مضت الأيام وتلا منعزلة في غرفتها، ما كانت قادرة تروح الجامعة ولا حتى تنزل الشارع. بالنسبة لها، اللي حصل أمر فظيع جداً ما قدرت تتحمله. تلا من يوم وفاة والدها ووالدتها كانت متوفية أصلاً بعد ولادتها، قضت أربعة عشر سنة في اليتم. محدش يعرف يعني إيه يتيم؟
إنسانة وحدانية منعزلة، لا بتحب المشاكل ولا ليها علاقات اجتماعية أصلاً. حتى داخل البيت كلامها قليل، مكتفية بذاتها. كانت بتقضي وقتها بين المذاكرة وهواياتها اللي خلقتها من رحم العزلة. إنسانة حتى وهي شابة بتنام حاضنة دمية إلى الآن. جدها كان مدرك لده وحاسس بألمها، ويمكن هو اللي أصر محدش يضايقها. كتير فكرت تلا بعد وفاة جدها هيكون إيه مصيرها؟
أعمامها هيجوزوها ويخلصوا منها. ما كانت عايزة تتجوز واحد من أولاد عمها عشان اتنقبت من وهي صغيرة، لكن بعد كده أدركت إن النقاب حماية وطاعة في نفس الوقت. اقتنعت تلا إن عليها أن تتحمل حزنها بمفردها، وإن ليس من حقها أن تدخل شخص آخر معها في ورطتها. ماذا تفعل إذا كنت لا تمتلك صديق ولا قريب ولا حتى عائلة؟
حتى بعد دخولها الجامعة، تلا كانت تخجل من عدم قدرتها على الكلام مع الناس، ولا حتى بتعرف ترد كويس. كانت بعيدة عن كل ده وبتقعد مع نفسها. جدها حس بيها وطلبها وحلول يقنعها تتكلم، لكن تلا ما تكلمتش. لكنها اضطرت ترجع الجامعة، وكان أول يوم رجوع ليها يوم أسود بالنسبة ليها. كانت ماشية وهي حاطة راسها في الأرض، خايفة من كل نظرة، متوقعة في أي لحظة شخص يظهر لها بصورها ويفضحها وسط الجامعة. لو حصل دا، تلا ممكن تموت فيها.
هدير كانت مبسوطة كدا برجوعها، طايرة من الفرح والسعادة. مش عارفة تعمل إيه عشان تخليها سعيدة. تسنيم وجوانا كلهم اتجمعوا حواليها، ولأول مرة تلا تحس إنها بين ناس ممكن تحميها. مشيت وسطهم مستورة بيهم ودخلت المدرج مدسوسة وسطيهم. مادلين شافت تلا. همست لداريا: "البنت شرفت." داريا بسخرية وغل: "متقلقيش، هخلي أيامها سودة. البنت دي لازم تبوس إيدي قدام كل الجامعة."
المحاضرة بدأت. تلا خلاص هتتخلص من خوفها، وصلتها رسالة من داريا بواحدة من صورها المخجلة. بصت تلا على داريا بخوف قبل ما تشيل الفون في شنطتها وتحط دماغها في الأرض. جوانا قاعدة ملاحظة كل ده وبدأت تربط الأحداث ببعضها، لكن عقلها ما وصلش لكل الحقد والندالة دي كله. بس!
حطت عينها على داريا ومادلين، راقبتهم بدقة وشافت نظراتهم وسخريتهم وهما بيبصوا لتلا، وشافت خوف تلا وراسها اللي موطية على الأرض. وقدرت تكون قصة في دماغها، وكان ناقصها إشارة بسيطة. خلصت المحاضرة وخرجوا بره المدرج. داريا قربت من تلا وسط البنات، بصت عليها بكبر وغرور. داريا: إيه مش ناوية تعتذري عن اللي عملتيه معايا ولا إيه؟ تلا بخضوع: أنا آسفة. داريا: مش سامعة بتقولي إيه؟ ارفعي صوتك الحلو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!