داريا، بتقولي إيه أنا مش سامعاكي، ارفعي صوتك شوية! كانت تلا على وشك تقول آسف بصوت مرتفع حتى تتمكن من الفرار من الجامعة، الهرب لغرفتها ووحدتها. البشر مؤذين جدا. ظهر دكتور سامر من بعيد، لمحته داريا. مسكت التليفون بتاعها ونظرت لتلا نظرة طويلة ساخرة. حتى العيون يمكنها أن تسخر، خاصة العيون العسلية، ويمكنها أن تقتل أيضاً. اقترب سامر في حلة إيطالية أنيقة ضيقة، وكان شعره مهمل غير مشذب مما زاده جمال.
فمه انفتح لما شاف تلا رجعت الجامعة وحس بفرحة ووشه ابتسم. حدقت تلا بالهاتف برعب. هذا الهاتف اللعين داخله حياتها وحيائها. وفكرت في اللحظة دي إنها لو حطمت التليفون المشكلة هتتحل. تلا بنفس طويل وصوت واضح مرتفع: "أنا آسفة يا داريا". قالت تلا الكلمة وسط اندهاش هدير وتسنيم. سمع دكتور سامر اللي كان معدي جنبهم الكلمة بوضوح ومش عارف ليه حس فيها بألم دفين، وجع مكتوم يسكن تلا وحزن يقطع أحشائها وحس إن مودها تعكر.
هذه فتاة اختارت لنفسها الوحدة، ربما عليها أن تقضي ما تبقى من حياتها في عذاب وألم. وسط العيون المندهشة، جوانا حطت إيدها الرقيقة على كتف تلا وحضنتها. "يلا بينا على المحاضرة." جوانا لتلا بعد ما لاحظت أنفاسها الساخنة المتلاحقة بلا هوادة: "تعالي معايا اغسلي وشك في الحمام." سحبت جوانا تلا، ومن اللحظات القليلة دي تلا حست إن فيه حد حاسس بيها من غير ما تتكلم ولا تشكي أوجاعها.
وتمنت لو سامر كان حس بيها واجبرها على الكلام بدل انسحابه من حياتها الكئيبة. كانت تلا بتبكي لما رفعت النقاب. جوانا بصت للناحية التانية عشان تمنح تلا بعض الخصوصية. خافت إن تشعر تلا بالخجل منها. جوانا كانت عايزة تدي تلا وقت تحزن فيه وتطلع وجعها في ستر. "تلا، أنا خلصت، يلا بينا." جوانا: "إحنا مش هنروح المحاضرة، أنا عزماكي على نسكافيه سخن." لم تعترض تلا، مكنش ليها نفس تحضر المحاضرات. قعدوا قدام بعض في صمت يتشاركان الحزن.
الحزن مثل الفرح يحتاج من يتشاركه معنا. جوانا: "تلا، أنا عارفة إنك في مشكلة عويصة، لو كنتي بتعتبريني صديقتك ارجوكي اتكلمي. كل مشكلة ليها حل. الهروب من مواجهة المشكلات تأجيل مش أكتر." تلا: "مشكلتي ملهاش حل يا جوانا، أنا في ورطة كبيرة أوي، حاسة إن حياتي انتهت وإني لازم أموت." جوانا: "داريا صح؟ أنا شفتها يوم الرحلة خارجة من خيمتك ومعاها دالين وشاب شكله معجبنيش. إيه اللي حصل داخل الخيمة يا تلا؟
تلا: "مقدرش أقول يا جوانا، مقدرش!! جوانا بنبرة هادية عاطفة: "الولد ده تحرش بيكي؟ اغتصبك؟ تلا بدفاع عن الشرف: "لا لا مش للدرجة دي." جوانا: "امال مرعوبة ليه وقلقانةني معاكي؟ مهما كان حصل غير كده سهل." تلا ببكاء: "اجبروني يا جوانا، هددوني بالقتل، داريا خلت الولد ده يتصور معايا في أوضاع مخلة. أنا لازم أقتلها، مش هرتاح غير لما أفش غلي فيها." جوانا بفرحة: "بس كده؟
هي حركة وسخة لكن انتي ممكن ترفعي عليهم قضية لو حاولوا يبتزوكي." تلا: "لا لا، مش هينفع، أنا مش هقدر أعيش لو حد شاف صوري بالشكل ده!! جوانا: "طيب سيبى الموضوع دا عليا أنا، ممكن أوصلك للبيت؟ تلا: "بيتنا بعيد مش عايزة أتعبك." جوانا: "أنا متعودة على المشي مسافات طويلة، ما يغركيش شكلي الكيوت. أنا بشتغل تلت شغلانات عشان أصرف على نفسي يا أستاذة، مش عندي جد غني بيديني كل الفلوس اللي أنا عايزها."
مر دكتور سامر ببصره على المدرج، شاف هدير وتسنيم لكن ملقيش تلا. شرد لحظة يفكر: معقول للدرجة دي مش طايقاني ولا قادرة أتحمل وجودي معاها في مكان واحد؟ لكن أنا معملتش في حقها أي حاجة ممكن تضايقها. ثم تنهد دكتور سامر. وبعدين معاكي يا بنت عمي؟ ليه مصعباها للدرجة دي؟ أنا أكتر واحد مهتم بحالك من يوم ما شفتك بتبكي في جنازة والدك الله يرحمه. ولما رجعت مصر كنتي أول بنت فكرت فيها، كنت عايز أنتلك من وحدتك وأمنحك بعض السعادة.
"إيه يا دكتور روحت فين؟ " صرخت داريا المنتشية بالفرحة. وتذكر سامر اعتذار تلا لداريا، تلا اللي منعها بالعافية تضرب داريا وبتعتذر ليها؟ هعرف إيه اللي حصل مهما كلفني الأمر، لو مش عن طريق تلا يبقى عن طريق داريا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!