تغير من طبعه ولو قليل..
أبتعد عنها وتناول قطعة خبز صغيرة وضعها داخل فمها وهي شاردة به بابتسامة خفيفة وتحدث نفسها ..الذي يطعمها بيده ليس هو الذي كانت تتشاجر معه فهناك شيء جميلًا داخل قلبه ولم ترى إلا هذا الشيء الجميل فقد مسحت قسوته معها من ذكرياتها ..بدأت تتناول معه الأفطار وتساءل بهدوء :
-صحيح أنتِ سمعتي الكلمة اللي في الظرف دي من مين ؟!
ابتلعت الطعام ثم نظرت إليه بحزن وقالت بصوت مبحوح :
-بابا ..قالي سيبي شغلك في الملجأ وألا هوديكِ عند أمك شكلها وحشتك..
استقام ظهره ينظر إليها في ذهول مما انتبهت لتلك النظرة ابتسمت بحزن وقالت :
-ما تستغربش ..أنا عشت أيام أسوأ من كده معاه.. وعمري ما حسيت بالأمان معاه..
نظرت إلى الأمام تحرك رأسها بطريقة عشوائية مانعة تجمع الدموع داخل عيناها ثم تنحنحت بخفة وتذكرت وفاة والدتها وقالت بألم :
-كنت في أولى ثانوي رجعت من المدرسة لقيته بيتخانق معاها وبغشم كده لقيته فجأة خنقها وبدأ يضرب دماغها في الحيط كتير قربت منه علشان اخليه يسيبها زقني جامد وقعت على الأرض ..وبعد ما بعد عنها ماما وقعت على الأرض والدم مغرق الحيط والأرض ..يدوب وصلنا المستشفى كانت ماتت
بعد أن أنهت حديثها دفنت وجهها في كفيها تبكي فرفع يده ليضعها على شعرها برفق وقال بتأثر :
-الله يرحمها يا حبيبتي ..ربنا رحمها منه
اومأت بتأكيد ثم مسحت دموعها بكلت يديها وقالت بضيق ممزوج بنبرة البكاء :
-كان نفسي ياخد جزاؤه ويدخل السجن ..بس عرفت بعد كده أنه رشى الدكتور علشان ميبلغش وقال أنها هي اللي أنتحرت
أحتضن وجنتيها براحتي يديه يمسح دموعها بإبهاميه ثم قبلها على جبينها بحنان وقال بتأثر :
-أسف يا روحي عشان فكرتك
-أنا مش نسياها عشان تفكرني
ثم ابتسمت له قبلها ثانيةً على جبينها قاطبًا حاجبية ثم ابتعد عنها لتنهض متجه نحو الداخل قائلة :
-هعملك قهوة
أراح ظهره على ظهر الأريكة يفكر في حديثها بتمعن.. نعم هو قتل زوجته بسهولة فلن يهون عليه صديقة الذي قتله من أجل المال ..انتظر إلى دقائق وشعر بالأرق ونهض عن الأريكة ودخل ليجد ندى تحمل فنجان القهوة وتوقفت عندما رأته أقترب منها و وقف يأخذ منها صينية القهوة ثم مسك بيدها رافعا إياها إلى شفتيه يقبلها برقة عدة مرات وقال مبتسمًا :
-تسلم ايدك يا حبيبي ..أنا هشربها في اوضتي
أومأت برأسها ترك يدها ليضع كفه خلف رأسها يقبلها على جبينها بحنان ثم نظر إليها بإبتسامة عينيه لتشهق روحها من تلك الإبتسامة التي ستقتلها يوماً ما ..ثم التفت متجه نحو الدرج وصعد إلى غرفته ..وقفت إلى لحظات ثم صعدت إلى الأولاد الذين يرفضون الإستيقاظ..
..بعد مضي نصف ساعة تقريبًا كان جالسًا على الفراش يعبث في الهاتف وبعد لحظات استمع إلى صوت دقات على الباب فأذن بالدخول.. ليدخل علاء مغلقًا الباب خلفه وجلس إلى جواره على الفراش تحدث رحيم وهو منشغلًا في الهاتف :
-اخلع الجزمة علشان مبحبش سريري يتوسخ
ثم أغلق الهاتف و وضعه أعلى المنضده بجوار فنجان القهوة الذي انتهى منه.. بينما تنهد علاء بعمق وقام بخلع حذائه ثم مدد على الفراش قائلًا :
-نمدد بقى طالما خلعنا الجزمة..
ثم تساءل :
-أخبار دراعك ايه؟!
-أحسن الحمد لله
-الحمد لله.. النهاردة في واحد طلب كمية ازاز رهيبة وعمرنا ما اتعملنا معاه.. مختار..
قاطعة رحيم بحده :
-مختار ده بيلعب معاك في الشارع؟ ..دا قد والدك
ضحك ضحكة خفيفة وقال :
-الحاج مختار يا سيدي ..المهم هو قالي بلاش لكن قلتله نسأل رحيم الأول
زفر بهدوء وقال بسأم :
-رحيم.. رحيم.. رحيم زهق منك ..أنت هتتحمل مسؤولية المصنع دا لوحدك امتى
أشار إليه بسبابته قائلًا بثقة :
-لولا إني متأكد إن الكلام دا من ورا ظهرك كنت سبتلك البيت والمصنع ومشيت
ادار رأسه تجاهه ينظر إليه ببلاهة وقال ساخرًا :
-يعني متمشيش معاك من ورا قلبك ؟!..
حدق به إلى لحظات ثم ضحك فابتسم رحيم يحرك رأسه في كلا الاتجاهين وقال ساخرًا :
-اللي يضحك إنك بتقولها بثقة وكأنها صح ..قال من ورا ضهرك ..لاء بقولها من ورا قفايا..
ثم تابع بجدية :
-خلينا في المهم ..أرفض التعامل مع أي حد جديد.. احنا بنتعامل مع ناس معينة غير كده لاء
-طب افرض الناس دي بطلت تتعامل معانا
تنهد بصوت مسموع ونظر إليها بحنق قائلًا :
-المفروض دا جسمك لما تفرده على السرير ..اسمع اللي بقولك عليه
تساءل متعجبًا :
-أنت بتجيب الكلام دا منين
لكزة بخفة وقال بحده :
-في ناس بتخليك تخرج عن شعورك
أومأ بالفهم وكاد أن ينهض ألا أنه تذكر شيئًا فنظر إليه متسائلًا :
-فهمني ليه ماتعملش مع حد جديد ؟!
قال بذكاء :
-علشان مفيش حد أول مرة يتعامل معاك يطلب كمية مهولة من منتجاتك ..وأنا متأكد أن الشخص ده تبع رؤف الشاذلي عشان يخسر المصنع زي ما عملت معاه
حرك رأسه في كلا الاتجاهين وقال بمكر :
-يا مفتري دول خمسة وعشرين مليون جنية
حك جبينه ثم فتح أول درج من المنضدة المجاورة ليأخذ الظرف واعطاه إلي شقيقه الذي أخذه ورحيم يقول :
-خسر والدي قبل كده عشرة مليون جنية ..وبعدين هو يعتبر اخد حقه
فحص علاء الظرف ثم نظر إلية في دهشة وقال بحده :
-أنت ازاي تسكت.. مابلغتش عنه ليه وبعت الظرف دا للحكومة ..ولا مستني يحطلك قنبلة ؟!
لينظر رحيم إليه بهدوء وقال ببرودة اعصاب :
-لو مت بانفجار خد حقي بالتهديد اللي معاك ده
حدق به في ذهول وقال بعصبية :
-وأنا هستنى لما يقتلك أنا هروح أبلغ عنه
أخذ الظرف من يده وقال بهدوء :
-أنا عارف أنا بعمل إيه كويس
جز على أسنانه بغيظ وقال بتذمر :
-أنت مش عارف حاجة خالص ..كفاية كده يا رحيم وابعد عن الراجل ده..
اكتفى بنظرة طويلة دون أن يتفوه بكلمة فغضب علاء منه كثيرًا ثم نهض متجه نحو الباب ووقف يدير المقبض ونظر إليه وقال بتأكيد :
-أنا مش هسيبك تضيع نفسك.. وأتمنى تفكر في أولادك ملهمش غيرك بعد ما والدتهم اتخلت عنهم
أنهى حديثه وجاء ريان انحنى علاء بجذعة يقبله على رأسه ثم تركه يدخل وخرج مغلقًا الباب خلفه.. صعد إلى الفراش وفرد رحيم ذراعه اليمين إليه ليحتضنه بشدة.. تحدث بصوته الطفولي :
-وحشتني اوي
-وأنت كمان يا حبيبي وحشتني
***
“بعد مرور ثلاثة أسابيع..”
لم يحدث شيئًا جديدًا فالحياة مشرقة بشمس الصيف الرائع وتفتحت الزهور واثمرت الأشجار ..وضعت ندى صينية الافطار أعلى المنضدة وجلست على الأريكة بجوار الطفلان قائلة :
-الفطار في الجنينة بيحسن من حالاتنا النفسية
ليقول ريان بسأم :
-أنا حالتي النفسية هتتحسن لو زودتي ساعات لعبي
نظرت إليه بغيظ ولكزته بخفة ثم بدأت تجهز لهم الفطار ..كانت تضع المربى على خبز التوست ..خرج رحيم و وقف يستنشق الهواء بعمق وينظر إلى الأشجار المثمرة ..نظرت ندى إليه لترى ذقنه التي طولت قليلًا ثم نظرت إلى الخبز وهي تحرك المربى بالملعقة قائلة بنعومة :
-رحيم..
نظر إليها بابتسامة عيناه الرائعة وقال بصوت مبحوح :
-نعم
تنحنحت بخفة ثم تحدثت بمزاح :
-دلدل دقنك
رفع حاجبية متعجبًا فيما ضحك كلًا من أشرقت و ريان ..لتضحك ندى على ضحكاتهم فقالت أشرقت بمزاح :
-أه يا بابي عايزين نطلع البرج
انفجرت ندى ضاحكة فجلس رحيم على المقعد المجاور إلى الأريكة وخطف منها التوست قائلًا بمزاح :
-هاتي توست المربى ده اكله وبعدين اعاقبكم على التريقة دي
نظرت إلى يدها التي كانت تحمل الخبز منذ لحظات في تعجب مصطنع فيما قالت أشرقت :
-جهزي يا ندى كمان واحد اشغليه بيه بدل العقاب
ابتسم على حديث صغيرته بينما تناولت ندى توست ولطخته بالمربى ثم وضعته جانبًا وبدأت تجهز توست بالجبنة إلى ريان لتعطيه إياه و أشرقت جهزت لها واحدًا بالشوكولاتة وهي أيضًا.. رأت رحيم انتهى من التوست خاصته فتناولت التي قد جهزته ومدت يدها به قائلة :
-اتفضل يا مستر رحيم
ضيق عيناه قليلًا ثم أومأ بالنفي قائلًا :
-لازم عقـ..
توقف عن الحديث وأخذ التوست متابعًا :
-لاء هشوف الموضوع ده بعدين
ضحكت ضحكة خفيفة فابتسم إبتسامة ثابتة وتناول التوست ..بعد دقائق نهض ريان وقبلها على وجنتها لتنظر ندى إليه وهي تمسح المربى عن شفتيها بلسانها تحت أنظار رحيم بعينيه المبتسمة.. فيما قال ريان :
-هلعب بلاي ستيشن
نظرت إلى ساعة يدها التي تدق العاشرة والربع صباحًا ثم تحدثت بحسم :
-حداشر و ربع تكون هنا
لوى ثغرة بضجر ثم أومأ موافقًا وركض إلى الداخل ..انتبهت ندى من نظرات رحيم إليها فتنحنحت بخفة وخبأت خجلها خلف كلماتها المرحة :
-شوفت أنا مسيطرة قد إيه
قطب جبينه وهو يتمعن بالنظر إلى قسمات وجهها قائلًا :
-طبعًا مش مافيا..
رفعت حاجبيها بإبتسامة ثم نظرت إلى الأمام فقال رحيم بجدية مصطنعة :
-نشوف بقى موضوع دلدل دقنك والأميرة اللي عايزة تطلع البرج
اتسعت عيني ندى بينما نهضت أشرقت متجه نحو الداخل قائلة :
-ندى يلا ورانا رسم
نهضت ندى فيما نهض رحيم ومنع طفلته من الدخول بالقبض على ذراعها ثم حملها وألقى بها في حمام السباحة فضحكت أشرقت بعد أن رفعت رأسها عن المياه وبدأت تسبح ..جحظت عيني ندى وتراجعت إلى الخلف بحذر وهو يقترب منها بخطوات ثابتة وقالت :
-أنا ما بعرفش أعوم
غمز وهو يقول بمكر :
-أنا علمتك
حركت رأسها بالنفي فمد يده ليقبض على معصمها جاذبا إياها إليه وحملها على ذراعيه وهي ترفص بقدميها ثم قفز بها في المياه لتشهق بشدة ..وتشبثت في سترته بقوة فيما اقتربت الصغيرة منهم بالسباحة و وقفت جوارهم قائلة :
-ما تخافيش يا ندى
قال ساخرًا :
-عيب عليكِ الطفلة بتطمنك
مسحت على وجهها وانتقلت ببصرها بينهم وطلبت أن تجلس على الحافة فقام برفعها وجلست على الحافة تاركة قدميها في المياه ..مارس السباحة مع صغيرته بمرح وكان يحملها للأعلى ويستدير بها ..بعد ربع ساعة من المرح اجلسها بجوار ندى ثم صعد من المياه مخللا أناملة بين خصل شعره المبلل قائلًا :
-ندى غيري ومستنيكي في المكتب ..عايزك في موضوع مهم
اومأت موافقة دلف إلى الداخل وبعد دقائق دخلت برفقة أشرقت وتركتها تصعد غرفتها كي تأخذ حمامًا ..بينما دخلت ندى غرفتها وأخذت حماما سريعا وخرجت لتجفف شعرها بألة المجفف ثم مشطت شعرها وبدلت البيجامة بسروال ثلجي وكنزة بيضاء ذات أكمام فضفاضة من الشيفون..
خرجت من الغرفة متجه نحو غرفة المكتب بخطوات واسعة ووقفت تدق الباب ثم دخلت عندما أذن بالدخول.. أغلقت الباب بعد أن طلب منها ثم نفث دخان سيجارته واطفأها.. بعدها نهض متجه نحوها وأمسك بيدها ثم اجلسها معه على الأريكة.. نظرت إلى الأرض لتختبئ من نظراته التي تخطف روحها ..بعد لحظات من الصمت قال بنبرة رجولية هادئة :
-ندى أنا عايز اتجوزك..
رفعت رأسها إليه بصدمة فتابع :
-أنا علشان اتجوزك لازم استنى سنه أقل حاجة وأنا مش عايز استنى السنة دي ..علشان كده هنتجوز من غير ما حد يعرف
بللت شفتيها التي جفت بلسانها وقالت باضطراب :
-مش عايز تعلن جوازنا ليه ؟
-عايز اشوف رد فعل الأولاد الأول ..عارف انهم بيحبوكِ جدًا بس الجواز حاجة تانية ..وحاليًا مش عايز حد يعرف علشان الصحافة ..متأكد أنهم هيعلنوا الخبر ..بإذن الله فجأة كده الكل هيعرف أن احنا اتجوزنا
حكت جبينها وهي تفكر في حديثه ثم تنهدت قائلة :
-عندي شرط..
استقام ظهره وشعر بأنها ستطلب منه أن يخبر والدها لكنها قالت :
-تكلم نانا وتطلبني منها
عقد بين حاجبيها متعجبًا وتساءل :
-وليه مقلتيش اطلبني من بابا ؟!
لتنظر إليه بابتسامة حزينة وقالت بتأكيد :
-لأنه هيرفض ..أي عريس يتقدم لي حتي لو كان كويس بيرفضه فورًا..
استند بمرفقيه على ركبتيه ناظرًا إليها باهتمام فتابعت بضيق :
-لما كنت في الجامعة في معيد اتقدم لي.. بابا قاله مش فاضي أقعد معاك ونتفق على كلام فاضي أنا عندي شغل.. قاله طيب فضي نفسك نص ساعة زعق معاه جامد وقاله أنت مرفوض خالص.. المعيد ده طلب يتكلم معايا وقالي أنه أتقدم ليا وحكى لي على اللي حصل وفي الاخر قالي ربنا يصبرك عليه..
تنهدت بعمق واضعة يدها أعلى صدرها وتابعت بهدوء :
-جالي عند نانا وزعق جامد اوي وقالي مستحيل تتجوزي
” فلاش باك..”
كان الباب يدق دقات عالية فزعت كلًا من الجدة وندى التي خرجت من غرفتها راكضة إلى الباب بهلع.. فتحت إياه تفاجأت بوالدها وصفعها بقوة على وجنتها فصرخت متأوه وهو يصيح بعصبية :
-مشيالي مع واحد في الكلية وجاي يتقدملك
الصدمة منعت دموعها من الهبوط فيما وقفت الجدة جوار ندى وقالت بحده :
-مش هسمحلك تعمل في ندى زي اللي عملته مع أمها
ثم ضمت ندى إليها تبكي في أحضانها ..فقال بعنف وقسوة:
-أنا مش فاضي اجوزك أنا شغلي أهم من الخرافات دي ..وخليكي هنا بقى طول عمرك وخلي جدتك تصرف عليكِ
ثم خرج مغلقًا الباب خلفه بقوة فيما هي كانت تربت على كتف ندى واخذتها لتجلس على الأريكة وأعطت لها منديل لتمسح دموعها وجلست بجوارها تضمها إليها ..التقطت أنفاسها بهدوء وابتعدت عنها لتنظر إليها وقالت بضيق :
-نانا أنا معرفش حاجة عن المعيد ده ولا أعرف أنه أتقدم لي غير لما راح لبابا ..أتكلم معايا وقالي
مسحت على وجنتيها وهي تقول :
-مصدقاكِ يا حبيبتي
“باك..”
-وفعلا كل ما حد يتقدم يرفضه من غير أي سبب
احتضن وجنتيها براحتي يديه وقبلها على جبينها بحنان ثم قال :
-انسي يا ندى.. أنسي كل الأيام دي ..وأنا هروح حالًا اكلم جدتك
قالت بصوت مبحوح :
-لا أنا هروح الأول امهد لها وتعال بعدي بساعه
أومأ موافقًا وقبلها على راحة يدها برقة ..ثم نهضت وجلبت حقيبة يدها وخرجت لتستقل سيارتها وذهبت إلى وجهتها..
عند وصولها صفت سيارتها أمام العمارة ثم ترجلت ودخلت لتستقل المصعد الكهربائي إلى الطابق المنشود ثم وقفت تدق جرس الباب.. بعدها فتحت الباب بالمفتاح ودخلت تنادي جدتها بسعادة كانت تخرج من غرفتها تتكأ على العصى ذات لون رصاصي ..وقفت تنظر إليها بابتسامة فركضت ندى إليها لتحتضنها معبرة لها عن مدى اشتياقها لها.. وبعد تبادل السلام بينهم جلسا على الأريكة..
تبادلا الحديث في بعض الأمور ثم أخبرتها بكل شيء بوضوح لتختفي ابتسامتها فجأة وقالت بحده :
-تتجوزي من غير فرح يا ندى
ابتسمت ومسكت بيدها وقالت بنبرة سعيدة :
-أنا وجودي جمبه فرح يا نانا ..بجد لما تشوفي هتحبيه اوي
حركت رأسها في كلا الاتجاهين وقالت بتذمر :
-ما علينا من الفرح ..موافقة تربي عيال غيرك
نهضت من مكانها وجلست على ركبتيها أمامها وقالت بابتسامة :
-أنتِ عارفه هما بيحبوني قد أي وأنا كمان بحبهم ..مش بحكيلك كل حاجة..
ثم قالت بحزن :
-نانا مليش غيرك ..أنتِ عارفه لو رحيم راح لبابا هيرفض
وضعت يدها على وجنتها وقالت بحزن :
-أنا مايهمنيش إلا سعادتك يا ندى ..وطالما أنتِ موافقة ربنا يسعدك يا بنتي
قبلت يداها وهي تشكرها بامتنان ثم نهضت لتحتضنها وجلست على المقعد المجاور للأريكة تحكي لها عن رحيم وتوصف لها شكله حتى مضى الوقت..
دق جرس الباب فعلمت أنه هو ..نهضت متجه نحو الباب بخطوات سريعة و فتحت الباب لترى رحيم واقفًا بثبات يرتدي سروال أسود من خامة عالية وقميص رصاصي تاركًا ازراره العلوى مفتوح فوقه معطف رصاصي حاملًا باقة ورد بيضاء.. ابتسمت بخجل وتنحت جانبًا ودخل لتصل رائحة عطرة إلى جميع حواسها لتشعر بأنها سوف يغشيا عليها..
أغلقت الباب وأشارت إلى الصالة وهي تدخل ..دخل برفقتها و وقف أمام جدتها ينظر إليها بابتسامة عيناه الرائعة لتراه جذابًا وبشوش.. أقترب منها يعطي لها باقة الورد لتأخذها متمتمه بالشكر وقبلها على رأسها بحنان ثم استقام ظهره وقال بنبرة رجولية :
-سعيد علشان شفت حضرتك
نظرت ندى إليه بإعجاب وابتسامة واسعة طلبت الجدة منه أن يجلس فجلس على المقعد المجاور للأريكة وجلست ندى بجوار جدتها ..قالت بوضوح :
-ندى قلتلي على كل حاجة.. وندى حياتي كلها.. أرجوك حافظ عليها
-في قلبي وعيوني
اومأت بخفة ثم قالت بتأفف :
-و ناوي تعلن جوازكم امتى
تحدث برسمية :
-في أقرب فرصة ..أنا بس عايز ندى تبقي بعيدة عن أي لقاء صحفي ..ومش عايز حد ينقل الخبر علشان دي حياتي الخاصة..
قال بصدق :
-صدقيني دي حاجة صعبة عليا ..و اوعدك في اقرب فرصه الكل هيعرف
تنهدت بعمق وبعد لحظات وافقت ثم احتضنت ندى تقبلها على رأسها وتدعو لها بالسعادة الأبدية ..أخرج من جيب معطفه الداخلي علبة زرقاء صغيرة ونهض متجه نحو ندى ليركع أمامها وفتح تلك العلبة لترى خاتم يمتلك ماسه براقة أعجبت به كثيرًا وأخذ صدرها يعلوا ويهبط بتوتر.. فيما أخذ رحيم الخاتم وضعه في أصبع يدها وكاد أن يقبلها ألا أنها سحبت يدها خجلًا من جدتها.. تنحنح بخفة ثم نهض وجلس معهم إلى دقائق بعد ذلك غادر وقضت ندى اليوم مع جدتها وغادرت
***
“بعد مرور ثلاثة أيام..”
كان رحيم يمهد لهم بأنه سوف يسافر خارج البلاد من أجل العمل وترك المنزل قبل الزواج بيوم ..أما ندى فأخبرت السيدة وفيه والطفلان أن والدها مريض ويجب أن تجلس معه وغادرت قبل يومين وكانت تتحدث معهم من حين لأخر ..تم عقد القرآن في منزل جدتها مع حضور صديق رحيم وخال ندى فقط والذي شعر بالغضب عندما وافقت والدته على زواجها بهذه الطريقة ..بعد كتب الكتاب غادر كلا من صديقة وخال ندى بعد أن باركا له وبعد دقائق خرجت ندى مرتدية فستان أبيض مجسم بكم عليه نقوش ورد بسيطة بعنق دائري مزين بورود بيضاء صغيرة وطرحة شيفون طويلة تصل إلى الأرض ..وبعض مساحيق التجميل البسيطة تعطي لها جمالًا خاص بذلك الرجل الوسيم ببدلته السوداء الأنيقة.. نظر إليها بإعجاب شديد حتى وقفت أمامه عن بعد خطوتين تلتقط أنفاسها باضطراب وتوتر و فراشات معدتها تطاير إلى قلبها لتجعل دقاته تدق في صدرها..
وقفت الجدة تنتقل ببصرها بينهم وقالت بنبرة بكاء :
-خد بالك منها يا بني
قال وهو يتفحص ملامحها بعناية :
-في قلبي
ثم تقدم نحوها و وقف أمامها يحتضن رأسها براحتي يديه وقبلها على جبينها للحظات مطولة ثم أبتعد ليمل عينيه من ذلك الجمال الخاص به.. وبعد ربع ساعة تقريبًا أخذها وغادر بسيارته إلى منزل الحب خاصتهم..
عند وصوله ترجل مسرعًا إلى الباب الثاني وفتحه لتخرج من السيارة ثم أغلق الباب وقام بفتح باب المنزل وعاد إليها ليحملها على ذراعيه ودخل بها مغلقًا الباب بقدمه.. انزلها برفق فنظرت حولها لتجد المكان مظلم لم ترى شيئًا في حين وقف رحيم خلفها واضعًا يده على عيناها وقال :
-اوعي تفتحي
حركت رأسها موافقة فابتعد عنها واضاء الأنوار وهو لايزال يخبرها ألا تفتح عيناها.. ابتسمت فقد علمت أنه يحضر لها مفاجأة ما ولديها فضول شديد أن تعلم ما هي ..أضاء كل شيء ثم وقف خلفها طالبًا منها أن تفتحهما ببطء.. فتحت عيناها تدريجيًا حتى تفاجأت بأنوار صغيرة اضأتها خفيفة مثل إضاءة الشموع معلقة في السقف تصل إلى الأرض وبتلات ورود زرقاء وبيضاء في كل مكان وهناك طريق بتلك البتلات من بداية الدرج للأعلى ..لترى أيضا من تلك الأنوار الصغيرة معلقة في السقف بشكل دائري تصل إلى الأرض تشبه الستار الشيفون.. شغل رحيم أغنية هادئة ثم أمسك بيدها ودخل تلك الدائرة و وضع يديها على كتفيه وأحاط خصرها وأخذ يتمايل معها..
كان ينظر إليها بحب وهي تخبأ عيناها من نظراته حتى لا تسقط من بين يديه ..التصق بأنفه على أنفها مستنشقًا عطرها الانثوي الذي يجذبه إليها أكثر ثم احتضنها دافنًا وجهه بين ثنايا عنقها مستنشقًا ذلك العطر عن قرب ليخطف قلبه من بين ضلوعه ..قبلها برقة على عنقها البراق صاعدًا بقبلاته إلى أذنها وهمس بأنفاسه الساخنة :
-بحبك
لتقول هامسة بأنفاس متسارعة :
-بعشقك
احتضنها أكثر يود أن يخترق عظامها مغمض العينين وبعد دقائق ليست قليلة من الحب ..حملها على ذراعيه وخرج من بين الأنوار وصعد الدرج وهي عيناها على البتلات التي تصل إلى غرفة النوم.. وقف أمام الغرفة طالبًا منها أن تفتح الباب.. فأدارت المقبض ودخل بها مغلقًا الباب بقدمه ثم انزلها وأضاء المصباح الكبير لترى قلب ببتلات الورود الحمراء على الفراش و ورقة بيضاء داخل القلب ..تقدمت نحوه وأخذت الورقة لتفحصها بعينيها ” لقد غرقت عشقًا في قطرة ندى ولا أريد النجاة ..بحبك ” ..تفاجأت به يحتضنها من الخلف تاركًا قبلة على كتفها وتحدث :
-بحبك يا ندى
اتسعت ابتسامتها ثم التفتت إليه فقبلها على جبينها ثم مسك بذراعيها ينظر إليها متسائلًا بمكر :
-مش هتغيري ؟
وضعت الظرف على الفراش وقالت بتوتر :
-أه طبعا بس اطلع بره
ضحك ضحكة خفيفة رافعًا حاجبيه قليلًا قال بمزاح :
-طبعًا لازم أخرج وألا يغمي عليكِ
أطرقت رأسها خجلًا فاقترب منها أكثر وساعدها في خلع الطرحة وضعها على الفراش ثم احتضنها واضعة يديها على صدره الصلب مستند بجبينه على جبينها ومرر يديه على سحابة الفستان حتى وصل إلى المقدمة وقام بسحبها بلطف.. جحظت عيناها ودقات قلبها تقرع كالطبول وحاولت دفعه قائلة :
-أ أنـ أنا هساعد نفسي
ابتعد عنها خطوة واحدة وقال مبتسمًا :
-حبيت أساعد بس بأدب
دفنت وجهها في كفيها تلهث بصوت مسموع من فرط الخجل ..فضحك ضحكة خفيفة ودخل إلى خزانة الثياب التي عبارة عن غرفة صغيرة الحجم… فجلست ندى على الأريكة الصغيرة المقابلة للفراش تنظر حولها وهي تزفر بهدوء ..وبعد دقائق خرج يرتدي سروال قصير يصل إلى بعد ركبتيه بقليل وستره سوداء وقال بحسم :
-هستناكي في حمام السباحة
ثم خرج لتأخذ حريتها وحقا نجح في ذلك.. فزفرت بقوة وأخذت حريتها كاملة ودخلت إلى الخزانة تبدل ثيابها..
دقت التاسعة مساءً ..كان يسبح ذهابًا وإيابًا ويحرك ذراعيه الصلب في المياه متمكنًا من السباحة لدرجة كبيرة ..خرجت إلى الحديقة مرتدية شورت قصير جينز وكنزة حمراء براقة ذات حملات عريضة ..وقفت تنظر إليه وهي تفرك في أصابع يديها بتوتر وارتباك ودقات قلبها تقرع كالطبول ..رفع نفسه عن الماء يمسح على شعره مغلقا عيناه ثم فتحهما ليراها فحدق بها وأخذ يتفحصها من رأسها إلى قدميها عدة مرات.. أطرقت رأسها عندما شعرت بوجنتيها تتوهج خجلًا لتعلم بأنها اصطبغت بحمرة الخجل الذي جعلها تلهث بصوت مسموع جاعلًا من صدرها يعلوا ويهبط..
سبح حتى وصل إلى الحافة ومد يده إليه فوضعت يدها على يده وجلست على الحافة واضعه قدميها في الماء ..وقف أمامها يتفحص ملامح وجهها بداية من جبينها حتى شفتيها لتشعر بضعف الخجل وقال بصوته الرجولي الهادئ :
-حوريات البحر لو شافوكي هيغيروا من جمالك
ثم وضع يديه جوار قدميها مستندًا عليهما ليرفع جسده عن الماء وقبلها على وجنتها برقة فأغمضت عيناها بقوة بينما هو مستمتعًا برائحتها الرائعة التي تحرك مشاعرة وتخطف روحه قبل قلبه.. ثم هبط بقبلته إلى عنقها وأطبق شفتيه على هذا العنق البراق ليشعر بنبضات أوردتها تنبض باضطراب شديد ..ثم ابتعد عنها يهبط إلى المياه ثانية وأحاط خصرها بذراعيه وانزلها إلى الماء وتشبثت في عنقه ليسبح بها ذهابًا وإيابًا ثم يحملها على ذراعيه ويستدير بها.. أوقفها أمامه واضعًا يديها على كتفيه ومسح على شعرها ليزيح تلك الخصلات المبللة التي تمنعه من رؤية عينيها ..بعد ذلك أحتضن وجنتيها براحتي يديه يتفحص ملامحها بعينين لامعتين من ضوء منبعث من القلب مباشرةً ..أطرقت عيناها تختبئ من نظراته التي تجعلها تشعر بالتوتر واضطرابات في معادتها تجعلها تنتفض..
وضع يده أسفل ذقنها ليرفع رأسها رويدًا رويدًا حتى تقابلت عيناهم فجزت على أسنانها بشدة مسيطرة على خجلها بصعوبة بالغة وتلتقط أنفاسها بصوت مسموع وكأن روحها ستخرج من جسدها.. قال بنبرة ثقيلة وهو لايزال يتفحصها :
-أنتِ دلوقتي بتبصيلي على اني جوزك مش حبيبك مافيش داعي للكسوف ده
ابتلعت لعابها بتوتر شديد مما جعلها تشمئز من مرارته ثم احتضنته كي تختبئ من نظراته وقالت بتلعثم شديد :
-أ انـ ..أ يعني..
أبتسم ومسح على ظهرها بحنان ليهدأ من روعها فقد شعر بأنفاسها المضطربة ويشعر بالقلق من أن يغمى عليها.. أحاط عنقها بيده الأخرى لتشعر بقشعريرة استفزت معادتها وجسدها وقال بهدوء :
-خلاص ماتتكلميش ..و اهدي ..اهدي يا ندى
أغمضت عيناها بشدة تجز على اضراسها حتى تحرك صدغيها.. احتضنها بشدة وقبلها على كتفها برقة ثم سبح بها إلى الحافة وحملها ليضعها عليها فرفعت جذعها تضم قدميها إلى صدره.. خرج من المياه و وقف يحرك رأسه كي تخرج المياه من بين خصل شعره ثم مسح عليه من الأمام للخلف وجلس إلى جوارها.. فأدارت رأسها إلى الاتجاه الأخر ليرتفع حاجبيه مبتسمًا ثم مدد على الأرض وهو يجذبها من كتفها لتمدد جواره تنظر إلى السماء وهي تلهث باضطراب ..نظر إليها للحظات ثم رفع جذعه متكأ بمرفقة اليسار إلى الأرض ليصبح حاجز بينها وبين السماء فأغمضت عيناها قاصدة ألا تنظر إليه ..مسح على وجنتها بلطف ثم قبلها على أنفها برقة فخرجت شهقة من صدرها قبل فمها وابتلعت لعابها بصوت مسموع وصل إلى مسامع أذنيه ..ليبتعد عنها وهمس بحب :
-بحبك.. مهما اوصف لك سعادتي النهاردة مش هقدر اوصل لإحساسي..
كانت أنفاسه الساخنة تلفح وجنتيها المبللة وهي تستمع إلى حديثه حيث تابع وهو يخلل انامل يده الأخرى بين خصل شعرها المبلل :
-خليتك تختاري كل حاجة على ذوقك عشان افاجئك أنه بيتنا..
وضع راحته جانب عيناها يمسح بـ إبهامه على عينها المغمضة وقال وهو يلهث :
-فتحي عيونك ..خليني اقول كل كلام الحب وأنا غارق في عيونك
فتحت عيناها لكنها حافظت على عدم النظر إليه ورفعت يدها اليسار المرتعشة تضعها على كتفه الصلب ثم قالت باضطراب :
-ممكن تسبني بس النهاردة
رفع يده إلى شعرها ليعبث بين خصله بأريحية وهمس بهدوء :
-أنا ما صدقت بقيتي ملكي..
ثم تابع بمكر :
-هو حد يدخل قفص الاسد ويخرج بسهولة..
عضت على شفاها السفلى من الداخل مغمضة العينين بشدة فمسح بأنفه على أنفه لتسقط قطرات المياه من بين خصل شعره على وجهها وهو يقول :
-بحبك يا قطرة ندى وقعت على قلبي فارتوى..
وجدت نفسها تبتسم فقال :
-يا سلام على الابتسامة اللي بتخطف القلب دي
لم يستطيع أن يقاوم تلك الشفتين اللاتي ابتسما الأن واقترب منها ليطبق شفتيه عليهما وكان سيكتفي بتلك القبلة السطحية لكنه لم يتحمل بعده عنها ليتعمق أكثر ..فتشبه السحر بل شيء اقوى تجذبه بطريقة تستفزه ليلتهمها.. وابتعد عنها بعد لحظات يلهث بالقرب من شفتيه لتختلط أنفاسهم ثم وضع راحة يده على وجنتها يمسح بـ إبهامه عليها بلطف هامسًا :
-بحبك يا روحي ..تخيلي الناس بتغرق في البحر وأنا غرقت في قطرة ندى..
وجدت نفسها تضحك ضحكة خفيفة لكنه اكتفى بابتسامة ثم تساءل :
-مش عايزة تقولي حاجة ؟
اتسعت ابتسامتها ثم أغمضت عيناها وقالت بصوت مبحوح من فرط الخجل :
-بحبك ..بحبك أوي
طبع قبلة رقيقة على جبينها ثم حملها على ذراعيه ونهض بها متجه نحو الداخل تحيط عنقه بيديها مستنده برأسها على صدره الصلب مغمضة عينيها بأريحية.. صعد إلى الغرفة وجاء يضعها على الفراش قالت مسرعة :
-لاء أنا مبلولة
ضحك ضحكة خفيفة ثم انزلها برفق وقال بوقاحة وهو يخلل انامله بين خصل شعرها :
-وايه يعني لما ننام مبلولين
جزت على أسنانها وضربته على كتفه وقالت بتذمر :
-أخرج بره لحد ما اغير
قال بقصد العند :
-لاء عايز أقعد وأنتِ بتغيري
قالت بنعومة :
-رحيم الله
عض على شفى السفلى وقال بجدية :
-مكنتش اعرف اني اسمي بالجمال ده ..له نكهة خاصة من شفايفك
اصطبغا وجهها بحمرة الخجل الشديد ثم التفتت راكضة إلى المرحاض ودخلت مغلقة الباب خلفها جيدًا لتختبئ من نظراته وحديث الغزل خاصته ..فاقترب من المرحاض و وقف يدق الباب وهو يقول بتأكيد :
-خلاص هخرج بجد ..هاخد هدوم وأخرج
ثم دخل الخزانة التقط ثيابه وخرج ليدخل غرفة ثانية يبدل ثيابه بعد أن أخذ حمام ساخن ..وهي أيضا خرجت بعد أن أخذت حمامًا وارتدت قميص أبيض قصير من الستان ذات حملات رفيعة ويظهر مفاتن جسدها لديه روب قصير فشعرت بالخجل وأخذت روب أخر أبيض طويل من الستان لترتدي واحكمت الرباط جيدًا..
ثم خرجت تفاجأت به يمدد على الفراش عاقدا ذراعيه أمام صدره أبتسم إليها وأشار بيده أن تقترب.. تنهدت بهدوء لتهدأ من نفسها وحسست على صدرها كي تتأكد أن الروب لم يظهر شيئا وهي تتقدم نحوه ومددت على الفراش وهي تضم يديها إلى صدرها ..وضع الغطاء عليها واقترب منها فأدارت رأسها إلى الاتجاه الأخر ..مسح بظهر يده على وجنتها ثم قبلها عليها برقة و مسح على ذراعها وتساءل بمكر :
-مش حرانه
ابتلعت لعابها بصوت مسموع وانكمشت معادتها وهي تقول بصوت ضعيف :
-لاء خالص ..بالعكس بردانة من الميه
بلل شفتيه بلسانه ببطء ثم حرك رأسه بتفهم وتذكر تلك القبلة التي جعلتها يغمى عليها ..وقرر أن يتركها اليوم وقام فقط بسحب كتف الروب لينسحب معه بسهولة ويظهر كتفها وطبع عليه قبلة فابتعدت بكتفها عنه ورفعت الروب وكادت أن تنهض ألا أنه قبض على معصمها فقالت بتلعثم :
-أنـ أنـ أنا بس هشـ ..
قاطعها بهدوء قائلًا :
-متروحيش في مكان ..أنا ما صدقت هتنامي في حضني..
ثم جذبها إليه ليضمها إلى صدره يعبث في خصل شعرها وقال بهدوء :
-تحبي احكيلك حدوته..
اتسعت ابتسامتها وهي تومئ موافقة فحك ذقنه يفكر في شيئا ما ثم قال بنبرة رجولية هادئة :
-كان في واحد أسمه رحيم غرق في عشق قطرة ندى ..امتلكت قلبه و روحه وأصبحت الروح التي تخرج من جسده ..ها حلوه ؟
وضعت يدها على صدره وتنهدت بأريحية قائلة :
-حلوه أوي ..مفيش احلى من كده يا رحيم
هبط بمقلتيه ينظر إليها بحب قائلًا :
-بيموت فيكِ
قطبت جبينها رافعه رأسها إليه قليلا متسائلة :
-هو مين ؟!
قبلها على جبينها بحنان ثم تنهد بعمق وقال بنبرة ثقيلة :
-رحيم
***
رواية حب رحيم الفصل السابع عشر 17 - بقلم سمر عمر
استيقظت تفتح عينيها ببطء لترى ذراع رحيم على خصرها.
فالتفتت إليه لتستلقِ على جنبها اليسار وأخذت تتفرّس ملامحه وهو نائم.
ثم رفعت يدها رويدًا رويدًا حتى وضعتها على وجنته تعبث في شعيرات لحيته القصيرة وتخبر نفسها كم هي ناعمة أسفل أناملها.
وجدت نفسها تبتسم بجنون غير مستوعبة أنها أصبحت زوجته وقضت الليل بين أضلاعه مستمتعة بصوت دقات قلبه التي تنبض لها فقط.
فتح عينيه النعسانتين لتشهق في دهشة وابتعدت عنه فورًا والتفتت إلى الجانب الآخر.
ابتسم وقال بصوت ثقيل ممزوج بالنعاس:
- صباح الخير يا وردة.
قالت باضطراب:
- صباح النور.
أقترب منها وأحاط خصرها ليضمها إليها أكثر ثم قبلها على كتفها من الخلف واستند بوجنته عليه متسائلًا:
- صحيتي إمتى؟
- لسه من شوية.
ثم نهضت عن الفراش تتأكد من إغلاق الروب جيدًا ثم دلفت إلى المرحاض.
رفع جذعه عن الفراش والتقط علبة السجائر من أعلى المنضدة الصغيرة المجاورة إلى الفراش وأخذ سيجارة وأشعلها ثم نفث دخانها في الهواء وهو شارد في شيء ما.
أغمض عينيه بقوة يتذكر حديثه النفسي عندما فكر أن ينتقم من والدها بها.
زفر دخان السيجارة بسأم وفتح عينيه يتحدث مع نفسه كأن شخص آخر من يتحدث معه:
- بلاش توجعها يا رحيم.. إذا كنت مش متأكد هتكمل معاها ولا لأ متقربش منها.
تأوه بخفة من كثرة التفكير الذي يرهق بدنه.
وبعد لحظات خرجت ندى ودلفت إلى الخزانة دون أن تتفوه بكلمة لتبدل ثيابها ببجامة بنصف كم بلون السماء عليها رسمة نجمة بيضاء ثم ارتدت جلباب فضفاض وفردت سجادة الصلاة لكي تصلي فرض الصبح.
وبعد أن انتهت جلست مكانها تطلب المغفرة والرحمة من ربها وأن تكمل سعادتهم.
ثم خرجت كان رحيم أشعل سيجارة ثانية وقفت هي أمام المرآة تمشط شعرها لترى انعكاسه في المرآة يدخن سيجارة فالتفتت إليه بتذمر قائلة:
- على فكرة أنا قلتلك قبل كده غلط السجاير قبل الفطار.
ثم زفرت بسأم وتركت الفرشاة بعنف فيما هو أطفأ السيجارة دون مناقشة.
اتجهت نحو الباب وهي تقول:
- هستناك تحت نفطر سوا.
ثم خرجت مغلقة الباب خلفها وهبطت إلى الطابق السفلي ومن ثم إلى المطبخ ووقفت تحضر الفطار ولفت انتباهها دفتر من الأوراق التي تتعلق على الحائط أو الثلاجة.
انتهت من الفطار وجلست على المقعد مستندة على المنضدة تسجل له بعض الكلمات وبعد أن انتهت نزعت الورقة ووضعتها على حائط المطبخ من الخارج ثم دخلت وجلست في انتظاره.
هبط الدرج واضعًا يديه في جيبي سرواله القطني واتجه نحو المطبخ ووقف أمام الباب عندما رأى الورقة ووقف يقرأ ما تحمله من كلمات بعينيه:
”صباح الخير أولًا.. أتمنى أن أقول لك الكثير من الكلمات وأنا عيني في عينك ..لكن هقولك على الورق ..عايزة أخبرك إنني أحبك جدًا وكثيرًا وبعشقك كمان.. وفرحانة جدًا جدًا حقيقي أشعر بالسعادة التي لم أشعر بها من قبل ..أرجوك لا أريد سوى وجودك معي.. بحبك “
ضحك ضحكة خفيفة لتستمع إلى ضحكاته فدفنت وجهها في كفيها بينما أخذ هو الورقة ودخل.
جلس على المقعد المجاور لها واضعًا الورقة أعلى المنضدة وتساءل بنبرة ساخرة:
- أنتِ كاتبة الجواب ده بالعامية ولا الفصحى؟!
فرقت بين أصبعي السبابة والوسطى لتنظر إليه من بينهما ثم سحبت يديها عن وجهها ناظرة إلى الورقة وقالت ببساطة:
- فصحى تقريبًا.
زم شفتيه كاتمًا ضحكاته وقال بمزاح:
- حرام عليكِ دمرتِ اللغة ..أنتِ مسحتِ باللغة الأرضي.
رفعت حاجبها الأيسر بتذمر وقالت بثقة كبيرة:
- أنا خريجة آداب لغة عربية على فكرة.
ليقول في دهشة مصطنعة:
- ما هي دي الكارثة.. الكارثة إنك خريجة لغة عربية وبتكتبي عامي على فصحى.
عقدت بين حاجبيها بتذمر ونهضت وهي تقول بحزن طفولي:
- يعني دا اللي لفت نظرك ..ماشي شكرًا.
ثم اتجهت نحو الباب وهو يضحك وقبض على معصمها وهي تمضي من جواره جاذبًا إياها إليه ليجلسها على قدميه.
شعرت بالخجل وأطرقت رأسها في حين رفع رحيم يده يضع شعرها خلف أذنها وقال مبتسمًا:
- بهزر معاكِ يا مجنونة.
ثم قبلها على وجنتها برقة وتابع بهدوء:
- إيه الكلام اللي يقشعر القلب ده.
وضعت يديها على وجنتيها التي اصطبغتا بحمرة الخجل وقالت بصوت ضعيف:
- حبيت أعبر عن إحساسي.
التصق أنفه بأنفها هامسًا بنبرة ثقيلة:
- عايز أسمع الكلام ده.
وَمَأْتْ بالنفي وحاولت أن تنهض لكنه منعها وأصر على أن يسمع منها أحلى الكلمات.
تنهدت بعمق وأغمضت عينيها بقوة ثم قالت بصوت منخفض:
- بحبك ..وحسيت معاك بالأمان والحنان وكل حاجة حلوة افتقدها.
شعرت بضيق في صدرها وغصة في حلقها عندما اجتمعت الدموع حول مقلتيها وتابعت بنبرة بكاء:
- شكرًا أنك في حياتي.. علشان حنانك عوضني عن حاجات كتير.
عقد بين حاجبيه بضيق عندما رآها بهذا الشكل ثم احتضنها لتجد نفسها تبكي بشهقات منخفضة.
تشعر بالأمان عندما تبكي وهي بين أضلاعه الصلبة لكنها تحتويها وتحميها.
رفع يده إلى شعرها يمسح عليه بلطف وقال بصوت مبحوح:
- ندى مبستحملش أشوف دموعك.
ثم أبعدها عنه ليحتضن وجنتيها براحتي يديه ومسح دموعها بإبهاميه ثم قبلها بحنان على جبينها وقال بهدوء:
- عايز أشوفك دايما سعيدة والابتسامة اتخلقت عشان ندى و بس ..فليذهب الجميع إلى الجحيم.
ضحكت ضحكة خفيفة فمسح بإبهامه على شفتيها ناظرًا إليهما بتمعن وقال بحزم:
- الكرزتين دول الابتسامة ما تفارقهمش.
وَمَأْتْ موافقة ثم نهضت وخرجت من المطبخ لتذهب إلى المرحاض تضع بعض الماء على وجهها ثم جففته جيدًا وعادت إليه.
أخذ يطعمها بيده وهي أيضًا ولم يخلُ طعام الإفطار من خفة دم رحيم وضحكات ندى الرقيقة.
أخذ قطعة من خبز التوست غرقها بمربى الفراولة ثم مد يده إلى ندى ووضعها بين شفتيها فقط ثم سحبها فتعجبت من فعلته وكاد أن يأكل تلك اللقمة لكنه انجذب إلى ثغرها الملطخ بالمربى فاقترب منها برأسه وفاجئها بخطف قبلة استمرت إلى لحظات.
ثم ابتعد عنها وهو يحرك لسانه على شفتيه ببطء وقال بإعجاب:
- المربى لها طعم تاني خالص.
عضت على شفتها السفلى من الداخل بخجل فيما تناول اللقمة ليمضغها بإعجاب شديد.
وبعد دقائق نهضت لتحضير اثنين من المشروب الساخن.
ميل برأسه قليلًا يتفحص ثيابها ثم تساءل:
- أيوه اللي أنتِ لابساه ده؟!
التفتت إليه تنظر إلى ثيابها وأجابت ببساطة:
- بيجامة.
ليقول ساخرًا:
- بجد تصدقي كنت فاكر أنه نوع جديد من اللبس.. وبعدين بيجامة إيه أنتِ متجوزة أخويا في الرضاعة.
لتنظر إليه ببلاهة قائلة:
- بتهزر.
نهض من مكانه وأمسك بيدها وأخذ من يدها الأخرى ملعقة صغيرة وضعها جانبًا ثم اتجه نحو الخارج جاذبًا إياها خلفه وهو يقول بمزاح:
- أمي تقريبًا مكنتش بتدعيلي بضمير.
صعد إلى غرفة النوم ليترك يدها وهي في حالة من الدهشة من تصرفه.
في حين دخل هو إلى الخزانة ونظر إلى ثيابها ولفت نظره قميص نوم أزرق من خامة الستان ظهره مفتوح والصدر أيضًا.
أخذه وخرج ليقف أمامها واضعًا إياه خلفه ثم رفعه أمام عينيها فجحظت تلك العينان وفراشات وجنتيها تطايرت من كثرة حرارة حمرة الخجل الذي ظهر فجأة وهو يقول:
- اللبسي ده.
أخذته من يده وضعته خلف ظهرها وقالت بحنق:
- أنت وقح.
رفع حاجبيه قليلًا وأخذ يقترب وهي تتراجع للخلف وقال وهو يتفرّس ملامحها:
- دي مش وقاحة ..بس أنا هوريكِ وقاحتي.
التصقت قدميها في الفراش فتوقفت ودقات قلبها تقرع كالطبول جاعلة من صدرها يعلو ويهبط بتوتر شديد.
وقف أمامها مباشرةً وأحاط خصرها بذراعه الصلب فتساءلت بخوف شديد:
- أنت هتعمل إيه؟
مرر أنفه على وجنتها إلى عنقها مستنشقًا رائحتها التي تحرك قلبه وتجعله يرغب بها وهمس بأنفاسه الساخنة:
- هبقى وقح.
لتقول مسرعة:
- لأ خلاص أنا آسفة.
رأى أوردة عنقها تنبض بشدة فابتعد عنها خطوة واحدة ينظر إليها بابتسامة عينيه فابتلعت لعابها بصوت مسموع ليقترب منها ثانية تاركًا قبلة حانية على جبينها ثم تركها وغادر الغرفة.
جلست على حافة الفراش تلتقط أنفاسها بهدوء وبانتظام ثم نظرت إلى القميص بخجل ونهضت متجهة نحو الخزانة ودخلت لتضع القميص مكانه وبدلت ثيابها بشورت صيفي ناعم يصل إلى قبل ركبتيها بقليل لونه أحمر باهت والكنزة الخاصة به ذات حملات رفيعة.
زفرت بهدوء قابضة قبضتها لتهدأ نفسها مسيطرة على خجلها.
ثم خرجت والتقطت هاتفها وتركت الغرفة وهبطت الدرج وكلما اقتربت من المطبخ كلما سيطر الخجل عليها أكثر وصدرها يعلو ويهبط بتوتر.
وقفت أمام الباب تنظر إلى الداخل لتجده يجلس على المقعد مواليًا لها ظهره يتناول المشروب الساخن والكوب الخاص بها أمام مقعدها.
مسحت على وجهها تلتقط أنفاسها بصوت مسموع ليصل إلى مسامع أذنيه فابتسم وأخذ رشفة من المشروب ثم بلل شفتيه بلسانه وقال:
- تعالي يا ندى.
جحظت عيناها وأخذت تحرك شفتيها دون أن تتفوه بكلمة فلم تستطع الكلام فحقًا الخجل مستحوذ عليها لدرجة كبيرة.
وضعت يديها على صدر الكنزة واقتربت بخطوات بطيئة وجلست على المقعد تنظر إلى الأمام بذهول وعدم استيعاب أنها جلست جواره.
نظر إليها وهو يتناول القليل من المشروب ثم قبض على معصمها محاولًا إبعاد يدها عن الكنزة لكنها جمّدت أعصابها لكنها لم تكن أقوى منه وسحب يدها فورًا ثم سحب يدها الأخرى فجزّت على أسنانها وأغمضت عينيها بقوة وهي تقول بتوتر:
- بقى أمر واقع خلاص يا ندى.
ضحك ضحكة خفيفة فنظرت إليه بنصف عين فقال بتأكيد:
- بالضبط كده أمر واقع ..سبيلي نفسك بقى.
أحاطت الكوب براحتي يديها تنظر إلى الأمام في صمت وهو يفترسها بنظراته من أعلى وأسفل وهي ترمقه بنظرات سريعة ثم قالت بحدة:
- لو فضلت تبصّلي كده كتير هسيبك وأمشي.
تنهد بعمق واضعًا الكوب جانبًا وأخرج من جيب سرواله علبة السجائر والتقط سيجارة وضعها بين شفتيه ثم أشعلها لينفث دخانها في الهواء وقال ببحة صوته الرجولية:
- أنتِ اللي في جمالك مش وِشْت.. امنع عيوني أنها ما تشوفكيش إزاي؟!..
لوَتْ ثغرها بضجر ونفاذ صبر فمد يده اتجاه ذقنها ليمسك بها وأدار وجهها إليه لكنها أطرقت عينيها.
بدأ يتفحص ملامحها وهو يسحب دخان السيجارة إلى صدره ثم زفره وقال بهدوء:
- المرحلة الأولى هي إني أتفوق على خجلك ده.. والمرحلة التانية أفهّمك إني جوزك يعني تاخدي حريتك في اللبس من غير كسوف.
سحب الدخان إلى صدره وزفره في الهواء ثم تابع بجدية مصطنعة:
- ولا أقولك بلاش علشان المراحل دي لسه طويلة.. احنا ندخل على ليفل الوحش على طول.
وجدت نفسها تضحك دافنة وجهها في كفيها فضحك ضحكة خفيفة ثم أمسك بيدها وضع راحتها على شفتيه يقبلها برقة.
ثم أطفأ سيجارته ونهض وهو ينهضها معه وخرجا إلى الحديقة.
استقل الدراجة وجلست أمامه وتجول بها في الحديقة بأكملها.
ثم توقف وترجّل لتجلس هي مكانه وأخذ يعلمها كيف تقود الدراجة.
ترك الدراجة فتشبثت في سترته من الأمام تترجى ألا يتركها ضحك ضحكة خفيفة ومضى بجوارها واضعًا ذراعه حول خصرها وهي تقود الدراجة ببطء.
بعد دقائق حملها تاركًا الدراجة تسقط وأخذ يستدير بها ثم اتجه إلى مكان ما في الحديقة ووقف أمام شجرة ضخمة.
رفعت رأسها لترى منزل صغير من الخشب فوق الشجرة لتشهق بإعجاب شديد أنزلها برفق لتركض إلى الشجرة وتصعد السلالم تحت أنظار عيني رحيم المبتسمتين.
دلفت ذلك المنزل الصغير وفتحت النافذة لتنظر إليه من خلالها بابتسامة واسعة.
اتجه نحو السلالم وصعد بينما هي تنظر حولها لتجد جلسة أرضية تمتلك نقوش ورد رائعة مثل ما تراها في أسوان.
دخل ينحني بجذعه ثم جلس على المقعد الأرضي ومد يده إليها لتمسك بيده وجلست بجواره مستندة برأسها على صدره وهو يعبث بين خصل شعرها.
أغمضت عينيها لكونها تشعر بالأمان معه وبعد لحظات من الهدوء نظر إلى شعرها وقال بجدية:
- مش عايز حد يشوف الشعر الحلو دا غيري.
فتحت عينيها متسائلة:
- ليه؟
- قبل ما تبقى غيرة ربنا أمر بكده.
ثم ابتعد عنها لينظر إليها ممسكًا بيدها وهي تنظر إليه باهتمام متابعًا:
- الدين الإسلامي بيعزّز الرجل والمرأة.. الرجل علشان الوحيد اللي بيشوف جمال مراته والمرأة علشان جوهرة اللي يشوفها ويلمسها هو جوزها وبس.
ثم انحنى برأسه يقبل يديها بحنان ثم مدّد واضعًا رأسه على قدميها قائلًا:
- لازم لبسك يتغيّر وشعرك يستخبى من عيون الناس ..علشان دا الدين وعلشان بغير عليكِ لدرجة الجنون ..مفهوم.
قال آخر كلماته وهو يمسك بيدها يضعها على شعره لتخلّل أناملها بين خصله.
فعقد ذراعيه أمام صدره مغمض العينين بأريحية.
انتظرت للحظات تفكر في حديثه ثم تحدثت بهدوء:
- أنا يعتبر غيرت من لبسي بعد الخناقة اللي عملتها معايا ..لكن موضوع الحجاب ده أوعدك ألبسه بعد ما تعلن جوازنا.
أومأ بخفة وبعد دقائق استسلم للنوم لتأخذ هي راحتها بالنظر إليه وتمسح على وجنته ولحيته السوداء الناعمة..
ثم انحنت برأسها لتقبله على جبينه بحنان.
”بعد مدة من الزمن..”
تركته نائمًا وتركت ذلك المنزل لتتحدث مع أشرقت وريان صوت وصورة بعد أن ارتدت معطف خفيف فوق سترتها.
أخذت تضحك وتمزح معهما وتعبر لهما عن مدى اشتياقها لهم.
بينما استيقظ رحيم ينظر حوله ليشعر بخلاء ندى فمسح على شعره ونظر إلى ساعة يده التي تدق الثانية والنصف ظهرًا ليعلم أنه نعس أكثر من ساعة.
ثم نهض وترك ذلك المنزل متجه نحو الفيلا وتوقف عند الباب ليستمع إلى صوت ندى وصوت أطفاله العالي ليعلم أنها تتحدث معهم فيديو.
شعر بالغضب منها ودخل ليقف أمامها بحده فرفعت عيناها عن الهاتف لتنظر إليه ثم أنهت معهما المكالمة مع وعد أنها ستتحدث معهم لاحقًا.
وضعت الهاتف جانبًا وكادت أن تتحدث ألا أنه قال بحده:
- بتكلميهم فيديو ليه يا ندى ..يعني لو كنت دخلت وأنا بنادي عليكِ وسمعوا صوتي كنتِ هترتاحين.
نهضت واقفة وقالت بهدوء:
- ما خدتش بالي من الموضوع ده.
ليتحدث بعصبية:
- خدي بالك بعد كده مش عايز تهور.
رحدقت به للحظات من الحزن ثم اتجهت نحو الدرج قائلة:
- لا بجد مكنتش أعرف إن الجواز ده هيبقى صعب كده.
ثم صعدت إلى الغرفة بينما أخذ رحيم هاتفه من جيب سرواله وطلب وجبة سمك وأعطى له العنوان ثم أنهى المكالمة وصعد إلى الطابق الثاني ثم دخل الغرفة مغلقًا الباب خلفه.
كانت تجلس على الفراش مستندة بظهرها إليه أبتسم إليها ثم خلع حذائه ومدّد على الفراش واضعًا رأسه على قدميها.
كادت أن تنهض ألا أنه أمسك بمعصمها واضعًا يدها على صدره وقال بغزل:
- جميلة حتى وأنتِ مضايقة.
عقدت بين حاجبيها بتذمر فرفع رأسه وخطف قبلة سريعة من شفتيها لتمسحها كالأطفال وهو يقول:
- حلوة اللي بطعم الحزن ديا.
ابتسمت رغما عنها فأخذ يدغدغها لتضحك بصوت عالي وتطلب منه أن يتوقف عن هذا لكنه لم يستمع إليها.
فضحكاتها بالنسبة له سمفونية رائعة يتمايل قلبه عليها.
ثم توقف لتواليه ظهرها متصنعة الحزن فاستند بمرفقه على الوسادة مستندًا برأسه على قبضة يده واحتضنها باليد الأخرى وقبلها على كتفها ثم همس في أذنها:
- أسفان.
استدارت لتستلقي على ظهرها ونظرت إليه بحزن طفولي مصطنع قائلة:
- مش مقبول ..وخليك فاكر أنك اتريقت على لغتير.
رفع حاجبيها بمرح وقبض على صدغها بخفة يحركه قائلًا:
- أنتِ نكدية بقى وبتحطي القديم على الجديد.
قالت بتأكيد:
- أه ..ونكدية جدًا.
- بعشق النكد.. بعشقك..
ابتسمت برقة وأطرقت عيناها فقال باهتمام وهو يعبث في خصل شعرها:
- احكيلي عن حياتك الدراسية.
رفعت عيناها إليه للحظات ثم تذكرت حياتها الدراسية وقالت بحماس:
- كنت شاطرة جدًا ومعايا شهادات تقدير من المدرسين ..وفي أولى ثانوي اخترت أدخل علمي علشان أبقى دكتورة..
توقفت عن الحديث عندما تذكرت حادث والدتها وتابعت بنبرة حزينة:
- لحد وفاة ماما ..بعد الحادثة دي أعصابي تعبت ولا بقيت حتى أذاكر خالص وأحلامي كلها طارت في الهوا ..عديت تانية وتالتة ثانوي بالعافية ومجبتش مجموع الطب اللي كنت بحلم بيه ودخلت آداب..
أومأت بالنفي عدة مرات وتابعت:
- كنت بعدي فيها بالعافية كده ..لإني ساعتها خلاص فقدت الأمل في كل حاجة..
ثم أردفت:
- عارف إحساس إن حاجة نفسك فيها تضيع منك ؟..كل حاجة بعد كده ملهاش لازمة ولا قيمة.
مسح على وجنتها وقبلها على جبينها بحنان استمر للحظات ثم ابتعد عنها وقال بتأكيد:
- أنا مش هسيبك أبدًا يا ندى ..وأول ما أمي ترجع من كندا هعلن جوازنا فورًا.
ابتسمت ثم احتضنته فاستلقى على ظهره يضمها إليه بحنان.
وكأن الحب في لحظة تغلب على الانتقام الذي كان يمكث قلبه لينسى أنه والدها وهي ندى ..ندى فقط ..ليصبح حبه لها حب رحيم.
قبلها على جبينها بحنان وخلّل أنامله بين خصل شعرها.
بعد ربع ساعة من الاسترخاء رن جرس الباب فتساءلت عن من الطارق فقال وهو ينهض:
- الدليفري وصل.
خرج مغلقًا الباب خلفه.
فنهضت ولحقت به لتجده يدخل المطبخ وينظم الطعام على الطاولة وجلست بجواره لتتناول معه الطعام وكان يطعمها بيده.
انتهى من الطعام وبدأ يتأملها بعينين مبتسمتين وهي تتناول الطعام بهدوء.
رمقته بنظرة طويلة لتزم شفتيها ثم نظرت إلى الأمام في صمت.
تنهد بصوت مسموع ثم نهض من مكانه وخرج فنظرت إلى المقعد الذي كان يحتله منذ لحظات وبعد لحظات ليست قليلة انتهت من الطعام ليأتي رحيم وساعدها في تنظيف المنضدة والمطبخ.
بعد نصف ساعة دخلوا غرفة المعيشة وقام بتشغيل التلفاز على فيلم أجنبي رومانسي.
ثم جلس بجوارها على الأريكة وتشابكت أيديهم مستندة برأسها على كتفه.
بعد لحظات تناول طبق المكسرات ويأخذ قطعة صغيرة ويعطي لها قطعة صغيرة فأخذتها ورفعت رأسها تنظر إليه في تعجب.
فيما تناول رحيم واحدة أخرى وقربها من فمها طالبا منها أن تأخذ نصفها فقط لتنفذ رغبته وتناول هو النصف الثاني.
فقالت بابتسامة:
- هنتقاسم في الفستق والكاجو كمان.
أحاط كتفها بذراعه ينظر إليها بعشق قائلًا:
- في كل حاجة حتى لو حباية رزا.
تسعت ابتسامتها فقبلها على جبينها ثم مدّد على الأريكة ممسكًا بيدها واضعًا إياها على صدره وأعطى لها طبق المكسرات وبدأت تأخذ نصف الفستق وتعطي له النصف الثاني.
بعد نصف ساعة طلب منها أن تضع الطبق أعلى المنضدة لتنفذ رغبته ثم جذبها إليه لتمدّد بجواره وقبلها على جبينها ثم احتضنها بكلتي يديه مغمض العينين قائلًا:
- خليكِ كده طول العمر.
تنهدت بعمق وابتسمت قائلة:
- أتمنى..
دقت الساعة الثامنة مساءً كانت واقفة داخل الخزانة تنظر إلى الثياب وهي تضم شفتيها ثم تناولت قميص أبيض طويل من الستان.
وبدلت ثيابها به كان مفتوح من الخلف حتى منتصف ظهرها ويظهر مقدمة صدرها نفخت في شدقيها ثم ارتدت الروب الطويل وأغلقت حزامه جيدا ثم وضعت من عطرها الذي يعشق رائحته.
بعد ذلك خرجت مغلقة الباب خلفها لتجده يجلس على الأريكة يعبث في الهاتف.
ابتلعت لعابها وتساءلت بهدوء:
- تحب أعملك حاجة؟
رفع عيناه عن الهاتف لينظر إليها ثم ألقى بالهاتف جانبًا ونهض متجه نحوها وعند وصوله استدار حولها فأمسكت بالروب من عند صدرها.
وقف خلفها ممسكًا بكتفيها ودفن وجهه في ثنايا عنقها مستنشقًا رائحتها بعمق حتى أخذ صدره يعلو ويهبط.
بينما أغلقت هي عينيها تلتقط أنفاسها باضطراب وانكمشت معصمتها ودقات قلبها تقرع كالطبول في أذنيها.
أخذ يقبلها على عنقها حتى صعد إلى وجنتها وأحاط خصرها بشدة فاستمع إلى صوت أنفاسها العالية وهي تقول بتلعثم:
- على فكرة ..كـ كنت بسألك أعملك حاجة ولا ..ولا لا عـ علشان تعبانة جدًا وعايزة أنام.
استند بذقنه على كتفها يومئ بالنفي وقال بجدية:
- ممنوع النوم النهاردة.
ابتلعت لعابها بصوت مسموع وقالت بترجي:
- أرجوك سبني علشان عايزة أنام.
رفع حاجبيه وقال بمزاح:
- ترضي حد يقول عليا فسيخة؟
اندهشت ثم وجدت نفسها تضحك فرفع رأسه عن كتفها وأدارها إليه رافعًا رأسها إليه لتتوقف عن الضحك مكتفية بابتسامة بسيطة فقال بذات المزاح:
- ما هو بصراحة لو سبتك تنامي هبقى فسيخة.
ضربته على صدره فضحك ضحكة خفيفة ثم احتضنها بحنان وقبلها على جانب رأسها.
فأغمضت عيناها وقالت بنعومة:
- بحبك.
عض على شفتها السفلى ثم قبلها على عنقها برقة وابتعد عنها يمسح على جانب رأسها ثم انحنى برأسه وقبلها على وجنتها بالقرب من شفتيها.
ثم ابتعد قليلًا يمسح بإبهامه على شفتها السفلى وأخذ قبلة عميقة من شفتيها يروى بها قلبه وروحه.
ثم ابتعد عنها قليلًا يلفح وجهها بأنفاسه الساخنة طالبا منها أن تبادله.
صعقت من طلبه ليقشعر جسدها بالكامل وكأن جبل من الثلج انزلق فوق رأسها.
عاد لتقبيلها على أمل أن تنفذ رغبته لكنها لم تفعل فهي كالصنم فابتعد عنها وأمسك بيدها وضعها خلف عنقه ثم أحاط خصرها وطلب منها ثانية بجدية أن تبادله ثم عاد يتقبلها بشغف.
لتجد نفسها تبادله بدون وعي فقد سيطر عليها بالكامل وأيضًا تخلّل أناملها بين خصل شعره.
فمرر يديه على ظهرها ثم أفلت حزام الروب وأبعد ذراعيها عن عنقه وضعهما جوارها ليسحب الروب عن كتفها ليسقط أرضًا وهو لا يزال يقبل شفتيها ثم أفلتها ليلتقط أنفاسه بصوت مسموع وتفحصها من رأسها إلى قدميها عدة مرات ثم حملها على ذراعيه واتجه نحو الفراش ليضعها عليه برفق وتبدأ ليليتهما الأولى.
ذهب ذلك الليل سريعًا ليأتي الصباح واستيقظ رحيم بوجه عابس بفضل زقزقة العصافير المزعجة داخل الشرفة.
تململ على الفراش ليستلقي على جنبه اليمين ونظر إلى ندى النائمة بابتسامة بسيطة ورفع يده يمسح على وجنتها بلطف ويمرر أنامله على جميع ملامح وجهها.
ثم تناول هاتفه من أعلى المنضدة الصغيرة وفتح الكاميرا وأقترب من رأسها وجاء يلتقط الصورة لفت نظره كتفها ظاهرًا في الصورة.
فوضع الغطاء عليه ثم التقط معها بعض الصور وهي نائمة.
وأخذ صورة وهو يطبق شفتيه على أنفها ورأسها.
ثم وضع الهاتف جانبًا وعاد ينظر إليها مخلّلًا أنامله بين خصل شعرها.
فتحت عيناها ببطء لتنظر إليه فاتسعت ابتسامته وكاد أن يتحدث إلا أنها جحظت عيناها والتفتت لتواليه ظهرها.
ضحك ضحكة خفيفة مندهشًا وتساءل:
- أنا عملتلك حاجة؟
قالت باضطراب:
- مش عايزة أتكلم معاك.
ثم وضعت الغطاء على رأسها فسحبه عن وجهها وأخذ يدغدغها لتلتوي وهي تضحك ويقول:
- حبيبي مكسوف ..بعشق كسوفك.
طلبت منه أن يتوقف لينفذ طلبها ودفنت وجهها بين كفيها فقبلها على ظهر يديها وهمس بوقاحة:
- مفيش حاجة من بتاعة إمبارح دي.
جزّت على أضراسها بشدة حتى استمعت إلى صريرها وأخذت تضربه على صدره العاري وهي تقول بعصبية:
- أنت وقح.
قبض على معصمها وثبتهما خلفها فأغمضت عيناها فقال بمزاح:
- طبعًا قدامك شهرين وزيادة على ما تبصّلي تاني.
حركت رأسها بتأكيد فقبلها على ثغرها ثم جبينها وتركها ودلف إلى المرحاض.
نظرت حولها ثم رفعت ظهرها عن الفراش واضعة يديها على صدرها وقامت برفع صدر القميص للأعلى.
رن هاتفها فأخذته لتنظر إلى شاشته التي تضيء باسم والدها فعقدت بين حاجبيها بحزن ثم أجابت عليه لتستمع إلى صوته العالي:
- أنتِ لسه بتشتغلي شغلانة البيبي زفت دي؟
مسحت على وجهها وقالت بعتاب:
- طب أسأل عليا الأول.
صاح بنفاذ صبر:
- وأسأل عليكِ ليه ..اللي يهمني دلوقتي منظري قدام الناس.. أبقى رجل أعمال معروف وبنتي مربية أطفال.
قالت بحزن:
- بابا حضرتك مش قادر تفهم ليه أنا بحب شغلي دا جدًا ..ببقى سعيدة في شغلي جدًا.
- اسمعي يا بت أنتِ أنا جبت أخرى وهعرف عنوان شغلك دا فين زي كل مرة وغصب عنك هتسبيه.
ثم أنهى المكالمة دون أن ينتظر ردها فألقت بالهاتف على الفراش ووضعت رأسها بين يديها.
رواية حب رحيم الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سمر عمر
بعد لحظات شعرت بضيق حاد في صدرها يشق طريقه إلى عنقها.
ابتلعت لعابها بصعوبة ثم أغمضت عيناها واضعه يديها أعلى صدرها تلتقط أنفاسها وتزفر بهدوء كي تهدأ من نفسها قليلا.
يبدو أنها نجحت في ذلك.
خرج رحيم من المرحاض بعد دقائق يمسح على شعره المبلل من الأمام إلى الخلف، كان مرتدي سروال أسود قطني.
اتجه نحو الخزانة لكنه غير مساره عندما رأى ندى في هذه الحالة.
وقف أمامها يتفحصها وتساءل بتوجس:
- ندى أنتِ بخير؟
فتحت عيناها بلهفة وخرجت شهقة من بين شفتيها ثم قالت باضطراب:
- أه .. أيوه أنا بخير.
كاد أن يتحدث ألا أن رن هاتفه.
فاتجه إلى الجانب الآخر من الفراش والتقط الهاتف وجلس على حافة الفراش يتحدث مع صديقه.
نهضت ندى لتشعر بثقل في رأسها فجلست ثانية.
دائمًا ما يجعلها حديث والدها في حالة يرثي لها.
تشعر بالخوف من أن يعلم بمكانها ويجبرها أن تترك شغلها ويجبر رحيم على الطلاق.
فاقت من شرودها على صوت رحيم الذي يخبر صديقه بموعد السفر.
لتلتفت إليه برأسها وهي تحرك شفتيها بكلمة "سفر".
ثم نهضت متجه صوب الروب الذي يقع على الأرض.
عند وصولها انحنت بجذعها لتأخذه ثم ارتدته واحبكت الحزام على خصرها جيدًا.
أنهى المكالمة ثم التفت برأسه لم يجدها.
نظر إلى الاتجاه الأخر رآها تتقدم نحوه وجلست إلى جواره تنظر إلى الأمام متسائلة:
- أنت مسافر؟
مسك بيدها مخللا أصابعه بين أصابعها وقال بهدوء:
- أيوه تلت أيام بس وهرجعلك.
عقدت بين حاجبيها بحزن لتشعر بعدها بخوف مفاجئ وقالت بنبرة مهزوزة:
- لو قلتلك متسافرش .. خليك معايا.
مسح بظهر يده الأخرى على وجنتها بلطف متسائلًا:
- مالك يا ندى؟
تنهدت بنبرة مرتعشة وقالت بجدية:
- أنا خايفة.
- ماتقوليش الكلمة دي وأنا معاكِ.
قال كلماته بحده وثقة ثم قبلها على جبينها واحتضنها وقبلها على عنقها و قال مداعبًا:
- هتخليني ادخل اتوضى تاني ينفع كده.
ابتسمت فابتعد عنها وخطف قبلة سريعة من شفتيها ثم تركها ودلف إلى المرحاض.
نهضت هي متجه نحو الخزانة ودخلت لتأخذ ثياب وهي لاتزال شاردة في المكالمة التي لم تكن على البال.
ثم خرجت و وقفت تنتظر رحيم حتى خرج ودخلت هي.
بعد أن انتهى من فرضه هبط إلى الطابق السفلي ليحضر لها الافطار.
بعد دقائق ليست قليلة خرجت ندى مرتدية شورت قصير من الجينز وكنزة حمراء ذات حملات رفيعة.
دلفت الخزانة ترتدي عباءه فضفاضة وحجاب و وقفت تصلي.
وبعد أن انتهت جلست مكانها و وجدت نفسها تبكي بحرقة.
تذكرت شيء ما كأنه شريط يمضي من أمام عيناها.
انتفض جسدها عندما استمعت إلى صوت رحيم يناديها.
فهمت واقفة و اوصدت الباب ثم قالت وهي تمسح دموعها بكلتا يديها:
- أيوه أن هنا بغير هدومي.
وقف أمام الباب وقال بتوجس:
- اتأخرتي يا روحي .. أنتِ بخير؟
- أه أه بخير .. هحصلك حالًا.
وقف للحظات عاقدًا حاجبية فهو يشعر أن بها شيء ما تخفيه عنه.
ثم غادر الغرفة.
انتظرت إلى لحظات ثم خلعت الجلباب لتضعه كما كان وخرجت راكضة إلى المرحاض لتضع المياه الباردة على وجهها.
ثم خرجت لتضع بعض مساحيق التجميل الخفيفة و وضعت القليل من العطر.
تنهدت بعمق ثم هبطت إلى الطابق السفلي ودخلت المطبخ لتجلس على المقعد المجاور له دون أن تنظر إليه.
لكنه نظر إليها بعمق ليرى عيناها الحمراء تأثيرًا من الدموع فتساءل باهتمام:
- مالها عيونك؟
أخذت كوب الماء تناولت القليل ثم قالت بثبات:
- الشامبو دخل في عيني ففضلت ادمع كتير.
همهم وهو يومئ رأسه ثم تناول قطعة خبز وأخذ القليل عليها من الجبنة ومد يده إليها قائلًا:
- خدي بالك بعد كده.
تناولتها من يده واومأت موافقة وبدأت تمضغها ببطء شديد.
ضيق عيناه قليلًا يتأملها للحظات ثم تحدث بمكر:
- مش ناوية تبلعي.
تنظر إليه بلهفة ثم ابتلعت طعامها وأطرقت رأسها وهي تقول بسأم:
- أنا مليش نفس.
مسك بيدها وضعها بين راحتي يديه يمسح على ظهر يدها بلطف وقال في توجس:
- مالك يا ندى مخبيه عليا ايه؟ .. لو تعبانة نروح عند الدكتورة.
أومأت بالنفي وقالت بصوت منخفض:
- لاء مش تعبانة .. أنا بس مليش نفس .. أفطر أنت وأنا هطلع الجنينة.
ثم سحبت يدها من بين يديه ونهضت لتخرج.
فتنهد بصوت مسموع وانتظر إلى لحظات ثم نهض من مكانه وخرج.
اتجه نحو الحديقة وعند خروجه رآها واقفة أمام حمام السباحة.
تقدم نحوها بخطوات بطيئة وفاجأها بعناقه لها من الخلف يحيط خصرها بكلت يديه ثم دفن أنفه بين خصل شعرها يستنشق عطر غسول الاستحمام خاصتها قائلا:
- زعلانه علشان هسافر واسيبك.
أغمضت عيناها وقالت بتأكيد:
- بصراحه أيوه .. مكنتش متوقعة إنك هتسافر.
قبلها على وجنتها ثم ابتعد قليلًا وهمس بمكر:
- لدرجة دي ادمنتي وجودي.
أومأت بتأكيد وقالت بحزن:
- وأكتر من كده.
اتسعت ابتسامته ثم حملها على ذراعيه يستدير بها وهو يقول بصوت عالي:
- بحبك .. بحبك يا مجنونه.
ضحكت ضحكة خفيفة متشبثة في سترته من الأمام والخلف.
ثم انزلها برفق ومسح على جانب رأسها واضعًا شعرها خلف أذنيها يشق طريقة بيديه إلى عنقها وانحنى برأسه ليأخذ قبلة من شفتيها.
و وجدت نفسها تبادله بقبلاتها.
وبعد لحظات أبتعد عنها قليلًا ينظر إليها بعشق وهو يلتقط أنفاسه بينما هي لم تستطيع أن تنظر إليه وأطرقت عيناها خجلًا من نظراته فقال بنيرة رجولية عاشقة:
- بصي لعيوني وقوليلي بحبك.
أومأت بالنفي ثم احتضنته لتدفن وجهها في صدره السبب في ذلك لتختبئ من نظراته داخله.
بادلها بالعناق بكلت يديه فقالت بهدوء:
- بحبك.
استند بذقنه على رأسها وقال بخبث:
- لاء مش حلوه .. مش هقبلها غير لما تقوليها وأنتِ بتبصيلي.
ضربته على ظهره بقبضتها الصغيرة بخفة وهي تومئ بالنفي فتساءل بمكر:
- طيب ممكن تبصيلي علشان عايز اقولها قدام عيونك.
- لاء برضه.
رفع حاجبيه وقال بمزاح:
- ايه الرخامة دي..
ثم دغدغها بمرح لتضحك مبتعدة عنه.
ثم ضحك على ضحكاتها وحملها على ذراعيه ليدخل بها مصرا على أنها تتناول الافطار معه ولم يخلوا الطعام من ضحكاتهم وخفة دم رحيم.
شغل أغنية هادئة ثم مد يده إليها فوضعت يدها على راحته ويدها الأخرى على كتفه وأخذ يتمايل معها على أنغام الأغنية الرائعة.
يتفرس ملامحها بحب بينما تنظر ندى إلى الأمام بخجل واضح.
وضع يدها على كتفه ثم أحاط خصرها بكلت يديه ليحتضنها ودفن وجهه بين ثنايا عنقها ليشعر بنبضات أوردتها وهي تشعر بأنفاسه الساخنة تشعرها بالدفء والحنان.. والاحتواء..
وكل شيء افتقدته.. أدمنته حقا وادمنت كل شيء يخصه وأخذت تتشبث في سترته بقوة تخبره بذلك التشبث ألا يذهب إلى أي مكان .. ألا يتركها قط.
لكنها تذكرت سفره فأغمضت عيناها بقوة وقالت بصوت يعلوا الترجي:
- متسافرش.
ابتعد عنها لينظر إليها لترفع عينيها إليه وتقابلت عيناهم أخيرًا وقال بجدية:
- لو بإيدي كنت خطفتك أنتِ و الأولاد و عيشنا في جزيرة لوحدنا.
همست بجدية:
- اتمنى تعمل كده.
لاحت ابتسامة جانبية على ثغره ثم ضمها إلى صدره بقوة وقال:
- ممكن متفكريش في موضوع السفر دا خالص .. خلينا نفكر في أيامنا مع بعض.
- الأيام معاك بتعدي بسرعة.
حملها على ذراعيه واتجه نحو الدرج ثم صعد إلى غرفة النوم قائلًا:
- أنا هخليكي تنسي السفر والايام اللي بتعدي بسرعة دي.
الوقت والأيام مضت عليها سريعًا كانت تود أن تبطئ الأيام ولا تمضي بهذه السرعة.
كانت شاردة وهي تضع ثيابه داخل حقيبة متوسطة الحجم وكلما رأت حقيبة السفر قلبها يعتصر ألما فتظهر علامات الألم على قسمات وجهها.
وضعت كل شيء سوف يحتاجه في السفر وأيضا بعض المستندات والأوراق الخاصة بالعمل.
خرج من المرحاض بعد أن أخذ حمامًا نظر إليها رآها شاردة وهي ترتب كل شيء داخل الحقيبة.
ثم دلف إلى الخزانة وارتدى بدلة رسمية و فوق القميص الأبيض صدريه سوداء ثم ارتدى المعطف ووقف يصلي فرضه ثم شكر لله.
بعد انتهائه خرج ليقف أمام المرآة يمشط شعره ويضع من عطرة المميز.
وقفت تنظر إليه بضيق تزم شفتيها مانعه دموعها من الهبوط على وجنتيها.
عندما انتهى التفت متجه نحوها ووقف بجوارها فقالت بصوت ضعيف بفضل دموعها التي تأسرها داخلها:
- شوف كده كل حاجة تمام.
ألقى نظرة سريعة على ما داخل الحقيبة ثم أغلق السحابة ووضعها على الأرض ونظر إليها فتلاشت النظر إليه وأخذت تفرك في أصابع يديها.
احتضن وجنتيها براحتي يديه وقبلها على جبينها قبلة استمرت للحظات فأغمضت عيناها لتهبط دموعها على وجنتيها وقالت بترجي:
- متتأخرش عليا.
ابتعد عنها لينظر إليها ومسح دموعها بإبهامية وقال بصوت مبحوح:
- مقدرش أتأخر عليكِ .. و اوعدك هتزهقي من مكالماتي.
ثم قبلها على وجنتها فقبلته هي الأخرى على وجنته.
ثم أخذ قبلة عميقة من شفتيها يخبرها بها أنه سوف يشتاق إليها أكثر من اشتياق القمر لسماء الليل .. وأكثر من عشق الاسماك للبحار وأكثر من اشتياق عيناها لرؤيته.
ابتعد عنها عندما تذوق شيئًا مالحًا ممزوجًا بطعم شفتيها ونظر إليها ليرى دموعها فمسح دموعها واحتضن وجنتيها وقال بمزاح:
- أنا عارف بتعيطي علشان غفلتك كذا مرة و وصورتك وأنتِ نايمة.
ابتسمت ابتسامة ممزوجة بالدموع تومئ بالنفي فابتسم قائلًا:
- خلاص هبعتهالك ومتزعليش.
ضربته على صدره وقالت بحنق:
- صور ايه دلوقت.
قطب جبينه واحتضنها بشدة وقال بحزن:
- حبيبة قلبي .. ادعيلي اخلص وارجعلك بسرعة.
ثم قبلها على رأسها وخرج برفقتها ساحبًا الحقيبة خلفه.
هبطت الدرج بجواره متشبثة في ذراعه.
عند وصولهم إلى الباب ودعها بعدة قبلات متفرقة بين ملامح وجهها بالكامل حتى عنقها ليصعد ثانية إلى شفتيها وأخذ قبلة عميقه استمرت للحظات طويلة.
ثم ابتعد عنها وطبع قبلة رقيقة على راحة يدها و اوصاها على نفسها وهي بين أضلاعه وقالت بنبرة بكاء:
- أنت كمان خد بالك من نفسك علشاني.
أومأ بتأكيد ثم ودعها ثانية بقبلة على جبينها وأخرى على ظهر يدها ثم حمل الحقيبة وخرج.
وقفت خلف الباب حتى استقل السيارة مع صديقه الذي كان ينتظره داخل السيارة وعندما تحركت السيارة فتحت الباب لتنظر إليها حتى اختفت من أمام عينيها لتهبط دموعها على وجنتيها بغزارة.
ثم دخلت مغلقة الباب خلفها ونظرت حولها لتشعر بالاختناق المفاجئ.
فقد شعرت بالوحدة فجأة كان المنزل مليء بالحب والمرح والضحك والأن أصبح كئيب وبشع.
تجولت في كل ركن جمع بينهما لتتذكر حديثه العاشق ومزحه وضحكاته معها.
ثم تحسست الدراجة وصعدت ذلك المنزل الذي أعلى الشجرة جلست داخلة لربع ساعة تقريبًا.
بعد ذلك عادت إلى الغرفة والتقطت من الخزانة قميصًا له و وضعت عطره الذي تركه عليه ثم مددت على الفراش كوضعية الجنين جاذبة القميص إليها بشدة مغمضة العينين تاركة العنان لدموعها الساخنة تحرق قلبها قبل وجنتيها.
الساعة تدق الثامنة والنصف مساءً.
كان علاء جالسًا على الأريكة واضعًا قدميه أعلى المنضدة التي أمامه وجواره كلا من أشرقت و ريان يحكي لهم قصة اطفال داخل كتاب صغير.
جاءت السيدة وفيه وضعت فنجان القهوة أعلى المنضدة ليضع قدميه على الأرض متمتمًا بالشكر ثم تساءل بمزاح:
- متعرفيش ندى هتيجي امتى؟ .. علشان تستلم وكفاية عليا كده و ربنا يعينها عليهم.
أحاطت أشرقت عنقه بذراعيها وأخذت تصفر في أذنه وريان يدغدغه فضحكت السيدة وفيه وهو يقول:
- يا ولاد رحيم يا مجانين.
رن جرس الباب فنظرت السيدة وفيه إليه ثم اتجهت نحوه.
بينما ترك الطفلان عمهما وركضا إلى الباب وهم يقولون في صوت واحد:
- ندى جت .. ندى جت.
فتحت السيدة وفيه لتجد ندى فسعدت بها كثيرًا واحتضنتها بشدة تركت ندى ما في يدها لتبادلها بالعناق.
بينما خرجت أشرقت واحتضنتها من قدميها من الخلف وريان من الأمام.
ابتعدت السيدة وفيه تنظر إلى الطفلان بابتسامة واسعة في حين جلست ندى على ركبتيها لتكون في مستواهم واحتضنتهما بشدة مغمضة العينين لتشعر وكأن رحيم هو الذي يحتضنها.
فعشقت الاطفال حبًا في والدهما ومن أجلهما ستتحمل فراقة طالما هي تراهما.
ثم ابتعدت عنهما واعطت لكلا منهم حقيبة هدايا ليجد ريان داخلها نوع مكعبات جديدة واسطوانات ألعاب حديثه.
احتضن ندى ثانية ثم أخذ الحقيبة وركض إلى الداخل. أعجبت أشرقت كثيرًا بالعروسة وشكرت ندى.
نهضت ندى وأعطت السيدة وفيه حقيبة هدايا وقالت:
"جبت لحضرتك عباية خروج أتمنى تعجبك."
أخذت الهدية منها قائلة:
"كلك ذوق يا بنتي.. أي حاجة منك حلوة."
"وفيها ساعة يعني منستش ماري."
ثم دخلت لتغلق وفيه الباب. رحب علاء بها من جديد ثم تناول أخر ما في الفنجان وقال:
"يلا استلمي بقى العفاريت دول وربنا يكون في عونك."
ضحكت ندى ضحكة خفيفة وهي تمسح على شعر أشرقت. تمنى لهم ليلة سعيدة وصعد إلى غرفته.
مسكت السيدة وفيه ذراع ندى وتساءلت باهتمام:
"خسيتي كده ليه مكنتيش بتاكلي؟"
نظرت ندى إلى هيئتها ثم نظرت إليها وقالت بصوت مبحوح:
"من كتر التفكير بس.. والأولاد كانوا وحشني أوي."
"طيب يا حبيبتي واخبار والدك ايه؟"
تنهدت بخيبة أمل وقالت بحزن:
"كويس.. كويس ادعيله ربنا يهديه."
ثم أردفت بصوتها المبحوح:
"أنا هدخل ارتاح شوية.. حاسة بشوية تعب."
"سلامتك يا حبيبتي."
انحنت بجذعها تقبل أشرقت على وجنتها ثم اتجهت نحو الغرفة. دخلت مغلقة الباب خلفها ثم بدلت ثيابها وأراحت بدنها على الفراش.
أرسلت رسالة صوتية إلى رحيم:
"رحيم وحشتني اوي."
نظرت إليه لترى علامة صح واحدة فعلمت أن الهاتف مغلق. زفرت بسأم ثم أغمضت عيناها منتظرة رسالته.
كان في اجتماع يتحدث معهم بلغة أجنبية فائقة وبكل شموخ واعتزاز. بعد ساعة ونصف ذهب إلى إحدى الفنادق المعروفة ودخل غرفته. بعد تبديل ثيابه أراح بدنه على الفراش وعبث في هاتفه ليرى رسالة ندى. استمع إليها لتبتسم عيناه ثم أرسل لها رسالة صوتية تحمل:
"وحشتيني أكتر يا روحي.. طمنيني عليكِ."
انتظر أن ترى الرسالة لكنها لم تفعل. فقد غلبها النعاس وهي تنتظر رسالته. فأخذ يرسل لها الكثير من الرسائل الصوتية ثم وضع الهاتف جانبًا ووضع رأسه على الوسادة واضعًا يده على الفراش ويخبر نفسه أنه يفتقدها حقًا.
استيقظت في الصباح ونظرت إلى الهاتف لتجد رسائل من رحيم. فرفعت جذعها عن الفراش واستمعت إلى الرسائل وصوته بلهفة اشتياق:
"حبيبي شكله نام أحلامك سعيدة يا روحي.. أنا مفتقدك جدًا يا ندى.. على فكرة أنتِ سبب سعادتي.. قبل ما اشوفك حياتي كلها كانت جحيم وأنتِ جيتي حولتي الجحيم لربيع.. بحبك وهفضل أحبك لحد أخر يوم في عمري.."
اتسعت ابتسامتها وأرسلت له الكثير من الرسائل الصوتية ثم ضمت الهاتف إلى صدرها تلقي بجذعها إلى الفراش ثانية. وأخذت تفكر كثيرًا في الأيام التي قضتها برفقته. لتفيق من شرودها على صوت دقات الباب وهمت واقفة وهي تأذن بالدخول.
فتحت السيدة وفيه الباب. وبعد تبادل الصباح قالت:
"يلا مستنينك علشان تفطري معانا."
أومأت موافقة لتعود إلى المطبخ. بينما جهزت ندى في خلال دقائق وخرجت متجه نحو المطبخ بخطوات سريعة.
عند وصولها دخلت بابتسامة واسعة وقبلت كلا من ريان وأشرقت ثم جلست تتناول معهم الإفطار.
وصلت لها رسالة فأخذت الهاتف لتفحصها لتظهر علامات الحزن على قسمات وجهها وتوقفت عن الطعام فجأة لتشعر بالدوران المفاجئ فاستندت برأسها على راحة يدها.
تساءلت وفيه بتوجس:
"مالك يا ندى؟"
نظرت إليها وقالت بنبرة ضعيفة:
"نانا بعتتلي رسالة بتقولي خالي بالك والدك جه سأل عليكِ وحاطط مراقبة على البيت علشان لو جيتي."
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. هو مش تعبان يا بنتي؟"
"أيوه ومفيش فايدة.. اللي زيه ما بيتعظ."
ثم زفرت بسأم ونهضت وهي تقول بحسم:
"أنا هروح له."
خرجت متجه صوب الغرفة بخطوات واسعة ودخلت لتبدل ثيابها سريعًا ثم خرجت من المنزل بأكمله واستقلت السيارة في طريقها إلى إحدى المطاعم.
***
عند وصولها صفت السيارة جانبًا ودخلت المطعم وخرجت من باب أخر واستقلت سيارة أجرة إلى المنزل.
عند وصولها أعطت له المال وطلبت منه أن ينتظرها ثم ترجلت ليفتح لها الأمن البوابة فورًا ثم دخلت إلى المنزل.
وقفت تنادي والدها ليخبرها بأنه في الحديقة فاتجهت نحوها وخرجت لتقف أمامه.
نهض عن مكانه وقال مبتسمًا:
"شاطرة يا ندى بتسمعي الكلام."
لتقول بحزن:
"بابا أنا جيت اتكلم معاك.. عايزة أقولك أرجوك بلاش تدمر حياتي.. أنا بحب شغلي اوي."
تنحنح بخفية وقال بهدوء مصطنع:
"قوليلي وأنا اشوفلك شغل أحلى من ده."
"كنت أنا دورت على شغل بنفسي.. لكن أنا بحب الأطفال وبحب شغلي جدًا.. أرجوك يا بابا افهم النقطة دي."
جز على أسنانه وقال بحده:
"يعني أنا مبفهمش."
ما أن أنهى حديثه وصفعها على وجهها بقوة فصرخت متأوه. ثم قبض على شعرها وقال بعنف:
"ضربي شكله وحشك مش كده."
ثم تركها بدفعه لتتراجع خطوتين للخلف. ثم نظرت إليه وهبطت الدموع على وجنتيها بغزارة وتساءلت:
"بابا هو أنا لو هتجوز هتيجي تحضر فرحي؟"
جلس على الأريكة واضعًا قدم فوق الأخرى وقال بقسوة:
"لو كنت فاضي."
مسحت دموعها بكلت يديها ثم تحدثت بحسم:
"سبني في حالي يا بابا.. سبني أعمل الحاجة اللي بحبها."
"يا بنتي أنا خايف عليكِ من الشغل ده.. مش عايز حد يتعدى حدوده معاكِ."
ثم نظر إليها ونهض ليقترب منها فتراجعت إلى الخلف لتبتعد عنه وهو يقول بهدوء:
"يا ندى أنا عايزك تيجي تقعدي معايا هنا.. مهما اكون عملت أنا ابوكي."
قالت بصدق:
"أنا مابحسش بالأمان في البيت ده."
فرد ذراعيه إليها وقال بجدية:
"اديني فرصة احضنك وأنا احسسك بالأمان."
نظرت إلى ذراعيه وهي تومئ بالنفي بخفية. فكرر طلبه ثانية لكنها ترددت. وضع ذراعيه جواره وتقدم نحوها ليحتضنها هو معتذرًا لها على ما فعله. ومع ذلك لم تشعر بالأمان معه وابتعدت عنه تطلع إليه برهبة شديدة.
لاحت ابتسامة ساخرة على ثغره وتحدث بقصد مضايقتها:
"أنا مستحيل اوافق تتجوزي يا ندى مش عايز أظلم حد."
تساءلت في غرابة:
"تظلم حد يعني ايه؟"
"يعني لو جوزتك ببقى ظلمته بصراحة عشان أنتِ معقدة زي امك."
حدقت به قي ذهول وتألم قلبها من كلماته وتحدثت بصوت مبحوح:
"ماما ماكنتش معقدة حضرتك اللي كنت بتعاملها بقسوة وده كان سبب أن هي ماتخلفش تاني."
شعر بالضيق من حديثها وصفعها عى وجنتها ثانية بكل ما فيه من قوة جعلها تصرخ متأوه. تطلع إليه برهبة وكاد أن يقبض على شعرها إلا انها ركضت إلى الداخل ثم خرجت واستقلت سيارة الأجرة وغادرت.
أخرج الهاتف من جيب سرواله واتصل على شخص ما ليجيب عليه فورًا وطلب منه أن يراقب ندى ليعلم مكان عملها.
عقب وصولها أعطت له الكثير من المال ثم ترجلت ودلفت إلى المطعم والحرس ينظرون إليها. وتحدث أحدهم إلى والدها ليخبره بما رأى. بينما هي خرجت من الباب الثاني واستقلت السيارة لتغادر.
وعند وصولها دلفت المنزل متجهه نحو غرفتها مباشرة ودخلت مغلقة الباب خلفها. ثم جلست على حافة الفراش وأخذت الهاتف من الحقيبة بيد مرتعشة واتصلت على رحيم وهي تلهث بصوت مسموع وتشعر باضطرابات في معدتها.
أجاب عليها ليخبرها كم هو اشتاق إليها لتبادله بذات الاشتياق بل أكثر. ثم قالت بصوت مهزوز:
"أنت هتيجي بعد بكرة صح؟"
رفع حاجبيه وقال بمكر:
"لأ احتمال أقعد يومين كمان."
جحظت عيناها وقالت بعصبية فلتت من بين شفتيها:
"أنت قلت يومين وهتيجي بتغير رأيك ليه دلوقت؟"
عقد بين حاجبيه وقال بنبرة رجولية هادئة:
"شغل يا ندي."
قالت بحده وضيق:
"براحتك ان شاء الله تقعد أسبوع كمان."
تعجب متسائلًا:
"مالك حصل حاجة؟"
أومأت بالنفي وهدأت من نفسها وقالت بهدوء:
"لأ أنا تمام انت بس وحشتني.. أنا هروح البيت التاني انام هناك لحد ما تيجي."
قال بتوجس:
"هقلق عليكِ وأنتِ لوحدك."
"هبقى مرتاحة وأنا هناك."
بعد حديث طال بينهم أنهت معه المكالمة ثم احتضنت الهاتف بقوة وأسقطت رأسها فوق الوسادة واغلقت عيناها.
بعد لحظات دق الباب فأذنت بالدخول عندما علمت أنها السيدة وفيه. فدخلت ووقفت تنظر إليها بتوجس قائلة:
"شوفت عربيتك بره قلت اجي أسألك عملتي إيه."
رفعت ظهرها عن الفراش واضعة يدها على وجنتها التي صفعها والدها وقالت بحزن:
"مفيش فايدة ومصمم يحرمني من شغلي."
ثم نهضت واقفة وتابعت:
"أنا هقضي اليوم كله مع الأولاد واروح أنام عند نانا.. ومتقلقيش هبقى كويس."
أومأت بتفهم وهي تمسح على ذراعها بلطف وقالت بحزن:
"اللي يريحك يا بنتي."
"هي مامت رحيم هترجع امتى؟"
رفعت يدها إلى جبينها لتتذكر ثم تحدثت:
"يعني كمان أسبوعين كده.. بتسألي ليه؟"
"عادي بسأل."
أومأت برأسها ثم تركتها وغادرت مغلقة الباب خلفها.
زفرت ندى بسأم قابضة على مقدمة شعرها. بينما وصلت لها رسالة فأخذت الهاتف لترى الرسالة من رحيم لتفتح فورًا ورأت فيديو يتم تحميله. فجزت على أسنانها وهي تستعجل ذلك الفيديو يحمل سريعًا. وبعد لحظات انتهى لتقم بفتحه سريعًا.
رأت رحيم يجلس على الأريكة وطبع قبلة على أنامله ثم وضعها على كاميرا الهاتف. ثم ثبت الهاتف على شيء ما وشغل أغنية ليغني معها.
"لزرعلك بستان ورود وشجرة صغيرة تفييكي.. لغزلك من نور الشمس أسواره واحط بأيديكي.. لغزلك من نور الشمس أسواره واحط بأيديكي."
وضعت يدها على فاها في دهشة وأخذ يحرك رأسه ويربت على ركبتيه بأنامله مع أنغام الموسيقى وتابع مع الأغنية العالية وهو يشير إليها:
"و رح جبلك من ابعد بحر أحلى درة بلاقيها واسرئلك من حول البدر أجمل نجمة مخبيها وعمر لك بالعالي قصر…"
ليشير إلى زراعة الصلب متابعًا:
"وعجناحاتي وديكي.. لغزلك من نور الشمس أسواره واحط بأيديكِ."
ليشير إليها بعينين مبتسمتين متابعًا:
"يا حلوة بعيونك سر ساحرني و مدوبني كلماتك احلى من الدر وحبك دوم مسهرني."
وضع يديه على قلبه متابعًا:
"قربك مر وبعدك مر مر المر بعنيكِ.. لغزلك من نور الشمس أسواره واحط بأيديكِ."
ثم أردف:
"لو بدك لولو ومرجان راح اجيبلك خزنة بحالها.. ولو بدك طاقية الجان ماني راح اقولك لا لا لا.. ولو بدك يا غصن البان جوه عيوني بخبيكِ ولاغزلك من نور الشمس أسواره واحط بأيديكِ.. لازرعلك بستان ورود وشجرة صغيرة تفييكي ولاغزلك من نور الشمس أسواره واحط بأيديكِ."
ثم مسك الهاتف وأرسل لها قبلة عبر الهواء وقال بنبرة عشق:
"بحبك يا ندي.. بحبك."
لينتهي الفيديو بعد ذلك لتشعر بالسعادة والنشوة وأرسلت له رسالة صوتية بنبرة تأسرها السعادة:
"بحبك جدًا.. بس مكنتش أعرف أنك مجنون كده."
أرسلتها وانتظرت حتى أرسل لها مقطع صوتي بصوته الرجولي المميز الذي اشتاقت إليه:
"مجنون بـ حبك يا ندى."
***
بعد مضي ساعة خرجت لتجلس مع الطفلان وتلعب معهما. وكلما نظرت إلى ريان يخيل لها أنها ترى رحيم لتسمح له بعد ذلك بنصف ساعة زيادة للعب بألعاب الفيديو. فقبّلها على وجنتها وركض إلى الداخل ثم صعد إلى غرفته. وجلست ندى مع أشرقت يمارسان اللعب بالعرائس تارة وقراءة القصص تارة أخرى.
وفي الليل انتظرت حتى تأكدت أنهم ذهبا إلى النوم العميق. ودعت أشرقت بقبلة حانية على رأسها ثم ذهبت إلى ريان لتودعه بقبلة مثلها ثم غادرت المنزل.
عند وصولها إلى المنزل الذي جمع بينها وبين رحيم شعرت بالارتياح ثم دخلت تنظر حولها لتشعر بالاختناق لكونه ليس معها. ثم صعدت إلى الغرفة لتبدل ثيابها واحتضنت قميصه لتشعر بالأمان ثم ذهبت إلى النوم.
***
بعد مضي يومين الساعة تدق العاشرة والنصف مساءً وصلت إلى المنزل كعادتها يوميًا. جلست على الفراش بعد تبديل ثيابها تشاهد الفيديو الذي أرسله رحيم إليها وأخذت تشاهده مرارًا وتكرارًا حتى شعرت بالنعاس فتركت له رسالة صوتية ثم احتضنت قميصه واغمضت عيناها لتذهب إلى النوم بعد دقائق.
وبعد ربع ساعة انفتح باب الغرفة ودخل مغلقًا الباب خلفه بهدوء حتى لا يوقظها. ثم أقترب من الفراش برفق ووقف ينظر إليها بابتسامة بسيطة وجلس على حافة الفراش يمسح على شعرها بلطف مخللًا أنامله بين خصل شعرها فحركت رأسها تتنهد بهدوء. ليتركها ثم اتجه نحو الخزانة ليلتقط ثياب بيتي وخرج ودلف إلى المرحاض ليأخذ حمام.
بينما فتحت ندى عيناها قليلًا بنعاس ثم اغمضتها ثانية لتكمل نومها. وبعد دقائق خرج يمسح على شعره من الأمام إلى الخلف متجه نحو الفراش ليجلس على حافته وقبلها على كتفها العاري ثم مسح على شعرها ويناديها.
"ندى.."
فتحت عينيها ببطء والتفتت بلهفة لتجد رحيم. فأخذت تفرك في عينيها، ثم نظرت إليه مجددًا وقالت في دهشة:
– أنت هتهزر!
أومأ بالنفي مبتسمًا، مخللًا أنامله بين خصل شعرها. فرفعت جذعها عن الفراش لترتمي في أحضانه بلهفة، متشبثة في سترته من الخلف. ليحيطها بكلت يديه وقبلها على جانب رأسها. فوجدت نفسها تبكي. ليقول مداعبًا:
– أسافر تعيطي، أجي برده تعيطي.. طب أعملك إيه؟
قالت ببكاء:
– أنت وحشتني أوي.. بجد أحلى مفاجأة حصلت في حياتي هي رجوعك.
ابتعد عنها ليحتضن وجنتيها براحتي يديه، ومسح دموعها بإبهامية، ثم مسح بإبهامه على شفتيها وانحنى ليأخذ قبلة عميقة معبرًا لها عن مدى اشتياقه لها. وابتعد عنها قليلًا، وبدأت بينهم ليلة مليئة بالحب.
في الصباح، كانت تجلس على الفراش عاقدة قدميها تشاهد الثياب التي جلبها رحيم معه لأولاده. حتى خرج من المرحاض ودلف إلى الخزانة ليرتدي ثيابه سريعًا. ثم صلى فرض الصبح. وعقب انتهائه، خرج وجلس على حافة الفراش يرتدي حذائه متسائلًا:
– ذوقي عجبك؟
– أه جدًا.. حلوين أوي.
– مش أحلى من اللي جبتهولك يا روحي.
نظرت إليه بابتسامة عريضة، ثم اقتربت منه ووقفت خلفه على ركبتيها لتحتضنه وقبلته على وجنته. فقال بمكر:
– أحنا اتجرأنا أوي.
عضت على شفاها السفلى ودفنت وجهها في كتفه وهي تقول بخجل:
– رحيم بقى!
ضحك ضحكة خفيفة. فابتعدت عنه لتضع كل شيء كما كان في الحقيبة، ثم تناولت الروب لترتديه. بينما نهض رحيم والتقط اغراضه الشخصية وضعها في جيب سرواله. ثم تقدم نحوها. فأحكمت رباط الروب جيدًا تنظر إلى الأرض بخجل.
ركع على إحدى ركبتيه وفتح الحقيبة، ثم أخرج من أسفل جميع الثياب حقيبة هدايا متوسطة الحجم. ثم نهض وأخرج منها علبة مربعة زرقاء وقام بفتحها ناظرًا إليها مبتسمًا. لترفع هي رأسها لترى كوليه من الألماس البراق. حتى زاغت عيناها وقالت بإعجاب:
– يجنن بجد.
أخذه ووضع العلبة إلى الفراش، ثم وقف خلفها ليضعه حول عنقها. كوليه براق لدرجة كبيرة ذات ورود صغيرة رقيقة. حسست عليه فيما انتهى رحيم من إغلاقه وأحاط خصرها بذراعيه وقال بحب:
– عنقك أعطى للكوليه شكلًا رائعًا.
اتسعت ابتسامتها قائلة:
– يعني أنا اللي زينت الكوليه؟
دفن أنفه في عنقها مستنشقًا رائحتها الهادئة. وقال بجدية:
– طبعًا.. رقبتك فيها لمعة هي اللي خلت الكوليه يلمع.
ثم أطبق شفتيه على عنقها وأدارها إليه وأمسك بذقنها ليرفع رأسها إليه طالبًا منها أن تنظر إليه. فرفعت عينيها إليه ببطء حتى تقابلت عيناهما أخيرًا. لكنها تشعر بالخجل الشديد واضطرابات في معدتها. وإذا استمر يتغزل بها بنظرات الحب هذه حتمًا سيغمى عليها.
انحنى برأسه يقبلها بعمق وهي تبادله بقبلاتها. ثم ابتعد عنها قليلًا وقال وهو يلهث ناظرًا إلي عينيها بعمق:
– بحبك.
أطرقت عينيها وكادت أن تتحدث، ألا أنه طلب منها أن تنظر إليه وهي تتحدث. فنظرت إليه وقد ابتلعت لعابها بصعوبة وقالت بتوتر شديد:
– بـ.. بحـ.. بحبك.. بحبك.
ابتسمت عيناه ثم احتضنها بشدة وطلب منها ألا تتأخر. فأومأت موافقة. ثم ودعها وغادر المنزل.
استقل سيارته عائدًا إلى المنزل الثاني فقد أشتاق إلى أطفاله بشدة حتى شعر بألم في قلبه.
عند وصوله، ترجل من السيارة ووقف يفتح الباب ثم دخل ينادي على كلًا من أشرقت وريان بشغف ولهفة. لتخرج السيدة وفيه من المطبخ ووقفت تضمه إليها بسعادة قائلة:
– حمد الله على سلامتك يا بني.. نورت بيتك يا غالي.
– ربنا يخليكِ يا حبيبتي.
ربتت على كتفه ثم ابتعدت عنه واتجهت نحو الدرج. ثم وقفت تنادي كلا من أشرقت وريان. فيما خرج رحيم وعاد بالحقائب وأغلق الباب.
في حين كان الطفلان ينزلان السلالم سريعًا. فجلس رحيم على ركبتيه فاردًا ذراعيه ليحتضنهما بقوة. ثم نظر إلى أشرقت وأخذ يقبلها على وجنتها ورأسها. ثم قبل ريان على وجنتيه وجبينه واحتضنهم ثانية ونهض واقفًا بهما. واتجه نحو الأريكة ليجلس عليها وهما جواره. وأخذت أشرقت تحسس على لحيته وقالت بنبرة طفولية:
– كبرت أوي.
يقول مداعبًا:
– ادلدلها عشان تطلعي البرج يا أحلى أميرة.
ضحكت ضحكة خفيفة. فقبلها على وجنتها بقوة وقال من بين أسنانه:
– وحشتي بابي أوي.
ثم نظر إلى ريان وقبله على وجنته. فقال ريان:
– وأنت كمان وحشتنا أوي.
بعد مدة من الزمن.
وقف خلف المكتب يرتب بعض الأوراق. وبعد لحظات دخلت ندى حاملة فنجان القهوة وتنحنحت بخفة. ليلتفت إليها بكلته. ثم أخرج السيجارة من فمه يزفر دخانها في الهواء وقال وهو يتفحصها بنظرات غزل:
– تسلم إيديكِ الحلوين.
تنهدت بعمق وكادت أن تتحدث. ألا أنها استمعت دقات على باب المكتب المفتوح. فالتفتت برأسها لترى علاء. في حين نظر رحيم إليه بحنق وقال بنبرة خشنة:
– حطي القهوة وروحي انتِ يا ندى.
وضعت القهوة أعلى المنضدة. ثم خرجت. فدخل علاء متجه نحوه واحتضنه. ليبعد رحيم يده الممسكة بالسيجارة بعيدًا عنه واليد الأخرى وضعها على ظهره. فقال:
– حمد الله على سلامتك.
– الله يسلمك.
ثم ابتعد عنه وتناول رحيم علبة متوسطة الحجم واعطاها إليه قال:
– أتمنى تعجبك.
أخذ العلبة وقام بفتحها ليجد ساعة رائعة يبدو عليها باهظة الثمن. ثم أغلقها وقال بإعجاب:
– جميلة جدًا تسلم إيدك.
أطفأ سيجارته في المطفأة الخاصة بها. ثم عقد ذراعيه أمام صدره وقال بحنق:
– إنكل مختار كلمني وقالي إنك رجعت تهمل الشغل من تاني.
زم شفتيه يومئ برأسه تأكيدًا على حديثه. ثم تحدث بوضوح:
– صح.. بص يا رحيم أنا زهقت من الشغل.. أنت عارف مليش في الشغل والكلام ده.. وكنت مستني ترجع من السفر علشان أقولك إني هرجع أمريكا.
تحدث بعصبية بالغة:
– جيت ليه من البداية؟ ما كنت تخليك هناك.
رفع حاجبيه وقال بحده:
– أنت فاكرني اتغيرت يا رحيم؟ أنا ماتغيرتش أنا لسه زي ما أنا علاء المستهتر اللي نهاره ليل وليلة نهاره.
دفعه للخلف بحده وصاح بعصبية:
– عرفت وشفت الخمرة في أوضتك.. أنا بيتي ميدخلش فيه القذرات دي أنت فاهم.
ثم خرج من المكتب. بينما خرج كلًا من ندى والسيدة وفيه من المطبخ على صوت رحيم العالي.
بينما صعد رحيم الدرج ولا يزال يكمل حديثه بعصبية مفرطة:
– ناقص تجيب بنات من اللي بتعرفهم وتفتح البيت دعارة.
ثم دخل الغرفة مغلقًا الباب خلفه بقوة. وبعد لحظات خرج علاء وصعد هو الأخير إلى غرفته. فلحقت السيدة وفيه به وصعدت ندى إلى غرفة رحيم ودخلت مغلقة الباب خلفها. لتجده واقفا أمام الشرفة يدخن سيجارته بعصبية.
وقفت خلفه وضعت يدها على كتفه برقة. ثم قالت بهدوء:
– رحيم أي اللي حصل علشان تزعقوا مع بعض؟
نفث دخان سيجارته في الهواء. ثم تحدث بنفاذ صبر:
– ما صدقت أنه اتعدل وشال عني حمل المصنع.
ابتسمت ابتسامة خفيفة. ثم أحاطت خصره بيديها مستندة بوجنتها على ظهره وقالت بهدوء:
– اتكلم معاه براحة دا مهما إن كان أخوك الكبير.
مسك بيدها بقوة وتحدث بحب:
– سيبك أنتِ من كل ده.. بحبك.
اتسعت ابتسامتها وتنهدت بعمق قائلة:
– بحبك أوي.
رواية حب رحيم الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سمر عمر
زمت شفتيها ثم استندت برأسها على كتفه.
فأدار رأسه إليها وقبلها على رأسها بحنان.
لتظهر ابتسامة رقيقة على ثغرها.
ثم سحب دخان السيجارة إلى صدره وزفره في الهواء، وتساءل في توجس:
- الأولاد بخير؟
- أيوه، سيباهم بيلعبوا.
ثم تساءلت:
- مالك؟
أطفأ السيجارة في المطفأة المجاورة له، ثم حملها وضعها على المنضدة المجاورة وهو يقول:
- حاسس بزهق وضيق.
- بعيد الشر عليك.. دا كله عشان أخوك صح؟
ابتعد عنها لترفع رأسها عن كتفه.
واستند هو برأسه على كتفها، فاستندت بوجنتها على رأسه وخللت أصابعها بين خصل شعره.
واليد الأخرى امسكها ليضع راحتها على شفتيه يقبلها برقة عدة مرات، ثم وضعها على لحيته.
بعد لحظات من الصمت قال بهدوء:
- كنت أتمنى أن علاء يقوم بدور الأخ الكبير.. لكن للأسف أنا الكبير وهو الصغير.
ثم تابع بصدق:
- أنا بحبه ونفسي يتغير.. ربنا يهدي.
تنهدت بحزن وقالت بخيبة أمل:
- يا رب.. وربنا يهدي بابا.. أنا روحت عشان أتكلم معاه.
عقد بين حاجبيه وتساءل بحنق:
- امتى؟ وإيه اللي حصل؟
قصت عليه ما حدث بينهم ليعصر قبضته بقوة ويشعر بالغضب الشديد.
ليبتعد عنها وينظر إليها بحده قائلاً:
- ليه ما قلتيليش يا ندى؟ وإزاي يمد إيده عليكي؟
ثم أزاح الغطاء عنه بعصبية ونهض عن الفراش وهو يتابع بعنف:
- معذور، ما هو ما يعرفش لسه إنتِ متجوزة مين.
ثم دخل الخزانة.
بينما جحظت عيني ندى ونهضت متجه نحو الخزانة ودخلت.
لتجده يخلع سترته وكاد أن يرتدي القميص، إلا أنه وقفت أمامه متسائلة:
- إنت رايح فين؟
ألقى بالقميص بعيداً ليقبض على ذراعيها وقال من بين أسنانه:
- هروح له وأعرفه غلطه.
قالت في دهشة:
- لأ طبعاً.. مينفعش أول مقابلة بينكم تبقى خناقة.
تركها وتناول القميص ليرتدي.
فأمسكت بكم القميص الثاني وقالت بحنق:
- رحيم بلاش تهور.. أنا غلطانة إني بقولك أصلًا.
تنهد بهدوء وهدأ من نفسه ثم نظر إليها وقال بنبرة رجولية حادة:
- ماشي.. بس أول ما أعلن جوازنا لازم أعاتبه على إنه مد إيده عليكي.. وعتاب شديد كمان.
أومأت موافقة فابتسم.
ثم جذبها إليه وقبلها على رأسها بحنان.
ثم ترك القميص وحملها على ذراعيه وخرج بها متجه صوب الفراش.
ووضعها عليه برفق.
ثم مد بجوارها جاذباً إياها إلى صدره مخللاً أنامله بين خصل شعرها وقال بجدية:
- حبي ليكي اتغلب على كل حاجة.. وحبك غير حاجات كتير أوي جوايا.
قبلها على رأسها ثم احتضنها بكلت يديه وتابع:
- كان في حاجات كتير أوي كنت ناوي أعملها.. بس إنتِ منعتيني بالإجبار، ومش أي حد يجبرني على حاجة.
عقدت بين حاجبيها بعدم فهم قائلة:
- إيه الألغاز دي؟ أنا مش فاهمة حاجة.
- هتفهمي كل حاجة بعدين.. وهتعرفي كويس أوي أنا حبيتك قد إيه.. أنا أدمنت وجودك.
عضت على شفاها السفلى تتنهد بعمق ثم أغمضت عيناها وقالت بنعومة:
- وأنا كمان أدمنت وجودك.. وبحبك أوي.
لاحت ابتسامة جانبية على ثغره وقال بسعادة:
- أنا نفسي أوي في طفل منك يا ندى.. بس دا يحصل وهكون أسعد إنسان في الدنيا.
ارتفع حاجباها بمرح متسائلة:
- بجد؟
مسك بيدها وضعها على شفتيه يقبلها برقة ثم وضعها على صدره وقال بتأكيد:
- طبعاً يا روحي بجد.
عقب أذان المغرب عادت ندى إلى المنزل في حين ذهب رحيم إلى الشركة.
وقبل أن تأتي إلى المنزل ذهبت إلى طبيبة نساء وأخذت منها معاد غدًا.
فحديث رحيم معها جعلها تتحمس وتتمنى أن تسعد قلبه بطفل.
بمجرد أن دخلت كانت تنادي كلا من ريان وأشرقت.
لتخرج الصغيرة من غرفتها وهبطت الدرج سعيدة بعودة ندى.
احتضنتها ندى بشدة ثم تساءلت عن ريان لتقول:
- أكيد في أوضته بيلعب بلاي ستيشن.
ضيقت عيناها قليلاً وتساءلت بصوت منخفض:
- من وقت ما مشيت؟
أومأت موافقة لتتنهد ندى بعمق وقالت بأسلوب الضباط:
- سيبهولي بقى.. هقبض عليه.
ضحكت أشرقت ضحكة خفيفة بينما اتجهت ندى نحو الدرج وصعدت إلى الطابق العلوي.
ثم وقفت أمام الباب وفتحته مرة واحدة قائلة:
- إنت مقـ..
توقفت عن إكمال كلماتها عندما رأت الغرفة مظلمة.
أضأت المصباح الكبير لترى كل شيء بوضوح لكنها لم تجد ريان.
فاتجهت نحو التلفاز ووقفت واضعة يدها عليه لتجده بارداً فإذا ريان لم يلعب منذ وقت كبير.
ثم وقفت أمام باب المرحاض تدق الباب ولا يوجد رد.
بينما دخلت أشرقت ونظرت حولها متسائلة:
- هو ريان مش هنا؟
فتحت ندى باب المرحاض ونظرت في جميع الأركان ثم أغلقت الباب وخرجت من الغرفة لتدخل غرفة رحيم وتنادي عليه.
ثم خرجت وهي لا تزال تناديه لكن لا يوجد رد.
خرجت السيدة وفيه من المطبخ لتنظر ندى إليها وهي تهبط الدرج وتساءلت بخوف:
- ريان فين؟
- أشرقت قالت إنه طلع أوضته.
قالت ندى بدفعة قلق:
- مش موجود في أوضته.
ثم خرجت إلى الحديقة وبدأت تنادي بصوت عالٍ وأشرقت تركض هنا وهناك بحثاً عنه والسيدة وفيه تبحث في جميع غرف المنزل.
مضت عليهم ربع ساعة تقريباً حتى يأسوا.
فهاتفت السيدة وفيه علاء لكي تخبره بدلاً من أن تقلق رحيم عليه.
وبعد نصف ساعة تقريباً وصل علاء ودخل المنزل بلهفة قلق متسائلاً:
- لقيتوا ولا لسه؟
حركت ندى رأسها بالنفي وهي تبكي خوفاً عليه.
فأجابت وفيه عليه بنبرة قلق:
- لسه.. ريان مش في البيت.
خرج علاء إلى الحديقة يبحث عنه في كل مكان.
بينما شهقت أشرقت من البكاء لتجلس ندى جوارها تضمها إلى صدرها بحنان وقالت بنبرة ضيق:
- ما تقلقيش يا حبيبتي.
بعد دقائق ليست قليلة جلست السيدة وفيه على المقعد مستندة برأسها على قبضة يدها.
دخل رحيم مغلقاً الباب خلفه.
فالتفتت ندى برأسها لتنظر إليه بلهفة وأخذ صدرها يعلو ويهبط بتوتر.
بينما نهضت السيدة وفيه عن المقعد تنظر إلى الأرض.
تقدم نحوهم وهو ينقل ببصره بينهم وقد شعر بالقلق عندما رأى ندى بهذه الحالة وتساءل:
- في إيه مالكم؟
نظرت ندى إلى الأمام في صمت ووجدت الدموع تهبط على وجنتيها من جديد.
نظر حوله ليجدهم جميعاً أمامه عدا ريان ثم تساءل في توجس:
- أمال ريان فين؟
كادت السيدة وفيه أن تتحدث لكنها شعرت بغصة في حلقها.
بينما دخل علاء وهو يقول بحده:
- ملوش أي أثر.
لينظر رحيم إليه في دهشة من وجوده هنا أولاً ومن حديثه ثانياً فـتساءل بعنف:
- هو مين ده اللي ملوش أي أثر؟
مسح علاء على شعره من الخلف دون أن يجيب عليه.
لينقل ببصره بعد ذلك بين كلا من ندى والسيدة وفيه على أمل أن أحدهم يجيب على سؤاله.
لكن طال انتظاره فقال بعصبية مفرطة:
- في إيه محدش بيرد عليه ليه! حد أكل لسانكم؟
انتفض جسد ندى مغلقة عيناها بفضل صوته العالي.
في حين قال علاء بهدوء:
- ريان.. مش موجود في البيت.
حدق به إلى لحظات ثم تحدث ساخراً بنبرة مؤلمة غير مستوعب ما يقوله:
- خرج يتفسح يعني ولا إيه؟
أخذ صدره الصلب يعلو ويهبط بشدة بينما قالت السيدة وفيه بنبرة بكاء:
- دورنا عليه في كل مكان في البيت.
اتجه نحو الحديقة بخطوات واسعة وخرج ينادي عليه بلهفة وبصوت عالٍ.
فـلحق علاء به ليخبره أنه بحث عنه كثيراً.
لينظر رحيم إليه بحدة.
ثم تركه وذهب إلى الأمن الذي يقف على بوابة المنزل ووقف يسأل عن ريان.
فيخبره أحدهم أنه لم يخرج.
فـيعلم أن ابنه تم خطفه وصاح بعصبية:
- إنتوا واقفين هنا خيال مآتة.. ابني يتخطف من البيت وإنتوا هنا واقفين عاملين بشوات.
نظروا إلى بعضهم البعض في دهشة بينما أحاط علاء كتف شقيقه وطلب منه أن يأتي معه.
ابتعد رحيم عنه بعنف وعاد إلى المنزل ثم خرج إلى الحديقة وجلس على الأريكة مستنداً بمرفقيه على ركبتيه واضعاً رأسه بين يديه.
مضى الوقت عليهم كعقارب تأكل في جسدهم بينما كانت تلتهم قلب رحيم ويشعر وكأن أحدهم طعنه في قلبه.
ومن حين لآخر كان يتجول في الحديقة يبحث عنه هنا وهناك حتى يشعر بالإرهاق فيعود إلى الأريكة يجلس عليها وبدأ يدخن الكثير من السجائر.
حتى دقت الساعة الحادية عشر مساءً.
أخذت ندى الصغيرة وصعدت إلى غرفتها وبقت بجوارها تمسح على شعرها بحنان حتى ذهبت إلى النوم.
فنهضت بهدوء وخرجت مغلقة الباب خلفها بخفة ثم هبطت إلى الطابق السفلي وخرجت إلى الحديقة.
وقفت تنظر إلى رحيم بحزن وقلبها يعتصر ألماً من أجله.
ثم جلست إلى جواره ومسكت بيده ثم قالت بنبرة بكاء:
- اطلع ارتاح في أوضتك.
نفث دخان سيجارته وهو يطفئها في المطفأة وقال بصوت مبحوح من كثرة ندائه على ريان:
- مقدرش يا ندى.. ارتاح إزاي وأنا حاسس إني جسد بس من غير روح.
أغمضت عينيها لتشعر بدموعها الساخنة تهبط على وجنتيها ببطء.
ثم مسحت على ذراعه وكادت أن تتحدث لكن منعها صوت هاتف رحيم الذي وصل له رسالة.
أخرج الهاتف من جيب سرواله بلهفة ليرى رسالة صوتية من رقم مجهول على تطبيق "واتس اب".
قام بفتحها ليستمع إلى بكاء ريان.
فجحظت عيناه فيما وضعت ندى يدها على فاها وقلبها يدق برهبة شديدة في قلبها حتى ارتعش جسدها بالكامل.
انتهى المسجل الصوتي لينظر رحيم إلى الهاتف بلهفة.
ثم نهض واقفا وأرسل رسالة صوتية بنبرة صوته الرجولي الحاد وهو يلهث بعنف:
- لو إنت مكتوب في بطاقتك ذكر ابعتلي عنوانك وأنا هخليهم يشيلوا كلمة ذكر من البطاقة.. وأقسم بالله لو ابني حصله حاجة هدَفنك حَي.
وصلت الرسالة الصوتية إلى الرقم المجهول واستمع إليها فأرسل له رسالة بكل برود ليستمع رحيم إليها " بلاش التهديد ده مستر رحيم عشان لو المعلم اتعصب هيبعتلك ابنك جثة ".
كاد أن يرسل لهم رسالة لكن ندى منعته وأخذت الهاتف من يده وقالت بنبرة مرتعشة:
- بلاش يا رحيم عشان خاطري.. الناس اللي زي دي قلبهم حجر.
كان ينظر إليها بتمعن وبكاء ريان يتردد في أذنيه.
ليشعر بعدها بالجنون وركل المنضدة عدة مرات بكل ما فيه من غضب وقال بنبرة ألم:
- ابني يا ندى عايز أخده في حضني وأطمنه.. أنا حاسس إني ضعيف مش قادر أعمله حاجة.
ثم جلس على الأريكة واضعاً رأسه بين يديه.
فجلست إلى جواره وضمته إلى صدرها بحنان وأخذت تمسح على شعره بلطف.
بعد لحظات وصلت له رسالة أخرى.
فابتعد عنها وأخذ الهاتف ليستمع إليها " عايزين منك تلاتين مليون جنيه تجبهم تستلم ابنك وبكرة هنبعتلك العنوان ".
نظرت ندى إليه وقالت بهدوء:
- اهدى خالص لحد بس ما تطمن على ريان وبعد كده اعمل اللي إنت عايزه.
تنهد بهدوء وأرسل رسالة صوتية تحمل:
- موافق.. المهم سلامة ابني.
انتظر للحظات ووصلت رسالة.
فـقام بفتحها فلم يستمع إلى أي شيء.
وفجأة استمع إلى صوت رصاصة.
فـشهقت ندى بلهفة بينما تحدث المجهول " التانية هتبقى في دماغه لو بلغت البوليس طبعاً ".
أغلق قبضته على الهاتف بقوة لتأخذه ندى من يده ووضعته أعلى المنضدة.
ثم مسحت على كتفه بلطف.
وظلت بجواره حتى غلبها النعاس واستندت برأسها على كتفه.
بينما هو لا يزال مستيقظاً قابضاً قبضته يضرب بها على ركبته بخفة ويتمنى أن تهدأ نبضات قلبه التي تؤلمه تكاد تنزع روحه من جسده.
نظر إلى ندى ثم مال برأسه ليستند على رأسها واضعاً يده على صدره فشعر بدقات قلبه تدق كالأسهم السامة لتخترق صدره.
استيقظت ندى على صوت أذان الفجر وجاءت ترفع رأسها شعرت برأس رحيم.
فهمست باسمه ليجيب عليها بصوت مبحوح.
ثم رفع رأسه عن رأسها.
لتنظر إليه وتساءلت بحزن:
- إنت منمتش؟
عصر جبينه بأنامله لعل ألم رأسه يخف قليلاً ثم تحدث بصوت مبحوح:
- لأ طبعاً مانمتش.
وضعت يدها على وجنته تمسح على لحيته برقة.
ثم قبلته على وجنته التي ناحيتها وقالت بهدوء:
- قوم صلي الفجر وادعي.
أدار رأسه إليها وقبلها على جبينها مغلقاً عيناه.
ثم ابتعد عنها ونهض عن الأريكة ودلف إلى الداخل.
من ثم صعد إلى غرفته ودلف إلى المرحاض ليتوضأ.
بعد ذلك بدل ثيابه بسروال أسود من خامة الجينز وقميص بذات اللون ووقف يصلي ويدعو كثيراً.
ثم نهض عن سجادة الصلاة وجلس على حافة الفراش مستنداً بجبينه على قبضتي يديه.
ظل على هذا الحال حتى دقت الساعة السادسة والنصف صباحاً.
فنهض والتقط الهاتف ثم خرج إلى الشرفة وجلس على المقعد ينظر إلى الهاتف.
دخلت ندى غرفة أشرقت كي تطمئن عليها.
رأتها نائمة فأغلقت الباب بهدوء.
بينما خرج علاء من غرفته لتنظر ندى إليه.
فـوقف أمامها وتساءل:
- رحيم عامل إيه دلوقتي؟
قالت بحزن:
- هو في أوضته.. ادخله.
فكر إلى لحظات ثم تحدث بهدوء:
- لأ أنا هستنى تحت.
تركها وهبط إلى الطابق السفلي.
فاتجهت هي نحو غرفة رحيم ودخلت بعد أن دقت الباب.
ثم خرجت إلى الشرفة ووقفت خلفه تنحني بجذعها لتحيط عنقه بذراعيها.
مسك بيدها بينما هي أطبقت شفتيها على وجنته للحظات.
ثم تحدثت بهدوء:
- متقلقش ريان هيرجع ويبقى بخير.
قبلته على جانب رأسه.
أغلق عيناه بإرهاق واضح وقال بتمني:
- يا رب.. يا رب.
بعد لحظات رن هاتف ندى.
فـرفعت جذعها وأخرجت الهاتف من جيب سروالها ونظرت إلى شاشته التي تضيء باسم مساعدة الطبيبة التي ذهبت إليها البارحة.
فنظرت إلى رحيم ثم وقفت بعيداً عنه لتتحدث معها بصوت منخفض لتخبرها أن تأتي الساعة التاسعة صباحاً ومعها التحاليل التي أجرتها.
وافقت ثم أنهت المكالمة سريعاً ونظرت إلى ساعة يدها.
في حين تساءل رحيم دون أن ينظر إليها:
- مين بيكلمك دلوقتي؟
لتنظر إليه بلهفة ثم تقدمت نحوه وقالت بهدوء:
- دي صحبتي.
جلست على يد المقعد وضمته إلى صدرها وقبلته على رأسها بحنان وأخذت تمسح على شعره برفق.
بعد نصف ساعة رن هاتف رحيم.
فـأخذه بلهفة ليرى شاشته التي تضيء برقم مجهول.
فـأجاب ليستمع إلى صوت المتصل:
- رحيم مستنيك في البيت.. تيجي ومعاك تلاتين مليون جنيه.
أشار لندى أن تنهض لتنفذ رغبته.
لينهض عن المقعد ووقف أمام السور وقال بصوت جهوري:
- هو إنت.. تصدق بالله إنت لو قدامي دلوقتي هاخد قلبك في إيدي.
ضحك وقال ساخراً:
- طب بس تعالى بهدوء عشان قلبك هو اللي في إيدي.. ولا عايز الواد يشرف جمب جده.
تنهد بعمق وهدأ من نفسه ثم تحدث بفحيح مرعب:
- هجيلك عشان نتقابل راجل لـ راجل.
كلمات رحيم أغضبته كثيراً وكاد أن يتحدث.
ألا أن رحيم أنهى المكالمة ثم دخل الغرفة.
لتلحق ندى به وهي تساءل عن تلك المكالمة لكنه لم يجيب عليها.
ودخل الخزانة ليرتدي معطفه ثم خرج من الغرفة بل من المنزل بأكمله.
ونـدى وقفت تنظر إليه في دهشة وهو يستقل سيارته وغادر بأقصى سرعة.
وضعت يدها على جبينها تنادي ربها ثم دخلت مغلقة الباب خلفها.
بينما هو كان يقود السيارة بسرعة فائقة واتصل على طبيب صديقه وطلب منه أن يقابله الآن في المستشفى لطلب شيء ما.
عند وصوله صف السيارة أمام البوابة وترجل ليأتي أحد أفراد الأمن وقام بتفتيشه جيداً وهو يقف بثبات واعتزاز عاقداً حاجبيه بشدة.
ثم دخل المنزل برفقة الحرس.
أدخله إلى المكتب وغادر.
التفت رؤوف إليه ثم ابتسم بخبث فارداً ذراعيه قائلاً:
- أخيراً رحيم النادي قدامي.
تقدم رحيم نحوه ووقف خلف المكتب ينظر إليه بحدة وثبات واضعاً يديه في جيبي سرواله.
- يعني مش شايف معاك شنطة.. هتديني شيكات؟
تنهد بعمق ولفت نظره المسدس الكاتم للصوت الذي يضعه أعلى سطح المكتب.
ثم نظر إليه وقال بثقة:
- أنا مش عبيط عشان أخسر ك خمسة وعشرين مليون جنيه وأعوضك عنهم وعليهم خمسة مليون هدية.
شعر بالغضب وقال بحده:
- أنا إشارة مني تقتل ابنك.
ليقول ساخراً:
- ليه؟ كنت دجال وأنا ماعرفش؟
ثم تنهد بهدوء وقال ببرود:
- إيه رأيك في صفقة أجمل من دي.
أقترب منه أكثر حتى لا يعد بينهم سوى خطوة واحدة وتابع بصوت منخفض:
- تسلمني ابني أسلمك بنتك.
اتسعت عيناه ناظراً إليه في دهشة متسائلاً:
- بنتي؟ إنت إيه علاقتك ببنتي؟
تراجع إلى الخلف خطوة واحدة وقال وهو يخرج الهاتف من جيب سرواله:
- علاقتي بندى؟ مفيش ليلة بتعدي غير لما تبقي في حضني.
صاح بعصبية:
- إنت بتقول إيه يا حيوان إنت؟
فتح صورة من إحدى الصور التي التقطتها وهي نائمة بجواره وأدار الهاتف إليه.
وكان يقلب بسبابة يده الأخرى.
كان في حالة من الصدمة وهو يرى تلك الصور.
ثم أغلق رحيم الهاتف وضعه في جيب سرواله.
بينما نظر رؤوف إليه بنظرة مكسورة وتساءل بصوت ضعيف:
- عرفت ندى إزاي وإمتى؟
أرتفع حاجبه اليمين وهو يقول بثقة:
- الحقيقة هي جتلي لحد عندي.. أنا الانتقام بيجي لحد عندي.
ثم أردف بحده:
- فين ريان؟
تحولت نظراته إلى نظرات الجحيم وقال من بين أسنانه:
- إنت بعد اللي عملته ده هتسيبك تاخد ابنك بسهولة كده.
التقط رحيم المسدس الذي أعلى سطح المكتب وأطلق رصاصة من جوار رأسه لتخترق الحائط الذي خلفه وقال بفحيح مرعب:
- التانية هتبقى في دماغك.
أومأ موافقاً ثم اتجه نحو الباب ورحيم خلفه حاملاً المسدس.
وقبل أن يخرج نظر في كلا الاتجاهين كي يتأكد من عدم وجود حرس.
ثم لحق به حتى وصل إلى درج صغير متصل بقبو المنزل.
أوقفه رحيم متسائلاً:
- في حد جوه؟
- لأ ابنك بس.
أخرج رحيم من جيب سرواله منديل وضعه على أنفه ليسقط بعدها مغشياً عليه.
ثم وقف أمام الباب يدقه كي يتأكد أن لا أحد في الداخل حقاً ولم يستقبل أي رد.
فـقام بفتح الباب ينادي ريان بصوت منخفض وهو ينظر حوله ليجده في أحد الأركان.
فركض إليه وركع على ركبتيه ثم سحب اللاصقة عن فمه برفق وحرر يديه واقدامه.
ثم احتضنه بشدة فقال ريان بصوت منخفض:
- بابا أنا كنت خايف أوي.
أغمض عيناه بقوة وهو يضمه إليه بشدة يكاد أن يخترق عظامة الصغيرة وقال بهدوء:
- أنا معاك يا روحي.. متخافش من أي حاجة طالما أنا معاك.
ثم حمله وهو لا يزال يحتضنه وخرج من ذلك المكان.
ووقف جوار رؤوف ينظر إليه باشمئزاز.
ثم ألقى بالمسدس جانبه وأخذ ريان وخرج تحت أنظار الحرس الذين نظروا إلى بعض في هدوء.
فطالما هو خرج بكل هدوء فيبدو أنهما اتفقا.
استقل السيارة واجلس ريان على المقعد المجاور له ثم شغل السيارة ليغادر.
كان ريان يمسك بمعصمه مما لاحظ رحيم هذا.
فـصف السيارة جانباً ومسك بيده ليرى أثر حرق على معصمه.
فقال ريان بحزن طفولي:
- واحد لسعني بمعلقة سخنة.
جز على أسنانه حتى استمع إلى صريرها وصدره يعلو ويهبط من كثرة الغضب الذي يقطن قلبه.
ثم اتجه إلى أقرب مستشفى وحمل ريان ليدخل به ووضع الطبيب له مطهر ولاصقة صغيرة.
بعد نصف ساعة تقريباً عاد إلى المنزل ودخل حاملاً ريان على ذراعه.
فنهض علاء واقفا وهو ينظر إليه بابتسامة واسعة.
ثم اتجه نحوه بخطوات واسعة.
بينما وضعت ندى يدها على صدرها تحمد ربها.
ثم اتجهت نحوهم.
في حين احتضن علاء ريان وأخذ يقبله على رأسه عدة مرات.
ثم أخذته ندى لتحتضنه بشدة وتقبله على وجهه عدة قبلات عشوائية.
بعد ذلك نادت أشرقت لتخرج من المطبخ وخلفها السيدة وفيه.
فـأنزلت ريان برفق ليحتضن شقيقته ثم السيدة وفيه.
بينما نظر علاء إلى شقيقه وهنئه على عودة ريان سالماً.
حمل علاء أشرقت وقبلها على وجنتها واتجه الجميع نحو الأريكة عدا رحيم.
وأوقف ندى بالقبض على معصمها.
فنظرت إليه بلهفة وقال بصوت حاد دون أن ينظر إليها:
- هستناكي في البيت.. ماتغيبيش.
شعرت بالقلق من هيئته وذلك الصوت الحاد.
ثم أومأت موافقة فتركها وخرج ليستقل سيارته متجه نحو المنزل.
أخذت ريان إلى غرفته ليأخذ حمام دافئ.
ثم ساعدته على ارتداء ثيابه ووضعت لاصقة أخرى على الجرح.
بعد ذلك وضعت الغطاء عليه وظلت بجواره تمسح على شعره بحنان حتى ذهب إلى النوم.
عادت إلى غرفتها لتبدل ثيابها.
ثم استأذنت من السيدة وفيه وخرجت لتذهب إلى الطبيبة أولاً.
وقامت بفحص التحاليل الخاصة بها.
ثم فحصتها لتخبرها بأنها تحمل طفلاً.
شعرت بالسعادة البالغة وأخذت تشكر ربها كثيراً وكثيراً.
ثم كتبت الطبيبة لها على بعض المقويات واعطت لها موعد آخر للمتابعة.
عقب وصولها إلى المنزل تنهدت بعمق ودخلت وهي تفكر كيف تفاجئ رحيم بهذا الخبر الرائع.
كان يجلس على المقعد ينظر إلى الأمام بشراسة.
وعندما استمع إلى صوت إغلاق الباب نادى عليها.
لتنظر اتجاه الصوت ثم اتجهت نحوه ووقفت أمامه.
كادت أن تتحدث ألا أنه قاطعها بحديثه الجهوري وبدون مقدمات:
- ندى إحنا مش هينفع نكمل مع بعض.. وزي ما اتجوزنا بهدوء هننفصل بهدوء.
حدقت به في ذهول وسقطت الحقيبة من يدها بفضل أعصابها التي ترتعش.
وقالت بنبرة مرتعشة:
- إنت بتقول إيه؟ رحيم إنت ليه بتقول كده؟
عض على شفة السفلى ونهض واقفاً وقال بعنف:
- ده اللي كان المفروض يحصل يا ندى من أول ما عرفت.
تجمعت الدموع حول مقلتيها في لحظة وقالت بصوت خنيق:
- عرفت إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
قبض على ذراعيها بقوة فتأوهت بخفة.
تحدق به بخوف من نظرات الجحيم الموجه لها وصاح بعنف:
- أبوكي هو اللي قتل والدي وهو اللي فك فرامل عربيتي وهو اللي خطف ريان وكان هيقتله.. وآذى والدي أكتر من ميت مرة في شغله.. فهمتي؟
هبطت دموعها على وجنتيها بغزارة وهي تومئ بالنفي بعدم تصديق.
ثم انفجرت بالبكاء وبدأت تحرك شفتيها فقط تود أن تتحدث لكنها لا تستطيع.
ترك ذراعيها بعنف لتشعر بعدم القدرة على التوقف وجلست على الأريكة تحدق في الفراغ بعدم تصديق.
فـتابع بعنف:
- أول ما عرفت اسمك عرفت إنك بنته وقلت لازم انتقم منه فيكي.. حاولت أقرب منك بس إنتِ اغمى عليكي.
رفعت رأسها بلهفة لتنظر إليه بألم واضح وهو متابع بقسوة:
- آه كنت عايز أقرب منك برضاكي وبعد كده أسيبك.. لكن لما اغمى عليكي غيرت رأي وبعدها عمرو اتصل بيا وقالي معاك معاد بكرة مع رؤوف الشاذلي.. قلت الحمد لله إنك بنت الراجل اللي بتعامل معاه ومش بنت عدوي وكان تشابه أسماء مش أكتر.. لكن اتفاجئت إنه مش أبوكي ورجعت مش طايق نفسي.
ابتعلت لعابها الممزوج بالدموع واضعه يدها أعلى صدرها والأخرى على بطنها وقلبها يعتصر من الألم ويبكي دما وهي تستمع إليه في صدمة:
- فكرت أقرب منك بالغصب لكن حسيت بالاشمئزاز من نفسي.. واللي يعمل كده ميبقاش راجل أصلاً.. الانتقام أعمى ني وكل مرة كنت بحاول أقرب منك عشان انتقم كنت بتراجع أول ما بشوف عيونك.. أيوه أنا تخليت عن مبادئي بهدف الانتقام.
ابتلعت لعابها بصوت مسموع وقالت بضيق:
- كنت بتعمل كل ده عشان الانتقام.
أغمض عيناه لبرهة ثم نظر إليها وقال بهدوء:
- مفيش حد بيتعدى حدوده مع واحدة باسم الحب يا ندى.. الانتقام أعمى ني لدرجة إني عصيت ربنا بقربي المبالغ فيه منك.
نهضت واقفة تشير إليه وقالت بصراخ هستيري:
- إنت تعديت حدودك معايا باسم الانتقام.. هو ده الصح؟
اندفع بعصبية:
- مقدرتش انتقم يا ندى.. وإلا كنت انتقمت من زمان.. كنت ناوي أطلقك تاني يوم بس مقدرتش وقلت لنفسي لو مش هكمل معاكي مش هقرب منك.. لكن أنا حبيتك.. كل كلمة حب قلتها كانت من قلبي.
ضربته على صدره بهستيريا وقالت بصراخ ممزوج بالبكاء:
- إنت كداب.. عملت كل ده عشان الانتقام.. كل التمثيلية دي عشان توصل للي إحنا فيه دلوقتي.
وضعت يديها على فاها تشهق من كثرة البكاء الذي بذبح صدرها وتومئ بالنفي بجنون قائلة:
- مش مصدقة بجد.. إنت تعمل فيا كده.. حرام عليك أنا اخترتك تبقى أماني وحمايتي.. اتجوزتك.
رفعت رأسها لتنظر إليه بعنين ممتلئتين بالدموع وتابعت بصوت ضعيف:
- عشان كده اتجوزتني في السر.. حرام عليك بجد.
مسك بمعصمها فأخذت تلتوي بين يديه لتسحب يديها من قبضته وقالت بانهيار:
- ماتلمسنيش أنا مش طايقاك ولا طايقة أبص في وشك.
ثم تركته وركضت إلى الدرج.
فاغمض عيناه بقوة يلتقط أنفاسه بصوت مسموع جاعلاً من صدره الصلب يعلو ويهبط بوضوح.
ثم فتح عيناه ببطء لتهبط دموعه على وجنتيه رافعاً يده ببطء وضعها على قلبه مباشرةً ليشعر بنبضاته كنبضات سامة جعلت جسده ثقيلاً للغاية.
فجلس على المقعد واضعاً رأسه بين يديه.
أما في الأعلى جلست على الأرض بجوار الفراش تقبض على الملاءة بقوة حتى برزت أوردتها وتصرخ من شدة ألم قلبها.
وباليد الأخرى تضرب على صدرها بقوة لعل الألم يهدأ قليلاً لكن بلا جدوى.
فتشعر بألم حاد كثعابين تلتهم قلبها بالكامل.
ظلت على هذا الوضع لربع ساعة تقريباً.
ثم بدأت تشهق لينتفض جسدها تأثراً من البكاء وهي تحتضن بطنها كأنها تحتضن جنينها.
ثم نهضت بصعوبة واتجهت نحو المرحاض ودلفت إلى الداخل لتغسل وجنتيها بالماء البارد.
ثم خرجت لتحضر امتعتها وهي تبكي في صمت.
وحملت زجاجة عطره الذي بها نصفها فقط وضعتها في الحقيبة وخرجت ساحبة إياها خلفها.
هبطت الدرج فنهض رحيم لينظر إليها بألم.
بينما هي اتجهت نحو الباب دون أن تنظر إليه.
وتركت الحقيبة ثم اتجهت نحو حقيبتها التي سقطت من يدها وانحنت تكاد أن تأخذها.
لكن رحيم كان أسرع منها في حملها.
لتأخذها من يده بعنف وجاءت تسير.
قبض على مرفقها وقال بضيق:
- ندى أنا مقدرتش انتقم منك.
عقدت بين حاجبيها وقالت بنبرة بكاء:
- أمال اللي عملته ده إيه.. لو مكنتش ناوي تنتقم كنت صارحتني بالحقيقة.
شهقت بخفة وتابعت بنبرة ألم حتماً ستسلب روحها:
- بس أحب أقولك إنك انتقمت فعلاً.. بس مش من والدي لأني مش فارقة معايا.. إنت انتقمت من قلبي.. مع إن قلبي ما عملكش أي حاجة يا رحيم.. بالعكس.
توقفت عن الحديث عندما تمكنت خنقة البكاء منها بالكامل.
فسحبت مرفقها من قبضته واتجهت نحو الباب.
ثم خرجت ووضعت الحقيبة في السيارة وجلست أمام المقود تضرب عليه بقبضتي يديها وهي تبكي بهستيريا.
ثم استندت بجبينها عليه تصرخ من ألم البكاء.
وبعد لحظات شغلت محرك السيارة لتغادر.
أما في الداخل قبض رحيم على شعره من الخلف ينظر حوله في ذهول وكل ركن في المنزل يذكره بها.
صوت ضحكاتها وابتسامتها الرقيقة.
رآها حقاً وهي تستدير حول نفسها بسعادة في الصالة ليتقدم نحوها.
وعند قربه منها لم يجدها فجحظت عيناه وبدأ يتخيلها في كل مكان حتى كاد أن يجن.
" بعد مضي عدة أيام ليست قليلة.."
كانت حبيسة غرفتها منذ أن جاءت تقلب في الصور التي جمعت بينهم وتتذكر حديث جدتها عندما رفضت ذلك الزواج من البداية.
بينما جلست جدتها على سجادة الصلاة بعد أن انتهت من فرضها تدعو لها وهي تبكي بحرقة عليها وعلى ما حل بها.
رن جرس الباب فختمت دعائها وهي تمسح دموعها بكلت يديها.
ثم نهضت من مكانها متجه نحو الباب وقامت بفتحه لتجد والد ندى.
دخل بهدوء يسأل عنها لتخبره أنها في غرفتها.
فاتجه نحو الغرفة ودخل بعد أن قرع الباب لتفاجئه به وأغلقت الهاتف.
بينما هو أغلق باب الغرفة ثم تحدث بحده:
- بتسلمي نفسك لـ رحيم يا قذرة.
أغمضت عيناها تبكي وهي تومئ بالنفي وقالت بصوت ضعيف:
- كنا متجوزين.. وسبني عشان أنا بنتك.
تساءل بعصبية مفرطة:
- وإزاي تتجوزي من ورايا؟
اندفعت بعصبية:
- عشان مش فاضيلي.. شغلك والفلوس أهم حاجة عندك.. لو كنت فعلاً أب حنين ماكنش كل ده حصل.. لو كنت احتوتني وحسستني بالأمان ماكنتش دورت على الحنان والأمان برا بيتك.
كاد أن يتحدث ألا أن جدتها دخلت حاملة ملف في يدها.
وضعته أمام ندى ثم نظرت إلى والدها وقالت بحده:
- سيب ندى في حالها بقى.. كل اللي بيحصلها ده بسببك.
بادلها بالحديث الحاد بينما كانت ندى تفحص المستند لتجد ورقة طلاقها وورقة ملكية المنزل باسمها.
اتسعت عيناها في دهشة ووضعت أوراق الملكية جانباً ثم مدت يدها بورقة الطلاق إليه وقالت بنبرة ألم:
- اتفضل دي ورقة طلاقي لو مش مصدق إني كنت متجوزاه.
أخذ الورقة بعنف ليفحصها ثم نظر إليها بحدة وطوى الورقة ووضعها في جيب سرواله.
لتقول ندى بحنق:
- هات الورقة.
لم يرد عليها وغادر المنزل دون أن يعطيها ورقة الطلاق.
فخرجت جدتها وهي تحسبن عليه وأغلقت باب الغرفة بقوة.
ضمت قدميها إلى صدرها تبكي بقهر وجسدها يرتعش بالكامل حتى معادها.
وبعد لحظات شعرت بألم حاد في معادها لتحتويها بذراعيها مغلقة عيناها بقوة وتجز على أسنانها متأوهة بخفة وهي تومئ بالنفي.
أستمر الألم إلى لحظات وأصبحت تتألم أكثر.
فـرفعت رأسها للأعلى تصرخ متأوهة لكنها توقفت فجأة عن الصراخ من الألم وجحظت عيناها عندما شعرت بشيء ساخن يهبط منها.
فانفجرت بالبكاء تومئ بالنفي بجنون قائلة:
- لأ لأ.. لأ أرجوك اتمسك أرجوك.. أنا عايزاك.. يا رب.
نهضت عن الفراش بصعوبة لترى الملاءة ملطخة بدماء جنينها.
فوضعت يديها على فاها ثم سقطت مغشياً عليها.
دخلت جدتها على صراخها بلهفة وصرخت باسمها عندما راتها بهذه الحالة.
ثم ركضت إلى الخارج بصعوبة وهاتفت ابنها بيد مرتعشة وطلبت منه أن يأتي الآن.
فهو يقطن في الشقة التي فوقها وما هي إلا دقائق وكان واقفاً أمامها.
ثم دخل غرفة ندى وحملها على ذراعيه وركض بها إلى الخارج ووالدته تترجى أن ينتظرها.
بينما خرج من الشقة بل من العمارة بأكملها ووضعها على المقعد الخلفي من السيارة.
بينما لحقت والدته به متكئاً على عصاها وساعدها على الصعود إلى السيارة.
ثم جلس أمام المقود ليغادر بأقصى سرعة إلى أقرب مستشفى.
عقب وصوله صف السيارة وترجل راكضاً يطلب المساعدة.
لتخرج معه ممرضة ساحبة فراش متحرك وتم نقل ندى عليه.
ثم دخلت بها إلى العمليات وبدأت التجهيزات في أقل من دقائق.
والطبيب ركض إلى غرفة العمليات.
جلست جدتها على أحد المقاعد تدعو لها ببكاء.
بينما جلس ابنها بجوارها يطمئنها.
بعد ساعة تقريباً خرج الدكتور ليخبرهم بأنها فقدت جنينها لكنها في حالة مستقرة.
وتم نقلها إلى إحدى الغرف.
رواية حب رحيم الفصل العشرون 20 - بقلم سمر عمر
وضعته أعلى المنضدة ثم جلست على الفراش. رحيم مستحوذًا على عقلها وقلبها بالكامل. تتذكر له كل شيء جميل. فقط لم يخيل لها يومًا أن قلبه قاسي لهذه الدرجة.
استندت برأسها إلى السرير، مغلقة عيناها. وبعد دقائق، دق الباب. لتنظر إليه بوهن. فتحت جدتها الباب ليدخل كلا من ريان وأشرقت. فاتسع فاها بسعادة وفردت ذراعيها إليهم. فصعد الاثنان إلى الفراش لتحتضنهم ندى بشدة وقبلت كلًا منهم على وجنته.
تنهدت جدتها بضجر. بينما دخلت السيدة وفيه وجلست عند نهاية الفراش. تبادل الاثنان الحديث. ثم تحدثت ندى مع الطفلان كثيرًا وتناقشت معهما.
عادت جدتها حاملة صينية العصير. فنهضت السيدة وفيه لتأخذها منها وهي تقول:
- مكنش في داعي تتعبي نفسك.
لتقول بحزن:
- تعبك راحة.
ثم جلست على مقعد خشبي. بينما وضعت وفيه الصينية أعلى المنضدة المجاورة إلى الفراش. وناولت كوبًا إلى أشرقت ثم إلى ريان. ثم أخذت كوبًا وجلست مكانها تتناول العصير وتتحدث مع جدة ندى.
بعد أن انتهت أشرقت من نصف كوب العصير، وضعته أعلى الصينية. ثم نظرت إلى ندى وتساءلت بحزن:
- مش هتيجي تاني؟
مسحت على شعرها وابتسمت باضطراب وهي تقول:
- بس أخف وهرجعلكم تاني. وبعدين احتمال أسافر أتعالج بره.
اضطرت للكذب عليهم حتى لا تبقى في نظرهم مثل والدتهم التي تركتهم دون سابق إنذار.
قال ريان بحزن طفولي:
- يعني مش هنشوفك تاني.
- هكلمكم كل يوم فيديو. وأول ما أخف هجيلكم على طول.
عقد بين حاجبيه بحزن. ومد يده بكوب العصير الذي لم يأخذ منه سوى القليل. فطلبت ندى أن يكمل شربه لكنه رفض. فأخذت الكوب وضعته أعلى المنضدة. ثم ضمتهم إليها وقبلت كلًا من ريان وأشرقت على رأسهم.
بعد نصف ساعة تقريبًا، استأذنت السيدة وفيه. فتشبثت أشرقت في ذراع ندى وقالت بحزن:
- أنا هقعد مع ندى.
احتضنتها ندى بشدة وقالت بنبرة هادئة لتخبئ الحزن خلفها:
- حبيبتي، أنا هكلمكم كل يوم.
قالت السيدة وفيه مبتسمة:
- يلا عشان بابا رحيم زمانه وصل.
انتفض بدنها بمجرد أن سمعت اسمه. ونظرت إليها بلهفة وتساءلت بتوتر شديد:
- هو.. ر.. رحيم هيجي هنا؟
لتنظر جدتها إليها بحدة. فيما أجابت وفيه ببساطة:
- آه، ما هو اللي جايبنا. وقالي نص ساعة وهاجي و..
قاطع حديثها رنة هاتفها. فأخرجته من حقيبة يدها الصغيرة لترى اسم رحيم. فأغلقت المكالمة وقالت:
- أهو وصل.
تجمعت الدموع حول مقلتيها. وقبلت كلًا من ريان وأشرقت واحتضنتهم لتودعهما. ثم تساءلت:
- هو عرف إني تعبانة؟
كادت أن تجيب عليها ألا أن جدتها قالت بعصبية:
- يهمك في إيه إجابة السؤال ده؟ أنتي لسه بتسألي بعد اللي عمله فيكي؟
جحظت عيناها في دهشة. فنظرت السيدة وفيه إليها بدهشة لا تقل عن دهشة ندى وتساءلت بعدم فهم:
- هو عمل إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
لتقول ندى مسرعة:
- ولا حاجة. اختلفت معاه بس على موضوع الشغل وإني هسيبه لحد ما أتعالج.
لتنظر وفيه إليها بعدم تصديق. ثم تحدثت بصوت منخفض:
- ألف سلامة عليكي يا حبيبتي.
ثم استعجلت الأولاد. بعد أن رن رحيم عليها ثانية. لتودعهم ندى بالعناق والقبلات. ثم تركتهم يرحلون وذهبت الجدة معهم حتى خرجوا من الشقة. ثم أغلقت الباب وعادت إلى ندى.
فقالت بعتاب:
- ليه كده يا نانا؟ أنا مش عايزة حد يعرف حاجة.
- ماشي يا ندى. وأنا عايزة أتفكري فيه وتبقي تفكري في نفسك.
انتهت من حديثها وخرجت مغلقة الباب خلفها. تنهدت بعمق. ثم تناولت الهاتف واتصلت على صديقتها لتتحدث معها لعلها تتوقف عن التفكير في رحيم. طالت المكالمة بينهم حتى مضت ربع ساعة دون أن يشعرون. لتستمع بعدها إلى جرس الباب.
وبعد لحظات، دق الباب. ثم دخل والدها. فتفاجأت به. ثم أنهت المكالمة مع صديقتها ونظرت إليه في توجس. جلس على حافة الفراش وقال بحنان مصطنع:
- أنا آسف يا ندى. أنا غلطت في حقك كتير.
عقدت بين حاجبيها تتأمله في تعجب. وهو متابع بهدوء:
- أتمنى تيجي تقعدي معايا لو يومين بس يا ندى. أعوضك فيهم عن كل حاجة.
اومأت بالنفي عدة مرات. ثم تحدثت بهدوء:
- أنا آسفة يا بابا. أنا مرتاحة هنا.
لينظر إليها بحزن واضعًا يده على ذراعها بحنان وقال بترجي:
- طب النهاردة بس يا ندى. تعالي أقعدي معايا. أنا مريض وأيامي بقت معدودة.
رفعت مقلتيها للأعلى تتنهد بسأم. وقالت من بين أسنانها:
- بعيد الشر عن حضرتك.
ابتسمت شفتيه وقال:
- هتيجي معايا. النهاردة بس.
نظرت إلى عينيه بترقب باحثة عن الأمان داخلهما. لكنها لم تجد أبدًا. لكنه والدها ولابد أن ترضى بهذا الأمر. أومأت بالموافقة. وطلبت منه ينتظرها في الخارج. فنهض عن الفراش وقبلها على رأسها. ثم خرج مغلقًا الباب خلفه. أزاحت الغطاء عنها بسأم. ثم نهضت لتبدل ثيابها وخرجت. ودعت جدتها. ثم ذهبت برفقة أبيها وهي تشعر بالخوف. لكنها لا تود أن تظلمه. فكان حنين معها للغاية.
***
عند وصوله، صف السيارة أمام باب الفيلا وقال مبتسمًا:
- نورتي بيتك يا بنتي.
أدارت رأسها ناحيته ببطء لتنظر إليه في دهشة. ثم رسمت ابتسامة مصطنعة على شفتيها. فربت على وجنتها برفق. ثم ترجل من السيارة واتجه نحو الباب. وقف يفتح الباب والتفت إلى ندى ليراها مازالت داخل السيارة. تنهد بعمق. ثم نادى عليها لتفيق من شرودها على صوته. وترجلت ودلفت إلى المنزل تنظر حولها لتشعر بذلك الاختناق الذي يصيبها دائمًا بمجرد أن تدخل هذا المنزل.
التفتت إلى والدها تنظر إليه بتمعن. ثم تساءلت بفضول:
- حضرتك قتلت والد رحيم إزاي؟
عقد ذراعيه أمام صدره وقال بصدق:
- مكنش قصدي. ولا كان في نيتي أقتله.
ميلت بشفتيها جانبًا. ثم طرحت عليه السؤال ثانية ليجيب عليها بوضوح:
- كان بينا شغل. لما لقيت المصنع بتاعه بيجيب فلوس فتحت أنا كمان مصنع إزاز. وهو بصراحة ساعدني كتير. لكن في يوم اختلفت معاه في بعض الأمور. وطبعًا علشان هو قديم في السوق كان بيشتغل أكتر مني.
مسح على جبينه وتنحنح بخفة. ثم تابع بسأم:
- عرفت بالصدفة أنه هيصدر كمية إزاز بمبلغ خمسة عشر مليون جنيه. العربية اللي كانت بتنقل الإزاز بعتلها ناس بعربية أكبر وقعتها وكل الإزاز اتكسر.
حدقت ندى به. بينما هو زم شفتيه وتحدث بحدة:
- الغريبة أنه متهزش واستعوضهم عند ربنا. جت فترة هو تعب أوي وبطل يجي المصنع. وكل يوم أسأل جه النهار ده ولا لأ. لحد ما وصل المصنع أخيرًا. دخلت المكتب واتكلمت معاه. كان فعلًا باين عليه التعب. طلبت منه شحنة إزاز رفض علشان طلع عارف إني أنا السبب في شحنة الإزاز اللي اتكسرت. حسيت إني مضايق وإنه ازاي ناجح في شغله كده وأنا مش عارف. محستش بنفسي غير وأنا قايم ومسكت رقبته جامد وزعقت وقلتله هديني الشحنة غصب عنك. لقيته بيطلع في الروح. وفجأة لقيت مختار دخل المكتب وأنا جريت عليه وأنا سبتهم ومشيت.
أبتلعت لعابها بصوت مسموع. وقالت بألم:
- قتلت ماما من غير قصد وقتلت صاحبك من غير قصد. خايفة يجي يوم تقول للناس قتلت بنتي غصب عني.
أقترب منها ومسك بذراعيها وقال بحزن:
- ندى، أنتي بنتي اللي طلعت بيها من الدنيا. متقوليش كده تاني.
ثم أحاط كتفها بذراعه وأصطحبها إلى الطابق العلوي. ثم فتح غرفتها وقال بهدوء:
- وحشتي أوضتك.
نظرت إليه بعدم ارتياح. لتضع يدها على مقدمة صدرها وقالت بهدوء:
- بابا، أنا هقضي اليوم ده بس معاك وأمشي.
قبض على مرفقها لتنظر إلى يده متأوه بخفة. ثم دخل الغرفة ساحبًا إياها خلفه. تفاجأت باثنين من الممرضين وحارس. فأخذت تنقل ببصرها بينهم وتساءلت بنبرة مرتعشة:
- فيه إيه يا بابا؟ مين دول؟
أشار إلى الحرس يقترب لينفذ رغبته فورًا. ومسك بذراعيها وضعهما خلف ظهرها. فأخذت تلتوي لعلها تحرر نفسها. لكنه كان أقوى منها. تقدمت إحدى الممرضات نحوها وهي تفرغ القليل من الحقنة. فاتسعت عينا ندى وتساءلت بصراخ هستيري:
- أنتوا هتعملوا فيا إيه؟ في إيه يا بابا؟
طعنتها الممرضة في كتفها. فصرخت ندى ببكاء. وبعد لحظات هدأت تدريجيًا وأصبحت الرؤية مشوهة أمامها. فحملها ذلك الحرس ووضعها على الفراش. ثم خرج مغلقًا الباب خلفه. أقترب منها ووقف جوار الفراش ينظر إليها. رآها تحرك رأسها في كلا الاتجاهين وتهمس بكلمات غير مفهومة. ثم انتقل ببصره بين الممرضتين قائلًا:
- أنا عايزها كده وفي حالة من الفوضى لما الظابط يجي.
لتقول إحداهما:
- متقلقش يا بيه. الحقنة دي مخدر هتخليها كده على طول.
***
"فيلا رحيم.."
جلس أمام المكتب وقام بفتح شاشة الحاسوب. لينظر إلى صورة ندى وأخذ يمرر أنامله عليها. وتتحرك شفتيه فقط دون صوت بكلمة "وحشتيني". رفع عينيه عن الحاسوب ليرى باب المكتب الذي كانت تدخل من خلاله تحمل فنجان القهوة بابتسامتها الرقيقة. فيضرب على المكتب بقبضة يده بقوة وحمل مستند عشوائي وقذف به جانبًا من كثرة غضبه. فحقًا تركت فراغ كبير. وذلك الفراغ حقًا سيجعله يجن.
استند بجبينه على قبضة يده ويده الأخرى على صدره يومئ بالنفي بخفة. أخذ يحدث نفسه عن ذلك الفراغ الحاد الذي تركته. فكان يستمع إلى صوت ضحكاتها كل فنية وأخرى. فاق من شروده على صوت دقات الباب. فأذن بالدخول بصوت مهلك. لتدخل السيدة وفيه حاملة فنجان القهوة. فقام بإغلاق شاشة الحاسوب حتى لا ترى الصورة.
وضعت صينية القهوة أعلى المكتب. ثم نظرت إليه بحزن وتساءلت دون مقدمات:
- أنت عملت إيه في ندى يا بني؟
رفع رأسه إليها. فحدقت به في صدمة عندما رأت وجنتيه ممتلئة بدموع الألم. فتساءلت بهلع:
- مالك يا بني فيك إيه؟
نهض واقفًا وهو يلهث بقوة وقال بعصبية مفرطة:
- فيا جحيم الدنيا والآخرة. مكنتش متخيل إنها هتسيب فراغ كبير بالشكل ده.
قالت بتوتر:
- طب اهدى واحكيلي على اللي حصل وممكن أروح لها.
ضرب على صدره الصلب بقوة وهو يقول بنبرة مؤلمة تخرج بدماء قلبه:
- اللي كسرته في ندى عمره ما هيتصلح. أنا بجد مش قادر أعيش. كل ثانية بتعدي عليا بحس بوجع طلوع الروح من الجسد.
وجدت نفسها تبكي على حاله. وهو يجز على أضراسه بقوة. وأخذ يضرب على المكتب بقبضتي يديه وهو يصرخ بنبرة خشنة رجولية. لعل الألم يخرج من جسده ولو لدقائق. ثم حمل فنجان القهوة وقذف به في الحائط. وازاح كل شيء أعلى المكتب ليسقط على الأرض. ثم غادر الغرفة بخطوات سريعة وصعد إلى غرفته مغلقًا الباب خلفه بقوة.
وقف أمام الشرفة واضعًا يديه على رأسه من الخلف ويلهث بصوت مسموع. ثم رفع رأسه للأعلى وقال بنبرة أهلكتها الألم:
- أه يا ندى.
ثم أغمض عينيه يجز أضراسه ويحرك رأسه في كلا الاتجاهين بعدم استيعاب لفكرة بعدها عن قلبه. ليتذكر حينما دخلت إلى الغرفة واحتضنته من الخلف لتهون عليه غضبه من شقيقه. وأخذ يتذكر كل شيء حدث بينهم. ليعصر قبضته والندم يشبه أسهم آتية من نيران الجحيم تخترق هدفها جيدًا وهو القلب. ليشعر بألم حاد في جسده بالكامل. وجلس على حافة الفراش واضعًا رأسه بين يديه مغلقًا عينيه بقوة.
بعد لحظات، دق الباب. فأذن بالدخول. لتفتح السيدة وفيه الباب وقالت بقلق:
- فيه ظابط تحت عايزك.
عقد بين حاجبيه في دهشة. ثم زفر بهدوء ونهض متجه نحو الباب. من ثم هبط إلى الطابق السفلي واتجه نحو الباب وخرج ليجد الضابط في انتظاره. وتساءل بصوت مبحوح:
- خير؟
- خير يا مستر رحيم. حضرتك مطلوب في القسم. ولما تيجي معانا هتعرف كل حاجة.
مسح على شعره من الأمام إلى الخلف. وذهب معه. فقام الضابط بفتح الباب الخلفي لسيارة الشرطة الملاكي ليدخل. ثم جلس بجواره وغادرت السيارة. خرجت السيدة وفيه تنظر إلى السيارات في دهشة. ثم دخلت مغلقة الباب خلفها وهي تقول بتوجس:
- استرها معانا يا رب.
ثم اتصلت على علاء وأخبرته بما حدث الآن. كان سيذهب إلى المطار لكنه تراجع وغير مساره من أجل شقيقه. وبعد نصف ساعة تقريبًا رن جرس الباب. فركضت إليه وقامت بفتحه. لتجد الأمن ومعه شاب. فتساءلت:
- أنت مين؟
قال بثبات:
- أنا شريف بعتني مستر رحيم أجيبله ورقة مهمة من مكتبه عشان هتفيده في التحقيق.
أذنت له بالدخول وأخذته إلى المكتب. فدخل وبدأ يبحث في أدراج المكتب ويفحص جميع المستندات. حتى وجد ورقة الزواج والطلاق. ثم وضعهما في جيبي سرواله. فتساءلت بلهفة:
- لقيت الورقة؟
- أيوه لقيتها. همشي بقى عشان متأخرش عليه.
خرج على وجه السرعة. بينما هي جلست على الأريكة تدعو له وقالت ببكاء:
- يا رب.. يا رب.
***
"في القسم.."
دخل رحيم وصافح الضابط. ثم جلس على المقعد المجاور للمكتب. وتفاجأ بوالد ندى الذي يجلس على المقعد المقابل له وينظر إليه بلؤم. بينما قال المحقق:
- الأستاذ رؤوف الشاذلي بيقول إنك قمت بالاعتداء على بنته وإنك كنت بتحطلها مخدر عشان تعمل ده بدون مقاومة منها.
حملق به في دهشة وهو متابع:
- وآخر مرة قمت بالاعتداء عليها كانت في وعيها وحاولت تقاومك.
تحدث بحدة مفرطة:
- ما حصلش. أنا وندى كنا متجوزين. وممكن تسألها بنفسك.
- طبعًا، أنا طلبت شهادة أستاذة ندى. وروحت بنفسي لقيتها في حالة من الصدمة.
ثم تناول ورقة ومد يده بها ليأخذها رحيم يفحصها وهو متابع:
- وده تصريح من الدكتور المعالج بيثبت إن الكلام ده صح. وإن هي كانت فعلًا في المستشفى.
وضع الورقة لينظر إلى والدها بنظرات من نار الجحيم وقال بصوت عنيف:
- أنا وندى كنا متجوزين. وقسيمة الجواز في البيت.
- قسيمة الجواز الوحيدة اللي هتثبت براءتك.
زفر رحيم بهدوء وهو ينظر إلى الفراغ. بينما كان الضابط سيقوم بإرسال من يفتش منزل رحيم. لينظر إليه وقال بحنق:
- لو سمحت مفيش داعي. أنا عندي أولاد ممكن يخافوا. أنا عارف مكانها وهكلم أخويا يجيبها بنفسه.
وافق على رغبته. فأخرج رحيم الهاتف من جيب سرواله واتصل على شقيقه. فأجاب عليه فورًا وطلب رحيم منه قسيمة الجواز. لينظر علاء إلى السيدة وفيه في دهشة متسائلًا:
- أنت اتجوزت ندى؟
جز على أسنانه وقال بحدة:
- بعدين يا علاء. لازم تجيب قسيمة الجواز أو الطلاق.
ثم أخبره بمكانهم. ودخل علاء المكتب يبحث عنهم في كل مكان وليس لهم أي أثر. ليهاتف رحيم ثانية ويخبره بعدم وجودهم. لتخبره السيدة وفيه عن ذلك الشاب الذي جاء إلى هنا. فنظر رحيم إلى ذلك الشيطان الجالس أمامه ليرى ابتسامة خبيثة على ثغره وعلم أنه وراء اختفاء الأوراق. أنهى معه المكالمة بعد أن طلب منه أن يأتي ومعه المحامي. ثم أخبره رحيم بمكان المأذون الذي كتب عنده الكتاب. ليرسل الضابط قوة إليه.
بعد نصف ساعة تقريبًا، عاد الضابط ومعه مستند كبير وضعه أمامه. ثم تحدث:
- المأذون اتوفى امبارح.
لينظر رحيم إلى الضابط في دهشة. وهو متابع:
- دورنا عن نسخة من قسيمة الجواز ملقناش. وده ملف في جميع الجوازات اللي تمت.
وأخذ يفحص الملف لعله يجد شيء يثبت أن حديث رحيم صحيح. لكنه لم يجد. فنظر إليه بأسف وقال:
- للأسف مستر رحيم. لازم نقفل المحضر وحضرتك تتعرض على النيابة بعدين المحكمة.
قال والدها بتأكيد:
- وأنا بطلب إن الجلسة تبقى علنية علشان يبقى عبرة للي زيه.
جحظت عينا رحيم وقال في ذهول:
- أنا في حياتي عمري ما شفت أبشع منك. أنت قبل ما تسوء سمعتي بتسوق سمعة بنتك.
تنحنح بخفة. ثم نهض وقال بحدة:
- أتمنى القانون يجيب حق بنتي.
ثم استأذن وغادر. لينظر رحيم إلى الضابط وقال بتأكيد:
- صدقني الراجل ده كداب. ندى كانت بتشتغل عندي مربية للأولاد وعلاقتنا كانت كويسة جدًا. وأنا مستحيل أعمل كده. حضرتك عارف إني راجل أعمال معروف وليا سمعتي.
- مفيش حاجة تثبت كلامك. وشاهد واحد مش كفاية يا مستر رحيم. ده غير إن البنت فعلًا في حالة صعبة جدًا وآثار العنف على رقبتها وجسمها ووشها.
نظر إلى الأمام في ذهول وهمس بتوجس:
- القذر ده عمل فيها إيه؟
بعد دقائق وصل علاء برفقة المحامي ودخل يطمئن على شقيقه. بينما صافح المحامي الضابط وطلب أن يعطيهم بعض من الخصوصية. وافق فورًا وخرج من الغرفة مغلقًا الباب خلفه. جلس المحامي على المقعد المقابل لرحيم. فقال رحيم بعصبية:
- لازم تشوف حل. دي سمعة ندى.
قال علاء متعجبًا:
- فكر في نفسك الأول. أنت ممكن تتأذى في شغلك.
ليقول بحدة مفرطة:
- أنا متهمنيش سمعتي. المهم عندي ندى.
أخرج المحامي ملف وضعه أعلى المنضدة الصغيرة التي بينهم وقال:
- الحقير بعتلي الأوراق دي وقالي عايزني أتنازل عن القضية. رحيم يمضي على الأوراق دي.
تناول الملف وفحص أوراقه سريعًا والمحامي متابع:
- دي أوراق تثبت إنك بتاجر في المخدرات وتجارة الأعضاء. شكله عارف أنت بتحب ندى قد إيه وأنك هتدفع عن شرفها.
تناول القلم دون تفكير. وكاد أن يمضي على الأوراق ألا أن المحامي سحب تلك الأوراق وتساءل في دهشة:
- هتمضي يا رحيم؟
لينظر إليه مقطب جبينه وقال ببحة صوته الرجولية:
- طبعًا همضي. أنا مستعد أعمل أي حاجة علشان ندى. مستعد أمضي على إني موافق أترمي في النار بس محدش يهينها أو ينطق اسمها على لسانه. حتى لو كان أبوها القذر.
- بس أنت كده هتروح في داهية.
أومأ على أنه يعلم هذا جيدًا. ثم تحدث بصوت مبحوح:
- دي ندى. أروح في داهية بس هي تبقى في أمان.
ثم مضى على الأوراق دون تردد. وحملها ليمد يده بها إلى المحامي وقال بتأكيد:
- أنا أنقذت شرف ندى. ومتأكد إن هي اللي هتنقذني.
أخذ الملف وضعه في الحقيبة. ثم ربت على ركبته وقال:
- متقلقش. الموضوع ده مش هيطول.
ثم نهض عن المقعد واتجه نحو الباب. فيما شدد علاء على كتف شقيقه. فنهض رحيم ليحتضنه. فبادله علاء بالعناق وقال رحيم بهدوء:
- شكرًا عشان لغيت سفرك وجيت.
- مهما يحصل بينا أحنا أخوات.
ثم ربت على ظهره وتركه ليغادر. وبعد دقائق دخل رحيم زنزانة خاصة على ذمة التحقيق.
***
في اليوم الثاني، أرسل شاب مجهول تلك الأوراق إلى الضابط ليتم فحصها في ذهول. وجاء والد ندى كي يتنازل عن المحضر. فتساءل بشك:
- اشمعنى؟ أنت كنت متمسك بالقضية دي.
قال بحزن مصطنع:
- أنا فكرت وقلت إن دي سمعة بنتي. ومش عايز من رحيم غير إنه يتجوزها وبعد كده يطلقها.
- تمام. هنقفل المحضر ونجبره يتجوزها ويطلقها.
أخذ يشكره بامتنان. ثم صافحه وقال:
- شكرًا لحضرتك ولمجهودك.
ثم استأذن ليغادر القسم وهو يشعر بالارتياح. فرحيم سيحكم عليه بالمؤبد وهذا ما يريده. قام أحد العساكر بإحضار رحيم وجلس على المقعد المجاور للمكتب. وتحدث الضابط عن هذه الأوراق. ليتنهد رحيم بعمق وقال بنبرة رجولية دون أن ينظر إليه:
- أنا مضيت على الأوراق دي علشان رؤوف الشاذلي يتنازل عن المحضر. عشان ندى وبس.
وضع الضابط رأسه بين يديه يزفر بهدوء. ثم رفع رأسه يستند بذقنه على قبضتي يديه وقال بعدم فهم:
- ممكن تفهمني أكتر.
- حضرتك ممكن تروح لجدة ندى وخالها. هتعرف منهم كل حاجة. أبوها ده راجل معندوش ذمة وعمل كل ده علشان يدخلني السجن. ثم أدار رأسه ناحيته وتابع بثقة وثبات:
- أنا راجل معروف عني إني مليش في الشمال.
***
ذهب علاء إلى منزل رؤوف الشاذلي كي يقابل ندى. بعد أن ذهب إلى جدتها وأخبرته بأن والدها جاء ليأخذها. وطلبت منه أن يطمئنها عليها. فتحت له الخادمة الأجنبية وطلب مقابلة ندى. لتأخذه إلى الطابق العلوي. ثم أشارت إلى غرفة ندى. فوقف يدق الباب. فأذنت الممرضة بالدخول على أنه رؤوف. فتح الباب ودخل. تفاجأت به الممرضة. لكنه تفاجأ أكثر عندما رأى أحدهم يقيد يديها ولاصق على فاها. نظرت ندى إليه بدموع تغطي وجهها بالكامل. تقدم نحوها وقبض على ذراع تلك الممرضة ودفعها للخلف. ثم سحب اللاصق عن ندى. فقالت بترجي هستيري:
- أرجوك خرجني من هنا.
قالت إحداهما بحدة:
- أنت مين وازاي تدخل هنا؟
ساعد ندى على النهوض عن الفراش وهو يقول بعنف:
- أنا ممكن أوديكم في ستين داهية.
ثم تقدم نحو تلك التي تحدثت منذ لحظات وأخذ الحقنة من يدها. بينما تناولت ندى حقيبتها. ثم خرجت مع علاء. فقالت بوهن:
- هنعدي إزاي من الحرس؟
كادت أن تتعثر في الدرج. لكنه لحق بها بالقبض على ذراعها وقال بهدوء:
- مفيش غير أمن على البوابة.
بعد أن هبط إلى الطابق السفلي نظر إليها وقال:
- ندى، إحنا محتاجين قسيمة طلاقك أنتِ ورحيم.
نظرت إليه في دهشة. ثم ابتلعت لعابها بصوت مسموع. بينما هو لفت انتباهه آثار أظافر على عنقها ووجنتها. بينما هي تساءلت بصوت مهلك:
- ليه؟ ومين اللي محتاجها؟
- هقولك على كل حاجة بعدين علشان مفيش وقت.
نظرت حولها. ثم أشارت إلى مكتب والدها. فدخل علاء ولحقت به. لتجده يفتش في كل شيء. وبدأت تساعده حتى حصل عليهم أخيرًا. ثم أخذها وخرجا من المكتب بل من المنزل بأكمله. واستقلت معه السيارة. وأخذ يقص عليها ما حدث وهو في طريقه إلى القسم. هبطت دموعها على وجنتيها وتحسست الخربشة التي على عنقها. وقالت بفهم:
- دلوقتي فهمت هما ليه عملوا فيا كده.
عند وصوله إلى القسم ترجلت ندى راكضة إلى الداخل. ولحق علاء بها. وطلب من العسكري أن يستأذن من الضابط ليدخلا. فدخل. وبعد لحظات خرج ليأذن لهم بالدخول. فدخلت ندى وتلاها علاء. لكنها حافظت على ألا تنظر إلى رحيم الذي يتفحصها بعمق اشتياقًا لها. وضع علاء القسيمة أمام الضابط ليقوم بفحصها سريعًا. ثم نظر إلى ندى وتساءل بعدم فهم:
- طب ليه لما جيت البـ..
قاطعت سؤاله بحديثها الهادئ:
- بابا خطفني وكان بيديني حقن مخدرة. والممرضين هما اللي عملوا فيا كده.
شعر بالحنين عندما استمع إلى صوتها. لكنه شعر بالندم المؤلم عندما استمع إلى حديثها وهي تشرح للضابط ماذا حدث معها. فتساءل عن وجودها في المستشفى. فرمقت رحيم بنظرة سريعة. ثم تحدثت بنبرة مهزوزة:
- أنا جالي نزيف وروحت المستشفى وعملت عملية إجهاض.
اتسعت عيني رحيم. فكلماتها كانت بمثابة قنبلة انفجرت في وجهه لتدمره بالكامل. ونهض عن المقعد محدقًا بها في ذهول. وبعد حديث طال بينهم ظهرت براءة رحيم. فرفع رأسه إلى الأعلى يزفر بهدوء. وكان قد حضر المحامي في نهاية التحقيق. وبارك لرحيم على البراءة وأمر الضابط بإحضار رؤوف الشاذلي.
خرجت ندى من الغرفة بعد أن استأذنت علاء في مفتاح سيارته لتغادر بها. وأعطاها المفتاح بترحاب. نظر رحيم إليها بلهفة. ثم لحق بها. بينما هي خرجت من القسم واتجهت نحو السيارة. وفتحت الباب. كادت أن تجلس أمام المقود. لكنها تفاجأت بيده تقبض على مرفقها. وأدارها إليه. وباليد الأخرى أغلق الباب. أطرقت عينيها. لا تود أن ترى. فيكفي سماعها لصوته فقط.
ترك مرفقها وتساءل بحدة:
- ليه مقلتليش إنك كنتي حامل؟
لاحت ابتسامة ساخرة على ثغرها. وقالت بألم:
- وده كان هيمنعك عن الانتقام؟ أنت بعتني بسهولة لدرجة إنك بعتلي ورقة الطلاق بكل سهولة.
كلماتها كانت تشبه سيوف سامة تخترق قلبه لتجعله ينزف دم. ثم تنهد بعمق ليشعر بشيء ما يؤلمه في صدره يشبه قطع زجاجات صغيرة. وقال بحنق:
- أنتي عارفه كان نفسي في الطفل ده قد إيه. وأنا استعجلت في ورقة الطلاق علشان ابعتلك معاها ورقة ملكية البيت.
ابتلعت لعابها بصعوبة. وأغمضت عينيها وهي تقول بصوت مكسور:
- أنا مش عايزة منك حاجة.
ثم التفتت وجاءت تفتح باب السيارة. منعها بوضع يده على الباب وقال بترجي:
- بصيلي يا ندى. لو لآخر مرة.
نظرت إلى يده التي على الباب. لتجد نفسها تنزف دموع من قلبها قبل عينيها. وقالت بضيق حاد:
- صوتك لوحده بيزعج قلبي وبيقتله. يا ترى لو شوفتك إيه اللي هيحصل.
عقد بين حاجبيه وتساءل بنبرة مهلكة:
- للدرجة دي يا ندى؟
التفتت إليه قاصدة ألا تنظر إليه. وقالت بثبات تخفي وراءه اشتياقها وحبها له:
- على قد ما حبيتك على قد ما كرهتك. وشكرًا على اللي عملته علشاني.
قبض على ذراعها بقوة. فأغمضت عينيها تتأوه داخليًا من قبضته. وهو يقول بحدة بالغة:
- أنتي كدابة. علشان لسه بتحبيني. ندى. أنا بحبك وهفضل أحبك طول عمري.
تنهد بعمق وأخذ يلهث وهو يقول كلمات منبعثة من القلب:
- أنتي سايبة فراغ هيقتلني. بسمع صوت ضحكتك في كل مكان. وصوتك أنفاسك بتونسني وأنا نايم.
بلل شفتيه بلسانه. وترك ذراعها ليمسك بيدها ووضعها على صدره الصلب الذي يعلو ويهبط. وتابع بنبرة مؤلمة:
- في هنا جرح مستحيل يطيب إلا بحنيتك ورقتك. والأهم وجودك.
سحبت يدها من أسفل راحته الممسكة بها. وقالت بأنفاس متقاطعة:
- وأنت جرحتني جرح عمره ما هيطيب أبدًا. كل ما افتكرك كل ما الجرح ده يكبر جوايا. أنت حبك وجع.
جز على أضراسه وقال بحدة:
- أنا قلتلك حبي جحيم. أنتي وافقتي.
- اتضح إن حبك مش بس جحيم. ده كمان وجع. وجع في قلبي زي السرطان ومش هلاقي علاج.
تنهد بإرهاق. وكأن الحديث أهلكه حقًا. ثم تحدث بنبرة مكسورة:
- أنا انتقمت من قلبي يا ندى.
التفتت بهدوء. ثم استقلت السيارة وشغلت المحرك لتغادر تاركة روحها وقلبها بين يديه. بينما التفت رحيم لينظر إلى السيارة ليشعر بعدم وجود قلبه في مكانه. فقد انتزع قلبه من بين ضلوعه حقًا وتركه وحيدًا جسد دون روح. وتمنى الموت قبل أن يسمع كلماتها تلك التي دفنته حي. رفع يده ببطء ليضعها على صدره محدقًا في الفراغ بعدم استيعاب لما يدور حوله. ولم يفق سوى على احتضان شقيقه له. ليبادله بالعناق القوي. ثم استقل الاثنان سيارة المحامي وذهب في طريقه إلى منزل رحيم.