الفصل 46 | من 80 فصل

رواية حبك نار الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم أسماء الكاشف

المشاهدات
26
كلمة
2,320
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

تسحبنا الذكريات إلى عالم آخر، عالم جميل افتقدناه. عائلة جميلة واخت مرحة، ولكنها لم تكن يومًا أختًا، بل كانت لها مكانة أكبر من ذلك في قلبه. الذكريات هذه تتمرجح في ذاكرته العميقة، كما يتأرجح الآن وهو جالس على كرسي هزاز، يتأرجح للأمام والخلف، وعيناه ثابتتان في الفراغ، سوادها قاتم كقلبه المغلف بوجع. ابتسامتها الجميلة تلاحقه، وعيناها الزرقاوان البريئتان تسحرانه، فيتحرك نحوها كالمسحور. دائمًا كانت فراشة بين يديه، ولكنها

انزلقت من بين يديه. قطفها كزهرة صغيرة، متناسيًا أنها فراشة صغيرة حرة ترفض القيود. شخص آخر، نعم، إنه حبيب عاصم. ذلك الشاب الذي لم يستلطفه يومًا، أخذ صغيرته مروة من بين يديه. ولكن تلك الصغيرة قد تاهت عشقًا بحبيبه، ولهذا السبب لم يقيد حريتها ويأخذها لنفسه، بل ترك الحبل بيدها هي لتختار. يعلم أن يومًا ما ستأتي إليه، إن لم يكن كحبيب، فعلى الأقل كأخ وصديق. هذا هو خالد الذي يقدم خدماته للجميع، هو بمثابة مرسى لكل القلوب

المجروحة. حتى جده، نفث دخان سيجارته لأعلى، ليشكل دخانه سحابة قاتمة حول رأسه، كأنها تعبر عن غيوم مشاعره. خرجت لتختلط بالسماء. وضع السيجارة في المنفضة أمامه، وقام من على الكرسي. تحرك بخطوات صغيرة إلى داخل الشرفة.

سند جسمه عليها، وبص أمامه على الحديقة التي يحب الاهتمام بها. فصل تأمله رنين هاتفه، فتنهد بضيق، وخرجه من جيب البنطلون. ضيق عينيه وهو يرى اسم المتصل، الذي كان صاحبه في الشركة الهندسية في إيطاليا، حاتم. هز رأسه بضيق، "مش وقت تفسير وكلام كثير". عارف صاحبه هو جهاز كشف كذب متنقل. ولكن في النهاية رد، حتى لا يقلق عليه، وقال بهدوء: _السلام عليكم، ازيك يا حاتم؟ ليأتيه صوت حاتم المتحمس:

= عليكم السلام. أنا فل الفل. أنت عامل إيه يا سي روميو؟ كشر وش خالد وقال بضيق: _بخير الحمد لله. ليقول حاتم بقليل من المرح: = إيه يا عم سافرت وقلتولي عدولي، كل دي غيبة لتكون عملتها واتجوزت؟ ضحك وكمل: = ما أنا عارفك صاحبي. زفر بحنق ولوي شفتيه وقال بضيق واضح: _اسكت أنت بس، بلا جواز ولا زفت. رفع حاتم حاجبيه وقال باستنكار وغيظ: = إيه اللي اسكت؟ مالك يا بني؟ إيه اللي قلب كيانك ده؟

أنت كنت طاير من الفرحة قبل ما تنزل علشان هتشوف الحتة بتاعتك وعملت جدك حجة علشان تشوفها وتقرب منها. زمجر بغضب: _لم لسانك يالا وأنت بتتكلم عنها! إيه حتة؟ وألفاظك البيئة دي! فصرخ حاتم في التليفون وقال وكأنه ضابط أمسك به متلبسًا في جريمة: = إيه ده؟ ما هو أنت أهو لسه مهتم بيها! أومال إيه كلامك اللي فات عن الجواز وسنينه؟ قضب حاجبيه بتركيز وقال بصدمة: = لتكون يالا البنت دي رفضالك؟ ما تعرفش قد إيه أنت بتحبها ولا إيه؟

قال كلمات قليلة باقتضاب، ولكنها خرجت حروفًا حزينة مثل صاحبها: _هي اتجوزت يا حاتم، وما تعرفش مشاعري أبدًا عنها. أنا بالنسبة ليها أخوها الكبير وبس. فتح الأخير عينيه بصدمة وقال بكلمات مصدومة: = إيه؟ اتجوزت؟ خلاص متضايقش نفسك، ولا يهمك، هي اللي هتندم على خسارتك، وبكرة هتلاقي اللي تحبها وتحبك بجد. غمض عينيه بضيق وقال بهمس خافت مع وجع في نبرات صوته:

_خلاص يا حاتم، أنا متقبل اللي حصل ليه. يالا أشوفك بعد بكرة في الشركة، مع السلامة. لم ينتظر إجابة حاتم وأغلق التليفون، وبص أمامه بدون أي كلام، والظلام لف حديقته ذي قلبه اللي ضلم. **************

قاعدين على السفرة متجمعين من فترة كبيرة على سفرة واحدة، وخصوصًا عاصم اللي بقاله كام يوم بعيد عنهم. من ساعة ما جو من السفر وهو بيقضي أغلب يومه بره، بيجي لحظات يطمن عليهم ويخرج. حتى إنه بات عند معاذ صاحبه. بس النهاردة أول يوم ليه يقعد في البيت، ويشرح لمروة. ودلوقتي كمل جميلة وبيتعشى وسطهم في جو عائلي جميل وهادي. حطت مروة قطعة جبنة في بوقها بهدوء، وبصت قدامها على عاصم اللي في وشها وقاعد على الكرسي اللي قدامها. بعدت عينيها لما انتبه ليها. حست بإيد بتقرصها بخفة. بصت على مها بضيق. فرفعت مها عينيها بمشاكسة وحركت حواجبها تغيظ مروة اللي رميتها بنظرة نارية. فقربت

مها من ودنها وهمست بخفوت: = يا بت خليكي ثقيلة، ومش كل شوية ترميه بنظراتك الزرقا دي يا ذات العيون الزرقاء. * اخرصي يا مها. ^ ما تاكلوا يا بنات، إيه جو الهسهسة ده والاسرار؟ قالتها أم عاصم وهي عارفة اللي بيدور حواليها، بس حابة تحرجهم. فضحك عمها وقال بخفة: = سيبيهم يا أمال على راحتهم. مسح عاصم شفايفه وحط القماشة على جنب وهو بيقول الحمد: _سفرة دايمة. ردت مامته بسرعة: ^ بالهنا يا حبيبي، بس أنت لحقت تخلص أكلك؟

هز رأسه بهدوء وقال: _آه الحمد لله شبعت، تسلم إيدك يا ست الكل. ابتسمت والدته، وهو قام على الصالة، ومرات عمي بصت لينا وقالت بأمر: ^ أكلكم كله يخلص، فاهمين؟

ما فيش فتفوته تفيض منكم، وبالذات أنتِ يا عقلة الإصبع. قالتها وشاورت عليه. فكشرت بضيق. فهزت رأسها وقامت تحضر شاي لينا، وبصت على مها اللي بصت عليه. وبعدين ضحكنا مع بعض وكملنا الأكل كله، إلا زعل الوالدين ده منكن. تعضني أو تأكلني لكلب الجيران علشان تعرفني فايدة الأكل. طيبة أوي ست الحبايب. قومنا وشيلنا الأطباق، وكل واحدة غسلت طبقها، وطلعنا نقعد معاهم شوية، وأريح نفسي بفيلم قصير يضيع تعب اليوم كله، ومن المذاكرة اللي ما بتخلص. قعدنا في جو أسري جميل مستمتعين بفيلم قديم، وفي إيدي كوباية شاي بلبن. جيه فقرة إعلانية، استغلتها أم عاصم لتعرف أكثر عن ابنها،

فقالت بفضول: ^ انهارده هتبات معانا ولا هتروح تبات عند صاحبك سي معاذ باشا؟ ضحك بخفة على ملامح مامته المتغاظة لما جابت سيرة معاذ، وكأنه قاتل ليها قتيل، وقال بضحك وابتسامة عريضة: _مالك قلبتي وشك لما جبتي سيرة معاذ؟ حركت عينيها بملل وشاورت بأيديها بلا مبالاة وقالت بضيق: ^ هضايق منه ليه يعني؟ سكتت وكملت بهجوم: ^ هو بس أخذك مننا، قال إيه رايح أبِيت عند سي معاذ. هو عاملك إيه الواد ده مخليك بايعنا كده؟ رفع

حاجبه بدهشة وقال بخفوت: _بايعكم إيه الكلام ده يا ماما؟ متقوليش كده، أنا اللي ببقى عايز أريح شوية عنده. كمان في شغل متراكم وبنسهر نخلصه. قالها بكذب، وبعد عينيه عنها للحظة، وبعدين رجع عينيه ليها، وقال وهو بيترك الكوبايه على الطرابيزة قدامه، ورمي نظرة على مروة اللي مركزة عينيها عليهم، ورامية ودانها معاهم وعاملة نفسها بتتفرج على الإعلان: _عمومًا يا ست الكل أنا هبات انهارده. فلتت شفايفها بضيق، فمد إيده ومسك كفها برقة

وقال بحنان يشع من حروفه: _خلاص يا ست الكل، متضايقيش مني بقى، وأهو هبات هنا. صدقيني كنت مرتاح كده، مش أنتِ بتحبي تشوفيني مرتاح ولا إيه؟ هزت رأسها بسرعة وقالت بحنان: ^ طبعًا يا حبيبي، أنا يهمني راحتك. ابتسم ليها ورفع كفها، شفايفه وباسها برقة، وكمل بهدوء: ^ عمومًا معاذ مسافر، في مشكلة كبيرة بيحاول يحلها. قضبت حاجبها، فتدخل عمي بالكلام لأول مرة: = مشكلة إيه؟ اتنهد عاصم بهدوء ورجع ضهره على الكرسي قدامه وقال بهدوء:

_أخوه اتمسك في قضية مخدرات وهو سافر ليهم يشوف المحامي ويقف مع أهله. فتحت عيني بخضه وقررت أطلع على أوضي، قومت وأنا بقول بنعاس: * تصبحو على خير، أنا هقوم أنام بقى. _وانتي من أهله يا حبيبتي. قالتها ماما، بوستها وطلعت أرتاح شوية. كنت هكلم غادة بس حسيت الوقت اتأخر، فقولت أكلمها بكرة، ده أحسن حل. بس ده مش معناه أنها تنسى اللي عمله وترجع تكلمه.

نزلت تحت بخطوات هادية، وكالعادة قاعد مع جدها مستنيها بعد ما هربت منه لأوضتها. انتبه ليها فالتفت ليها وعلى وشه ابتسامة ساحرة خلتها ترفع حاجبها باستغراب. قام بهدوء وقرب مني خطوة وأنا اتيبست مكاني وعيني واسعة من وقاحته. لما غمز لي بوقاحة شديدة، وبسمع جدي بيقول من وراه بهدوء: * خذي خطيبك يا ميرا، الحديقة فرجيه عليها.

رفعت حاجبي بضيق وهو ابتسامته زادت وبانت غمازته بوضوح. بلعت ريقي بتوتر وشاورت بايدي ليه يمشي، وأنا حطيت إيدي جنبي ومشيت بعملية وبقول برقة طبيعية لايقة عليه: * اتفضل معايا.

_طول العمر يا حب، هفضل معاكي. قالها وسبق خطواتي وبقي قدامي. وأنا وقفت متنحة للحظات، نفخت بضيق مصطنع ورجعت بصيت على جدي بغيظ ونفخت ورجعت كملت لطريقي بخطوات أسرع منه. اتخطّيته أول ما وصلنا الحديقة، سبقته وقعد على المرجيحة اللي مصنوعة علشاني، فهي كنبة صغيرة تكفي شخصين يقعدوا براحة ومتزينة بورد ملون صناعي وبعضه طبيعي. وفي ألوان متعلقة خلفها ونورها بيجي ويختلط مع الورود، فتجعل الأرجوحة كأنها عرش لملكة جميلة. بصيت عليه

لقيته بينحني شوية على الأرض، فقضبت حاجبي مستغربة تناسيه لهيبته. وزاد دهشتي أكثر لما قطف وردة حمرا وقام بهدوء وهو بيملس على بنطلونه كرد فعل طبيعي يشيل التراب اللي ممكن يكون علق على بنطلونه. قرب مني بخطوات مدروسة وعينه بتتحرك على تفاصيل وشي وكأنه بيحفظها في ذاكرته. ارتسمت ابتسامة واسعة على وشه وهو بيقدم الوردة ليه بجنتلة. رفعت عيني لفوق فقابلت رماديته الحادة، لكنها في حضوري بتكون أكثر ليونة وكأن الجبل بيصبح لين معايا

أنا وبس. حسيت برهبة من نظراته زي اللي بتعرّي مشاعري قدامه، فظهرت على خدودي اللي احمرت بكسوف. ما توقعتش إنه يتلبسني الكسوف في يوم وأنا الشخص اللي ما بيعترفش بالحب أصلاً. مديت إيدي وأخذتها من بين إيديه، بس اتعمد يلمس صوابعي بحنية وحرفية ماهرة، فسحبتها بسرعة وبصيت

بعيد ووشي محمر وقولت برقة: * ميرسي. ماشفتش وقتها ابتسامته الجانبية الماكرة وهو بيقعد جنبي على المرجيحة. التفت ليه بدهشة وهو اتصنع لا مبالاة وزق بجسمه لقدام، فاتحركنا بهدوء. المسافة بينا كانت صغيرة وتقريباً هيلزق فيه لو اتحرك 2 سنتي وبس. بلعت ريقي بهدوء. غمضت عيني واستمتعت بحركة الهوا اللي بيطير شعري مع كل هزة، وهو مركز مع تفاصيلي مستمتع بقربي. مد إيده ومسك إيدي اللي جنبه، ففتحت عيني بخضه والتفت ليه،

بس هو ابتسم وقال بلطف: _ليه إيدك ساقعة كده؟ * عادي، هي دايماً كده. قولتها وسحبت إيدي، بس هو فضل مصمم ماسكها بقوة وقال بهدوء: _اهدي يا بنتي، هدفيالك بس. قالها وبدأ يدلك كفي بين كفوفه وحسيت بدفاه. بتوتر قولت: * معلش، ميصحش كده يا جاسر. قولتها وسحبت إيدي بقوة، وهو سابها بمزاجه وابتسم بلطف. وقولت أنا بهدوء وتوضيح: * ميصحش تمسك إيدي، إحنا لسه في حكم مخطوبين وأنت بالنسبة لي راجل غريب، فاهمني؟

طبعاً جوزي بس اللي يحق ليه يلمسني. هز رأسه وهو فرحان بتمسكها بدينها وتدينها وحفاظها على نفسها حتى منه هو، رغم أنها بشعرها بس قلبها مسلم ويرفض الغلط. فقال بفخر بوجودها بحياته: _كلامك كله صح، أنا فخور بيكي أوي. أنتِ بتثبتيلي إني حبيت الإنسانة الصح اللي أقدر أديها قلبي وأنا مطمن. رفعت عينيها ليه برقة وحطت شعره المتحرر خلف ودانها وقالت بفضول قلق: _هتفضل تحبني يا جاسر حتّى لو اتغيرت للأسوأ؟ ابتسم ليها وقال بحب وهو بيبص

عليها بعشق يخصها هي وبس: _هحبك حتّى لو بقيتي شيطان متنقل على الأرض، لأنك من جواكِ نضيف. قالها وغمز ليها برقة، فاحمرت خدودها، بس ده مانعش تكمل فضولها هي وهمت نفسها إنه مجرد فضول مش حب وعايزة سيطرتها على قلبه ليشبع غرورها الأنثوي: * حتّى لو كسرت قلبك؟

حس باللي جواها وارتباكها وتخبط مشاعرها بين حبها وبين المجتمع والخوف من الغلط. فعيونه بقت قاتمة بحبها وهمس بعشق متملك غير قابل لخسارتها مهما كان الثمن، حتّى لو اضطر يحارب العالم ويحارب قلبها أولاً: _هرمّمه لو كسرتيه، هرمّمه. انتي ليه يا ميرا؟ أنا وبس. حبك زي السم اللي اتغلغلني ومش هيخرج منه غير بطلوع روحي أو روحك. وكأنه يخصك ملكيته له هو وبس، ولا فرصة للهرب منه إلا إليه.

اتعلقت عينيها بعينيه مدة طويلة، الثقة في عينيه واللمعة اللي بتشوفها خلاها تحس بالذنب. بعدت عينيها للحظات متأملة الورود قدامها، بس نطقت بهدوء وهي بتقفل إيدها: * ما حكتليش حبيتني إمتى؟ أنا لدلوقتي جبت كل الذكريات القديمة قدامي ومش فاكرة إن لمحتك في يوم من الأيام، فإزاي عرفتني وحبيبتني؟ وأنا أكبر منك بكتير، يعني أكيد ما اتقابلناش في الجامعة مثلاً أو درست؟

ابتسم ليها بعيونه وبص قدامه يفتكر الطفلة اللي أسرت قلبه من عشر سنين، أو يمكن طفل صغير اتعلق بملاكه ووعد نفسه إنه هيحصل عليها مهما كان الثمن. اتنهد بقوة ورماها نظرة عاشقة واتكلم بهدوء: _عارف إن اللي هقوله خيال أو يمكن أكثر من الخيال، ويمكن ما تصدقش وتفتكرني مجنون، بس اللي هقوله هو الحقيقة وبس. سكت للحظات وهي بصت عليه بتركيز. هزت رأسها بهدوء عشان يكمل، فمد إيده سحب الوردة من بين إيديها وهمس بخفوت تحت نظراتها المستنكرة:

_من عشر سنين بالظبط، كنت لسه مجرد طفل صغير وحيد، بس صعب إرضاؤه. سنة عمره ما عبر عنه، هو متميز، كان أكبر من سنة بكتير. في يوم شاف ملاك على شكل بنت جميلة بعيون زرقا وفي إيدها وردة، جت ناحيتي وادتهالي وملست على شعري ومشيت، بس أخذت قلب الطفل معاها. افتكرت إنه يتيم وعطفت عليه، فرمت سحرها عليه لسنين كثيرة. بصت عليه وعلى وشها علامات الاستغراب. مستحيل كلامه، إزاي طفل صغير يحب؟ ده كان طفل. فقالت وهي بتهز رأسها:

* إيه اللي بتقوله ده؟ أنت كنت عيل، إزاي كده؟

غمضت عينيها للحظة وافتكرت الموقف. كانت مراهقة بعمر الـ 18 سنة، مفتقدة حنان أهلها. فكان الدافع اللي يخليها تحس بالأطفال الأيتام زييها ومالهمش أهل يحتويهم ويحميهم من العالم الموحش. في اليوم ده لبست فستان وردي ومسكت مجموعة أزهار كبيرة، جابتها من مصروفها وركبت مع سواقها الخاص ووصلت لدار أيتام كبيرة. دخلت جوه ومعاها الورود وبقت توزع على الأطفال. شافته هناك طفل مختلف بعيون رمادية بريئة، بس فيها لمعة مختلفة، تحسه شاب كبير

ومسؤول. افتكرته يتيم رغم ملابسه المهندمة وجذابة، قميص كحلي وبنطلون جينز من ماركة غالية ورافع شعره بطريقة شبابية. ابتسمت ليه وقربت منه بحنان وادته وردة، وبعدها حسّت إن نفسها تلمس خصلات شعره الأسود الناعم ومنعتش نفسها من إنها تهمس ليه بكلمات جميلة وملست على شعره، وبعدين مشيت توزع باقي ورودها على الأطفال الكثيرة اللي اتلموا حواليها. فاقت على عيونه اللي متابعاها وعارف إنها افتكرت اليوم اللي غير حياته.

قالت بهمس غير مصدقة: * أنا افتكرت، أيوه افتكرتك يا جاسر، بس مستغرباك. صراحة مش مصدقة نهائي، إزاي ده؟ أنت إزاي كده؟ قالت كلامها الأخير بارتباك وحيرة وكلامها اتهته، مش عارفة تقول كده، حسته مجنون. فحط إيده على إيدها اللي بتتحرك يمين وشمال عشان تهدي وتنتبه لكلامه، وبعدين شالها بسرعة وقال بهدوء: _ممكن تهدي، ما تتوتريش. الموضوع عادي، عارف إنه غريب شوية، بس القلب ليه أحكامه. وقف كلامنا لما سمعنا صوت الخدامة

جاية من ورانا بتقول: = البيه بيقول مستنيكم جوه. رجعت ميرا رأسها لورا وقالت بهدوء: * أوك، جايين وراكي. ومشيت وسابتهم. فضحك جاسر وقال: _جدو خاف عليكي يا حب مني. يله نكمل كلامنا بعدين، يدوب ألحق أروح أنام شوية، عندي شغل بدري أوي. ابتسمت بتوتر فلاحظه عليها، فمد إيده ليها بالوردة تاني وقال وهو مركز في عينيها:

_صدقيني الموضوع مش مستاهل كل التفكير والتوتر ده. أنا حبيتك آه وأنا صغير، بس فضلت أتابع كل حاجة تخصك واتأكدت إني بحبك لنفسك مش عشان موقف صغير وعدّى. أنا أدمنت وجودك، صدقيني مش هتندمي. خليكي واثقة فيه وادي لعلاقتنا فرصة واحدة، اخليكي تعشقيني مش بس تحبيني. ولو مقدرتش اخليكي تحبيني وضيعت الفرصة، هديكي حرية الاختيار، بوعدك مش هغصب عليكي إنك تفضلي معايا. ابتسمت ليه براحة وهزت رأسها بخفة. فقال بهدوء:

_خلاص اتفقنا. أشوفك بكرة إن شاء الله. مع السلامة يا قلبي. قالها وقام بهدوء، حط إيده في جيب الجاكيت ودخل جوه. وهي فضلت مكانها بتبص عليه بعيون جيرانة وقربت الوردة من أنفها وشمّتها بسرحان وبتفكر في مستقبلها والخطوة اللي هتعملها. اتنهدت بضيق وغمضت عينيها تستمتع بريحة زهرتها الغالية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...