منذ أن عاد محمد من عمله ورأسه لا يكف عن العمل. ضرغام معجب بابنته إذن! يا لهذه الورطة. هو يخشى قوة ضرغام وخبثه. لا يعلم كيف من الممكن أن يتصرف إذا استعصى عليه شيء يريده. هل تراه ينجذب للأشياء صعبة المنال؟ هل هذا ما جذبه إلى ابنته. تناول مسكن وهو يفرك جبهته من الألم، بينما ربتت منيرة على كتفه قائلة: -مالك يا محمد؟ من ساعة ما رجعت من الشغل وإنت باين عليك التعب كدا. ابتسم لها ليطمئنها قائلاً: -مفيش حاجة.. مصدع بس.
خرجت من الغرفة لتتفقد ابنتيها، بينما تنهد هو تنهيدة مثقلة بالهم. لا يستطيع إخبارها بما يجول في خلده. أيخبرها أن هناك شخص جبار، مخيف، ماكر مثل الثعلب، حاد كالصقر، شجاع كالأسد، يسمى ضرغام فؤاد معجب بابنتها ولا يدري ماذا من الممكن أن يفعل حيال هذا؟ ابتسم بسخرية متخيلًا ما سيحدث لقلبها الأمومي لو علمت. تحرك بثقل متجهًا نحو الشرفة، فوجد ياسمين هناك تشرب القهوة المختلطة باللبن وتقرأ كتاب كما هي عادتها كل يوم.
اقترب منها مبتسمًا، جالسًا إلى جوارها، ثم ضمها إليه مقبلًا رأسها بحنان مفرط. هناك خطب ما، هذا ما خطر ببال ياسمين بعد فعلة والدها. ابتسمت باتساع قائلة: -متنساش ريم في نوبات الحنان دي عشان بتغير. ضحك ملء فمه قبل أن تتلاشى ضحكته بين كلماته التي خرجت بألم بيِّن: -ربنا يخليكوا ليا.. إنتو الحاجة الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا. لم تكن ياسمين بغافلة عن تلك التصرفات الغريبة، هي أكثر من تعرف والدها.
هو الآن على الأغلب يشعر بالخطر. قالت بقلق من حالته: -مالك يا بابا؟ قرر الدخول في الموضوع مباشرة قائلاً: -ياسمين.. أنا عايزك تستقيلي. -إيه؟! قالتها ياسمين بصدمة، فأمور عملها تسير على ما يرام بعد تخطي أمر سرقة الملف. -ليه يا بابا؟ قالتها بدهشة جلية، بينما أجابها محمد قائلاً: -ياسمين.. صاحب الشركة... توقف عن الحديث، لا يعلم كيف يخبرها، بينما قالت ياسمين: -ضرغام فؤاد... ماله؟ استجمع شتات نفسه قائلاً:
-هو نفسه صاحب الشركة اللي أنا بشتغل فيها. عرفت إنه كان بيبص عليكي من مكتبه على طول لما كنتي بتيجي تستنيني عشان نروح. كانت ياسمين عاقدة حاجبيها بدهشة، نظرت إلى والدها قائلة بشك: -مش شرط بيبص عليا... ممكن كان بيبص على أي حاجة تانية. أجاب محمد بهدوء:
-أنا شوفته أكتر من مرة قبل كدا وهو بيبص عليكي بس قولت ممكن بيبص على حاجة تانية. بس إنهاردة أنا شوفته من مكتبه بيبص عليكي بنظرة أنا عارفها كويس. النظرة دي يا إما إعجاب.. يا إما حب. ادعي ربنا إنها تكون إعجاب مش أكتر. كانت ياسمين لا تزال غارقة بدهشتها عندما قالت: -بس أنا حضرت معاه اجتماع طول بعرض محستش بأي حاجة من دي. -طبيعي متحسيش عشان هو مش هيبين دا. دا غير إنك كنتي مشغولة بموضوع سرقة الملف وتعبانة أصلًا.
صمتت ياسمين لبرهة ثم قالت: -طب إيه اللي مخوف حضرتك أوي كدا؟ تنهد محمد قائلاً: -بصي يا ياسمين.. ضرغام شخص صعب تفهمي إيه اللي في دماغه وذكي جدًا. بس أنا بتعامل معاه من زمان، من أيام ما كان طفل عشان أنا كنت صاحب والده. قالت ياسمين بدهشة: -صاحب والده؟ حضرتك كنت صاحب والده؟ أجابها محمد بهدوء وهو يتفقد الشارع: -أيوة.. بس ضرغام مش زي فؤاد الله يرحمه. كانت ياسمين صامتة منتظرة أن يكمل، عندما قال:
-فؤاد كان واحد مجتهد أوي. عمل شركة صغيرة للمقاولات كان بيحاول يكبرها. بس ملحقش وتوفى قبل ما شركته تكبر أكتر من كدا. أخذ نفس عميق ناظرًا أمامه إلى نقطة ما في الفراغ وأكمل: -ضرغام وقتها كان لسه مخلص الثانوية العامة بتاعته وكان جايب مجموع هندسة وفؤاد كان فرحان جدًا. بس لما توفى ضرغام مسك الشركة بإيد من حديد. كنت فرحان بيه الأول بس بعد كدا اتصدمت فيه. أكمل يقص لابنته وهي معيرة إليه جل اهتمامها:
-نجح فعلًا إنه يكبر الشركة الصغيرة دي لحد ما بقت مجموعة شركات الفؤاد. بس مكانش عنده أي مشكلة في إنه يرشي حد لمصلحة محتاجها بخصوص الشغل. كان بيدخل في صفقات كبيرة مع ناس كبيرة أوي في السوق وطبعًا لازم يحتفلوا بمناسبة زي دي. أكمل وقد بدت على وجهه بوادر الاشمئزاز: -في الحفلات دي بقى بتلاقي كل واحد جاي بمراته لابسة فستان مش مداري حاجة أصلًا وكل واحد فيهم ماسك كاس خمرة كإنهم بيشربوا مية. -وهو معندوش مشكلة في كدا؟
أجابها والدها بسخرية: -دا مش بس معندوش مشكلة.. دا لازم يشرب معاهم كاس كمان. -طب ليه يا بابا محاولتش تنصحه بما إنك كنت صاحب والده؟ قال بيأس: -حاولت كذا مرة بس بطرق مبطنة عشان أنا في الآخر مجرد محاسب في شركته. بس هو مهتمش واعتبر إني محاولتش أعمل حاجة. لحد ما يأست وبطلت أحاول. صمتت ثم قالت عندما تذكرت أمر شركة الأدوية: -طب وإيه موضوع شركة الأدوية دا؟ أجاب محمد بحيرة:
-مش عارف. خايف أقول اشتراها بسببك أكون بظلمه. بس لو الموضوع كدا بجد يبقى إنتي في ورطة كبيرة يا ياسمين. اعترى وجهها الخوف والقلق، بينما قال والدها: -عشان كدا عايزك تستقيلي. قالت بقلق بدا واضحًا في صوتها: -بس الاستقالة مش هتوقفه. وبعدين ممكن ميوافقش عليها. -حتى لو مش هتوقفه هتبعدك عنه شوية على الأقل. ولو موافقش عليها هنشوف حل تاني. قال قبل أن يذهب:
-مش عايز منيرة وريم يعرفوا حاجة عن الموضوع دا يا ياسمين. أمك لو عرفت هيبقى يوم مش هيعدي. ذهب والدها تاركًا إياها في دوامة أفكارها التي تعصف بها بلا رحمة. لم تتخيل أن ضرغام شخص بهذا السوء، لا يبدو عليه ذلك أبدًا. أم ذلك لربما لأنها جميلة فترى كل شيء جميل كما تخبرها سلمى دائمًا. في صباح اليوم التالي. في شركة الأدوية. -أنا آسف يا دكتورة بس مقدرش أوافق على الاستقالة. الأفضل تروحي للباشمهندس ضرغام وهو يقرر.
قالها حسين مجيب ياسمين على طلب الاستقالة الخاص بها. قالت بتوتر اعتراها عند سماعها لاسم ضرغام: -بس حضرتك مدير الشركة الحالي وأنا قدمت استقالتي لحضرتك بناءً على دا. ابتسم قائلاً بهدوء: -أيوة بس باشمهندس ضرغام منبه عليا متصرفش مع كام حاجة كدا من دماغي. منهم استقالة أو إجازة الدكاترة اللي عندهم كفاءة. ثم أكمل بتنبيه: -بعدين إنتي بالذات يا دكتورة وضع خاص عشان ملفك هو اللي هيتنفذ فعلًا مع تعديل بسيط فيه.
تناولت ياسمين ورقة الاستقالة التي كانت موضوعة على المكتب قائلة: -تمام.. شكرًا يا دكتور. خرجت تنعي حظها العاثر. الآن عليها أن تذهب إلى مكتب ضرغام لتقدم الاستقالة. وكم أصبح أمر الاستقالة صعبًا بعد أن علمت بأن مشروعها سيتم تنفيذه! ذهبت بخطوات ثقيلة نحو مكتبه مستأذنة من السكرتيرة في الدخول، التي سرعان ما سمحت لها بعد أن تلقت الموافقة المتلهفة من ضرغام. دلفت بخطوات خَجِلة قائلة بصوت خفيض: -السلام عليكم.
حرص على أن يرد السلام كاملًا عسى يعجبها ذلك: -وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حاول أن يتكلم بعملية وهو يشير إلى الكرسي، ولكن هيهات.. فقد كُشفت أوراقه، وإن لم تكن كاملة: -اتفضلي يا دكتورة. جلست واضعة الورقة على المكتب دون حديث. تناول الورقة بريبة، وقد كان على حق بريبته. إنه طلب استقالة. رفع أحد حاجبيه ناظرًا إليها وقال: -أقدر أعرف سبب استقالتك؟ ارتبكت ياسمين قليلًا ولكنها استجمعت نفسها قائلة: -أسباب شخصية.
جالت الأفكار رأس ضرغام. يبدو أن محمد يريد إبعاد ياسمين عنه وكأن الاستقالة ستجعله يتراجع. له ما أراد. ربما موافقته السريعة على الاستقالة توهمه أنه كان مخطئًا. وقع على الورقة معطيًا إياها لياسمين قائلاً: -للأسف الشركة إنهاردة خسرت دكتورة متعوضش. تناولت منه الورقة قائلة وقد تجاهلت جملته: -بعد إذنك. خرجت من غرفة مكتبه، بينما احتل الضيق ملامح ضرغام. لقد علم والدها. ربما سيسبب ذلك المشاكل له. -ويعني ناوي تعمل إيه دلوقتي؟
قالها سليم بعد أن علم بأمر استقالة ياسمين. أجابه ضرغام وهو ينظر عبر الحائط الزجاجي إلى مكتبها الفارغ: -لسة مش عارف. ثم أكمل بإصرار وقد ضاقت عيناه: -بس مش هسيبها. ضحك سليم بسخرية: -غرمتك الشركة على الفاضي. ثم أكمل عندما التفت ضرغام إليه: -اشتريت الشركة عشان تفضل تحت عنيك. وأديها استقالت. لا وكمان هتبطل تعدي على الشركة التانية كل يوم. إنت كدا مش هتشوفها خالص. تنهد ضرغام بحيرة، بينما تحرك ليجلس على الكرسي خلف مكتبه،
ثم قال: -كل يوم الساعة تسعة بتقعد في البلكونة تشرب نسكافيه وتقرا كتاب في رواقة كدا. دا الوقت اللي هشوفها فيه. قال سليم باستنكار: -مفيش أي احترام للخصوصية. إخص. أغمض ضرغام عينيه بإرهاق قائلاً بسأم: -سليم... لم يستطع إكمال جملته عندما قاطعه سليم قائلاً: -حاضر.. حاضر هطلع برا. خرج سليم، بينما نظر ضرغام إلى ساعة الحائط متمنيًا أن يمر الوقت سريعًا حتى يستطيع رؤية ياسمين.
كانت ياسمين جالسة في الشرفة تقرأ ذلك الكتاب بيدها وتشرب مشروبها باستمتاع، غافلة عن تلك السيارة التي توقفت مقابل شرفتها تمامًا على الجانب الآخر من الطريق. فتح ضرغام زجاج السيارة الأسود فتحة صغيرة، فقط تُظهر عينيه الحادة. رآها تجلس وعلى وجهها ابتسامة عذبة، فارتسمت ابتسامة محبة على شفتيه دون أن يدري. ظل هكذا حتى أنهت ياسمين قهوتها المخلوطة باللبن، ناظرة إلى الكوب بحسرة وتذمر طفولي.
ضحك بخفوت منها.. يشعر وكأنه يريد أكلها كما الوجبة الشهية. نظرت فجأة إلى الشارع وشرُدت بتفكير. أدار وجهه سريعًا متمنيًا ألا تلحظه. كانت عينيها تجوب الشارع وهي غارقة بتفكيرها حتى توقفت فجأة عندما لمحت شيئًا غريبًا نوعًا ما. ماذا أتى بتلك السيارة الفاخرة إلى حيهم البسيط؟ عادت إلى قرأتها بلا مبالاة، فهي ليس لها شأن بالسيارة. تنهد براحة بعد أن عادت إلى قرأتها دون أن تلاحظ.
عليه أن يتوخى الحذر. فهو قد أدرك أن رأس محمد لا يُستهان به أبدًا. هو يملك من الذكاء ما يكفي لأن يجعله خصمًا جيدًا له. لكم يتمنى أن يصبح حماه العزيز بدلًا من أن يصبح خصمًا له! حقًا يا لها من أمنية صعبة! ظل ضرغام على هذه الحال لمدة أسبوع كامل حتى حدث ما لم يتمنى أبدًا. كان محمد غارقًا بحيرته. لماذا لم تصدر أية ردة فعل من ضرغام حتى الآن؟ هل تراه كان مخطئًا وقد ظلمه؟ لقد وافق على الاستقالة سريعًا ولم يجادل.
نفض تلك الأفكار عن رأسه سريعًا. ما هذا الهراء؟ لقد تأكد بنفسه. تحرك نحو الشرفة ليجلس مع ياسمين قليلًا. امتدت يده ليزيح الستار.. وأزاحته بالفعل ولكن لمساحة صغيرة لم تلحظها ياسمين حتى. توقفت يده عن إزاحة الستار مكتفية بتلك المساحة الصغيرة بفعل الصدمة التي سببها ما رآه من تلك المساحة. إنه يقوم بمراقبة ياسمين بينما هي جالسة غافلة عنه تمامًا. لا تظهر منه سوى عينيه ولكن هو لا يمكن أن يخطئ تلك العينين الحادتين أبدًا.
نظر بتمعن إلى السيارة.. إنها سيارته.. سيارة ضرغام. ترك الستار دالفًا إلى الداخل بصدمة وقد أدرك ردة فعله الآن. أفاق على اقتراب ريم منه قائلة: -هي ياسمين لسة في البلكونة؟ استغل الفرصة قائلاً: -آه... اندهي لها تقعد معانا بدل ما هي قاعدة لوحدها. ذهبت ريم لتحضر ياسمين التي حضرت بالفعل، وما كادت تجلس ريم إلى جوارها حتى سمعت صوت والدتها يناديها. ذهبت ريم تلبي نداء والدتها، بينما اقترب محمد من ابنته قائلاً بهمس حَذِر:
-ياسمين... إنتي مش هتطلعي البلكونة تاني. نظرت إليه بدهشة وسؤال غير منطوق، فأجاب: -ضرغام كان واقف بعربيته تحت دلوقتي كالعادة بيتأمل فيكي. ويا عالم بيعمل كدا من إمتى. استاءت ملامح ياسمين بصمت، فربت على ظهرها قائلاً بحنو: -عارف إني بضيقها عليكي. الأول شغلك وبعدين البلكونة. بس معنديش حل غير كدا. ابتسمت له قائلة: -عارفة إن دا كله عشان مصلحتي يا بابا. ابتسم لها وقد ارتجفت الابتسامة على شفتيه بقلق بالغ.
ضرغام لا يكف عن مطاردة ابنته. يخشى أن يدخل بحرب يكون ضرغام الفائز بها. لن يفرط بابنته أبدًا مهما كلفه الأمر. هذه ابنته.. قطعة منه منفصلة عنه. كيف يفرط بها! -يعني معادش بتطلع البلكونة خالص؟ التفسير الوحيد لدا إن إنت حظك زي الزفت. كل ما تفتح بابا يترزع في وشك. قالها سليم بعبث لضرغام الحانق بشدة. قال ضرغام من بين أسنانه المطبقة بغضب:
-لا وإنت الصادق.. التفسير الوحيد لدا إن أبوها أخد باله أكيد. صعب تكون هي اللي خدت بالها. قال سليم بملل: -السؤال المعتاد.. ناوي تعمل إيه؟ لمعت عينا ضرغام بإصرار وصبر قد نفذ. التفت إلى سليم قائلاً بحزم وقرار لا ينوي الرجوع عنه أبدًا: -هتقدملها.. هتجوزها يا سليم!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!