وقف بالعربية قدام فيلتها. طول الطريق التزم الاثنين الصمت، هي مكسوفة منه ومن ضعفها قدامه للحظات، وغضبانه منه ومن نفسها في نفس الوقت علشان كان عايز يبوسها وهي كانت هتضعف ونسيت للحظات إنه لسه غريب عنها، مبقاش حتى خطيبها. وهو حاسس إنه مخنوق لأنه ضايقها وخايف يخسر ثقتها فيه اللي تعب عشان يوصل لقلبها. وقف بالعربية وهي مدت إيدها عشان تفتح باب العربية، بس وقّفها صوته الحنين والهادي. _ميرا.
رجعت بصت عليه. فمد إيده يمسك إيدها بين إيديه الاثنين. فسحبت إيدها بسرعة وبصت عليه بحدة. فاتنهد بضيق وغمض عينيه عشان يكسب الصبر وفتحها تاني بهدوء وشاور بإيده بمعني أوك، وكلمها برقة ولطف عشان يكسبها من تاني. _أنا مقصدش اللي حصل يا ميرا، صدقيني. انتي غالية عليا أوي ومستحيل آتيكي يا حب. سكت شوية وقال بندم. _اعتبريها لحظة ضعف ووعد مش هتتكرر تاني.
رفعت عينيها ليه فشاف جواها ارتباكها وتوترها من قربه، فعرف إنه لسه قلبها ملكه. وقالت بتوسل الحب والقرب. * لو قد وعدك أنا هنسى اللي حصل.. اوعدني يا جاسر هتحافظ على قلبي. قالتها وهي بتبص برجاء. فابتسم بلطف وقال بعشق وهو بيهز راسه. _أكبر وعد ليكي يا قلبي.. انتي جوه قلبي وهتفضلي فيه طول العمر وهكون أسعد واحد في الدنيا لما اسمك يتحط ويتكتب جنب اسمي. ابتسمت ليه بطمأنينة. فاتعمق جوه عينيها وقال بعشق.
_يله انزلي بقى بدل ما أتهور بعيونك اللي زي العسل دول وتيجي تلوميني وأنتي العشق كله. مدت إيدها ناحية الباب فسبقها وهي بتنزل بكلامه اللي مش هيتراجع عنه أبدا. * بلّغ جدك إن الخطوبة آخر الأسبوع ومن غير اعتراض. قالها لما لمح اعتراضها. فسكتت وهزت راسها يمين وشمال. وبعدين ابتسمت بخجل وجرت على جوه. وهو اتنفس بعمق وابتسامة عاشقة ارتسمت على شفايفه. **********
دخلت الفيلا وعلى وشها ابتسامة لطيفة. اليوم اللي كانت بتفكر تهرب فيه وتبعد عن الكل، قدر جاسر يخليه أحلى يوم ليها. حبت اهتمامه بيها وعشقه ليها الواضح في تصرفاته، كلماته، وحتى نظراته ليها. فتحت الباب الداخلي فلقت الأنوار مطفية. فاتنهدت براحة وزفرت الهوا بهدوء عشان مش عايزة تواجه جدها اللي عنده حق في توبيخها لهروبها، ومعندهاش طاقة تبرر أو حتى تنسحب من حرب الكلام معاه. واتسحبت بهدوء على طراطيف صوابعها. بس بمجرد ما اتحركت خطوتين بس النور اتفتح مرة واحدة وظهر جدها اللي قاعد على كرسي الصالون وحاطط رجل على رجل وبيبص عليها بغضب. وقفت مكانها ورفعت عينها لفوق بضيق ولَوت شفايفها بغيظ وهي بتسمعه بيتكلم بتهكم غاضب منها.
_كمان بتتسحبي زي الحرامية؟ مش كفاية إنك كنتي بتهربي وجاسر كثر خيره اللي جابك. اتنفست بصوت عالي وقالت بنبرة حاولت تخليها هادية عشان يومها يعدي على خير من غير ما تخسر جدها المرة دي كمان. * جدي لو سمحت كفاية، أنا تعبانة منكم. نؤجل النقاش ده لبكرة. قالتها واتحركت لقدام. فوقفها صوته الغاضب. _هو ده اللي انتي فالحة فيه يا أستاذة؟ تهربي وبس من أي مواجهة؟
وقفت بخطواتها وغمضت عينيها بضيق لغاية ما أشعل فتيل قلبها ليخرج المرة دي يصيب أي شخص. _انتي دايماً كده من يومك بتهربي وتسبيني أنا اللي ألم وراكي مصايبك اللي ما بتخلص. لهنا اشتعلت ميرا ولفت ليه تواجه وتصيب سهام كلماتها قلبه اللي نسي إن قلبها شايل منه ووجودها هنا اللحظات دي عشان خدعة سخيفة منه وتمثيلية المرض عليها وكأنها تهتم لحياته بالأساس. وقفت قدام وشه بثبات. * مصايب أنا برضه يا جدو صح؟
مصايب أنا اللي خلتني أخسر أهلي بدري أوي. مصايب أنا اللي جابتني على ملا وشي من إيطاليا بخدعة سخيفة منك. أووه جدي العظيم شايل مني جامد في الآخر بقيت أنا البنت المدللة وحضرتك الملاك الحارس ليا. أنا آسفة لكوني حفيتدك بالبشاعة دي، بس عموما هي ملحوقة. سكتت وقربت منه خطوة ولمحت توتر ملامحه الباينة. وقالت بهدوء عكس الإعصار اللي فات. * خطوبتي على جاسر آخر الأسبوع وهسرّع الجواز عشان ترتاح مني بسرعة يا جدي. _بتتكلمي جد يعني؟
جاسر لسه عايزك؟ قالها بسرعة وتهور وما شافش نظرة الوجع في عينيها. فهزت رأسها وقالت بغيظ. * هو متمسك بيا. وثاني حاجة أنا أه كنت بفكر أهرب بس في آخر لحظة أنا اللي اتراجعت. مش عشانك لأ أبداً، عشان جاسر اللي بيحبني بجد. وأنا مش عايزة أكرر غلطتك وأخسر الناس اللي بتحبني.
قالتها بمغزى فهمه. فنزل عينه لتحت بندم. وهي ابتسمت بسخرية وهزت راسها ومشيت طلعت على السلالم بكبرياء لغاية ما وصلت أوضتها. قبل ما تفتحها شافت الدادة بتاعتها جاية ناحيتها. فقالت وهي بتضيق حاجبها بدهشة وقالت بسؤال واستغراب. * انتي لسه صاحية ليه؟ قربت منها وقالت بهدوء. _قلقِت لما سمعت صوتك تحت مع جدك فقولت أجي أطمن عليكي يا بنتي. ابتسمت بلطف ومدت إيدها ومسكت إيد الدادة بلطف وقالت بحب. * أنا بخير، شكراً لوجودك في حياتي.
_انتي بنتي يا ميرا وربنا عالم بمعزتك عندي. سحبتها لحضنها. فغمضت ميرا تستمتع بالحضن والدفا اللي وحشها من زمان. حتى جدتها مبتديهاش الحنان والحب اللي عايزاه. بعدين بعدت عنها وقالت بهدوء. _هدومك في الأوضة. السواق بتاع جاسر جابهم هنا وأنا رتبتهم في الدولاب. يله يا حبيبتي ارتاحي شوية. بصت لسها بحب. * شكراً، ربنا ما يحرمني منك. ابتسمت ليها وبعدين مشيت. فرجعت نظرات الوجع في عيون ميرا.
فتحت باب أوضتها ودخلت بنفس الكبرياء اللي مجرد ما قفلت الباب قلعت لبس الكبرياء واتعرّت بمشاعرها الحقيقية وسمحت لدموعها تنزل. الاشتياق لأهلها ولحنان جدها اللي دايماً بتحس إنه مصلحته أولاً. رغم إنه خسر عيلته بس هو زي ما هو نفس الأنانية ونفس الجحود. *************
قاعد على كرسي المكتب منكسر راسه لتحت. هو حاطط راسه بين إيديه الاثنين بضعف كبير وندم وحاسس بالعجز وإنه متكتف مش عارف يوصل ليها. دور عليها كتير حتى إنه راح لجدها اللي قاله إنه شافها منهارة ولامه على اللي حصل لحفيدته وإنه هيقف معاها مهما كان قرارها وهيقف في وشه. وافتكر إزاي اتخانق معاه. الفكرة إنها تبعد عنه مستحيلة. وافتكر اللحظة اللي واجه فيها أبوه اللي طلب تفسير لتصرفاته وإزاي قدر يخون ثقته وثقة مروة. وهو اعترف بشوية تفاصيل وخَبّى عنه أي حاجة بخصوص مرضه. غمض عينيه وافتكر بعد ما مشيت غادة بعد ما رمته بقنبلتها في وشه.
فلاش باااك.
رجع عاصم خطوة لورا مصدوم من اللي سمعه. وهي ابتسمت بتهكم ومرارة ومشيت وسابته بعد ما شافت آخر شخص تتوقعه واقف ورا عاصم وسمع كل حاجة وعينيه كلها غضب وظلام. طلعت الفون وبتجرب ترن المرة الألف ومافيش رد يبرد خوفها الكبير. وعند عاصم رجع خطوة لورا مصدوم من اللي سمعه. متوقعش إن مروة تتجرح بسببه كده. وصلها لمرحلة خطيرة. عيونه دمعت بقهر. لف بجسمه ناحية باب شقته وهو بينوي يرجع الشقة يجيب تليفونه اللي ناسيه في أوضة مكتبه. ولقى أبوه واقف بوش محمر من الغضب ومربع إيده بقوة ونظراته حانقة وقاتلة ليه. وهتف بغضب.
^ اللي سمعته ده صحيح؟ غمض عاصم عينيه بضيق. مكنش مستعد لأي مواجهة دلوقتي. فنزل أبوه إيديه بصدمة واتأكد من اللي سمعه بصمت ابنه الوحيد. فقال بغضب. ^ يبقى كلامها صح؟ انت خونت ثقتنا كلنا قبل ما تخون مروة. _يا بابا اسمعني، الموضوع مش زي ما فهمت. قرب منه بغضب وقال بعصبية مفرطة. ^ أفهم إيه وزفت إيه؟ بقى هي دي الأمانة اللي سابها لك عمك الله يرحمه؟ هي دي الأمانة اللي وصيتك أنا عليها؟ تجرحها بالشكل ده؟
هي كلمة واحدة عايز أسمعها منك. هي فعلاً البنت دي جتك الشقة وكانت معاك في أوضك؟ غمض عاصم عينيه بضيق وفتحها وقال بهدوء نسبي يفسر. _يا بابا الحكاية. ^ كلمة واحدة يا عاصم، لـ آه أو لـ لأ. قالها بصوت ثابت وإصرار. _آه. قالها بإقرار. وقبل ما يكمل شاف أبوه اللي رجع خطوة لورا مصدوم. لآخر لحظة مستني ابنه ينكر. فقال بصوت مرتعش. ^ أنا مش مصدق اللي بيحصل. انت ازاي يوصل بيك الحال إنك تزني؟ اتسعت عينيه بدهشة وقال بعصبية كبيرة.
_إيه اللي بتقوله ده؟
طبعاً مستحيل أعمل كده. أيوه كانت في الشقة وأوضي بس محصلش حاجة بينا. هي اسمها جودي شريكتي في الشغل جت الشقة بحجة إن في ورق عايزة تمضيه عشان مستعجلة وهتسافر تاني يوم. سيبتها في أوضة الصالون وطلعت أوضي أجيب الورق عشان مهم كنت عاينه في الأوضة. بس هي نيتها مكنتش كويسة وأنا بطلع الورق اتصدمت بيها في الأوضة وبتقرب مني. وقبل ما أتكلم لقيتها مقربة مني وبتبوسني. على ما فوقت زقيتها وهزأتها وطردتها من البيت. ومكنتش أعرف أبداً إن مروة شافت حاجة. أنا طردتها صدقني. كل حاجة حصلت فجأة. بس مقدرش اليومين دول تفك الشراكة بينا. مستني الوقت المناسب وهفض كل حاجة بينا.
شاف وراقب ملامح أبوه اللي عايز يصدقه. فحس بالذنب أكتر لأن الثقة بينهم اتهزت. فضغط على إيده بغضب وبعدين مسك إيد باباه وقال بهدوء. _أنا ابنك وانت عارف تربيتي كويس. باااك. فاق على صوت رسالة وصلت له. أخد إيده من على وشه بضيق وبعدين افتكر مروة. يمكن أي حاجة تخصها. فمسك التليفون بلهفة وصوابع متوترة. لما شاف اسمها منوّر قدامه. الرسالة منها. فتحها بسرعة وعينيه جرت على كلمات الرسالة بلهفة اتحولت لصدمة وهو بيقرأ محتواها.
* أنا مصدومة منك أوي. الخيانة أصعب إحساس ندوقه. طلقني. صرخ بغضب وقال بعصبية. _مستحيل، مستحيل أخسرك. ومسك التليفون ورن على رقمها اللي المرة دي جمع اتصال. وبعد لحظات مرت عليه كأنها سنين. _مروة حبيبتي، انتي فين؟ طمنيني عنك. أنا دورت عليكي كتير. انتي فين؟ ارجعي وكل حاجة هتتحل صدقيني. قالها بلهفة غريق لقي طوق نجاة. ولسه كبريائه موجود جرحها أكتر. فجاله صوتها.
الخالي من الحياة. صوت هو قتل صاحبته وخلاها مكسورة وجريحة. سهل الصيد والصياد فعلاً لعب لعبته وهي كانت فريسة سهلة وقعت وانتهت من زمان. والغلط كان عند عاصم وهو اللي هيتحمل لوحده نتيجة أنانيته. * ملكش دعوة بيه. ومالكش حق تسألني عن مكاني. أنا بكرهك أوي يا عاصم. انت كسرتني بدل المرة ألف. دوست على قلبي كتير أوي. سكتت وصوت عياطها وصله. حاول يهديها بس هي كملت.
* أنا بكره نفسي عشان حبيتك أكتر من نفسي بمقدار حبي ليك. بمقدار كرهي لنفسي. وعشان كده مش هقدر أكمل. مش هقدر أنسى وجع قلبي وأكمل عادي وكأن ما حصلش حاجة خالص. صدقيني يا مروة، ما فيش حاجة حصلت من اللي في دماغك. الموضوع كله سوء فهم، اديني فرصة أشرحلك. كفاية كذب بقي، كفاية. أنا تعبت منك ومن الكذب. أنا شوفتكم مع بعض. افهم بقي. شوفتك وانت سكتت. مش قادرة أكمل، بس استجمعت قوتها وقالت:
شوفتك وانت بتخوني معانا في أوضتك. كنت بتستغفلني، بتديني منوم عشان أنام ويفضي الجو ليك. صرخت فيه بغضب: ما اهتمتش بيه ولا اهتميت باللي كان ممكن يحصل ليه. أنا بكرهك ومش عايزة أكلمك تاني ولا أسمع صوتك. كل حاجة انتهت يا عاصم، اللي بينا عقد ولازم ينقطع.
وسعت عينه بخضة وعرف إنه خسرها، خسر حبها اللي كان بيراهن الكل عليه، وإن عشقها ليه أكبر من أي مشكلة. دقات قلبه كانت عالية وهو بيسمع آخر كلماتها اللي نحرت عنقه قبل قلبه، وهي بتهتف بقسوة عليهم هما الاتنين: إحنا لازم نطلق. آسفة، كل شيء انتهى. لو في ذرة حب ليا في قلبك، طلقني. خليك عالي في نظري على الأقل المرة دي. خليك أخويا الكبير على الأقل لآخر مرة. انتي بتقولي إيه يا مروة؟ انتي لازم تسمعيني، أنا بحبك صدقيني.
قالها باعتراف للمرة الأولى في حياته ليها هي وبس. لما بنخسر اللي قدامنا بنرمي بالمنطق. ابتسمت بمرارة. الكلمة دي كانت مستنياها من زمان. لو قالها في ظروف تانية كانت هتكون أسعد واحدة في الدنيا، كانت هتطير من الفرحة. بس لما جت جت في وقت غلط، جت بعد ما خسرت نفسها وعرفت قيمتها عنده. هو قالها في وقت خوف وتوتر، حابب يجذبها ناحيته زي السمكة لما بيرمي ليها الطعم. لأن ببساطة هي بالنسبة ليه حاجة من ممتلكاته، واثق في وجودها بين إيديه. بس المرة دي انسلت من بين صوابعه زي الماية. وهي بتقفل الخط في وشه. إنذار أخير ليه بأنه خسرها، والوصول لقلبها أصبح بحر عميق، وهيبقى غواص عشانها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!