الفصل 47 | من 80 فصل

رواية حبك نار الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم أسماء الكاشف

المشاهدات
23
كلمة
1,554
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

قال معاذ بهدوء: _يعني موقفنا صعب. كانت عيناه مركزة على المحامي الذي أمامه، يجلس على المكتب. رفع المحامي عينيه ووضع يده على الملفات أمامه وقال بعملية: _ماكدبتش عليك يا أستاذ معاذ، الموضوع معقد شوية. التهمة متظبطة على أخو حضرتك. قال معاذ بانفعال وكوّر يده بغضب: _يعني ايه؟ هو خلاص لبسها يا متر؟ هز الأخير رأسه بالنفي وقال بجدية:

_لا طبعاً. أنا هعمل اللي عليا وأطلعه منها، بس هحتاج مساعدتك. أعرف أقرب ناس ليه. أكيد واحد منهم هو ليه إيد في اللي حصل. حرك المحامي رأسه للأعلى واعتدل بتأهب وقال بانفعال: _تقصد إن حد من أصحابه هو اللي عملها ولفقها ليه؟ رجع المحامي بظهره للخلف ووضع يديه أمامه على المكتب بعملية وقال بهدوء: _ما نستبعدش أي حاجة. القضية مش سهلة ولازم نلاقي أي ثغرات نقدر نحلها منها. في قضيتنا الكل متهم حتى تثبت براءته. قال معاذ بتصحيح:

_هو مش المفروض إنها المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولا إيه يا متر؟ شاور المحامي بيده بلا مبالاة وقال بضيق: _ده في عرفي أنا. هز معاذ رأسه بمعنى لا فائدة، فنهض بهدوء وقال بإقرار: _تمام يا متر، هشوف اتصالاتي كلها وهوصل ليه حتى لو كان مين. وحضرتك اعمل شغلك على ما أوصل للحقيقة. ومتنساش محمد مستقبله بين إيديك، وأنا واثق في حضرتك. قام المحامي بالمقابل ومد يده ليسلم عليه بهدوء وهو يقول: _تمام، متقلقش حضرتك. مع السلامة.

قالها ومعاذ ساب إيده وخرج بهدوء. مشى في الممر بخطوات رزينة وركب الأسانسير. قبل ما يقفل، ظهرت بنت جميلة بعيون زيتوني وشعر أشقر يطير حول وجهها بهمجية، وهي بتجري بخطوات متعثرة وفي إيدها ملفات كثيرة أكبر من جسمها الصغير نفسه اللي ميتعداش طولها ١٥٥ سنتي وجسمها الرشيق. قالت بلكنتها الأجنبية المميزة وهي بتلهث من التعب والجري: _انتظر، أوقف المصعد.

رفع معاذ حاجبه بضيق ومد يده ليوقف المصعد لها. حتى وصلت إليه. دخلت ورمته بابتسامة شكر وقالت برقة بنفس لهجتها: _شكراً.

اكتفى بأنه يهز رأسه بهدوء والمصعد تحرك بهما لتحت. كانت واقفة متوترة لوجودها مع شخص غريب عنها في مصعد واحد. وقف المصعد قدام الدور الخامس ودخل شخص ثاني. قيّم معاذ بنظراته. كان شاب أشقر بعيون بنية واسعة وطوله متوسط، أطول من الفتاة بقليل. كانت نظراته جريئة، بس مهتمش ليها معاذ وبص قدامه والمصعد اتحرك للمرة الثانية.

نظرات الشاب على البنت بوقاحة واضحة، وهي اتكسفت واتوترت. بس معاذ اتحرك من مكانه بهدوء ووقف بينهم، حجز البنت وراه ووشه ناحية الشاب اللي اتوتر لما شاف نظرات قاتمة ومتوحشة من معاذ. فحرك وشه ناحية أزرار المصعد، ومحسش بالبنت اللي واقفة وراه وابتسمت بامتنان على شهامته. لحظات والمصعد كان وصل الدور الأول. فتح المصعد وخرج الشاب بسرعة. بعدين اتحرك معاذ بجسمه الضخم والبنت بصت عليه بإعجاب وقالت عشان توقفه: _شكراً. قال معاذ:

_على الرحب. ثم ألقى نظرة على لبسها وزَمَّ شفتيه بضيق وقال بفظاظة ووقاحة بلكنته الإنجليزية لتتلائم مع البلد الأجنبي الذي استقبل وجوده بترحاب ولكن جاء لمهمة: _انتبهي على ملابسك أنستي. ثم اقترب منها بوقاحة وهمس ببرود: _ليس الجميع مثلي شهم.. وأنتي فريسة سهلة بذلك الفستان الزهري. وداعاً أنستي.

مشي بخطوات بعيد عنها، وهي فضلت واقفة مكانها مصدومة من كلامه الوقح. فالبس ده عادي في بلد أجنبي وهي بنت تهتم بلبسها الأنيق مهما كان. بصت على ضهره بغيظ ومشيت وهي شايطة وبتبرطم عليه: _وقح.. متغطرس. ***

في صباح يوم جديد، يوم مليان أحداث. كانت ميرا واقفة بتجمع هدومها في شنطة كبيرة. هي مجهزة من فترة بس بتضيف عليها الهدوم الناقصة وبعض مستلزمات الميك أب وغيره. قفلت الشنطة أخيراً ونزلتها بصعوبة من على السرير وحطتها على الأرض جنبها وزفرت بضيق. قربت بخطوات مترددة ناحية الكوميدينو جنب سريرها. وقفت مكانها ومدت إيدها بتردد. سحبت جواز السفر. بصت عليه وهو بين إيديها بحيرة. افتكرت إنها هتكون أسعد واحدة عشان بتهرب من واقع كله غلط في نظرها، بس اللي حاسة بيه هو التردد وبس. غمضت عينيها بضيق وقالت بهمس وهي بتكوّر

إيدها: _أنتي بتعملي الصح يا ميرا، كملي، متوقفيش.

فتحت عينيها ومسكت شنطتها وسحبتها معاها لبره الأوضة. وقفت بتردد ولفّت بجسمها تشوف أوضتها لآخر مرة. نزلت دمعة يتيمة وهي بتودع ذكريات نسيتها من زمان. بدأت ترجع تاني ليها وكأنها قاصدة إنها تفكرها بالماضي وتحسسها متهربش مرة ثانية. كفاية هرب واتقبلي واقعك، واجهي. بس سدت ودنها وقلبها لما مدت إيدها ناحية دموعها، مسحتها بعنف وقربت من الباب وقفلته، ووشها متجمد. وخرجت من باب المطبخ واتسحبت بدري قبل ما الكل يصحى. مشيت في الحديقة اللي ورا لغاية ما وصلت لباب الشارع اللي ورا واللي محدش بس بيقعد فيه. خرجت ولقت التاكسي اللي اتصلت عليه قبل كده مستنيها. ابتسمت بصفاء

وقالت وهي بتقفل الباب: _صباح الخير.. المطار لو سمحت. سمعته بيقول بهدوء: _صباح الفل.. من عنيا. قالها واتحرك بيها لوجهتها. غمضت عينيها وسندت راسها على إزاز العربية اللي جنبها ورجعت بذكرياتها لسنين بعيدة، لـ ١٠ سنين تقريباً. هي نفس الفترة اللي قابلت فيها جاسر أو قبلها بشهور قليلة. الوقت اللي خسرت فيه أمانها، أمها وباباها في يوم واحد، عشان تبقى يتيمة الأهل بين لحظة والتانية، وهروبها بعدين عن المواجهة. فلاش باك.

واقفة بنت مراهقة بعيون زرقاء وشكل أجنبي، تشبه أمها الأجنبية من أصول إيطالية وشعرها الأصفر واصل لنصف ظهرها. عمرها ما يتعداش الـ ١٨، بعيد وبتراقب انفعالات أبوها وجدها والجو كان مشحون بينهم. ولأول مرة الجد ينفعل بشكل مبالغ لما صوت ابنه على وبيطالب بحقه وميراثه من أمه. فرفع إيده عالي وضرب ابنه كف وصل صوته بوضوح لودنها وسمع كل اللي في القصر. فتحت عينيها بصدمة. مقالتش عن صدمة جدها اللي بص على إيده بصدمة وعلى أبوها اللي فتح عينيه بصدمة وحط إيده على وشه بذهول. كوّر إيده بغضب، بس مراته وقفت في وشه وحاولت تهديه بلكنتها الأجنبية الرقيقة وبنظراتها المستعطفة. سمعت صوت أبوها لآخر

مرة وهو بيقول بعصبية وحدة: _أنت بتمد إيدك عليه عشان بطالب بحقي؟ بس الحق مش عليك، الحق عليا أنا لأني سيبتك تتمتع بفلوس أمي كل السنين دي. قرب من أبوه أكتر وقال بنفس الغضب: _عشانك يا أبويا وبرّي بيك ضروري. مش هتصرف غير بالقانون وهامشي من هنا ومش هتشوف وشي مرة تانية، وانسي إن ليك ابن. كأن ساعة الاستجابة في الوقت ده لما الجد حط إيده على قلبه بضيق وهمس باعتذار: _أنا آسف، معرفش عملت كده إزاي.

ابتسم أبوها بمرارة واتحرك لبره بخطوات غاضبة ومراته جريت وراه تلحقه وتهديه. كل ده تحت نظرات ميرا الخايفة والقلقانة على أبوها وجدها. مش عايزة تخسر حد منهم. وأخيراً اتحركت ناحية الشباك، شافت أبوها بيركب عربيته الرياضية بلونها الأحمر الأنيق ومامتها فتحت الباب اللي جنبه بسرعة وركبت جنبه واتحرك بسرعة كبيرة، خلى التراب ينتشر مكان تحركه بيعبر عن غضب الأب. بصت لجدها بلوم كبير وخرجت بره في الجنينة بتحاول تنسى وترن على مامتها

عشان تطمن عليهم، بس ما حدش رد عليها. فاتنهدت بضيق وحطت الفون في جيبها وبصت قدامها لقت جدها واقف قدام الشباك وبيبص عليها بوجع. شوية وطلع قعد جنبها، بس هي مادتلوش فرصة يتكلم وخرجت من القصر كله، بس قبل ما تبعد غمضت عينيها ورجعت تاني. مش عايزة تزود الفجوة بينهم أكتر من كده. ملقتش جدها في الجنينة فدخلت القصر بهدوء. لقته قاعد على الكرسي في أوضة الصالون وماسك تليفونه بتوتر. قربت منه وحاسة بتأنيب الضمير، وقبل ما تتكلم

تليفونه رن.

فتحه بلهفة وقال بسرعة: _محمد ابني، صدقني أنا مقصر... بس سكت وقطع كلامه لما وصله صوت شخص ثاني. فقضب حاجبه ووقف مكانه بخوف وهو بيسمع الطرف الثاني بيقوله: _صاحب الرقم ده عمل حادثة، وده آخر رقم رانن عليه. قال الجد: _أنت بتقول إيه؟ ابني جراله إيه؟ طيب هو فين دلوقتي؟ هو كويس حالته يعني؟

فرد الشخص عليه كل ده تحت نظرات ميرا الزائغة وقلبها اللي بيدق بوجع غريب وهي بتسمع كلام جدها. قلبها وجعها، فحطت إيدها على مكان قلبها وعينيها دمعت بقهر وخوف. وصل صوت الراجل قاسي على مسامع الجد وهو بيقول: _معنديش أي معلومة عن حالته، بس الحادثة كانت خطيرة وصعبة أوي. والاسعاف نقلتهم على مستشفى. اللي معاه تعيش، أنت اتوفت. ساعدها تعازي لحضرتك. وقع التليفون منه بصدمة وحط إيده على قلبه وهمس بخفوت: _لا حول ولا قوة إلا بالله...

يالله ماتت قربت منه ميرا بقلب موجوع وبخطوات خايفة ومترددة من اللي سمعته. بتحاول تكذب اللي سمعته بس قلبها بيقول إنها سمعت الصح وخسرت أغلى ما تملك. وقفت قدامه بدموع منهمرة وبقلب منتهي، وقالت بصعوبة: "ماما مالها؟ هي اللي كنت بتتكلم عنها؟ هي الـ... سكتت، مقدرتش تكمل كلامها وحطت إيدها على بوقها برعب من الفكرة نفسها. بص عليها بوجع ونزل راسه لتحت بأسف حقيقي، وهي وصلها ردّه. فرجعت خطوة بوجع وصرخت.

وطي شال تليفونه بإيد مرتعشة وخرج وهي وراه. ركبت معاه وهي منهارة وبتعيط. السواق اتحرك على المستشفى والعنوان اللي ملاّه الجد. باين عليه الجمود بس من جواه ضعيف ومنهار. في لحظات كانوا وصلوا المستشفى وطلعوا على أوضة العمليات، بتدعي إن أبوها يعيش وبتعيط، وعندها أمل إن الخبر كذب وإن أمها عايشة. ترزق. وبعد ساعة طلع الدكتور. جريت عليه هي وجدها اللي قال بصوت متلعثم: "ابني يا دكتور طمني." هز راسه بأسف وقال بتعزية:

"البقاء لله. تعيش انت." "انت بتقول ايه؟ " صرخت بيها ميرا وأخيراً اتكلمت وخرجت عن صمتها. فهز الدكتور راسه وحط إيده على كتفها وقال: "شدي حيلك يا بنتي، ربنا يصبركم." "طيب وماما؟ " قالتها بأمل. فرد عليها: "الست اللي جت معاه كانت متوفية وقت الحادثة."

هنا لم تستطع التحمل وغمضت عينيها بوجع. ولم تتحمل أكثر ولم تسمع باقي الكلام، فمصيبتها أكبر من كل ده. ووقعت فاقدة للوعي. وجري عليها جدها القلقان عليها، وظهر في صراخه على الممرضين والدكتور الواقف علشان يفوقوها. بس هي مكنتش عايزة ترجع. الهروب هو طريقتها اللي تنسيها الوجع. ودي كانت بداية لهروبها، وخصوصاً إنها شايفة إن جدها سبب موت أهلها. بااك.

رجعت من ذكرياتها على صوت السواق. بصت لقت نفسها قدام المطار. مدت إيدها ليه بالفلوس وأخذت شنطتها ونزلت ودخلت جوه المطار بعد ما حطت نظارتها الشمسية على عينها. مشيت لجوه بخطوات متعثرة وعقلها مشتت. وسرحت للحظة بتمد إيدها لجوه شنطة إيدها تطلع الفون، بس اتخبطت في شخص من غير ما تقصد. قالت بسرعة: "أنا آسفة." رفعت راسها وشافته فتوسعت عينيها وقالت: "انت."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...