ثاني يوم الصبح طلع من الأوضة بعد ما غير لبسه البيتي للبس خروج أنيق، قميص زيتي وبنطلون أسود، وشعره متصفف بطريقة جذابة كانت بتلفت نظر البنات ليه، وبتعجب غادة أوي عند تحرك أفكاره ليها. ضيق حاجبه وهو بيقرب بخطواته من أمه اللي ابتسمت براحة أول ما شافته. ابتسم ليها وقال بهدوء وهو بيبوس إيدها: _صباح النور يا ست الكل. سحبت إيدها بسرعة وقالت بلطف: * صباح الخير يا حبيبي، كويس إنك صحيت. اقعد على ما أجهز ليك الفطار.
قالتها وهي بتشاور ليه يقعد على الكرسي اللي جنبها، فقال بسرعة وهو بيعدل وقفته: _لأ، مفيش داعي يا ماما. أنا عندي مشوار مهم هخلصه وأرجع، وأنا مابفطرش بدري كده. وكأي أم مصرية أصيلة، قالت بضيق وهي بترميم بنظرات تقيمية: * عشان كده خاسس ووشك بهتان وعينك دبلانة. مد إيده لوشه بخضة وقال بهمس وهو بيلمسه بطراطيف صوابعه: _وشي بهتان؟ هو باين عليه أوي إني كبرت في السن يا ماما؟
رفعت حاجبها مستغربة تصرفاته، من امتى بيهتم بالسن وهو أصلاً في عز شبابه، فقالت: * سن إيه يا بني ده؟ إنت لسه في عز شبابك، بس لازم تهتم بأكلك شوية عشان وشك ينور كده زي البدر. شوفني أنا فوق الستين بس اللي يشوفني ما يدينيش عشرين. ده بيفتكروني أختك الصغيرة. قالتها بدلال يناسب جمالها، خلاه يرفع حاجبه بدهشة وهو بيشوف أمه كأنها مراهقة، وبتكمل بدلال: * ده حتى لسه بيجي لي عرسان. ضحكت بخفوت وكسوف وحطت إيدها
على شفايفها وقالت بخفوت: * ده لسه واحد مكلمني، فاكرني لسه صغيرة. بس شكله ابن ناس ومتمسك بيه برضه. وشها أحمر وهو وشه كمان أحمر، بس أحمر بغضب. كور إيده اللي برزت عروقها، قطم على شفايفه: _عرسان إيه يا ماما؟ بس بصي أنا ماشي، أحسن أموتلك العريس اللي خلي وشك أحمر زي الطماطم. قالها بغيظ وخرج وهو بيبرطم. قال: عريس قال؟
ده اللي كان ناقص. ده أنا أروح بروحه بدل ما نشوف محمد باشا يطلع ليه كمان موضوع العريس. باشا، ماشي ماشي، شكلكم ادلعتوا بغيابي. لحقته أمه وقالت: * طيب إنت رايح فين بس دلوقتي؟ وإيه اللي عصبك كده؟ شكلك بتغير. _أنا بغير؟ قالها وهو بيلتفت ليها بوش حانق. * أيوه طبعاً، باينة أوي يا ابني. أعمل إيه أنا إذا كنت جميلة والكل بيجري ورايا. قولتلك سر الجمال الفطار أهم وجبة. افطر كده وانت هتبقى قمر والبنات تجري وراك يا حلو انت.
قالتها كأنها بتكلم طفل وبتشده من خده. نفخ بغيظ. التمثيلية دي كلها عشان يفطر؟ هز راسه يمين وشمال بضيق وقال وهو بيشيل إيدها من على وشه: _سلام يا ماما.
وكز على شفايفه وخرج. وهي بصت عليه بضيق. من يوم ما جه وهي ملاحظة أكله الضعيف وسرحانه الدايم. هزت كتفها بضيق ورجعت مكانها تضيع الوقت اللي حاسة إنه طويل من غير ابنها محمد الدلوع، وبتحاول تنسى أي حاجة وحشة حصلت ليه، وبتطمن نفسها إن ابنها الكبير معاذ هيقدر ينقذ أخوه. هو دايماً الدرع القوي ليهم.
معاذ خرج بخطوات سريعة ناحية عربيته اللي مأجرها كام يوم، الفترة اللي ناوي يقعدها هنا في ألمانيا، وراكن عربيته الحقيقة اللي هجر ركوبها من سنين، زي ما ركن غضبه من أخوه ورجع يساعده من الورطة اللي فيها. غمض عينه بضيق وفتحها بسرعة وهو شايف عربية كحلي أنيقة واقفة قدام شقتهم. فتح بابها بهدوء وركب براحة. استقر جوه العربية واتحرك بهدوء وبسرعة بطيئة شوية لأنه ما يعرفش الطرق كويس. رن تليفونه، فطلعه من جيب البنطلون لقي اسم "سعد" مزين الشاشة. ففتح بسرعة وهو بيقول بلهفة
وعينه على الطريق بتركيز: _أهلاً أستاذ سعد. طالما حضرتك بتكلمني بدري كده يبقى في خبر جديد، إن شاء الله يكون خير. فجاله صوت سعد الرزين: = صباح النور أستاذ معاذ. فعلاً أنا بكلمك عشان عندي خبر مهم هيهمك أوي بخصوص القضية. قبض على المقود بتوتر وقال بقلق: _قولي بسرعة. آخر التطورات؟ قصدي يعني أنا فاضي لو حضرتك فاضي، منمكن نتقابل تعرفني التفاصيل المهمة.
= مافيش داعي نتقابل. الموضوع ينفع في التليفون. بص يا سيدي، راقبنا أصحاب محمد أخو حضرتك، بس صاحب محمد اللي اسمه تامر ده لفت انتباهنا شوية بتصرفاته، فزودنا المراقبة عليه لغاية ما اكتشفنا إنه بيقابل واحد ديلر بيشتري منه مخدرات. ضيق حاجبه وقال وهو بيلف بالعربية يمين شوية ومركز قدامه: _بتقولي تامر ده؟ الولد صاحبه اللي قضى محمد اليوم ده عنده قبل الحفلة؟ أوك يا سعد. هو الولد ده لازم نعرف كل حاجة عنه. أنا شاكك فيه.
قال سعد بجدية: = هو كل الخيوط دلوقتي حوالين الولد ده. هو مدمن ومش بعيد هو اللي لفق التهمة ليه. عشان كده اديت فريقي الأوامر بأنهم يزودوا المراقبة عليه، وإن شاء الله قريب أوي هنمسك عليه دليل. اتنهد براحة بسيطة وقال بتأمين وتمني:
_يارب نقدر نثبت ده بسرعة. أنا واثق في أخويا وعارف إن تامر ده هو اللي ملفقه. المهم بس فريقك يعمل مهمته من غير أي غلط، وأنا تحت أمرهم في أي مصاريف. اللي هتحتاجوه من أجهزة وغيرها أنا هوفر ثمنها. المهم أخويا يطلع في أسرع وقت. الجلسة قربت والقضية لبساه لدلوقتي. جاله صوت سعد الحانق: = ده شغلنا حضرتك، وخليك واثق محدش هيقصر في القضية لأن القضية دلوقتي بقت قضيتنا إحنا كمان. تنحنح بحرج وقال بهدوء:
_أنا واثق في حضرتك وفي فريقك. أنا بس قلقان على أخويا. فطمنه وهو متفهم لقلقه: = متقلقش. كل حاجة هتكون زي ما إحنا عايزين وأكتر كمان. اتنفس بعمق وقال بامتنان: _إن شاء الله. ميرسي أوي لوقفتك ولمجهودك. = ده واجبي وشغلي. ولو في جديد هكلمك. عن إذنك دلوقتي. سلام. _سلام.
قالها بهدوء وقفل الخط وحط التليفون قدامه على التابلوه. وكمل سواقة وهو بيفكر في كل حاجة، في أخوه وفي غادة اللي بتبعد عنه. رفع إيده يلمس شعره بضيق. هو كبير عليها زي ما قالت. هو في نهاية العشرينات وداخل الثلاثين بعد كام شهر يتعدوا على الصوابع، وهي طفلة مراهقة مكملتش 18 سنة. ومع كده سحرته ليها. فرق السن بينهم كبير، بس هو لسه في عز شبابه زي ما قالت أمه، وهو متأكد إنها بتحبه ومفكرتش في فرق السن، بس خوفها منه ومن قربه ليها خلاها تقول كده.
السندريلا الهربانة من أميرها، اللي أخدت قلبه وعايزة تهرب من غير عقاب. وهو مستحيل يسيبها من غير عقاب. وعقابه ليها إنها تكون ملكه وجوه حصنه، حبيسة حضنه وبس. يعلمها تحبه وتنسى نفسها معاه. وده وعد، ووعد الحر دين عليه. ده تفكيره، وعينيه جواها إصرار كبير. *******
واقف قدام المراية بيتأمل هيئته الجذابة ببدلة عملية أنيقة بلون كحلي وتصفيفة شعر تلائم هيئته وتعطيه جاذبية أكثر. مسك البرفيوم بتاعه ورش على نفسه بعشوائية، ففاحت الريحة الساحرة أرجاء الغرفة كلها. مسك الفون ومفتاح العربية وخرج. قفل الباب بهدوء.
في نفس الوقت كانت بتخرج من أوضتها بهيئة ملائكية. رماها بطرف عينه ومشي من غير أي كلام. فقضبت حاجبها بضيق ومشيت هي كمان في الممر الطويل. سبقها وركب الأسانسير وضغط زر النزول من غير ما يستناها. آخر حاجة شافها وهي بتحاول تلحق الأسانسير بفستان زهري فاتح قصير لفوق الركبة، كانت زي أميرة من أميرات ديزني. وعينيه احتدت لما شاف اللي جاي وراها. وهي وقفت مصدومة وهي بتشوف الباب بيتقفل، وآخر حاجة شافتها نظراته ليها الجامدة ومتفحصة ليها.
في نفس الوقت، كورت إيدها بغضب وهمست بحدة: * وقح وقليل الذوق. شخص بارد وغبي. أخذت بالها على كمية الشتايم اللي رماها بيها، فزمت شفايفها بضيق. قدر يحول هدوءها وشخصيتها الجادة لشخصية عصبية وسليطة اللسان. هزت راسها بهدوء وربعت إيدها مستنية وصوله ليها عشان تنزل وتلحق موعدها.
وهو هناك جوه الأسانسير، مغمض عينه بضيق. حاسس بنار بتكويه، وخصوصاً وهو شايف الشاب الوسيم اللي وصلها الأوضة امبارح جاي وراهم. خلاه يندم إنه قفل ومستناش يركب معاه. لو شافه من بدري كان سحبها لجوه حضنه. ضرب الحيطة بغيظ. كان الباب اتفتح، خرج بعصبية وخطوات حانقة غاضبة واتجه لعربيته وهو بيحاول ينسى الجارة القاتلة بجمالها. ركب العربية واتحرك بسرعة كبيرة.
وعندها هي، وصل الأسانسير. ركبت. كان سام وصل وركب جنبها وهو بيقول بترحيب وهو بيعبث بأزرار النزول لتحت: _مرحبا يا رحيق. * أهلاً سام. قالتها وهي بتعدل وقفتها. الصمت عم المكان لغاية ما وصل لتحت. اتفتح وخرجت برقة. وخرج سام وراها، فكان أخوها واقف مستنيها ببدلة رصاصي أنيقة، هاتفا بهدوء: _ما لسه بدري يا حلوة. قالها بالعربية. فسام من بعيد مش فاهم الكلام وضيق حاجبيه، بس ما اهتمش أكتر ومشي.
غمزت أخوها بمرح وهي بتتأبط ذراعه وهتفت برقة وهي بتجبره على المشي معاها: * مش واخد وقتي على ما أبقى على سنجة عشرة. ده الجمال هو الكلام. ضحك عليها وعلى مرحها وقال بحب: _إنتي أصلاً حلوة من غير حاجة. وصل لعربيته وقال وهو بيسيب إيدها ويفتح الباب ليها: _بس إيه الحلاوة دي؟ الفستان هياكل منك حتة يا حب. ابتسمت بهيمان وهي تقبله من خده: * ميرسي أوي يا عمر. إنت اللي قمر يا قمر.
قالتها وانسحبت عشان تدخل العربية. قفل الباب واتجه لباب السائق وركب جنبها واتحرك بالعربية بسرعة هادية.
بعد نصف ساعة وصل خالد الشركة. ركن العربية مكانها ورفع راسه يشوف الصرح الكبير الضخم اللي تعب كتير عشان يبنيه. لقطت عينه اسم الشركة المتكون من رمزين K.H. أول حرف لاسمه وأول حرف لشريكه المرح حاتم. اتنهد بعمق. قد إيه حس بالإنجاز لما بنى اسمه في السوق وشركته بقت من أشهر شركات الأزياء والموضة. ابتسم بعملية وهو بيلتفت بجسمه لجوه المبنى اللي الكل استقبله بترحاب شديد وهو بيمشي بخطوات واثقة ووش عملي قاسي بعض الشئ عند الشغل، وبيكتفي بابتسامة لكل اللي بيرحبوا عليه. وما غفلش عليه نظرة إعجاب الموظفات عنده. بس عمره ما اهتم بإعجاب البنات، أو حب منهم مروة وبس اللي كانت سالبة قلبه، مع إنها أصغر منه، بس كانت كل حاجة عنده. وصل قدام مكتبه فشاف حاتم اللي
طلع يستقبله بمرحه المعتاد: = أووه البرنس وصل يا جماعة.. ايه يا بوس كل ده تأخير وحشتنا يا عم. قالها وهو بياخد وضع الأحضان. فضحك بهدوء وحضنه برفق وهو بيقول: _مع إنك مزعج يا واد يا حاتم، بس برضو وحشتني ماعرفش إزاي. وبعدين بعد، وقال حاتم بجدية مصطنعة وبيمثل الزعل: = أنا مزعج طيب، أنا زعلان منك يا بيبي. ضربه على قفاه وقال: _استرجل يا له شوية. وفتح باب المكتب ودخل لجوه. لحقه حاتم وهو بيحط إيده على قفاه بضيق وقال بغضب:
= يا بني ميت مرة بقولك إيدك المرزبة دي ابعدها عني، هو أنا قدك يا عم. اتجه خالد ناحية الشباك وفتحه وحط الستاير على جنب وهو بيراقب حديقة صغيرة مصممها بنفسه وقال بهدوء: _ماشي يا سيدي. ضيق عينه وقال بضيق وهو شايف فوضى في الحديقة: = أومال عم محمد فين؟ ضيق حاتم حاجبه بعدم تذكر. ولما شاف إشارة خالد ناحية الحديقة افتكر، فقال بهدوء واستغراب من اهتمام خالد الزايد: _الجنايني بتسأل ليه، في حاجة؟
= أيوه، أنا شايف الحديقة مهملة شوية، هو ما بيشوفش شغله ولا إيه. قالها بغضب بسيط. فسَمِع تنهيدة حاتم اللي قعد على الكرسي وقال: = عم محمد بقاله يجي شهر تعبان أوي، وإحنا مفضيناش نشوف حد يقوم بشغله لغاية ما يسترد صحته شوية. _ماله؟ عنده إيه؟ ده كان كويس قبل ما أسافر. قالها بقلق واضح وهو بيرجع مكانه قدام المكتب وقعد على كرسيه. = أزمة قلبية، بس دلوقتي بقي أحسن. فشاف الضيق على ملامح صاحبه اللي قال:
_ده كان زي الفل. عموما شوف محتاج إيه وأي مصاريف يحتاجها وفرهاله واصرفله شهر زيادة، متخليهوش يحتاج حاجة. متنساش إحنا بلد واحدة والمصريين لبعضهم. قالها وهو بيطلع الملف من الدرج. فهز حاتم راسه بالموافقة وهو فخور بصاحبه وقال بهدوء: = أوك، مع إن عملت كده وأكتر. أنا عارف قد إيه بتعزه. بعدين قام وهو بيعدل بدلته وقال بعملية:
= أنت كمان قوم، ورانا موديل حلوة نشوفها. أوضة الاجتماع جاهزة، تعالي نشوف لو في حاجة ناقصة قبل ما توصل. _هي لسه مجتش لدلوقتي؟ قالها بوش مكشر وكمل بضيق وهو بيبص على الساعة في إيده بغرور: = الساعة ١ يعني، شكلها مش قد مواعيدها والشغل ده ما يلزمنيش. حك وشه بغيظ وقال بعصبية بس حاول يكون هادي:
_لسه خمس دقايق يا أستاذ، على واحدة. وبلاش أسلوبك ده، خلي الليلة تعدي أوك يا خالد. متنساش دي مش أي موديل، دي عالمية. إحنا محتاجينها أكتر ما هي محتجانا. نفخ خالد بغيظ وقال بهجوم غير مبرر: = إيه يعني عالمية؟ أي واحدة غيرها تقدر تقوم باللي هتقوم بيه. _بس مش هتكون نفس النتائج، وأنت عارف كده كويس. أنا هسبقك، حصلني على هناك. قالها وخرج.
ليتنهد خالد بضيق. هو عارف إنه زودها شوية، بس عند الشغل ما بيحبش غلط أو مجاملات. قفل الملف اللي قدامه وقام بهدوء. رتب البدلة وخرج من المكتب. وصل لأوضة الاجتماعات لقي حاتم واقف مع سكرتيرته بيمليها شوية أوامر وهي بتسجل في النوت معاها. اتنحنح ودخل قعد مكانه بهدوء وهو مشغول في الورق قدامه.
وفي لحظات كان الكل قاعد مكانه. سمع صوت خطوات كعب عالي جايه في ناحيتهم. وشوية والباب فتح فظهرت ببلورتها الزرقاء تطل عليهم، وبجانبها ذلك الوسيم اللي محدش ركز فيه في حضرة جمالها وسحرها الطاغي. رفع وشه من على الورق لما حس بالصمت في المكان، فقابله زرقتها اللي بتسحر، فقال بصدمة: _أنتي. في نفس الوقت اللي شافته، امتعضت ملامحها بضيق يشوبها صدمة ونطقت هي كمان باللغة العربية: * أنت. وهمست الوقح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!