تحميل رواية «هجران رحيل» PDF
بقلم شامة الشعراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ولجت الدادة لغرفة تلك الفتاة المتمردة حتى توقظها من نومها، فظلّت تُناديها بصوتٍ حنون يشبه صوت الأم الودودة، دنت منها وهى تقبل رأسها وقالت باسمة: "رحيل... رحيل يلا يابنتي قومي." أتاها صوت "رحيل" الناعسة: "بالله عليكي يادادة سبيني أنام نصايه كمان دا حتى لسه بدرى." أجابتها الأخرى وهى تنزع الغطاء من عليها قائلة: "ماينفعش كل العيلة مستنياكي على الفطار وبالأخص جدك رافض يأكل أى حاجة غير لما أنتى تيجى." نظرت إليها "رحيل" بكسل ثم جذبت الغطاء عليها وهى تقول بخمول: "أنا مش عايزة افطر أنا عايزة أنام." "يابن...
رواية هجران رحيل الفصل الأول 1 - بقلم شامة الشعراوي
ولجت الدادة لغرفة تلك الفتاة المتمردة حتى توقظها من نومها، فظلّت تُناديها بصوتٍ حنون يشبه صوت الأم الودودة، دنت منها وهى تقبل رأسها وقالت باسمة:
"رحيل... رحيل يلا يابنتي قومي."
أتاها صوت "رحيل" الناعسة:
"بالله عليكي يادادة سبيني أنام نصايه كمان دا حتى لسه بدرى."
أجابتها الأخرى وهى تنزع الغطاء من عليها قائلة:
"ماينفعش كل العيلة مستنياكي على الفطار وبالأخص جدك رافض يأكل أى حاجة غير لما أنتى تيجى."
نظرت إليها "رحيل" بكسل ثم جذبت الغطاء عليها وهى تقول بخمول:
"أنا مش عايزة افطر أنا عايزة أنام."
"يابنتي قومي حرام عليكي تعبتيني معاكى."
تفوهت "رحيل" بملل وهى تنهض من فراشها الناعم:
"حاضر حاضر أنا قايمه أهو يادادة."
في الأسفل كان الجميع مجتمع حول سفرة الطعام، تحدث الجد قائلاً بتساؤل:
"هى رحيل اتأخرت كدا ليه؟"
أجابه والدها "سليم" قائلاً:
"هتلاقيها نازلة دلوقتى يابابا."
نظر إليه والده وهو يقول:
"أنا طالع ليها اشوفها، ولو عايزين تفطروا افطروا انتو لكن أنا هشوف حفيدتي وهفطر معاها."
فجاء أن ينهض من مقعده فسمع خطواتها القادمة من على الدرج فالتف إليها ليرها ترتدي ثوب قصير مصطبغ باللون الأزرق متناسباً مع لون عيناه اللامعة بالزُرقة، اتجهت "رحيل" نحوه وتلك البسمة المشرقة تزين وجنتيها، أقبلت إليه وقبلت يده ثم قالت بلطافة محببة:
"صباح الخير يأجمل وأحلى جدو فى العالم."
الجد بابتسامة بشوشة:
"صباح النور والورد عليكى ياحبيبتي."
تفوهت "نور" بنبرة حزينة مصطنعة:
"ولما هى حبيبتك أنا ابقى ايه إن شاء الله هو كل حاجه رحيل مفيش نور ابداً."
نظر إليها الجد وأجابها ببسمة حنونة:
"انتو الاتنين حبايبي واميرات القصر ومفيش أغلى منكم عندي."
ذهبن الفتايات لاحتضان الجد بفرح وهتفوا فى صوت واحد قائلين:
"واحنا كمان بنحبك اوى ياجدو."
صاح "مازن" بنبرة مرحة بعض الشئ:
"ايه ياجدو هو انت معندكش غير البنتين دول اللى كل شوية تحب فيهم طب وأنا والشباب الغلبانه دي ايه وضعنا ملناش حته من حبك."
الجد:
"حته على فكره يامازن أنت بقيت بيئة أوى فى ألفاظك."
هتف الأخر بصوت عالٍ نسبياً:
"مين دا اللى بيئة ياعنيا هو انتو تعرفوا تخلفوا زيي أصلا."
نظر إليه والده "سليم" بحده وهو يقول:
"أخرس ياحيوان واتكلم بأدب مع جدك واحترمه بدل ما اقوم اكسر عضمك."
الجد:
"سيبه يابني دا مازن وأنا عارف انه بيهزر معايا بس بردو هيفضل طول عمره بيئة."
تحدث "مازن" بعبوس قائلاً:
"ياجدو بقى."
الجد:
"عايز ايه يازفت."
رد الآخر غامزاً بعيناه:
"عايز سلامتك ياعسل ياحلو أنت."
تبسم الجد ثم قال:
"وربنا أنا قولت مجنون ومحدش صدقني."
مازن:
"مجنون بحبك ياقلبي."
تحدث هذة المرة "هشام" الذى قال بانزعاج:
"حبك برص يابعيد ماتخرس بقى صدعتني ياأخى من وقت ما قعدت ايه أنت بالع راديو."
نظر إليه "مازن" من طرف عيناه وهو يقول:
"مش عارف هشومة عايزة مني أى لو تخليها فى حالها وتسكت احسن لكن هنقول ايه."
تفوه "هشام" بنبرة غاضبة:
"هشومه طب والله يامازن الكلب لو ما سكت لقوم اديك حتة قلم يلوحك."
رفع "مازن " كلتا يديه وقال رادحاً:
"نعم ياعنيا نعم يادادى نعم ياحبيبى تدى مين بالقلم هو انت فاكرانى هسكلتلك."
جاء أن ينهض "هشام " من مكانه:
"انت اللي جبته لنفسك يامازن الكلب ولسه هيقوم."
أمسكه "ادهم" وهو يقول:
"اقعد ياعم وسيبك من المتخلف ده ومالكش دعوه بيه."
"مازن" وهو ينظر لاخيه بصدمه:
"انت بتبيع اخوك علشان الحيوان دا بقا دى اخرتها."
تبسمت "رحيل" برقة ثم قال وهي تضم أخيها بين ذراعيها:
"محدش له دعوه بمازن حبيبى."
ثم قبلته من خديه وضربت " هشام " ع إحدى كتفيه وهى غافلة عن تلك العيون الرمادية التى تنظر نحوها بغضب بسبب لمسها لابن عمته.
تحرك "مراد" من على السفرة وهو ينظر لتلك الفتاة المتمردة بتوعد ثم قال:
"أنا ماشى على الشركة ياجدو عايز حاجه."
الجد:
"لا يابنى ربنا معاك."
ثم هتف وهو يتجه الى الخارج قائلاً لاولاد عمه وابن عمته:
"خمس دقايق والاقيكم ورايا على الله حد منكم يتاخر هتبقى ليلته سوده ع دماغه."
"مازن" بهمس "لهشام":
"هو بيقول الكلام دا لمين."
هشام:
"لينا ياخويا يلا وراه بدل مايعمل مننا بطاطس محمره."
نظر " أدهم" لهم و قالسخرية:
"بطاطس محمره بس دا لو اتاخرنا هيعمل مننا شاورما."
"رحيل" بلا مبالاه:
"مالكم خايفين منه كدا ليه وعاملين له حساب ع ايه يعنى."
هشام:
"اسكتى ياختى ما اللى ميعرفش يقول عدس."
نور:
"لا هو فعلا شكله مازن بهت عليك بقيت تقول حاجات غريبه زيه."
مازن:
"بس ياماما روحى العبى بعيد."
نور بغضب:
"وانت مالك يارخم انت."
مازن:
"مالى ونص ياعسل،"
نور وهى تنظر له بغضب وهترد عليه قاطعها صوت ادهم:
"بس انت وهى يلا خلينا نروح نشوف ورانا ايه مش ناقصه هى شغل عيال،"
مشى وسبهم واتجه هو الآخر الى الشركة.
رواية هجران رحيل الفصل الثاني 2 - بقلم شامة الشعراوي
ولج "مراد" إلى مقر الشركة الرئيسي بكامل هيبة ووقار لا يليق هذا إلا برجل مثله، فكان يلقي السلام أثناء مروره على جميع الموظفين دون استثناء، ثم صعد إلى الطابق الخاص بمكتبه.
دلف إلى المكتب بصحبة السكرتيرة، ألقى كلماته عليها حين جلس على مقعده:
- هاتِ لي فنجان قهوة سادة والملفات الصفقة الجديدة.
- حاضر يا فندم.
بعد مرور بضع دقائق ليست بالقليلة، أتت له بطلباته ووضعتهم أمامه على المكتب الخشبي الأسود، وهي تتفوه بدلعٍ لم يرق له:
- اتفضل يا فندم تأمر بأي أوامر تانية حضرتك.
رد عليها الآخر بحزم قائلاً:
- لا، واتفضلي يا أستاذة على مكتبك. ولما ييجي مستر أدهم ابعتيه.
- حاضر، أنا تحت أمرك.
خطت أمامه بخطوات مثيرة لعل وعسى أن تلفت انتباهه، لكنه اشمأز من تمايلها الرخيص، فهمس بداخله:
- أنا لازم أشوف حد غيرها يمسك مكانها، والأفضل يكون راجل.
بعد لحظات، دلف إليه "هشام" دون أن يطرق الباب كالعادة:
- أنا جيت أهو يا كابتن ومتأخرتش.
حدق به "مراد" بأعين مليئة بالضجر:
- مش قولتلك كذا مرة قبل كدا إن فيه زفت باب تخبط عليه قبل ما تدخل.
نظر إليه الآخر قائلاً:
- يعني هو أنا دخلت عليك حمام بيتكم، وبعدين ياسيدي أنا دخلت على مراد ابن خالي حبيبي، يعني مش حد غريب.
- ابن خالك وحبيبك دا من إمتى الكلام ده!
أجابه "هشام" برقة مصطنعة:
- من زمااااان أوي، بس أنت مش حاسس.
تحدث "مراد" بصوتٍ عالٍ وكاد الشرر يتطاير من عيناه:
- ولاه اتظبط كدا معايا بدل ما أقوم أظبطك أنا. بدأت أشك فيك أصلاً.
ضحك الآخر وهو يجيبه قائلاً:
- ياعم مش للدرجاتي، أهدى دا حب أخوي وربنا.
نظر "مراد" للأعلى قليلاً ثم هتف قائلاً:
- يارب صبرني على الجحش ده هو والتاني.
ولج "مازن" إليهم سريعاً وهو يقول بمرح:
- إيه ده أنا سمعت حد بيجيب في سيرتي.
جاء شقيقه من خلفه وهو يضربه ضربة خفيفة على رأسه وقال:
- كويس إنك عارف إنك جحش.
التفت برأسه نحوه وقال بعبوس:
- هو انت يابني حد قالك إني مش أخوك ليه بتعملني كدا أنت واللي قاعد هناك دا. دي مابقتش عيشة على فكرة.
أردف "هشام" بطريقة مسرحية:
- لو مش عاجبك طلقني.
نظر إليه "مازن" وقال بنفس اللهجة الساخرة:
- أه ياااختي قوليله لو مش عاجبه يطلقني.
رفع "مراد" حاجبيه مشمئزاً وضيقاً في الصدر وقال:
- مش نسترجل شوية يابيه أنت وهو، كفاية شغل القرف اللي بتعملوه ده.
تحدث "هشام" بانزعاج قائلاً:
- قصدك إيه بالكلام ده إننا نسوان.
أجابه "مراد" مبالياً:
- آه أصل ما يعملش الحركات دي غير النسوان المايعة، والصراحة أنتو مايعين أوي بهزاركم.
كاد الآخر أن يرد ولكن قاطعه دخول تلك الفتاة المزعجة الذي قالت بدلالٍ:
- مستر مراد نسيت أقول لحضرتك إن فيه اجتماع مهم النهاردة الساعة ٥ مساءاً.
- تمام يا سوزي، اتفضلي انتي على مكتبك.
بينما "هشام" و "مازن" كانوا ينظرون إلى هيئتها المثيرة وملابسها الفاضحة بفمٍ مفتوح، فقال "مازن" بغزلٍ:
- أوبا مين الجامدة دي.
فتفوه "هشام" الذي افترّ فاه بابتسامة عريضة:
- دي أجمد من الجمدان يا أبا، دي صاروخ.
نظر إليهم "أدهم" بعيون مستنكرة ووجه عابس:
- احترم نفسك يبأنت أنت وهو وبطلوا كلامكم المقرف ده.
لم يعبأ "مازن" لحديثه، ثم وجه نظره إلى "مراد" وقال متسائلاً:
- مش عيب عليك لما تبقى مشغل واحدة جامدة زي دي ومتقولش لولاد عمك؟ دا أنا أول مرة أشوفها.
فاردف "هشام" هذه المرة قائلاً:
- وأنا وربنا أول مرة أشوفها.
في تلك اللحظة نفذ صبر "مراد" وبدأ وجه العابس يتحول إلى غضبٍ عارم ليقول بصوت عالٍ:
- أقسم بالله لو ما قمتم من هنا حالاً لتشوفوا مني حاجة مش هتعجبكم.
نظر إليه "مازن" الذي قال:
- مالك بس يا مراد، أهدى يابابا مش كدا ياحبيبي، دا حتى غلط التعصب على واحد زيك.
مال "هشام" بجسده نحو "مازن" قليلاً وقال هامساً:
- بقولك إيه، إحنا نقوم نفلت بجلدنا بدل ما يعمل معانا الغلط وتكون ليلتنا سودة.
أجابه الآخر بنفس الهمس:
- ما دا كان رأيي من الأول، يلا بينا.
بعد أن هربوا مهرولين إلى الخارج، تفوه "أدهم" بقلة حيلة وهو يضرب يد على يد:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، العيال اتجننوا على الآخر.
تحدث "مراد" بعد ما هدأ فقال:
- عيال مقرفة، علّت ضغطي، ربنا يسامحهم على اللي بيعملوه فيا.
- كان الله في عونك يابن عمي، أنا مش عارف أنت إزاي مستحملهم.
- أعمل إيه، قدري. المهم خلينا في الشغل، عملت إيه في موضوع الصفقة.
رد عليه "أدهم" بثقة ووقار:
- طبعاً كسبناها، هي دي محتاجة كلام، بس فيه مشكلة.
- مشكلة إيه؟
- عادل مش هيسكت المرادي، أنت خسرته الصفقة دي كمان، ودا غير الصفقات التانية اللي خسرها بسببك، وخايف يعمل حاجة أو يأذي حد من عيلتنا.
استرخى "مراد" أكثر في مقعده ليقول بهدوءٍ تام:
- متقلقش، مش هيقدر يعمل حاجة لأنه جبان، ولو بس فكر يأذي أي حد يخصني هفعصه زي الحشرة تحت رجلي لحد ما يموت.
- ربنا يستر علينا، هقوم أروح أشوف الشغل المتراكم عليا في المكتب.
- ماشي.
في إحدى النوادي، وخاصة بمكان قريب من الأشجار، كانت تلك الشمس الساطعة تطل بأشعتها الزاهية على الزهور الوردية والخضراء، فجعلتها تنبض بالحب والدفء، فكان المظهر يبعث بداخل الناظرين الرضى والراحة. تحدثت تلك الفتاة التي تُسمى "ندى" وهي الصديقة الثالثة "لنور" و"رحيل"، فقالت بتساؤل:
- هتطلعوا معانا الرحلة ولا كالعادة مفيش مرواح.
أجابتها "نور" قائلة:
- الصراحة لسه مش عارفين.
- يعني إيه مش عارفين.
رددت "نور" وهي تعبث بخصلات شعرها الملفوفة حول أصبعها:
- لسه مقلناش لجدو ولا لبابا، والمشكلة أصلًا مش فيهم، المشكلة كلها في مراد أخويا.
تفوهت "ندى" قائلة:
- حاولي معاهم، لأن خلاص مبقاش فاضل غير كام يوم بس يانور.
- ما أنا خايفة أقول لحد منهم يزعق، وخصوصاً أخويا لأنه بيخاف عليا أوي ومستحيل إنه يوافق.
- طب ما تخلي رحيل هي اللي تكلم جدك، وهو مش هيرفض ليها طلب وهيوافق ع طول، وطبعًا محدش هيعرضه ولا إيه يا رحيل.
أنهت "ندى" جملتها وهي تصوب بصرها نحو "رحيل" الذي قالت بهدوء:
- هبقى أكلمه، ماتشغلوش بالكم أنتو، وسيبوها على الله، ثم عليا.
بينما تحدثت فتاة أخرى متواجدة معهما وهي "مرام"، فقالت بعبثٍ:
- طبعًا رحيل لازم تكون من الأساس موجودة في الرحلة، مدام حبيب القلب سامر موجود، مش كدا يا ريري.
حولّت "رحيل" عيناها نحوها فقالت متعجبة:
- هو سامر طالع معاكم!
أجابتها "مرام" وهي تؤرجح قدميها اليسرى قائلة:
- إيه دا هو انتي ما كنتيش تعرفي؟ لا بجد إزاي؟ هو ما قالش ليكي حاجة زي كدا؟ ده المفروض تبقي انتي أول واحدة عارفة.
تحسست "رحيل" أزرار ثوبها بضيقٍ ثم قالت:
- هو هتلاقيه قالي بس أنا نسيت، أصل هو مابيخبيش عني حاجة.
رددت "مرام" بملل:
- يمكن بردو، وليه لأ.
تفوهت "ندى" التي بدأت أعصابها تتفلت من تلك البغيضة التي لم تعد تطيق وجودها:
- وأنتي يا أستاذة مرام، البيه حسن بتاعك مش جاي ولا إيه.
تحدثت "نور" بنبرة ممزوجة بالخبث قائلة:
- هيجي إزاي بس ياندى، أنتي نسيتي إنه بيحضر لفرحه اللي بعد كام يوم.
انتفضت "مرام" بجسدها من على المقعد قليلاً، والذي احتلت علامات الصدمة وجهها، فقالت:
- انتي قولتي إيه؟ فرح مين ده اللي قصدك عليه؟ وإيه علاقة حسن بالموضوع ده؟
أجابتها "ندى" بكل أريحية فقالت ببسمة لطيفة:
- فرح صاحبك حسن، أنتي متعرفيش ولا إيه. شكله عازمكيش على فرحه، لا بجد أخس عليك ياحسن، ده حتى كان بينكم علاقة جميلة ملهاش مثيل.
صاحت "مرام" بتشنج وعصبية بالغة:
- على فكرة بقى مكنش بينه وبيني أي حاجة يا أستاذة ندى، فياريت تشيلي الأفكار دي من دماغك.
أردفت "نور" مستنكرة حديثها فقالت:
- أومال كنتي بتكلميه ليه وعلى طول لازقة فيه وكأنك مراته.
أجابتها الأخرى بملامح جامدة وقالت بضجر:
- عادي يعني كنت بسلي وقتي مش أكتر، وبعدين محدش يدخل في اللي مالهوش فيه أو إنه يدخل في حياتي، ماشي.
ثم غادرت المكان، فنظرت لاثرها "ندى" باشمئزاز ثم قالت:
- بت مستفزة وباردة ومغرورة في نفسها، كويس إن حسن سابها.
بينما "نور" قالت:
- عشان هي واحدة مش مظبوطة وكل يوم مع واحد شكل، فإزاي هيستأمنها على نفسه وبيته.
تفوهت "رحيل" معاتبة صديقتها وابنة عمها:
- حرام عليكم تقولوا عليها الكلام ده، وبعدين إحنا ملناش دعوة باللي هي بتعمله.
أمسكت "رحيل" هاتفها لتتصفحه، فمرت بضع دقائق متثاقلة عليها وكأنها كالساعات، فكانت تفكر إذا كان حبيبها "سامر" على علاقة مع تلك البغيضة، فبدأت تقلقها هذه الفكرة المزعجة. لاحظت "نور" تغير معالم وجهها إلى الشحوب فقالت:
- بتفكري في إيه يارحيل؟ أوعى تكوني مضايقة من كلام المستفزة مرام.
رفعت "رحيل" رأسها للأعلى قليلاً ثم تركت الهاتف على الطاولة بجانبها وقالت:
- هي عرفت منين إنه طالع الرحلة إذا كان أنا حبيبه مقالش ليا؟ أنا شاكة لأحسن يكون في ما بينهم حاجة.
ربتت صديقتها "ندى" على يديها ثم قالت برفق:
- حبيبتي شيلي الأفكار دي من دماغك، هي شكلها بتعمل الحركات دي عشان توقع بينك وبينه مش أكتر.
تفوهت "نور" مؤيدة لحديثها:
- فعلًا ندي عندها حق.
لمحت "ندى" "سامر" قادم نحوهما فقالت مسترسلة:
- سامر جاي ناحيتنا. ثم حولت بصرها لصديقتها وقالت: - أخت رحيل، ممكن بقى ياعسل تفكي تكشيرة وشك ومتخليش كلام الزفتة يسيطر عليكي، فاهمة.
- حاضر، فاهمة.
اقترب الآخر منها وهو يلقي عليهما التحية:
- أخباركم إيه يابنات؟ أتمنى تكونوا بخير.
أجابته "ندى" باسمة:
- إحنا الحمدلله زي الفل ياباشا.
بينما هو جلس على المقعد بجانب "رحيل" بعد أن شعر بأن بها شيئًا ما:
- مالك ياحبيبتي؟ هو فيه حاجة مزعلاكي.
لم تجبه الأخرى، فحولت بصرها بعيداً عنه لتنظر إلى الزهور أمامها، فقال هو موجهاً حديثه إلى "ندى":
- هو فيه إيه.
- معرفش. ثم جذبت "نور" من ذراعيها:
- يلا يانور خلينا نروح نجيب حاجة نشربها.
"سامر":
- مالك يا رورو مش بتردي عليا ليه.
- إيه اللي بينك وبين مرام.
- مش فاهم قصدك إيه بالكلام ده.
- انت فاهم قصدي كويس ياسامر.
- لا والله مش فاهم.
تأففت "رحيل" بملل ثم قالت عابسة:
- أصل الهانم بتقول إنك حاجز للرحلة تبع النادي مع الشلة، عايزة أفهم دلوقتي هي عرفت منين إذا كان الأستاذ مقالش ليا وأنا آخر واحدة أعلم إنك رايح معاهم.
- والله أبدًا، أنا كنت عاملها مفاجأة ليكي وكنت لسه هقولك إنك حجزت ليا وليكي، لكن معرفش هي عرفت إزاي.
تحدثت "رحيل" بضيقٍ:
- والله المفروض أصدق أنا كدا.
تفوه "سامر" بعد ما أحكم قبضته على راحت يديها الرقيقة:
- آه هتصدقي، لأنك حبيبي وبتثقي فيا، دا غير إنّي مابخبيش عنك أي حاجة غير لو كنت عامل ليكي مفاجأة، فمتزعليش مني أرجوكِ، أنتي عارفة إني بحبك.
تحدثت الأخرى بحياء:
- خلاص ماشي، مش زعلانة.
فقال "سامر" بنبرة لينة:
- ولو زعلانة نصالحك بردو، هو إحنا عندنا أعز منك ياروحي.
اكتفت "رحيل" بابتسامة رقيقة خجلة. لحظات وجاءت "ندى" وهي تبتسم بمرح فقالت:
- إيه ياعصافير الحب، اتصالحتم ولا إيه.
ضحك "سامر" بخفة ثم قال:
- على أساس إننا كنا متخاصمين، دي رحيل روح قلبي.
هتفت "نور" باسمة:
- ياسيدي ياسيدي على الحب.
صاحت "ندى" بطريقة تمثيلية مضحكة:
- آه يا قرمط ياللي ملقتش حد يحبك ياقرمط، أوعدنا يارب، لأن حاسة إني أنا خللت من كتر الانتظار.
هتفت "نور" مجيبة عليها بصوت مرتفع نسبيًا وهي ترفع كلتا يديها إلى الأعلى:
- يااااارب يا أختي، أنا وأنتي في يوم واحد عشان نخلص.
بينما "رحيل" أطلقت ضحكة رنانة عاليًا في أرجاء المكان، فأظهرت على أثرها تلك الغمازات المميزة التي أعطت لها شكلًا مبهرًا وزادتها جمالًا على جمالها.
رواية هجران رحيل الفصل الثالث 3 - بقلم شامة الشعراوي
ذات يومٍ جاء "مازن" من مقر العمل بعد يوم طويل مليئ بالجهد والأرهاق.
ولج إلى المطبخ فرأى زوجة عمهِ تحضر وجبات الغداء، فقال مسترسلاً:
- عمتو العسل عامله اي النهاردة ع الغداء أنا ميت من الجوع.
أجابته "حنان" بابتسامة ودودة:
- عامله الاكله اللى بتحبها يامازن.
نظر إليها "مازن" بسعادة غامرة:
- بجد عملتى مكرونه بالبشاميل صح.
- اه ياحبيبى.
قبل "مازن" يدها بكل شكر وامتنان:
- شكرا ليكي ياست الكل والله أنتى عسل ومفيش منك أتنين.
تبسمت "حنان " وقالت بمرح بعد أن قرصة أذنيه:
- بكاش.
تفوه "مازن" بمرح محبب:
- طول عمرى ياحنون.
جاء عمه "حمزة" من الخارج فسمعه ينطق اسم زوجته المفضل لديه فهو لا يسمح لأحدٍ غيره يناديها به.
فقام على غفلةٍ لم يدركها الآخر بإمساكه من طرف قميصه وقال بغضب مصطنع:
- أنت ياحيوان أياك تقولها الكلمة دي تاني فاهم أنا بس اللي أقولها ياحنون سامع.
أبتعد "مازن" عنه وهو يقترب من زوجة عمه وقام باحتضانها ثم قال بنبرة لعوبة:
- لا مش سامع وهقولها براحتي يا حنون وهقولها يا حبيبتى وياروحى ايه رأيك ياحنون فى كلامي.
نظر له "حمزة" بضجر هذة المرة ثم اقترب منه كى يعطيه درس لا ينساه طول عمره.
فدن مسرعاً منه، فقال "مازن" الذى أختبأ خلف زوجة عمه:
- بقولك ايه اهدى ... اهدى كدا وخليك عاقل أنت هتاخد ع كلام عيل زيي ولا أي ياحمزة.
- هو انت خليت فيا عقل يابن سليم.
صاح "مازن" رادحاً:
- ماله ابن سليم ياعنيا هو أنت تعرف تخلف زيه.
أشار "حمزة" لزوجته أن تبتعد:
- ابعدي كدا ياحنان عن الكلب ده وخليني اعرف أربيه.
حدق به "مازن" بخوف وهو يحكم قبضته على ذراعيها ثم قال برجاء:
- إياكي ياحنون تبعدي دا خلاص طقت منه دا عايز يضربني بعد العمر دا كله.
- مازن الكلب شيل ايدك من ع مراتى دا أنت ليلة أهلك سوده.
ثم هرول نحوه راكضاً فكان على وشك أن يمسكه.
فصرخ "مازن" عالياً وهو يفر إلى الخارج، ويهتف صارخاً:
- ياجماعة ياللى فى البيت حد يلحقني الثور هاج.
بينما "حمزة" ظلّ يركض خلفه:
- هقتلك يامازن الزفت.
- ما تهدأ بقى الله يخربيتك أنت جبت الصحة دي كلها منين.
- بتقولى حمزة حاف دا أنا هطلع عينك وعين اللى جبوك، بقى أنت يازفت تدلع مراتى وتقولها حنون وحبيبتى.
تحدث "مازن" من وراء كرسي السفره بإيغاظه:
- أه أدلعها براحتي هو حد له عندي حاجة وبعدين هى بتكون قلبي وروحى كمان.
أنتباهه عاصفة من الانفعال والغضب فقال:
- دا أنا هطلع روحك فى ايدي وهقتلك وهدفنك فى مكان محدش يعرف يلاقيك فيه عشان ميعرفش يدعيلك حتى.
رقص "مازن" إحدى حاجبيه بتلاعب وقال بمكرٍ:
- واهون عليك ياحموزة تقتل مازن حبيبك طب وحنون تعمل ايه من بعدى يرضيك الوليه تزعل وتبكى دم بدل دمووووع.
انقض عليه الآخر انقضاض الكَاسرِ على طريدته.
ففر على أثرها "مازن" إلى الأعلى وهو يصيح قائلاً:
- يانهار اسود يانهار اسود ياخسرتك فى الموت ياشابه ياخسرتك فى الموت اخرتها هتموت ع ايد حموزة ياميزو.
نظر إليه جده الذى كان يقرأ الجريدة فقال بقلة حيلة:
- لا حول ولا قوة إلا بالله ربنا يهديك يامازن الواد مخه اتلحس خلاص.
جلس "حمزة" على الأريكة بجسد مرهق ثم قال:
- منك لله يا مازن الكلب قطعت نفسي والله لاربيك من أول وجديد.
بعد خضون ثوانٍ جاء "سليم" من الخارج وألقى السلام ع والده، ثم وجه نظر لأخيه فقال:
- مالك ياحمزة.
أجابه "حمزة" بغضب خفيف دون أن ينظر إليه:
- ماليش.
تفوه "سليم" بقلق:
- لا في حاجة شكلك مش عاجبني يابن أبويا.
تحدث "الجد" بعد أن وضع الجريدة بجانبه:
- ابنك مازن جننه ولسه طالع ع فوق.
أردف "سليم" بغضبٍ فقال:
- مازن تاني بجد أنا تعبت منه هو مش هيسكت ولا هيتعدل غير لما اقوم أديله قلمين ع وشه يمكن يعدلوه.
جاء أن يذهب فاوقفه شقيقه قائلاً:
- اقعد ياسليم محصلش حاجه يعني علشان تضربه وبعدين هو مش عيل صغير هتقوم تديله قلمين.
- لا واضح انه محصلش أنت مش شايف نفسك مضايق وزعلان أزاى.
- لا مش زعلان، صمت لوهلة ثم أضاف بغيرة واضحة على اثره وحوارجه:
- بس أنا ما بحبش حد يقول لمراتى ياحنون ويدلعها غيري دا أنا حتى ولادي منبه عليهم بكدا ومحدش يقدر يقولها حنون غيري ولا يلمسها حتى.
قاطعه صوت " مازن" من الاعلى وهو يقول:
- كدابين ياحموزتى عيالك بيضحكوا عليك ياحموزه بيخلوك مش هنا ويعملوا اللى هما عايزينه.
صاح "حمزة" غاضباً فقد زادت غيرته:
- بقا كدا ماشي لما يجوا البشوات والله لاوريهم.
حدق به شقيقه وابيه بصدمه، فقال "سليم" بعدم تصديق وشفقه:
- أنت بتغير ع مراتك حتى من ولادك ياحمزة.
- اه ومحدش بعد كدا يقرب منها أو يتكلم معاها.
تبسم الأخر على شقيقه الغيور بشدة ثم قال مازحاً:
- مش مازن لوحده اللي دماغه ع قده، ثم أخذ يضرب كف ع كف.
فقال الجد ضاحكاً:
- دلوقتي بس أنا عرفت مازن طالع لمين.
نظر لهم "حمزة" بضيقٍ فنهض من مكانه وذهب إلى زوجته حبيبته ورفيقة عمره.
جاء الليل مزيناً للسماء بعباءتهِ السوداء، فظهر القمر معاكساً لضوء الشمس بخجل، ثم بدأ يتلاشى تدريجياً تاركاً للنجوم مكانه، فبدأت المخلوقات تحتفل ببهجة السكون الأسود.
في غرفة المعيشة كانت العائلة متواجدة معاً، فبدأت "صفا" زوجة "سليم" تفتح الحديث فقالت:
- عمي أنا فى موضوع مهم عايزة أتكلم معاكم فيه.
- موضوع ايه يابنتي.
- الصراحة يابابا رحيل متقدم ليها عريس.
احتلت الصدمه على وجه "رحيل" وخاصةً مراد الذى شعر بأن العالم قد توقف فى هذة اللحظة وشعر بوخز بداخله ولا يعلم لما هذا الشعور الذي سيطر عليه مرة واحده ولكنه حاول أن يتظاهر بالبرود و اللامبالاة.
بينما زوجها أخذ يتسأل:
- عريس مين ده ياصفا.
- دا واحد ابن زميلتي شاف رحيل فى النادي وعجبته وطلب أنه يتجوزها.
أندفعت "رحيل" بالحديث قائلة بصوت مرتفع:
- بس أنا مش موافقة.
نظر إليها "سليم" وقال بحده:
- رحيل صوتك.
- بس يابابا، قاطعت والدتها كلماتها قائلة:
- بس هو شخص كويس ومن عيلة كبيرة وعنده شركته الخاصه وهيريحك، دا غير أنه شخص متعلم ومثقف وغنى كمان زينا يعنى مستواه الاجتماعى حلو اوى ومناسب لينا.
ترقرقت الدموع فى عيناها الزرقاء ثم قالت بنبرة مختنقة:
- بس أنا ياأمي مش موافقه.
أردفت "صفا: بغضب:
- ما هو مش بمزاجك هتوافقي غصب عنك يارحيل ورجلك فوق رقبتك.
رد عليه الجد بحده:
- وهو من امتى واحنا بنغصب ولادنا ع حاجه ياست صفا.
- معلش يابابا أنا مش متفقه معاك فى الرأى دا، وبعدين هو حضرتك مش شايف إن الهانم مدلعه زيادة عن اللزوم وانها هى خلاصه كبرت وبقى لازم تتجوز وتفتح بيت ده حتى اللى فى سنها اتجوزوا وخلفوا.
أندهشت "رحيل" من حديثها فقالت ببكاء:
- أنا ماليش دعوه بحد وأصلا أنا مش عايزة اتجوز دلوقتى نهائياً.
ثم ذهبت راكضة من أمامها إلى غرفتها ملجأها الوحيد الذى دائما تذهب وتبكى فيه بمفردها، فذهبت "نور" و"مازن" خلفها.
وجه "سليم" حديثه إلى زوجته وقال بلهجةٍ حادة:
- أنا هعتبر نفسي ما سمعتش الكلام اللى قولتيه دا، لأن أنا مش هغصب بنتى على حاجه هى مش عيزاها أنتى فاهمه وياريت متدخليش فى أي قرار يخصها.
تفوهت "صفا" بنبرة سيئة لم ترق له:
- لا هدخل ياسليم دى بنتى وأنا عارفه مصلحتها أكتر منك.
ثم غادرت هى الأخرى غرفة المعيشة.
- دى اتجننت خلاص هو من امتى والجواز فيه اجبار شكل الأشكال الى بتقعد معاهم لحسه مخها.
حاول "حمزة" أن يهدأ من غضبه فقال:
- ممكن تهدأ شويه الأمور ما تتحلش بالطريقة دي.
- اهدى ازاى من اللى أنا شايفه والهانم واقفه تقوح وتزعق قدامي وبتقولى أنا عارفه مصلحة بنتى أكتر منك وهى من امتى أصلاً بتهتم ببنتها.
- سيبها تقولى اللى تقوله مدام رحيل مش عايزة يبقى خلاص مفيش حد يقدر يجبرها ع حاجه طول ما أنا عايش.
تحدثت "حنان " بطيبة قلب:
- ربنا يديمك لينا يابابا ويبارك فى عمرك دايماً بتنصف أي حد فى العيلة دي.
رد الجد بابتسامة ودودة:
- ويباركلي فيكي ياصفا يابنتى ياريت الناس كلها تبقى عاقله وحنينه زيك.
تبسمت "حنان" بوجه بشوش لوالد زوجها الطيب والذى تعتبره أبيها الأخر، فهو دوماً كان الضهر والسند لها و لافراد العائله، حتى كان دوماً يقف فى صفها إذا حدث خلاف بينها وبين جوزها، فهو يشعرها فى جميع الأوقات أنها أبنته حقاً وليس مجرد زوجة ابن.
ولج "مازن " بصحبة "نور" إلى غرفة شقيقته فرائها نائمة على الفراش، متكورة حول نفسها فى وضعيه الجنين تضم ركبتيها لجسدها ولم تتحرك ساكنة، فكانت تبكى بصوت متألم حزين وتطلق شهقات عالية ينفطر لها القلوب.
نظر إليها "مازن" بحزن فدن منها وجلس بجانبها على الفراش ثم جذبها إليه وقام باحتوائها بين ذراعيه، فاختبئت هي بين حضنه الحنون وظلت تبكى اكثر حتى كادت أنفاسها أن تختفي.
مسد "مازن" على رأسها برفق ولين ثم قال:
- حبيبتى ممكن تهدى شوية كفاية عياط بالله عليكي.
أضافت "نور " بعض الكلمات فقالت بنبرة حزينة:
- رورو كفاية ياحبيبتى الموضوع والله مش مستاهل العياط ده كله وبعدين ياستي أنتي عارفه إن عمو وجدو مش هيوافقه ع كدا ابداً طول ما أنتي مش عايزة.
- اه ياروحي محدش هيقدر يجبرك ع حاجه.
نظرت إليه "رحيل" بعينان مملوءه بالدمع حزناً كاكأس الطافئة:
- هي ليه بتعمل معايا كدا... هي ليه عايزة تجبرني على الجواز، وبعدين هي من امتى اصلا بتهتم بيا طول عمرها بتقسى عليا وعمري ما حسيت بحنيتها عليا، كل اللي هممها خروجاتها والسهرات اللي بتعملها لاصدقائها، عمرها ما جت حضنتني زي اي أم عادية بتحضن عيالها، دا كفاية لما كنت باجي أقرب منها تبعدني عنها ساعات كتير بسمع ان قد ايه حضن الام بيبقى حلو وله شعور جميل جدا كان نفسي احس بيه زي اي بنت طبيعية.
زاد بكائها أكثر فأخذت تقول بصوت متألم وهى تتذكر قسوة والدتها:
- حتى في مرة كنت خايفة وقلقانه لما أول مرة دخلت فيها الجامعة ف اليوم دا نور مكنتش معايا وكان في واحد حاول أنه يضايقني ويلمسني، أنا ساعتها خوفت أوى وحاولت أني أهرب منه لحد فعلا ما قدرت أجرى وأجي الفيلا ولما جيت روحت لماما وأنا كلي خوف ورهبه وكنت بعيط حضنتها بس هي زقتني ولما حاولت أقرب تاني بعدتني عنها قولتلها ماما أنا خايفه اوى وحكيت اللي حصل معايا ولكن هي ردت بان دا عادي وإن أنا مكبره الموضوع قولتلها لا كانت لمساته ونظراته ليا كانت وحشه اوى ماما بالله عليكي أنا خايفه ممكن تاخديني ف حضنك زعقت فيا وقالتلي ايه الهبل اللي انتي فيه دا مفيش حاجة اسمها خوف ومسكت ايدي جامد وبقسوة وقالتلي إياكي تقولي الهبل اللي قولتي ليا قدام حد أنتي فاهمه مش ناقصة هي دلع بنات وكلام فارغ وزقتني برا أوضتها... أنا ساعتها قلبي وجعني اوى بسببها ممكن يكون الموقف بسيط بالنسبالكم بس بالنسبالي لا لان دي أمي كنت اتمنى إن هي تكون أول حد أجرى عليه وأحضنه وأشكيلها كل حاجه مزعلاني ومخوفاني او أني أشاركها فرحتي حتى.
أنهت حديثها وهى تضم توأمها بقوةٍ وظلّت دموعها منهمرة على خديها بكثرة.
بينما "مازن" أطبق عيناه بحزن محاولاً أستراد أنفاسه المختنقة ثم قال:
- وأنتِ ليه ياروحي مجتيش عندى وقولتيلي على اللي حصل معاكي وأنا كنت ربيت الحيوان دا وعرفته ازاي يتجرا يلمسك.
رفعت عيناها ونظرت إليه نظرة كئيبة منكسرة وقالت ببكاء:
- خفت عليك لان عارفه أنك متهور وأن ممكن تعمل حاجة للشاب ده وتأذي نفسك، صمتت لوهلة ثم أضافت قائلة بألم بلغ حنجرتها:
- تعرف يامازن أنا مش وحشة والله، أنا كنت عايزة احس بالأمان وأطمن ساعتها ..... أنا انا مكنتش بدلع زي ما هي قالت والله.
ضمتها "نور" لصدرها ثم ربتت على ظهرها برفق وقالت بنبرة ممتزجة بالبكاء:
- حقك عليا أنا متزعليش مفيش حاجة مستهلة أنك تنزلي دمعة عشانها.
تفوهت الأخرى بحزن مؤلم:
- أنا مش عايزة أزعل تاني لأن والله قلبي بيوجعني من كتر الزعل.
مرت دقائق متثاقلة وظلّت "رحيل" محتضناها حتى سرقها النوم.
فقام "مازن" بوضعها جيداً على الفراش، ثم قبل مقدمة رأسها بحنان أخوي، ثم وجه بصره إلى "نور" وقال:
- يلا يانور خلينا نخرج ونسبها ترتاح.
أعترضت الأخرى قائلة:
- لا أنا هفضل جنبها لحد ما تصحى.
- يابنتي هي مش هتقول دلوقتي غير الصبح يلا بقا.
- لا أنا مش هقوم واسيبها هفضل هنا معاها وكمان هنام هنا يلا أنت اطلع برا.
تحدث "مازن" بقلة حيلة فقال:
- ماشي ياستي لو احتاجتي أي حاجة أبقى نادى عليا.
- حاضر.
نهض الآخر من على الفراش وأغلق جميع الأنوار ماعدا تلك الأباجورة ذات الإضاءة الهادئة.
فعندما خرج من غرفتها صادف "مراد" مقابله فسأله عن حالتها:
- طمني يامازن رحيل عاملة ايه دلوقتي هي كويسة.
- اه الحمدلله هي هتبقى كويسة وأحسن بعد ما تقوم من النوم ما أنت عارف رحيل بتنسي بسرعة وبتقدر تتخطى كل حاجة.
- طيب وأنت مافضلتش جمبها ليه.
أجابه الآخر بهدوء:
- لأن أختك صممت تبقى موجودة معاها.
- تمام تصبح على خير.
رد "مازن" عليه قائلاً:
- وأنت من أهل الخير.
ولج "مراد" إلى غرفته وخلع قميصه و ألقى جسده بأهمال على الأريكة، ثم وضع يديه على موضع قلبه الذى بدأ يؤلمه على حال تلك الفتاة التى سلبت كيانه.
كان يستحوذ عليه شعور ممتزج بالغضب والحزن والألم، فهو لم يتخيل يوماً ما أنها من الممكن أن تكن لغيره، مجرد التفكير في هذا يجعله يجن ويتألم.
تذكر حديث والدتها القاسية التي جعلت فتاته تبكي بحرقة، ود لو ضمها بين أضلاعه ليهون عليها ما قيل لها، وليمسح أثر دموعها.
لو كان بيده لكان أخفاها عن الجميع، لو كان بيده لصاح عالياً وقال بأنها محبوبته ملكه هو فقط ولا يحق لأحد غيره أن يكون زوجها، فلا يحق لأي شخص مهما كان أن يفكر فيها مجرد تفكير.
ولكن في تلك اللحظة تصنم مكانه حين أخبره عقله ماذا لو كانت تحب أحد غيرك؟
انقبض قلبه تألماً من هذا السؤال الذي لم يستطيع أن يجيب عليه، فهو لا يعلم إذا كانت تكن له مشاعر كما يكن لها أم لأ.
شعر لوهلة بالخوف إذا كانت محبوبته تحب شخصاً آخر، فماذا سيفعل حينها؟
ظلّ طيلة الليل في صراع داخلي حتى غفت عيناه.
في الصباح كانت "رحيل" جالسة بحديقة القصر بمفردها تنظر إلى السماء الصافيه فوقها، بينما نسمات الهواء تداعب وجهها بلطافة، فأخذ شعرها الجميل الناعم يتطاير خلفها بفعل الهواء فهذا جعلها تظهر بملامح جميلة هادئه تُسر من يطلع عليها.
أغلقت عيناها برفق لتستنشق ذاك الهواء النقي.
" نغلق أعيننا عندما نفرح وعندما نبكي وعندما نحلم وعندما نتمنى وعندما نتعانق، لأن الأشياء الجميلة في الحياة لا نراها بالعين، بل نشعر بها بالقلب. "
على الجانب الاخر كان هناك عين محبه تنظر إليها بكل حب وشوق ولم يكن هذا سوء "مراد" العاشق لها.
ظلّ يحدق بها من شرفته التي تطل ع حديقة القصر، محدثا نفسه قائلاً بحب:
" ولكِ في القلب ما لايجوز لغيرك وفى النبض نبض على سواكِ محرم، سأبقى أحبك فتاتي الجميلة مهما كان بُعدك عنى ومهما اختلفنا فمكانتك لم يملأها أحد غيرك ".
رواية هجران رحيل الفصل الرابع 4 - بقلم شامة الشعراوي
ولجت "نور" إلى غرفة صديقتها "رحيل" فوجدتها تتزين أمام المرآة وتمشط شعرها الذي تركته بسلاسة على كامل ظهرها، فكانت ترتدي ثوبًا أسود لا يليق إلا بها، فتبسمت "نور" قائلة:
- ماشاء الله شكلك جميل أوي يا رحيل.
أجابتها الأخرى بمرح:
- طول عمري يا حب.
- تباً لغرورك، وبعدين يلا خلينا ننزل لجدو نكلمه على موضوع الرحلة.
تحدثت "رحيل" وهي ترتدي الإكسسوارات بيديها:
- طب ما تروحي تقوليله أنتي.
- لا يا بنتي مش هينفع أكلمه لوحدي وبعدين هو ما بيرفضش ليكي طلب.
نظرت إليها وقالت:
- يا سلام يا أختي، ماهو بردو ما بيرفضش ليكي طلب ومش بيتاخر عليكي في أي حاجة أنتي محتاجاها.
- بس أنتي تأثيرك عليه أكبر لأنك أكتر واحدة مميزة عنده.
تبسمت "رحيل" برقة ثم قالت بلطافة:
- حاضر ويلا قدامي خلينا نخلص من زنك الرخم ده.
عبست "نور" من كلمتها فقالت:
- بقى أنا زنانه.
- اه.
بعد لحظات كان الجد جالس يقرأ في إحدى الكتب الأدبية، فجاءت "نور" من خلفه وهي تنوي على فعل شيء مزعج كالعادة، فصاحت بصوت عالٍ بجانب أذن جدها قائلة:
- جددوووووووو.
استدار الجد نحوها ثم قال:
- حرام عليكي يا نور، دا أنا مصدقت خلصت من مازن تيجي أنتي تكملي المسيرة بعده.
رددت الأخرى بنبرة مرحة:
- جرا إيه يا جدو، دا أنت قلبك طلع قلب خصايه على الآخر.
تفوه الجد بنبرة ساخرة:
- خصايه، روحي يا شيخة روحي يا شيخة ربنا يسامحك أنتي ومازن في يوم واحد.
دنت منه "رحيل" وقالت مازحة:
- إيه يا جدو ماله مازن بس دلوقتي، ده حتى الواد عسل وفي حاله.
أجابها قائلاً:
- عسل بالستر يا أختي.
تحدثت "نور" بابتسامة بشوشة:
- خلاص بقى يا حجوج متزعلش بهزر وياك يا رمضان.
- هو أنا أقدر أقدر أزعل منك يا جميل.
سرت في نفسها فرحة غامرة فقامت بضمه إليها بكل قوتها وهي تقول:
- أيوه بقى يا جدو يا عسل، دا أنت حبيبي أنت.
تبسم تغر الجد وقال مازحاً:
- يا بت براحة هتخنقيني، عايزة تموتيني بدري يا بنت حنان.
ابتعدت "نور" قليلاً ثم قالت:
- لا بعد الشر عليك من الموت يا حبيبي، ربنا يطول في عمرك.
أبعدتها "رحيل" من أحضان جدها وقالت:
- ابعدي كدا وإياكِ تقربي من وهودي، دا حبيبي أنا.
ثم قامت هي بضمه إليها وقالت بلطافة:
- مش صح يا جدو، أنت حبيبي أنا وبس.
افتر ثغره عن ابتسامة عريضة ثم قال بحنية بالغة:
- طبعًا يا قلب جدك.
نظرت "رحيل" "لنور" وهي ترقص حاجبيها بإغاظة فقالت الأخرى بضجر:
- شوفت يا جدو حبيبة قلبك بتغيظني إزاي، وبعدين أنت بتحبها هي وأنا لا.
أجابتها "رحيل" بعند:
- آه بيحبني أنا وبس.
نظرت إليها "نور" بوجه غاضب:
- يا جدووو.
ضحك الجد "وهدان" على الفتاتين وهما يتصارعان على تلك المحبة، فقال مراضيًا لهما:
- تعالي يا نور، ثم أخذها بين ذراعيه كما فعل مع الأخرى وقبل رؤوسهما وقال:
- انتو الاتنين بحبكم زي بعض ومفيش أغلى منكم عندي، وخليكم عارفين إنكم ملكات البيت ده، والنور اللي بينوره ولو واحدة منكم بس زعلت أو حصل ليها أي حاجة القصر بيضلم، وخليكم عارفين بردو إنكم أحلى وأجمل حاجة في حياتي، دا أنا عايش عمري عشانكم.
تحدثت "رحيل" بتأثر فقالت:
- تعرف يا جدو أني بحبك أوووي، فربنا يديمك ليا وميحرمنيش منك ولا من حنيتك عليا.
وقالت الأخرى:
- وأنا كمان يا وهودي بحبك أوي.
ضربتها "رحيل" بخفة على رأسها ثم قالت بنبرة مرحة:
- بت أنا بس اللي أقوله وهودي، سامعه.
ابتعدت "نور" وهي تقول بتلعثم:
- جدو أحنا عايزينك في موضوع.
نظر إليها الجد من طرف عيناه وقال:
- ما أنا قولت بردو الداخله دي فيها إن، وياترى موضوع إيه اللي عايزاني فيه.
نظرت "نور" "لرحيل" بمعني تحدثي أنتي، فقالت الأخرى بكل وضوح:
- الصراحة كدا يا جدو أصحابنا في النادي عاملين رحلة فكنا عايزين نروح معاهم.
- وطالعة فين الرحلة دي.
أجابت "نور" بتوتر:
- دهب يا جدو.
صاح العجوز منصدماً:
- نعم دا إيه يا أختي.
أردفت "رحيل" قائلة:
- آه يا جدو دهب وكمان يعني مش هنبقى لوحدنا، ماهو معانا بنات رايحين.
الجد:
- ودي هتقعد قد إيه يا رحيل هانم.
- أسبوعين .... أسبوعين بس يا جدو.
تفوهت "نور" بنبرة ممتزجة بالعطف:
- آه والله وافق بقى وخلينا نفرح.
- ولو موافقتش هتزعلوا يعني، أنتو مش واخدين بالكم إن هي أسبوعين وإحنا من امتى بنخلي واحدة فيكم تبات بره من أصله.
- يا جدو يا حبيبي دي مرة من نفسنا واحنا بقالنا كتير مخرجناش خروجة زي دي.
الجد:
- لا مش موافق.
هتفت "رحيل" بترجّي وقد ألتمعت عيناه بالدمع المزيف:
- عشان خاطري يا جدو ما تحرمناش من الخروجة دي.
"نور":
- بالله عليك وافق بقى.
فقالت الأخرى بإصرار مبالغ:
- يلا بقى يا وهودي وافق عشان خاطرنا.
- لا يعني لا.
أردفت "رحيل" بنبرة حزينة مصطنعة:
- بقا كدا يا جدو، أمال عمال تقولنا أنتو أغلى اتنين عندي وأنك بتحبنا، فين الكلام ده بقى وأنت بتكسر فرحتنا بعدم موافقتك على الرحلة.
تفوهت "نور" بنفس اللهجة:
- آه يا قلبي يا اللي اتكسر، ياني.
نظر إليهما الجد بفم مفتوح من تمثيلهما الواضح:
- لا برافو مشهد هايل، ثم ضحك قائلاً:
- دا أنتو زنانين أوي.
ضحكت "رحيل" بنبرة عالية والت لمعت عيناها الزرقاء بشدة، فقالت وهي تقبل جدها:
- بحبك يا وهدان.
تبسم الجد وقال بمرح:
- لمضة هانم ارتحتي دلوقتي، يارب تكونوا مبسوطين، دا على كدا بقى لو كنت رفض كنتوا هتزعلوا صح.
- صح.
هتفت "نور" بصوت مرتفع نسبيًا:
- يعيش ويحيا وهودان بيه.
فأخذت "رحيل" تردد معها وهما يذهبان إلى الخارج، يعيش وهدان يعيش وهودي يحيا العدل، فضحك العجوز على هيئتهم المضحكة وفي هذا الوقت جاء "حمزة" وهو ينظر لأثرهم بحيرة فقال:
- هما مجانين العيلة دول مالهم.
- فرحانين عشان وافقت إن هما يسافروا.
- يسافروا فين!
- رحلة تبع النادي طالعة دهب أسبوعين وأصحابهم كلهم رايحين وهما عايزين يروحوا معاهم.
- أزاي بس يا بابا توافق ع طلب المجانين دول.
- ما أنا مقدرتش الصراحة أرفض ليهم طلب.
رد "حمزة" ضاحكًا:
- هما اشتغلوك يا بابا.
تبسم الجد بهدوء ثم قال:
- ما أعمل إيه، أي لبنتك وبنت أخوك اللمضة التانية اللي اتمسكنت لحد ما اتمكنت، وأنت عارف إن بضعف قدام عيونها الحلوين.
تفوه "حمزة" باسمًا:
- رحيل دي مشكلة، وأنت بقى هتقدر ع بعدهم أسبوعين دي لو واحدة منهم اتأخرت برا بتبقى هتتجنن عليها.
- أهم حاجة أشوفهم فرحانين قدامي وبعدها كل شيء يهون.
بعد عدة ساعات... كانت "نور" تهمس "لرحيل" قائلة بسعادة:
- تعرفي إني بجد فرحانة إن جدك وافق على السفر، وأخيرًا هنسافر لوحدنا.
انتبه "مراد" لهمسها فسمع كلماتها الأخيرة فقال متسائلاً:
- مين دا اللي هيسافر.
أجابته شقيقته برقة:
- أنا ورحيل يا ابيه هنسافر.
- نعم تسافروا! وعلى فين العزم إن شاء الله.
رددت عليه "رحيل" دون أن تلتفت نحوه:
- رايحين دهب.
تحدث في هذه اللحظة "مازن" بفرحة عابثة:
- الله دهب، أنا جاي معاكم، قوليلي بقى هنقعد هناك كام يوم، ها ها.
أردفت "رحيل" بهدوء:
- هنقعد أسبوعين.
- العب بس، استنى انتو رايحين لوحدكم.
ألقت "نور" ناظرة خاطفة إليه ثم قالت:
- لا يا مازن دي رحلة طالعة في النادي مع أصحابنا.
تحدث أخوها بعدم موافقة:
- مفيش مرواح في حتة يا نور.
بُهت وجه الفتاة فقالت منزعجة:
- ليه بس كدا يا ابيه.
- أنا قولت كلمتي، مفيش سفر في حتة، مفهوم.
تحجرت الدموع في عيناها فقالت بنبرة مختنقة:
- عشان خاطري يا مراد وافق.
قطب جبيناه وقال غاضبًا:
- أوافق إيه يا أستاذة، أنتي بتقولي رحلة لدهب وطالعة تبع النادي واكيد فيها زفت شباب و..
أوقفته "رحيل" عن الحديث قائلة:
- لكن فيها بنات طالعين، وبعدين إحنا أخدنا موافقة جدو.
- وأنا قولت لا.
رددت عليه الأخرى بتحدي:
- وأنت مالك، بتدخل في اللي ملكش فيه ليه، وبعدين أصلاً أنت بترفض على أساس إيه.
نظر إليها بعينان تتقدان غيضًا فقال بنبرة حادة:
- لا ليا يا أستاذة رحيل، ومتنسيش إني ابن عمك الكبير وليا كلمة عليكي، فاهمه.
زاد تمردها فأجابت بنفس الغضب والحدة:
- لا مالكش كلمة عليا، ليك على أختك وبس، وبعدين أنت فاكر نفسك إيه أصلاً عشان تقول لي لا وترفض.
تفوه أبوها بتحذير قائلاً:
- رحيل أخرسي ومسمعش صوتك، واحترمي الموجودين.
ثارت "رحيل" غاضبة من ذاك المتحكم فصاحت متحدثة دون أن تنتبه إلى نبرة صوتها العالية:
- لا يا بابا معلش حضرتك أنا مش هسكت، هو ملهوش حق يتكلم معايا بالطريقة دي، هو فاكر نفسه إيه يعني.
غضب "سليم" من نبرتها فرفع يديه ليضربها، لكن منعه "مراد" قبل أن يفعل شيئاً سيندم عليه.
فنظرت إليه "رحيل" بصدمة وقد ترقرق عيناها فهي لم تصدق ما حدث للتو، فهذه المرة الأولى التي يرفع فيها والدها يديه كي يضربها، وكل هذا بسبب ذاك مراد الذي تكن له مشاعر كراهية، فأتاها صوته الذي تبغضه قائلًا:
- عمي أرجوك اهدى، الموضوع مش مستاهل إنك تتعصب بالشكل ده، وبعدين ماينفعش تضربها.
أحكم "سليم" قبضته حول ذراع ابنته وقال بانفعال:
- الظاهر إني دلعتك زيادة عن اللزوم وبقى صوتك يعلى عليا... ومن هنا ورايح ابن عمك الكبير له الحق إنه يدخل في أي حاجة تخصك وكلمته هتبقى مسموعة وهتمشي عليكي، فاهمه يا هانم.
رجت الصدمة كيانها فأغمضت عيناها بقوة فقام والدها بهز جسدها بقوة أوجعتها ثم قال:
- مش بكلمك أنا، ردي عليا.
أردف "مراد" باختناق:
- عمي سليم مش كدا، سيبها لو سمحت.
دفع "سليم" ابنته التي كادت أن تسقط أرضًا فقال:
- على فوق ومشوفش خلقتك قدامي، يلاااااااا.
فزعت من حدته، وأثناء مرورها من أمامه وقفت مقابل "مراد" وقالت بنبرة متحشرجة من أثر اختناق البكاء:
- أنا بكرهك يا مراد، ومكرهتش حد في حياتي قدك، أنهت جملتها ثم هرولت إلى غرفتها.
فنظر الآخر لآثارها بحزن وقد أحس بوخزة قوية في صدره، فهذه الكلمة أخذت تتردد في أذنيه شعر وكأن خنجرًا طُعن في قلبه، فهذه الكلمة كانت كفيلة بأنها تكسر قلبه وتفتته إلى قطع صغيرة.
تحدث الجد مستنكرًا لما حدث:
- مكنش يصح اللي أنت عملته دا يا سليم.
أجابه بتهكم قائلًا:
- يعني حضرتك ماشوفتش الهانم إزاي بتزعق وبتعلي صوتها عليا ومحترمتش وجودي قدامكم كأني مش عاجبها ومعملتش أي احترام لأي حد من اللي قاعد.
أردف الجد معاتبًا:
- عارف إنها غلطت بس بردو مينفعش إنك ترفع إيدك عليها.
تحدثت "صفا" بكل قسوة وبرود:
- المفروض كان ضربها وأداها قلمين على وشها ع قلة أدبها دي.
نظر إليهم بعدم رضا ثم قال:
- أنا هقوم أنام أحسن، دا أنتم مفيش فيكم أي فايدة، وأنتي يا صفا بلاش معاملتك دي لبنتك.
رددت متعجبة:
- يعني هو أنا عملت ليها حاجة، وبعدين يا بابا رحيل مدلعة زيادة عن اللزوم وحضرتك السبب في دلعها ده.
ضرب كف على كف وهو يقول:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، عايزاني أبقى قاسي زيك عليها ولا أبقى زي التاني اللي مش بيسأل فيها من أصله، والله البت دي خسارة فيكم.
رواية هجران رحيل الفصل الخامس 5 - بقلم شامة الشعراوي
في وقت متأخر من الليل، كان مراد واقفاً في شرفة غرفته ينظر إلى ذاك القمر البازغ، فهو رفيقه المخلص ليلاً والذي يراقبه من بعيد صامداً. يعرفه في لحظاته المضيئة والمظلمة، وفي هذا الظلام اجتمعت الذكريات وكأنها قلب لا ينبض إلا ليلاً.
رفع رأسه إلى السماء وتأوه بصوتٍ كئيب لا يخلو من الكسرة. وعلى حين غرة شعر بيد توضع على إحدى ذراعيه. فلما استدار وجد جده يقف بجانبه، يسأله ما به.
فأجابه الآخر في حيرة:
- مش عارف مالي.
تنهد الجد ثم أضاف:
- أزاي يعني مش عارف.
أخبره قائلاً:
- متشغلش بالك بيا أنا كويس مفيش فيا حاجة.
عاتبه الجد وهدان قائلاً:
- بتخبي على جدك اللي مربيك وعارف أنت بتفكر في إيه، وإيه اللي شاغلك ومعكر مزاجك.
تنهد وقال:
- صدقني مافيش حاجة مخبيها عنك.
- طب والحزن اللي مالي عينك دا تسميه إيه.
سكت لثوانٍ ثم أضاف:
- أنت لو خبيت عن العالم كله وجعك وحزنك مش هتعرف تخبي على جدك يا مراد.
تنهد مراد ثم أجاب بألم ينهش صدره:
- مش عارف حاسس بتعب.. مخنوق ومش عارف مالي جوايا وجع مش عارف أتخلص منه... حاسس بضيق في صدري، وحاسس إن الدنيا كلها بتعاند معايا وماشية عكس ما بتمنى.
تحدث الجد متسائلاً:
- أنت لسه بتحبها؟
انتظر رده في ترقب فلم يجبه الآخر، فقال مبتسماً:
- مادام سكت يبقى لسه قلبك بينبض بحبها.
فرت دمعة من عينه حزناً فمسحها سريعاً قبل أن يراها جده، فأردف:
- عمري ما بطلت أحبها، أنا كل يوم حبها بيزيد جوايا عن اليوم اللي قبله، ومكنتش أعرف إن معاملتي ليها هتخليها تكرهني.
سارعه بالقول:
- ومين قالك إنها بتكرهك؟
رد عليه مستهزئاً:
- يعني حضرتك ماسمعتش الهانم قالت إيه ليا.
- لا سمعت بس ده من ورا قلبها.
نظر إليه بإنصات فقال:
- أزاي يعني مش من قلبها.
طمأنه الجد قائلاً:
- بمعنى إنها مش كارهالك كشخصك، هي مش بتحب تحكمك فيها لأنك طبعاً عارف رحيل من صغرها متعودة إن كل طلباتها مجابة ومحدش بيرفض ليها طلب، فلما تيجي أنت مرة واحدة وترفض طلبها أو أي حاجة هي عاوزاها، ف أكيد هي مش هتحب كده، فهتلاقيها بتتصرف تصرفات غريبة مش عاجباك لمجرد إنها تلفت نظرك بتصرفها ده.
- وأنا مش همنع عنها حاجة غير لو هي متنفعش، يعني حضرتك هي ونور مينفعش إن هما يسافروا ويباتوا برا البيت، وكمان هما رايحين في حتة مليانة شباب مش عارف أزاي حضرتك وافقت على كلامهم.
أردف الجد مبتسماً:
- يعني لو مكنش فيها شباب كنت هتخليهم يسافروا!
اندفع مراد بالقول:
- طبعاً لا، أنا مقدرش إن هي تغيب عني يوم واحد ومشوفهاش قدامي، ده أنا أتجنن فيها.
تبسم الجد بخفة لما قاله حفيده، فوضع الآخر يديه على رأسه بإحراج، فقال الجد:
- مكنتش أعرف إنك بتحبها أوي كده ومتقدرش على بعدها.
صمت لوهلة ثم أكمل قائلاً بود:
- تعرف يا مراد إن أنت ورحيل ليكم معزة خاصة في قلبي وأقرب اتنين ليا، وده لإن أنا بشوف نفسي فيك وأنا صغير ولأنك واخد حاجات كتير مني، أما رحيل بقا فهي نسخة طبق الأصل من جدتك الله يرحمها، هي الوحيدة فيكم اللي طلعت نسخة منها نفس لون العين ولون الشعر الأحمر ونفس الغمازات ونفس طباعها. تعرف أول ما اتولدت كنت أنا أول واحد أخدها في حضني ووقتها شوفت فيها جدتك، علشان كده ناديت سليم وقولتله أنا هسمي بنتك رحيل على اسم أمك لأنها هتبقى نسخة منها لما تكبر، ساعتها فرح وابتسم. ولما جيت أنت وشوفتها طلبت مني تشيلها وكان عندك ٨ سنين فاكر وقتها أنت قلت إيه لما شيلتها بين إيدك.
أردف والفرحة تغمر قلبه:
- قلت دي هتبقى حبيبتي وعروستي.
- ولما قولتلك عروستك، قلت أه عروستي وهتبقى مراتي لما أكبر زيك أنت وتيتا. كنت فاكر إن ده مجرد كلام طفل، لكن لما كنت بشوف نظرتك ليها ولمعان عيونك في كل مرة لما كنت بتكبر، ونظرتك اللي ماكنتش بتتغير أبداً عرفت إنه مش مجرد كلام وإنه هيبقى حقيقي في يوم.
تحدث مراد قائلاً بتسأل:
- تفتكر يا جدي إن ده ممكن يحصل وإنها هتبقى مراتي.
- وليه لأ.
- خايف إن حلمي ما يتحقق وتبقى لواحد غيري.
أجابه الجد باطمئنان:
- متخافش، مدام لسه حلمك موجود خلي أملك في ربنا كبير وإنه قادر على كل شيء، قادر إنه يجعل من الصعب سهل ومن المستحيل حقيقة، بس أنت قول يارب واستودعه حلمك.
أردف الآخر بنجاة ربه هامساً:
- يارب أنت أعلم بحالي وما تحتاجه نفسي في الأمر كله بيدك فاستودعك ما أتمنى.
***
جاء صباح يوم جديد مملوء بالتفاؤل والأمل. كانت تركض نور في الممر محاولة الالتحاق بأبيها قبل مغادرة البيت. وعلى حين غرة التوت قدميها اليسرى، فأمسكها أدهم الذي هرول نحوها مسرعاً قبل أن تسقط من على الدرج. فقام بضمها إلى صدره تلقائياً دون وعي.
فخطف نظرة إليها ليدقق إلى ملامحها البريئة الذي لأول مرة يحدق بها عن قرب. فشعر بنبضة قوية تضرب قلبه. حين فتحت عيناها الماسية المرتسمة بالرموش الكثيفة، فبهت من جمالها الذي سحره. فتعجب بداخله من ذاك الشعور المفاجئ الذي طرأ عليه.
بينما هي أدركت الوضع فابتعدت عنه بحياء وقد تورّدت خديها. استفاق مما هو فيه وقال مرتبكاً:
- أنتي كويسة رجليكي حصلها حاجة.
أجابته بحياء قائلة:
- لا محصلش حاجة أنا كويسة وشكراً لمساعدتك، لولاك كان زماني طايحة من على السلم.
- على إيه بس كويس إني جيت في الوقت المناسب قبل ما تقعي، وبعد كده خلي بالك ومتجريش بالطريقة دي.
طأطأت رأسها إلى الأسفل بخجل وقالت:
- حاضر عن إذنك.
ثم تركته بمفرده. تحدث أدهم إلى نفسه قائلاً:
- أنا إيه اللي بيحصلي وليه قلبي دق بالطريقة دي لما كانت قريبة مني؟ أياك تكون يا قلبي بدأت تحبها.
فاق من شروده ليقول بنفي:
- لا مستحيل مستحيل يحصل وأرجع أحب تاني، لا مش هيحصل، كفاية الوجع اللي اتوجعته قبل كده ولحد دلوقتي مش قادر أتعافى منه، عمري ما هسمح لواحدة تانية تدخل حياتي. الحب بيخلي البني آدم منا ضعيف ومكسور وأنا مش هسمح لده إنه يتكرر تاني.
على الجانب الآخر كانت رحيل جالسة أمام حوض السباحة تنظر إليه بشرود. فقامت نور بالمناداة فلم تجيبها، فهزت ذراعيها وقالت:
- أنتي يا بنتي.
انتبهت رحيل إليها فقالت متعجبة:
- نور أنتي جيتي امتى!
ردت عليها وهي تجلس بجانبها على المقعد:
- بقالي ساعة قاعدة جنبك وبنادي عليكي وأنتي ولا الهوا كأنك مش موجودة.
- مأخذتش بالي والله، وبعدين يا كدابة ساعة إيه اللي قاعدة فيها معايا إذا كان أنا جيت هنا من شوية.
علت الابتسامة محياها فقالت:
- ما هو طبعاً لازم أقول ساعة زيهم أمال أقول إيه يعني.
تسألت الأخرى قائلة:
- هما مين دول اللي لازم أقول زيهم؟
- اللي هما طول الوقت بيقولوا أنا بقالي ساعة مستنيكي تحت البيت، وأنا بقالي ساعة برن عليكي وأنتي مش بتردي واللي واللي بقى دووول كتير أوي وهما أصلاً بتلاقيهم بقالهم دقيقة أو أقل مش ساعة زي ما هما بيقولوا.
تبسمت رحيل برقة مما جعل إحدى غمازاتها تظهر واضحة:
- أنتي هبلة يا نور إيه اللي بتقوليه ده.
أجابت نور ببلاهة:
- آه وربنا هما بيقولوا كده، حتى اسألي مازن وهو هيقولك.
حركت رحيل تلك الأسوار في يديها بتلاعب ثم قالت:
- اااه قولتي مازن وأنا بقول البت جرى ليها إيه، أترى البيه بهت عليها.
بعد بضع دقائق جاءت صديقتهم الثلاثة ندي التي صاحت قائلة:
- صحابي الواطيين عاملين إيه.
تفاجأت نور من وجودها فقالت متسائلة:
- حبيبتي ندي أنتي جيتي امتى.
- أنا لسه جايه حالاً يا متخلقة، أنتي جرى لعقلك إيه ركزي كده الله يكرمك مش ناقصه عته.
- أنا مش متخلفة يا ست ندي.
قاطعتها مازحة:
- ما أنا عارفة أنتي هتقوليلي.
فر ثغر رحيل عن بسمة ودودة وقالت:
- سيبك منها يا ندي وطمنيني عليكي.
- أنا الحمد لله بخير، أنتي أخبارك إيه يا قمر.
أجابت الأخرى بمرح:
- القمر زي الفل.
- طب كويس، ثم أضافت قائلة:
- وبعدين يا واطيين بقالكم كام يوم محدش منكم عبرني ولا سمع ليكم أي حس ولا شافكم حتى، فعلاً طلعتوا عيال واطية على الآخر، بقى هي دي الصحبة.
- على أساس إنك أصلاً بتسألي أو بتكلمي حد فينا يا ست ندى.
تفوهت ندى ببرود:
- المفروض أنتو اللي تسألوا مش أنا يا ست رحيل.
- ودا ليه إن شاء الله.
- علشان أنتوا اتنين وأنا واحدة.
ضحكت نور ثم قالت:
- لا والله.
رددت ندى بمرح:
- أه والله، وبعدين إذا كان عجبك يا نور هانم، المهم أنا جاية ليكم علشان آخدكم معايا بربطة المعلم نروح نشتري شوية حاجات ليا.
أردفت نور قائلة بخمول:
- أنا مش قادرة أتحرك من مكاني.
- لا يا حلوة هتيجي معايا يعني هتيجي وبطلي كسل بقا شوية.
تظاهرت نور بالتعب قائلة:
- صحبتك عيانة يا ندي ورجلي وجعاني، ده حتى من شوية كنت هقع من على السلم لولا أدهم.
بترت حديثها حين أمسكتها ندي من ثوبها الأبيض وقالت مندهشة:
- لولا مين ياما عيدي كلامك تاني أصلي ماسمعتش كويس.
أبتلعت ريقها بخجل ثم قالت:
- لولا أدهم ابن عمي.
- مش أدهم ده هو نفسه حبيب القلب.
- آه.
- ياحنينة، واكيد أنتي طبعاً كنتي هتطيّري من الفرحة عشان الواد لحقك صح.
تبسمت رحيل من هيئة وحالة نور المنكمشة من أثر قبضة ندي، ثم قالت:
- سيبّي البت يا ندي حرام عليكي أنتي قافشاها كده ليه.
تحدثت الأخرى بإصرار قائلة:
- ما أنا مش هسيبها غير لما تقولي إيه اللي حصل.
نظرت إليها نور وقالت:
- والله هقول بس أنتي ابعدي عني يا شيخة بدل ما أنتي محسساني إنك قافشة حرامي.
ابتعدت صديقتها عنها وبدأت تقص عليهما ما حدث:
- كنت بجري ورجلي اتلوت وكنت هقع من على السلم بس أخوكي يا رحيل الله يستره لحقني و...
ولكنها حين تذكرت كيف قام باحتوائها قبل سقوطها، فافترّ ثغرها الصغير عن ابتسامةٍ عذبةٍ.
دنت منها رحيل عندما لاحظت اصطباغ خديها بالاحمرار فقالت بمكرٍ:
- بصي كده يا ندي أنا حاسة إن وشي أحمر، حطي إيدك وشوفيّني لاحسن يكون فيه سخونية ولا حاجة.
ضحكت ندي من تداعب رحيل فقالت مازحة:
- إيه دا يارييري مال وشك بقى أحمر كده ليه، شكلها كده السخونية عالية عندك.
نظرت إليهما نور بخجل ممتزج بالغضب فقالت:
- بجد أنتو باردين أوي على فكرة.
تفوهت رحيل بمرح قائلة:
- الا قوليلي يا نور هو دومي حبيبي أنقذك من الوقعة إزاي يعني حضنك مثلاً عشان متقعيش.
أجابتها بغيظ مكتوم:
- تصدقي يا رحيل إنك باردة زي أخوكي.
- وماله أخويا ده حتى عسل.
- عسل أسود وأنتي الصادقة.
بينما ندي قالت باسمة:
- يابت يابت قولي واعترفي باللي حصل بدل ما أخليكي تعترفي بطريقتي.
أردفت نور بصوت عذب ورقيق وقالت كل ما حدث ثم أضافت:
- بس يا ستي هو ده كل اللي حصل وأنا من ساعتها مش قادرة ألم على بعضي، قربه كان حلو أوي تعرفوا أنا بحبه ونفسي هو كمان يحبني.
ربتت رحيل على يديها برفق ثم قالت بلين:
- أكيد هيجي اليوم اللي هيعترفلك بحبه بس أنتي اصبري.
أردفت الأخرى بيأس:
- شكله مش هيحصل أبداً، لأن أخوكي ده بارد مش بيحس أصلاً.
- والله أنا أخويا أحسن من ناس تانية ومش بارد زيهم ولا حتى بيدخل في اللي ملهوش فيه.
نظرت نحوها الأخرى ثم قالت:
- أنا حاسة إن كلامك فيه تلقيح وشكله على آبهي صح، شكلي هزعلك ده أخويا حبيبي.
- يا شيخة اتنيلى أنتي وأخوكي البارد المعدوم الإنسانية اللي حاشر مناخيره في كل حاجة.
تفوهت ندي متعجبة:
- هو إيه اللي حصل مخليكي مش طايقة الشاب الحلاوة مراد باشا، عملك إيه اللي شكله وكلامه بينقطوا عسل وسكر، أكيد أنتي اللي بتفتري على الراجل يا ظالمة.
نظرت إليها رحيل باشمئزاز ثم قالت:
- عسل وسكر إيه جو التلزيق ده.
تحدثت نور بغضب مصطنع:
- لا يا رحيل كله إلا آبهي مراد ده مفيش أحلى منه ولا في حنيته ده عسل.
زمت رحيل شفتيها وقالت:
- آه وماله وبعدين إيه اللي كل شوية ده عسل ده عسل خنقتوني.
جذبتهم ندي وهي تهم على الخروج قائلة:
- طب يلا يا حلوة أنتي وهي خلينا نخرج نروح المول وبعد كده نبقى نشوف حكاية العسل اللي مزعلك.
***
في هذا المستودع المظلم كان جالساً ذاك الشخص على مقعده الخاص، يرتدي قناعاً يخفي به وجهه، فلم يظهر منه إلا عيناه فقط. كان يشغل عقله كيف سينتقم من تلك العائلة الذي يحمل لها قدر كبير من الحقد والكره.
وفي هذا الأثناء قاطع تفكيره رنة هاتفه، ففتح على المتصل وبدأ يسترسل قائلاً:
- ها عملتي اللي قلتلك عليه.
المجهول:
- لا لسه مجاش الوقت المناسب.
الشخص:
- هو أنا لسه هستنى الوقت المناسب.
المجهول:
- خلاص يا فندم الموضوع قرب ينتهي واللي أنت عاوزه هيحصل.
صاح الشخص غاضباً:
- والبيه التاني إيه وضعه.
المجهول:
- والله يا فندم هو ماشي حسب الخطة بس إحنا كنا عايزينك تزود لينا الفلوس.
الشخص:
- لما اللي قلت عليه يتنفذ هديكوا الفلوس اللي عايزينها.
تحدث المجهول بطمع:
- بس إحنا عايزين مليون جنيه.
الشخص:
- بس ده كتير.
المجهول:
- مش هيبقى كتير على اللي هيحصل.
الشخص:
- تمام موافق المهم إنكم تخلصوا الموضوع في أقرب وقت أنا عايز أشوفه ميت قدامي.
ثم أكمل بشر:
- أصل أنا مش هرتاح ولا هيهدالي بال إلا لما أخلص عليه وأقهر عيلته على موته.
رواية هجران رحيل الفصل السادس 6 - بقلم شامة الشعراوي
جاءت "رحيل" من الخارج تحمل بيدها بضع أكياس، فجلست بجانب جدها بأرهاق وتعب شديد.
- الله يخربيتك ياندي بهدلتينا معاكى.
جلست بجانبها "نور" وقالت بنبرة مرهقة:
- الواحد خلاص مش قادر ورجليا مش حاسه بيها من كتر التعب.
جاء الجد وجلس إليهما وقال:
- مالكم بس ياقمرات.
أجابته "رحيل" قائلة:
- البت ندى لففتنا محلات مصر كلها علشان تشترى فستان وفى الاخر الهانم معجبهاش أى حاجة.
- طب وأنتى ونور اشتريتم ليكم حاجة.
أردفت "نور" وهى تخرج من إحدى الأكياس ثوب جديد بلون اللافندر، وقالت بنبرة فرحة كالأطفال:
- بص ياجدو شكله حلو ازاى.
نظر إليها وقال بحنية:
- شكله حلو ياروحي وطبعا هيحلو أكتر لما تلبسيه وتتهنى بيه.
- وأنتى يارحيل جبتي ايه.
- جبت نفس فستان نور بس اللون مختلف.
الجد:
- مبارك عليكم يلا قوموا اطلعوا غيروا هدومكم وبعدين انزلوا علشان نتغدا مع بعض.
نهضت "رحيل" من مكانها وهى تقول بتثأوب:
- مش عايزة أكل، أنا هطلع أنام لأن خلاص فصلت ومابقتش قادرة أقعد ثانية واحدة.
تحدثت "نور" وقالت:
- وأنا كمان هطلع أنام ومحدش يصحيني من هنا لبكرا.
تحدث الجد قائلاً:
- اتغدوا الأول يابنات وبعدين ابقوا ناموا زي ما أنتم عايزين.
أردفت "رحيل" وهى تهم على الذهاب:
- مش عايزين نأكل.
ثم غادرت مع ابنة عمها التى قالت هامسة:
- بت يارحيل أنا عايزة أقولك على حاجة.
- حاضر بس أروح أنام الأول وبعدين لما أصحى قولى كل اللى نفسك فيه.
- خلاص ماشى.
قابلهم العم "سليم" وهم يصعدون على الدرج فتبسم قائلاً:
- ازيك يانور عاملة ايه ياحبيبتي.
قالت الأخرى مبتسمة وهى تضمه:
- الحمدلله بخير ياعمو طمني على حضرتك.
أجابها وهو ينظر لابنته فقال باسماً:
- بخير ياقلب عمك.
ألقت "رحيل" نظرة خاطفة حزينة إليه ثم قالت:
- أنا رايحة أوضتي.
فربتت "نور" على ذراعيه وقالت برقة:
- متزعلش ياعمو، أنت عارف بنتك بتزعل على طول لكن قلبها أبيض وهتيجي تصالحك.
قبل جيبنها وقال برفق:
- ماشى ياحبيبتي روحي ارتاحيلك شوية.
- حاضر.
***
فى المساء
وخاصةً على سفرة الطعام جلس "مازن" قبل أن يجلس الجميع، وصاح عالياً:
- ياعالم ياللى فى البيت فين الأكل أنااااا جعاااان.
جاء "هشام" وجذب مقعد له وقال بنفس اللهجة:
- ياعمتوووو فين الأكل بجد حرام عليكم اللى بتعملوه فيا.
أقبلت "حنان" نحوهما وهى تقول متعجبة:
- مالكم فى ايه، ما الأكل خلاص هيتحط أهو، وبعدين أنتم ليه قعدوا على السفرة دلوقتى هااا.
أردف "مازن" بجوعٍ:
- هنعمل ايه بس ياعمتو ما اصلنا جعانيين أوى ومحدش فيكم حاسس بيا.
فقال الآخر:
- والله أنا مش قادر خلاص هموت من الجوع.
مسدت "حنان" على شعره وقالت بحنية:
- بعد الشر عليك من الموت ياحبيبي دقيقة والأكل هيكون جاهز، وبعدين هو أنتم ماكلتوش حاجه فى الشغل تصبركم شوية.
تحدث "مازن" بضيقٍ فقال:
- هو الواحد عرف يأكل ولا يعمل حاجه بسبب ابنك المستفز.
- ليه بس عمل فيكم ايه تاني النهاردة.
تفوه "هشام" بنبرة مستعطفة:
- يرضيكى ياحنون اللى ابنك عمله فينا دا منع عننا الأكل ودخول الحمام كمان.
- ودا ليه كدا.
أردف "مازن" قائلاً:
- علشان معندهوش دم، ابنك ياست الكل طلع عين اللى جابوني فى الشغل النهاردة متقوليش يمكن ضرته وأنا معرفش.
بينما الآخر قال منزعجاً:
- اسكتى ياعمتو الله يسترك دا كأنه بينتقم مننا وكأن مفيش غير هشام ف ام الشركة دى اللى بيرصد الحسابات كل شويه هشام شوف ملف الحسابات وعدله هشام مش عارف الحسابات مالها هشام أنت نسيت تكتب معرفش ايه كل حاجه هشام هشام لحد ما أتخنقت.
ضحكت "حنان" وقالت بطيبة قلب:
- معلش ياحبايبى حقكم عليا دا مفيش أطيب من مراد والله.
أردف "مازن" مستهزئاً:
- اه أنتى هتقوليلى دا طيب بشكل من كتر طيبته خلاص قربت أموت دا ياساتر بنادم لا يطاق.
جاء "مراد" من ورائهما وقال:
- بتقول حاجه يازفت.
- مابقولش مابقولش أنت ع طول كدا بتيجى ف الوقت الغلط.
تحدث "هشام" بضيقٍ فقال:
- ماله دا هو هيمنع عننا الكلام كمان هنا ولا أي.
اقترب منهما "مراد" وقال محذراً:
- عرفيين لو محطتوش لسانكم جوا بوقكم مش هيحصلكم كويس وبالذات السوسه التانى اللى جنبك.
نظر إليه "مازن" فقام بكتم فاهه بيده وقال:
- بص أنا ساكت أهو وأنت اللى بتجر شكل.
- بقى أنا اللى بجر شكل يبتاع سوزى عارف يامازن لو لمحتك قدم مكتبى تانى هعمل فيك اي.
دن "هشام" منه وسأل مستفسراً:
- هتعمل أى ها ها قولى وأنا مش هقول صدقني.
تحدث "مراد" وهو ينظر نحوه بطرف عيناه فقال ساخراً:
- اه ما أنا عارف أنك مش فتان ولا هتقول لحد.
نادت "حنان" الجميع قائلة:
- يلا ياجماعة الأكل جهز.
بعد مرور بضع ثوانٍ
تسأل "أدهم" قائلاً:
- أومال البنات فين هما مش هياكلوا معانا.
اجابه "الجد" :
- هما نايمين ومش هياكلوا.
تفوه "مازن" قائلاً:
- أنا هطلع اصحيهم.
الجد:
- لا ماتطلعش هما مش هيقوموا دلوقتى علشان تعبانين سيبهم يناموا براحتهم.
تحدث "مراد" بنبرةً قلقلة فقال:
- تعبانين !...أنا هطلع أشوفهم.
الجد:
- يابنى أقعد مفيش فيهم حاجة هما بس كانوا ف المول طول النهار ف حبوا أن هما يرتاحوا شويه ويلا كلوا بقى.
***
فى الصباح الباكر...
دق جرس المنبه فانزعجت "رحيل" فقامت بفصله وأكملت نومها مجدداً، لحظات وولج إليها شقيقها فقام بالمناداة:
- ريرى ياريرى يلا قومى كفاية نوم لحد كدا.
تفوهت بضيقٍ قائلة:
- ياربى هو الواحد مايعرفش ينام ف ام البيت ده.
- اشحال أنك أول واحدة نايمة فى القصر كله.
شدت الغطاء على وجهها وقالت بنبرة ناعسة:
- بص هما شوية صغيرين وابقي صحيني ماشى.
أصر "مازن" بأن يُقظها فسحب الغطاء من عليها وقال محذراً:
- والله لو ماقومتى هروح انادى نور وأنتى عارفه طريقتها الرخمه لما بتصحي حد.
نهضت "رحيل" ثم قالت بضجر:
- يووووه أهو قومت ارتحت بقى.
تبسم الاخر وقال:
- ايوة ياريرى هنزل أنا بقى استناكى تحت سلام.
بعد خروجه همست قائلة:
- والله رخم.
بعد ما أنهت جملتها لمحت هاتفها يُضئ بالإتصال فجذبته إليها وقامت بالرد على المتصل.
فاتاها صوت "سامر" الذى تحدث بنبرة ودودة:
- صباح الخير على أجمل بنت فى الدنيا وحشتينى.
فقامت الاخرى بعدل جلستها ثم قالت بخجل:
- وأنت كمان ياسامر.
- من وقت ما سفرت و أنا والله زعلان أنك مجتيش معانا، كان نفسي تكونى موجوده جمبي.
- معلش ياسامر ما أنت عارف أن أنا كان نفسى أوى اكون معاك.
أجابها الآخر وهو يمسك بيد تلك الفتاة الجالسة بجانبه فقال:
- معلش ياقلبى نبقى نعوضها بقا لما نتجوز.
- أكيد طبعآ.
تحدث "سامر" بلطافة مصطنعة:
- اكيد يارورو اسيبك أنا بقى ياحبيبتى وهبقى اكلمك تانى تمام.
- تمام.
بعد ما أغلق "سامر" معها، فنظرت إليه "مرام" الجالسة بجانبه وقالت بضيقٍ:
- أنا مش عارفه هفضل مستحمله المسرحيه دى لحد امتى.
- خلاص ياقلبى هانت وهناخد اللى احنا عايزينه منها فاصبرى شوية كمان.
دنت نحوه "مرام" أكثر فقامت بتحريك أزرار قميصهُ بتلاعب:
- حبيبى ياسمورة أنت طبعا عارف أنا بحبك قد ايه صح.
أجابها بنبرة مزيفة:
- طبعا ياقلبى عارف وأنا كمان بحبك، ألا قوليلى أنتى بتعملى كدا ليه مع رحيل مع أنها كانت صحبتك، يعنى أنا مثلاً بحاول اقرب منها علشان فلوسها لكن أنتى ايه سببك.
تحدثت "مرام" بحقدٍ واضحٍ:
- أنا عمرى ما حبيتها أنا بكرهها اوى.
- بتكرهيها!.
رددت عليه بكل غيرة وحقد وحسد:
- ايوة بكرهها علشان عندها كل حاجه وأنا لا، عندها حب أصحابها وعندها عيلة وأخوات بيحبوها وبيتمنوا ليها الرضا ترضى، لكن أنا أهلى محدش منهم بيهتم بيا ولا بيسألوا عنى ومش فارقه معاهم كأني مش بنتهم، ودا غير أن هى عندها فلوس كتير وكل حاجه ليها مجابه وكل اللى بتعوزه بيجيلها لحد عندها لكن أنا بقعد اتذل للناس علشان حتى الاقى مكان أسكن فيه أو الاقى أكل حلو اكله،، اشمعنا هى عندها كل حاجه وغيرى لأ أنا بكرهها أوى فوق ماتتخيل، دا أنا حتى ابن عمها اللى من أول مرة شوفته فيها حبيته بجنون وحاولت اقرب منه بس هو رافضنى لانه طلع بيحبها هى هى وبس ليه يبقى عندها كل حاجه وأنا لأ، بس أنا مش هخليها تتهنا بحياتها ابدا وهخلي قلبها يتحرق لما تعرف أن الشخص اللى بتحبه مش بيحبها وبيحبنى أنا وهكسرها بيك،،،
ثم تبسمت ابتسامة تحمل حقد العالم بداخلها.
بينما "سامر" كان يحدق بها بذهولٍ مما تفوهت به، فقال بداخله:
- ياستار استر أنا كنت حاسس أنك بتكرهيها بس مش بالشكل دا أنتى فعلاً أنسانة مريضة والحقد والغل مالين قلبك.
ثم أضاف بخبثٍ:
- أنتى فاكرة أنى بحبك أنا بس بتسلى معاكى لأنك واحده رخيصه مش أكتر.
حين نظرت إليه بادلها النظرة بابتسامة عريضة مزيفة.
***
بعد مرور نصف ساعة ولجت "رحيل" إلى المطبخ وقد افترّ ثغرها عن ابتسامة رقيقة وقالت:
- دادة سعاد صباح الخير ياجميلة.
نظرت إليها "سعاد" بوجه أصفر شاحب من أثر التعب، وقالت:
- صباح النور ياحبيبتى.
اقتربت منها "رحيل" بعد أن رأت شحوب وجهها فقالت بنبرة قلقة وهى تتفحصها:
- مالك يادادة أنتى كويسه.
ثقلت حركة الدادة فأخذت تجر قدميها لتجلس على أقرب مقعد قبل أن يختل توازنها، ثم قالت:
- أه ياحبيبتى أنا كويسه وزى الفل.
- كويسه فين بس دا أنتى شكلك تعبانه أوى.
- متقلقيش يابنتى.
رددت عليها بقلق قائلة:
- أزاى بس مقلقش عليكى ياحبيبتى استنى هنادي ع حد من برا يجى معايا نوديكى المستشفى.
ذهبت "رحيل" إلى زوجة عمها وجاءت بها إلى المطبخ، فولجت معها وهى تقول:
- فى ايه يارحيل خضتيني يابنتي.
- دادة سعاد تعبانه تعالى نوديها المستشفى.
اقتربت "حنان" وهى تتفحص حرارة الدادة ثم قالت:
- مالك ياسعاد ايه اللى تعبك.
- مفيش والله ياهانم هو بس شوية إرهاق مش أكتر ورحيل مكبره الموضوع.
- شكلك بيقول غير كدا، قومي معايا خلينا نروح عند الدكتور يكشف عليكى.
تفوهت "سعاد" بنفس متثاقل فقالت باعياء:
- والله ياجماعه أنا كويسه ملهوش لازمه أروح فى حته.
أردفت "رحيل" بأعتراض:
- لا يادادة احنا لازم نروح نطمن عليكى.
- لا مش هروح ف حته الله يرضى عنكم هو بس شوية أرهاق مش اكتر.
ربتت "حنان" على كتفها بطيبه:
- خلاص يادادة مش هنروح ف حته بس هتقومى دلوقتى تروحى وتاخدى أجازة لحد ماتبقى كويسة.
- لا مش هاخد أجازة أنا كويسه اهو قدامكم.
- لو سمحتى أنا مش عايزة اعتراض احنا أهم حاجه عندنا راحتك وصحتك متنسيش أنك واحده مننا وبنخاف عليكى.
أجابتها الأخرى قائلة بقلة حيلة:
- حاضر هعمل اللى يريحكم.
ضمتها "رحيل" برفق ثم قالت بلطافة:
- خلى بالك على نفسك ياحبيبتى ولو حسيتى بأى تعب كلميني اتفقنا.
- اتفقنا.
ثم ذهبت إلى بيتها لتنعم بقليل من الراحه.
***
كان "أدهم" يرتب بدلته الرسمية التى سيذهب بها إلى العمل، فدق باب غرفته فسمح للطارق أن يدخل ظناً بأنها شقيقته، ولكنها كانت هذة "نور" التى ولجت إليه وقالت مرتبكة:
- أدهم فاضى.
تعجب لوجودها فتلك هى مرتها الأولى التى تأتي بها إلى غرفته فقال هو:
- مش أوى يعنى، أصل كنت بجهز علشان عندي شغل ضروري.
همت على الخروج:
- خلاص هبقى اجيلك وقت تانى.
أوقفها "أدهم" وهو ينظر إلى ساعة الحائط وقال:
- استنى لسه فاضل معايا شويه وقت قولى عايزة ايه.
أجابته "نور" بتوتر:
- كنت عايزة أقولك ع حاجه مهمه.
- اتفضلى يانور.
نظرت إليه وقد الجم الخجل لسانها فشعر هو بتوترها فقال بلطف:
- ممكن تهدى كدا وتبطلى توتر أنا والله مش بعض أتكلمى يانور.
تفوهت "نور" بحياء فقالت:
- يعنى اتكلم عادى.
تبسم " أدهم " على كلماتها فقال بمرح:
- أومال أنتى جايه علشان تسكتى.
أخذت نفس عميق وقد تشجعت قليلاً فقالت بنبرة متقاطعة:
- أدهم أنا...أنا بحبك.
تصنم الأخر مكانه من هول صدمته ومن أعترافها المفاجئ والجريئ الذى لم يتعاهده منها من قبل، فأكملت حديثها قائلة بخجل مفرط:
- أنا بحبك من زمان أوى ومن لما كنا صغيرين وكنت خايفه أني اعترفلك بمشاعرى لتأخد عني فكره وحشه بس صدقنى أنا مقدرتش اخبى مشاعرى عنك اكتر من كدا.
صاح "أدهم" صيحةً مفزعةً جعلتها تتراجع بخطواتها إلى الخلف قليلاً، فقال هو:
- أنتِ اتجننتى يانور أزاى تقوليلي كلام زي ده.
أجابته فى تأثر وحزن فقالت:
- أنا متجننتش أنا فعلاً حبيتك من كل قلبى و خوفت أنك تضيع مني.
حدق بها "أدهم" ونطق قبل أن يفقد صوبه عليها:
- اطلعي برا مش عايز أشوفك قدامى تانى ولا عايز أسمع الهبل ده منك أنتى فاهمه يااستاذة.
سارت بخطوات بطيئة ثم وقفت أمامه وقالت باكية:
- أدهم أرجوك افهمني أنا بحبك والله ومستعده اعمل أى حاجه علشانك.
تفوه "أدهم" فى تشنج وعصبيه بالغة:
- وأنا مش بحبك و اقسم بالله يانور لولا أنك بنت عمى كان هيبقى ليا ردت فعل مكنتش هتعجبك ولو اللى حصل دا اتكرر تانى لهتشوفى منى وش مش هحب أنك تشوفيه لأنك وقتها هتكرهينى بجد.
ثم قام بدفعها خارج غرفته، فوقعت على الأرض بأنهيار وقد أغرقت الدموع وجهها، ثم انخرطت فى بكاء مرير كاد يمزق قلبها، وفى تلك اللحظة كرهت نفسها بشدة بسبب أعترافها بمشاعرها، فهى الآن أخطأت بفعلتها كثيراً فى حق نفسها وكرامتها،،فقد تأكدت الآن أن حبها كان من طرف واحد وليس كما كانت تظن، فقالت متالمة:
- أنا أتسرعت ومكنش ينفع أني اعترفله بحبي هو اكيد دلوقتى بقى شايفنى واحدة رخيصه بتعرض نفسها عليه، أنا لازم انسااه ومفكرش فيه بعد كدا.
***
بعد قليل هبط "أدهم" من على الدرج مسرعاً، فكان يتضح على وجهه علامات الضيق والانزعاج، نادته "رحيل" لكنه لم يستجيب لندائها:
- ماله ده كمان مابيردش ليه شكله متعصب على الآخر، ياترى ايه اللى حصل معاه.
ظلّت تُحدث نفسها ولكن قاطعها صوت ذاك "المراد" الذى تبسم قائلاً:
- بتكلمى نفسك زي المجانين ليه.
أستدرات باتجاهه وقالت منزعجة:
- أنا مش زى المجانين وبعدين أنت جاى تتكلم معايا ليه اصلا أنا مش بكلمك.
همت على الذهاب لكنه اعترض طريقها ممسكاً بيديها الرقيقة وقال معتذراً:
- رحيل أنا آسف.
تسمرت فى مكانها من صدمتها فقالت متعجبة:
- أنت قولت اي !.
ارتسمت ابتسامة ساحرة على محياه ثم قال:
- أنا آسف يارحيل وبعتذر منك على كل تصرف سيئ عملته معاكى.
حدقت "رحيل" به فهى الآن مندهشة كثيرآ من التغير الذى طرأ عليه، فقالت بذهولٍ:
- هو دا بجد يعنى هو أنت بتقول آسف وبتعتذر زينا.
انفرجت شفتاه عن ابتسامة عذبة ثم قبل راحت يدها بكل حب ورفق وقال بود:
- أنا عارف أني زعلتك مني كتير بس مكنتش اقصد أنا بس كنت خايف عليكم وكنت خايف لحد يأذيكم، رحيل أنتى متعرفيش قد ايه أنتى غالية ع قلبى فحقك عليا متزعليش مني.
عُقد لسانها وذاب قلبها وأصبحت ساقيها غير قادر على التحرك، حين دن منها أكثر وقبل مقدمة رأسها برقة بالغة، وهو لازال ممسكاً بيدها، ثم نظر إليها نظرة طويلة أخجلتها، بينما هى ثبتت عيناها فى عيناه الرمادية التى سحرتها فقد بُهتت من جمال ملامحه الرجولية، فقالت فى نفسها:
- يخربيت حلاوتك دا أنت طلعت جميل بشكل لا يوصف.
مال بجسده قليلاً ليهمس فى أذنيها قائلاً:
- عارف أنى حلو يابنت عمي.
افتر ثغرها بذهولٍ كيف علم بما حدثت به نفسها، فأكمل حديثه وهو يداعب أنفها:
- بس مش احلى منك ياقطتي، ثم أبتعد عنها وتركها فى حيرتها.
أدركت "رحيل" صدمتها وشرودها ثم قالت بعدم تصديق:
- قطتك!.
ثم سرت فى نفسها فرحةٌ غامرةٌ لم تشعر بها منذ زمن، فقامت بوضع يدها على موضع قلبها فلاحظت نبضاته السريعة فقالت هامسة:
- أنت بدق بسرعة كدا ليه.
بينما هو كان يقف بعيداً ينظر إليها بحب وعشق ليس له مثيل.
رواية هجران رحيل الفصل السابع 7 - بقلم شامة الشعراوي
- بتعيطي ليه!
أجابتها "نور" وهي تخفي أثر بكائها:
- أنا مش بعيط.
- لا كدابة بتعيطي، وحتى شوفي الدموع اللي بتحاولي تخبيها. قوليلى مالك، إيه اللي زعلك بس.
تذكرت ما حدث معها فانفجرت في البكاء مجددًا. فضمتها "رحيل" بين ذراعيها وقالت برفق:
- اهدّي يا حبيبتي، عشان خاطري. حصل إيه خلاكي تعيطي بالشكل ده.
رددت بكلمات متقاطعة:
- أنا قلبي واجعني قوي يا رحيل ومش قادرة أستحمل وجعه.
- من إيه بس يا روحي؟ أبعدت جسدها قليلاً ثم أكملت:
- احكيلي إيه اللي حصل.
- أنا غبية قوي، أنا بوظت كل حاجة.
اردفت "رحيل" بنبرة قلقة:
- أنا مش فاهمة حاجة منك، فأهدي كدا وفهميني مالك.
- أنا بغبائي روحت واعترفت لأخوكي، وقولتله إني بحبه.
هتفت "رحيل" بصدمة:
- إيه! أنتي بتتكلمي بجد ولا بتهزري!
حدقت "نور" بها ثم قالت ببكاء:
- لا مش بهزر.
- طيب ممكن تقوليلي كل اللي حصل، وهو كان رده إيه عليكي؟
قصت عليها كل ما حدث، ثم أكملت بحزن شديد:
- أكيد دلوقتي شايفني واحدة رخيصة بتعرض نفسها عليه، لكن أنا والله بحبه.
- بطلي هبل! أدهم عمره ما يفكر فيكي كدا، وهو عارف أخلاقك كويس. إذا كان أنتي متربية معاه في نفس البيت، دا أنتي كنتي على طول من صغرك لازقة فيه، وما كنتيش بترضي تبعدي عنه. ولما عمتو كانت تيجي تاخدك، كنتي بتقعدي تعيطي وتقولي: "لا أنا عايزة دومي". وهو لما كان بيلاقيكي كدا، كان بيفضل مخليكي معاه ويقعد يقول: "محدش يزعل القمر ده".
تبسمت "نور" حين تذكرت طفولتها.
أخذت "رحيل" نفسًا عميقًا ثم قالت بهدوء:
- بصي يا نور، أخويا بسبب اللي حصل معاه، سبب له صدمة كبيرة وساب جواه أثر لحد دلوقتي. أنتي فاكرة يعني إن هو مبسوط بحياته دي؟ أبداً، والله هو خايف اللي حصل يتكرر تاني ويكسره. هو عايز بس يحس بالأمان ويطمن إنه مش هيحصل له اللي حصل تاني. وأنتي مش فاهمة كدا، وكمان أنتي اتسرعتي باللي عملتيه.
طأطأت "نور" رأسها حزنًا وقالت:
- أنا كنت خايفة ليحب واحدة غيري ويضيع مني.
- يا أختي اتنيل! هو أدهم أصلاً بيدي فرصة لواحدة تقرب منه؟ ده لما بيشوف ست كأنه شاف عفريت. بصي هقولك ع حاجة، مش أنتي نفسك يحبك ويكون ليكي؟
أجابتها الأخرى بنبرة ساخرة:
- أمال أنا بتنيل بقول إيه من الصبح؟ عمالة أقول بحبه وبعشقه، وأنتي جاية تقولي معرفش إيه.
- بطلي تعليق واعملي اللي هقولك عليه، وأنتي هتكسبى.
- قولي يا حكيمة زمانك.
بعد لحظات، ضحكت "نور" بقوة على تفكير صديقتها فقالت:
- يخربيت عقلك يا رحيل! أنتي عايزة أدهم يقتلك ويقتلني معاكي.
ردت عليها بكل ثقة وغرور:
- متقلقيش، اعملي اللي بقولك عليه بس، واللي أنتي عايزاه هيحصل، وبكرة تقولي رحيل قالت.
- طب ومين اللي هيتبرع ويعمل كدا؟
وضعت "رحيل" يديها على مقدمة رأسها لتفكر في تلك المصيبة اللي ستفعلها:
- مش عارفة، بس هنلاقي. سقفت بيدها وهي تقول:
- بس أنا عرفت مين هيعمل كدا.
- وياترى مين اللي أمه داعية له.
جذبتها "رحيل" من يدها وهي تجرها إلى الخارج:
- تعالي وأنا هعرفك مين هو.
مرت دقيقة...
صاح "مازن" برفض:
- لاااا يا رحيل! قولت لااااا!
- يابني اسمع مني بس، والله مش هيحصل حاجة.
رد "مازن" وقال خوفًا:
- رحيل! أنتي اتجننتي! أنتي عايزة تموتيني.
- وإيه اللي هيموتك يعني يا سي مازن؟ ما تخلص بقا وبطل برود.
أردفت "نور" بإلحاح:
- عشان خاطري يا ميزو.
نظر نحوها وهو يشير بأصبعه على شقيقته ثم قال:
- طب دي وعارفين إنها مجنونة ومحدش بياخد ع كلامها. هتعملي أنتي كمان زيها.
ردت شقيقته وقالت بنرفزة:
- مازن متخلنيش أتعصب عليك، وهتعمل اللي بقولهولك، سامع.
- يارحيل ياحبيبتي، اللي بتقوليه ده مستحيل. يعني إيه عايزاني أشارك معاكم في الجريمة دي عشان الأستاذ البارد التاني يغير ويحس ع دمه ويحب الهبلة دي؟ وافرض عملنا كدا وهو بقا بسلامته اتهور وخلص عليا، أعمل أنا إيه وقتها؟
- متخافش، مش هيعملك حاجة.
أردف "مازن" مندهشًا:
- ياراجل! ع أساس إنك تايه عن أخوكي؟ ده عليه إيد مقولكش بتلسع. ثم وضع يده ع مؤخرة رأسه بطريقة مضحكة.
فضحكت "رحيل" على طريقته:
- بتلسع! وأنت عرفت إزاي بقى؟
- جربت يا أختي بنفسي، ومحدش قالي.
تفوهت "نور" برجاء والدموع تتصاعد في عينيها:
- وافق يا مازن علشان خاطري بقولك.
شعر الآخر بالشفقة تجاهها فقال بقلة حيلة:
- خلاص خلاص، أنتي هتعيطي. موافق يا ستي، وأمري لله.
نظرت إليه "نور" بسعادة:
- بجد، أنت أحسن مازن في الدنيا.
ربتت شقيقته على يديه وقالت بابتسامة:
- شاطر يا ميزو.
- ع الله يضمر فيكم. ولكن أهم حاجة تخرجوني من الخطة دي بدون إصابات.
- خلاص اتفقنا، تعالوا أقولكم بقا الخطة هتمشي إزاي.
بعد مرور بضع ساعات، كانت "رحيل" تنتظر شقيقها الكبير في غرفته. دلف "أدهم" إلى الغرفة بتعب، فلاح شقيقته جالسة على الأريكة تقلب في ألبوم ورقي مليء بصور الطفولة. فجلس بجوارها ومسد على شعرها بود ثم قال متسائلاً:
- بتعملي إيه ياريري هنا؟
- كنت مستنياك.
- امممممم مستنياني، أكيد في حاجة.
عبس وجهها ثم قالت:
- هو أنا يعني مينفعش أجي أقعد مع أخويا شوية.
تبسم "أدهم" وهو يقول:
- لا طبعًا يا روحي، أنتي تيجي في أي وقت، هو أنا عندي كام أخت يعني غير بنتي الجميلة رحيل.
تبسمت "رحيل" ثم قالت بنبرة فرحة:
- تعرف يادومى، إني بحبك أوي، أنت ومازن. بجد أنتم أحسن أخوات ربنا رزقني بوجودهم حواليا. أنا بتمنى من ربنا إنه يديمكم ليا وتفضلوا دايمًا سندي.
- ويديمك لينا يا عمري، وتفضلي على طول منورة حياتنا.
بدأت الأخرى تسترسل حديثها:
- أدهم، أنا عايزة أتكلم معاك في موضوع.
قال الآخر مازحًا:
- أنا عارف إن الحضن ده مش ببلاش.
- بطل رخامة بقا.
- حاضر، قولي في إيه.
أردفت متسائلة:
- هو أنت ليه رافض نور؟
نهض من مكانه وتظاهر بعدم الفهم، فقال:
- يعني إيه؟ مش فاهم قصدك.
- أنت فاهم قصدى كويس، فمتحاولش تهرب من سؤالي!
أطلق "أدهم" تنهيدة حارة:
- رحيل، لو سمحتي، أنا مش حابب أتكلم في الموضوع ده نهائيًا.
- لا يا أدهم، هنتكلم ولازم نوصل في المشكلة دي لحل.
- مشكلة إيه ها؟ لو قصدك ع نور، أنا مفيش بيني وبينها أي حاجة. ولو هي بتحبني، ده مش ذنبي.
- وأنا مش هتكلم ع نور دلوقتي، أنا هتكلم ع مشكلتك أنت.
نظر إليها بضيق، فقال منزعجًا:
- وأنا معنديش مشاكل، وممكن تتفضلي تسبيني لوحدي.
أصرت "رحيل" أن تحدثه فيما مضى فقالت بحزم:
- لا يا أدهم، مش هسيبك غير لما أخلص كلامي معاك. مشكلتك إن لسه الماضي مقصر عليك ومش قادر تنسى أو تتخطى اللي حصل. عشان كدا أنت مش عايز تدي فرصة لحد يدخل حياتك، خايف اللي حصل يتكرر تاني مع أي ست. مع إن مش كل الستات زي بعضها، ومش كلهم زي البنت اللي كنت أنت خاطبها. وكمان أنت عارف كويس ومتأكد إن نور مش زيها ولا عمرها هتكون كدا، لأنها مش خاينة.
أردف شقيقها بنبرة مختنقة:
- رحيل، لو سمحتي كفاية.
- لا مش كفاية. أنت مش شايف نفسك بقيت عامل إزاي؟ حتى الضحكة اللي مكنتش بتفارق وشك مابقتش أشوفها غير قليل أوي، وبتكون مش طالعة من قلبك. أنت فاكر إني مش ملاحظة حزنك وزعلك اللي بتحاول تداريه؟ أنت ليه سايب نفسك في دايرة الماضي؟ حاول إنك تخرج نفسك منه، لأنك أنت الوحيد اللي هتبقى خسران.
تفوه "ادهم" بحزن واضح:
- أنتي فاكراني إني محاولتش يارحيل، والله غصب عني. أنا مش قادر أنسى الخيانة اللي اتعرضت ليها من أكتر إنسانة حبيتها في حياتي، وكنت بحاول على قد ما أقدر أعمل كل حاجة تفرحها وتسعدها. كانت لما بتطلب أي حاجة كنت بجبهالها على طول. كنت لما بس أشم خبر إنها نفسها في حاجة، كنت بعملها ليها من قبل ما تطلب. كنت بحاول أفرحها بأي طريقة. أنا حبيتها بطريقة محبتهاش لحد قبل كده. عمر ما حد منكم هيحس باللي مريت أنا بيه.
ثم أكمل ببكاء:
- محدش منكم جرب شعور إنه يحب حد وكان بيجهز فرحه وكل حاجة، ويكتشف قبل الفرح بيوم إن حبيبته بتخونه مع واحد تاني. لا ومش أي واحد، دا كان صاحبي. مش قادر أوصفلك قد إيه أنا اتوجعت، مش عارف أوصفلك وجعي يارحيل.
أخذ يشاور على قلبه ليقول:
- أنا حاسس بنار هنا، نار لو خرجت من جوايا هتحرق كل اللي حواليا. بجد أنا موجوع أوي.
اقتربت إليه "رحيل" والدموع تغرق وجنتيها، فضمته لحضنها وربتت على ظهره بمواساة وقالت:
- علشان خاطري اهدى، أنا آسفة. مكنتش أعرف إنك شايل كل ده جواك ياحبيبي. حقك عليا.
بدأت تجفف الدموع من على خديها:
- كفاية بالله عليك، دموعك بتوجعني. أنا مش مستحملة أشوفك كده.
رفع بصره نحوها، فكانت عيناه مملوءة بالدمع، فهو الآن لا يشعر بشيء سوى الحزن الذي تملك منه.
بعد لحظات، نجحت "رحيل" أن تهدئه، فقامت بأجلسته على الأريكة وجلست بجواره. وبدأت تتحدث قائلة:
- أنا عارفة اللي مريت بيه صعب، بس قولي أنت شايف اللي أنت فيه دا الحل؟ أكيد لا. وهتفضل تتوجع طول ما أنت لسه بتفكر في الماضي. عارفة إنه جزء مننا وعمره ما هيتنسي بالسهولة دي، بس لازم نتعايش معاه ونتخطاه ومنخليهوش يأثر علينا، لأن كده هتدمر نفسك ومش هتقدر تعيش حياتك بشكل طبيعي. حاول إنك تدي لنفسك فرصة بأنك تشوف حياتك مع حد بيحبك بجد ويقف جنبك ويبقى سند ليك. حاول تقرب من نور، على فكرة أنا عارفة إنك أوقات بتفكر فيها. أنت جواك مشاعر ناحيتها بس بتحاول تخبيها أو تتغاضى عنها علشان خايف. مع إنك عارف إن عمر نور ما هتجرحك أبداً، لأنها بتحبك بجد. أنت فاكر إني مش واخدة بالي من نظرتك ليها وأنك نفسك تقرب منها؟ صدقني يا أدهم، لو فضلت خايف كده هتخسر نور وهترجع تندم وتقول ياريت اللي جرا ما كان.
أركن خوفك على جنب وخد خطوة وصدقني كل حاجة هتتعالج مع نفسها وهتتخطى كل حاجة حصلت معاك قبل كده، صدقني.
- تفتكري هقدر؟
أرتسمت على محياها ابتسامة بشوشة:
- طبعًا هتقدر، أنا واثقة فيك.
- هحاول يارحيل، هحاول.
- اتفقنا يادومي، أسيبك أنا ترتاح. ثم أضافت ضاحكة:
- وأنا كمان هروح ارتاح لإنّي تعبت بسببكم النهاردة. ده أنتم عيلة كئيبة. والله المفروض آخد من كل واحد فيكم بيعيط ويخليني أعيط معاه فلوس. آه وربنا، ده أنا بتعب معاكم يا جدع.
قهقه "أدهم" على حديثها، ثم قام بضمها إليه قبل أن تغادر، فقال بامتنان:
- شكرًا ليكي يارحيل، بجد شكرًا. أنتي فتحتي عيني على حاجات مكنتش واخد بالي منها.
- على إيه بس، أنت أخويا ومفيش شكر ما بين الأخوات. يلا تصبح على خير.
- وأنتي من أهله ياحبيبتي.
جلس مكانه مجددًا ليفكر ماذا سيفعل في الأيام المقبلة.
في التجمع العائلي، أردف "هشام" بنبرة لعوبة:
- يعني يامازن الزفت مقولتليش إنك رايح تخطب.
نظر نحوه وقال مندهشًا:
- هو الكلام دا ليا أنا؟
تحدث "سليم" متسائلاً:
- مين دا اللي رايح يخطب؟
- إيه دا ياخالو، أنت متعرفش إن ميزو هيخطب وراح اتفق مع أبو العروسة.
صوب سليم بصره نحو "مازن" وقال غاضبًا:
- أنت يازفت، الكلام اللي قاله ابن عمتك ده صح.
- وربنا ما عرف حاجة، أنا زي زيك والله ياحج.
تفوه "هشام" بخبث:
- ياولاه ياكذاب، بطل كذب. هتدخل النار حدف.
هتف "مازن" بضيق:
- ماتبطل ياحريقة، أنت عايز تولع الدنيا وأنت قاعد. وبعدين يابابا ياحبيبي، أنا عمري ما أعمل كده. ويوم ما أحب أخطب مش هعمل أي حاجة أو هاخد أي خطوة غير لما أقول لحضرتك وأستأذنك وأستشيرك الأول، وآخد برأيك. ما أنت في الأول والآخر أبويا اللي مقدرش استغنى عنه مهما حصل.
أردف أبيه قائلاً:
- ونعمة الأدب والأخلاق.
تحدث الجد مندهشًا:
- إيه ياواد الرزانة والعقل اللي أنت فيهم دول؟ لا بجد ابهرتني.
رد "مازن" بمرح:
- علشان تعرف بس ياحجوج إن حفيدك مش قليل بردو.
تبسم الجد ضاحكًا:
- طبعًا يابني، دا أنتو أحفاد وهدان الألفي، مينفعش حد فيكم يبقى قليل.
تحدث هذه المرة "حمزة" فقال:
- أكيد يابابا، بس مازن أشُك فيه.
نظر "مازن" باتجاهه وقال بنبرة عالية:
- وليه بقا إن شاء الله مشبهش أنا ولا مشبهش ياحبيبي؟ دا أنا أحسن منهم كلهم. وبعدين اللي يغير مننا يجي يعمل زينا.
نطق "هشام" ضاحكًا على طريقته:
- في إيه يامازن، أنت هتردح ولا إيه؟ وبعدين مين دا اللي هيغير منك أصلاً؟ بلا نيلة.
وجه "حمزة" الحديث إلى شقيقه فقال مازحًا:
- أنا عارف إنك أكيد في اليوم دا مسمتش الله، علشان كدا ابنك بقى بالشكل المتخلف ده.
غمز "مازن" بعينيه إلى عمه:
- أكيد نيته مكنتش صافية وقتها ياحمزة، صح؟
- أيوه صح، أنت صح.
ضرب "سليم" كفًا بكف:
- والله أنتم عيلة مجنونة ومتخلفة، صبرني يارب على اللي أنا فيه.
أردف "مازن" لـ "حمزة" هامسًا:
- شوفت أخوك بيدعي علينا إزاي؟ قلبه أسود الراجل دا.
- استنى كدا، هو أنت بتدعي عليا يابن أبويا؟ مكنتش دي الأخوة.
نفذ صبر "سليم" فقال:
- استغفر الله العظيم يابني، هو أنا كلمتك؟ أنا قايم أحسن، مش ناقصه فقعة مرارة هي.
تفوه "حمزة" في أذن "مازن":
- ماله أبوك مش طايقنا ليه؟
- يا عم سيبك منه، هو أصلاً مش طايق نفسه، هييجي يطقنا إحنا.
- على رأيك، محدش بقى يطيق نفسه اليومين دول ياخويا، مش عارف إيه الناس دي.
نظر "وهدان" إلى الأعلى فقال داعيًا:
- الصبر من عندك يارب.
رواية هجران رحيل الفصل الثامن 8 - بقلم شامة الشعراوي
صف "أدهم" سيارته بجانب بوابة القصر حين لمح طيفها. فنزل من السيارة واقترب منها فوجدها جالسة على الجانب الآخر من الرصيف تلاعب طفلاً صغيراً. فقال بتساؤل:
- نور، إنتي بتعملي إيه هنا ومين دا؟
رفعت "نور" رأسها إليه ثم ردت قائلة:
- معرفش، أنا لاقيته قاعد هنا لوحده وبيعيط، شكله تايه من أهله.
- طب هاتيه وتعالي ندخل جوة، وأكيد أهله هييجوا يسألوا عليه الأمن، لأن مينفعش تفضلي قاعدة في نص الشارع بالشكل ده.
أجابته "نور" باعتراض:
- لا، أنا هفضل قاعدة هنا بيه وهما أكيد هييجوا دلوقتي.
نظر إليها مطولاً ثم قال بخضوع:
- ماشي يا ستي، أدينا واقفين لحد لما يجوا. لما نشوف آخرتها معاكي يا ست نور.
بينما هي ظلت تداعب الطفل بكل حب ولين. فنظر إليها "أدهم" بابتسامة بشوشة، كم هي بريئة كالاطفال وحنونة كالأم. أنها حقاً تملك مشاعر جميلة مثلها، ولديها حب كبير يسع الكل. بعد لحظات جاءت أم الطفل تبكي، فقامت بضمه إلى صدرها، ثم شكرتهم وذهبت بطفلها إلى البيت المجاور.
وجهت "نور" بصرها نحوه وقالت باسمة:
- أنا داخلة القصر عن إذنك.
ذهبت من أمامه وتركته بمفرده يتطلع لأثرها بابتسامة عريضة. ظهرت "رحيل" من خلفه وقالت بود:
- الحياة فرص يا أدهم، والأمل لا يموت والطرق تتسع لا تضيق. حاول تستغل الفرصة اللي قدامك قبل ما تندم إنك ما استغلتهاش. وأنت وحدك صاحب القرار، فاختر ما يليق بقلبك. وإياك تضيع من إيدك الشخص اللي حبك بجد من كل قلبه.
تركته في حيرته من أمره. بعد تفكير طويل وجد أن حديثها صحيحاً، وإن لم يستغل الفرصة التي أمامه فسوف يندم كثيراً. لذا أخذ قراره باستغلال كل فرصة تأتي إليه.
في حديقة القصر مساءً، اجتمعن شباب العائلة في جو أسري جميل مليء بالحب والدفء، يلعبون الشايب. ولم يتبقى أحد سوى "هشام" و "مازن"، فكان الوقت عصيباً على كل منهما خوفاً من الخسارة. بينما الباقي كانوا ينظرون بترقب لما سيحدث. وبعد لحظات قليلة أمسك "مازن" ورقة الشايب، فأطلق "هشام" على أثر ذلك قهقهة عالية مما جعل الجميع يضحكون على ضحكته الجميلة.
فقال "مازن" منزعجاً:
- لا والله، كدا غش وظلم. يعني إيه؟ دي تاني مرة ألبسه. أنتم متفقين عليا؟ لا وربنا، دا أنا أموتكم فيها.
رد عليه "هشام" بنبرة لعوبة وهو يرفع أطراف حاجبيه:
- وأنا أعملك إيه؟ ما أنت اللي متعرفش تلعب.
أردف الآخر بضيق:
- أنا اللي معرفش ألعب؟ ولا أنت اللي مستقصد أمي؟
- مهما تقول إيه، هيتحكم عليك يعني هيتحكم عليك يا ميزو. يلا يا رجالة نبدأ بالحكم، وأول واحد هيحكم عليك مراد.
تبسم "مراد" ابتسامة خبيثة ثم قال:
- طبعاً، هو إحنا عندنا أغلى من مازن عشان ننفذ فيه الحكم؟
- هو أنتم ليه حاسسيني إن أنا رايح أتحبس؟ مش كدا يا جدعان؟ الله!
رد "مراد" بكل أريحية فقال باسماً:
- بص يا مازن، أنا مش هحكم عليك بحكم كبير، دا لأنك أخويا وابن عمي حبيبي. وحكمي إنك هتغسل عربيتي وعربية هشام وأدهم كمان. شوفت أنا حنين معاك إزاي.
أجابه "مازن" ساخراً:
- دا من ذوقك والله، أمال لو مكنتش حنين كنت عملت إيه؟ وبعدين أنا مالي؟ أمه ما تغسلوا عربيتكم لنفسكم، ولا أنا الشغالة اللي جابكم أبويا؟
- هتنفذ اللي قولتهولك عليه وأنت ساكت، فاهم.
تأفف "مازن" احتجاجاً:
- وربنا دا ظلم. طب خليها عربيتك بس، متبقاش ظالم ومفترى.
نظر إليه "مراد" ثم قال بحدة:
- بقى أنا ظالم ومفترى؟ طب وربنا لتغسلهم غصب عنك.
تفوه "مازن" هامساً:
- ربنا ع المفتري يا شيخ.
- بتقول حاجة يا زفت؟
- لا، لا، لا.
بينما "هشام" وجه حديثه إلى الفتيات فقال:
- دوركم يا بنات.
أردفت "رحيل" بنبرة لطيفة:
- أنا عفيت ميزو حبيبي من الحكم.
صاح "مازن" فرحاً:
- قلبي وربنا.
بينما "نور" تبسمت شفتاها فقالت بود:
- وأنا كمان يا مزاميزو عفوت عنك.
- ياروحى، انتي خدي بوسة. ثم ألقى إليها قبلة في الهواء. فشعر شقيقه بالضيق والغيرة من هذا التصرف. فلما جاء الدور عليه قال بخبث:
- بقولك إيه يا مزاميزو، أنا نفسي بقى أشرب عصير كوكتيل من إيدك العسل دي، وعايزة طبيعي وفريش كدا ومتلج، ها؟
نظر "مازن" باتجاهه وقال مندهشاً:
- أنت بتكلمني أنا؟
- أمال بكلم نفسي؟ قوم اخلص.
- بس أنا مش بعرف أعمل حتى كوباية الشاي، هعمل إزاي عصير الكوكتيل؟ وبعدين يا أدهم، أنت يابا جاي تحقق أحلامك عندي؟ مش كدا يابا؟ مش كدا؟
- معرفش، اتصرف. دا حكم عليك ولازم يتنفذ.
نهض "مازن" وقال بنبرة أشبه بالبكاء:
- واقسم بالله أنتو عيلة ظالمة، والناس دي كلها شهادة عليكم. ثم نظر إلى "نور" وقال:
- بقولك إيه يا عسل، ممكن أستعين بيكي للمساعدة؟
أردف "أدهم" بضيق:
- لا يا روح أمك، هتروح تعمله لوحدك.
نهضت "نور" وقالت باستفزاز:
- استنى يا ميزو، أنا جايه أساعدك يا روحي. ثم ذهبت من أمامهم تحت نظرة "أدهم" المشتعلة بالغضب. فهمست "رحيل" بداخلها وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة:
- دي البداية يا دومي، لازم نعمل كدا عشان تعترف بأنك بتحبها وتبطل تكابر نفسك. العمر بيجري بسرعة وأنا مش هسيبك تضيع نفسك بسبب مخاوفك. لازم تفوق من اللي أنت فيه بدل ما تخسر البنت اللي بتحبك.
بعد دقيقة، تظاهر "أدهم" بأن لديه مكالمة، فذهب إلى الداخل حتى يرى ما يحدث بالمطبخ. فوقف بعيداً عنهما ليراقب ماذا يفعلون. ولكن شقيقه شعر بوجوده فدنا من "نور" وقال هامساً:
- على فكرة الوحش واقف بيراقبنا، فخلي بالك واتعاملي كأنك مشفتيهوش.
- تمام.
قامت "نور" بإخراج الفاكهة التي ستصنع به العصير من الثلاجة. فبعد أن غسلت الفراولة وضعتها بالأطباق، ثم قامت بتقطيع باقي الفواكه. بينما "مازن" المشاغب كان يأكل من الفراولة دون أن تلاحظ الأخرى. وقال:
- تعرفي يابت يا نور، الفراولة من إيدك سكر، آه وربنا.
- دا عشان أنت بس اللي مسكر، فـ حاسس إنها مسكرة من إيدي يا ميزو.
أردف وهو يأخذ آخر قطعة فراولة من الطبق:
- طب تعرفي يا نور، إنك بتبقي قمر أوي لما بشوفك وأنتِ بتتكسفي، بتبقي عاملة زي الفراولية بخدودك الحمرا، آه وربنا.
تحدثت "نور" وهي تختلس نظرة إلى "أدهم" بطرف عينيها، فلاحظت احمرار وجهه من الغيظ. فاقتربت من "مازن" أكثر حتى تشتعل غيرته أكثر من ذلك، فقالت بدلال:
- بجد يا ميزو؟ يعني أنا قمر وعاملة زي الفراولية الحمرا؟
أجابها الآخر ببلاهة:
- طبعاً، دا إنتي قمرين مش قمر واحد يا فراولة أنتي.
- تعرف يا مزاميزو، يابخت اللي هتكون مراتك دي، هتبقى أسعد واحدة في الدنيا. كنت أتمنى أبقى مراتك وحبيبتك عشان حنيتك وكلامك الجميل دا، بجد يابختها بيك.
رد عليه بغمزة مازحة:
- يا حب، إحنا لسه فيها، ويبقى يبختك أنتي بيا.
أردف "أدهم" بغيظ مكتوم:
- استني عليا يا مازن الكلب، أما أوريك. وسويت وشك بالاسفلت، مبقاش أنا أدهم. قال يبختك بيا؟ وأنتِ يا هانم، استني بس أنتي عليا، قاعدة تحببلي فيه، ماشي يا نور، ماشي.
أنهت تقطيع المانجا ثم استدارت حتى تأخذ الفراولة، فوجدت الطبق فارغاً. فنظرت إلى "مازن" الذي كان يتظاهر بالانشغال في تقطيع الموز. فقالت هي متسائلة:
- هي فين الفراولة اللي أنا غسلتها يا مازن؟
نظر إلى الطبق الفارغ أمامه فقال بذهول:
- إيه ده يا نور؟ هي الفراولة راحت فين؟
- أفندم!
- الصراحة يا نوري، الفراولة من كتر حلاوتها كلتها ومقدرتش أكمل أكل الباقي، بس متزعليش ياروحى، أنا هجيب بقية الفراولة من التلاجة وأنتِ قطعي الموز.
همس "أدهم" بغيرة واضحة:
- نوري وروحي؟ لا بقى، أنا جبت آخري. ثم دخل مندفعاً إليهما، فقال "مازن" منفزعاً:
- إيه ده يا أدهم؟ خضتني يا شيخ.
- بقالكم ساعة بتعملوا العصير ولسه مخلصتوش.
- ما إحنا قربنا نخلصه أهو.
- بقولك إيه، اطلع برا، ومشوفش وشك هنا.
أجابه "مازن" بنبرة خبيثة:
- معلش يا دومي، أنت عارف إن أنا محكوم عليا، وأنا دلوقتي في وضع الحكم. اطلع برا أنت ومتعطلناش بقى لو سمحت.
نظر إليه "أدهم" بغضب وهو يقبض على يديه بقوة:
- عارف لو مطلعتش برا دلوقتي، مش هضمن إيه اللي ممكن هيحصلك.
ثم أكمل بزعيق:
- أنا قولت برا.
تحرك "مازن" سريعا وبخوف، لأنه يعلم أن أخاه متهور وعصبي جدًا.
بعدما خرج، اقترب "أدهم" من "نور" التي أخذت تتراجع بخطواتها إلى الخلف بتوتر، فنظراته لها لا تبشر بالخير. استندت على الحائط ليحاصرها بكلتا ذراعيه، فقال منزعجًا:
- عايز أعرف كنتوا بتقولوا إيه بقى.
رمشت "نور" بجفنها عدة رمشات متتالية من أثر الارتباك، فقالت بتوتر:
- ولا حاجة، بنتكلم عادي يعني.
- كدابة يا نور، عارفة يا هانم لو لمحتك بتتكلمي مع مازن تاني أو قريبة منه، هعمل فيكي إيه.
أردفت الأخرى بعد أن تحلت بالشجاعة قليلاً، رغم نبضات قلبها الخائفة:
- وأنت مالك بيا أصلاً، وكمان أنت مين عشان تمنعني أعمل إيه ولا ما أعملش إيه، وبعدين يا ريت يا أستاذ ما تتدخلش بيني وبين مازن ولا أي حد، فاهم.
تحدث "أدهم" بغضب وبحدة:
- أنا أبقى ابن عمك، ومن حقي لما أشوف تصرف غلط منك أحاسبك عليه.
- وياترى إيه بقى التصرف الغلط يا أستاذ أدهم.
- وقفتك مع مازن وضحكك وكلامك ودلعك المقرف، وبعدين هي في واحدة محترمة من أسبوع كانت بتعترف لواحد إنها بتحبه، ودلوقتي واقفة تحب في أخوه وعايزة تتجوزه، ها؟ ردي عليا.
تجمعت الدموع في عينيها، فقالت بنبرة مختنقة:
- قصدك إيه بالكلام ده؟ قصدك إني واحدة مش محترمة؟
وإن أنا كنت بضحك عليك مثلاً.
أردف ساخرًا:
- والله كل واحد عارف نفسه كويس وعارف أخلاقه.
نظرت إليه وتفوّهت حزنًا وقهرًا والدموع تسيل على وجنتيها:
- أنا مسمحش ليك إنك تتهمني في أخلاقي، وبعدين أنا مازن بعتبره زي أخويا، ولو أخلاقي فيها حاجة وحشة، هتمسك أنت كمان لأن أنا بنت عمك.
أنهت جملتها، ثم جاءت أن تذهب، لكنه منعها ممسكًا بيدها. حاولت أن تبتعد عنه، لكنه ضمها إليه. ظلّت تبعده عنها، لكنه كالحجر لم يتزحزح.
فلما فشلت من الابتعاد، سَندت على صدره وبكت بانهيار. شعر "أدهم" بالذنب والشفقة تجاهها، فتفوه بكلمات حنونة كي يهدئها، فقال معتذرًا:
- أنا آسف، حقك عليا، سامحيني يا نور، مكنش قصدي أجرحك بكلامي، وعمري ما شكيت في أخلاقك أبدًا، والله العظيم أنتي مفيش أحسن منك ولا من تربيتك.
ابتعد عنها ليحتضن وجهها بين كفيه، مقبلاً رأسها برفق ولين، ثم قال مازحًا:
- طب يا ستي، إن شاء الله لسان يتقطع لو قال لك كلمة تانية بعد كده تزعلك، أو حتى أموت.
- بعد الشر عليك، متدعيش على نفسك تاني.
تبسم فاهه حبًا لينبض قلبه باسمها، فقال هامسًا:
- أنتي جميلة أوي يا نور.
طأطأت رأسها خجلًا، لكنه رفع وجهها إليه وقال بلطف:
- بصيلي، خليني أشوف عيونك الجميلة دي.
نظرت إليه برقة والبسمة تزين ثغرها من أثر كلماته التي راقت لها، فأكمل وهو يجفف وجهها من الدمع، فقال بحب:
- مش عايز أشوف دموعك دي تاني، لأنها غالية أوي وبتوجعني لما بشوفها. وبعدين عينيكي الحلوة دي تستاهل تشوف كل حاجة حلوة زيها.
ثم أضاف حين نظر إلى الفاكهة الموضوعة على المطبخ:
- يلا خلينا نعمل العصير ونخرج ليهم بدل ما مازن الرخم يطب علينا يا قمر.
ضحكت بخفة ثم قالت بمرح:
- هتساعدني يعني؟
- طبعًا هساعدك، أنتي عايزة مازن ياكل وشنا بره ويفضحنا، يلا هاتي الفراولة يا فراولتي، واقعدي أنتِ وأنا هعمل العصير في ثواني.
هتفت "نور" رافضة:
- لا، خليك أنتِ وأنا هعمله.
- قولت لا، أنا اللي هعمله ومش عايز اعتراض منك.
ظلّت تتابعه وهو يعمل العصير بكل سلاسة، لتغمرها سعادة لا متناهية، فقد أوشك حلمها على التحقق. فهمست بداخلها:
- أنا هفضل جنبك ومعاك لحد ما نتخطى أنا وأنت كل حاجة واقفة عقبة ما بينا، وإيدي هتبقى ماسكة في إيدك طول العمر، وعمري ما هتخلى عنك أبدًا، أنت حبي الأول والأخير، أنت قدري وحظي الحلو من الدنيا.
في الخارج، جلس "مازن" بجانب شقيقته وهمس قائلًا:
- بقولك إيه، أنا مش هكمل معاكم في الخطة دي، يا ما ده أدهم كان هياكلني جوه وطردني من المطبخ، أنا معنديش غير عمر واحد، و طبعًا الواحد مننا لازم يحافظ عليه، أمال يخليه يروح هدر.
أردفت "رحيل" بخفة:
- خلاص ياسيدي، مدام أدهم طردك، يبقى الغيرة اشتغلت واحنا مستغنين عن خدماتك.
تحدث "هشام" قائلًا:
- أنت يابني فين العصير؟
أجابه "مازن":
- العصير أدهم هيجيبه.
- يخربيت عقلك! هو أنت خليته هو اللي يعمله بدالك؟
- وأنا أعمل إيه؟ هو اللي قالي، خلاص أنا هعمله عشان أنت فاشل وما بتعرفش تعمل أي حاجة في حياتك.
بعد لحظات، جاءت "نور" وأعطت لكل نفر منهم كأسه، وجلست بجوار "رحيل" والسعادة تتراقص بداخلها.
تفوهت "رحيل" بابتسامة رقيقة:
- شكلك فرحانة.
- أوي يا رحيل، مش عارفة أوصفلك فرحتي. تعرفي إنه كان حنين أوي معايا جوه وقالي كلام حلو.
- ربنا يفرح قلبك دايمًا يا نور.
مرت بضع دقائق.
فقد انشغلت "نور" بالحديث مع "أدهم"، بينما "مراد" نهض من مكانه وجلس بجانب "رحيل"، فظلّ محدقًا بها وهي تنظر إلى السماء الصافية فوقها، فقال متسائلًا:
- لسه بتعدي النجوم زي زمان؟
أجابته دون أن تنظر إليه، فقالت برقة:
- عمري ما بطلت أعدهم، تعرف أنا بحب أفضل باصة كده للسماء طول الليل، بحس براحة نفسية.
نظر "مراد" هو الآخر إلى السماء بعد أن سَند على ذراعيه، ثم قال:
- فاكرة زمان لما كنا بنسافر ونروح المصيف، ولما كنا بنسهر بالليل نسمع أغنية ع الكاس، ولما كانت بتخلص كنتي بتخليني أرجع أشغلها لكِ تاني من أول وجديد. ولما كنا بنقعد نقطع البطيخ أنا وأنتي، ولما كنت باجي آكله بالشوكة، تاخديها مني وتقوليلي مفيش أحلى من إننا ناكلها كده. ولما كنا بنطلع بالليل أنا وأنتِ نتسابق بالعجل، وتبقى السما فوقينا شايفانا. افتكر لما كنا نقعد قدام البحر بالليل، كنتي وقتها بتحبي تعدي النجوم وتقوليلي بأمر: عد معايا يا مراد.
نظرت إليه بوجه مشرق بالراحة، فقالت بابتسامة:
- تعرف أنا تقريبًا مش فاكرة أي نوع من المسؤولية طول ما أنت كنت جنبي. أوقات كتير بقعد أفتكر زمان لما كنا بنبقى مسافرين وإحنا على طريق السفر بالليل، مكنتش وقتها بعمل حاجة غير أفضل باصة للسما من شباك العربية وأشوف النجوم بتقعد تكتر كل ما بنقرب من البحر.
تنهدت "رحيل" ثم أضافت قائلة:
- تعرف إن السماء بتجدد فيا حاجات كتير، يمكن كانت دايما ثابتة مش بتتغير طول السنين. ويمكن كانت دايما بتساعدني أرسم أحلامي، ويمكن بتبقى دايما هادية ومبتسمة رغم اللي بيحصل ع الأرض.
يمكن شافت دايما دموع وأحلام وابتسامات كتير، فبقت تسمع بس وتطبطب في كل الأوقات.
تحدث "مراد" قائلًا:
- على رأي الكاتب مارك توين لما وصف إحساس السماء وقال: بمجرد أن تتذوق طعمها، ستبحث عنه إلى الأبد. وفعلاً صدق في كلامه.
ثم نظر إليها بحب، فقال باسماً:
- يمكن يا رحيلي، إذا نظر الناس إلى النجوم كل ليلة، فإنهم سيعيشون بطريقة مختلفة، لأنهم عندما ينظرون إلى ما لا نهاية، حينها سيدركون أن هناك أشياء أكثر أهمية مما يفعله المرء طوال اليوم.
ثم نظر إلى السماء بأعين لامعة، ضاحكة بفعل العشق.
أخذت رحيل تدقق النظر إليه، فشردت في تفاصيله الجميلة. لاحظت أنها كانت مشتاقة إلى مراد، ابن عمها، الذي كان لطيفاً ودائماً بجانبها قبل أن يغيره العالم. والآن فقد بدأ يرجع كما كان تدريجياً. دق قلبها بسعادة حقيقية، فشعرت بشعور جميل لم تعهده من قبل في حياتها.
التفت مراد نحوها بطلته المبتهجة وابتسامته الوسيمة التي جعلت قلبها يخفق بشدة. اصطبغ وجهها باللون الوردي من تلك النظرة المهلكة، التي إذا رآها أحد لقال إنها نظرة عاشق وليس محب فقط.
أشاحت وجهها عنه بحياء لتنظر باتجاه آخر، بينما هو دنا منها وقال هامساً بجانب أذنيها:
- إنك زاهية وبراقة كالورود، حتى تظن من فرط رقتك أن جميع الأشياء الجميلة التي توجد في هذا العالم سُقيت من قلبك يا رحيلي.
في وقت متأخر من الليل، كانت جالسة أمام المرآة تمشط شعرها، تفكر فيمن سلب عقلها اليوم، فكان لحديثه وقع خاص على مسمعها. تبسم فمها حين تذكرت همسه ووصفه لها. نهضت واتجهت إلى الفراش لتسترخي عليه، ثم أخذت تفكر في أمر قلبها الذي نبض لمراد. وفي هذا الوقت أدركت أنها لم تشعر بمثل هذه المشاعر مع سامر، فقالت بذهول:
- أنا عمري ما حبيته، أنا اللي أوهمت نفسي بده، واللي كنت بحسه ناحيته كان مجرد إعجاب مش أكتر. لكن مراد، المشاعر اللي حسيتها معاه الفترة الأخيرة دي أول مرة أحسها وأعيشها. أنا أول مرة قلبي يدق لحد أصلاً.
وأخذت تفكر في حياتها حتى غلبها النعاس.
بعد قليل، نهضت من فراشها وهي تصرخ بشدة، فدلف إليها والدها بعد أن سمع صوتها أثناء مروره من أمام غرفتها، فقام بضمها بين أحضانه، ليُربت على ظهرها برفق وقال بنبرة قلقة:
- اهدئي يا حبيبتي، اهدئي، دا كابوس وانتهى.
كانت ترتعش بقوة وتبكي بين يدي أبيها. حاول أن يبعدها كي يسقيها كوب ماء، لكنها رفضت أن يتركها. فقال سليم برفق:
- خلاص يا روحي، متخافيش.
تحدثت ببكاء وشهقات متقطعة:
- بابا، متسبنيش أرجوك، أنا أنا خايفة أوي.
قال مهدئاً:
- أنا جنبك يا بابا، متخافيش يا عمري.
- كان حلم وحش أوي يا بابا، كان فيه حد بيحاول يأذيني والدنيا كانت ضلمة أوي والمكان شكله يخوف.
أجابها قائلاً بهدوء:
- محدش يقدر يأذيكي يا وحيدتي، طول ما أنا معاكي مش هسمح لحد يقرب منك. حاولي تنامي يا حبيبتي ومتخافيش أبداً طول ما أنا عايش.
ظلت متماسكة بملابس أبيها، فقالت ببكاء:
- علشان خاطري يا بابا، خليك معايا ومتمشيش.
- حاضر يا حبيبتي، مش هسيبك.
بعد لحظات، غفت رحيل بأحضان أبيها بأمان، ليغفو هو أيضاً بجانبها.
في صباح يوم جديد.
استيقظ سليم من غفلته ونظر إلى وحيدته بحب أبوي، وقبلها على رأسها بحنية بالغة. ثم نهض من جانبها بحذر حتى لا يوقظها. ولكن توقف حين نادته ابنته قائلة بابتسامة ودودة:
- صباح الخير يا بابا.
- صباح النور يا قلب أبوكي، طمنيني عليكي، أنتي كويسة؟
- أيوه يا حبيبي، أنا كويسة.
- طب الحمد لله، متعرفيش قد إيه أنا خوفت عليكي امبارح لما سمعت صراخك، قلبي وجعني أوي وفكرت إنه حصلك حاجة.
اقتربت من أبيها وضَمَّته باشتياق، ثم قالت بنبرة مختنقة مؤلمة:
- تعرف يا بابا، إنك وحشتني أوي، أرجوك متزعلش مني ولا تبعد عني، أنت متعرفش الأيام اللي فاتت مرت عليا إزاي وإحنا مش بنتكلم.
تألم سليم لألم ابنته، فقال برفق باسماً:
- أنتِ كمان يا روحي وحشتيني، وبعدين أنا مش زعلان منك يا وحيدتي، وخليكي عارفة إني بحبك يا بنتي وعمري ما أزعل منك، دا أنا معنديش أغلى منك إنتي وإخواتك، ودايماً بدعي ربنا إنه ميحرمنيش منكم.
تبسمت رحيل بخفة، ثم قالت:
- ولا منك يا أحسن أب في الدنيا.
بعد لحظات من الوقت، كان مراد في الصالون يحتسي القهوة الخاصة به بهدوء تام. فقاطع هذه اللحظة دخول رحيل. فنظر إليها بابتسامة مشرقة وقال:
- صباح الخير.
أجابته رحيل بنشاط وحماس:
- صباح النور.
- رايحة فين كدا؟
رددت رحيل بابتسامة ساحرة:
- جاية معاك الشركة، أصل العيال الرخمين مشيوا وملحقتش حد فيهم، ومفضلش غيرك اللي هياخدني معاه.
بهت وجهه قليلاً وهو ينظر لتلك الملابس التي ترتديها، فقال متسائلاً:
- أنتي هتروحي كدا الشركة؟
- كدا اللي هو إزاي مش فاهمة!
أشار بيده لثوبها، ثم قال:
- يعني هتروحي باللبس ده.
أردفت رحيل متعجبة:
- آه هروح باللبس ده، ماله يعني، دي جيبة وبلوزة.
أجابها مبتسماً، فقال ساخراً:
- الصراحة هو أوت فيت هايل، بس يا خسارة مش هتخرجي بيه.
قالت منزعجة:
- ليه بقا إن شاء الله؟
نظر إليها مراد نظرة حادة:
- يعني الأستاذة مش واخدة بالها بأن الزفتة قصيرة شويتين.
مدت رحيل شفتيها إلى الأمام، ثم قالت بملل:
- لا، عادية خالص.
- رحيل، متعصبنيش، الجيبة قصيرة جداً، دي حتة محصلتش إنها تيجي لحد الركبة. اطلعِ فوراً غيري أم القرف ده، والبسي حاجة تغطي جسمك يا هانم.
ربعت كلتا يديها وقالت ببرود:
- وأنا مش هغير هاا.
- لا هتغيري يا رحيل، يا ما فيش خروج من هنا، وأنا قاعدالك اهو، ووريني بقا هتخرجي إزاي.
أردفت رحيل بعند:
- لا هخرج يا مراد ومش هتقدر تمنعني.
نهض مراد من مقعده وقال بعدم صبر:
- لا بقا مابدهاش، أنتي اللي جبتيه لنفسك.
جاءت رحيل تهرول من أمامه حين وجدته يتجه نحوها بغضب، ولكنها وجدت نفسها في الهواء، فقد أمسك بها من رجليها ورأسها منقلبة إلى الأسفل.
أتجه بها إلى غرفتها صاعداً على الدرج، فأخذت الأخرى تضربه على جسده الصلب بكل ما أتت به من قوة بيدها الصغيرة، ولكن كل هذا لم يؤثر به ولم يحرك به ساكناً.
فصاحت صارخة:
- أنت يابن آدم أنت نزلني، بقولك نزلني، أنت مب تسمعش؟ بقولك نزلني.
- رحيل، اخرسي.
ولج لغرفتها وقام بإلقائها على الفراش حذفاً، فتأوهت متألمة:
- مش براحة هو أنا كيس زبالة بتحدفه؟
لم يبالِ لحديثها، فقال بلهجة أمر:
- قدامك خمس دقايق، لو القرف ده اتغير، متلوميش إلا نفسك.
أوقفه صوتها العنيد عن الخروج:
- وأنا مش هغير القرف ده، وهو دا اللي عندي، إذا كان عاجبك.
دنا نحوها وقال بغضب جحيمي:
- أقسم بالله لو مغيرتيش، هاجي أقطعلك القرف اللي عليكي بنفسي، وأنتي عارفة إني قد كلمتي، ولما بقول حاجة بنفسها فورا.
حدقت به بعند، فقالت بإصرار شديد:
- والله متقدرتش تقرب مني ولا تعمل أي حاجة.
قرب منها ليهبط لمستواها، حتى كاد أن يلتصق بها، فقال ساخراً:
- شكلك حابة تجربي بنفسك، وأنا معنديش مانع.
فقام بإمساك أطراف ثوبها من مقدمة رقبتها كي يقطعه، فأوقفته في طرفة عين، وقالت لاهثة:
- خلاص يا مراد، ابعد، هعمل كل اللي أنت عاوزه، بس ابعد واطلع برا.
همس أمام شفتيها وقال بمرح:
- شطورة يا ريري، أحبك وأنتي بتسمعي الكلام.
ثم ذهب إلى الخارج، فتنفست بهدوء وقامت بتغيير ملابسها قبل أن يتهور ويفعل ما قاله.
وبعد لحظات، خرجت من غرفتها وهي ترتدي فستاناً طويلاً أكثر احتشاماً، مصبوغاً بلون اللافندر، فجعلها أكثر جمالاً.
انبهر مراد حين رآها، فأقسم بداخله بأنها هي من جعلت الفستان ذا إطلالة جميلة.
تبسم قائلاً:
- شكلك كدا أحلى وأجمل بنوتة، ما شاء الله عليكي، ربنا يحميكي.
بادلته الابتسامة بحياء، ثم قالت بلطافة محببة:
- مش هنمشي بقى؟
- طبعاً هنمشي يا ريري.
كان مراد يتحدث في هاتفه بصدمة:
- أنت بتقول إيه؟ مستحيل.
ثم نظر خلفه، وبالفعل تأكد بأن هناك سيارة تتابعهم، فوجه بصره نحو محبوبته خوفاً وقلقاً، ولكنه تصنم حين توقفت عيناه بصدمة إلى النافذة بجوار رحيل، فوجد سيارة أخرى بجانبها، بينما هي تعجبت من نظراته، فأردت أن تعرف فيما ينظر. توقفت عيناها هي الأخرى على تلك السيارة.
تابع مراد تلك السيارات التي خرجت منها وجوه ملثمة تصوب أسلحتها عليهما، يشيرون نحوه، وفي لحظة، انطلق سريعاً حين بدوا بضرب النار عليه، فبدأ يغلق جميع النوافذ.
صرخت رحيل فزعاً من صوت طلقات النار ومن سرعة العربية، فبكت خوفاً مما يحدث. كان يسمع صراخها بقلة حيلة، ولكنه قام بإخراج مسدسه وتعميره، فهو الآن في موقف عصيب، يخشى أن يصيب محبوبته مكروهاً.
نظرت إليه رحيل بخوف، فقالت ببكاء:
- أنا خايفة يا مراد، هو إيه اللي بيحصل؟
رد عليها برفق حتى يطمئنها:
- متخافيش، أنا معاكي.
أنهى جملته وهو يضغط على زر ليميل مقعدها إلى الوراء حتى لا يصيبها شيء، ثم قال بنبرة هادئة:
- حبيبتي متخافيش، أوعدك إننا هنكون بخير.
ثم فتح النافذة، وكانت طلقته سريعة أصابت عجلة السيارة التي بجانبه، فجعلتها تنقلب، ثم زاد من سرعته حتى يتخلص من السيارة الأخرى، ولكن سائق تلك السيارة اقترب نحوه بنفس السرعة.
ليخرج منها رجلاً مصوباً سلاحه باتجاههم، فقام بإطلاق رصاصته السامة تزامناً مع صرخة رحيل.
رواية هجران رحيل الفصل التاسع 9 - بقلم شامة الشعراوي
بعد ما أصاب الملثم هدفه فر هاربا، أوقف "مراد" سيارته بجانب الطريق. نظرت نحوه "رحيل" بخوف وقلق. فلفت انتباهها تساقط قطرات الدماء من كتف "مراد" الخلفي. رفعت عيناها اللامعة بالدمع تدريجيا لتنظر إليه بوجه شاحب من شدة القلق عليه. فتحدث هو بألم:
- متخافيش، أنا كويس.
ردت عليه بصوت ضعيف وهي تبكي:
- إحنا لازم نروح المستشفى دلوقتي، أنت بتنزف.
لم يجيبها بسبب ذلك الدوار الذي بدأ يشعر به. فدنت منه وقامت بفك حزام الأمام، ثم هبطت من السيارة وأخرجته هو أيضا منها لتجعله يجلس مكانها. لتبدأ هي بقيادة السيارة لتتجه به إلى أقرب مستشفى. بعد أن وصلت تم نقله إلى غرفة العمليات، بينما هي جلست بجانب الباب تبكي بانهيار على ما أصابه. فأخذت تدعي ربها أن ينجيه.
بعد لحظات جاءت العائلة بعد ما علموا بما حدث. اقتربوا من "رحيل" التي كانت في حالة صدمة شديدة والدماء تغرق ملابسها ويدها. دن "حمزة" منها بحذر والخوف يمتلك قلبه، فقال متسائلا:
- طمنيني يا بنتي على مراد، هو كويس مش كده؟
أردفت "حنان" ببكاء:
- إيه اللي حصل معاكم يا رحيل وإيه الدم ده كله؟
اقترب "أدهم" من شقيقته المنصدمة ليمسد على معصمها برفق، ثم قال بقلق:
- رحيل حبيبتي ردي عليا، أنتي كويسة؟
لم ترد على تساؤلاتهما. وفي تلك اللحظة خرجت الممرضة من غرفة العمليات. فمنعها "حمزة" الذي أردف بنبرة قلقة:
- لو سمحتي، أنا ابني جوه. ممكن تقوليلي إيه اللي حصل له وهو كويس ولا لأ؟
الممرضة:
- حضرتك هو دلوقتي في أوضة العمليات والدكتور شوية وهيخرج يطمنكم عليه. عن إذنكم.
تفوهت "حنان" ببكاء:
- أنا خايفة أوي يا حمزة عليه.
أجابها الآخر قائلا بهدوء:
- متخافيش يا حبيبتي، ابننا هيبقى كويس بإذن الله.
بينما الجد اقترب من حفيدته بهدوء ليقول:
- حبيبة جدو ردي عليا، متقلقنيش عليكي.
رفعت رأسها إليه، ثم بدأت تشعر بالأرض تحوم بها. فوقعت بين أحضان جدها. ليحاصرها "أدهم" بين يديه وهو يقول:
- روح يا مازن نادي لأي دكتور بسرعة.
بعد لحظات خرج الدكتور من غرفة الكشف، فأردف "سليم" بتساؤل:
- ها يا دكتور طمني عليها.
- اللي حصلها ده بسبب خوفها وصدمتها. وعلى العموم أنا اديتها إبرة وشوية هتفوق وهتبقى كويسة. عن إذنكم.
نظر "أدهم" على غرفة شقيقته بحزن لما أصابها وأصاب صديقه ورفيق عمره. تجمعت الدموع بعيناه حزنا. ليربت "هشام" على كتفه وهو يقول:
- متقلقش، هيبقوا كويسين.
بعد مرور مدة من الوقت خرج الطبيب من غرفة العمليات، فاقتربت العائلة منه. فقال هو أنه بخير وتم نقله إلى غرفة عادية.
ولجت "حنان" إلى ابنها بعد ما سمح لهم الطبيب بالزيارة. فقامت بوضع يدها على رأسه وقالت ببكاء خافت:
- حبيبي حمدلله على سلامتك يا قلب أمك.
أجابها "مراد" بصوت مجهد:
- الله يسلمك. ثم حول بصره بأركان الغرفة باحثا عن محبوبته. فقال بقلق متسائلا:
- هي فين رحيل؟ هي حصلها حاجة؟
أردف "هشام" باسما:
- حمدلله على سلامتك يا بطل. متقلقش هي بخير.
حاول أن ينهض من فراشه ولكنه تألم كثيرا بسبب الجرح. فتفوه "حمزة" بتوتر:
- استنى، هروح أنادي للدكتور.
تحدث الآخر بأرهاق:
- يا بابا أنا كويس. لكن رحيل فين؟ هي حصلها حاجة وأنتم مش راضيين تقولولي.
صاح "مازن" مندفعا:
- هي محجوزة في الأوضة اللي جنبك.
نظر الجميع إليه بغضب. فحاول الآخر أن ينهض وهو يقول بنبرة قلقة:
- محجوزة إزاي يعني؟ مش فاهم. أنا عايز أشوفها.
مانعه الجد قائلا:
- ممكن تهدأ. قولنا إن هي كويسة. هي بس أغمى عليها من اللي حصل وكانت محتاجة إن هي ترتاح. وشوية هتلاقيها جاية.
تفوه "مراد" وهو يحرك رأسه نافيا:
- لا، أنتم بتكدبوا عليا. أنا هقوم أشوفها بنفسي.
تحدث "حمزة" بيأس:
- والله يا ابني جدك كلامه صح. هنكدب عليك ليه يعني؟
نظر إليهما بضيق. فقلبه لن يهدأ حتى يراها أمامه.
في الغرفة المجاورة انتفضت "رحيل" من على الفراش بفزع. فوضعت يدها على قلبها لتستنشق بعض الهواء. فكان قلبها يهبط ويعلو بضربات مسرعة. فقالت بخوف:
- ده أكيد حلم مش حقيقة!
سمعت صوت الممرضة بجانبها تقول متعجبة:
- أنتي كويسة يا آنسة؟
أردفت "رحيل" ببكاء:
- هو إيه اللي حصل؟
- واضح إنك حصلك صدمة وحضرتك مستحملتيش. فأغمي عليكي.
نهضت "رحيل" من فراشها ونزعت المحلول من يدها. فخرجت بعض الدماء منها فتألمت بشدة. فقامت بوضع يدها على فمها لتكتم تأوهاتها. ثم سارت بخطوات غير متزنة تحت اعتراض الممرضة. وحين خروجها من الباب وجدت شقيقها "أدهم" أمامها. فقال بتساؤل وهو يتفحصها:
- أنتي كويسة يا حبيبتي؟ إيه اللي قومك بس من سريرك؟ أنتي لسه تعبانة.
نظرت إليه "رحيل" بأرهاق وبأعين دامعة:
- مراد يا أدهم. عايزة أشوفه وأطمن عليه. أرجوك خدني له.
- حاضر يا رحيل، تعالي.
فقام بإسنادها. وبعد لحظات دلفت "رحيل" لغرفة "مراد" بهدوء تام. فلما دخلت ورأته بخير شعر بالارتياح. فاعتدل في جلسته. ليشير إليها بأن تأتي نحوه. فلما دنت منه قام بأحضانها بقوة واشتياق رغم ألمه. ولم يبألي لأي أحد من أفراد عائلته. فكل شيء بالنسبة له هين مدام محبوبته بين ذراعيه، فهذا يكفيه. أتاه صوتها الخائف المرتعش:
- أنا خفت عليك أوي. كنت خايفة يا مراد إنه يحصلك حاجة وحشة.
همس لها في أذنيها لكي يجعلها تطمئن، فقال برفق:
- متخافيش عليا يا حبيبتي. أنا مفيش أي حاجة وحشة هتحصلي طول ما أنتي جمبي.
أرتسمت علامات التعجب على وجه الجميع. فهمهم "أدهم" حتى ينقذ الوضع، فقال بمرح:
- حمدلله على سلامتك يا بطل. تعيش وتاخد غيرها.
ابتعدت "رحيل" عنه بحياء بسبب نظرات من حولها ومن نظرة والدها المتوجه إليها. فتحدث "مراد" بحرج بسبب نظرات عمه. فقال:
- الله يسلم يا أدهم.
فأردف "سليم" بتساؤل:
- متعرفش مين اللي عمل كدا؟
هتف "مراد" بغضب جحيمي:
- لا، بس أكيد هعرفه. ولما أعرف هو مين هخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه.
فقال والده:
- أهم حاجة إنك قمت لينا بالسلامة. والحمدلله أن رحيل متأذتش.
وجه "مراد" بصره نحو "رحيل" التي كانت جالسة بجانب شقيقته وقد أرتسمت على ملامحها علامات الخوف والذعر. ود لو أن ينهض ويضمها بين أحضانه لتطمئن. فما حدث لم يكن بالشئ الهين عليها. فتلك هي مرة الأولى التي تتعرض بها لحادث هكذا. أغمض عيناه بأرهاق وتعب. فهو الآن عاجز على فعل أي شيء.
في صباح اليوم التالي خرج "مراد" من المستشفى برفقة أصدقائه.
وفي جناحه كان جالسا على الأريكة. فولجت إليه "رحيل" وقالت بوجه بشوش:
- عاملين إيه؟
أردفت "حنان" بابتسامة:
- الحمدلله بخير. كويس إنك جيتي يا رحيل. هطلب منك مساعدة بسيطة.
- اتفضلي يا عمتو.
نهضت "حنان" من مكانها وهي تقول:
- بصي، حاولي تغيري لمراد على جرحه لحد ما أحضر الأكل وأجيبه.
تبسم ثغر "مراد" بابتسامة رقيقة وماكرة بنفس الوقت. فقالت الأخرى برقة:
- حاضر يا عمتو.
أعطت لها زوجة عمها بعض الأدوية والمراهم، ثم خرجت من الغرفة واغلقت الباب خلفها. تقدمت "رحيل" من "مراد" وجلست بجانبه بحذر وقالت بحرج:
- ممكن تحاول تقلع التيشيرت علشان أعرف أحطلك المرهم.
تبسم "مراد" بخفة على توترها فقال:
- حاضر هقلعه. بس ممكن تساعديني؟ لأن مش عارف أرفع دراعي اللي متصاب فيه.
دنت منه بحياء وهي تبعد وجهها بعيدا عنه. فقامت بمساعدته تحت نظراته السعيدة من قربها. ثم جلست خلفه وبدأت بتغيير الجرح. تألم "مراد" من وضع المرهم. فحاول أن يكتم وجعه ولكن فلت منه صوت تأوه مؤلم بسبب الجرح.
نزعت "رحيل" يدها خوفا. فقالت ببكاء:
- أنا آسفة إني وجعتك.
- اهدى، أنا كويس. يلا كملي.
بدأت تكمل بيد مرتعشة والدموع تتساقط من عيناها حزنا. فهي تعلم بأنه يتألم لكن يتحامل على نفسه من أجلها حتى لا تحزن. أنهت ما تعمله وقالت بصوت مبحوح:
- أنا خلصت.
التفت بجسده إليها ليمسك يدها بحنان وبيد الأخرى مسح دموعها. ثم قال بلين:
- مبحبش أشوف دموعك الغالية بالنسبالي.
نظرت إليه بوجه حزين. فقال بلطف:
- ممكن أفهم ليه الحزن ده كله؟
- مش عارفة. أنا ليه خايفة لحد دلوقتي.
احتضن وجهها بين كفيه وهو ينظر إلى عيناها التي فتن بها. ليقول برفق:
- عايزك متخافيش طول ما أنا عايش.
ثم أضاف وهو مازال محدقا بتلك العيون التي هي عبارة عن سلاح صامت يفتك قلبه باستمرار:
- ممكن بقى مشوفش القمر بيعيط تاني؟ عايز أشوف ضحكتك دايما اللي بتنور دنيتي.
تبسمت "رحيل" بخجل. فقال فارحا:
- أيوه كدا. خلي الدنيا تضحكلي. تعرفي أنا كنت خايف عليكي أوي. خوفت لتتأذي. أنا لو كان حصلك حاجة كنت هموت.
ثم جذبها إلى صدره ليضمها بخفة. ليستنشق عطرها المميز الذي يعشقه. زادت دقات قلبه أكثر مما ينبغي بسبب قربها المهلك. فأخذ يملس على شعرها الناري بلطف ولين. ثم همس معترفا:
- بحبك.
اتسعت عيناها على مسرعهما بصدمة. ألجمت لسانها وتصنم جسدها. ليطرق قلبها نبضات عالية كادت أن تصل إلى مسمعه.
ابتعد "مراد" قليلا وهمس بجانب شفتاها:
- أنا بحبك أوي يا رحيل ومن زمان. أنتي روحي وقلبي والنفس اللي بتنفسه. وليكي في كل حاجة في حياتي نصيب. وفي أحلامي وفي أنفاسي. حتى دقات قلبي هناك دايما. نبضات تتغنى باسمك طفلتي.
ثم أخذها في قبلة ليهدأ ضجيج قلبه المتهالك شوقًا إليها. ثوانٍ وابتعد عنها ليسند جبينه على جبينها وهو يتنفس تنفسها، ثم قال باسمًا:
- تقبلي تكوني مراتي وحبيبتي وشريكة حياتي وأم ولادي.
حركت "رحيل" رأسها بالإيجاب بحياء تحت تأثير قبلته وكلماته وهمسه لها. فقد شعرت بارتفاع خفقان قلبها وتورد وجنتيها بالاحمرار.
فابتسم "مراد" بسعادة ثم قال:
- حبيبتي أنا مش عايز منك قرار دلوقتي، فكري براحتك وأنا هستناكي، خدي وقتك في التفكير.
أومأت له بالإيجاب ثم ابتعدت عنه لتهرول إلى الخارج هاربة من أمامه، وتلك السعادة تغمرها بشدة فهي الآن لم تصدق ما حدث للتو.
في بيت عائلة ندى.
ولج أبوها إلى غرفتها فوجدها نائمة فتنهد بقلة حيلة:
- ندوش يلا ياحبيبتي اصحي الفطار جاهز.
خرج من الغرفة ثم دلف ثانيًا فوجدها كما هي:
- يابنتي حرام عليكي قومي بقى بقينا الظهر وإنتي لسه نايمة، شاطرة بس تيجي بليل تزني عليا إني أصحيكِ بدري، ولما أجي أصحيكِ متقوميش.
نهضت "ندى" من على السرير وقالت بتذمر:
- خلاص يابو ندى أهو قومت.
- بقالي ساعتين عمال أصحيكي ياشيخة، حرام عليكي تعبتيني معاكي.
- ما أنت يابابا بتيجي في أوقات غريبة.
رفع حاجبيه وقال متعجبًا:
- أوقات غريبة اللي هي إزاي مش فاهم.
- كنت بحلم حتة حلم إنما إيه عسل.
ضحك الآخر بخفة على ابنته ثم قال:
- يلا ياهبلة تعالي خلينا نفطر يا أم حلم عسل.
فردت "ندى" يدها على مسرعهما وهي تتنفس بعمق ثم قالت:
- خمس دقايق وهتلاقيني وراك على طول.
نظر إليها بشك:
- متأكدة يعني مش هتخليني أخرج وترجعي تنامي تاني.
- عيب عليك يا جدع، هو أنا بتاعت كدا.
- دا أنتي بتاعت كدا، اخلصي بقى ياندوش.
أنهى جملته وهو يخرج من الغرفة، بينما هي كانت تتقلب على الفراش بكسل.
فلاحت هاتفها يضيء، فجذبته إليها لتجد مكالمات كثيرة من صديقتها.
فصاحت قائلة:
- ينهار أسود دي نور هتنفخني.
ولسه هتكمل كلامها، وجدت "نور" تهاتفها، فأتاها صوتها الغاضب:
- أنتي يازفتة برن عليكي من بدري مش بتردي ليه ياهانم.
- كنت نايمة يانور.
- دا أنتي أبرد خلق الله ياشيخة، روحي ربنا يسامحك قلقتيني عليكي يازفتة.
- ما خلاص يانور ماقلنا كنت نايمة، وبعدين إيه كل الرنات دي، حد يرن على حد فوق الـ 200 رنة مش كدا ياماما.
- ما أنا قولت أكيد البعيدة ماتت.
أردفت "ندى" ساخرة:
- يعني هو لو أنا مت وأنتي فضلتِ ترني كانت المرحومة هتقوم ترد عليكي مثلًا.
- بقولك إيه أنا مش فاضيلك، هتيجي ولا لأ اخلصي.
- هاجي ويلا غورِ خلينى أقوم أدوش.
بعد فترة خرجت إلى غرفة المعيشة فوجدت أباها مجهز الفطور، دنت منه وقبلت يده ثم قالت بابتسامة:
- صباح الخير يا حجوج.
- قصدك مساء الخير، إحنا بقينا الظهر، يلا اقعدي افطري.
- أنا بعد ما أفطر ياحج هخرج أروح لنور ورحيل.
- ماشي ياحبيبتي بس حاولي ماتتأخريش.
- حاضر.
***
أقبلت "رحيل" نحو جدها وقد حلقت روحها في أجواء السعادة والحبور، حتى أصبحت الدنيا لا تسعها من فرط سعادتها.
فأردف الجد بحنية:
- وشك منور النهاردة ياريرى وكمان خدودك حمرا زي الطماطم.
طأطأت رأسها خجلاً، فأكمل باسمًا:
- لا شكل الموضوع كبير أوي، قوليلى إيه سر لمعة عينيك الجميلة.
تفوهت "رحيل" بحياء وقد تورد وجهها خجلًا:
- جدو مراد.
ضحك الجد بخفة ثم قال مازحًا:
- أيوه بقى الموضوع فيه مراد، قوليلي عمل إيه الواد ده خلى بنوتي مبسوطة بالشكل ده.
لمعت الفرحة في عينيها الزرقاء فقالت بنبرة سعيدة:
- تعرف ياجدو مراد اعترف ليا إنه بيحبني وعايز يتجوزني.
صاح الجد بسعادة وسرور:
- ياااااه أخيرًا نطق، دا أنا كنت مستني اللحظة دي من بدري.
- هو حضرتك كنت عارف.
الجد:
- طبعًا ياحبيبتي، مراد بيحبك من زمان وأنا كنت عارف، بس قوليلي أنتي بتحبيه.
وضعت خصلة متمردة خلف أذنيها وقد افتر ثغرها عن ابتسامة عذبة فقالت:
- الصراحة ياجدو مش عارفة، بس الفترة دي حسيت معاه بشعور حلو أوي أول مرة أحسه مع حد. وقلبي كل ما بيشوفه أو يقرب منه بينبض بشدة، بحس إنه هيخرج من مكانه من قوة دقاته. أنا ببقى مبسوطة وأنا معاه، بحس إني مالكة الدنيا دي كلها.
أنهت حديثها وهى تمسك كف يد جدها لتدور به بسعادة لا توصف، وتلك الضحكة الجميلة لم تفارق محياها، فقالت بحب:
- عارف ياجدو أنا حاسة دلوقتي إني طايرة في السماء من كتر الفرحة.
ضحك الجد بسعادة فقال مازحًا:
- وأنا شكلي هطير من الدنيا بسببك يابت، براحة أنا مش قدك يابكاشة.
ارتمت الأخرى بين ذراعيه ثم قالت بسعادة ممزوجة بالخجل:
- أنا بحبك أوي ياجدو.
تبسم الجد بالسعادة من أجلها فقال:
- وأنا أكتر ياقلب جدو.
ابتعد قليلاً ليجلس على الأريكة ويجلسها بجانبه ثم تسأل:
- هتعملي إيه معاه.
تنهدت بعمق ثم قالت بلطف:
- هو قالي مش عايز أسمع منك رد دلوقتي وفكري براحتك، وأنا الصراحة محتاجة أتأكد من مشاعري أكتر ناحيته، فاهمني ياجدو.
أجابها الجد بطيبة:
- طبعًا ياحبيبتي فاهمك، وقريب هتعترفي بحبك له لأن أنا متأكد من شعورك ناحيته.
نظرت إليه "رحيل" بحياء فقامت بوضع رأسها على كتفه، فمسد هو على شعرها بحنان وحب لحفيدته الرقيقة.
***
في المساء كانوا الفتيات جالسات في الحديقة، فتحدثت "ندى" بزهق:
- أنا هقوم أمشي.
أردفت "رحيل" بهدوء:
- لسه بدري خليكي شوية.
- لا كفاية كدا عليكم، لما أقوم يلا باي.
تفوهت "نور" قائلة:
- باي ياعسل، متنسيش تطمنيني عليكي لما توصلي.
- حاضر.
كانت تسير بخطوات بطيئة تبحث في حقيبتها على شيء، فلم تنتبه إلى تلك السيارة المقبلة نحوها سريعة. رفعت نظرها فجأة وصرخت بقوة مفزعة، وهي تسقط أرضًا.
حين توقفت السيارة أمامها، نظرت إلى يدها التي سقطت عليها فوجدت بها خدشًا بسيطًا. اشتعلت عينيها بالغضب، فنهضت من مكانها واقتربت من السيارة وفتحت باب السائق، فوجدت شابًا جميلًا بأعين زرقاء.
فصاحت منفعلة:
- أنت ياخ أنت إيه أعمى مش بتشوف قدامك، مدام أنت مش بتعرف تسوق عربيات بتركبها ليه؟ ولا هي أرواح الناس لعبة في إيد اللي جابوك.
وقف "مازن" يحدق بها بصدمة من جمالها المبهر وشعرها الأسود الذي زادها جمالًا، ولكنه قال بغضب:
- أنا اللي أعمى ولا أنتي اللي عامية.
- أنت متخلف يابني.
شعر بالضيق بسبب لسانها السليط ليقول بحدة:
- تعرفي تخرسي خالص، مبقاش غير أم شبر ونص اللي تتخانق معايا. ثم قام بدفعها: يلا ياشاطرة من هنا.
تراجعت "ندى" للخلف بسبب تلك الدفعة فقالت بنرفزة:
- والله لأوريك أم شبر ونص هتعمل فيك إيه يامتخلف أنت.
وعلى حين غرة اقتربت منه سريعًا، وأمسكت كف يده وأغرست أسنانها الحادة بها، ليصرخ "مازن" متألمًا من قوة فكها. تركت يده حين وجدتها تنزف دمًا أمامها، ثم ركضت مهرولة وهي تقول بانتصار:
- أحسن تستاهل.
صاح "مازن" بصوت عالٍ غاضبًا وهو ينظر إلى يده المتورمة:
- اااااه ياعضاضة يابنت العضادين، وربنا لو لمحتك تاني ماهخلي حتة فيكي سليمة.
بعد مرور أسبوعين تعلق "أدهم" أكثر بـ "نور" حتى أنه لم يستطع أن يفارقها.
بينما في فترة علاج "مراد" كانت "رحيل" دومًا بجانبه ولم تفارقه ولو للحظة، حتى أنها كانت تقوم بجميع احتياجاته الخاصة به، مما زاد هذا من قربهما. وكل هذا تحت نظرات العائلة المندهشة، من كان يصدق أن تلك الفتاة التي كانت لا تطيق ذاك المدعو "مراد" وتكره وجوده، تستغل كل دقيقة تمر في حياتها بجانبه. فمشاعرها نحوه أصبحت قوية، فتلك الفترة أكدت لها أنها تملك مشاعر حب حقيقية له، وهي الآن تنتظر اللحظة المناسبة كي تعترف بمشاعرها إليه.
داخل القصر مساءً.
جذبت "رحيل" "نور" من معصمها إلى غرفتها، فتفوهت الأخرى بانزعاج:
- يابنتي في إيه براحة عليا، عايزة إيه أنتي دلوقتي.
أجابتها "رحيل" وهي تخرج من خزانة ملابسها ثوب أسود طويل مرصع بالماس، ثم مدت يدها إليها وقالت بأمر:
- خدي البسي دا فورًا.
أردفت "نور" بعدم فهم:
- ودا ليه بقا إن شاء الله.
- ياستي هنخرج نسهر شوية.
- بس أنا مش قادرة أخرج النهاردة، خليها يوم تاني.
تحدثت "رحيل" باعتراض:
- لا ياعسل هتقومي زي الشاطرة كدا وهتلبسي الفستان دا، اخلصي بقى يانور.
- طب ما أروح ألبس حاجة من عندي، مش لازم ألبس دا.
نظرت إليها "رحيل" بضيق وقالت:
- ما عندي وعندك واحد يازفتة، ويلا اخلصي لحد لما أدخل أنا كمان أغير.
ولجت إلى الحمام لتبدل ملابسها بثوب مصبوغ باللون القرمزي، فكان من قماش الحرير الناعم وله فتحة طويلة من اليسار. قامت بتصفيف شعرها لتجعله مفرودًا على طول ظهرها، ثم وضعت لمسة بسيطة ببرونز عبارة عن فراشة بنفس لون الثوب. تبسمت برضا على هيئتها الرائعة، ثم خرجت من الحمام فوجدت "نور" تجلس على الفراش بملل.
فقالت بانبهار:
- واو يانور شكله تحفة عليكي.
- بجد.
- بجد ياقلبي، تعالي بقى كدا. فجعلتها تجلس أمام المرآة لتمشط شعرها وترفعه إلى الأعلى، ثم وضعت لمسات قليلة من الميكاب جعلتها أكثر انجذابًا. ثم قالت بود:
- قمر ياخواتي.
تحدثت "نور" بلطف:
- بس مهما أعمل مش هبقى أحلى ولا أجمل منك ياقلب أختك.
- حبيبتي يانور.
بعد مغادرة البيت، وقفت "رحيل" في مكان مظلم لتغادر السيارة تحت مناداة الأخرى لها. نزلت "نور" خلفها وهي تقول بتوتر:
- رحيل أنتي روحتِ فين، أنا بدأت أخاف... يارحيل.
أخذت تنادي عليها والدموع تتصاعد إلى عينيها. وفي هذا الأثناء اشتعل المكان بالأنوار التي تزينه بطريقة رائعة، فكانت الأرض مملوءة بالورود الحمراء. استدارت بجسدها إلى الخلف، فوجدت "أدهم" راكعًا على قدميه ممسكًا بيده خاتمًا من الألماس الخالص.
فأردف المحب العاشق:
- عمري ما تخيلت إني أقع في الحب تاني، لكن أنتي الوحيدة اللي قدرتي تحيي المشاعر فيا من أول وجديد. أنا لأول مرة أبقى مبسوط بالشكل ده، أنا مقدرش أوعدك إني أخليكي أسعد واحدة، بس اللي أقدر أوعدك بيه إني هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أسعدك يافراولتي. ودلوقتي تقبلي تتجوزيني يانور، موافقة تكوني شريكتي في اللي باقي من عمري.
تلألأت عيناها بالفرح والسعادة فأجابته بحب:
- آه موافقة.
نهض "أدهم" ليضع الخاتم في إصبعها، ثم رفعها إلى أحضانه ليدور بها بسعادة وحب.
اقتربت العائلة منهما وهم يصفقون بسعادة من أجلهما. فأردفت "نور" برقة:
- أنا مش فاهمة حاجة، هو كل دا حصل إمتى.
أجابها "أدهم" بلطف:
- إحنا بقالنا كام يوم بنحضر المفاجأة دي ليكي ياحبيبتي.
اقترب منها "حمزة" وقال باسمًا:
- ألف مبروك ياحبيبتي.
- الله يبارك فيك ياحبيبي.
بعد ما باركت العائلة لهما، اشتغلت موسيقى هادية ليرقص عليها كل ثنائي، حتى "مازن" و"هشام" الذين قاموا بالرقص معًا بطريقة مضحكة، مما جعلوا الجد يضحك من كل قلبه عليهما.
دنا "مراد" من "رحيل" ليقبل كفها برقة بالغة ثم قال بلين باسمًا:
- تعرفي إنك أجمل بنت شافتها عيني، وإني بشكر ربنا إنك في حياتي. بجد يارحيل أنتي نصيبي الحلو من الدنيا.
انبسطت أسارير وجهها وشعر بريق عينيها بالحب، وافتر ثغرها عن ابتسامة عذبة. فقال الآخر بود:
- ممكن القمر ده يرقص معايا.
تفوهت "رحيل" بسعادة وهي تنهض معه:
- ممكن طبعًا.
كانت ترقص معه بخجل مفرط تحت نظراته الصامتة، فكان يتأمل جمالها الذي أخذ عقله، وعينيها التي ليس هناك شيء في هذه الدنيا يفوق جمالها.
فقال هامسًا:
- إذا وقفت أمام حسنك صامتًا، فالصمت في حرم الجمال جمال.
رواية هجران رحيل الفصل العاشر 10 - بقلم شامة الشعراوي
في بداية يوم جديد، وفي حديقة القصر، كانت تتجمع العائلة معًا في جو لطيف. جاءت "رحيل" وجلست بجانب والدها، وقد بدا على معالم وجهها الخوف والتوتر. فربت والدها على يدها بحنان ثم قال:
- حبيبتي مالك، أنتي كويسة؟
نظرت له بوجه شارد وقالت:
- اه.
- ازاي بس ووشك شكله مخطوف.
تجمعت الدموع في مقلتها وقالت بنبرة مختلطة بالبكاء:
- أنا خايفة يابابا.
تحدث "سليم" بقلق:
- من ايه بس ياحبيبتي.
- مش عارفة، حاسة أن فيه حاجة وحشة هتحصلي. عارف يابابا، كل الإحساس الوحش اللي في الدنيا أنا حاسة بيه دلوقتي.
هتف أبوها باطمئنان:
- متخافيش يا وحيدتي، مش هيحصلك أي حاجة وحشة. أنا جنبك وأخواتك وكمان مراد.
تفوهت "رحيل" برجاء:
- ممكن تاخدني في حضنك وتحضني أوي.
ضمها أبوها بين ذراعيها وهو يشعر بقلق، لا يعرف ما الذي أصابها فجأة.
بعد عدة ساعات، كانت "نور" جالسة بغرفتها تحمل بيدها كتابًا عن التوعية الزوجية. فرّ هاتفها لتشاهد رقم محبوبها على الشاشة. فاتسعت ابتسامتها حين أتاها صوته قائلًا:
- السلام عليكم.
- وعليكم السلام.
تحدث "أدهم" بود:
- لاقيت نفسي فاضي، قولت لما أتصل أسمع صوتك. أصلك وحشتيني.
أجابت الأخرى عليه بحياء فقالت:
- وأنت كمان وحشتني.
- بجد وحشتك.
- طبعًا وحشتني.
أردف "أدهم" بصدق:
- تعرفي أنا بحبك قد إيه.
وضعت خدها على يدها وهي تقول بمرح:
- قد إيه؟
- قد الدنيا دي كلها. مكنتش متخيل أن هييجي بنت وتخليني أحبها بالشكل ده. بجد يانوري، أنتي أحلى حاجة حصلتلي في حياتي. تعرفي لو كان ليا عمر تاني، كنت برضه هحبك.
- يعني أنت مش ندمان إنك حبيبتني.
رد "أدهم" بحب:
- ابدًا. أنا ندمان على الأيام اللي ضيعتها وأنتي بعيد عني. وأنا حاليًا مستني ميعاد فرحنا بفارغ الصبر علشان تكوني ملكي لوحدي وبس.
تحدثت "نور" بفرحة غامرة لا توصف:
- تعرف يا أدهم، أنا مش متخيلة بجد كل اللي بسمعه منك. ولا متخيلة أني دلوقتي خطيبتك وحبيبتك كمان. أنا كنت بقعد أحلم كتير وكنت بقول أن ده حلم وصعب أنه يتحقق.
- ودلوقتي حلمك بقى حقيقة ياروحي واتحقق خلاص يانوري. معلش ياقمري، أنا مضطر أقفل دلوقتي علشان عندي اجتماع. ولما أخلصه هكلمك تاني. سلام.
أردفت "نور" بسعادة:
- سلام.
كانت تتحدث "ندى" في الهاتف مع صديقتها "رحيل". فقالت بنبرة قلقة:
- أنا دلوقتي في أم شركتكم ومتوترة وخايفة بشكل لا يوصف.
أجابتها "رحيل" بهدوء:
- متخافيش ياندى، هما هياكلوكي. وبعدين مراد هو اللي هيعمل معاكي الإنترفيو، وأنا عارفاه أنك صحبتي وشاطرة جدًا.
- ياراجل، يعني هو على أساس لما تقوليله شاطرة جدًا هيشغلني على طول.
- متقلقيش، أنتي ناسيه أنك كنتي بتطلعي الأولى على الدفعة وكمان كنتي ممتازة.
تفوهت "ندى" بتوتر وهي تقضم أظافرها بأسنانها:
- طب اقفلي دلوقتي، السكرتيرة بتشاور ليا.
- تمام ياحبيبتي، بالتوفيق.
اقتربت السكرتيرة منها وهي تقول:
- اتفضلي، مستر مراد مستنيكي جوه.
طرقت "ندى" الباب فسمح لها بالدخول. وعندما ولجت إليه تحدث قائلًا:
- ازيك يا آنسة ندى، اتفضلي اقعدي.
جلست على المقعد مقابله بارتباك. فتحدث باسمًا:
- رحيل بتشكر فيكي أوي.
- اه، يمكن علشان صحبتها مش أكتر.
أردف "مراد" بجدية:
- تمام، هشوف الـ cv بتاعك وبعدها نحدد.
بعد لحظات، أضاف قائلًا:
- ما شاء الله، الملف بتاعك ممتاز وكل اللي موجود فيه بيدل على شطارتك وتفوقك وتقديرك العالي في الدبلومات.
أنهى حديثه وهو يرفع سماعته ليطلب من السكرتيرة أن تأتي "بمازن".
ثم قال:
- بصي ياندى، الصراحة إحنا محتاجين واحدة متفوقة زيك تكون مساعدة لمدير الحسابات. هو هييجي دلوقتي وهعرفك عليه.
أردفت "ندى" بتوتر وهي تحرك قدميها باستمرار:
- يعني كده أنا اتعينت ولا لسه هتشوفوني الأول في الشغل!
تبسم "مراد" ابتسامة بشوشة وقال:
- ممكن تبطلي توتر، ويا ستي أنا عينتك لأن فعلاً إحنا محتاجينك هنا معانا.
ضحكت الأخرى بسعادة فقالت:
- بجد مش عارفة أشكر حضرتك إزاي.
- مفيش شكر خالص، ده عادي جدًا. أنا بس عايز تثبتيلي أنك فعلاً مش بس كنتي متفوقة في الدراسة، لا وكمان في الشغل. وأنا واثق فيكي أنك هتعملي شغل حلو.
- طبعًا، أنا هكون عند حسن ظن حضرتك.
دلف إليهما "مازن" وقال:
- كنت طالبني.
أردف "مراد" قائلًا:
- أه، أعرفك على الآنسة ندى، المسؤولة الجديدة اللي هتبقى معاك في الحسابات.
نظر إليها "مازن" فحين رآها قال صادمًا:
- أنتي!
- أنت!
تفوه "مراد" متعجبًا:
- أنتم تعرفوا بعض!
نطقوا في فم واحد:
- لاااااا.
تحدث "مراد" بجدية وهو ينظر إلى "مازن" الذي كان يقف مشتعلًا من كثرة الغيظ. ليقول بحده:
- تمام، اتفضلي معاه ياندى، لو حصل أي مشكلة ابعتيلي.
ثم وجه حديثه إلى الآخر فقال بحده:
- ياريت نشتغل كويس ومسمعش أي شكوى منك، فاهم.
أردف "مازن" بضيق:
- فاهم. ويلا يا آنسة.
خرجت "ندى" قبله وهي تتمتم ببعض الكلمات المنزعجة:
- ياربي، يوم ما أتعين وأشتغل يبقى شغلي مع المتخلف ده.
- أنتي بتقولي إيه! مين ده اللي متخلف.
تحدثت الأخرى باللامبالاة فقالت:
- مش عارف الناس بتاخد الكلام على نفسها ليه، ميكونش على راسهم ريشة.
بصلها بطرف عيناه ليقول بانزعاج:
- اتفضلي معايا، خليني أعرفك الشغل هيتم إزاي.
بعد لحظات في المكتب.
- ها، فهمتي!
- اه فهمت، أمال أنت فاكراني مابفهمش.
أردف "مازن" بضجر:
- ياربي، هو أنتي كل كلمة هتقعدي تردي عليا بعشرة! أنا مابحبش كدا، وكمان عايزك تعرفي أني بحب الانضباط ومش عايز أشوف غلطة في الشغل، وإلا مش هيحصلك كويس.
تفوهت "ندى" باستفزاز وهي تداعب خصلات شعرها:
- طب حاسب على نفسك ياخويا، لأحسن يطقيلك عرق ولا حاجة.
ذهب إلى مكتبها الذي يقع أمام مكتبه.
ليردف الآخر في نفسه:
- استنى عليا يا أم شبر ونص أما أوريك وخد منك حقي، ما يبقاش أنا مازن والله، ووقعتي تحت إيدي.
في غرفة "رحيل" كانت جالسة تنظر إلى هاتفها الذي يضيء باسم "سامر". كانت ستلقي الهاتف أرضًا، ولكنها تراجعت لتجيب على اتصالاته. فأتاها صوته المزعج:
- محدش سمع صوتك ياري ريري هانم، فينك كده مختفية بقالك فترة ومش بتردي على مكالماتي.
أردفت "رحيل" بضيق:
- عايز إيه مني يا سامر.
- عايز أقابلك النهارده ضروري يا ست البنات.
- وأنا مش هاجي، وياريت تبعد عني وتنسى أي حاجة كانت ما بينا.
تحدث "سامر" بنبرة خبيثة:
- إزاي بس يا بيبي، أنتي نسيتي إنك حبيبتي ودلوقتي عايزة تبعدي عني، بس يكون في معلومك أنا مش هبعد عنك مهما حصل. وإن كنتي زعلانة مني في حاجة، تعالي نخرج ونقعد مع بعض ونصفّي اللي ما بينا.
كانت هترفض هذا اللقاء، ولكنها وجدتها فرصة حتى تنهي تلك العلاقة التي تورطت بها. فهي الآن تحب "مراد" حب صادق نابع من قلبها، لذا ستستغل الفرصة لغلق الماضي لتبدأ حياة جديدة طاهرة مع من اختاره قلبها.
- رحيل رحتي فين.
أردفت "رحيل" بملل:
- مفيش، خلاص تمام يا سامر، نتقابل النهارده.
- تمام يا قمر، هستناكي بعد ساعة.
بعد ساعة كانت تقف تنتظر وجوده أمام النادي. بعد لحظات جاء "سامر" مبتسمًا، فقال:
- أنا جيت أهو يا روحي.
- سامر، أنا كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم.
نظر إليها "سامر" متعجبًا، فقال:
- موضوع إيه.
تفوهت "رحيل" بعدم ارتياح:
- تعالي نقعد في أي مكان واحنا نتكلم.
تبسم ثغر "سامر" بخبث، وقال:
- تمام، خلينا نروح نقعد على كافيه. هو مش بعيد قوي عن النادي، هنروح بعربيتي. يلا.
سارت "رحيل" أمامه وهي تشعر بالخوف والتوتر. وعندما اقتربت من السيارة، جاء الآخر من خلفها بشر وحقد، ليضع على أنفها منديل معطر بالمخدر، كتم به أنفاسها إلى أن فقدت قدرتها على الحركة. فخارت قواها بين ذراعيه، ليدخلها سيارته السوداء، ليتجه بها إلى شقته الخاصة.
وفي هذا الأثناء في غرفة الاجتماع، ذبذب هاتف "مراد" معلنًا عن رسالة وصلت للتو. فوجه بصره نحوها لينصدم بشدة وهو يقرأ محتواها الذي كان عبارة عن:
- بنت عمك وحبيبتك رحيل مع واحد في الشقة ومش دي أول مرة. ودا العنوان علشان تتأكد بنفسك. فاعل خير.
في نهاية الرسالة يوجد صورة "لرحيل" بين أحضان "سامر".
خرج مسرعًا من غرفة الاجتماع وعيناه يتوقد منهما الشرر. فكانت ملامحه عابسة من الغضب. رحل بسيارته إلى ذاك العنوان، بينما "أدهم" ذهب خلفه عندما رأه بتلك الهيئة التي لا تبشر بالخير.
في شقة المعادي الخاصة بالمدعو "سامر"...
بدأت "رحيل" تستعيد وعيها. فحركت رأسها في كل اتجاه بثقل، محاولة رؤية ما حولها. فهمست بكلمات ثقيلة حين لمس "سامر" جسدها، فقالت بدوران شديد:
- أنت بتعمل إيه، ابعد عني أرجوك.
اقترب منها أكثر وقال بنبرة خبيثة:
- اهدى يا بيبي، جه الوقت اللي كنت مستنيه من زمان علشان آخد منك اللي عاوزه. دا أنا استنيتك كتير قوي يا رحيل.
مد يده وقطع طرف ثوبها من بداية عنقها. صرخت بضعف فهي لا تقوى على الحراك، فقالت بخوف وبكاء:
- ابعد عني يا حيوان، ابعد.
أحكم قبضته على خصلاتها النارية وقال غاضبًا:
- اخرسي، مسمعش صوتك. فقام بكتم صراخها ليحاول تقبيلها.
وفي تلك اللحظة وصل "مراد" إليهما. فوجد الباب مواربًا. فلما دخل رجت الصدمة كيانه عندما وجد محبوبته في أحضان رجل آخر غيره. فصاح صيحة مفزعة مزقت أحشاء السكون، جعلت كلا من "سامر" و"رحيل" يفزعون لها. نظرت إليه "رحيل" وقد اضطربت نفسها وتسرّب الهلع إلى فؤادها الذي انفطر وكاد يتطاير شظايا من هول ما حل بها. انهمرت عيناها بالدمع خوفًا وحزنًا مما سيحدث. حاولت أن تنهض من على الأريكة، لكن لم تساعدها رجليها على الوقوف. فهي تشعر بدوار يكاد أن يفتك بروحها. فقالت خائفة مبررة:
- مراد، متفهمش اللي حصل ده غلط. أنا معرفش أنا جيت هنا إزاي.
لم يسمع ما تقول. فكل ما يسيطر عليه الآن هيئتها وهي بأحضان ذاك الرجل. ترقرقت عيناه حزنًا وانكسارًا. فهو لم يصدق أن قلبه سينكسر بهذا الشكل وعلى يد من أحب. شعر بطعنة قوية تؤخز قلبه لتجعله يموت ببطء شديد. والآن كل ما يستحوذ عليه شعور الغضب الممتزج بالذل والإهانة. بينما "رحيل" شحب وجهها رعبًا، فكان لسانها عاجزًا عن النطق. فكل ما يظهر ويسمع منها دموعها وبكائها المرير. فكانت تحرك رأسها لا إراديًا بالنفى لتلك التهمة الذي وقعت عليها.
اقترب "مراد" بطرف عين من ذلك الندل ولكمه بضربه قوية أسقطته أرضًا. فقال غاضبًا:
- ااه يا حيوان، أنا هقتلك أنت والزبالة التانية.
ثم انهال عليه بالضربات العنيفة. فحاول الآخر أن يحرر نفسه من قبضة ذاك الأسد الجريح، ولكنه لم يستطع. فقال بذعر والدماء تقطر من أنفه:
- دي مراتي وكل اللي حصل واللي كان هيحصل كان بمزاجها.
نظر إليه "مراد" بصدمة اعتلت وجهه فقال مندهشًا:
- إيه مراتك!
أبتعد "سامر" زحفًا على قدميه، ليخرج من جيب سترته ورقة:
- آه مراتى، متجوزين أنا وهي عرفي، واهى القسيمة.
أخذها "مراد" من يده ليقرأها. ثم أطبق عليها بقوة وهو يحدق ناظرًا إلى "رحيل" التي ترتجف من أثر البكاء الممتزج بالدوار. تحدثت بصوت ضعيف متقطع فقالت خوفًا:
- لا والله ك ك كداب يا مراد، ماتصدقهوش.
دنُى نحوها "مراد" فتراجعت للخلف بخطوات متعثرة. فقام هو بجرها من شعرها وقال معنّفًا:
- والله لأوريكِ، وهعرفك إزاي تعملي كدا من ورانا. والله لأقتلك يا رحيل، هقتلك.
حاولت "رحيل" بدفع يده عنها، لكنه شد قبضته أكثر فتأوهت متألمة. ثم قالت ببكاء كاد يمزق صدرها:
- والله يا مراد، ما عملتش حاجة. أنا أنا معرفش أي حاجة من اللي بيقولها ومعرفش أنا جيت إزاي هنا.
صاح الآخر عاليًا ليقول بغضب أعمى عيناه:
- اخرسي، مش عايز أسمع نفسك. أنتي فكراني هقتلك بالسهولة دي؟ لا، تبقي غلطانة. أنا هخليكي تتمني الموت يا رحيل هانم.
أنهى جملته وهو يصفعها بعنف على وجهها. فصرخت "رحيل" بألم وهي تحاول أن تحمي وجهها:
- لا يا مراد، أرجوك، أنا معملتش حاجة.
بينما "سامر" استغل انشغال "مراد"، فحاول أن يفر هاربًا. ولكنه لمح طيفه ليدنو منه ليلقنه درسًا لن ينساه الآخر.
ثم أخرج مسدسه وأطلق رصاصته، ولكنها لم تصب هذا الندل. جاء ليضرب الثانية، لكنها ضربت في السقف بسبب تلك اليد التي منعتها. فكانت يد "أدهم" الذي جاء مسرعًا قبل أن يتهور ابن عمه، ففعل شيئًا شنيعًا.
تحدث "مراد" والشرر يتطاير من عينيه فقال غاضبًا:
- أبعد يا أدهم، خليني أخلص على الحيوان ده.
صاح "أدهم" بغضب مماثل:
- أنت عايز تودي نفسك في داهية علشان كلب زي دا ميسواش تعريفه.. اهدى كدا.
ثم وجه نظره إلى شقيقته وقد انتفخت أوداجه غضبًا. ليقترب نحوها بخطوات متواعدة. ارتجفت "رحيل" ارتجافًا، فاشاحت وجهها عنه خوفًا من تلك النظرات المخيفة. فسرت قشعريرة بجسدها من الخوف والهلع. فحست بأن أنفاسها تضيق على صدرها من أثر ذلك. وددت لو أن روحها تفيض بها الآن إلى ربها، فتلك النظرة التي شاهدتها بأعينهم كانت كفيلة بتدميرها نفسيًا قبل أن تكن جسديًا.
بعد مدة ولجوا إلى القصر. فقام "أدهم" بدفع شقيقته أرضًا في غرفة المعيشة أمام العائلة. نهض "سليم" من مكانه وقال غاضبًا:
- أنت اتجننت! أزاي تعمل كدا في أختك.
تحدث "أدهم" بغضب وهو يتوعد لها:
- اسأل المحترمة جايبها منين. ثم أطبق يده على خصلاتها فتألمت بشدة، فأضاف قائلاً:
- قوليله يا هانم... قولي لأبوكي إننا جبناكي من شقة وكنتي مع واحد ومتجوزاه عرفي.
ثم دفعها مجددًا بعيدًا عنه. فركضت إليها صديقتها "نور" لتحتويها بين ذراعيها. فكانت "رحيل" تبكي حزنًا. فقال والدها منصدماً:
- أنت كداب، رحيل عمرها ما تعمل كدا. أنت إزاي تتهم أختك بالشكل ده وتمد إيدك عليها.
تفوه "أدهم" بنبرة حزينة:
- أنا لو أطول أقتلها كنت قتلتها بسبب العملة الوسخة دي.
أردفت "رحيل" بنبرة خائفة فقالت ببكاء نافية:
- والله ما عملت حاجة يا بابا، أنا معرفش روحت هناك إزاي، أنا بجد مش فاكرة حاجة، صدقني.
تحدث هذه المرة ذاك "المراد" بلهجة تحمل قدرًا من القهر والحسرة:
- بطلي كدب، أنا شوفتك بعيني وأنتي في حضنه وورق الجواز العرفي أهي.
مد يده إلى عمه الذي انصدم حين قرأ ما بداخلها.
ثم نظر إليها بصدمة وخذلان:
- أنتي يا رحيل تعملي كدا؟ قصرت معاكي في إيه علشان تكسريني بالشكل ده.
أجابت عليه بكل حزن:
- بابا وحياتي عندك ما تصدق اللي حصل.
نهضت من مكانها واتجهت إلى أمها وهي تذرف الدموع فقالت ببكاء:
- ماما أرجوكي صدقيني أنا عمري ما أعمل كدا.
لم تجيبها، فنظرت إليها بقسوة جعلت قلب رحيل ينكسر بشدة، فقالت بخذلان:
- أنتم مش مصدقيني! بابا أرجوك رد عليا قول حاجة، أنا بنتك رحيل وحيدتك... إزاي محدش منكم مصدقني؟ دا أنا بنتكم حتى يا بابا.
رد سليم بألم ينخر صدره:
- للأسف أنا بنتي ماتت ومبقاش عندي غير ولادي أدهم ومازن وبس.
افتر ثغر رحيل منصدماً من حديثه، فشعرت بقهر وخذلان وحزن من عائلتها ومن أنهم لم يصدقوا حديثها ولا يثقون بها لهذه الدرجة. فاقت من شرودها على يد تجذبها بقوة، فكانت يد ذاك مراد الذي جذبها من شعرها وجرها على الدرج متجهًا بها إلى غرفتها، فصرخت بفزع منه، فصاحت مستنجدة بأبيها الذي تخلى عنها، فقالت بصريخ ممتزج بالبكاء:
- بابا ألحقني! خليه يبعد عني يا بابا، ابعد عني يا مرررراد! والله أنا مظلومة معملتش حاجة.
لما يبالي لأمرها، فكل ما يسيطر عليه الآن الغضب. حاولت أمه وأباه منعه لكنهم لا يقدرون عليه.
بينما سليم كان يستمع لصراخها بقلب منفطر، ولكنها أخطأت ويجب أن تتعاقب.
وفي هذا الأثناء شعر الجد بالتعب فجلس على الأريكة بإرهاق. ركضت نحوه نور وهي تقول بلهفة:
- جدو أنت كويس؟
انتبه الجميع لكلامها فأردف حمزة بقلق:
- نور اجري هاتي أدوية جدك بسرعة.
- حاضر.
في غرفتها قام مراد، دفعها بقوة على الأرض ثم دنا منها وأحكم قبضته على فكها وقال بغضب عارم:
- والله يا رحيل هخليكي تتمني الموت ومتلقيهوش، وحياة كسرة قلبي اللي أنا فيها والنار اللي قايدة جوايا ما هرحمك.
- مراد وحياة حبي عندك ما تأذنيش، أنا بجد معرفش أي حاجة من اللي حصلت دي، صدقني أنا بجد مش فاكرة حاجة.
- اخرسي مسمعش صوتك، وهتفضلي هنا محبوسة لحد ما تموتي.
وخرج مسرعًا وأغلق الباب خلفه حتى لا تخرج منه.
بينما هي مالت بجسدها على الباب وهي تقول بألم:
- لا يا مراد متسبنيش. فظلت تصرخ وتدق على الباب بكلتا يديها لكنه لم يستجيب إليها.
اقترب من العائلة وقال بلهجة أمر:
- محدش يفتح ليها باب أوضتها، ولو سمعت إن حد حاول ميلومش إلا نفسه، أنتم فاهمين.
وقفت نور أمام غرفة صديقتها محاولة فتح الباب ولكنه محكم بإقفال، فقالت بيأس وهي تبكي:
- رحيل حبيبتي، أنتي سمعاني؟ أنا نور.
- نور افتحيلي الباب أرجوكي، أنا عايزة أخرج من هنا.
- مش معايا المفتاح، قوليلي إيه اللي حصلك.
أجابتها الأخرى بأرهاق:
- أنا مش عارفة، كل اللي فكراه إني روحت أقابل الحيوان سامر علشان أنهي الموضوع وأقوله ابعد عني، لكن الزبالة خدني ع خوانة وشممني حاجة مخدرة ومحستش بعدها بحاجة غير وأنا بفوق. ثم أكملت بقهر ودموع:
- ولما صحيت لاقيته بيحاول يقرب مني، وفي اللحظة دي دخل مراد وبعدها حصل اللي حصل. نور أنتي مصدقاني صح؟
أردفت نور بحزن:
- آه يا روحي مصدقاكي، أنا هقولهم اللي حصل وهما هيعرفوا الحقيقة.
تفوهت رحيل بنبرة منكسرة:
- محدش هيصدقك، هما رفضوا يسمعوني.
- أنا هنزل وهحاول يا حبيبتي... ومتخافيش كل حاجة هتتصلح.
في غرفة المعيشة كان سليم يضع رأسه بين يديه وهو يقول:
- بنتي أنا تعمل كل ده؟ للدرجاتي هونت عليها إنها تفضحني.
جاءت نور وهي تقول:
- يعني أنت يا عمو مصدق إن رحيل تعمل كدا؟ إزاي وأنت أبوها والمفروض تكون عارف وواثق إنها من المستحيل تخون ثقتك فيها.
صاح بوجهها أدهم فقال غاضبًا:
- نووووور اخرسي بقا ومتدخليش فاللي ملكيش فيه.
- بس أنتم لازم تسمعوني! كل اللي حصل كان مجرد لعبة منهم.
امسك يديها بعنف ثم قال محذرًا:
- عارفة لو لمحتك بتحاولي تاني تجيبي سيرتها أو إنك بس حاولتِ تروحي عندها هعتبر كل حاجة مابينا.
ثم ابتعد عنها فبكت حزنًا من طريقته الفاذة.
في المساء
كانت تجلس وحيدة حزينة في غرفتها التي حبسها بها حبيبها، تضم ركبتها إلى صدرها، فقد تورمت من كثرة البكاء. تذكرت حديثهما، فهي لم تتوقع أن يظنوا بها ظن سوء هكذا. تجدد الدمع في مقلتها ثانيًا عندما وقعت كلمة أبيها عليها مجددًا. فهي الآن ميتة بالنسبة إليه، فكيف لأب مثله يتخلى عنها بتلك السهولة ولا حتى يصدقها. وبعد لحظات فتح باب غرفتها وولج منه مراد فقام بغلق الباب خلفه.
نظرت نحوه بهلع من هيئته المخيفة، فبدأ يقترب إليها بخطوات بطيئة، فأردفت رحيل بقلق:
- مراد أنت بتقرب ليه؟ لو سمحت ممكن تخرج، شكلك مخوفني.
لكنه اقترب منها أكثر ليجذبها إلى صدره العريض ليتنفس عنقها، فكان في حالة سكر لا يعي ما يفعله. فقالت هي ببكاء:
- مراد ابعد عني، أنت سكران مش في وعيك.
دفعها الآخر على الفراش ليقول بحدة:
- أنا هوريكى هعمل فيكي إيه.
نظرت إليه بصدمة وخوف، فلأول مرة تراه هكذا. ظلت تحرك رأسها بهستيرية والدموع تتساقط من عينيها، فقال هو بغضب:
- إيه بتعيطي؟ هو أنا لسه عملت حاجة؟ دا أنا هخليكي تعيطي بدل الدموع دم.
بدأ جسدها ينتفض بشدة من الخوف فتحدثت ببكاء:
- لا لا بلاش تكسرني يا مراد.
أنهت جملتها بصريخ حين دن منها.