نايمة على السرير بتتقلب بهدوء، فاتحة بوقها على آخره وبتطلع أصوات مزعجة دليل على إرهاقها ودخولها العميق في النوم. صوت رنة التليفون أزعجها، فتقلبت الناحية الثانية بضيق وتملل، وهي بترمي الغطا على الأرض بعيد عنها. فصلت الرنة بس رن مرة ثانية فانزعجت أكثر، وحطت على راسها مخدة تمنع وصول التليفون ليها. ولكن مع استمرار الرن مرة والثانية والثالثة، وسمعت صوت جرس البيت، طرق خفيف في نفس الوقت. فانتفضت في مكانها بغيظ وهي بتفرك
في عينها وبتقول بضيق: "أوف، مين الرخم والمزعج اللي مصمم يقلق منامي انهاردة." مدت إيدها بغضب تسحب الفون تشوف مين اللي مصمم ترد عليه، فلقت اسم غادة مزين الشاشة. فزمت شفايفها وهي بتقول: "كان لازم أعرف مين غيرها هدام الراحة." ضغطت على زر الفتح، فوصلها صوت غادة المنزعج: "افتحي الباب ليه، أنا تحت."
قالتها بضيق وقفلت الخط. فرفعت مروة حاجبها بدهشة من تصرفها، هزت راسها بضيق وهي بتنزل رجليها عن السرير، لبست جزمة بيتي ونزلت لتحت تفتح وهي بتتأفف بغيظ. مجرد ما فتحت الباب، لقتها قدامها مكشرة، ومدت إيدها تبعد مروة من طريقها ودخلت وهي بتقول بغيظ وبتلف عينيها في المكان بفضول، أول مرة تيجي وعرفت توصل ليه من خلال وصف مروة ليها. "بتلطعيني ساعة بحالها تحت، رن رن والهانم مطنشاني أوي، ده أنا حتى شكيت إني عند بيت حد غلط."
ولفت لمروة اللي قفلت الباب بضيق ودخلت لجوه تحت نظرات استغراب من غادة، هامسة بضيق: "مش كنت نايمة يا بنتي؟ ده انتي قومتيني من أحلى نومة. إيه اللي جابك في الوقت المتأخر ده؟ قعدت على الكرسي وهي بتتاوب. فرفعت غادة حاجبها بدهشة وقربت منها وقالت: "متأخر إيه يا بنتي، ده احنا لسه مأدنش المغرب. وبعدين إيه، تاخديني في توكة كده من غير ما تستقبليني حلو؟ دي أول مرة أجي عندك."
ضحكت مروة بصخب وهي بتقوم من مكانها تسحب غادة في حضنها، وهي فعلاً كانت مشتاقة ليها ولحضنها. وهتفت بمرح وهي بتربط على ضهرها بلطف: "حلوة عندي دي، محسساني إنه بيتي أنا." بعدت عنها وقالت بحب واشتياق وهي بتمسك إيد غادة بين إيديها: "تصدقي، كنتي وحشاني قوي." زمت غادة شفايفها وبعدت عنها وقالت بضيق وتذمر طفولي: "علشان كده طول الفترة اللي فاتت مبعتليش عنوانك صح." اتنهدت مروة بضيق وقعدت على الكرسي بإهمال، وعينيها فيها نبرة حزن.
"ما انتي عارفة يا بنتي، كنت خايفة عاصم يكون بيراقبك ويعرف مكاني." قعدت غادة جنبها بهدوء وهي بتراقب وش صاحبتها المضايق، فمدت إيدها تمسك إيد مروة بلطف بين إيديها تطمنها بوجودها جنبها. فالصاحب الحقيقي هو اللي بيفهم صاحبه من غير ما يتكلم. ابتسمت برقة وقالت بتفهم:
"فهمياكي أوي يا مروة، وعارفة اللي بتمرّي بيه. عايزة تعرفي إني في ضهرك دايمًا مهما كان اختيارك، فأنا هدعمك فيه. بس في موضوع عايزة أحكيه ليكي، وساعتها تقدري تحددي اللي هتختاريه من غير ما تندمي بعده." ضحكت مروة بلطف وقالت وهي بتسحب إيدها، بس لمحت في إيد غادة الأنسيال. "إيه الجدية دي؟ مسكت الأنسيال في إيد غادة وشافت أول حرفين لاسم غادة ومعاذ، فابتسمت بمكر وهي بتقول بخبث: "بس إيه الحلويات دي؟ مين جابوه ليكي؟
لأ وكمان مكتوب عليه حرفين، استني كده أشوف الحرفين." سحبت غادة إيدها بسرعة وتوتر وقالت بكسوف ووشها لتحت: "هو أنا محكتلكيش؟ هزت مروة راسها بالرفض وهي بتقول بمرح ومشاكسة: "لأ مقولتيش. شوف إزاي ها؟ قوليلي، إحنا لسه فيها يا حب." اتنحنحت غادة بارتباك ولفت وشها بعيد. "مش أنا ومعاذ اتصالحنا." ابتسمت مروة بفرحة، بس كشرت وشها بتمثيل وقالت بمكر: "لأ والله؟ وده من إمتي؟ مش ده اللي كرهتيه وبخاف منه؟ ده بعبع."
قالتها بتقليد لنبرة غادة. ابتسمت غادة بخجل وحطت إيدها على شعرها بارتباك وقالت: "احم، انهاردة صالحني وأداني الأنسيال ده هدية، وقالي ده تذكار لينا وأول حروف أسامينا محفور عليه." سكتت واتنهدت بصوت عالي، وبعدين كملت: "هو قصة طويلة." "احكيلي يا بنتي، هو وأنا ورايا حاجة؟ إزاي قدر سي معاذ يغير رأيك؟ ضحكت بخجل وقالت: "فيكي تقولي خطفني واقنعني زي الروايات." فتحت مروة عينيها بصدمة وقامت بسرعة وهي بتقول بمرح:
"استني يا حب، أجيب فشار عشان تحكيلي بالتفصيل. ها بالتفصيل." فضحكت غادة عليها وهزت راسها باستسلام. ولحظات كانت مروة قاعدة جنب غادة على الكنبة وفاتحة كيس شيبسي فشار بتاكل منه وقالت بابتسامة: "يله احكيلي بقى." حطت غادة إيدها على شعرها بارتباك وحكت ليها بالتفصيل من أول محاولتها في الهرب لحد ما شالها وأخدها للمطعم، وإزاي قدر يغير من نفسه عشانها. كل ده ومروة عينها بتوسع مع كل كلمة. ضيقت حاجبها لما غادة سكتت وبصت بعيد وقالت
بهيام وهي بتلعب بشعرها: "ده حتى اتغير قوي علشاني أنا. عصبته وهو فضل هادي واستحمل كل ده. ولا ده كمان احتواني واحتوى خوفي منه. أنا كنت مرعوبة أول ما شوفته، وقولت هيبهدلني بسبب اللي قولته ليه قبل السفر، وكمان عشان هربت من المدرسة. بس تصرفه صدمني وفرحني في نفس الوقت." قطمت شفايفها بين سنانها، فاتنهدت مروة بهيمان وقالت بمكر: "ده طلع واقع قوي فيكي يا حب، مش قولتلك إنه بيحبك؟ رفعت غادة حاجبها وقالت بسخرية:
"إنتي قولتيلي برضه يا مروة؟ ده انتي اللي شجعتيني أسيبه يا شيخة." قامت بغيظ وهي بتسحب كيس الفشار بين إيدها: "يعني أنا اللي غلطانة عشان كنت بهديكي وأقولك إن اختيارك الصح؟ يله أنا غلطانة. بعد كده متجيش تشتكيلي تاني من سي معاذ بتاعك اللي واخدك مني." قالتها بتذمر طفولي وغيره وهي ماسكة في إيدها كيس الفشار. فسحبتها غادة من إيدها وشدتها تقعد مكانها من تاني وقالت بهدوء: "يا بنتي، اهدي. متبقيش قفوشة كده."
بصت مروة عليها بطرف عينها، وبعدين مدت إيدها جوه الكيس وطلعت واحدة وأكلتها وكملت: "أوك، يله كملي. بس تصدقي فرحتيني والله، على الأقل واحدة فينا تفرح." قالتها وعينيها بدأت تلمع بدموع. رفرفت بعينيها عشان تمنع نزول دمعة تبين ضعفها. فقربت غادة منها وقالت: "بس انتي كمان عندك الحب. عاصم بيحبك على فكرة. أنا جايه عشان... قاطعتها مروة بحدة وهي بترفع إيدها قدام وشها توقف استرسالها للكلام:
"لو سمحتي يا غادة، متجيبيش سيرة الخاين ده تاني." همت غادة تتكلم: "بس اسمعيني." قاطعتها ثاني وهي بتحط فشار في بوق غادة وقالت بهدوء وهي بتحرك راسها بسأم: "كلي واسكتي يا غادة، متبرريش للخاين ده. أنا خلاص نسيته أصلًا. مش كلهم زي معاذ حبيبك بيعرفوا يحبوا بجد ويخلصوا للي بيحبهم."
بلعت غادة الفشار وبصت عليها بضيق. بس مروة كملت وهي بتحط الكيس على الطرابيزة بغيظ وبنفس اللهجة كملت برغي بعيد كل البعد عن شخصيتها الهادية، وكأنها واحدة تانية هي نفسها متعرفهاش. "يا بنتي، الرجالة دول خاينين بطبعهم. دول وهم صغيرين بيرضعوا لبن بنكهة الخيانة. بس احنا اللي هبل قوي وبنكذب عينينا." سكتت شوية تلهث بعنف كأنها كانت بتحارب، وبصت على غادة بدقة وقالت بثرثرة مناقضة لأول كلامها، وبتطعن في حب معاذ:
"طيب عارفة سي معاذ بتاعك ده هيفضل يجري وراكي لحد ما يوقعك في شباكه؟ وهو عارف إنك هبلة وهتقعي بسهولة، ما هو فاهم ومقطع السمكة وديلها. وبعدين هيلعب بديله ويخونك. اسمعي مني، دول خاينين، ما يمليش عينهم غير التراب اللي نجيبه كده ونخزق بيه عينهم الفارغة عشان يتعموا. قولي إن شاء الله."
قالتها بانفعال وحركات إيدها مضحكة وهي بتشاور على العيون كأنها بتتخيل عاصم قدامها دلوقتي. خلي غادة تفتح بوقها ببلاهة، وكمان فتحت غادة عينيها بصدمة من تفكير صاحبتها، والمرة دي هي اللي مدت إيدها تاخد كمية من الفشار وقفلت بيه بوق مروة اللي بصت عليها باستغراب وكشرت بوشها. فسمعت غادة اللي اترعبت على حبيبها وقالت في بداية كلامها بهدوء، ومع الاستمرار اتحول لإنفعال هي كمان:
"بعد الشر على معاذ يا أختي، وبعدين ممكن تهدّي وتسمعيني بقى؟ استاذ الخاين بتاعك، قصدي عاصم، مطلعش بيخونك. دي بنت لئيمة ولفّت عليه، بس هو خد حقك منها وطردها زي الكلاب من الشركة بتاعته وقالها: 'إلا مراتي يا ولية يا أرشوانة انتي.'"
قالتها بتمثيل الجدية وهي بتزود الحبكة من عندها عشان تقنع مروة. وسكتت وهي أفرغت كل اللي جواها، وهي بتراقب انفعال مروة اللي كانت هادية أكثر من اللازم ونظراتها غامضة، وشافتها بتبلع الفشار ببرود وحطت الكيس بعيد على الطرابيزة وبتقول بفضول مع نبرة باردة زي الجليد: "عرفتي الكلام ده منين؟ اتنفست بقوة وبعدين مدت إيدها وسحبت إيد مروة بهدوء تديها الدعم كله، وعينيها مثبتة على عين مروة اللي خالية من أي تعبير.
"من معاذ. أيوه يا مروة، معاذ حكالي كل حاجة وقال إنه عمل كده عشان ينتقم منها ويرجع حقك وتثقي فيه من تاني. هو بيحبك بجد." قالتها بهدوء وهي بتطلع على ملامح مروة اللي غمضت عينيها وسحبت إيدها بهدوء ومسحت بإيدها على وشها، وبعدين قامت بهدوء رافضة تصدق أي كلام وادت ضهرها لغادة. "معدش ليه لازوم الكلام ده دلوقتي يا غادة، بعد اللي شوفته بعيني. مستحيل أساعمه أو أديه قلبي من تاني. أنا مصدقت أنساه، كفاية عليه وجع."
قالتها المرة دي وحطت إيدها على صدرها مكان قلبها بالظبط، تضغط عليه بهدوء. فقامت غادة تواجهها ووقفت في وشها وحست بالوجع لما شافت نظرة الانكسار في عيون صاحبتها. بس كملت بعزم: "بس هو بيحبك." لفت بجسمها وقالت بتعب: "أنا تعبانة منكن. نقفل على الموضوع ده وتعالي نرتاح في الأوضة شوية." اتنهدت غادة وهي بتمسك الفون في إيدها: "لأ، أنا اتأخرت ويدوب ألحق أروح." لفت بوشها ناحيتها وقربت منها بهدوء: "طيب ما تباتي معايا."
زفرت غادة بقوة وهي بتقول: "كده الكل هيعرف بمكانك. هقول لأهلي إيه وهبات عند مين؟ وهم عارفين إنك طفشتي من البيت بقالك فترة." غمضت عينيها بضيق وقالت بهدوء: "أوك، عندك حق." قربت منها غادة خطوة واحدة وقالت وهي بتبص على عينها اللي باين فيها الحزن والزعل: "متزعليش مني، وياريت تفكري في كلامي. وادي نفسك فرصة تسمعيه لو مرة واحدة. مش هقولك ارجعي ليه، بس هقولك اقعدي معاه وخليه يديكي سبب مقنع، مش يمكن هو بريء؟ قاطعتها مروة:
"وافرض خاين؟ قالتها بهجوم ووجع: "ويمكن بريء برضه." اتنهدت مروة بضيق. فقربت منها غادة ثاني وشدتها لحضنها وربتت على ضهرها بحنان وهي بتهمس جنب ودانها: "صدقيني مش هتخسري لو سمعتيه." بعدت عنها وباستها في خدها واتحركت لبره. اتبعتها مروة تودعها، فسمعتها بتقول بهدوء: "باي." "باي."
قالتها بنبرة حاولت تخلي فيها روح، بس الحقيقة خرجت باردة. ابتسمت بتوهان وقفلت ورا غادة وسندت ضهرها على الباب. غمضت عينيها ودموعها نزلت بقهر. افتكرت إنها عدت المرحلة دي، بس اكتشفت إنها لسه عند نفس النقطة. مدت إيدها مسحت دموعها بعنف وحنق من نفسها، وبعدين طلعت على أوضتها بخطوات بطيئة ومترددة بتفكر في كلام غادة. قعدت على السرير واتنهدت بصوت عالي وهي محتارة، مشاعرها مشتتة. فرحانة لأنه نصرها على البنت جودي اللي طول الوقت
بتكرهها وبتعاملها على إنها طفلة صغيرة، وفي نفس الوقت غضبانه منه. كل ما تفتكر مشهده مع جودي في أوضته وهو مقرب منها بطريقة مهلكة، بتحس بنيران الغيرة بتلتهمها. وعند الفكرة دي، كلمة الغيرة هنا اتأكدت إنها لسه بتحبه وصعب تنسى حب مراهقة وطفولة وحب وحيد مر عليها طول عمرها اللي مكملش الثامن عشر. وقفت زي اللي لسعتها أفعى سامة وبدأت تتحرك في الأوضة بجنون، ومشاعرها زي وحش ضخم بينتهك روحها ويلقيها في بير عميق وهي ما بتعرفش تعوم.
قربت من الفون ومسكته بإيد مرتعشة، فتحت قايمة الأسماء ومدت إيدها على اسم مها. أيوه، قررت تكلمها وتطمن عليها. ده اللي حاولت تقنع نفسها بيه، بس الحقيقة إنها عايزة تعرف أخباره أكتر. استنت لحظات وبعدها وصلها صوت مها المتفاجئ لما شافت اسمها بيلمع على شاشة تليفونها بعد ما كانت قافلة فونها من يوم ما سابت البيت.
"مروة، دي انتي؟ غمضت عينيها باشتياق لسماع صوتها وهمست بخفوت ورقة: "أيوه أنا. ازيك يا مها؟ عاملة إيه؟ "وده يهمك يعني؟ بعد ما سبتي البيت ومشيتي من غير حتى ما تعرفيني وتطمنيني عليكي. أنا زعلانة منك أوي. انتي عارفة إنك أكتر من أختي وقد إيه كنت مرعوبة عليكي لتكوني أذيتي نفسك. أنا فعلاً زعلانة أوي."
قالتها بهجوم وحدة، وفي آخر كلامها اتحولت لنبرة حانقة ومعاتبة. أجلّدت مروة من الداخل، وخصوصًا إنها عارفة إنها غلطت بأنها بعدت عنها فجأة، بس قلبها كان مجروح ومفكرتش بأي حد خالص. فبلعت ريقها بتوتر وزفرت بضيق وقالت بخفوت: "أنا آسفة أوي يا مها. أنا... سكتت وبلعت ريقها ورفعت عينيها لفوق بضيق وكملت بخفوت:
"أنا عارفة إني غلطانة وإني قلقتك معايا، بس صدقيني أنا كنت في وقت يأس أوي. مكنتش في وعي، كنت زي الجريح اللي مش لاقي علاج. قلبي كان بينزف أوي يا مها. أخوكي وجعني أوي. كان صعب عليا أوي أشوفه بيخوني بعيني وأهدي أو أنسى." سكتت بوجع، شهقات متأملة خرجت منها وزادت في صورة عياط وهي بتقول بوجع: "أنا آسفة، عشان خاطري سامحيني." سكتت بس صوت عياطها زاد وهي بتحاول تهدى وتكتمه. فعيون مها اتقلبت بحزن وقالت بهدوء تواسيها:
"مروة حبيبتي، أهدي لو سمحتي، بلاش عياط. كل حاجة هتتحل. انتي بس ارجعي." قالت بنبرة متقطعة وحدة في نفس الوقت: "مفيش حاجة هتتحل. قلبي عمره ما هيرجع زي الأول. اللي اتكسر ما بيتصلحش. اللي اتكسر بيعور. صدقيني بيعورني أنا قبل ما يعور عاصم أو إنتي كمان." قالت آخر كلامها بوجع. فجالها صوت مها اللي بتحاول تعرف مكانها: "طيب انتي فين؟ خليني أجيلك على الأقل." مسحت دموعها اللي نزلت بانهيار وهديت شوية وقالت
بهدوء ونفي وهي بتهز راسها: "مش هقدر أقولك مكاني، سامحيني. هو عاصم كده هيعرف وأنا مش عايزاه يعرف. أنا بس حبيت أطمنك عني وعشان إنتي وحشتيني أوي، حبيت أسمع صوتك وأقولك سامحيني." "إنتي كمان وحشتيني، وصدقيني مش هعرف عاصم خالص." "بليز يا مها، متضغطيش عليه. الوقت المناسب هبعتلك العنوان أو أقابلك بره في أي مكان." اتنهدت بصوت عالي ويأس. فقالت بآخر محاولة ليها: "هتيجي إمتى طيب؟ انتي مش هتفضلي هربانة العمر كله؟
مصيرك ترجعي بيتك." بهجوم اتكلمت وهي بتنتفض من مكانها: "مش هرجع تاني أبداً. أنا معرفش هعمل إيه، بس اللي أعرفه إني هطلق من عاصم. استحالة أكمل معاه تاني بعد اللي حصل." سمعت تنهيدة مها العالية قبل ما تقول بمناهدة: "خلاص طيب، أهدي انتي بس واللّي عايزاه هيحصل، وأنا هقف معاكي تمام." سكتت مروة واتحركت من مكانها، وقفت قدام المراية بتتحسس وشها بتوتر وقالت بتلعثم: "طيب هو، هو يعني عاصم عمل إيه لما أنا مشيت؟ هو يعني بيدور؟
قاطعتها مها بمكر بعد ما رفعت حاجبها لفوق: "قلب الدنيا عليكي. مسبش مكان مادورش عليكي فيه. لو شفتيه دلوقتي يصعب عليكي. شكله تعبان أوي ومرهق، ده مينامش الليل. طول الوقت بيدور عليكي أو يلهي نفسه في الشغل عشان ينسى." زفرت جامد وهي بتقف قدام الشباك، فشافت عاصم بيركن العربية في الكراج. فقالت: "بييجي البيت في نص الليل ومن النجمة بيروح الشغل. أووه، ده جه دلوقتي. أول مرة ييجي بدري من يوم ما مشيتي. تخيلي، المغرب بقى بدري أوي."
بعدت مروة من قدام المراية ورجعت بخطوات بطيئة وحزينة لسريرها وقالت بجمود عكس البركان المشتعل جواها: "حاسة بالوجع والقهر عليه، وده زود حنقها. طيب أنا هقفل دلوقتي وأبقى أكلمك بعدين." قالتها وقفلت بسرعة من غير ما تسمع رأي مها، ورمت التليفون على السرير وانفجرت في العياط. حطت إيدها على وشها تخفيه، وصوت عياطها العالي كان بيهز أركان البيت. ***
عند عاصم، ركن العربية في مكانها ونزل منها بهدوء. اتحرك لجوه وفي إيده المفتاح والفون. كان وشه مكشر وعيونه حمرا من قلة النوم. فتح باب الشقة، فلقى أمه في استقباله بابتسامة قلقة وقالت وهي بتقوم ناحيته: "= حبيبي عاصم، إنت كويس؟ أخيراً رجعت." هز راسه بضيق، بيكره إنه يتعامل كأنه شخص بائس مسكين. فمسكت كتفه برقة وهمست بحزن لحاله:
"= طيب يا حبيبي، اطلع غير هدومك واستحمى كده وانزل لتحت أكون جهزت الأكل ليك. أنا عاملة أكل إنما إيه يستاهل بوقك يا حبيبي." قالتها بمرح بسيط عشان تخرجه من حالة الحزن اللي هو فيها من ساعة اختفاء مروة. كان هيعترض، بس نظرة الرجاء في عينها خلاه يعيد حساباته ويهز راسه موافق لكلامها وقال بلطف وهو بيمسك إيدها ويرفعها لشفايفه يبوسها برقة: "تسلم إيدك يا ست الكل." "= ربنا يرضى عنك ويريح قلبك يا حبيبي."
"يارب يا ماما، يارب. عن إذنك أطلع أنا بقى."
قالها بهدوء وطلع لفوق تحت نظراتها الحزينة اللي بتتبعه وبتدعي ليه. دخلت هي المطبخ تجهز الأكل ليه وهي بتفتكر اليوم اللي سابتهم فيه مروة وقد إيه اتوجعت لبعدها عنها. مروة بنتها، ويمكن بتعتبرها أكثر من بنتها. لامت ابنها الأول على هروبها، وبعدين هديت عليه لما شافت حزنه الكبير وبحثه عنها. كل اللي عايزاه ترجع بنتها لحضنها من تاني وترجع لابنها فلذة كبدها اللي هي متأكدة بعشقه لمروة. قربت من البوتجاز وبدأت تسخن الأكل ليه وهي بتدعي إن قلبه يرتاح ويرجع لعشقه من تاني.
أما عند عاصم، طلع على أوضته دخل الأوضة وقفل الباب وراه بهدوء. خلع الجاكيت عنه ورماه على السرير بإهمال، وبعدين اتجه للحمام بخطوات متعبة. وقف تحت الدش مغمض عيونه والماية بتنزل عليه بهدوء، بس هو كان في مكان تاني. قلبه وعقله معاها. هي معذبة قلبه، لو تعرف بمقدار حبها في قلبه عمرها ما كانت هتفكر تبعد عنه ولو لحظة واحدة. حط إيده على الحيطة والماية لسه مستمرة بتنزل عليه، يتمنى لو تغسل قلبه زي جسمه بالظبط. ظهرت في مخيلته نظرتها اللي بتلومه على خيانته ليها،
ضرب بإيده على الحيطة وهمس: "أنا عمري ما أخونك، عمري. أنا غبي وضيعتك." مد إيده قفل الماية، وبعد لحظات كان طالع من الحمام ولافف جسمه بمنشفة وصدره عاري فيه قطرات مايه بتسيل عليه بهدوء. وفي إيده الثانية بينشف شعره بمنشفة ثانية. قعد على السرير ومسك الفون في إيده بيقلب فيه بملل. قام انتفض من مكانه بغضب ورمى المنشفة بعيد عنه على الأرض لما شاف الرسالة اللي وصلته من رقم مش متسجل وكان مضمونها:
"= مروة عمرها ما هتكون ليك، ابعد عنها بقى وسيبها للي يقدرها." هتف بوحشية وعيون مشتعلة كأن شيطان اتلبسه في اللحظة دي: "يا ابن الـ... وهدمرك بس أعرف إنت مين وهجيبك." قام بغضب طلع لبس بيتي ودخل أوضة اللبس. وبعد لحظات كان واقف في نص الأوضة لابس ترنج بيتي مريح لونه كحلي غامق، واقف قدام المراية بيسرح شعره بعيون مظلمة. اتجه للسرير ومسك الفون بين إيديه، فتح الرسالة من تاني، فاشتعل بغضب وكوّر إيده بغضب حتى ابيضت مفاصله.
همس بفحيح غاضب زي الأفعى: "هجيبك يا مروة لغاية هنا ومش هسمح لأي مخلوق يهوب ناحيتك." قالها وخرج من الأوضة وقفل الباب وراه بعنف. *** "نزلني هنا بقى وكفاية لحد كده، حرام عليك." قالتها رحيق بغضب بعد ما بصت على الطريق ولقت إنها وصلت لطريق سريع وفيه عربيات، ودي فرصتها تركب أي عربية وتبعد عن مرمى خالد اللي بيسوق بسرعة. وزود من سرعته أكتر لما سمع اعتراضها، دلوقتي كأنه بيعاندها. كورت إيدها بغضب وكملت بنفس الغضب:
"أنا بكلمك على فكرة، وبلاش أسلوب البرود والاستفزاز ده معايا. إنت عايز مني إيه؟ بقالك ساعة بتسوق وأنا خلاص مبقاش عندي صبر أفضل معاك دقيقة واحدة زيادة. يله اقف على جنب واعتقني بقى." ضغط بإيده على مقود العربية بعصبية شديدة كأنه بيحاول يهدي عشان ما ينفعلش عليها وهمس بحدة وهو بيجز على أسنانه بقوة: "هم كلمتين وبس. هنقعد في أي مطعم قريب من هنا وهتسمعيني." قالها بإقرار وأمر استفزها أكثر، فضربت بعصبية التابلوه اللي قدامها
عدة مرات وقالت بحدة وعند: "مش عايزة أسمعك، ونزلني هنا بقولك نزل." ابتلعت باقي كلامها لما التفت خالد ليها بعصبية ومسك فكها بعنف بين صوابعه وشدها ناحيته بغضب، ففتحت عينيها بفزع على آخرها ورمشت عدة مرات بصدمة وهي بتسمعه بيهمس في ودانها بعنف وحدة، ومع كل كلمة كانت دقات قلبها بتعلي بخوف وتوتر من قربه المهلك ليها: "قلتلك هم كلمتين وبس. ياريت تهدي وتعقلي بقى عشان أنا على آخري، فاهمة؟
سكت وهو بيلهث بعنف زي اللي كان بيحارب، وعينيه اتمسكت بزرقتها اللي سحبته لعمق البحار. وهي كمان صوت أنفاسها عالي وقوتها اختفت وهي بتتعمق في نظراته من غير ما تحس. لقت نفسها بتنسحب لبعيد بعيد أوي عن بر الأمان. وقطع تأملهم هو انجذابه ليها أكثر، وعينيه اللي انتقلت لكرزيتها بتشده ليها زي حورية البحر، وهو استجاب بكل حب وقرب أكثر منها بعد ما خفف قبضته على فكها وبقت أكثر رقة وحنان على بشرتها الرقيقة. بلع ريقه بتوتر وهمس بخفوت وهو بيحني راسه ناحية وشها، وهدفه واضح، وفي نفس الوقت
بيقرب وشها منه بهيمان: "فاهمة؟ كان وصل ليها، وقبل ما يلمس شفايفها كانت فاقت مع اتساع عيونها. فصرخت برعب وهي بتبعد وشها عنه، وبايدها الاثنين مسكت راسه وخبطتها في تابلوه العربية بكل عنف وهي بتقول بعنف وحدة: "آه يا قليل الأدب يا و...
بس صرخت أكثر لما لقت العربية بتنحرف عن الطريق، وهو لسه بيتألم من راسه اللي نزفت دم. فقربت تحاول تتفادى أي حادثة وخصوصًا وهو بالحالة دي وتتحكم في العربية، ومسكت المقود بإيدها الاثنين ورجليها دوست على الفرامل في آخر لحظة. كان هو اتعدل واستلم منها المقود وقدر يوقف العربية على جنب في نفس اللحظة. كانت دوست على زرار فتح العربية الإلكتروني وفتحت الباب بكل قوتها. رمته بنظرة كره وهو بيرفع راسه ناحيتها وحاسس بالندم. بلع ريقه
والدم بينزل من راسه بسبب الخبطة. للحظة حس إن نظرتها كانت بتلومه. فاق على نزولها من العربية وقفلت الباب وراها بعنف. فاتنهد بضيق وهو بيتابع ابتعادها عنه. مد إيده على جبهته لقي الدم في إيده، فزفر بقوة وهو بيوعد نفسه ينزل يعتذر منها. عارف إنه اتهور وخوفها منه بتصرفه الوقح، بس هو إنسان وضعف قدام جمالها وعشقه اللي اكتشفه مؤخراً. هو السبب. راقبها بنظرات حزينة وهي بتقف على جنب الطريق مربعة إيدها بحدة ووشها مكشر وغاضب. أخد
نفس عميق، لازم يعترف ليها بكل حاجة. فتح الباب ونزل هو كمان، ما فتوش ارتباك نظراتها ليه أول ما شافته بيتجه ليها، والخوف اللي حاولت تخفيه بغضب كامن في مقلتيها. عينه جت على إيدها، فلقاها مكوراها بغضب وتنفسها كان بيزيد بحنق وغضب. وأول ما وصل بخطواته ناحيتها وبقى قدامها، رجعت هي
خطوة لورا بخوف وهتفت بغضب: "إنت عايز إيه ها؟ عايز تنتقم مني عشان ضربتك صح؟ بس اللي لازم تعرفه إنك تستاهل كده وأكثر." "لأ." همهم بها بهدوء وهو بيقرب منها ببطء وخطوات مدروسة خلاها ترجع خطوة مشابهة ليها مع ترقبها ليه. فوقف مباشرة قدام وشها وقال بهمس: "لأ، أنا عمري ما أفكر أذيكي أو أنتقم منك. وبصراحة إنتِ عملتي الصح، أنا أستاهل منك الكف ده." قالها وهو بيتلمس خده اللي لونه محمر.
"أستاهل أكثر منه كمان. ده بالعكس، الكف ده فاقني للحقيقة اللي كنت بهرب منها." قرب منها وعيونه بتلمع ومد إيده مسك إيدها بين إيديه وقال بحنان: "أنا بحبك يا رحيق، ومن زمان كمان. بس كنت أعمى وقماشة سودا على عيوني. اديني فرصة واحدة أثبتلك فيها حبي. أنا بحبك."
مع كل كلمة كان بيضغط على إيدها برفق عشان تحس بيه، وعيونه عليها بحب. لاحظته هي بوضوح، فهي ليست مراهقة وتقدر تفرق. بس فضلت إنها تسكت للحظات ونظراتها ليه غامضة، وفضلت تتنقل بعينيها بين ملامحه ببرود جمده، وخصوصاً لما شافت ابتسامة متهكمة بترتسم على شفايفها. وطلع صوتها اللي قطع الصمت بنبرة ساخرة هادئة بيه وبحبه واتهام ليه واضح: "بتحبني صح؟
هز راسه ليها بسرعة، فنفضت إيدها منه بعنف وبكل الغضب اللي جواها منه ومن كل الظروف اللي مرت عليها في حياتها والأسْرار اللي في بئر عميق رمتها جواه. "علشان كده هزقتني واهنتني قدام الكل." ضربته على صدره بعنف مرة واثنين وهتفت بعنف وغضب وعيونها مشتعلة ببركان يهدد يحرق الكل، يحرق الأخضر واليابس: "إنت قللت مني وطعنتني في شرفي وأخلاقي وكأني واحدة زبالة بترمي نفسها في أحضان الرجالة. كل ده وجاي تقولي بحبك؟
لو ده الحب في نظرك خليني أقولك إنك أكثر إنسان همجي وغبي ومتخلف." كل شتيمة ليه بتخرج من بين شفتيها كانت إيدها سبقاها وهي بتضرب صدره بعنف. هو اتفهم غضبها وكان واقف ثابت يستقبل هجومها عليه بنظرات حزينة لأنه هو اللي وصلها للمرحلة دي. وفي آخر شتيمة مسك إيدها اللي بتضربه بلطف وقال: "أنا آسف، صدقيني. عملت دي من غيرتي عليكي."
شدها ليه أكثر فاصطدمت في صدره، رغم مقاومتها ليه. فحط إيده ورا راسها من وره يجذبها ناحيته ويمنع ابتعادها عنه. وبعدين حط جبينه على جبينها وكمل بنبرة هامسة معتذرة، رغم محاولتها لبعدها عنه، بس في النهاية استسلمت ووقفت وهي بتتنفس بصوت عالي:
"أنا كنت بموت. سهم انغرس في قلبي لما شفتك قريبة أوي من مصطفى. كان حاضنك بتملك. نار جوايا اشتعلت. نار غيرة أول مرة أحس بيها. الحضن ده من حقي أنا، لأن أنا اللي بحبك بجد. صدقيني محستش باللي عملته إلا بعد ما خسرتك وجريتي مني. أنا بحبك، عشان خاطري سامحيني وانسي اللي حصل."
استكانت بين إيديه، فحس بأمل كبير. بعد جبينه عن جبينها، بس لسه فاضل متمسك بيها. إيده محوطة خصرها ووشهم قريب أوي من بعض. أنفاسه كانت بتضرب صفحة وشها برقة وهي بتتنفس بعنف. وزرقتها متمسكة بعيونه من غير أي رد فعل. لتسمعه بيكمل: "أنا بحبك يا رحيق، وعارف إن في مشاعر جواكي ليه."
ابتسمت برقة وزادت اتساع ابتسامتها. مدت إيدها ناحية إيديه اللي ماسكة خصرها بتملك وبعدتهم عنها بهدوء. وهو استجاب لحركتها زي المسحور بتلك الابتسامة اللي اتحولت لابتسامة سخرية، وهي بتقرب وشها من وشه وعينها في عينه: "وأنا بحبك." ابتسم ليها، بس ابتسامته اختفت تدريجياً لما سمع صوت ضحكتها الساخرة وهي بتبعد خطوة لورا وبتهز راسها بتهكم، وبنفس السخرية قالت بعد ما قطعت ضحكتها واتحولت نظرتها لقتامة وبقت زي لوحة من الشيطان بحدتها:
"أنا بحبك دي الكلمة اللي استاذ خالد مستنيها مني صح؟ بهت وشه وانسحب الدم من جسمه مع كل كلمة بتخرج منها اللي زي السكينة بتخترق قلبه. ليسمعها تكمل بسخرية: "لأ وكمان عاجبني ثقتك في نفسك أوي. قال إيه شايف مشاعر جوايا ناحيتك." فتحت عينيها على آخرها وبوقها في نفس الوقت بسخرية وشاورت على نفسها وقالت بقتام:
"أنا بحب أطمنك يا خالد، أنا مبكنش مشاعر لأي حد. حتى إنت اللي واقفة قدامك دي رمت قلبها من زمان أوي في بير عميق ومستحيل تسترجعه من تاني. كل اللي عايزاه إني أبني مستقبلي وبس." بلعت ريقها بوجع وادته ضهرها وهي بترفرف بعينيها تمنع نزول دموعها اللي بتهدد إنها تخرج من محجرها اللي محبوسة فيه. بس اجفلت من مسكته لإيدها بعنف وادارها ناحيته وقال وهو بيحاوط وشها بين إيديه بيقول بلهفة: "متقوليش كده يا رحيق، بلاش تظلمينا." بعدت إيده
عن وشها بعنف وقالت بتهكم: "أظلم إيه بس؟ الظلم ده لو في بينا مشاعر وقصة حب متبادلة بينا." قربت منه وقالت بقسوة: "أنا عارفة إني حلوة ومشهورة وعندي معجبين من كل بلد ومش كل ما حد يحبني يجي يعترف ليه، هقبله بيه. فوق يا خالد وشوف أنا مين، أنا رحيق الكاشف اللي مستقبلها بيلمع. مش هتخلي عن كل ده عشان مشاعر تافهة اسمها حب أو إعجاب، ميهمش طبيعتها."
قسوتها مقصودة، جرحته وده باين في عيونه الجريحة واللي وسعت بصدمة غير مصدق كمية القسوة دي وإزاي داست على مشاعره. بس هي جرحت نفسها بنفس السكينة التلمة اللي جرحت قلبها ولسه بينزف. بعدت عنه خطوة وقالت تحاول تخفي أثر جرحها ليه سابقاً: "إنت إنسان كويس وأي بنت تتمناك، بس مش أنا."
أنا آسفة أوي. ولو وجودي قريب منك هيوجعك، فأنا ما عنديش مانع إني أبعد خالص من محيطك والعقد اللي بينا يتلغي. مش هطلب بأي شرط جزائي من ناحيتي أو من ناحيتكم. ابتسم بوجع، بس حولها لقسوة بعد ما قدر يستعيد نفسه. مش هو اللي بيسمح لقلبه يتهان ويسكت، حتى لو كانت حبيبته. فقرب منها الخطوة اللي هي بعدتها، وحط إيده في جيبه ببرود ورسم الجمود في ملامحه. لوهلة خوفتها.
"عارف كويس انتي مين يا رحيق. مش محتاج تعرفيني بنفسك، لأن أنا شايفك قدامي بوضوح. واحدة أنانية، ما تستاهلش أبداً الحب."
مسك إيدها بعنف وشدها ناحيته بغضب. فرتطمت في صدره. مع اتساع حدقيتها بفزع، قدرت تستوعب وضعها بين إيديه. فحاولت تبعد عنه. وحطت كفها على صدره تبعده. بس لمستها ليه أشعلت جواه مشاعر محتقنة. وهي إيدها ارتجفت بتوتر لما حست وسمعت ضربات قلبه العالية بجنون بتدق تحت إيدها. وسحبت إيدها بسرعة ورفعت عينها بسرعة تواجه عينه بارتباك. وهو ما رحمَش ضعفها بين إيديه. الضعف اللي أول مرة تحس بيه بقرب حد منها بالدرجة المهلكة دي. فقربها
منه أكتر وهمس بفحيح وقسوة: "على قلبي هو، قبل قلبها. صدقيني هتفضلي عمرك كله ذي ما انتي وحيدة. فكرك مش عارف وحدتك اللي حتى الشهرة وشغلك ما قدروش يخلصوكي منها. وإنتي لازم تعرفي إني أنا اللي برفض وجودك قريب مني، لأني بقرف أوي منك. وندمان إني أدّيتك جزء من اهتمامي، اللي افتكرت للأسف إنه حب. بس طلعت غلطان. دي طلعت شفقة مش أكتر ليكي، وأتأكدت من ده دلوقتي."
زقها بعيد عنه كأنها حشرة مقيتة، فكانت هتقع لولا إنها اتماسكت بقوة وثباتها.
لتسمعه بيكمل بقسوة: "بس الشغل عندي هو الشغل. ما بدخلش حياتي الشخصية فيه. علشان كده حضرتك هتكملي الشغل مع الشركة. ولو حبيتي تلغي العقد، فأنا مش هتنازل أبداً عن الشرط الجزائي اللي في العقد. ومتخافيش، أنا استحالة أقرب من محيطك تاني، لإن وجودك جنبي ذي السم اللي هيسحب الهوا من حواليه وهيخنقني. غرورك اللي نافشك على الفاضي. ودلوقتي تحبي أوصلك، ولا هترجعي لوحدك؟
رمقته بحدة. وفي لمعة عينها حزن أخفتها بسرعة بكبرياء. وهي بتبعد عنه بغرور، تشاور للتاكسي اللي شافته جاي من وراه. ومن غير ولا كلمة اتجهت ليه. لما وقف، فتحت الباب ولفت وشها. رمته بنظرة استهزاء مع ابتسامة سخرية تخفي غضبها منه. وتلك الغصة اللي وقفت في زورها، وهي بتبلع ريقها وبتردد كلمته بهمس وخفوت: "شفقة." فتحت بوقها بصدمة واستهزاء اتخللها ضعف. ودخلت وقفلت الباب بعنف. واتحرك التاكسي بيها بسرعة كبيرة، مخلف وراه تراب كثيف.
وهي بتغمض عينها بتعب ووجع. وحطت إيدها على قلبها هامسة بضعف: "الحب ضعف. كفاية وجع قلبي." قالتها وهي بتتلمس السلسلة اللي في رقبتها بين إيديها برفق.
وهنا قدر أخيراً خالد يتعرى عن مشاعره وينزع قناع البرود واللامبالاة اللي كان لابسه. وسمح لدمعة كانت عالقة في رموشه تنزل بعنف. وصرخ بكل غضب وهو بيرفع عينه لفوق. وبعدين رجع لعربيته. سند على الباب يتنفس بعمق، بيلهث بعنف. وغمض عينه بوجع وصرخ للمرة الثانية. تزامن مع رفع إيده لفوق. ونزلت بقبضة قوية على عربيته. ضربها بعنف يفضي غضبه ووجعه منها. ولما انتهى من الضرب، غامت عينيه بدموع. بس مسحها بعنف.
"مش أنا اللي أضعف عشان واحدة." قالها بغضب. وفتح عربيته وركب بهدوء. عكس السرعة اللي اتحرك بيها وهو بيرجع للشركة من تاني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!