تحميل رواية «هجران رحيل» PDF
بقلم شامة الشعراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ولجت الدادة لغرفة تلك الفتاة المتمردة حتى توقظها من نومها، فظلّت تُناديها بصوتٍ حنون يشبه صوت الأم الودودة، دنت منها وهى تقبل رأسها وقالت باسمة: "رحيل... رحيل يلا يابنتي قومي." أتاها صوت "رحيل" الناعسة: "بالله عليكي يادادة سبيني أنام نصايه كمان دا حتى لسه بدرى." أجابتها الأخرى وهى تنزع الغطاء من عليها قائلة: "ماينفعش كل العيلة مستنياكي على الفطار وبالأخص جدك رافض يأكل أى حاجة غير لما أنتى تيجى." نظرت إليها "رحيل" بكسل ثم جذبت الغطاء عليها وهى تقول بخمول: "أنا مش عايزة افطر أنا عايزة أنام." "يابن...
رواية هجران رحيل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شامة الشعراوي
بعد مرور مدة من الوقت نظرت بجانبها بحزن وقهر ودموع. وجدته نائم بهدوء تام بعد أن أخذ ما ليس من حقه. نهضت من فراشها بثقل لتبدل ثوبها بثوب آخر نظيف، وقد عزمت بداخلها على مغادرة هذا المنزل البغيض.
بعد لحظات، ولجت لغرفة جدها الذي فزع من رؤيتها بتلك الهيئة المخزية، فوجهه يملئه بقع حمراء من أثر الصفعات. فألمه قلبه حزنا عليها، فقام بفتح ذراعيه ليحتويها برفق ولين. فوصل لمسمعه صوت بكائها الحزين، ليرق قلبه رفقا بها، فقال بنبرة ممتزجة بالعطف والبكاء:
- مين اللي عمل فيكي كدا ياقلب جدو؟
رددت "رحيل" بشهقات متعالية:
- مراااااد.
مسد على شعرها بحنان ثم قال بنبرة قلقة:
- مراد! أبتعد عنها قليلا، ثم أضاف متسائلا:
- طب قوليلى ياحبيبتي هو عملك حاجة تانية؟
نظرت له بالإيجاب ثم بكت بحرقة فقالت:
- أنا مقدرتش ابعده عني، كان أقوى مني ياجدو. أنا حاولت بس معرفتش. هو كان بيضربني جامد لما كنت بحاول ابعده. هو كسرني باللي عمله. تعرف أنا قلبي دلوقتي بيوجعني أوي، حاسة كأن خنجر مطعون فيه، مش قادرة أتحمل وجعه.
صدم الجد من اعترافها، فقد كان يخشى حدوث ذلك. أغلق عينيه بقلة حيلة، فهو الآن متألم لألم حفيدته الصغيرة. فأتاه صوتها الباكي الراجي:
- جدو علشان خاطري مشينى من هنا، مش عايزة أشوف حد منهم تاني، عايزة ابعد عنهم، عايزة أنسى قسوتهم وظلمهم ليا. وخصوصا مراد، مراد اللي اعتدى عليا ومحاولش يسمعني ولا يصدقني إني معملتش حاجة. أنا ياجدو فعلا معرفش كنت هناك إزاي.
ثم أخذت تقص عليه ما حدث، فأنهت حديثها وهي تلتقط أنفاسها المتقاطعة:
- أنا عمري ما هسامحهم أبدا، عمري أبدا. حتى لو حطوا السيف على رقبتي، مستحيل أرجع لقسوتهم تاني.
- أنا مش هخليكي هنا ثانية واحدة بعد اللي حصل، وهحرم الكل من وجودك. أنا هاخدك وهمشي من هنا خالص، ومحدش هيعرفلنا طريق ولا مكان. وكل واحد منهم هيتحاسب، وأولهم مراد الزفت. وبعدك عنهم هيبقى عقاب ليهم.
نظرت إليه بأعين حمراء من أثر الدموع وهي تتحرى الصدق في حديثه فقالت:
- بجد ياجدو يعني هتمشيني من هنا؟
أجابها الجد بحنية:
- آه ياجدو، وكمان هكون معاكي. أنا لا يمكن أسيبك لوحدك مهما حصل.
ثم قام بضمها إليه مجددا ليهون عليها تلك الوقعة.
في الصباح
وضعت الدادة أطباق الإفطار على السفرة. هبط "مازن" من على الدرج وقام بشد المقعد ليجلس عليه وقال:
- صباح الخير يادادة.
- صباح النور يابني.
جاء "هشام" وجلس بجانبه وهتف بمرح:
- صباح الخير ياجماعة.
مازن:
- صباح النور.
- أمال فين العيلة، هو محدش منهم صحي ولا إيه!
أردف "مازن" متعجبا:
- دي أول مرة تحصل إنهم يتأخروا كدا عالإفطار، وحتى لما جينا امبارح كان الكل نايم بدري.
تفوه "هشام" قائلا:
- غريبة، هي العيلة دي اتجننت ولا إيه، هما كل شوية بحالة.
تفوه "مازن" متسائلا:
- دادة، هو في حاجة حصلت وإحنا مش موجودين؟
أردفت "سعاد" بحزن:
- هو إنتوا معرفتوش اللي حصل امبارح؟
نظر إليها "مازن" بقلق:
- لا، هو في إيه، قلقتيني.
أردف "هشام" بخوف:
- بالله عليك قوليلي إيه اللي حصل وليه إنتي بتعيطي.
فقامت هي بقص عليهم ما حدث ليلة الأمس تحت صدمتهم ودهشتهم.
استيقظ "مراد" من غفلته ليضع يده على مقدمة رأسه التي تؤلمه بشدة. فنظر حوله متعجبا لغاية ما بدأ يستوعب أين يوجد. فبدأت الذكريات تدهمه رويدا رويدا. ففزع من مكانه وهو يلتقط ملابسه ليرتديها مسرعا وهو يردد بقلق:
- مستحيل يكون اللي في بالي حصل.
اختلس نظرة نحو الفراش فصدم مما رأى. فقال خوفا على محبوبته:
- أنا مستحيل أكون أذيت رحيل، لا مستحيل.
ولكنه تذكر بعض المشاهد له وهو يسلب الفتاة روحها. فتقطرت الدمع على وجنتيه بغزارة. فقال نادما:
- أنا أذيتها، إزاي عملت كدا فيها؟ أنا أذيتها جامد وعمرها ما هتسامحني، لازم أشوفها وأتكلم معاها.
خرج من الغرفة باحثا عنها ليجد والدته توقفه قائلة:
- مراد، في إيه وشكلك متبهدل كدا ليه؟
- رحيل ياماما، ماشوفتهاش.
تحدثت "حنان" بضيق من تصرفاته:
- لا، ما إنت حبسها في أوضتها.
- مش في أوضتها ومعرفش هي فين.
جاء الجميع على صوته العالي. فتسأل والده:
- في إيه يا مراد، بتزعق ليه؟
رددت "حنان" قائلة:
- رحيل، محدش منكم شافها.
تحدث "سليم" بقلق:
- لا.
حمزة:
- يا جماعة، ممكن تهدوا، هتلاقوها عند بابا.
ذهب مراد مسرعا إلى غرفة جده وهم خلفه. فوجد الباب موارب فولج للداخل. فراى الغرفة فارغة. وحين ذهابه وقع بصره على الطاولة ليجد ورقة موضوعة عليها. فقام بفتحها بأيد مرتعشة ليقرأ محتواها بندم وحزن.
اقترب إليه "أدهم" ليتسأل:
- مراد، إيه اللي موجود في الورقة؟
أعطاه إياها ثم غادر الغرفة. فقال "حمزة":
- ماحد منكم يقول، في إيه؟
أجابه "أدهم" بضيق:
- جدي خد رحيل ومشي. وقال محدش منكم يدور علينا. وقال اعتبروني ميت زي ما سليم اعتبر بنته ميتة.
نظر الجميع إليه ومعالم الصدمة والحزن تعتلي وجوههما. ثوان وسمعوا صوت عال يأتي من الأسفل. فوجدوا "مازن" يصيح غاضبا بعد ما علم بما حدث لشقيقته.
اقترب "أدهم" من شقيقه وهو يقول:
- في إيه يا مازن؟
صاح الآخر بصوت مرتفع نسبيا فقال غاضبا:
- هو إيه اللي فيه إيه يا برودك يا أخي، إنت مش حاسس بالقرف اللي عملته إنت والبيه التاني؟
تحدث "سليم" بحدة محذرا:
- مازن، صوتك، إنت اتجننت؟
- أنا اللي اتجننت ولا إنتوا؟ وبعدين هو تصرفكم دا تصرف ناس عاقلة.
غضب "سليم" من نبرة صوته العالية فقام بصفعه على وجهه. فأمسكه "حمزة" وقال:
- ممكن تهدوا، الأمور ما تتحلش بالطريقة دي.
بينما "مازن" شد مفرش السفرة بكل ما عليه ليوقعه أرضا. ثم تحدث ببكاء:
- أنا مش عارف إنت إزاي كدا، إزاي تصدق إن بنتك ممكن تعمل حاجة زي دي؟ أنا ماشي، لا يمكن أقعد معاكم هنا لحظة واحدة وتؤام روحي بعيد عني.
تفوهت "حنان" بقلق:
- هشام، روح شوف أخوك المجنون ومتسبهوش لوحده.
- حاضر ياعمتو.
بعد عدة ساعات.
أردف "حمزة" فقال بيأس:
- أنا سألت كل معارفنا ومحدش يعرف عنهم حاجة.
رد "سليم" بتعب وارهاق:
- وأنا بردو دورت في كل حتة نعرفها أو أي مكان يكونوا فيه ملقتهمش.
تحدثت "صفا" بحزن ولأول مرة يظهر عليها:
- مش عارفة ليه عمي عمل كدا.
ربتت "حنان" على يديها فقالت مواسية:
- متقلقوش يا جماعة، بإذن الله هيرجع. هو ورحيل، ما إنتوا عارفين قد إيه بابا متعلق بيها ومابيحبش يشوفها زعلانة. واللي حصل امبارح خلاه يتعب، عشان كدا هتلاقيه قرر إنه ياخدها ويبعد شوية لحد ما تهدوا ورحيل كمان تهدى، ماهو اللي حصل مكنش سهل بردو عليها.
نهضت "سليم" من على الأريكة بجسد مجهد:
- أنا هقوم أرتاح شوية، ولو في أي جديد يا حمزة قولي.
- حاضر، روح ارتاح إنت بس وماتقلقش.
بينما "مراد" كان يقف بجانب النافذة وقد بدأت معالم الحزن والتعب على وجهه. جاء نحوه "أدهم" وهو يقول بقلة حيلة:
- أنا خليت كل رجالتنا تقلب الدنيا عليهم.
أومأ رأسه بهدوء تام ليشرد عقله مجددا في هذه الفتاة التي أذاها إلى حد لا يغتفر.
وفي هذا الأثناء جاءت "ندى" من الخارج لتقترب من صديقتها "نور" التي تبكي في صمت:
- ندى، كويس إنك جيتي، أنا محتاجاكي أوي.
- أنا جنبك ياحبيبتي، اهدى. وبعدين أنا جاية أقولكم على حاجة مهمة.
عندما التفت "مراد" رآها جالسة بجانب شقيقته فاقترب منها بلهفة وقال:
- إنتي عارفة مكانها ياندي؟
أجابته "ندى" بحزن:
- للأسف لا، أنا جاية أقولكم ع اللي عرفته من صديقة مرام المقربة.
- إيه اللي عرفتيه؟
- صديقة مرام سمعتها بتتكلم في التليفون وخلاصة الموضوع يعني إن هي كانت متفقة مع سامر إن هما يعملوا كدا في رحيل. وهو أساسا خدرها وخطفها. وورقة الجواز العرفي دي أصلًا مزورة. وهما عملوا كدا عشان يكسروها ويصوروها وياخدوا منها فلوس بعد كدا أو إن هما يفضحوها لو معملتش اللي هما عايزينه. دا كل اللي هي سمعته وقالتله ليا. أنا عارفة إن مرام طول عمرها بتغير وبتحقد ع رحيل، بس مش لدرجة إن هي تفكر تأذيها بالشكل البشع ده.
تفوهت "حنان" بصدمة:
- معقولة، هو في لسه بنات بالشكل دا؟ وبتأذي صحبتها بالطريقة دي؟
صاحت "نور" بغضب:
- والله لوريها الزبالة الحقيرة وهعرفها إزاي تأذي حد من عيلتي. دا أنا هخلي سيرتها الوسخة تبقى ع كل لسان.
جاءت أن تذهب كي تلقنها درس، ولكن منعها "أدهم" الذي جذبها نحوه بقوة:
- إنتي رايحة فين ياهانم، الحكاية مش ناقصة هي.
دفعته بعيدا عنها، ليكمل حديثه بضجر:
- نور، ردي عليا زي ما بكلمك.
نظرت باتجاهه بأعين باكية ثم صرخت بوجهه قائلة بحزن:
- أبعد عني وإياك تقرب مني أو تكلمني. أنا بسبب تهورك إنت ومراد رحيل مشيت وسابتني. أنا بسببكم خسرتها. هي بالنسبالي مش مجرد بنت عمي وخلاص. لا دي صحبتي وأختي وكل حاجة حلوة في حياتي. بسببكم الإنسانة الوحيدة اللي بتفهمني ودايما بتقف جمبي بعدت خالص عني، ويعلم هشوفها تاني ولا لأ.
ثم رفعت سبابتها في وجهه وقالت بحده:
- تقدر تقولي يا أستاذ إنت عملت إيه لأختك حلو؟ ياترى كنت بتسأل عليها زي ما بتسأل عليك؟ ياترى كنت بتسمعها زي ما كانت بتسمعك وتفهمها زي ما كانت بتفهمك؟ تقدر تقولي إنت إمتى آخر مرة سألتها إذا كان في حاجة مزعلاها أو مديقاها أو إن هي موجوعة من حاجة؟ تقدر تجاوب؟ طبعًا متقدرش. لأن ولا حاجة من دول إنت عملتها أو أي حد منكم عاملها. برغم إنها كانت بتحتاجكم ومش بتلاقوكم، بس وقت لما تحس إن حد فيكم فيه أي حاجة أو محتاج مساعدة أو حتى دفعة قوية في حياته، كنتم بتلاقوها واقفة معاكم وفي ضهركم. تعرف ع طول كنت أسمع مرات عمي تقول إن هي مدلعة وإن كل حاجة موجودة عندها وطلباتها كلها مجابة. تعرف إن دا ولا له لازمة. هو إنتوا كدا لما بتقدموا ليها الحاجات دي يبقى كدا عملتوا اللي عليكم وزيادة كمان. مع إن دا ولا كان يفرق مع رحيل خالص قد ما كان بيفرق معاها بأنكم تهتموا بيها وتحتوها. ثم نظرت لزوجة عمها لتكمل بحزن:
- مش أبقى قاسية عليها ياعمتو، وإنت يا أدهم أقدر أقولك دلوقتي برافو عليك. إنت باللي عملته خسرت أختك الوحيدة اللي كانت سند ليك. وإنت كمان يا مراد برافو عليك خسرت حبيبتك. إنت عارف إن هي كانت امبارح قبل ما تخرج من البيت كلمتني وقالتلي النهاردة يانور هعترف لمراد إني بحبه. وكانت هتوافق ع عرض الجواز اللي إنت عرضته عليها وكانت فرحانة.
أنهت جملتها وهي تصفق عاليا. ثم أضافت بنبرة ساخرة:
- بس بجد برافو عليكم كلكم. أقدر أهنيكم بخسرتكم لرحيل وإن هي عمرها ما هتسامح حد فيكم أبدًا حتى لو بيموت قدامها. إحنا كل اللي بنحتاجه من أهلنا شوية حب وحنية واهتمام وحضن وطبطبة علينا وقت تعبنا ووجعنا. إحنا مش عايزين غير احتواء منكم وقت ضعفنا. ومن إنكم تسمعونا وتحسسونا بالأمان وقت ما نخاف. وإنكم تثقوا شوية فينا. ودا رحيل اللي كانت محتاجاه منكم وبالذات امبارح كانت محتاجة إنكم تثقوا فيها وتصدقوها. بس حصل العكس. فهنيئا لكما جميعًا. ثم ركضت باتجاه غرفتها لتبكي على فراق جدها وصديقتها.
كان الجميع في حالة ذهول من حديث تلك الفتاة التي تركت أثر مؤلم بداخل صدورهم. فوضع "سليم" يديه على موضع قلبه ليشعر بوخزة عنيفة جعلته يسقط أرضا. هرول إليه "أدهم" ليقول بخوف:
- بابا، مالك؟ حد يتصل بالدكتور.
بعد لحظات خرج الطبيب من الغرفة.
فأردف حمزة متسائلاً:
- طمني يا دكتور.
- اهدوا يا جماعة، هو كويس جداً بس اتعرض لضغط جامد. أنصحكم إنكم تحاولوا تبعدوه عن أي مشاكل أو إنه يتعرض لزعل علشان صحته متتعبش.
أدهم:
- تمام يا دكتور، شكراً لحضرتك.
الطبيب:
- على إيه، هي دي واجبي. عن إذنكم.
فلما دخلوا إليه تحدث سليم بحزن:
- أنا عايز بنتي.
رد حمزة فقال:
- اهدى يا حبيبي علشان ما تتعبش.
سليم:
- لا مش ههدا طول ما بنتي بعيد عني. أرجوكم خلوها ترجع. هي وبابا مش هقدر على فراقهم.
جلست صفا بجانب زوجها وهي تشعر بالقهر ينهش روحها فقالت ببكاء مرير:
- هترجع، هي بس زعلانة مننا شوية بس هترجع أكيد.
اقترب أدهم بحزن من والده ليقبل يده ثم قال:
- أوعدك إني هعمل المستحيل علشان أرجعها، حتى لو هيبقى فيها موتى.
دنا مازن نحوه ليضمه برفق وهو يقول ببكاء، معتذراً:
- بابا، أنا آسف.
ربت سليم على ظهره بمواساة وقال بألم داخلي:
- أنا اللي آسف يا ابني. عارف إني قصرت في حقكم أوي وفي حق أختك رحيل لما موثقتش فيها ولا حتى حاولت أديها فرصة تدافع عن نفسها. سامحوني.
تحدث حمزة بهدوء ليحثهم على المغادرة:
- يلا يا جماعة خلينا نخرج ونسيبه يرتاح شوية. وحاول يا سليم ترتاح وما ترهقش نفسك بالتفكير يا أخويا.
بعد خروجهما، جذب سليم زوجته إلى صدره ليضمها برفق ثم قال بنبرة أشبه بالبكاء:
- تفتكري بنتنا هتسامحنا يا صفا؟
أجابته صفا بحزن وندم وكسرة:
- مش عارفة. هي بس ترجع وأنا هعمل لها كل حاجة تطلبها مني علشان تسامحني. ثم أكملت ببكاء:
- أنا كنت قاسية عليها أوي يا سليم وكنت على طول بجرحها بكلامي. حتى لما كنت بشوف دموعها كنت بقسي قلبي عليها. كنت فاكرة إن ده الصح وإني كده بربيها. أنا كنت وحشة معاها وكنت بقلل منها قدام أي حد. أنا وجعت بنتي كتير بكلامي. أنا يا سليم كسرت نفسها. أنا جوايا قهرة بتوجعني على بنتي اللي ضاعت بسببى. مش قادرة أنسى نظرتها ليا لما حسّت بخذلان مني. حسيت إنها اتدمرت وقلبها وجعها وأنا كل ده كنت بحاول أتغاضى عنه وأقسى عليها أكتر. أنا فعلاً طلعت أم مستهلةش حتى إني أشيل كلمة الأمومة. أنا مستهلةش ضفر رجليها حتى.
قامت بدس نفسها أكثر بين أحضان زوجها ليبكوا معاً على فراق فلذة قلبهما.
بعد يومين وتحديداً في مخزن القصر.
كان سامر ملقى على الأرض، ينظر باتجاه ذاك المراد الغاضب الذي كان يشمر ساعده، ثم قال بنبرة شرسة:
- ده أنت أمك داعية عليك لأنك وقعت في إيد ما بترحم.
دنا منه ليجذبه من طرف قميصه بعنف وهو يقول بنبرة غضب عارم:
- بقى أنت يا روحمك كنت عايز تلمس حاجة مش بتاعتك وبعد كده تصورها. أنهى جملته وهو يلكمه بقوة على وجهه الذي أصبح مليئاً بالكدمات الزرقاء. لينقض عليه بضربات متتالية بعد ما فقد صوابه وقدرته في التحكم بذاته. فبدأ الآخر تخور قواه. بينما مراد قام بدفعه إلى الحائط وهو يضع يده على عنقه ليرفع جسده من على الأرض قليلاً ليقول بانفعال:
- ده أنا هموتك يا كلب وبعدها هرميك لكلاب السكك تنهش فيك.
وفي هذا الأثناء ولج هشام إليه الذي اندهش من هذا المنظر. هرول نحوهما محاولاً تخليص الرجل من قبضة ذاك الثائر:
- ابعد يا مراد، حرام عليك. الراجل هيموت في إيدك.
مراد:
- أنا لازم أموته الحيوان ده.
بعد ما أنقذه من بين يديه قال معاتباً:
- حرام عليك، أنت عايز تودي نفسك في داهية.
نظر إليه مراد بحزن وهو يتذكر هيئة محبوبته المخزية ليقول بألم يعصف قلبه:
- أنا بسببه دمرت رحيل. بسبب الندل ده أنا كسرتها.
جلس على الأرض ليبكي قهراً مما فعله في تلك المسكينة التي لا حول لها، ليقول داعياً:
- يا رب أنا ماليش غيرك. عارف اللي عملته كان صعب ومستحيل يتغفرلي. يا رب نجيني من الهم والحزن اللي أنا فيه ورجعها ليا وأنا والله هعمل كل اللي هتقولي عليه وهعمل المستحيل عشان ترضى عني. أنا والله مش هقدر أستحمل بعدها عني. عارف إني غلطان وغلطان أوي كمان. أنا وقتها مكنتش في وعي فيا رب رجعها وأنا هتسحمل أي عقاب منها إلا بعدها عني.
بعد مرور شهرين ونصف.
كان مازن جالس بمكتبه ينظر إلى صورة شقيقته الموضوعة عليه لتدمع عيناه على فراق تؤامه. ولجت إليه ندى التي قالت بلطافة:
- مازن، أنت كويس؟
مازن:
- لا يا ندى مش كويس. أنا قلبي محروق على أختي. أنتي متعرفيش قد إيه هي وحشتني ونفسي أشوفها.
ندى:
- وهي كمان وحشتني أوي، بس هي هترجع.
مازن:
- مش عارف إزاي هان عليها تسيب مازن تؤامها وروحها. تعرفي أنا حاسس إن فيها حاجة وتعبانة، لأن أنا لما هي بتتعب بتعب معاها، ولما بتكون فرحانة ببقى فرحان، ولما بتكون زعلانة بتلاقيني زعلان زيها. طلع فعلاً زي ما بيقولوا إن التؤام بيحسوا ببعض وأنا حاسس بيها عشان كده أنا موجوع لأن هي موجوعة.
وضع كلتا يديه على وجهه لينفجر بالبكاء كالأطفال، فقامت الأخرى بوضع يديها على ذراعيه لتهدئه، ولكنها بكت معه.
في منزل يقع وسط دولة ألمانيا.
كانت تجلس رحيل على الأرجوحة تنظر في اللاشيء حولها بوجه باهت مائل إلى الشحوب وكأنها أوشكت على مفارقة الحياة. كانت دوماً في حالة شرود تام. بينما الجد كان يتابعها بصمت حزين على ما أصابها. فقد فعل ما بوسعه تلك الفترة حتى يخرجها مما هي فيه.
ثوانٍ وتقدم نحوهم رجل ليردف باسماً:
- صباح الخير يا عمي.
الجد:
- صباح النور.
جلس قاسم بجانبه ثم وجه حديثه لتلك الفتاة:
- إيه يا ست رحيل مش ناوية بقى تعملي لنا فنجانين قهوة من إيدك الحلوة دي.
نهضت من مكانها وهي تقول بارق:
- حاضر يا عمو هقوم أعملكم.
عندما ذهبت إلى الداخل تحدث قاسم قائلاً:
- هي هتفضل كده؟ أنا شايفها على طول ساكتة وشارده.
أجابه الجد بحزن:
- والله يا ابني أنا مبقتش عارف أعمل إيه عشان أخرجها من اللي هي فيه. أنا قلبي بيوجعني عليها.
قاسم:
- عارف إن اللي حصلها يا عمي مكنش سهل وهياخد وقت لحد ما تتخطاه، بس إحنا معاها دايماً وهنحاول نخرجها من حزنها ومش هسيبها كده مهما حصل. دي زي بنتي.
الجد:
- والله يا ابني أنا حابب أشكرك على اللي عملته معايا يا قاسم وإن أنت فتحت بيتك ليا ولرحيل. وكنت عايز منك خدمة تانية معلش ممكن تشوف لنا بيت تاني عشان نبقى نقعد فيه. عارف إني تقلّت عليك يا ابني في حقك عليا.
أردف قاسم معاتباً:
- ليه بس كده يا عمي تزعلني منك؟ ده البيت بيتكم وأنتم منورني، وبعدين أنا لا يمكن أخليك تمشي من هنا.
الجد:
- يا حبيبي مينفعش. إحنا بقالنا شهرين قاعدين عندكم وكده...
قاطع الآخر حديثه قائلاً:
- بعد إذنك يا عمي متكملش كلامك. أنا اللي عندي قلته ومش هتمشوا من هنا. وبعدين حضرتك أنا بعتبرك أبويا. ده أنت من ريحة الحبايب. ده بابا كان دايماً بيعزك وبيحبك أوي. وقبل ما يموت وصاني عليك وقال لي دا صديق عمري. بس حضرتك عارف إن السنين اللي فاتت مقدرتش أنزل مصر بسبب شغلي وأجي أشوفك. فارجوك تسامحني على تقصيري معاك.
ربت الجد على يديه ثم قال باسماً:
- عمرك ما قصرت يا قاسم وكفاية إنك كنت يا ابني بتتصل عليا على طول. والله أبوك مكنش بس صاحبي، ده كان أخويا. ربنا يرحمه ويغفر له.
الجد:
- يا رب يا عمي.
جاءت رحيل وقدمت إليهما أكواب القهوة، فأردف قاسم شاكراً:
- شكراً يا حبيبتي تسلم إيدك.
رددت عليه بتعب قائلة:
- بالف هنا.
جاء إليهما شاب وسيم بشعر أسود متثاقل، ليرفع نظراته قليلاً وهو يقول باسماً:
- ريري صباح الورد عليكي يا جميل.
رحيل:
- صباح النور يا مروان.
مروان:
- يلا قومي.
نظرت إليه بوجه مجهد لتقول متسائلة:
- أقوم ليه.
تبسم الآخر ثم قال بود:
- هتقومي كده زي الشاطرة تغيري هدومك علشان هنخرج مع بعض.
تنفست الصعداء وقد بدأ عليها الإعياء فقالت:
- مش قادرة والله يا مروان خليها وقت تاني أكون فايقة.
جلس مروان بجانبها ليتفحص جبينها فقال بنبرة قلقة:
- إنتي كويسة يا حبيبتي؟ بس مفيش سخونية؟ طب في حاجة بتوجعك؟
أجابته بنبرة متثاقلة وهي تشعر بأنها ستفقد الوعي فقالت:
- لا بس حاسة بإرهاق. أنا هقوم أرتاح شوية في أوضتي.
تحدث الجد:
- طب يلا قومي ارتاحي ولو حسيتي بأي تعب ناديني عليا.
أومات رأسها بالإيجاب ثم همت على الذهاب وهي تجر رجليها جراً، كل هذا تحت نظرات مروان القلقة فهو يشعر بأن به شيء.
لحظات وسقطت أمامهم مغشياً عليها. ذهب الآخر إليها وحملها بين يديه سريعاً.
نهض الجد وقال خائفاً:
- رحيل بنتي.
أمسك قاسم يديه فقال بهدوء:
- اهدى يا عمي. خدها يا مروان لاوضتها لحد ما أتصل بالدكتورة هناء.
بعد ساعة خرجت الدكتورة هناء برفقة شقيقتها زوجة قاسم، الذي قالت:
- طمنيني عليها، هي كويسة؟
أردف مروان بقلق:
- مالك يا خالتي ساكتة ليه؟ هي رحيل مالها؟
تحدثت الدكتورة قائلة:
- رحيل حامل.
تفوّه الجد بصدمة:
- إيه حامل؟ مستحيل!
رواية هجران رحيل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شامة الشعراوي
كانت حبيسة غرفتها منذ يومين، فلما علمت بخبر حملها بكت بكاءً مريرًا حتى تورمت عيناها من الحزن، وامتنعت أيضًا عن الطعام والشراب حتى أوشكت على الهلاك.
مسد جدها على خصلاتها البرتقالية بحنان وهو يقول بلطف:
- رحيل يا حبيبتي كفاية عياط علشان خاطري.
تحدثت رحيل ببكاء:
- أنا لازم أنزل الطفل ده.
- بتقولي إيه؟ أنت اتجننتي؟
أردفت الأخرى بحزن:
- مستحيل أخلي الطفل ده يجي، أنا مش عايزاه يا جدو.
جاء قاسم فقال متحدثًا:
- ممكن يا بنتي تهدّي وتستغفري ربنا وبلاش تهور.
تفوه الجد ببعض من الحِدة:
- أنتِ عايزة تقتلي ابنك اللي لسه مجاش على وش الدنيا؟ أنا مش هسمحلك بأنك تجهضيه، فاهمة يا رحيل؟
أجهشت رحيل ببكاء:
- لا مش فاهمة، أنت نسيت يا جدو إنه جه نتيجة الاغتصاب، وإنه دايما هيفضل يفكّرني باللي مراد عمله فيا. أنا مش هقدر أستحمل دا كله ومش هقدر أستحمل إنه ييجي ويكون جزء من وجعي وحزني، وكل ما هشوفه قدامي هفضل أفتكر الظلم والكسرة اللي اتعرضت ليها. أنتم ليه مش حاسين بيا وإني موجوعة وإني مش هقدر أتقبل الطفل ده.
تحدث قاسم برزانة:
- عارف إن الأمر صعب عليكِ، بس الطفل اللي في بطنك مالهوش ذنب يا بنتي، وحرام إنك تجهضيه مدام مفيش أي ضرر عليكِ. أنا عايزك تهدّي كده وتفكري شوية مع نفسك بأنه ابنك، حتة من روحك، مالهوش ذنب في اللي حصل. ويمكن يكون هدية ليكي من ربنا عشان يفرحك ويسعدك وينسيكي وجعك. وكل اللي حصلك ده كان قدر ومكتوب لحكمة لا يعلمها إلا الله.
أنهى حديثه وهو ينهض من على الأريكة ليقترب نحوها، ثم عانقها برفق ليطبع قبلة على رأسها بحب أبوي، فقال:
- أنا هسيبك دلوقتي تريحي أعصابك يا حبيبتي، يلا يا عمي سيبها ترتاح شوية.
اتكأت على الفراش وهي تنظر لبطنها لتتساقط الدموع على وجنتيها. كانت حزينة مكتئبة في حالة يرثى لها. فأخذت تتحسر على ذاتها، فكل ما حدث لم يكن ذنبها، لتنخرط في البكاء مجددًا حتى أصابها النعاس.
ولجت ندى إلى مكتب مازن وهي تقترب باتجاهه. كانت تتغنى بشكل مضحك وتتأمل في مشيتها بطريقة أنثوية. في تلك الفترة أصبحت قريبة منه بشدة، وقد لاحظوا أن بينهما أشياء مشتركة، ومنها الهبل والهطل.
أشارت بسبابتها عليه وهي تتغنى بصوت رقيق:
- أنت الوحيد اللي فاهمني ودماغنا على نفس الموجة، وأنت الأصيل اللي فاضلي بعد ما صفصفت الهوجة.
ثم أكملت بصوت عالٍ:
- وأنت الوحييييييد.
ضحك مازن بأعلى صوته فقال:
- وحيد مين؟ الله يخربيتك افصلي.
جلست على طرف المكتب الخشبي وهي تشخشخ أساور يديها بدلع محبب، ثم قالت:
- ولو مفصلتش يا ميزو هتعمل إيه؟
تبسم مازن وهو ينظر إليها فقال مازحًا:
- ولا حاجة يا عسل، غير إن أنا وأنتي هننطرد من الشركة بسبب صوتك.
صاحت ندى بصوت مرتفع نسبيًا وهي ترفع يدها في الهواء فقالت منزعجة:
- وماله صوتي بقا يا عينيا؟ مش عاجبك ولا مش عاجبك؟
تحدث الآخر فقال مندهشًا:
- مالهوش، يا ساتر عليكِ، رداحة مالك كده؟ هو أنتِ اتحولتي ولا إيه؟ ثم أكمل بعد أن غمز بطرف عيناه:
- فين الأنوثة؟ فين الرقة؟
رفعت حاجبها الأيسر ثم قالت بدلال:
- رقة ماتت يا عينيا.
ضرب كف على كف ثم قال بقلة حيلة:
- الله يرحمك يا رقة يا بنت أم رقة. أنا عارف إن هي مش هتهدى ولا هترتاح غير لما تشوفني متشعلق على باب الشركة.
ثم جذب كأس الماء حتى يشرب، فقالت هي برقة:
- ومين بس اللي يا قدر يعمل كدا في ميزو صاحبي الانتيم؟
فزعت من مكانها من ذلك الصوت الذي أتى من خلفها قائلًا:
- أنا يا حيلتها.
استدارت سريعا بعد ما عرفت صاحب الصوت، فكان مراد الذي أكمل حديثه:
- أنا اللي هعمل كدا فيه وفيكي إن شاء الله.
بخ مازن الماء في وجهها من هول صدمته، فقالت منفزعة:
- يا حيوان والله لا أوريك يا مازن الزفت.
- اللي عندك اعمليه يا أم شبر ونص.
تحدث مراد بملامح جامدة:
- خلصتوا خلاص؟
فقام برمي بعض الملفات على المكتب ثم قال بلهجة أمر:
- قدامكم ساعة والاقي الملفات دي خلصانة وع مكتبي، فاهمين؟ ولو لقيت غلطة صغيرة بس هيبقى يومكم أسود شبه اللون اللي لابسينه دا. وأقسم برب العزة لو كلامي ماتنفذش هعلقكم فعلاً على باب الشركة.
ثم غادر وتركهم في صدمتهم.
أردف مازن مندهشًا:
- هو قال إيه؟
رددت ندى بخوف:
- ينهار أسود، دا بيقول إنه هيعلقني على باب الشركة، وربنا مجنون ويعملها. مازن كفاية لعب لحد كدا، إحنا مفيش قدامنا إلا ساعة واحدة، يلا خلينا نخلص بدل ما يجي يخلص علينا.
- يلا يا أختي، ياللي جايبالنا الكلام.
بعد ساعة، مال مازن بجسده على المقعد ثم قال:
- ياااه، أخيرًا الواحد خلص، دا أنا ضهري واجعني بشكل.
أردفت ندى بنبرة ساخرة:
- على أساس إنك اشتغلت أصلاً، دا أنت سايب كل تعديلات الملفات عليا وقاعد تتفرج ومبتحملش حاجة غير إنك تتريق وبس.
- يابت، ما أنا كنت بشجعك وبسليكي.
- هو أنا بنت أختك وأنت قاعد بتشجعني؟ أنا قايمة أمشي، مش ناقصة شلل هي. وابقى قوم رجّع الملفات لمراد واعمل حاجة مفيدة بدل ما أنت مش لاقي حاجة تعملها.
تفوه مازن بمرح:
- مالك يا نادوش؟ شكلك زعلان عشان خليتك تعملي الملفات لوحدك.
ربعت كلتا يديها ثم قالت متذمرة:
- تعرف إنك بارد ومستفز ورخم كمان.
- خلاص يا ستي، متزعليش نفسك، تعالي أعزمك على حاجة نشربها في الكافيه اللي جنب الشركة، أي رأيك؟
نظرت إليه بتفكير ثم قالت باسمة:
- امممم، خلاص ماشي، اللي ييجي منك أحسن منك.
تبسم ثغره بسعادة فقام بأخذ أغراضه وهو يقول بلطف:
- يلا بينا نروح نودي الملفات وبعدها نخرج.
في قصر عائلة الألفي.
قامت نور بوضع الكتاب على المنضدة، لقد راودها شعور الملل واليأس معًا. فخرجت من الغرفة لتتجه إلى الحديقة لتستنشق بعض الهواء. وأثناء سيرها تفاجئت بوجود أدهم أمامها. نظرت إليه بنظرات معاتبة. فلما جاءت لتكمل سيرها أوقفها قائلًا:
- نور ممكن أتكلم معاكي شوية.
رددت نور بجمود:
- إحنا مفيش ما بينا كلام يا أدهم.
- ليه يا نور؟
أردفت بسخرية:
- أنت نسيت إنك نهيت كل حاجة ما بينا.
- أنا منستش، ووقتها كنت متعصب لما قولت كدا. أنا بقالي شهرين بحاول معاكي وأنتي مش راضية تسامحيني.
- أدهم أنا مش عايزة أتكلم أو أتعامل معاك، أنت فاهم.
مسك راحت يدها بلين وتحدث برجاء:
- نور يا حبيبتي اسمعيني، أنا بجد بحبك ومقدرش على بعدك، كفاية قوي لحد كدا.
خاطبته نور بتهكم قائلة:
- ومين اللي كان السبب في كدا؟ مش أنت يا أستاذ؟ أنت سبب في كل حاجة حصلت لحد دلوقتي. أنت اللي تخليت عني زي ما تخليت عن أختك وقت ما كانت محتاجاك وبتترجاك تسمعها. إزاي دلوقتي جاي تطلب مني أسمعك؟
أردف أدهم بيأس:
- أنا ساعتها مكنش قصدي باللي فهمتيه، أنا متخليتش عنك ساعتها.
ثم أكمل بحزن وقد انخرط في البكاء:
- نور أرجوكي كفاية، أنا تعبان ومخنوق. أنتِ فاكراني مبسوط في حياتي؟ أنا من ساعة ما رحيل مشيت وأنا موجوع بسبب اللي عملته معاها، وأنتي جيتي زودتي عليا التعب. أنا عارف إني متهور وغلطان أوي في حقك وفى حق أختي أكتر. أنا ظلمتها وقسيت عليها بدل ما أبقى الأخ الحنين والسند ليها والأمان. أنا قلبي بيوجعني كل ما بفتكرها وأنا ماسكها من شعرها وبضربها ودموعها نازلة بضعف، بحس بالقهر جوايا. هي ماكنتش تستاهل مني القسوة دي. أختي نور عيني، ماكنتش تستاهل من أخوها المعاملة البشعة دي أبدًا أبدًا يا نور.
تركها وذهب من أمامها لتنظر لأثره بحزن، فبكت متأثرة بحديثه، فهي لأول مرة تراه يبكي بضعف وقلة حيلة بهذا الشكل.
في غرفة "صفا" التي عكفت بداخلها منذ غياب ابنتها، فقد بدأت في حالة يرثى لها من كثرة الحزن وشدة الندم. انخرطت في بكاء مرير حين تذكرت بعض الذكريات التي جمعتها مع طفلتها الوحيدة. جاء إليها زوجها ليعانقها بحزن، فأتاه صوتها الضعيف:
- أنا عايزة بنتي ياسليم، أنا عيزاها ترجع تاني، هي وحشتني أوي.
- اعملوا أي حاجة ورجعوها ليا تاني علشان خاطري، اعمل أي حاجة ورجعلي بنتي.
- اهدى ياحبيبتي علشان خاطري، أنا هعمل المستحيل علشان ترجع لحضننا.
أردفت "صفا" بندم وشوق:
- أيوه رجعها، دا الكل زعلان من بعد ما هي مشيت، لو بتحبني بجد حاول تدور عليها ورجعها.
تفوه "سليم" بألم:
- والله أنا من ساعتها بدور عليها لحد دلوقتي، بس مش هيأس وهفضل أدور، أوعدك بده.
كان الجد يأخذ الصالون ذهابًا وإيابًا من شدة القلق، فقد غادرت حفيدته المنزل دون علم أحد. فقاموا بالبحث عنها في عدة أماكن فلم يجدوها. لحظات ودلف "مروان" إليهم، فسأله والده:
- لقيتها يامروان.
أجابه "مروان" بيأس:
- لا يابابا، دورت عليها وملقتش ليها أي أثر.
أردف الجد بخوف:
- ياربى هتكون راحت فين بس.
بعد لحظات ولجت "رحيل" بملامح يكسوها التعب والحزن، فاقترب منها "مروان" الذي قال بلهفة:
- حبيبتي أنتي كويسة؟ احنا خوفنا عليكي.
تحدث الجد بحنية:
- كنتي فين؟ قلقتيني عليكي ليه بس كدا يارحيل؟ أنتي عايزة توجعي قلبي عليكي.
تفوه "قاسم" متسائلاً:
- رحيل هو أنتي روحتي المستشفى صح؟
الجد:
- مستشفى إيه؟ اوعي تكوني روحتي تنزلي البيبي.
رفعت بصرها إليه ثم قالت:
- أنا فعلاً كنت في المستشفى علشان أنزله، بس للأسف مقدرتش، لأن أنا مكنتش هقتل روح واحدة بس، أنا كنت هقتل روحين.
تحدث الجد بعدم فهم:
- أنا مش فاهم انتي قصدك إيه بروحين.
أجابته "رحيل" في تأثر وحزن وهي تعانقه، ثم أجهشت في البكاء وقالت بألم:
- أنا لما جت الدكتورة تكشف عليا وتعملي الفحوصات علشان العملية، اكتشفت أني حامل في تؤام، فلما عرفت أن في طفلين جوايا مقدرتش أعمل العملية، قلبي مطوعنيش أقتل ولادي. والله ماقدرت، مقدرتش أقتل جزء من روحي.
ظل الجد يربت على شعرها ليهمس لها بكلمات حنونة كي تهدأ.
كانت جالسة على الفراش تنظر في تلك الصورة التي طبعتها لها الطبيبة للجنين. فقامت بوضع يديها على بطنها لتشعر بوجودهما، فتحدثت بنبرة مختنقة بالبكاء وقالت معتذرة:
- متزعلوش مني، أنا عارفة أن ملكمش ذنب في اللي حصل. أنا مش زعلانه على وجودكم، أنا زعلانه بسبب الطريقة اللي أنتم جيتوا بيها. أنا كنت مخططة لما اتجوز أبوكم ويحصل حمل إزاي هفاجئه بيكم. كنت بخطط إزاي هفرحه بالخبر ده وإنه هيبقى أب وإن في حتة منه جوايا. وهيبقى في فرد جديد في عيلتنا. كنت حابة ابقى فرحانة وافرح مراد معايا من ساعة لما اعتذرلي أنه بيحبني وأنا قعدت أتخيل لحظة وجودكم وهل كنتم هتبقوا شبهه ولا شبهي. أنا كان في أحلام كتير كنت برسمها، لكنه دمرها.
تنهدت بهدوء ثم قالت باسمة:
- أنا هحاول أتخطى كل حاجة في حياتي علشانكم. أنا هعيش وهفرح بوجودكم. أنتم اللي هتزرعوا فيا القوة. ومش هخلي أي حاجة تأذيكم أبداً، حتى لو أنا. بجد آسفة لأني كنت هرتكب جريمة بشعة في حقكم وكنت هحرم نفسي من نعمة وجودكم. أنتم نعمة كبيرة من ربنا ليا، وحرام عليا أني أفرط فيكم.
قاطع كلامها طرقات الباب، فأذنت للطارق بالدخول. فدَلفت العمة "فاطمة" وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة بشوشة، تحمل صينية خشبية عليها بعض الأطباق ذات المذاق الرائع. فقالت بود:
- أنا جبتلك لقمة تاكليها لأنك مكلتيش حاجة من الصبح.
- بس أنا مش قادرة آكل ياعمتو.
- مفيش الكلام ده، أنتي دلوقتي حامل ومحتاجة تتغذي كويس. ولو مش عشانك عشان البيبي اللي في بطنك ياحبيبتي.
أردفت "رحيل" بنبرة متذمرة فقالت:
- بس أنا ماليش نفس وكمان مش طايقة ريحة الأكل.
مسحت "فاطمة" على شعرها الناعم برفق ثم قالت باسمة:
- معلش ياقمر استحملي علشان خاطري، يلا بقا.
- حاضر.
قربت إليها الطعام فقالت بطيبة:
- شاطرة ياريرى، اتفضلي كلي لحد ما تشبعي.
مرت دقائق ليست بكثيرة، فقامت "رحيل" بإبعاد الصينية عنها ثم قالت:
- ياعمتو كفاية، أنا مش قادرة آكل أكتر من كدا.
- هو أنتي لحقتي تاكلي لسه الطبق مخلصش.
أردفت "رحيل" التي أوشكت على البكاء المصطنع:
- لا بجد حرام، أنا شبعت ولو أكلت أكتر هجيب كل اللي في بطني.
رددت "فاطمة" وهي تعطيها كأس عصير فقالت بلطف:
- خلاص ماشي، بس هتشربي العصير ده، خدي.
- هاتى ياعمتو وامري لله.
- قوليلي عملتي إيه عند الدكتورة النهاردة وايه اللي قالته ليكي.
- طبعاً بعد ما شيلت فكرة الإجهاض من دماغي روحت كشفت عند دكتورة تانية علشان أتأكد أكتر. ولما تأكدت قالتلي حاجة غريبة أول مرة أسمع عنها.
رددت "فاطمة" متسائلة:
- قالتلك إيه؟
تنفست "رحيل" بهدوء، وقالت:
- قالتلي أنتي حالتك نادرة جداً للي زيك.
- مش فاهمه قصدها إيه بالكلام ده.
- أصل ياعمتو بعد ما فحصتني اكتشفت أن رحمي رحم مزدوج، وده اللي خلاني حملت في تؤام.
تحدثت الأخرى بنبرة قلقة:
- بس دا يابنتي عيب خلقي اتولدتي بيه وحملك هيكون صعب جدًا.
أردفت "رحيل" بهدوء:
- عارفة، ما هي قالتلي كدا وقالت أني هواجه مشاكل وصعوبات كتير بسبب الحمل ده وهيحصلي مضاعفات.
- خير ياحبيبتي إن شاء الله مش هيحصلك حاجة وفترة حملك هتمر على خير. المهم أنك تاخدي بالك من صحتك كويس والفيتامينات اللي كتبتلك عليها خديها في وقتها.
- حاضر ياعمتو.
بعد محاولات كثيرة لم ييأس "أدهم" في مصالحة "نور"، وفي حين تواجدها في غرفتها تتصفح الهاتف، لاحظت خيال شخص أمامها، كادت أن تصرخ بفزع لكن وضعت يد على فمها ليكتم صراخها. فأتاها ذاك الصوت قائلاً:
- اهدى، الله يخربيت صوتك.
ابتعدت عنه بضيق، وقالت بضجر:
- أنت مش هترتاح غير لما تجبلي ساكتة قلبية.
لمس "أدهم" خدها برفق ثم قال مازحاً:
- هو أنا أقدر ياجميل.
- اطلع برا.
اتكأ "أدهم" بظهره على باب الخزانة وهو يقول بعند:
- مش طالع هااا.
تحدثت "نور" بزهق:
- بقولك إيه اطلع بدل ما أصوت وألم عليك الناس كلها.
كان يحدق بها بحب وشوق فقال باسماً:
- واهون عليكي برضه يانوري.
شعرت بأنها ستضعف أمامه ولكن تصنعت القوة فقالت ببرود:
- آه تهون، ويلا بقى هوينا يا عم مش ناقصة هي.
أردف الآخر بخبث، وهو يتقدم نحوها لتتراجع هي إلى الخلف، فقال بعبس:
- ولو مطلعتش هتعملي إيه.
تصنمت مكانها عندما وقف مقابلها، فقامت بوضع يدها على فمها عندما علمت بما ينوي فعله. فلمس يدها بطريقة رقيقة وماكرة، لتعلو دقات قلبها طرباً من قربه. فقال غامزاً:
- خلاص، أنا عرفت هسكتك إزاي بعد كدا.
ابتعد عنها ليتجه نحو الباب وهو يقول بصرامة:
- افتحي الدولاب هتلاقي صندوق، افتحيه وشوفي اللي فيه. وبعد ما تخلصي هستناكي، فياريت ماتتأخريش.
بعد ما ذهب فتحت الخزانة وأخرجت منها صندوق مغلف، فقامت بفتحه. فوجدت بداخله فستان مصبوغ باللون الأزرق، فهذا لونها المفضل الذي تعشقه. ووجدت أيضاً ورقة كاتب بداخلها:
ارتدي هذا الثوب، أنا بأنتظارك بهذا المطعم. لتجد العنوان أسفل الورقة مختوماً بقوله: حبيبك أدهم.
بعد مده وصلت للمكان الذي حدده لها. فولجت إلى المطعم بهدوء، فكان خاليًا من البشر ومزينًا بالورود بطريقة رائعة جدًا.
جاء "أدهم" من خلفها ليضمها إلى صدره باشتياق، فقال هامسًا:
- كل سنة وأنتِ طيبة. كل سنة وأنتِ حبيبتي وبنتي وصديقتي وشريكة حياتي. كل سنة وأنتِ منورة دنيتي يا نور.
بينما "نور"، شع وجهها بسعادة غامرة، فقالت باسمة:
- وأنت طيب. لكن عرفت إزاي إن النهاردة عيد ميلادي.
كان يحدق بها بحب، فقال بلين:
- من أول يوم أنتِ اتولدتِ فيه. وعمري ما نسيت تاريخ ميلادك. وبعدين أنا حابب أعتذر لك عن كل وجع وحزن حسيتيه بسببى. أنا آسف على كل دمعة نزلت منكِ بسببى. آسف يا حبيبتي، حقك عليا يا أغلى إنسانة في حياتي. أرجو منكِ إنك تسامحيني عن كل كلمة قولتها طلعت مني بقصد أو من غير قصد.
ثم قبل راحت يدها بحب وقال:
- آسف يا نوري.
تحدثت "نور" بنبرة فارحة ممزوجة بالبكاء:
- وأنا مسامحاك يا روحي ومش زعلانه منك خلاص.
- بجد يا نور.
- بجد يا قلب نور.
جذبها من معصمها برفق، ثم قال:
- تعالي نقعد نتعشى مع بعض. بقالي كتير مقعدتش معاكي.
لحظات وجاء الجرسون ليضع لهما الطعام. دقائق واشتعلت موسيقى هادئة. فقام "أدهم" بالرقص مع معشوقته، فكان يهمس لها ببعض الكلمات المحببة تحت حيائها منه. ولكن أكمل المحب قائلاً:
- تعرفي إنك جميلة أوي النهاردة.
أشاحت نظرها بحياء بعيدًا عنه، وقالت بخجل مفرط:
- وأنت كمان طالع حلو أوي.
تبسم فاه "أدهم" بسعادة لا توصف، فقال مغازلاً:
- عيونك هي الأحلى يا قمري.
ثم قام بإخراج من سترته علبة صغيرة ليخرج منها سلسلة من الألماس الأبيض رقيقة تحمل اسمها. فقام برفع خصلات شعرها ليضعها على عنقها الناعم. فأتاه صوتها الفرح قائلة برقة:
- دي علشانى أنا.
قبل رأسها، ثم قال بابتسامة وشوشة عاشقة:
- أيوه يا قلبي، دي علشان أجمل امرأة في الدنيا. بحبك يا نور.
ضمته إليها بكل قوتها وهي تقول بسعادة:
- وأنا بعشقك يا قلب نور.
- أنا بشكر ربنا كل يوم على وجودك في حياتي.
رواية هجران رحيل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شامة الشعراوي
بعد عدة أشهر، وفي وقتٍ متأخر من الليل الساكن، كان هناك طرقات خفيفة تدق على الباب، فجعلت ذاك الشاب ينهض من فراشه الدافئ بخمولٍ وكسل، فهذا حاله كل ليلة، فهو يعلمُ من صاحب تلك الطرقات المزعجة التي تُوقظهُ من أجمل نومة.
أعتدل في جلسته لينظر إلى ساعة الحائط ليجد الوقت أصبح الرابعة فجراً، فقام بالاتجاه نحو الباب وهو يفرك جفن عيناه من أثر النوم. ما لبث الطارق إلا ثوانٍ وفُتح الباب على مسرعه.
فتبسم ثغر "مروان" حين رأى "رحيل" تقف أمامه، والتي تبدو كالأطفال بتلك التسريحة، فقد صففت شعرها كأذن القطة، ترتدي ثوب وردي فضفاض يساعدها في الحركة أكثر أثناء حملها.
اتكأ على الباب وضم كلتا يديه ليقول:
- خير يابلونة، إيه اللي مصحيكِ في الوقت ده؟
زمت شفتاها إلى الأمام بتذمر وقالت محذرة:
- ماتقوليش بلونة، فاهم.
ضحك "مروان" بخفة على لهجة حديثها اللطيفة، وقال بلين:
- فاهم ياستي، عايزة إيه أنتي دلوقتِ؟
رمشت بعيناها عدة رمشات متتالية ثم دنت من أذنيه وقالت هامسة:
- عايزة أكل بطيخ حالا.
افترّ فاه "مروان" بذهولٍ فقال مندهشاً:
- أنتي جاية تهزري صح... قولي أنك جاية تهزري!
تبسمت "رحيل" ببراءة وقالت برقة:
- تؤ، مش جاية أهزر يامرمر، وبعدين أنا نفسي فيها أوي.
تحدث "مروان" قائلاً:
- أنتي ياماما نفسك في حاجات مش في موسمها أصلاً، وبعدين حرام عليكي الساعة أربعة الفجر، حد يصحى حد في وقت زي دا ويقوله نفسي في بطيخ.
قامت "رحيل" بطرقعة أصبعها وهى تقول بلطف:
- أيوه وعايزاها حمراء.
- حمراء! وكمان بتتشرطي.
- وأنا مالي، هما اللي نفسهم في كدا مش أنا، وبعدين يامرواني، عايز العيال يطلع ليهم وحمة بطيخة في وشهم، وبعد كدا لما يكبروا صحابهم يتريقوا عليهم ويقولوا روح يا أبو بطيخة، تعالى يا أبو بطيخة، يرضيك يحصل كدا لأولادي.
تفوه "مروان" ساخراً:
- لا، أزاى ميصحش.
ثم أشار إليها بأصبعه إلى خارج الغرفة باتجاه الممر المؤدي إلى غرفتها الخاصة، وقال:
- بصي، أنتي دلوقتي تروحي تنامي تمام، وأنا كمان هروح أنام، والصبح أول ما أصحى هعملك اللي عايزاه، اتفقنا.
أردفت الأخرى بعبوس فقالت:
- لا، أنا عايزة دلوقتي حالا بطيخة وتكون حمراء.
- أنتي مش واخدة بالك من أن الوقت متأخر ولا إيه، وبعدين أصلًا هلاقيلك البطيخة فين دلوقتي، الناس قافلة محلاتها.
رفعت كتفها إلى الأعلى قليلاً دليلاً على عدم معرفتها فقالت بعند:
- معرفش، اتصرف بقى يامروان وإلا مش هيحصلك كويس.
أردف "مروان" بقلة حيلة لتنفيذ أوامرها:
- طيب يارحيل، روحي أوضتك وأنا هنزل أدورلك على أم البطيخة، ولو لقيتها هجيبلك، ماشي.
افترّ ثغرها بابتسامة عريضة مشعة بالسعادة:
- ماشي، بس ما تتأخريش عليا ياعسل.
ضحك "مروان" بخفة وقال:
- مصلحجية أنتي ياريرى.
- طبعاً، أومال أنت فاكرني إيه.
بعد حوالي ٣ ساعات، جاء "مروان" من الخارج يحملُ بين ذراعيه فاكهة البطيخ بعد ما عثر عليها بصعوبة بالغة، فجلس بجانبها وهو يضعها على الطاولة وقال بأرهاق:
- خدي ياست رحيل البطيخة الحمرا بتاعتك أهي، يكش نهدى شوية.
أشاحت وجهها عنه وقالت ببرود:
- مش عايزة.
قطب "مروان" جبينه ليتسأل:
- ليه بس؟
أردفت باللامبالاة فقالت:
- لأن خلاص مابقاش نفسي فيه.
تحدث "مروان" بضيقٍ وازعاج فقال منفعلاً:
- يعني إيه مبقاش نفسك فيها؟ دا أنتي مصحّياني من الساعة أربعة عشانها، وعمال ألف على كعوب رجليا في الشوارع وفي المحلات عشانك، وبعد ما ألاقيها تقوللي خلاص ماليش نفس.
فقامت "رحيل" برفع إحدى حاجبيها بإغاظة وقالت:
- عملك إيه؟ ما حضرتك اتأخرت عليا أوي وأنا بقالي ٣ ساعات مستنياك.
أوشك "مروان" على البكاء فقال بقلة حيلة:
- لا بجد حرام، أنا تعبت، كل يوم بتتوحمى على حاجة شكل.
تحدث الجد هذة المرة وهو يربت على ذراعيه فقال:
- معلش يابنى، سيبك منها دي واحدة مفترية وقادرة.
أمسك الفاكهة بيده ليجذب السكينة من إحدى الأطباق وهو يقول:
- تصدق عندك حق، أنا هسيبني منها وهأكل البطيخة بدالها، وتبقى تقابلني لو جبتلها حاجة تانية بعد المرمطة اللي شفتها.
فقام بتقطيعها إلى مثلثات صغيرة ليتذوق طعمها بنهمٍ شديد، فبلعت الأخرى ريقها حين نظرت إليه، فقال هو بتلذذ:
- واو، طعمها حلو أوي ومسكرة.
صمت لوهلة ثم أضاف حين مد يديه بقطعة إلى الجد فقال:
- خد ياجدو كُل، هتعجبك طعمها، وهتلاقيها بتدوب في بوقك دوب.
وضعها الجد في فمه فعجبه المذاق ليقول:
- تصدق، طعمها حلو فعلاً وكمان مسكرة.
حدقت "رحيل" بطبق الفاكهة، فاغرتها هيئة البطيخة المقطوعة لتبلل فاهها، فقامت بالاقتراب من "مروان" ومازال بصرها مسلط على الطبق، فقالت برقة بالغة:
- بقولك إيه يامرواني، ممكن تديني واحدة أدوقها.
- لا، مفيش خلاص، شطبنا.
قامت بضربهِ بخفة على ذراعيه وقالت منزعجة:
- متجيب واحدة بقى، متبقاش بارد، وبعدين أنا اللي طالباها.
حرك الأخر حاجبيه بتلاعب ليقول مازحاً:
- وأنا اللي هاكلها، وبعدين مش أنتي قولتي خلاص مابقاش نفسك فيها، اشمعنى دلوقتي حلّت في عينيكِ لما شفتيني بأكلها.
تفوهت "رحيل" بحده قائلة:
- هتجيب ولا لأ.
أجابها "مروان" بنبرة متلاعبة:
- لا.
- بقى كدا، طيب أنت اللي جبته لنفسك.
ثم قامت بالانقضاض عليه كالوحش المفترس وجذبت الطبق من بين يديه بقوةٍ أثارت دهشته، لتبدأ بمضغ قطع البطيخ بطريقةٍ مسرعةٍ وكأنها لم تأكل منذ زمن.
حدق بها "مروان" ليقول منصدماً:
- ياما ياما، في إيه أنتي اتسعرتِ ولا إيه يارحيل، ما براحة ياحبيبتي مش كدا، اللي يشوفك يقول علينا إننا حرمينك من الأكل.
- مالكش دعوة بيا يابارد.
تحدث "قاسم" باسماً:
- محدش له دعوة بريرى، تأكل زي ما هي عايزة.
عندما سمعت تلك المقولة أخرجت لسانها بإغاظة "لمروان" الذي ضحك عالياً وقال بمرح:
- وربنا طفلة، مش عارف إزاي أنتي بعد كام يوم هتبقي أم، لا وأيه لطفلين مش لطفل واحد.
نظرت إليه "رحيل" بخوفٍ وقلقٍ، فكلما اقترب الموعد شعرت بانقباض قلبها وكأنها مُقبلة على الموت، فقد مرت بأوقات عصيبة خلال فترة حملها مما جعلها تُعانى من كثرة الألم، ولكن الألم التي شعرت به لا يساوى ألم الولادة الذي هو أشد وأقوى ألم بالجسد.
نظرت نحوها "فاطمة" نظرات مطمئنة لتبث بداخلها الهدوء، فقالت:
- متخافيش ياحبيبتي، الموضوع بسيط مش زي ما أنتي متخيلة.
- بجد هيبقى بسيط ياماما.
أردفت الأخرى ببسمة ودودة:
- أه ياقلبي، وبعدين هما شوية وجع بسيط، ولما تشيلي ولادك في حضنك هتنسي كل حاجة وهتبقى الفرحة مش سيعاكي.
**********************************
في غرفة المعيشة، كان اليوم إجازة للجميع من العمل، فبدأ "أدهم" يسترسل حديثه موجه إلى عمهِ:
- عمي حمزة، عايز أحدد موعد فرحي أنا ونور.
- بس يابني، لسه بدري.
أجابه الآخر برزانة فقال:
- ملهوش لازمة التأجيل أكتر من كدا ياعمي، وبعدين هو حضرتك قلقان مني في حاجة ولا مش واثق فيا، أصل كل لما أفتحك في موضوع الفرح تأجله.
رد "حمزة" نافياً:
- لا يابني، أنا لو كنت قلقان أو خايف منك مكنتش وافقت بأنك تخطبها من الأول.
تنهد "أدهم" بارتياح ثم قال راجياً:
- بما أنك مش رافض، نحدد يوم الفرح، وأهو خير البر عاجله.
التفت "سليم" إليهن وقال موافقاً:
- أنا من رأيي أن كفاية تأجيل لحد كدا، خليهم ياحمزة يتجوزوا ويدخلوا الفرحة للبيت.
- خلاص، اللي أنت شايفه ياخويا، كلمتك هي اللي هتمشي، حدد أنت اليوم وأنا عليا الباقي.
صمت "سليم" لوهلة ثم أكمل قائلاً:
- خلي الفرح الأسبوع الجاي يوم الخميس، إيه رأيك.
- موافق.
فقام الآخر بتوجيه بعض الكلمات لابنه:
- خلاص يبقى على خيرة الله، شوف هتعمل إيه ياأدهم وجهز الترتيبات أنت وأخواتك.
تهللت أسارير وجهه بالفرحة والسعادة فقال باسماً:
- حاضر يابابا.
بينما "مازن" أشار لوالده حتى ينتبه إليه ثم قال متسائلاً:
- طب وأنا إيه؟ مش ناويين تجوزوني ولا ناويين تخللوني جنبكم.
تحدث "هشام" مشجعاً:
- آه، وأنا كمان عايز أتجوّز بقى وأستقر، كفاية لحد كدا، أنا كدا بقيت عانس وباير.
تبسم فاه "حمزة" الذي قال:
- طب ما تتنيلوا، هو حد حاشكم.
تحدثت "حنان" بطيبة قلب فقالت بلطف:
- قولولي بقى، أنتم حاطين عنيكم على حد معين ولا إحنا ندورلكم على عروسة مناسبة.
رد "مازن" قائلاً:
- لا ياعمتو، أنا عندي العروسة بس أنتم عندكم الفرح.
وضع "مراد" فنجان القهوة من يده، ثم قال بنبرة لعوبة:
- ويا ترى اللي في بالي ولا واحدة تانية.
أجاب "مازن" مستكشفاً حديثه فقال:
- ومين بقى اللي في بالك.
اتكأ "مراد" على الأريكة بأريحية ثم وضع كلتا يديه خلف رأسه وقال:
- ما أنت عارف، ولا تحب أقولهم اسمها إيه وهي مين.
فأردف "سليم" متسائلاً:
- مين دي يامراد؟ هي واحدة نعرفها؟
- نعرفها أوي.
تحدث "أدهم" متعجباً:
- وتطلع مين هي!
افترّ فاه "هشام" مندهشاً ليقول:
- سوزي؟ لا متهزرش، أنت ملقتش غير دي وعايز تتجوزها.
ضحك "مراد" عالياً من تعقيبه ليقول:
- لا، مش سوزي، واحدة تانية.
- أومال مين؟ حيرتني معاك.
- هو هيقولك، ماهو ملزمها طول الوقت وقاعدة في وشه ٢٤ ساعة.
تبسم "أدهم" عندما علم من تكون هي فقال:
- خلاص، أنا عرفت هي مين، يازين ما اخترت يامازن، أول مرة تختار حاجة عدلة في حياتك.
تحدث "سليم" قبل أن ينفذ صبره فقال:
- هو أنتم هتفضلوا تتكلموا بالألغاز.
أجابه "مازن" قائلاً:
- سيبك منهم يابابا، أنا هقولك الصراحة، هي في واحدة معايا في الشغل بحبها وعايز أتقدم ليها.
تفوهت "صفا" بنبرة ودودة:
- مين دي ياحبيبي واحنا نروح نخطبها ليك.
- ندى، ياماما، صاحبة رحيل ونور.
بينما والده قال بلطف:
- ندى بنت كويسة جداً ماشاء الله عليها، خلاص معنديش مانع، ابقى هات رقم باباها أكلمه وأتفق معاه على ميعاد نروح نقابله فيه.
أردف "مازن" بعدم تصديق فقال:
- بجد يا بابا؟ يعني أنت موافق.
- آه ياحبيبي موافق، ودلوقتي بقى في فرحتين في البيت، عقبال هشام ومراد.
أغمض جفنه واخفض رأسه أرضاً بحزنٍ وألمٍ واشتياقٍ حين تذكر تلك الفتاة التي سلبت قلبه الذي أصبح متيماً، فادمعت عيناه حزناً من هذا الفراق لينهض من مكانه ليستأذنهم للخروج، فلما خرج نظر والده لأثره بحزن وهو يعرف ما يشعر به.
انسدل الليل بستائرهِ بألوانها السوداءِ المخمليةِ، ويُقبل القمر مختالاً مرتدياً عباءته الفضية، حيث أوت الطيور إلى أعشائها لتحضن صغرها برفق وحنية، ويزحفُ الصمتُ بخطاهِ الواثقة، وفى مكانٍ مرموق وهادئ على شاطئ النيل، وصل لمسمعها صوتٍ جعل ضربات قلبها تعزفُ على أوتار حبها، فلما استدارت بجسدها لتنظر خلفها وجدته واقفاً بطلته المبتهجة يحملُ بين يديه باقة من الورد الجوري ليعطيها أياه بكل حب وحنية، ثم قال:
- تتجوزيني ياندى.
زاددت ضربات قلبها التي كادت تخرج من بين قفصها الصدري، فقالت مندهشة:
- أنت قلت إيه.
تحدث "مازن" بوجهٍ طلقٍ مُشع بالبهجة والسرور:
- قلت تتجوزيني ياندى.
جلس بجانبها على المقعد وأمسك يدها ليقبلها برفق ليكمل حديثه بحب:
- أنا بحبك ومش عارف حبيتك إمتى وإزاي، بس من أول يوم شوفتك فيه لما كنت هخبطك وأنتي فضلتِ معلقة معايا، ولما جيتي اشتغلتي معايا في الشركة قربت منك واتعلقت بيكي أكتر، وكل لما بشوفك قلبي بينبض جامد، بعدها اكتشفت فعلاً أني بحبك وإني مقدرش أبعد عنك أبداً، وعشان كدا أنا عايزك تبقي مراتي وحلالي، موافقة تتجوزيني ونكون أسرة.
امتلأت عيناه بالدمع من فرط السعادة، فحلمها أوشك على التحقيق، فقالت متأثرة:
- أنت بتكلم بجد يامازن.
ضحك الأخر بخفة:
- لا، بلعب معاكي.
- بطل برود بقى.
تحدث "مازن" متبسماً:
- أنا بحبك وبعشقك وعايز أتجوزك يابت، قولتي إيه بقى.
ضحكت "ندى" بخفة ثم قالت بنبرة لعوبة:
- لا ياقلبي مش كدا، أنت تعمل زي بتوع الروايات وتنزل تركع على ركبتك وبعدها تطلب إيدي وتقولي بحبك وعايز أتجوزك.
بينما هو ضربها بخفة على رأسها وقال باسماً:
- عارفة إيه أكتر حاجة بحبها فيكي.
أجابته "ندى" بابتسامة عريضة:
- إيه يامازن.
- هبلك ياقلب مازن.
رفعت حاجابها الأيسر بضجر وقالت:
- نعم ياخويا.
- اسكتي ياندى الله يرضى عنك، إيه شغل الروايات واركع ومتركعشي، في حاجات تانية يابت أحلى.
- حاجات إيه يافليسوف زمانك.
أشار "مازن" بيده إلى السماء فوقهم ليقول:
- بصي فوق كدا.
لحظات وانطلقت العاب نارية لتضيئ السماء بأنوارها المتعددة محتواها: "بحبك ياندى، تقبلي تتجوزيني ♥️".
رفعت بصرها للأعلى بفرحة وسعادة والدموع تغرق عيناها، فأتاها صوته قائلاً:
- ها ياندى، قولتي إيه.
تفوهت الأخرى بابتسامة واسعة لتقول بنبرةٍ فارحة:
- قولت بحبك وموافقة أتجوزك يامجنون.
تبسم ثغره بحب ليقول بصوت عالٍ:
- بحبك، بحبك ياندوش قلبي، وأخيراً وافقتي وهتبقي مراتي وكل دنيتي.
- بحبك ياميزو.
أمسك راحت يدها برفق ليقول باسماً:
- طب يلا نمشي بدل ما يمسكوني بفعل فاضح.
- يلا يامجنون.
- مجنون بيكي ياحبي.
واليوم التالي، كانت "رحيل" جالسة بحديقة القصر، تحمل بيدها طبق مليئ بالمسكرات، فأردف "آدم" الابن الثاني "لقاسم" وهو يحاول أن يأخذ بعض حبات اللوز قائلاً:
- يابنتي والله الطبق مش كله ليكي لوحدك، أنا كمان ليا فيه.
- لا ياعسل، ملكش فيه، وبعدين مش أنا اديتك واحدة يبقى كفاية عليك كدا.
قطب جبينه بأنزعاج ليقول بضيقٍ:
- هو إيه اللي كفاية عليك كدا، دي واحدة بس يارحيل، عشان خاطري خليني آكل معاكي، أنتي عارفة أنا بحب اللوز قد إيه.
تحدثت "رحيل" متأثرة:
- تصدق أنت صعبت عليا، خلاص هديك واحدة كمان، خد.
نظر إلى راحت يديه برفع حاجب، وقال:
- يابنت يابخيلة، واحدة بس، ودي أعمل بيها إيه؟ أسلك بيها سناني.
رددت الأخرى باللامبالاة:
- وأنا مالي، اعمل اللي تعمله بيها.
- طب بصي، إيه رأيك نقسم الطبق، أنتي واحدة وأنا واحدة، شوفت حلو إزاي؟ أهو كدا عدل.
تحدثت "رحيل" وهى تبتسم برقة ثم قال بنبرةٍ طفولية:
- طب بص، هقولك على حل أفضل، أنت تاخد واحدة تمام.
أجابها "آدم" بأنصات شديد:
- تمام، وبعدين.
- وأنا اتنين، إيه رأيك، مش كدا أحلى يادومي.
صاح الأخر وهو يشد شعره بنفاذ صبر:
- يارب صبرني يابنتى، أنتي بقيتي عاملة زي الفيل أبو زلومة، وبعدين إيه النصب دا، قال أنا اتنين وأنتي واحدة.
بينما هي وضعت يديها على موضع بطنها المنتفخة لتوجه حديثها إلى "مروان" فقالت بحزن:
- مرواني، هو أنا بقيت فيل بزلومة.
تبسم "مروان" بابتسامة حنونة فقال بلطف:
- لا ياحبيبتي، أنتي قمر، سيبك من المتخلف ده.
- والله أنت اللي قمر ومفيش منك اتنين.
تحدث "آدم" قائلاً:
- أيوه، اقعدوا طبّلوا لبعض.
ثم اقترب منها ليجذب الطبق من يدها، لتدفعه بعيداً عنها وقالت محذرة:
- شيل إيدك لتوحشك ياعسل.
جلس مكانه وقال متوسلاً:
- طب وحياة عيالك ياشيخة، أكلينا معاكي.
- خلاص، أنت هتشحت، خد كل ومسمعش صوتك تاني، فاهم.
- فاهم ياوحش الكون.
في بيت والد "ندى"، ولجت إليهن بأطالة مبهجة بأعين ملتمعة بالسرور والتفاؤل، ترتدي ثوب أسود ذو أكمام شفافة يصل إلى كاحلها، تبسمت الفتاة في حنو بالغ فأضاءت ابتسامتها وجهها كالقمر، فجلست بجانب والدها باستحياء، بينما "مازن" شعت عيناه فرحاً وأعجاباً من جمالها الآخاذ، جاءت إليها صديقتها فقالت بود:
- اهدى ياقلبي وبلاش توتر.
رددت "ندى" بحياء قائلة:
- أنتي مش شايفة بيبصلي إزاي.
ضحكت "نور" بخفة لتقول مازحة:
- والله جه اليوم اللي شوفتك فيه تحبي وخدودك تحمر بالشكل ده، أنا كنت فاقدة فيكي الأمل خالص، مين كان يصدق ندى أم لسان طويل وكانت جعفر في نفسها قاعدة هادية ورقيقة، أنا مش متعودة عليكي وأنتي كدا ياندوش.
- طب اسكتي بدل ما أقول اطلع جعفر فعلاً عليكي.
- خلاص ياختي سكت أهو.
فقام "سليم" ببدء حديثه فقال بهدوء:
- طبعاً أنت عارف يا أبو ندى إحنا جايين ليه.
- طبعاً عارف.
- تمام، بحيث كدا، أنا اتشرف وأطلب إيد الآنسة ندى لابني مازن.
تحدث والد العروسة بنبرة ودودة فقال:
- طبعاً يشرفني أناسب حضرتك ومعنديش مانع، أنا مش هلاقي حد أحسن من ابنك مازن لبنتي، بس أسمع موافقتها الأول فالأمر يرجع ليها.
ثم وجه نظره لابنته وقال باسماً:
- ها ياحبيبتي، رأيك إيه؟ موافقة ولا لأ.
طأطأت "ندى" رأسها خجلاً لتجيب برقة:
- اللي حضرتك تشوفه يابابا.
- يبقى على خيرة الله.
تحدث "سليم" مسترسلاً:
- خلاص، نقرأ الفاتحة دلوقتي وبعدها نبقى ننزل نشتري لهم الدبل في الوقت اللي تحبوه.
وفي هذا الأثناء أخرج "مازن" من معطفه علبة قطيفة ليقول بسعادة:
- وأنا معايا الدبل، نلبسها دلوقتي يلا.
ضحك الجميع على فعله تلك فقال والد العروس:
- دا أنت عامل حسابك بقى.
- طبعاً ياعمي، أنا مجهز كل حاجة.
- ماشي يابني، نقرأ الفاتحة ولبسها دبلتك.
بعد قراءة الفاتحة، دنا منها ليضع في إصبعها خاتم من الماس الخالص، ثم همس بحب:
- مبروك عليكي دبلتي ياندوش.
- الله يبارك فيك.
بينما "سليم" قبل رأسها وقال بحب أبوي:
- ألف مبروك ياحبيبتي، ربنا يتمملكم على خير.
أجابته بحياء قائلة:
- الله يبارك فيك ياعمو.
بارك لهما الجميع بكل حب وفرحة، فنظر إليها "مازن" بعشق جارف وقلب نابض.
سيأتي شخص يحبك كما أنت، يُحبك لتفاهتك، لعصبيتك، لمزاجك المتقلب، لبكائك على أشياء لا تستحق البكاء، شخص يحبك لروحك، شخص يفهمك، شخص يحب وجودك لا يستطيع تحمل غيابك، شخص يحبك كما أنت بعيوبك قبل مميزاتك، وهذا الشخص سوف تجده عاجلاً أم آجلاً ولكنه سيأتي ♥️.
جاء اليوم الموعود.
اقترب "حمزة" من غرفة ابنته لينظر إليها بابتسامة عريضة ارتسمت على محياه، ليلتمع بريق عيناه بالدمع، حين شاهدها بفستانها الأبيض الرقيق المتناسق معها، بينما هي توجهت نحوه بخطوات بطيئة، فلما وقفت مقابله عانقته بقوة، فأتاها صوته الباكي:
- أنا مش مصدق أنك كبرتي يانور وبقيتي عروسة و هتتجوزي، بجد لحد دلوقتي ياحبيبتي مش مصدق.
ثم ابتعد عنها قليلاً ليقول باسماً:
- ألف مبروك ياروح أبوكي، ربنا يسعدك ويفرح قلبك دايماً يابنتي.
- الله يبارك فيك ياحبيبي، ربنا يديمك ليا يا أحلى أب في الدنيا.
جاء شقيقها ليقبل مقدمة رأسها بلين ثم قال بنبرة ودودة:
- مبارك عليكي جوازك ياغالية.
تبسمت "نور" بابتسامة مشرقة أضاءت وجهها فقالت:
- الله يبارك فيك ياأبيه، عقبالك.
تنهد بهدوء ثم أضاف مازحاً:
- لو الواد أدهم زعلك في يوم تعالي قوليلي وأنا هروقه على الآخر، اتفقنا.
- اتفقنا يا حبيبي.
وفي هذا الأثناء أردف والدها بمرح:
- طب يلا علشان عريسك مستني تحت بدل ما يقوم يطلعنا هنا.
ضحكت بخفة ثم تبطأت ذراع أبيها وشقيقها بسعادة غامرة.
تحركوا إلى الأسفل فقام والدها بتسليمها إليه وهو يُلقي عليه بعض التحذيرات والنصائح أيضاً، فلما دنا منها قبل كلتا يديها ثم قال منبهراً:
- تبارك الرحمن، طالعة قمر يانور بالفستان الأبيض.
ردت الأخرى بحياء فقال برقة بالغة:
- وأنت كمان ياأدهم طالع شكلك جميل.
بعد مرور مدة من الزمن، وخاصةً في مكان خاص بالمناسبات، كانت "ندى" تحاول جاهداً أن تهدئ "نور" التي تبكي حزناً من فراق صديقتها، الذي تمنت وجودها في هذا اليوم، فقالت بهدوء:
- نور، ممكن تبطلي عياط؟ الميكاب هيبوظ.
أجابتها "نور" ببكاء:
- رحيل وحشتني أوي، كان نفسي تكون معايا.
- والله هي وحشتنا كلنا، ممكن علشان خاطري تهدى وتحاولي تفرحي شوية وبلاش نكد.
- حاضر.
في جناح خاص بالفندق، اقترب أدهم من زوجته التي تفرك يدها بتوتر شديد ليقول باسماً:
- ممكن تبطلي توتر يانوري؟ أنتي خايفة مني كدا ليه؟ هو أنا هاكلك؟ مش أنا أدهمك حبيبك.
أشاحات وجهها بعيداً عنها لتنظر إلى جميع أركان الغرفة ما عدا النظر إليه، فقالت بحياء:
- أه.
- طب إيه.
ترجعت إلى الخلف حين لمحته يقترب باتجاهها لتقول بنبرة مرتبكة:
- إيه أنت!
تهللت أسارير وجهه واهتز قلبه طرباً واعترت نفسه نشوةٌ بالغة وحلقت روحه في أجواء السعادة والحبور، فأصبحت الدنيا من فرط سعادته لم تسعه، فقال باسماً:
- بحبك يانور.
سرت في نفسها فرحةٌ غامرة لتجيبه قائلة:
- وأنا كمان بحبك.
عانقها بخفة ليقبل ذراعيها برفق ثم هتف قائلاً:
- طب يلا ادخلي غيري فستانك علشان أكيد كاتم على نفسك وأنا هغير هنا، ثم أضاف مازحاً: ولو لقيتي أي مشكلة كدا أو كدا في الفستان استعيني بصديقك جوزك حبيبك، ووقتها هتلاقيني جيالك فوراً.
ابتعدت عنه بخجل لتهرول إلى المرحاض ثم تفوهت عندما أغلقت الباب خلفها:
- تعرف أنك قليل الأدب ياأدهم.
ضحك الأخر بخفة وهو يقول:
- عارف ياحب.
في وقت متأخر من الليل الساكن، صاح في أركان القصر صوت صرخات عالية أتت من غرفتها، ففزع الجميع إليها، فهرول "مروان" راكضاً باتجاه غرفتها فلما ولج وقف متصنماً عندما وجد قطرات الدماء متناثرة على الأرض.
رواية هجران رحيل الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شامة الشعراوي
وقف "مروان" متصنماً عندما وجد قطرات الدماء متناثرة أرضاً. رفع مُقلته باتجاهها فرآها مستلقية على الفراش في إعياء وتراخٍ وذبول.
أقتربت العائلة نحوها والفزع يملأ أعينهم. لقد أنهكها الألم وحطّم قواها. فتفوهت بألم والدموع تتساقط من عيناها الذابلة:
"حد يلحقني أنا شكلي بموت."
دنا منها الجد بقلق شديد والخوف يسيطر على فؤاده من أن يُصيبها مكروه. فمسد على شعرها وهو يقول:
"بعد الشر عليكى ياعمري مش هيحصلك حاجه وهتقومي بالسلامة. يلا مروان ساعدني يابني نوديها المستشفى."
فقام "مروان" بحملها بين ذراعيه وقلبه ينبض خوفاً عليها. دقائق معدودة ووصلوا إلى المستشفى لتستقبلهم الطبيبة "هناء" برفقة الطاقم الطبي التي حضرت على الفور. ثم قامت باصطحابها إلى غرفة العمليات لتجرى لها جراحة قيصرية.
فلما غابت عن عيونهم جلس الجد على الكرسي ينظر باتجاه الغرفة والقلق يساوره. فربت "قاسم" على كتفه وقال باطمئنان:
"اهدى ياعمى هتبقى كويسة وهتقوم بالسلامة بإذن الله. هي محتاجة دعائك دلوقتى."
بينما "فاطمة" تقف في الزاوية تبكي بصمتٍ تام. فأردف "آدم" بحزنٍ:
"علشان خاطري يا ماما كفاية عياط."
"أنا خايفة أوى عليها."
"متخافيش يا حبيبتي هتبقى بخير."
وفى هذا الوقت زمجر الرعد وألهب البرق الأفق ثم انهمرت الأمطار مدراراً، وكأن السماء تتهيأ لمجيء الأطفال.
بعد مدة كبيرة من الوقت خرجت الطبيبة إليهن.
ليتحدث "مروان" متسائلاً:
"طمنيني عليها."
أردفت "هناء" باطمئنان قائلة بلطف:
"الحمدلله هي ولدت وبخير. بالرغم ان ولادتها كانت صعبة جداً ولكن ربنا لطف. ورزقها ببنت وولد زي القمر يقولوا للبدر قوم واحنا نقعد مكانك."
صاحت "فاطمة" بوجه طلق مشع بالبهجة فقالت:
"بجد يا هناء؟"
"اه يا حبيبتي والحمدلله على سلامتها. هي دلوقتي فاقت من البنج وتم نقلها في أوضة تانيه. روحوا شوفوها والممرضة هتجيب ليكم الأطفال."
بعد لحظات دلفوا إلى غرفة "رحيل". فاقبلت نحوها "فاطمة" مسرعة حتى تطمئن عليها فقالت برفق:
"حمدلله ع سلامتك يا رحيل."
أجابتها "رحيل" بصوت مجهد فقالت:
"الله يسلمك يا ماما. هما فين ولادي عايزة اشوفهم."
أجابها الجد بسعادة وسرور فقال:
"الممرضة هتجبهم دلوقتي يا حبيبتي و حمدلله على سلامتك يا قلب جدك."
"الله يسلمك يا حبيبي."
بينما "مروان" قال مُداعباً:
"قلقتيني عليكي يا ريري ينفع كدا تخضيني بالشكل ده."
تبسمت "رحيل" بأرهاق فقالت بلطف:
"معلش بقى خليها عليك المرة دي."
"ماشي يا ستي أهم حاجة أنك قمتي لينا بالسلامة وما متتيش."
ولجت الممرضة ومعها الطفلين. فحملت "فاطمة" الفتاة لتضمها برفق وهي تقول:
"بسم الله ماشاء الله جميلة أوي. بصي يا رحيل شبهك ونفس لون عينيكي."
فقامت بمد يدها بالطفلة فاحتوتها "رحيل" بين أحضانها لتفر دمعة من مُقلتها فرحاً وسعادة، فهي لأول مرة تجرب شعور الأمومة، الذي هو أعظم شعور بالعالم. فقالت باسمة:
"يا عمري أنتي، بنوتي القمر."
تحدث الجد بحنية فقال باسماً:
"تبارك الرحمن جميلة زي الحورية. تتربى في عزك يا حبيبتي حلوة زيك يا رحيل."
أردف "مروان" الذي كان يضم الطفل بين ذراعيه فقال:
"مش ناوية تشوفى ابنك."
رددت "رحيل" بلهفة:
"هاتوا يا مروان خليني أشوفه وأشبع منه."
فحملته بين ذراعيها بلطف ولين لتقبل راحت يدهُ الصغيرة ثم قالت باكية:
"بجد مش مصدقة نفسي أنا بقيت أم لبنت وولد أجمل من بعض."
مسد "قاسم" على خصلاتها وقال بابتسامة مشرقة:
"مش أنا قولتلك أنهم هيبقوا هدية ربنا ليكي وهيكونوا عوضك."
"دول أجمل عوض في الدنيا واحلى هدية من ربنا."
"ربنا يباركلك فيهم يا حبيبتي ويكون ذرية صالحة ليكي."
"يارب."
تحدث "آدم" بابتسامة عريضة مرحة:
"طبعاً ناوية تسمي الواد ع اسمي صح يا ريري."
ضربه شقيقه بخفة على رأسه:
"لا وأنت الصادق مش هتسميه ع اسمك كانت ناقصة هي."
ضحكت "رحيل" برقة وقالت:
"كان نفسي أسميه ع اسمك بس للأسف مش المرة دي. لو كانوا ولدين كنت هسمي واحد منهم ع اسمك."
أردف الجد متسائلاً:
"طب هتسميهم إيه."
نظرت إلى أطفالها بسعادة ثم قالت باسمة:
"هسميهم زين وزينة علشان يبقوا قريبين من بعض."
"تمام يا ريري أنا هكبر للبنوته وعمك قاسم هيكبر للولد."
بعد عدة أسابيع كانت جالسة بحيرة ويأس بين صغارها الذين يبكوا دون توقف. فولجت إليها "فاطمة" التي قالت بطيبة قلب:
"مالك يا رحيل بتعيطي ليه!"
جففت "رحيل" دموعها بالمنديل الورقي ثم قالت بأرق:
"بقالي أكتر من ساعة بحاول أسكت فيهم ومش راضين يسكتوا وأنا تعبت ومش قادرة. نفسي أنام شوية ونفسي آخد الشاور بتاعي زي الناس لكني مش عارفة أتحرك ولا أعمل أي حاجة منهم."
أردفت الأخرى مهدئة فقالت برفق:
"معلش هما الأطفال كدا. هاخدهم معايا وأنتي حاولي تنامي وترتاحي شوية ماشى يا حبيبتي."
"ماشي. لو تعبوا حضرتك ناديني."
"متقلقيش مش هيتعبوني وكمان أنا معايا رهف هتساعدني في شيلهم."
"طيب."
بعد مرور سبع سنوات.
تتربع الشمس وسط السماء وكأنها سبائك من ذهب قد تجمعت في شكل دائري. ثم تناثرت إلى الأرض بدفئها وأشعتها. وما أن يحين موعد غروبها حتى تتحول إلى شفق أحمر اللون يغيب بين الجبال والبحار والمحيطات.
وفى هذا الوقت تعالت أصوات الأطفال وهم يلعبون بفرح وسعادة في ساحة المنزل الممتلئ بالدفء. بينما على الجانب الآخر كانت "رحيل" جالسة في غرفة الجلوس تقرأ إحدى المقالات على تصفح التواصل الاجتماعي.
دنت منها طفلتها "زينة" التي تبلغ السادسة من عمرها. فقد ورثت من أمها جمالها وحسنها وتلك العينين الكحالتين الزروقتين. وما زادها جمالاً هؤلاء الغمزتين التي ورثتهما منها أيضاً.
التقطتها "رحيل" بين ذراعيها لتقبل خديها الأيسر:
"روح قلب ماما أنتي يا زينة."
نظرت إليها الطفلة ثم قالت ببراءة:
"وأنتي روح قلب زينة."
أجلستها بجانبها ثم قالت بلطافة:
"ما بتلاعبيش ليه مع أخوكي."
أجابتها "زينة" بملل:
"تعبت من كتر الجري وبعدين زين كل شوية يضحك عليا ويخليني أخسر ويقولي أنتي أجري ورايا."
أبتسمت الأخرى من طريقة حديث ابنتها المتذمرة:
"ولا تزعلي نفسك يا روحي لما يجي خالتو مروان هخليه يعاقبه. أتفقنا."
هتفت "زينة" برضى وسعادة:
"أتفقنا."
لحظات وجاء ابنها ومعه طفلين من المنزل المجاور لها. فاجتمعن حولها وجلسن في حلقة دائرية. بينما "زين" بدأ يسترسل كلماته قائلاً:
"ماما ما تحكلنا قصة من اللي بتحكيها لينا كل يوم."
"أمرك يا سي زين. دا أنت تؤمرني وأنا أنفذ. قولي بقا تحب أحكيلك ايه."
نظر الأخر إليها وهو يفكر ولكنه عجز أن يطرح عليها إجابة. ثم قال:
"بصراحة مش عارف اختار. أنتي."
"تحب أحكيلكم حكاية الفأر الطباخ."
صاحوا الأطفال موافقين بسعادة لتبدأ بسرد الحكاية بطريقة تناسب مرحلة عمرهم حتى لا يملوا.
مرت دقائق معدودة، فدلف "مروان" إلى البيت بصحبة شقيقه. وكانت "زينة" أول من استقبلته بضمة تعبر عن حبها إليه. حملها بين ذراعيه ثم اتجه نحو "رحيل" مُلقياً عليها السلام. وجلس بجانبها ليستمع لما تقوله إليه:
"اتأخرت علينا النهاردة."
أجابها "مروان" بهدوءٍ:
"كان عندنا ضغط شغل علشان كدا اتأخرت."
دققت النظر إليه لترى وجهه شاحب قليلاً فقالت بنبرة قلقة:
"أنت كويس؟"
ربت على يدها وهو يقول بنبرة دافئة:
"متقلقيش يا ريري أنا بس مرهق شوية من الشغل وتغيرات الجو مش أكتر."
تفوه "آدم" وهو يمسح حبات العرق من على جبينه:
"الجو بره حرفياً حر لدرجة أن الواحد خلاص حاسس أنه هينهار وهيغمى عليه. والله يابخت الحريم أن ربنا مكتبش عليهم الخروج والشغل في الحر ده. أنا فعلاً بحسدكم."
مدت "رهف" يداها إلى شقيقها "آدم" بكوب ماء باردٍ وهي تقول:
"أعانكم الله وجعل تعبكم في الشغل في ميزان حسناتكم."
"يارب يا إخوتي."
مالت "رحيل" بجسدها قليلاً نحو "مروان" لتهمس في أذنيه متسائلة:
"عملت إيه مع خطيبتك."
أجابها بهدوءٍ فقال:
"فركشنا الخطوبة."
صُدمت الأخرى من قولهِ فقالت بحزنٍ:
"ليه بس!"
استرخى في مقعده ثم قال بنبرة تحمل قدراً من الهم:
"الهانم بتخيرني بينها وبين أهلي. لا وكمان عايزاني أقطع علاقتي بيكي. كل ده علشان بتغير عليا منك مع أني قولتلها أنك محرمة عليا شرعاً. لكن هي مابتفهمش وعايزة تفرض كلامها وسيطرتها عليا وتلغي كمان شخصيتي. وأنا الصراحة ما بيعجبنيش البنت اللي بتفكر بالطريقة دي واللي بتبقى عايزة تمشي كلمتها على الراجل وتعمل فيها عشر رجالة في بعض. من الآخر أنا ما بحبش البنت المسترجلة."
ربتت على ظهره بمواساة ثم قالت بنبرة لطيفة:
"ربنا يعوضك بالأحسن منها."
في شركة الألفي كان جالساً على مكتبه بكل هيبة ووقار، يحدق في صورتها التي احتفظ بها في محفظته، ليهمس بداخله: هل تعلمين أن عيناك أبرع لص قد التقيته في حياتي، فقد سلبت قلبي من بين أضلعي دون أن أشعر. فإن فراقك يا معشوقتي نارٌ ليس لها حدود، ولا يشعر بألم الفراق إلا من اكتوى بناره.
تنهد بألم كاد يشق صدره، ففرت دمعة هاربة من عيناه الرمادية. فهو يشعر بأشواك تجرح حنجرته من أثر كتمان الحزن والبكاء، فقال بقهرٍ:
"وحشتيني يا رحيل مش ناوية ترجعي. أنا دورت عليكي كتير بس ملقتش ليكي أثر. مش كفاية كدا عقاب هو أنا مستهلش أنك تسامحيني. إزاي هان عليكي تغيبي عن عيني كل السنين دي كلها. إزاي هان عليكي قلبي الموجوع منذ فراقك؟"
دلف إليه "هشام" الذي أصابه الحزن حين شاهده شارد الذهن، ووجهه يكسوه الشحوب، فجلس مقابله ثم قال بتسأل:
"أنت لسه بتفكر فيها؟"
أجابه "مراد" بصوت مبحوح مليء بالألم:
"أنا عمري ما بطلت أفكر فيها. أنت متعرفش رحيل بتكون إيه بالنسبالي، دي كانت حلمي اللي فضلت أحلم بيه طول السنين واللي كنت ببني. دي عمري كله والنفس اللي بتنفسه اللي لو اتقطع أموت."
"تفتكر إنها ممكن ترجع؟"
"مش عارف. أنا خايف إنها مترجعش. أصل أنا أذيتها أوي وجرحتها يا هشام. أنا هتجنن من كتر التفكير وياترى هي بخير ولا لأ؟ أوقات بسأل نفسي ياترى هي كرهتني ولا لسه بتحبني؟ أنا بجد مبقتش قادر أتحمل غيابها عني أكتر من كدا حاسس أن روحي بتتتسحب مني. ده أنا يا شيخ مبقتش عارف أنام غير بمهدئ من كتر التفكير فيها."
تأثر "هشام" من قولهِ فقال بشفقة:
"ياااه للدرجاتي أنت بتحبها."
أجابه "مراد" بقلب منكسر:
"أنا عديت مرحلة الحب معاها. أنا بتمنى إنها ترجع علشان أعوضها عن كل حاجة. هعوضها على أذيتي ليها وعلى كل دمعة نزلت من عينيها بسببى. أنا كسرتها جامد وهي مش هتسامحني بسبب اللي عملته فيها وخلاها تمشي وتسيب البيت."
نظر إليه "هشام" بشكٍ فقال مستفسراً:
"أنت عملت حاجة تانية فيها."
أشاح بصره لينظر إلى بعيداً عنه ثم قال بحزن شديد:
"أنا مش قادر أتكلم أكتر من كدا. عن إذنك."
عندما أنهى جملته نهض من مقعده ليجذب مفاتيح سيارته، ثم خرج مسرعاً من العمل متجهاً إلى المنزل. فلما وصل صعد إلى غرفة محبوبته كحال كل يوم. جلس على السرير ليتحسس فراشه الناعم، فتألم قلبه حين تذكر تلك الليلة المشؤومة فقال ببكاء ممتزج بالندم والحسرة:
"أنا هنا كسرتك وكسرت قلبك. حرفياً قرفان من نفسي أوي يا رحيل. إزاي قدرت أكسر قلب بريء زيك."
ثم حول بصره في أركان الغرفة، لتقع عيناه على صورتها الموضوعة على الطاولة بجانب المزهرية، ليقول بحزن:
"أنا عمري ما هرتاح غير لما ألاقيكي. بعد فراقك يا عمري أصبح كل شيء يمر ببطء، حتى الدقائق والساعات أصبحت بطيئة حارقة لقلبي، لدرجة أن روحي أصبحت تكتوي في ثوانيها. ومهما افترقنا سيصبح عشقي لكِ ممتداً."
رفع عيناه المليئة بالدمع إلى السماء ليقول بصوت ضعيف:
"ياالله هل لذنبى مغفرة؟ هل لبشرٌ مثلي رحمة ترفق بحالته؟"
كانت تركض خلف طفلتها في حديقة القصر، فوقفت بجانب نافورة المياه لتحاول التقاط أنفاسها المتقاطعة، فقالت بأرهاق:
"زينة اقفي بقى تعبتيني معاكي."
ضحكت "زينة" ببراءة طفولية:
"إيه يا ماما أنتي عجزتي ولا إيه."
قامت الأخرى برفع حاجبيها ثم قالت:
"مين دي يا بت اللي عجّزت يا أم لسان ونص؟ أما أوريكي يا زينة مبقاش أنا رحيل."
لتركض خلفها مجدداً. فقامت الطفلة بالاختباء بأحضان "مروان" المسترخي على المنضدة ليضمها إلى صدره العريض. فأتاه صوتها الرقيق تستغيث به:
"ألحقني يا مرواني هتاكلني."
داعب خصلات شعرها بلطف ثم قال باسماً:
"مين دي؟"
"مامي العجوزة."
جلست "رحيل" بجانبهم ثم قالت:
"بقى كدا يا زينة مامى عجوزة."
تبسم فاه الصغيرة برقة بالغة ثم قالت:
"ماما كفاية تمثيل مش لايق عليكي."
"آه يا ملظوظة ماشي أنتي اللي جبتيه لنفسك."
فقامت بتدغدغها فضحكت الصغيرة بشدة، ثم قالت ببراءة:
"خلاص يا ماما أنا آسفة."
"تستاهلي علشان تقولي عليا عجوزة تاني."
قبلتها طفلتها برفق على وجنتيها وهي تقول بلطف:
"ماما أنا بحبك."
"وأنا كمان بحبك."
أردف "مروان" قائلاً:
"وأنا يا ست زينة ماليش من الحب جانب."
"دا أنت الحب كله."
قهقهة عالياً على قولها فقال بمرح:
"بحبك وأنتي بتثبتيني كدا."
"لو أنا مثبتكش مين بس اللي هيثبتك."
حرك شعرها بعشوائية وهو يقول بنبرة ودودة:
"أقسم بالله نسخة مصغرة من أمك. وبعدين يلا روحي اقعدي مع أخوكي الكئيب اللي هناك دا، علشان عايز أتكلم مع مامى شوية."
ابتعدت عن أحضانه وهي تقول ببراءة:
"أنا مش عارفة طالع لمين الواد ده."
تبسم ثغر "رحيل" بلطف ثم قالت مازحة:
"لأبوكي هيكون لمين يعني."
أردف "مروان" الذي تبسم بخفة:
"أنتي خلفتي طفلة تحسيها ست كبيرة في نفسها ماشاء الله، والتاني تحسيه في ملكوت آخر."
تنهدت بعمق شديد حين تذكرته فقالت بهدوء:
"زين بيفكرني بمراد بجد شبهه في كل حاجة حتى نظرة عينه فيها حدة. طالع لأبوه."
"فعلاً."
اختلست نظرة إلى أطفالها لتشرد فيما حدث لها، فبهت وجهها وارتسمت معالم الحزن عليه. لاح "مروان" تلك النظرة المؤلمة فقال مواسياً:
"ليه بس كل الحزن اللي ظهر في عينيكي فجأة. والله مفيش حاجة تستاهل أنك تحزني عليها."
"أنا حاسة أني تايهة وخايفة."
"خايفة!"
تحدثت "رحيل" بحزنٍ فقالت:
"خايفة أن ولادي يكبروا وهما بعيد عن أبوهم. تعرف أن هما كل شوية بيسألوا هو فين. ولما بقولهم مسافر بيفضلوا يسألوا هيرجع امتى. غير أن زينة بتعيط وبتقول لي أنا عايزة بابي يكون معايا زي باقي الأطفال، وبتقولي ليه بابا سابنا ومشي. وميعرفوش أن أنا اللي سبته. أنا يا مروان خايفة من كل حاجة ومش عارفة أعمل إيه."
"طب ليه يا رحيل متحاوليش تنسي وترجعي؟ أنتي مش شايفة أنك كدا بتظلمي نفسك ومراد وعيالك."
ترقرقت الدمع في عيناها لتقول بصوت مبحوح:
"أنت فاكر أني محاولتش بس غصب عني قلبي لسه واجعني. أنا حبيت مراد بس هو كسرني وخان ثقتي فيه بشكه فيا وضربه وإهانته. أنا هونت عليهم كلهم. هان على أبويا أنه يخذلني وما يثقش في بنته اللي مربيها على إيده. ولا أخويا اللي اتربيت معاه وكبرنا مع بعض هونت عليه أنه يضربني ويجرني من شعري. أنا هونت على عيلتي يا مروان. إزاي عايزني أنسى كل ده وأرجع لهم عادي كأن ما حصلش حاجة. والله كل وجع اتوجعته مكنش هين."
أردف "مروان" بحنان ليقول رفقاً:
"أنا عارف أنه مكنش سهل عليكي اللي مريتي بيه. لكن هو فعلاً اتعاقب وزيادة بسبب بعدك. طب تخيلي معايا كدا لما يعرف أنه عنده طفلين وأنتي حرمتيه منهم هيبقى إيه شعوره؟"
صمت لوهلة ثم أضاف بعقل راجح:
"خلينا نفكر بالعقل دلوقتي. لو أنتي مكانه واكتشفتي أن عندك أطفال عمرهم ست سنين إحساسك هيبقى عامل إزاي؟ على قد ما هتفرحي على قد ما هتتوجعي إنهم اتولدوا وكبروا بعيد عن حضنه. صدقيني هيتوجع أضعاف ما أنتي اتوجعتي."
"بصي يا حبيبتي أنا مش هضغط عليكي. فكري كويس وحاولي تدي فرصة لنفسك ولمراد. لو مش عشانك عشان أولادك. ومتنسيش أننا خلاص هنرجع مصر اليومين الجايين. ف عايزك تقعدي مع نفسك وتشوفي دنيتك هتمشي إزاي. وكفاية لحد كدا حزن ووجع."
ثم أشار على طفلها وقال:
"بصي على ابنك وشوفي الحزن اللي ظاهر عليه. كفاية أن معظم أوقاته بيقضيها لوحده. من رغم أنه صغير لكنه حاسس بكل حاجة حواليه. ابنك يا رحيل نفسه يكون عنده أب يتسند عليه ويتباهى بيه قدام زمايله في المدرسة ويشاركه في حياته وألعابه. أولادك محتاجين أبوهم جنبهم. ف بلاش تحرميهم من نعمة وجود الأب في حياتهم، لأنك هتخسري في الآخر."
أنهى جملته وهو ينهض من مكانه ليقبل رأسها بحنان ثم قال باسماً:
"هسيبك تفكري شوية يمكن ربنا يحنن قلبك."
بعد مغادرته نظرت إلى أطفالها بحيرة وكسرة، لتشرد في مستقبلها لعلها توصل لحل يرضيها ويرضي الطرف الآخر.
في أرض مصر جاءت تلك العائلة لتسكن في بيتها المشع بالأجواء المصرية. كانوا يتجولون في شوارعها المليئة بالأجواء السعيدة. وأثناء مرورهم من جانب مدرسةٍ ما شاهدوا طلاب الثانوية العامة يخرجون من الأبواب والبسمة تعلو وجوههن جميعاً. يتضح أن الامتحان الأخير جعل فرحتهم تعلق في أجواء السعادة. ولينتهي معها أصعب مرحلة في حياة المرء، لتبدأ مرحلة جديدة مليئة بالوعي والإدراك والسعي لتحقيق الأحلام.
تفوه الجد حين سُرّ هذا المنظر فقال داعياً:
"الحمدلله أن امتحاناتهم مرت على خير. يا الله كما رزقتهم بفرحة انتهاء الامتحان ارزقهم بنتائج مبهر ترضيهم."
رد "قاسم" قائلاً:
"يارب يا عمي ربنا يجازي كل واحد على قد تعبه."
"تعرف يا بني مفيش أحلى من بلدنا. مهما بعدنا وطالت الغربة هتلاقي بلدك وقت رجوعك بتستقبلك بكل حب وحنية. ده كفاية ناسها الطيبين اللي مهما لفيت العالم مش هتلاقي في طيبتهم وكرمهم وجدعنتهم."
أجاب "قاسم" بنبرة مبتهجة ممتزجة بالحنان والشوق لأرض الوطن فقال:
"آه والله يا عمي مفيش أحلى من بلدنا. والصراحة أنا دلوقتي بقيت مرتاح لما رجعت لأصلي."
تفوه الجد بنبرة حزينة فقال:
"ولادي وعيالهم وحشوني ونفسي أشوفهم."
"طب ما تروح ليهم."
"والله يا بني عايز أروح بس خايف من ردة فعل رحيل لو قولتلها خلينا نرجع. مش عارف وقتها هتعمل إيه والصراحة خايف لترفض. ما أنت عارف السبب."
أردف "قاسم" بهدوء:
"ولادها صح؟"
"لولا هما كنت خليتها رجعت من زمان."
تفوه الآخر قائلاً:
"إيه رأيك يا عمي نحطها قدام الأمر الواقع ونخليها ترجع لأن كدا مينفعش. حرام عليها نفسها وولادها."
"أنا مش عايز أعمل حاجة تجرح كرامتها."
"متخافش إحنا مش هنعمل حاجة تأذيها. ده كله لمصلحتها مش أكتر."
تفوه الجد ببعض من الشوق:
"بفكر أروح النهاردة وأشوفهم والل يحصل يحصل."
ضحك "قاسم" بخفة ثم قال مازحاً:
"أيوة يا وهدان يا جامد أحبك كدا وأنت مش همك حد."
تبسم الجد ابتسامة بشوشة:
"مالك يا قاسم قلبت على رحيل كدا ليه."
صمت لثوانٍ وهو ينظر من نافذة السيارة باتجاه سيارة المتواجدة بداخلها حفيدته، فأضاف قائلاً:
"وبعدين أنا لازم أنهي المشكلة دي. إحنا بقالنا ٧ سنين ولسه زي ما إحنا."
تحدث "قاسم" مشجعاً:
"نفذ أنت يا كبير وسيب عليا حفيدتك العنيدة عليا."
في قصر الألفي.
تحدث "هشام" بضيقٍ:
"أنت يازفت يامازن ما تجيب فيلم عدل بدل القرف اللي أنت مشغله."
"وأنا عاجبني ده."
"هقوم أرزعك كف يلوحك."
حرك حاجبيه بتلاعب ثم قال مستفزاً:
"وماله يا حبيبي."
أردف "حمزة" قائلاً:
"ياربي كل يوم على كدا. مازن وهشام هو أنتم مش هتكبروا بقى وتعقلوا."
"لا يا حموزة."
رمى عليه المنضدة ثم قال:
"جت حموزة في عينك. أنا عمك يا زفت المفروض تحترمني شوية."
رد عليه الآخر ببرود:
"إن شاء الله المرة الجاية."
وجه "حمزة" حديثه لشقيقه وهو يقول:
"شوفت ابنك اللي مش متربي بيقول إيه."
أجابه "سليم" بقلة حيلة:
"محدش يجيبلي سيره. أنا أصلاً متبري منه."
كاد "مازن" يرد ولكنه بتر كلماته حين رأى شيئاً واقفاً على مقربة منه، فقال بذهولٍ:
"جدو."
جذب "هشام" المتحكم من يده وقال:
"وهو فين جدك ده يا ابني."
نهض من مقعده ليتجه مهرولاً نحوه ليعانقه بقوة كادت تخنق الآخر، فقال بسعادة:
"أنا مش مصدق أنك هنا."
أبعده "حمزة" ليضم أبيه برفق، ثم قال بنبرة مختلطة بالحزن:
"بابا."
أردف الجد بألم فقال بود:
"وحشتني أوي يا حمزة."
رد الآخر وهو يقبل يد أبيه فقال:
"وأنت أكتر يا حبيبي. ليه كدا يا بابا تبعد عننا كل المدة دي."
"معلش يا ابني كان غصب عني."
جاء إليه ابنه الأكبر ليقبل رأسه وهو يقول ببكاء:
"أنت متعرفش قد إيه غيابك كان مؤثر فينا. ليه بعدت؟"
"مكنش ينفع أبقى موجود وسطكم بعد اللي حصل."
جفف "سليم" باقي دموعه ثم أخذ يتسأل:
"هي بنتي فين؟ وليه مجتش معاك؟ أرجوك طمني عليها."
أجابه الجد بهدوءٍ:
"متقلقش يا سليم بنتك بخير."
تحدث "أدهم" ليتسأل عن شقيقته فقال بحزن بليغ:
"طب هي مجتش ليه معاك؟ هي لسه زعلانه مننا."
"رحيل متعرفش أني جيت ليكم."
قطب "سليم" جبينه ليقول مستفسراً:
"أنا مش فاهم حاجة. يعني إيه متعرفش أنك جيت."
"بنتك مش مستعدة إنها تشوفكم."
تحدثت هذه المرة "صفا" بقلب منفطر من كثرة اشتياقها لابنتها فقالت بقهرٍ:
"بس يا بابا هي بقالها كتير بعيدة عننا وهي وحشتني ومن حقي أشوفها. ثم أمسكت معصمه لتقول راجية: أرجوك يا بابا قول لي هي فين خلينا أروح لها أرجوك."
"اهدئي يا صفا وأنا والله هجيبها ليكم بس اصبروا."
تحدث "حمزة" بقلب منشرح فقال بلطف:
"حنان خلي حد من الخدم يجهز أوضة بابا علشان يطلع يرتاح فيها."
"لا يا بابا."
"ليه يا بابا أكيد حضرتك تعبان ولازم ترتاحلك شوية!"
"لا أنا شوية وهقوم أمشي. تجمعكم حواليا دلوقتي بالدنيا وما فيها."
تحدث "مازن" بصوت مرح فقال متسائلاً:
"آه صح يا جدو جبتلي إيه معاك حلو من ألمانيا ها قولي."
شعر وجه الجد بالفرحة اللامتناهية:
"جبتلك حاجة هتعجبك أوي بس مع رحيل مش معايا."
افتر فاه "مازن" مندهشاً:
"دا بجد."
"أيوه."
في اليوم التالي.
كانت جالسة في الشرفة تنظر إلى السماء الصافية التي تجعل الروح تستكين مهما حملت من صعاب. يكاد المرء يتعب من إطالة النظر إليها فجمالها كالفيلم الذي لا نهاية له.
فأتت إليها "رهف" وهي تضع حقيبتها على ظهرها، ثم قالت بحماس:
"مش يلا ولا إيه."
أردفت "رحيل" بلهجة متضطرة فقالت بتوتر:
"مش عارفة اللي إحنا بنعمله ده صح ولا غلط."
"مش أنتي نفسك تشوفيهم؟"
"طبعاً."
"يبقى قرارك صح."
فركت يدها بارتباك ثم قالت:
"خايفة من رد فعلهم. أصلك متعرفيش ندى ونور دول ممكن يقتلوني بسبب فراقي ليهم من غير ما أعرفهم مكاني."
أردفت "رهف" مشجعة:
"سبيها على الله وهو هينصرك."
نظرت إليها الأخرى باسمة ثم قالت برقة:
"أنتي ليه محسساني أننا رايحين نحرر فلسطين."
"يسمع من بؤك ربنا ويحررها فعلاً من بطش القوم الظالمين."
تحدثت "رحيل" بكل ثقة ووقار وهي تنظر إلى السماء فقالت باسمة:
"ورب السماء والأرض لينصرنهم في يومٍ سيفرح به العالم بأكمله."
"عارفة أن النصر قريب... وقريب جداً كمان، وهذا يقيني بالله."
مرت أكثر من ساعة فولجت "رهف" إلى المطعم التي اتفقت عليه مع صديقات "رحيل". فلما رأتهن جالسات في ركنٍ بجانب الحائط تقدمت نحوهم، ثم قالت بلطف:
"السلام عليكم. أنا رهف اللي كلمتكم في الفون."
رددت "ندى" بابتسامة بشوشة:
"وعليكم السلام. اتفضلي حضرتك خير كنتي عايزانا في أمر مهم. ياترى إيه هو."
أجابت "رحيل" التي أقبلت إليهن فقالت باسمة:
"هو الواحد لازم يعمل فيلم عشان يشوفكم."
نظروا إليها بصدمة جعلتهما يتصنمان في أماكنهم، فأضافت هي:
"هو أنا موحشتش حد فيكم ولا إيه."
وعلى حين غرة ارتمت "ندى" بين ذراعيها لتعانقها بقوة ثم قالت ببكاء:
"حرام عليكي اللي أنتي عملتيه فينا. بجد غيابك وجعنا كلنا يا رحيل."
مسحت على شعرها برفق ثم قالت معتذرة:
"حقكم عليا."
ابتعدت عنها لتوجه حديثها إلى صديقتها الأخرى:
"مالك يا نور مش ناوية تسلمي عليا."
أشاحت "نور" وجهها بحزن وقد ترقرق الدمع في عيناها ثم قالت:
"اللي هنا عليه فراقنا. يهون علينا لما يحاول يرجع لنا تاني."
طأطأت رأسها بألم ثم قالت بحزن:
"محدش فيكم هان عليا. أنا اللي هونت عليهم كلهم. أنتي بالذات المفروض تراعي اللي مريت بيه لأنك صحبتي وأختي وعارفة عني كل حاجة."
فجاءت أن تذهب من أمامهم ولكن "نور" أوقفتها وهي تقول ببكاء:
"عمر اللي حصل ما هيغير صداقتنا وعلاقتنا ببعض. متزعليش مني أنا كنت زعلانه من بعدك مش أكتر. بس مش مهم المهم إنك رجعتي ليا بالسلامة وكل شئ بعد كدا يهون يا صديقتي."
ثم عانقتها فبادلته الأخرى هذا العناق، فنزلت من عين "رهف" دموع التأثر والشفقة، فقالت برقة:
"الحمدلله دلوقتي أقدر أقول رجعت المياه لمجاريها."
نظرت إليها "ندى" متفحصة ثم قالت بتسأل:
"مين دي؟"
أجابتها "رحيل" متبسمة:
"دي يا ستي بنت عمو قاسم. أكيد تعرفوه."
" طبعاً."
"المهم خلونا نمشي. في حد كدا عايزة أعرفكم عليه."
تحدثت "نور" بتسأل:
"مين ده؟"
"هتعرفوا لما نوصل."
صف سيارته أمام المنزل التي تقيم فيه محبوبته، هبط منها ليقف بمكان قريب خلف أغصان الشجر حتى لا يراه أحد. مرت دقائق عليه وكأنها كالدهر. فلما أبصر بها دبت في نفسه مشاعر الشوق والحب. ولكنه بهت حين وجد طفلين يركضون حولها في فرح وسعادة. وحين شاهد اقترب رجلٌ منها قام باحتوائها بين ذراعيه مقبلاً مقدمة رأسها، فقد ارتسمت على محياها ابتسامة مشرقة دليلاً على فرحتها.
أغمض عيناه حزناً فهمس قائلاً:
"تأخرت يا مراد لدرجة أنها بقت لراجل غيرك. أهو اللي كنت خايف منه حصل."
أنهى حديثه مع سقوط دموعه التي أحرت ذاته، فقد فارقته روحه في هذه اللحظة.
رواية هجران رحيل الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شامة الشعراوي
كان واقفاً على منحدر عالٍ فوق الجبل، فقد تغيرت حالته كثيراً منذ رؤيتها فى تلك الليلة، قد بات عليه أمارت الألم، شعر وكأنه تخطى الخمسين من عمره فى هذة الأيام الثقيلة.
فهو لم يعد كما كان ذاك الشاب القوى المتفائل، لقد ملأ اليأس فؤاده وتمكن الحزن من ذاته، وأصبحت جميع الأشياء باردة بالنسبه له منذ غياب معشوقته، ظهر التعب والأرق عليه وكان هذا ظاهراً تحت عيناه الذى يسكنها سواد الليل المستوطن تحتهما.
تحسر على ماوصلت إليه حالته، بعد ما كان لا يقهره شئ، ولكن الآن بات رجلاً ضعيفاً فقد أغلى ما لديه.
انسكبت الدموع على خديها من شدة الهم الذى يحمله على عاتقه، فبدأ بكائه يعلو رويداً رويداً وكأنه فى ميتم.
فرفع يديه إلى السماء ليقول بألم يعصف كيانه:
- يارب أنا عبدك وأنت ربي فرفقاً بحالي، ارحم ضعفي وقلة حيلتي ياصاحب الرحمة.
فلما وضع يده على قلبهِ أردف بنبرة حزينة متحشرجة من أثر البكاء:
- يارب هذا قلبي وأنت مالكه فأرح نبضاته التى تؤلمني، فما ذنبي أن أحببت أحداً ليس من نصيبي، فما ذنبي؟
قاطعه وقوف رجلُ بجانبه فكان عجوزاً يتكأ على عصا سوداء، فقال:
- يابني لا تحزن عسى غداً يحقق الله مرادك، ليُقر عيناك وفؤادك بالجبر بعد طول الانتظار والصبر.
حدق به "مراد" متعجباً، ليكمل العجوز صاحب الشعر الأبيض قائلاً:
- يابني لا تحزن وتذكر عظمة ربك فهو عليك هين، وما أدراك لعلى ما تريده وتحتاجه هو نفسه ما يريده الله لك، يابني أيا كان الذى تمر به سينتهي يوماً وكأنه لم يكن.
تحدث "مراد" متسائلاً:
- أنت مين؟
أجابه العجوز ذو الوجه البشوش وعلى لسانهِ قولٌ جميلٌ:
- أنا الغريب فى أرض الحبيب، أنا عبد الله الذى لا أرجو سواه، أنا الفقير بين يدى الحبيب الذى إذا سأله أجاب، أنا الذليل الذى يقرع باب عظيم السلطان والجاه، أنا عبد الرزاق الذى يُعطى بسؤال وبغير سؤال، أنا يابني رجلٌ عجوزٌ شيب الشعر ضعيف البدن فقل ليّ: من ذا الذى يأوي العجوز غير سواه، فإنه أكرم الأكرمين الذى بيده الأمر والتصريف، فهو الله أعرف المعارف لا يحتاج إلى تعريف، وعسى ربك يبدل الحال لحال يرضيك فهو الحامل للأقدار، فذهب إليه وسأل سؤالك حتى يُنجيك.
ثم سار بخفة وهو يدب العصا بالأرض و يكرر قوله:
- الملك لك ياصاحب الملك، الملك لك ياصاحب الملك، الملك لك ياصاحب الملك.
ظلّ يردد حتى ابتلعه ظلام الليل الدامس، بينما "مراد" ذهب خلفه ليبحث عنه لكنه لم يجد له أثراً، فوقف مذهولاً من هذا الغريب الذى ظهر له من العدم.
طقطق شعر رأسهُ عندما عمّ السكون وهدأت حركة الهواء، ليبدأ صوت عويل الذئاب فبدأ يعلو تدريجياً وعلى حين غرة هبت رياح قوية محملة بالأتربة كادت تطيح به فى الهواء.
***
فى صبحية اليوم التالى.
كانت "ندى" تجر "مازن" خلفها لتقف مقابل البيت التى تسكن به شقيقته، فهتف الأخر منزعجاً:
- ياندى أنتى جرانى ع فين كدا.
تنهدت بعمقٍ ثم قالت بلطف:
- ماهو لو صبر القاتل على المقتول كان مات لوحده.
فأردف بمزاج معكر فقال:
- مش عارف أنا ايه اللى خلاني اسمع كلامك.
لحظات وفُتح الباب تلقائياً، ليلجوا إلى الداخل ليسروا معاً من خلال الممر المؤدي إلى غرفة المعيشة، فنشرح صدر "مازن" ليردف بسرور وبهجة فقال غامزاً:
- الله عليكى ياندوش بقى يابت أنتى جيباني هنا يالئيمة علشان تستفردى بيا براحتك صح، طب مش كنتى تقولى كدا ياشيخه من الأول وأنا كنت ظبتلك احلى ليلة ياعسل أنت.
قاطعه صوت شقيقته من الخلف وهى تقول ضاحكة:
- مش معقولة يامازن هتفضل طول عمرك كدا لسانك طويل وبتاع بنات.
بينما هو تسارعت ضربات قلبه شوقاً أحقاً ما سمعته أُذنيه حقيقة أم خيال، فلما استدار إليها وجدها تقف أمامه بأطلالتها المشرقة، طفرت دموع الفرحة من عيناه فدن منها ليلمس وجنتيها برفق ليقول معاتباً:
- اااه يامن هانت عليها فراقي، أهان عليكي تؤامك.
نظرت إليه بعينان تسكنهما دمعة والم يسكن قلبها، فقالت بندمٍ:
- لم تهن، حقك عليا.
عانقها بقوة لتستقبل هى عاتبه الحزين بصدر رحب، على الرغم من أنها غارقة فى قاع البؤس ولكنها كانت هادئة.
ابتعد عنها قليلاً ليملأ عيناه من النظر إليها، فافترّ فاهُ عن بسمة فارحة ممتزجة بالحنان، مد يده ليمسح دمعة عالقة على جفن شقيقته، ثم قال بلطف:
- كفاية حزن لحد كدا لأن لو فضلنا فى دوامته عمر اللى فات ماهيرجع.
- عندك حق ياحبيبي.
جذبته من ساعده بروح منشرحة وعلى معالم وجهها الفرح والسرور، فقالت مبتهجة:
- تعالى أوريك الهدية اللى جبتها ليك من ألمانيا.
تهلّلت أساريره والتمعت أعيُنه سروراً فقال بمرح:
- والله أنا دايماً بقول البت رحيل دى بنت حلال.
ضحكت "ندى" بخفة ثم قالت مازحة:
- ماتصدقهوش دا كداب هو بيقول كدا عشان مصلحته مش أكتر.
تحدث "مازن" مستعطفاً:
- تعرفى أنك ياحبيبتي قطاعة أرزاق ماتسيبي الواحد يشوف رزقه الله.
استقبلتهم العائلة بترحاب شديد، فجاءت الطفلة راكضة فى سرعة وسرور كالعصفور الطلق الذى غادر قفصه، فكانت مفعمه بالحيوية والنشاط، أوقفتها "رحيل" قائلة:
- زينة كفاية لعب.
أردفت الصغيرة بصوت ملائكى ناعم ورقيق وهى تقول:
- حاضر يامامي بس أنا جعانة.
لمست خدها بحنان ثم قالت بنبرة لطيفة:
- من عنيا ياقلب مامي هجبلك تأكلى.
افترّ ثغر "مازن" الذى اعتلت ملامحه معالم الصدمة والدهشة ليقول مستفسراً:
- مامي ازاى!
خاطبته "رحيل" بنبرة متزنة هادئة فقالت:
- دى بنتي.
أردف متسائلاً:
- أنتى اتجوزتى؟
تذبذب كيان "رحيل" فهى لا تعلم بماذا ستخبره، قطع تفكيرها صوت أنقذها من هذا المأزق، فكانت طفلتها التى رنة ضحكاتها فى أرجاء البيت، فتفوهت بطريقة معبرة تصف بها خالها فقالت بنبرة فُكاهية:
- مامي ده طلع فعلآ شبهك بس عنده شنب كبيييير.
بينما الآخر لازال فى حالة ذهولٍ تام، فقال مندهشاً:
- أنا مش فاهم حاجه مين دي!
أشرقت عيناها فخراً وهى تحول بصرها إلى طفلتها ثم قالت:
- هفهمك كل حاجه بس ممكن تقعد كدا وتسترخى لحد ماجبلك حاجه تشربها.
عندما اتجهت إلى المطبخ جلس على المقعد بأرتياح ليحول بصره بجميع الاتجاهات مستكشفاً للمكان، فلما وقعت عيناه على المقعد الجانبي وجد طفل ذو شعر أشقر عابس الوجه، طال النظر إليه فبدت علامات الدهشة والحيرة تتملك منه، فحول بصره باتجاه "ندى" وهو يشير باصبعه للطفل ليتسأل:
- مين ده كمان؟
أجابه الصغير بلهجةٍ غاضبةٍ عابسةٍ فقال متذمراً:
- أنا ابن مامي.
حدق "مازن" به فعقد مابين حاجبيه وقال متعجباً:
- اللى هو ازاى مش فاهم، أنت مين وهى مين ومامي مين، الله يخربيتكم أنا ايه اللى جبني هنا، أنا عايز اروح!
عضت "ندى" على شفتاها لمنع ضحكاتها من الخروج، فهيئة "مازن" من هول الصدمة بدأت مضحكة بعض الشئ، فقالت باسمة:
- مالك بس ياحبيبي ايه اللى حصلك.
- أنا حصلي ارتجاج فى المريئ.
- قصدك ارتجاج فى المخ.
- تؤ ارتجاج فى المريئ، وبعدين ايش فهمك أنتى دى حالتي وأنا عارفها.
ضربت الأخرى كف على كف بقلة حيلة لتقول ضاحكة:
- لاحول ولا قوة الا بالله خطيبي اتجنن ياجدعان.
***
فى اللحظة التى كان فيها قرص الشمس يختفى خلف الأفق ولج الحارس ليخبر أهل البيت قائلاً بأحترام:
- استاذ قاسم فى راجل بره عايز يشوف حضرتك.
رد عليه الآخر متسائلاً فقال:
- متعرفش هو مين.
- للأسف لأ، اقوله يدخل ولا أمشيه.
- خليه يتفضل لما نشوف مين ده وعايز اي.
على الجانب الآخر فى غرفة المعيشة وضعت "رهف" باقة الزهور فى المزهرية القرموزية، لتدور حول نفسها بسرورٍ وحبور، لتصيح "رحيل" غاضبة على طفلتها التى بعثرت أوراق الجريدة أرضاً فقالت عابسة:
- حرام عليكى يابنتي بتعملى ايه.
أردفت الطفلة ببراءة وهى تضع طرف القلم فى فمها فقالت متلعثمة:
- بحل الكلمات المتقاطعة.
أخذت تلملم أدوات التلوين والأوراق المتناثرة، فقالت منزعجة:
- وأنتى أيش فهمك فى الكلمات المتقاطعة.
أردفت "رهف" مبتسمة:
- ما تسبيها على راحتها يارحيل، بنتنا ذكية وحابة تقوى ذكائها ونشاطها.
نهضت الصغيرة من مكانها لتشد ثوب رهف وهى تقول برقة:
- أنا عايزة ورد من البتاعة دى.
ثم أشارت نحو المزهرية، فقامت الاخرى بجذب واحدة منها لتعطيها أياها، فقفزت الصغيرة بسعادة لتقول:
- شوفتى يامامي لونها حلو أزاى.
مسدت على شعرها برفق وهى تقول:
- حلوة زيك يازينة، و يلا أطلعى على فوق لأخوكى.
- حاضر.
فلما استدارت "رحيل" للخلف رجت الصدمة كيانها وسيطر عليها الاضطراب الشديد، ليصيبها ألمٌ قوى هدّ أوصالها، كانت تحدق بأبيها تحديق المعاتب المقهور، فبدت عيناها تغرغر بالدمع حين تذكرت كلماته اللاذعة، أنه أبيها الذى تخلى عنها حين توسلت إليه راجية تصديقها وحمايتها من بطش الظالمين، أنه أبيها الذى قال أبنتى توفها الله وهى على قيد الحياة، كل تلك اللحظات تداهمت وتزاحمت بداخل عقلها، فكانت نظرتها المطفية تحكى كل شئ، فكانت تعاتبه بلغة الأعين قائلة، لماذا تركتني وحيدة عندما تخلى عني من أحببت، لماذا خذلتي يا أبي حين مددت يدى لك مطالبة الحماية والأمان؟، لقد تركت أثراً مازال يؤلمني.
بينما هو كان يتأملها بشوقٍ، فقال بنبرة حزينة:
- أنا أسف يابنتي على كل الأذى اللى اتسببته ليكى.
هربت الدموع العالقة باهدابها الكثيفة لتقول بصوت مهزوز:
- أسف!، أسف على ايه ولا ايه، دا أنا بسببكم فضلت عايشة طول السنين اللى فاتت فى تعاسة وحزن، ولحد دلوقتى مش قادرة اتخطى اللى حصل ولا قادرة اتحمل وجع الخذلان اللى اتعرضتله منكم، أنا يابابا مكنش ليا غيرك اروحله وأطلب منه يسمعني، لكن أنت بعدتني عنك بكل قسوة وكأني مش بنتك.
تحدث "سليم" راجياً:
- أرجوكِ اسمعيني.
أجابته بنبرة متالمة فقالت بأرق:
- أسمعك وكان مين سمعني منكم وأنا بحاول أدافع عن نفسي، قولي لو الأهل ماهتموش بأمور بناتهم وحاولوا يسمعوهم كان مين هيهتم بيهم ويسمع مشاكلهم ويحاول يحلها، دا كان أنا مسكت رجليك واتحميت فيك وطلبت مساعدتك لكن أنت عاملتني بقسوة وبعدتني عنك، ولما استنجدت بيك لما ابن أخوك كان بيضربني عملت نفسك مش سامع وكأني مش حته منك بتتأذى قدام عينيك، ودلوقتى جاى تقولي أسف واسمعيني.
صمتت لوهلةثم أضافت ببكاء وهى تكرر قولها:
- ولما أنا أسمعك مين هيسمعني وهيتحمل معايا حزني وألمي، مين فيكم عنده القدرة أنه ينسيني الماضى.
اختلست نظرة إليه بأعين حمراء باكية، لتكمل قائلة:
- صدقني لو كنت سمحت لنفسك دقيقة تسمعني فيها مكناش وصلنا للمرحلة دى، كنت أنت الوحيد المفروض تقول بنتي مستحيل تكدب وتخون ثقتي فيها، دا ياشيخ لو العالم كله صدق عني أني وحشه المفروض أنت كأب متصدقش، وتقول بنتى عمرها ماتحط رأسى فى الأرض ابداً.
جففت عيناها الذابلة بظهر يدها لتقول بحده:
- ودلوقتى آسفك مرفوض، أصل مابقاش عندي القدرة أني اسامح اللى خذلني فى يوم من الأيام.
أنهت حديثها لتهرول من أمامهم لتجر معها خيبة الخذلان والحسرة.
فمن منّا لم يتجرع مرارة الخذلان فى كأس مكسور الحواف، فكل واحد منا مر بهذة التجربة ولكن بطريقة مختلفة!
نكس رأسه بندمٍ ليربت "قاسم" على كتفه وهو يقول مواسياً:
- متزعلش منها ياسليم هى مش قصدها تجرحك بكلامها.
أردف "سليم" بنبرة يكسوها الحزن والحسرة فقال بألم ينخر حنجرته:
- مش زعلان منها، أنا زعلان من نفسي ياقاسم لأن خذلت بنتي ووصلتها للمرحلة دى، أنت مش شايف الكسرة والألم اللى ظاهر عليها.
- كل حاجه هتتصلح ياصاحبي وهترجع أحسن من الأول، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، فاصبر وتوكل على المولى.
ولج إليها الجد ليجلس بجانبها ليراها تبكى فى صمت فقال بهدوء:
- ياحبيبتي أهدى عارف أنه غلط فى حقك، ولكن مفيش بنأدم على وجه الأرض خالى من العيوب والأخطاء، وهو جه واعتذر فاغفرلى له.
نظرت نحوهُ بأعيت ممتلئة بالدمع فقالت بنبرة حزينة:
- أنت بتدافع عنه عشان ابنك.
تبسم الجد بخفة ثم قال:
- ما أنتى بنته وحفيدتي.
مسد على خصلاتها الناعمة بحنان وعطف ثم قال بعقل راجح وحكمة:
- الدنيا دى يابنتى دار بلاء ومحن، فما سلم منها أحدٌ من الهم، فأنسى الماضى وأغلقى على ملفاته وارميها فى زنزانة الإهمال والنسيان، والتمسِ الأعذار لمن أساء لكِ، علشان تقدرى تعيشى فى سكينة وهدوء، ومتخليش الشيطان يوسوس لكِ بقطع الأرحام ويعيشك فى نكد وغم، يابنتي متزعليش من حد فوالله الحياة أقصر مما تتصورى ماأنتى متعرفيش الموت هياخد مين فينا الأول،،نسيتي وصية رسولك لما قال لا يهجر المسلم أخاه فوق ثلاث أيام، وأنتى هجرتى أهلك ٧ سنين وده ميرضيش ربنا، فالحياة أصلاً تافهةٌ زائلةٌ لا تستحق دقيقة واحدة من أننا نزعل من بعض ونشيل جوانا،دا غير أن كلنا فى مركبة واحدة ابتلينا بالحزن والألم طول الفترة اللى فاتت، فلا تزديها غماً وهماً فما فيها يكفيها.
- عايزني أنسى كل اللى حصل بسهولة!
- اه أصل عقلك لو فضل يفكر فى المصائب اللى حصلت وضخم حجمها صدقيني هيتكوى بنارها، أنتى بس غمضى عينك لدقيقة واحدة وفكرى فى النعم اللى ربنا وهبها ليكِ من وراء هذا البلاء وقتها بس هتلاقى قلبك عمرَ بالسرور والسعادة، وشردت روحُك كالعصفور، وصار فى صدرك بستانُ الأفراح والبهجة،،فالحياة أمامك كما هى فيها سرورٌ وحزنٌ، وأمنٌ وخوفٌ. وراحةٌ وتعبٌ، فاختارى منهما ما يُسعدكِ ويشرح صدرك، قدامك فرصة لتصلحى ما افسده الآخرون.
ربت على يدها برفق وهو ينهض ثم قال بلطف:
- الرضا يابنتي بوابة السعادة ومفتاح الراحة، فارضِ بحكم الله وقدره، وثقى فى قضائه، وسلمِ أمرك لرب السماء والأرض، يُكفيكِ همك، فمن رضا عاش أجمل وأروع وأبهى حياة.
فخرج من الغرفة بهدوءٍ تام ليتركها تفكر فى مصيرها لتحدد ما تريده.
***
فى الأمسية ساورتها حيرة شديدة من حديث جدها فبقيت تجوب الغرفة جيئة وذهاباً، خفق قلبها وتسارعت نبضاته حين أعلن هاتفها عن اتصال مُفاجئ، فلما أجابت على المتصل تسمرت مكانها وجمد الدم فى عروقها، وأحست بثقل فى رأسها حين ساورها الدوار، فامسكت بطرف الطاولة حتى لا تسقط، فألقت الهاتف على الفراش ثم أسرعت بخطواتها إلى الخارج.
ما أقبح أنا تكون حياتنا مهرجاناً دون أنوار، فهى مليئة بالعتمة والأسى، فبكل آسف كان هنا صرخات تتعالى فى كل ركن من أركان البيت، وقفت متصنمة عندما وجدت شقيقها الأكبر جالسٌ على الدرج واضعاً رأسه بين يديه بحزنٍ وأسى، فكان صوت بكائه عالياً فلما رائها قال بشهقات متقاطعة:
- بابا مات يارحيل، مات قبل ما أنتى تسامحيه، مات وكان نفسه يشوفك ويحضنك، كان نفسه تبقى جمبه لكنه مات قبل مايحقق أُمنيته، بابا مات وسابنا لوحدنا فى الدنيا من غير ضهر ولا سند.
صعدت على الدرج بخطوات ثقيلة، فلما ولجت إلى غرفته وجدت نسوةٌ العائلة مرتدين الثوب الأسود يقفن على الصفين، حولت بصرها باتجاه الفراش فشاهدت أبيها مكفنٌ بالقماش الأبيض، وفى هذا الأثناء شعرت وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، تسارعت وتيرة تنفسها، عندما تفوهت والدتها التى عانقتها بشدة وهى تبكى:
- سليم مات وسابنا يارحيل.
أنكرت هذا القول فقالت بعدم أدراك:
- مستحيل دا كان عندى النهاردة، أكيد بتكدبوا عليا.
فقامت "صفا" بازاحة طرف الكفن ليظهر وجهه الشاحب المائل إلى اللون الأصفر، كانت تحدق به تحديق الخائف ثم أحست وكأن عموداً من الثلج جمدها فى مكانها.
***
أنتهت مراسم الجنازة وهدات الأرجل، كانت جالسة بجانب القبر واضعه كفها عليه لتتحسس دافئه، أغرقت مياه عيناها كلتا خديها.
- بكيت عليك ياأبي حتى انقطعت أنفاسي، لا شئ أصعب من أن تكون بعيداً والتراب مثواك، مازلتُ غير قادرة على الاستيعاب بأنك لن تكون بيننا بعد الآن، وهذا مايؤلمني، ليتني كنتُ سمحت لك بأن تجلس معي هذة المرة، ليتني كنتُ سمعتك كما أمرتني، ليتني كنتُ بجانبك ولم افترق عنك.
أخذت تزيح التراب بيد مرتعشة وهى تردف ببكاءٍ مريرٍ كاد يُمزق أحشائها:
- يابابا أنت سامعني، يابابا قوم يلا أنا جيت علشان اسمعك، مشيت ليه قبل ما حضنك وأشبع منك، مشيت ليه قبل ما نتصالح ونرجع زى زمان، مشيت ليه يابابا وسبت بنتك، سبت بنتك لمين من بعدك ياحبيبي؟
سندت جبينها على القبر وقالت هامسة:
- يعز عليا فراقك ياعمري، يعز عليا فراقك يابابا، ياريت التراب كان خد روحي بدالك.
ثم قامت بنهش التراب مجدداً بأظفرها وهى تصرخ بعنف:
- يابابا أخرج علشان خاطرى ماتسبنيش يابابا.
جاء "مراد" ليبعدها برفق وهو يزيح من يدها التراب، فقال بحزن:
- حرام اللى بتعمليه ده، ادعيله بالرحمة والمغفرة.
نظرت إليه بعينان تسكنهما الحزن والألم فقالت ببكاء:
- بابا يامراد ازاى هان عليكم تدفنوه فى التراب، ازاى جالكم قلب تسبوه لوحده فى القبر، ازاى هان عليكم فراق سليم؟
احتوائها بين ذراعيه ليقول بنبرة ممتزجة بالبكاء:
- مكنش هاين عليا لكن ياحبيبتي الموت علينا حق ودفن الميت فى التراب واجب.
حبست أنفاسها بين صدرهُ لتنطلق من أعماقها صرخة قطعت أحبالها الصوتية، صرخةٌ مؤلمةٌ كادت تمزق فؤاد الحاضرين.
رواية هجران رحيل الفصل السادس عشر 16 - بقلم شامة الشعراوي
اضطربت نفسها وتسرب الهلع إلى فؤادها واصفرّ وجهها من ذاك الحلمُ التى رأته فى منامها، فأطبقت عيناها لتسترد أنفاسها وحمدت ربها أنه مجرد كابوس ولم يكن واقع أليم.
أخذت تمسح قطرات العرق من على جبينها، ثم مدت يدها لتطفئ ضوء المصباح التى تركته ليلاً، فقد أشرقت شمس يوم جديد.
لتنهض من مكانها وهى تفكر فيما ستفعله اليوم.
بعد عدت ساعات وقفت امام منزلها القديم بحالة كئيبة منكسرة، فقد خرجت منه منذ سبع سنوات والآن ترجع إليه بكامل أرادتها بعدما فكرت جيداً فى حديث جدها لتعمل بنصيحته فى عدم قطع صلة الرحم بين أبويها، لذا هى الآن متواجدة هنا.
ولجت من الحديقة الخلفية لتسير من البهو المؤدي إلى مكتبة أبيها الخاصة، فهي على علم ودراية بأن والدها فى تلك الساعة يكن متواجداً فى مكتبته يعمل على قراءة الكتب، فقد عزمت على أن تلتقى به أولاً ثم ستقابل باقى العائلة.
فلما وقعت عيناها عليه رأته جالساً على كرسياً يطالع أوراق الشجر المتأرجحة فى الخارج بعينين حزينتين تحكى قسوة السنون التى قضاها مُنذ غياب ابنته، فأصبحت خطوات التجاعيد تملأ وجهه، وشعره بدأ يميل للون الرمادي.
فرفع يده ليمسح أثر لغباراً قد دخل فى عينيه، بينما "رحيل" فطفرت دمعه من مُقلتها عندما وجدته فى تلك الحالة السيئة.
وعلى حين غرة جلست تحت قدميه وهى تناديه بصوت ضعيف:
- بابا.
حول بصره باتجاه صوتها ليراها جالسة تحت رجليه تبكى بندم، فبالرغم من تواجدها الذى صدمه إلا أنه عانقها بحزن بليغ وهو يجهش بالبكاء كالطفل الصغير الذى فقد أمه.
فقال بنبرة متأثرة:
- أنا مش مصدق نفسي أنك هنا بين ايديا، كنت فاكر أني مش هقدر احضنك تانى ولا أشوفك، أنا أسف يابنتي أسف على كل خذلان ووجع سببته ليكى.
ربتت على ظهره بشفقه فسمعته يبكى قائلاً:
- أنتي سامحتيني صح يارحيل.
- لو ما كنتش سامحتك كان زماني مش موجودة هنا.
- يعني بجد سامحتيني.
- وجودي معاك دلوقتى أكبر دليل على أني سامحتك يابابا، أصل الدنيا مش مستهلة أننا نقضيها فى خصام ومقاطعة بعض.
ابتعد عنها قليلاً ليمسد على خصلاتها برفق وهو يقول بحزن:
- أنا عرفت كل اللى حصلك من مراد وأنك عندك أطفال منه، وطبعا لما عرفت أنه أذاكى طردته من البيت نهائياً لأن مش طايق وجوده معانا بعد القرف اللى عمله وكان لازم يتعاقب بحرمانه من شغله وبيته وكل حاجه كان يملكها، أنا بجد اتخدعت فيه ومكنتش أعرف أنه بالقذارة دي.
قامت "رحيل" بطرح سؤالها فقالت:
- طب حضرتك متعرفش هو فين.
اجابها بضيقٍ فقال:
- لا معرفش ومش حابب اعرف إن شاء الله يكون فى جهنم الحمرا، أنما أنتي بتسألى ليه!
جمعت شعرها بلين على جانب واحد وهى تقول بحرج:
- عادي مجرد سؤال.
كان يحدقها بها بشوق ثم قال بلطف:
- أنتي متعرفيش قد ايه كنتى وحشانى، دى صفا هتفرح أوى لما تعرف أنك هنا.
تبسمت بخفه لتنهض من مكانها وهى تقول برقة:
- أنا عايزة اشوفها.
نهض معها ليسروا إلى الخارج متجهين إلى حيث تمكث زوجته.
بعد دقائق معدودة كانت جالسة بجانب والدتها التى عانقتها بشدة فبادلته الأخرى هذا العناق بترحيب وسعة صدر.
فأردفت "صفا" بتأثر وحزن فقالت:
- وحشتينى اوى يابنتى، أرجو أنك تغفرى لي قسوتي ومعاملتي السيئة معاكي، كل اللى عملته كان على سوء جهل مني، أنا عمري ماكنت بكرهك يارحيل، دا أنتي بنتي حته منى و مفيش أم بتكره ولادها مهما كانت قاسية عليهم.
رددت عليها الأخرى مهدئة فقالت بنبرة لا تخلو من الرحمة:
- أنسي كل اللى فات ياماما وخلينا نبدأ من جديد وصدقيني أنا مش زعلانة منكم.
أردفت "صفا" بعد ما سرت فى نفسها فرحةٌ غامرةٌ فقالت باسمة:
- طبعاً هنبدأ من جديد ومش هيبقى فى زعل بعد كدا.
- يااااه ياماما دا حضنك طلع حلو بشكل، ابقى أحضنيني كل شوية.
مسحت خصلاتها بلطف ثم قالت بندم:
- أسفه على كل لحظة بعدتك عني فيها.
ولجت "نور" إليهما والتى كانت تحمل فتاة صغيرة تشبه عمتها إلى حد كبير، فمدت يدها لصديقتها لتعطيها الصغيرة فحملتها الأخرى بسعادة وسرور وهى تقول بداعبة:
- ياماشاء الله ايه القمر ده.
تفوهت "نور" بنبرة مرحة فقالت:
- ايه رأيك فى إنتاجي جميل مش كدا.
رددت "رحيل" وهى تقبل الصغيرة فقالت بنبرة فارحة:
- جميلة أوى يانور وطالعة كمان شبهي.
ضحكت الصغيرة بخفة وهى تعبث فى شعر عمتها البرتقالي التى أعجبها لونه، فقالت مبتهجة:
- بنته عجبها شعري وشكلها كدا ناوية تقطعه.
- براحتها تعمل اللى هى عوزاه.
- طبعاً هو أنا قولت حاجه دي قلب عمتها فداها شعري كله، الا قوليلي هى عمرها قد اي؟
- سنة ونص تقريباً.
- تقريبا!
مرت عدت دقائق ليست كثيرة، فدلف شقيقها الأكبر والذى يبدو عليه الاضطراب الشديد، فهو خائف من تلك المواجهة ومن رددت فعل شقيقته التى أساء إليها، فبُهتت "رحيل" حينما شاهدته أمامها يطالعها بنظرات نادمة.
نظر إلى زوجته بتردد فبادلته النظرة بثقة لتشجعه على التقدم نحو شقيقته ليبث اعتذره لها.
استرد أنفاسه ثم بدأ يسترسل كلماته فقال بحسرة:
- رحيل أنا مش عارف اقول ايه ولا ابدء كلامي أزاى، لكني حابب اعتذر منك على عدم ثقتي الكافية فيكي.
نكس "أدهم" رأسه بحزنٍ وندمٍ، وقال بنبرة متحشرجة:
- آسف، آسف على كل حاجه وحشه أنا عملتها.
دبت فى نفسها مشاعر الشفقة، و مالبث ثوانٍ فوجدها تمسح على شعره مسحة حنان، فذرف دمعة عالقة فى جفنه.
فقالت برفق:
- مهما عظمة الاختلافات وكثرة الأخطاء هنفضل فى الأول والأخر أخوات وملناش غير بعض ياأدهم.
أجهش فى البكاء وهو يعانقها أسفاً وحزناً، وقال:
- أنتي ازاى كدا، أزاى بعد اللى عملته فيكى سامحتيني بالسرعة دي؟
ربتت عليه بطيبة قلب ثم قالت:
- مش قولتلك أننا فى الأول والأخر أخوات وملناش غير بعض، وبعدين ياسيدى أنت نسيت كرم أختك.
ضحك بخفة وهو يحاوط وجهها بين كفيه ثم قال بلطف:
- طبعاً هى دي حاجه تتنسى من كتر كرمك غبتى عننا سبع سنين بس.
تبسمت "رحيل" ابتسامة بشوشة وهى تقول:
- شوفت أنا كريمة أزاى، عشان كدا لازم تشكروني أني ماغبتش العمر كله عنكم.
أردف أبيها وهو يضيف حس فُكاهى للمكان:
- ياااااه يابنتي بجد شكرا لولا كرمك الكبير مكناش شوفناكى.
انحنت بطريقة مضحكة وهى تقول بسعادة:
- شكرآ شكرآ على كلامك الرائع.
نظر إليها شقيقها ليقبل مقدمة رأسها معبراً على مدى سعادته بلقاها، فهى تحمل قلبٌ جميلٌ ونقىٌ يسع الجميع وحساسٌ للغاية بنفس الوقت.
تفوه "أدهم" بنبرة مرحة:
- يعني خلاص صاف يالبن.
تبسم ثغرها عن ابتسامة عذبة فقالت:
- حليب ياقشطة.
مع غياب الشمس أسدل الليل ستائره وتلألأت النجوم فى السماء، عادت "رحيل" من الخارج فولجت إلى غرفة المعيشة لتتجمد فى مكانها كالخشبة، لتحملق به بقسوةٍ ليغلى الدم فى عروقها ويكاد ينفجر من عينيها المحمرّتين.
ركضت مسرعة نحو صغارها لتجذبهم بعنف من بين أحضانه، وهى تصيح غاضبة:
- أنت بتعمل ايه هنا يبنادم أنت؟
نهض من مكانه بهدوءٍ ولازال مسلط بصره نحوها، فقال بنبرة ممتزجة بالعطف:
- جيت اشوف ولادي اللى أنتي حرمتيني منهم.
انصدمت من معرفته بالحقيقة فأخذ صدرها يعلو ويهبط من كثرة الأنفعال، فقالت منزعجة:
- ومين قال أن هما ولادك من الأساس.
جاء صوت من ورائها قائلاً بحزم:
- أنا اللى قولتله.
نظرت باتجاه الصوت لتقول مندهشة:
- جدو!
- أيوة يابنتي أنا اللى قولتله ماهو مش معقول هتفضلى طول عمرك مخبيه عنه ولاده.
ترقرقت عيناها بالدمع ثم قالت بصوت عالٍ:
- دول مش ولاده ولا من حقه، دول ولادي أنا اللى تعبت فيهم وكنت هموت علشانهم، ومستحيل اخليه ياخدهم مني بالساهل.
ثم أضافت صارخة:
- اطلع بره يامراد مش طايقة أشوفك قدامي كفاية يأخى اللى عملته فيا، كفاية بقى حرام عليك، أنت دمرتني عايز مني أيه تانى؟
كادت تكمل قولها لولا بكاء صغارها الذى منها من التفوه مجدداً، بينما "زينة" ركضت باتجاه أبيها لتتشبت بأقدامه وهى تبكى قائلة:
- لا يماما ماتخلهوش يمشى أنا مصدقت أن بقى عندي بابي زي كل صحابي.
أدمعت عيناه بالحزن من هيئة طفلته الجميلة، ليبتلع غصة مؤلمة عالقة بحنجرته وهو يرفعها إليه، ثم قال بنبرة متأثرة حزينة:
- متخافيش يابابا مش هسيبكم تضيعوا من أيديا دا أنا مصدقت لاقيتكم.
اختلست "رحيل" نظرة إلى طفلها فوجدته يبكى بصمت والحزن يملأ عيناه، فلما جاءت تضع يدها على شعره ابتعد عنها ليتجه إلى أبيه وهو يقول:
- لو بابا هيمشى هنمشى معاه.
نظرت إليهما بصدمة، ثم قالت بنبرة منكسرة:
- بقى دلوقتى عايزين تتخلوا عني علشانه.
تفوه "زين" قائلاً:
- أنتي اللى عايزة تبعدى بابا عننا.
ظهرت على ملامحها علامات الأرهاق وهى تتأمل وجوههم بخذلان، فأخذت تجر قدميها لتصعد إلى غرفتها، فلما ولجت ألقت بنفسها على الفراش لتبكى بحزنٍ وقهرٍ على ماوصلت إليه، بكت بكسرة قلب حتى تورمت عيناها وأوشكت على الهلاك.
مرت عدت دقائق ليست كثيرة فكان "مراد" يداعب صغاره بحنان ولطف، فأتاه صوت طفلته التى اختبأت خلف الستائر، فصاحت بمرح:
- بابي أنا هنا ومش هتعرف تمسكنى.
أنهت حديثها وهى تصرخ بسعادة، فتبسم ثغره بفرح ثم قال:
- طب تعالى بقى لما نشوف هعرف امسكك ولا لأ.
ليركض خلفها هي وشقيقها، فسمع صوت "زين" الشقى يقول بمرح:
- مالك يابابي هو أنت عجوز زي مامي.
ضحك "مراد" بخفه وهو يقول متسائلاً:
- هى مامتك عجوزة؟
أجابه "زين" ببراءة:
- دى كل لما أقولها تعالى العبى معانا تقول مش قادرة.
أردفت "زينة" ضاحكة:
- ولو لعبت بتفرهد بسرعة مننا.
- بتفرهد منكم دا الله يكون فى عونكم.
جلس على الأريكة لترتمى "زينة" بين ذراعيه، ثم قالت بنبرة لطيفة:
- بابي أنت هتسافر تانى وتسبنا.
لمس خدها برفق ولين ثم أجاب قائلاً:
- لا ياحبيبتى مش هسبكم.
- هو حضرتك زعلان من ماما.
مسح على شعرها مسحة حنان وعطف ثم قال باسماً:
- لا ياأميرتي مش زعلان منها، أنا اللى زعلتها ودلوقتى تسمحيلي أروح اصالحها.
أردفت بنبرة فُكاهية فارحة:
- طبعآ روح صالحها عشان ترجع تلعب معانا.
كان الجد جالس بجانبها محاولاً تهدئتها فقال مواسياً:
- أهدى يارحيل حرام اللى بتعمليه ده، كدا هتموتى نفسك من كتر العياط.
أردفت هى بشهقات متقاطعة فقالت باكية مشتكية:
- مش مصدقة بعد كل اللى عملته علشانهم يتخلوا عني بالسهولة دي.
- يابنتي هما لسه أطفال مش فاهمين حاجه وبعدين هما مصدقوا اتجمعوا مع أبوهم، وجاية انتى بكل سهولة عايزة تحرميهم وبعدين دا من حقهم.
أشارت على نفسها بكسرة خاطر وهى تقول بألم:
- طب وأنا مش من حقي يختاروني، ولا هو خلاص كل بعقلهم حلاوة وطلعني وحشه فى نظرهم.
- بالرغم من اللى عملتيه عمري ماهطلعك وحشه فى نظر ولادنا.
استدارت بجسدها فقالت بغضب عارم:
- أنت جاى لحد هنا ليه أمشى أطلع بره.
تقدم بخطوات واثقة ومازال يحدق بهيئتها التى ألمته فقال:
- مش هطلع من هنا غير لما تسمعيني، ماهو احنا لازم نتكلم وننهى كل اللى فات.
نهض الجد ليتركهم معاً، فصاحت بتشنج وعصبية بالغة:
- أياك تقرب أكتر من كدا وأرجوك تمشى.
لم يُلبى أمرها ليكمل سيره نحوها، بينما هى كلما زاد قربه سرت فى نفسها مشاعر الخوف والهلع، فأحست أن أنفاسها بدءت تقل.
فقالت هامسة:
- مراد أرجوك أبعد.
وقف مقابلها بذهولٍ من حالة الذعر التى أصابتها فقال مهدئاً:
- متخافيش مش هأذيكى، كل اللى أنا محتاجه منك أنك تسامحيني وتديني فرصة أكفر فيها عن ذنبي وخطأي اللى ارتكبته فى حقك.
فلما لمس ذراعيها دفعته بعنف وهى تصرخ بوجهه حينما تذكرت تلك الليلة المشؤومة، فكان شريط حياتها يمر أمام عيناها.
فقالت غير واعية:
- أرجوك يامراد متقربش، أبعد عني أنا رحيل بنت عمك.
ظلّت تلك الهواجس والوساوس تساورها وكأنه سيؤذيها، فكان المهشد مؤثر لدرجة أوجعت قلبه.
فقال بلطف:
- رحيل أهدى أنا لايمكن أعمل حاجه تانية تحرجك مني أو تاذيكى.
مازال الهلع والخوف يتسلل إلى فؤادها، فحاولت دفعه إلى الخارج لكنه كان ثابت فى مكانه وكأنه عموداً شد إلى الأرض شداً، فصاحت صيحةٌ مفزعةٌ حينما عانقها بقوة، فقالت ببكاء هستيري:
- أرجوك يامراد متكسرنيش تانى أرجوك.
انفطر قلبه وكاد يتطاير شظايا من صوتها الباكي، فقال بنبرة حزينة:
- عمري ماهقرر ذنبي مرتين يارحيل، بجد أنا آسف ياحبيبتي، وصدقيني كل اللى عملته معاكى وقتها مكنتش فى وعيي.
أتاهُ صوتها المُشتكى والمعاتب:
- وضربك ليا كان بردو مش فى وعيك وعدم ثقتك فى أخلاقى كان بردو مش فى وعيك، ووو.
أوقفه عن الحديث ليقول بندم وحسرة:
- متكمليش كلامك أرجوكى، صدقيني عقلي وقتها كان مغيب عن الواقع، مكنتش حاسس بنفسي وباللى عملته، أنا لحد دلوقتى مش مصدق نفسي أني أزاى اذيت البنت اللى حبيتها، أنا لحد دلوقتى ندمان على عملتي السودا معاكي واتمنى لو أن الزمن يرجع بيا كنت وقتها هحكم عقلي.
كانت تلتقط أنفاسها ببطء شديد فبدءت قواها تخور لتقل بضعف:
- مراد أخرج من هنا لو سمحت.
لحظات وقام بالبعد عنها لكنه حملها بين ذراعيه حينما وجدها فاقدة للوعي، وضعها على الفراش برفق وهو يتفحص وجهها الذى أصفر وكسته عتمه.
جذب عطرها مع على المرآة لينثر القليل على يده ليجعلها تستنشقه حتى تستعيد وعيها، وبالفعل استجابت إلي نداءه الخافت الهامس باسمها.
فلما رمشت عدة رمشات متتالية قام من جانبها ليتركها بمفردها فى غرفتها، ليطالعها بنظرة أخيرة مودعة.
مرت اكثر من ساعتين وهى مازالت جالسة على فراشها تحت أضاءت المصباح الخافتة، لاحت صغارها يتسللون من باب الغرفة بهدوءٍ حتى لا تشعر بهما ولكنها كشفت خطتهم.
فقالت بعبوس:
- جايين ليه مش كنتم عايزين تمشوا معاه.
ابتسم الصبي فى حنو بالغ فأضاءت ابتسامته وجهه كالقمر، قفز على الفراش فرحاً بعودة أبيه، ولكن لاحظ عبوس والدته وعيناها التى أدمعت.
فقال معتذراً:
- أنا آسف.
وضعت وجهها بين كفيها لتنهار باكية، بينما أطفالها حدقوا بها بحزنٍ، فتعلقت "زينة" فى رقبتها وقد أوشكت على البكاء.
ثم قالت بنبرة طفولية:
- أنا كمان آسفة، أنتي زعلانة مني عشان قولت هروح مع بابي صح بس أنا مش هروح معاه.
فقام الصبي هو الأخر بضمها ليقول برقة:
- وأنا كمان مش هروح معاه، بس أنتى متعيطيش تانى.
احتواتهما "رحيل" بين ذراعيها لتبكى بصوت مرتفع نسبياً، فمال "زين" برأسهُ إلى الخلف قليلاً ليرفع كفه الصغير ليمسح بكائها بلمسة حنان وهو يقول:
- أوعدك أن أنا وزينة مش هنمشى ونسيبك.
ثم حول بصره باتجاه تؤامه التى وافقته الرأى فقالت برقة:
- أيوة يامامي مش هنمشى، وكمان بابا قال لينا كدا.
تحدثت من وسط بكائها حينما ذُكر أسمه فقالت بتسأل:
- وقالكم ايه كمان؟
تفوهت الصغيرة بنبرة لطيفة:
- وقال أنه هيعمل المستحيل علشان ترجعى له ونكون احنا الأربعة فى بيت واحد.
حدثت نفسها لتكتم غيظها من ذاك المدعو "مراد" فقالت:
- امممم بقى هو قال كدا، يبقى يقابلنا ابن حنان فاكر نفسه هيقدر يلوى ذراعي بيكم.
حركت "زينة" رأس والدتها نحوها ثم قالت مبتسمة:
- ماما ممكن ترضى بقى وتصالحى بابا أصل هو وعدني أنه هيجبلي لعب كتير اوى لما نكون فى بيت واحد.
- زينة ياحبيبتي ممكن ياقلب مامي متدخليش فى كلام الكبار، وبعدين ياستى هو أنا كنت حرمتك من حاجه.
حركت رأسها نافية ولكنها قالت بإصرار:
- بس أنا عايزة نكون كلنا مع بعض.
تفوهت "رحيل" بيأس من طفلتها العنيدة فقالت:
- ممكن دلوقتى ننام ومانفكرش فى أى حاجه، ممكن.
- حاضر بس هنام معاكى هنا.
- ماشى يابسكوته.
فكانت فكرة النوم بالنسبة لها وسيلة للهروب من الواقع وماحدث فيه، وأيضاً هروب من تساؤلات صغارها.
رواية هجران رحيل الفصل السابع عشر 17 - بقلم شامة الشعراوي
فارقنا قارب تقاذفته أمواج البحر وسيظل تائها في غياهب بحر الغربة حتى يعود لمرساه.
في وسط مزرعة بسيطة كان يرسل بصره حول قطيع الغنم الذي يرعاه في اطمئنان، وبين الأرانب التي ترتع وتمرح راقصة على العشب الأخضر، فهكذا حاله منذ تركه للبيت من عدة أسابيع.
جاء العجوز صاحب الشعر الأبيض الذي التقى به مجددا فوق الجبل، وكان يرتدي جلباباً بنياً، قال متسائلاً:
"كيف حالك اليوم يابني؟"
أجابه دون أن ينظر إليه فقال باسماً:
"الحمد لله افضل من الأول."
"أدام الله حمدك، لكن أخبرني هل أعجبتك مزرعتي؟"
تحدث "مراد" بنفس منشرحة:
"طبعاً عجبتني ياعم أيوب ماشاء الله ربنا يزيدك ويباركلك في رزقك."
ثم أضاف بامتنان:
"شكرآ ليك على كرمك الكبير ووقفتك معايا وأيوائك ليا في بيتك."
"متقولش كدا أنت زي ابني."
"تعرف ياعم أيوب أول مرة شوفتك فيها على الجبل كلامك أثر فيا اوى وغير من نفسي حاجات كتير، وخلاني على يقين أن فرج ربي قريب مهما تعظمت الهموم."
أردف العم "أيوب" وعلى معالم وجهه البهجة فقال:
"مهما واجهت من صعوبات تكاد تهد كيانك تذكر أن قوة الله تغلب كل صعب وتجعله هين وسهل، فوالله معك في كل مراحل حياتك فاطمئن وثق برحمته، وقل ياحي ياقيوم برحمتك أستغيث."
ردد "مراد" قوله، ثم قال بشوق:
"ولادي وحشوني ونفسي أخدهم في حضني."
"وايه اللي منعك من إنك تشوفهم؟"
ظهرت عليه أمارات الحزن والحسرة فقال بألم:
"خايف لتشوفني فتتوجع تاني وأنا مش حابب أسَبب ليها أي ألم كفاية اللي شافته مني."
أردف العجوز ذو الوجه البشوش فقال بحكمة:
"وليه ماتحاولش تراضيها وتصلح الخطأ اللي ارتكبته في حقها."
تنفس بعمق ثم قال بنبرة متأثرة حزينة:
"مش عارف حاسس بعجز أصل اللي عملته مكنش سهل، أنا ظلمتها واللي عملته سايب ذكرى سيئة عمرها ما هتتمحي."
"ابني بدالها ذكرى جميلة تنسيكم حزن الماضي وتعيشكم سعادة المستقبل، حاول يابني ولا تيأس."
صمت لوهلة ثم أضاف قائلاً:
"تعرف أن الإنسان محتاج لثلاث أشياء حتى يشعر بالسعادة."
علت علامات الاستفهام على وجه "مراد" ثم قال بتساؤل:
"وايه هما؟"
تبسم العجوز وهو يقول:
"أول شيء أنه يكون متسامح مع الحياة ومؤمن بالأقدار السماوية، وثاني شيء يحصل على ما يتمناه إن كان خيراً، وثالث شيء أنه يعيش بجوار من يحب، ساعتها ستحصل على السعادة الحقيقية."
"واللي ما يقدرش يحصل على الثلاثة دول يعمل إيه؟"
"لا يوجد إنسان على وجه الأرض ليس لديه قدرة على تحصيل هؤلاء الأشياء، بل بداخلنا قوة هائلة على تحقيق ما نريد، علشان كدا لازم يكون عندك عزيمة وإرادة في تحقيق ما تتمنى."
ساروا معاً وسط الأرض الزراعية ثم جلسوا على صخرة عالية، فنظر إليه "مراد" مطولاً ثم ألقى عليه سؤاله:
"نفسي أعرف أنت إزاي مسالم بالشكل ده وواخد الأمور ببساطة؟"
استدار إليه بوجهه الذي يملئه التجاعيد التي تشكو قسوة الزمن والظروف عليه، فكل خط من خطوط الزمن على وجهه تحكي قصة عقبة عصيبة مر بها، فقال باسماً:
"لأني أؤمن بوجود الخير في أي موقف حتى في المواقف السيئة، لأن على يقين بأن ما يحدث من شر جاء ليحميني من أمور أشد سوءاً وشراً، وأيضاً على يقين بأن الله ما منع عني شيئاً أحبه إلا ليعطيني ما هو أفضل وخيراً لي."
نكس رأسه حزناً، فحبس تلك الدمعة التي ودت أن تلقي بنفسها خارج عيناه، فربت العم "أيوب" على يده، ثم قال بنبرة رقيقة ودودة:
"هون على نفسك ولا تنسى بأن لديك حق عليك، واعلم أن الله سيرضيك ولكن ليس بالذي تستحقه بل بالذي يراه مناسباً لك."
عمت البهجة والسعادة في بيت عائلة الألفي، فاليوم زفاف المشاغب "مازن"، فقد تزينت جدران البيت بالورود البيضاء والأنوار المبهجة.
قفز "مازن" على الفراش مبتهجاً ثم صاح بسعادة نابعة من قلبه:
"وخلاص هتجوز وهبطل أبص ع البنات ااااااااه."
ضحك "هشام" بصوت عالٍ ثم قال بنبرة مارحة:
"بس بس، ياخي تباً لك ولصوتك."
أكمل "مازن" غناءه بنبرة فارحة ويكاد قلبه يقفز من بين أضلعه من فرط سعادته:
"النهاردة فرحي ياجدعان، عايز كله يبقى تمام، لاقيتها ماشية مشيت وراها قلت لازم أعيش معاها."
ثم أشار بإصبعه باتجاه شقيقه وهو يقول بمرح:
"عارفين قولتلها إيه؟"
تبسم فاه "أدهم" على هيئته ثم شاركه تلك اللحظة السعيدة وهو يقول باسماً:
"قولتلها إيه؟"
أردف الآخر وهو يرقص على أطراف الفراش:
"بعد إذن سيادتك أنا معجب بسعادتك ممكن أكلم طنط يمكن ربنا يهديني وأكمل نص ديني تراااتتتتتت، وهتجوز هتجوز."
كان "هشام" يحدق به بذهول من هذه الحركات العجيبة التي يفعلها الآخر، فضرب كفاً على كف وهو يقول مندهشاً:
"كنت بحسبك خلاص كبرت وعقلت لكن دلوقتي اتأكدت أنك لسه زي ما أنت أهبل."
رد عليه "مازن" وهو يقفز من على الفراش فقال بغرور:
"مش هرد عليك ياحقودي، تدري ليش."
"ليش ياحنين؟"
"أصل عقبال عندك ياخويا أنا العريس."
أردف "أدهم" بنبرة لعوبة:
"اتدبست ياواد يا مازن واللي كان كان وبكرا تقول الله يرحم أيام زمان."
نظر إليه "مازن" وهو يقول مازحاً:
"عارف إنكم عاوزين تبوظوا الجوازة وأنا مش هخليكم تنالوا الشرف ده ياكلاب."
ثم أشار باتجاه "هشام" وهو يقول مبتسماً:
"وخصوصاً الواد العانس اللي هناك ده."
افتر فاه "هشام" بذهول ليقول منصدماً:
"بقى أنا عانس!"
ضحك "مازن" بخفة وهو يحرك رأسه بالإيجاب ثم أكمل لهواً ولعباً حتى يغيظه:
"ورقصني عالطبلة ولا عنتر ولا عبلة، الله أكبر ده إحنا أكتر من روميو وجوليييييييت."
صاح "حمزة" الذي كتم أذنيه فقال:
"ياربي ياربي، ياريت نخلص وتدخل تتزفت تلبس بدلتك بدل ما أنت عمال تترقص ليا بالبرنس."
نظر إليه "مازن" ليكمل بإغاظة:
"ولاحسن ونعيمة ولا بتوع السيما، نفسي أخدها وأشد إيدها ونروح على البيت، وهتجوز."
جذب عمه المنضدة ثم ألقاها عليه، وقال بضيق:
"ماتخلص يازفت هنتاخر على الفرح والمعازيم."
"حاضر متزوقش الله."
وبعد لحظات خرج لهما "مازن" فنظر إليهما بوجه طلق مشع بالفرح والسرور فقال مبتسماً:
"ايه رأيكم أنفع أبقى عريس."
أطلق "هشام" صوت تصفير عالٍ ثم قال مازحاً:
"اوعى يابا البدلة هتأكل منك حتة."
بينما "أدهم" قال مفتخراً بشقيقه:
"باشا طول عمرك يا مازن ايه يابني الحلاوة دي."
ضحك "مازن" بخفة:
"جرا إيه مالك ياعسل أنت وهو هتحسدوني اسم الله عليا من عنيكوا."
أضاف "حمزة" باسماً:
"ياشيخ اتنيل دول بيجملوك مش أكتر قال هيحسدوني قال."
"تعرف ياعمي أنا مش هرد عليك، تدري ليش."
"ليش ياقلب عمك!"
قفز "مازن" بفرح وقد افتر ثغره عن ابتسامة عريضة، وقال:
"لأن أنا العررررررررريس وندى العروووووسة."
ضحك أبيه على أفعاله المرحة ثم قال:
"ربنا ما يحرمك من الهبل يابني."
تحدث "هشام" بنبرة ضاحكة:
"حرفياً أنا منبهر بنظافة مازن."
"ليه ياسى هشام؟ كان حد قالك أني معفن ولا إيه."
قاطع حديثه شقيقه الذي جذبه من طرف الثوب وهو يدفعه على المقعد أمام المرآة، ثم قال:
"طب إيه مش هتتنيل تعدل شعرك بدل ما تروح لعروستك منكوش كده."
نظر إليه "مازن" وهو يقول:
"بص أنا عايز قصة شعر تبهر البت ندى."
"طب اتهد أنت بس وثبت راسك وأنا هبهركم كلكم."
"ياخوفي يافواز ياخويا لنصدم كلنا."
بينما عند العروسة التي يسودها الإيناس والسرور، برقت عين "رحيل" بومضات البهجة والفرح، فأخذت تنثر الورد الجوري على صديقتها بكل حب وهي تغني بنبرة رقيقة:
"اليوم مافي مثلك اتنين زفافك عندي فرحتين ياحبيبة القلب ويا زينة البيت، يا أغلى من الرمش والعين."
شاركت "نور" في الغناء فأخذت تردد بسعادة:
"انشروا أغلى الروائح وانثروا ماء الزهر، وافرشوا في دربها أحلى الزهور، أقبلت من صوبكم عروسة بدر البدور."
أكملت "رحيل" وهي تزغرد بروح محلقة في أجواء السعادة:
"عروستنا مثل القمر ياأرق من الزهر ويا أغلى الناس والبشر."
أقبلت إليهن فقامت بضمهما إلى صدرها لتعبر عن مدى سعادتها بوجودهما بجانبها، وقد تهللت أساريرها واللمعت عيناها سروراً.
بعدما رقصوا معاً الرقصة الأولى، أردف "مازن" بمشاعر تفيض فرحاً وحيوية:
"مش كنا روحنا أحسن ياقمر أنتي، الواحد مش عارف يتستفرد بيكي هنا."
"ما تتلم يامازن أنا عايزة أفرح في أي."
تبسم فاه بخفة وهو يقول غامزاً:
"ما هناك كنت هخليك تفرحي أكتر يابت كنت هبسطك وهدلعك صدقيني."
اصبغ خدها بالاحمرار فقالت بحياء:
"تعرف أنك ماتربتش."
"ولا شوفت ريحة التربية حتى ياختي."
صمت حين رأى "هشام" يمر من أمامه وهو يحمل بين يده طبقاً مليئاً بالطعام، فناداه هامساً:
"هشام واد ياهشام هات الطبق اللي معاك ده أنا جعان."
حدقت به "ندى" مندهشة فقالت:
"الله يخربيتك اسكت الناس هتسمعك."
أردف الآخر مبالياً فقال:
"أنا جعاااان ياجدعان."
ثم ناداه مجدداً:
"هشومة ياهشومة أنا جعان يازفت."
وضعت كلتا يديها على فمه لتجعله يصمت قليلاً، فهي تشعر بالحرج من حديثه، فقالت بضيق:
"حرام عليك فضحتني المعازيم هيقولوا علينا إيه دلوقتي."
وقف "هشام" مقابله وهو يخرج لسانه بإغاظة فقال ساخراً:
"بصوا شوفوا مزاميزو حالته بقت تقطع القلب وتصعب على الكلب."
صاح "مازن" منزعجاً:
"بقى كده وربنا ما هحلك بس أخلص أم الفرح ده وبعدها هوريك."
فقام الآخر بوضع قطعة لحم في فمه ليتذوقها بمزاج عالٍ حتى يكيد العريس، ليقول بنبرة مازحة:
"الله على شريحة اللحمة الباردة تحفة، تاخد حتة ياميزو."
نظر إليه "مازن" بغضب وضيق وهو يسبه في سره، مما جعل الآخر يقهقه بقوة، ثم غادر من أمامه حتى لا يثير أعصابه أكثر من ذلك.
على الجهة الأخرى دنا "حمزة" من زوجته التي يكسوها معالم الحزن، فقال بنبرة ودودة:
"مالك ياحنون زعلانة ليه؟"
اللمعت عيناها بالدمع فقالت بنبرة متحشرجة:
"ابني وحشني ياحمزة بقاله مدة غايب عني ومعرفش عنه حاجة."
ربت على يدها ثم قال بلطف:
"متخافيش عليه ياحبيبتي."
نظرت حولها وهي تقول بحزن:
"العيلة كلها متجمعة ومبسوطة ومحدش فارق معاه وجوده، عارفة إنه غلط في حقهم، ولكن ليه محدش سامحه على اللي عمله، ماهما كمان آذوها وفي الآخر سامحتهم ورجعت ليهم، ولكن ابني بقى منبوذ وسطهم وكأنه الوحيد اللي أذنب."
"بس ذنبه كان أكبر من ذنبهم ياحنان، الأذى اللي عمله كان جسدي ونفسي، ابنك دمر البنت ولمس حاجة مش من حقه."
فرت الدموع من عيناها ثم قالت بألم:
"أنا قلبي موجوع ومش عارفة إذا كان عايش ولا ميت."
عانقها زوجها وهو يشعر بالحزن وقلة الحيلة، فليس بيده شيئاً ليفعله، انسحبت "رحيل" الواقفة خلفهما بهدوء بعدما سمعت حديثهما، فخرجت من القاعة لتقف بجانب بعيد لتسترد أنفاسها، فقد راودها الحزن مجدداً، فأخذ عقلها يفكر فيه دون إرادة منها، فنبض قلبها خوفاً وقلقاً من أن يكون أصابه شيء، فمنذ شهر أو أكثر لم تقابله ولو في مرة صدفة، حتى أنه لم يسأل عن أبنائه، تساءلت بداخلها هل من الممكن أن يكون تخلى عنهما، أم أنه لم يريد رؤيتها؟ أخرجت تلك الأفكار من رأسها ولكن ساورها القلق عليه، تعجبت من نفسها فقالت:
"ليه بتفكري فيه دلوقتي مايموت ولا يولع أنتي نسيتي أنه كان السبب في عذابك."
ولكن لقلبها قول آخر، فهو بدأ ينبض بقوة مجدداً، فضربت عليه بيدها وهي تقول بيأس:
"بطل لأن اللي أنت عاوزه مش هيحصل، ولو اضطريت أشيلك من جوايا مش هتردد لثانية واحدة، أنا مش حمل وجع تاني."
كانت تحدث نفسها وهي غافلة عن تلك الأعين التي تراقبها في صمت، لاحت "رحيل" بأن هناك شيئاً غير طبيعي بتلك الجهة المتواجد بها، فلما علم بذلك اختبأ جيداً خلف الأعمدة، كادت تتجه نحوه لترى ماذا يوجد، ولكن جذبتها يد شقيقها الذي قال بتساؤل:
"واقفة لوحدك هنا ليه؟"
أردفت بحيرة قائلة:
"أزعجني صوت الأغاني فقولت أبعد شوية."
تبسم بحنية ثم قال بلطف:
"طب تعالي ندخل لأن جدك بيسأل عنك."
سارت معه وهي تلتفت من حين لآخر خلفها، لحظات وتوارت عن أنظاره، فقال هامساً:
"ثلج قلبي يذوب حين ألقاك يا ساكن فؤادي ولست أنساك."
بعد عدة ساعات كان ينتظرها على أحر من الجمر، فقد كافح كثيراً في تلك السنوات حتى يجتمع بها في بيت واحد، والآن جاءت اللحظة الحاسمة حين رأى طيفها يطل من غرفتها، ولكنه بهت عندما طالعها من مقدمة رأسها إلى أخمص قدميها، فوجدها ترتدي سروالاً وقميصاً مصبوغاً بالرسومات الكرتونية، وقد مشطت شعرها إلى جدائل صغيرة، فهذا الثوب لم يناسب هذه اللحظة بتاتاً، فشعر بجفاف في حلقه من هيئتها التي أحبطته، فأشار عليها بإصبعه وهو يقول منصدماً:
"ايه اللي انتي لبساه ده!"
تبسمت بخجل وهي تجيبه برقة بالغة:
"دي بيجامة هكونا مطاطة."
قطب مابين حاجبيه فقال مندهشاً:
"بي أي هو أنا متجوز بنت اختي ياندي؟ وايه الضفاير اللي عملتها في شعرك دي؟"
ثم أضاف متفحصاً حين أمسك الجدائل:
"ومالها شكلها غريب كده ليه؟"
أردفت "ندى" بدلال، فقالت بلهجة مبتهجة:
"جرا إيه ياميزو دا أنا قولت أعمل حاجة مختلفة تغريك."
جذبها من ثوبها بلطف وهو يشعر بضيق، لقد أوشكت تلك الفتاة أن تذهب بعقله، فقال عابساً:
"بذمة أهلك إيه الإغراء في الضفاير؟"
ثم أضاف حين مسح على وجهه بنفاذ صبر:
"ادخلي ياندي الله يهديكي ادخلي غيري الزفت ده."
وضعت كلتا يديها على خصرها ثم قالت نافية:
"لا عاجبني شكلي كده وبعدين أنا جعانة ياميزو ممكن نأكل الأول لأن هموت من الجوع وبعدها نشوف حكاية اللبس."
ابتعد عنها ليتجه إلى المطبخ وهو يقول بضجر:
"لا مفيش ليكي انتي بالذات أكل، وهأكل لوحدي لقمة تواسيني في محنتي لأن خلاص نفسي اتسدت على دي جوازة، دا أنا حتى صارف ومكلف يارب يقوم يحصل فيا أنا كده."
انتظرت لحظات حتى يخرج ولكن لازال بالداخل، فولجت إليه فوجدته جالساً فوق طاولة الطعام يلتهم ما يقابله من أصناف شهية، فقالت مندهشة:
"بقى أنا مستنياك تجيب الأكل وتيجي، اتاريك قاعد بتأكل من غيري."
أنهت حديثها وهي تجذب الصينية المحملة بالطعام من أمامه، لتهرول بها إلى الخارج، فنهض "مازن" سريعاً ليتبعها وهو يصيح قائلاً:
"انتي ياصاحبة الضفاير هاتى الأكل بتاعي."
قامت بإغلاق باب غرفتها بالاقفال ثم صاحت بصوت عالٍ:
"ابقى خلي أمك تعملك غيره ياحيلتها."
دفع الباب بيده لكنه لم يفتح، فقال منزعجاً:
"افتحي الباب بدل ما أكسره عليكي اخلصي أنا جعان إلهي تتشكي ياندي."
أتاه صوتها من الداخل لتعلن عن الرفض قطعاً، فأردف بنبرة ممزوجة بمكر حتى يساورها، فقال:
"طب بصي اخرجي و خلينا ناكل مع بعض، دا أنا حتى مازن جوزك."
"انت كداب وبتضحك عليا وغدار ومالكش امان."
ضحك بخفة على وصفها فقال بنبرة لينة:
"يخربيتك عقلك بقى أنا كل ده، طب ماشي ياستي اطلعي من الاوضة ومتخافيش مش هعمل حاجة يلا بقى ياندوش."
فتحت الباب برفق ثم أخرجت رأسها أولاً وهي تقول محذرة:
"أوعى تغدر بيا."
"متقلقيش."
فلما خرجت ووضعت الطعام على الطاولة، قام بجذبها من الجدائل وهو يقول بمشاكسة:
"تعالى بقى دا أنا ساكتلك من الصبح من ساعة ما لبستي بيجامة بنت اختي وأنا مش راضي أتكلم، لكن توصل لموضوع الأكل لا واستوب عندك، ولازم تتجازي على عملتك السودا يابنت بديعة الهبلة."
فقام بغرس أسنانه بذراعيها ليقتص منها حقه، فصرخت "ندى" بأعلى صوتها، ابتعد عنها فجأة، وهو يضع يده على فمها ليكتم صراخها، فقال مهدئاً:
"بس بس اسكتي الله يخربيتك الجيران هتسمع صوتك وهيقولوا بيعمل إيه فيها."
لم تجبه وظل صراخها مستمراً، فقال هو:
"يانهار أسود يخربيت اللي يزعلك ياشيخة اتهدي بقى وافصلي."
نظرت إليه "ندى" نظرة معاتبة، فدنا منها ليقبل يدها برفق ثم قال معتذراً:
"حقك عليا آسف مش هكررها ميبقاش قلبك أسود بقى ياندوش."
أشاحت بنظرها بعيداً عنه لتنظر باتجاه آخر، بينما هو لمس خدها برفق وقال بنبرة دافئة محبة:
"خذي من قلبي كل الحنان يا من أشعر بقربه بالأمان."
تبسم ثغرها عن ابتسامة عذبة، فسمعته يضيف بعض الكلمات الودودة حتى ترضى عنه، فقبل راحت يدها ثم قال باسماً:
"نهر حبك غسل كل بساتيني وأزهرت أشجاري وكثرت رياحيني."
ارتسمت علامات الفرح على محياها فبادلته تلك النظرة المليئة بالحب والرحمة.
رواية هجران رحيل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شامة الشعراوي
كانت تسير "رحيل" في حديقة القصر مع صديقتها "رهف"، فأتت إليهما "هشام" ليتمشى معهما، فكان يريد أن يتحدث مع تلك الفتاة التي أعجبته منذ رؤيتها في حفل زفاف "مازن". تلكأت "رحيل" في مشيتها حينما عرفت بما ينوي فعله، لذا انحرفت بخطواتها لترجع إلى البيت. تعجبت "رهف" من تصرفها، لكنها ظلت واجمة صامتة لتكمل سيرها معه بعدما أزاحت خصلة الشعر عن وجهها الذي يلعب فيه الهواء. فحمحم "هشام" بتردد ثم أخذ نفسًا عميقًا ثم بدأ يسترسل حديثه قائلًا:
- ممكن أسألك سؤال مهم؟
نظرت إليه وقد ارتسمت علامات الاستفهام على وجهها، فهي متعجبة من تصرفاته، فقالت بهدوء:
- اتفضل.
نظر "هشام" لبرهة في عينيها ثم قال:
- هو أنتِ مخطوبة أو في حد في حياتك؟
اندهشت "رهف" من سؤاله الذي لم تتوقعه بتاتًا، ولكنها أجابت عليه قائلة:
- لا.
أردف بحماس عندما أعلنت رفضها فقال باسمًا:
- بصي من الآخر كده وعلشان أكون معاكي صريح، أنا معجب بيكي من أول مرة شوفتك فيها.
أحست "رهف" بالخجل والإحراج من اعترافه المفاجئ، فصمتت.
بينما "هشام" أكمل حديثه بنبرة لطيفة:
- أنتِ فتاة جميلة جدًا يا رهف، وعلشان تتأكدي من صدق حديثي أنا طلبت من أبوكي إنه يحدد موعد أجي أخطبك فيه، فمن هنا للوقت ده فكري في عرض الجواز براحتك وأنا هستناك.
أبعدت وجهها عنه باستحياء لتسير بسرور في كل اتجاه. فلما وصلت إلى غرفة المعيشة سألتها "رحيل" عن سبب تأخرها، فأجابتها "رهف" وقد تغير لونها فقالت بتلعثم:
- كنت بتمشى ومحستش بالوقت علشان كده اتأخرت في الرجوع.
أطالت "رحيل" نظرتها نحوها ثم قالت بنبرة لعوبة:
- يعني هو ده كل اللي حصل بس؟
تبسمت "رهف" بخجل وقالت:
- الصراحة ومن غير لف ولا دوران قريبك هشام قال إنه معجب بيا وعايز يخطبني.
حدقت به "رحيل" باندهاش وقالت لها:
- بتهزري صح؟ أنا عارفة إنه معجب بيكي بس مكنتش أتوقع إنه ياخد الخطوة دي حاليًا.
- أنا كمان اندهشت من الجراءة اللي هو فيها، لكن عجبني إنه واخد الموضوع جد.
ربتت "رحيل" على معصمها برفق وقالت لها:
- هشام راجل طيب وابن حلال ومدام هو حابب يدخل البيت من بابه فاطمني إنه شاريكي وحابب وجودك، لكن أنتي إيه رأيك؟
ارتبكت قليلاً ثم تفوهت بتردد:
- مش عارفة بس أنا لما بشوفه قلبي بيقعد يدق جامد.
حضنتها "رحيل" بكل محبة ثم قالت مبتهجة:
- يبقى السنارة غمزة يا رهوفة، ودلوقتي أقدر أقول مبارك عليكي مقدمًا.
وفي هذا الأثناء شدت "صفا" أذن "مروان" بقوة وهي تعاتبه قائلة:
- مطمرش فيك الرضاعة اللي كنت برضعها لك، ده أنا يامؤمن كنت بسيب أدهم يعيط وأقعد أرضع فيك وأغير لك البامبرز وفي الآخر تضحك عليا.
حاول أن يفلت من تحت يدها فصاح قائلاً:
- يا صفصف ياحبيبتي حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده، اشحال إني ابنك حبيبك تقومي تبهدليني كده.
- أصلي مفروسة منك أوي، كل ما افتكر إن رحيل كانت عندكم وأنت مكلفتش خاطرك تتصل عليا تطمني عليها.
بعدما دفعته عنها تحسس أذنيه بألم ثم قال باسمًا:
- وأنا كان بأيدي إيه أعمله يا صفصف بنتك هي السبب.
تبسمت "صفا" بخفة وقالت له:
- ده أنت مش سالك ياواد يا مروان.
أردف "مروان" بنبرة مرحة:
- وحياتك كل الرجالة مش سالكة اسمعي مني واشتري نصيحتي.
- بلا وكسة توكسك أكتر ما أنت موكوس.
أمسك بكتفها وهو يقول مازحًا:
- بس أنا أعتب عليكي في حاجة، ليه بترضعيني مع ابنك مش لو كنتي سبتيني لحالي كان زماني متجوز القمر اللي هناك ده.
أنهى جملته وهو يشير بإصبعه باتجاه "رحيل"، فقالت "صفا" ضاحكة:
- يلا مالكش في الطيب نصيب يا ابن فاطمة.
تبسم فاه عن ابتسامة بشوشة ثم قال بنبرة فكاهية:
- نصيبي أبقى أخوها في الرضاعة يا صفصف.
في صباح اليوم التالي، بينما كانت "رحيل" تأخذ غرفة المعيشة الخالية جيئة وذهابًا، فولج إليها "هشام" مسرعًا وهو يسترد أنفاسه المتقاطعة، فتسألت هي:
- ها عرفت عنه حاجة؟
جلس على الأريكة بأرهاق ثم قال لها:
- أيوه.
فأردفت "رحيل" بتردد:
- طب عرفت مكانه؟ صمتت لوهلة ثم أضافت بنبرة قلق حاولت قدر الإمكان إخفائها:
- هو كويس مش كده؟
أجابها الآخر قائلاً:
- نوعًا ما.
- يعني إيه؟
- تقدري تقولي عايش ومش عايش.
أحست بالخوف عليه فقالت مرتبكة:
- أنت قلقتني يا هشام.
- ماتقلقيش عليه هو بخير، لكن نفسه يشوف زين وزينة وبيستأذنك إني أخدهم يشوفهم.
- وليه ما يجيش يشوفهم بنفسه؟
أجابها بنبرة مرتبكة فقال:
- مش حابب يأذيكي بوجوده هنا.
نظرت إليه بدهشة من قوله، فهي لم تصدق ما فعله في الابتعاد عن صغاره حتى لا يحزنها أو يسبب لها أذى، فقالت له:
- المهم دلوقتي هو قاعد فين؟
- هو حاليًا ساكن في مزرعة مع راجل عجوز.
بينما هي جلست بإحباط وتمنت لو تستطيع أن تبقى بعيدًا كل البعد عن من حولها. نظر إليها "هشام" فاشفق على حالتها، فقال:
- لو مش حابة عيالك يروحوا له انسى إني قولتلك حاجة.
رفعت بصرها نحوه وهي تقول:
- لو مكنتش عايزة عيالي يشوفوه مكنتش طلبت منك من الأول تدور عليه، وبعدين هو في الأول والآخر أبوهم ومن حقه يشوفهم.
- على العموم وقت ما تحبي توديهم ابقي قوليلي وأنا أخدهم له.
- حاضر.
صعدت إلى غرفتها لتجلس مع صغارها فلم تجدهم. أخذت تبحث عنهما، فألتقت بها "نور" أثناء مرورها من أمام غرفتها وأخبرتها بأنهما في غرفة والدهما. فاتجهت إليهم، فلما اقتربت وضعت يدها على مقبض الباب وقد سيطر عليها الاضطراب الشديد، ولكنها الآن تغلبت على خوفها وشجعت نفسها بأنها لن يصيبها شيء إذا دخلت إلى غرفته، فهو ليس متواجدًا بداخلها من الأساس. فلما ولجت إليهم وقفت متصنمة مما رأت. فراحت تحول بصرها بكل ركن بالغرفة، فكانت في حالة يرثى لها. فكل شيء ليس في مكانه، حتى أدراج الخزانة مفتوحة على مصراعيها وما بداخلها ملقى أرضًا، وكل ثيابه تنثرت في جميع الاتجاهات. صاحت غاضبة:
- إيه اللي عملتوه ده!
نظرت إليها "زينة" ببراءة وهي تسحب من فوق صندوق خشبي بعض الأغراض الخاصة بأبيها، ثم قالت برقة:
- بنتفرج على صور بابي. ثم مدت يدها نحوها بوردة مجففة. أخذتها "رحيل" منها وهي تقول بتعجب:
- جبتيها منين دي.
أشارت بسبابتها نحو الصندوق، ثم قالت ببراءة:
- كانت موجودة على الصندوق.
جلست على ركبتيها بجانبها ثم قالت لهما بحده:
- ياريت تتفضلوا تطلعوا بره لحد ما أعدل الأوضة اللي حضراتكم بهدلتوها.
وفي هذا الأثناء أردف "زين" برجاء فقال:
- خلينا نلعب شوية هنا يامامي دا لسه في حاجات كتير عند بابي مشوفتهاش.
حدقت به بذهول، فكان يرتدي قميص أبيه، فامسكته من كتفه وقالت منزعجة:
- إيه اللي أنت عملته في نفسك ده؟ وبعدين هو ده قدك علشان تلبسه.
نظر لنفسه مستغربًا ثم قال بنبرة طفولية جميلة:
- ماله ماهو شكله حلو عليا. وبعدين بصي في صور بابي اللي هنا دي كان لابسه عادي.
اختلست نظرة سريعة باتجاه ألبوم الصور ثم قالت:
- علشان ياحبيبي هو مناسب له، أما أنت لسه جسمك صغير والقميص كبير عليك.
تفوه "زين" بعبوس وهو يقول:
- أنا عايز أكبر زيه ماليش دعوة.
- ماتستعجلش بكرا تكبر وتندم إنك كبرت وهترجع تقول ياريتني فضلت طفل زي ما أنا ولا شوفت يوم من أيام الكبر.
أنهت جملتها وهي تخلع عنه الثوب ثم قالت بلهجة أمر:
- ودلوقتي زي الحلوين كده تروحوا أوضتي وإياكم تخرجوا منها.
زفرت أنفاسها بعجز وهي تشاهد تلك الغرفة المليئة بالكراكيب. فراحت تعيد كل شيء بمكانه، ماعدا ذلك الصندوق الذي دفعها فضولها لاكتشافه. ومن حسن حظها أن أقفاله كانت مفتوحة مما ساعدها هذا على إخراج محتواه. ولكن ما جعلها مذهولة تلك الهدايا المتواجدة بداخله. لكنها شعرت بالضيق حينما وجدتها تخص فتاة ما. لا تعلم لما روادها شعور الغيرة. فتسألت بداخلها هل أصبح لديه حبيبة أخرى؟ ولما لا فهو مثل باقي الرجال مخادعون ومتقلبون المزاج. وفي هذا الأثناء لفت انتباهها تلك الأوراق الملتصقة على كل علبة. فاندهشت من تلك الأرقام التي نُقشت عليها بتسلسل. فقامت بفتح العلبة الأولى لتجد سلسلة ذهبية على هيئة تنة ورنة ومعها أيضًا رسالة. تبسم ثغرها تلقائيًا عندما بدأت بقراءة هذه الرسالة.
"كل عام وأنتِ بخير يازهرتي..
اليوم عيد مولدك الأول بعد فراقك عني. أعلم أنك مجروحة مني ولو قدمت لك الكثير من الاعتذار فلن يغفر لي ذنبي.
يازهرتي مازال صوتك في ثنايا مسمعي، والشوق في صدري يفتت أضلعي. هل تعلمين أني مازلت أفتقدك. وأفتقدك تبسماتك البريئة.
أعرف أنكِ الآن تستغربين لما اخترت لكِ تلك الهدية، فأنا أحببت أن أجلب لكِ ما تحبين وما يشبه روحك. وأيضًا لأني أعلم جيدا حبك لشخصية تنة ورنة لذا أردت أن تكون هذه الهدية مميزة مثلك. فقد صُنعت لكِ خصيصًا.
والآن أختم قولي بالاعتذار إليكِ يازهرتي. أحبك كثيرًا ياابنة عمي.
من المذنب في حقكِ حبيبك مراد..."
علمت "رحيل" من خلال تلك الرسالة بأنها هي المعنية. لذا أحست بمشاعر مختلطة من بين الحزن والفقدان، والعفو والعقاب. فكرت أنها تنسحب بهدوء ولا تكمل ما تبقى من فتح الهدايا ورؤية ما بداخلها. ولكنها تراجعت عن هذا لتكمل بقلب شجاع محتوى الباقي. سحبت العلبة الثانية والتي كان مكتوب عليها رقم ٢. فقامت بفتحها. ضحكت بخفة عندما أخرجت منها زجاجات لطلاء الأظافر. فكان نصف ينقسم إلى لون اللافندر والقسم الآخر إلى اللون الأزرق. فكلتا اللونين كانوا متواجدين بتدرج في الزجاجات. تركتهم بداخل العلبة وبدأت في قراءة الرسالة الثانية.
"اليوم مولدك الثاني منذ فراقنا تمنيت لو أنني أراكِ لأخبركِ كم اشتقت لكِ يازهرتي.
ما رأيك بطلاء الأظافر أعلم جيدا أنكِ تعشقين هؤلاء اللونين بشدة وأنهما مفضلين عندكِ لذا جلبتهم لكِ حتى بألوانهم المتدرجة. هل أعجبتكِ هدايتي؟
وعندئذ أجابت "رحيل" بأعين دامعة فقالت هامسة:
- عجبتني جدًا. ثم عادت لتقرأ باقي الكلمات..
صحيح أن القدر لم يجمعنا هذه السنة أيضًا، ولكني سأخبركِ هنا
بأنكِ أجمل وأرق امرأة قابلتها في حياتي، فأنتِ يازهرتي أجمل ما حصلت عليه من خير.......
أرجوكِ أن تغفري لي. مراد."
وعندئذ قهقهة بقوة واللمعت عينيها الزرقاوين بالسعادة والفرح عندما احتضنت الهدية رقم ثلاثة. فهتفت بسرور:
- أنا بجد مش مصدقة شرابات شلبي وكورة البعبع. مكنتش متخيلة إنه هيخطر على باله إني بحب النوع ده من الشرابات.
"كل عام وأنتِ بخير يازهرتي فاليوم مولدكِ الثالث.
كنت محتار ماذا سأعطيكِ في هذا اليوم لكني تذكرت حبكِ لارتداء مثل هؤلاء الشرابات في الشتاء. أعرف أنكِ ستندهشين بمعرفتي بالأشياء التي تحبينها. لقد علمت بكل هذا من خلال مراقبتي لكِ وحرصي على معرفة ما تحبينه وعلى ما تكرهينه.
لقد كنت مغرمًا بكِ إلى حد لا يتصوره أحد ومازلت إلى الآن أحبكِ بشدة.
والآن جئت إليكِ معتذرًا وندمًا فأرجو أن تسامحيني..
رسالتي من المذنب مراد."
قاطع تلك اللحظة رنة هاتفها فردت على المتصل فكان "هشام" الذي أخبرها بأنه يريد أن يأخذ صغارها لزيارة والدهم. فأمرته أن ينتظر حتى تجهزهم. بعد ما أغلقت معه نظرت إلى الشرابات التي تعانقها بسعة رحب. فقامت بوضعها بداخل الصندوق وكان هناك أربع علب مغلقة لم تفتحها بعد. فوضعتهما معًا حتى تراهم بوقت لاحق.
مرت ساعة من الانتظار. فلما ولجت إلى غرفة المعيشة نطق "هشام" قائلاً:
- أخيرًا خلصتم دا أنا كنت همشي وأسيبكم.
أردفت "رحيل" مبتسمة فقالت:
- شكرًا لانتظارك لينا طول المدة دي. ودلوقتي يلا خلينا نمشي.
نظر إليها بتعجب فقطب مابين حاجبيه وقال بتساؤل:
- هو أنتِ جاية معانا؟
- آه ليه؟
- أصلي مستغرب لأني عارف إنك مش بطيقي مراد.
تنهدت بعمق شديد ثم أخبرته قائلة:
- أنا مضطرة أجي معاك علشان خاطر ولادي اللي أصروا أكون معاهم.
ولج إليهن الجد "وهدان" بعدما سمع حديثهما، فقال:
- متأكدة من مرواحك له يعني هتتحملي تشوفيه قدامك.
أجابته "رحيل" بهدوء فقالت:
- أيوه يا جدو وبعدين أنا من أجل ولادي أتحمل أي وجع المهم يكونوا مبسوطين.
مسح الجد على خصلات شعرها مسحة حنان ثم قال باسمًا:
- ربنا يراضيكي يابنتي ويزيح من قلبك أي وجع. ودلوقتي يلا نمشي أصلي أنا جاي معاكم.
عندما وصلوا إلى المزرعة ركض الصغار نحو والدهم الذي كان يسقي الزرع. فترك ما بيده ليحملهن بين ذراعيه بشوق جارف. وعند استقباله لجده انصدم من وجودها فهو لم يتوقع مجيئها. وعندئذ جاء العم "أيوب" ليرحب بهما بشدة ثم قام بإرشادهم إلى مكان المعيشة. ولكن الجد اقترح بأن يجلسن تحت شجرة وارفة الظل ليستمتع بالمناظر الطبيعية الخلابة. فأوراق الأشجار كانت تتمايل وكأنها ترقص على ألحان تغريد العصافير. أما "رحيل" كانت تحدق بملامح وجهه بتعمق فحزنت من هيئته التي أصبحت باهتة يكسوها الحزن، وجسده الذي بدأ ضعيفًا عن ذي قبل فمن يراه يظن بأنه أصيب بوعكة صحية كادت تطيح به إلى القبر. والآن حينما نظر إليها بعينين مشتاقة لها قرع قلبها نبضاته فلعنته في سرها. بينما هو
افتر ثغره عن ابتسامة ودودة عذبة عندما وقف مقابلها وقال بامتنان:
- شكرًا ليك.
نظرت إليه متعجبة ثم قالت بتساؤل:
- على أي؟
فرك شعره بحرج وقال مرتبكًا:
- لأنك ما منعتيش عني رؤية ولادي بجد أنا ممتن ليكي بالمعروف ده.
كان هذا الحديث ليس ما ود قوله فهو ود أن يشكرها على مجيئها ولأنها سمحت لعينيه أن تراها وتشبع منها.
تحدثت بنبرة ممتزجة ببعض من الحدة فقالت:
- لا شكر على واجب.
وفي هذا الأثناء أمسك كفها وهو يقول راجيًا:
- رحيل أرجو منك المسامحة أنا..
أوقفت حديثه لتنفض يده بعيدًا عنها ثم قالت بصرامة:
- لو سمحت إياك تسمح لنفسك إنك تلمسني تاني. أنا لولا ولادي وخوفي من أنهم يتهموني بالقسوة والانانية لو منعتهم عنك مكنتش خليتهم ثانية واحدة هنا.
أردف "مراد" بندم:
- رحيل أنا.
وقبل أن يكمل ما يريد قوله، تفوهت "رحيل" بحزم:
- مراد كفاية لحد كده وياريت متديش لنفسك أكبر من حجمها لأن أنا حرفيًا مش طايقة أبص في وش واحد غدار زيك.
- أنتِ ليه مش راضية تديني فرصة أصلح اللي عملته.
ردد عليه بلهجة مستهزئة فقالت:
- عمر اللي اتكسر ما يتصلح يا مراد. وبعدين بلاش نفتح في ملفات الماضي لأن لو فتحتها صدقني هتطلع أنت اللي خسران في الآخر. ودلوقتي أنا اللي برجوك وبقولك كفاية لحد كده وياريت تعمل حساب إن ولادك قاعدين معانا وأنا مش حابة أبوظ فرحتهم. فخلينا نتعامل بود لحد ما الليلة دي تعدي على خير.
بعد بضع ساعات كان يلعب ويرتع مع صغاره في جو مليء بالسعادة والابتهاج. فكان يطلعهما بحب كبير ثم انطفأت فرحتها حين همست لنفسها لو لم تكن تلك الليلة لكنا الآن معًا بصحبة صغارنا. كنا سنصبح عائلة رائعة وسعيدة لن يكن في الحياة مثلها. أنك حقًا أب رائع ولكنك حبيب فاشل وغدار. قفزت "زينة" من على ظهر أبيها لتركض نحو أمها وهي تقول:
- مامي أنا جعانة أوي.
هتف "هشام" بمساكشة:
- ياربي نخلص من مازن تطلع لنا بنت رحيل.
جاء "مراد" ليقبل خد ابنته برفق ثم قال:
- محدش له دعوة بأميرتي الصغيرة. قوليلي يا بابا نفسك تأكلي إيه.
نظرت إليه "زينة" وهي تقول برقة:
- مش عارفة.
- بتحبي السمك.
تبسمت بسعادة وقالت:
- جدًا.
فقام بحملها على كتفه ليقول بمرح:
- مدام أميرتي بتحبه يبقى نعملها أحلى وجبة سمك.
أنهى حديثه وهو يتجه بها نحو البيت ليصنع وجبة غذاء لصغاره. بينما "رحيل" هي الأخرى ذهبت خلفهما لتساعده في إعداد الطعام. فلما ولجت إليهن وجدهن يخرجن المحتويات من الخزانة. تعجب "مراد" من وقفتها عند مدخل الباب. لكنه حثها بهدوء على الانضمام لهما. سألته ماذا يجب أن تفعل فأمرها أن تقطع الخضروات إلى حين أن ينتهي من تحضير السمك. لحظات وقد نسيت ما حدث بينهما لتندمج معه. كانت عيناه طيلة الوقت ترسل نظرات نحوها ليعبر فيها عن مدى السعادة والارتياح برؤيتها. وفجأة عندما التقت أعينهما معًا استطاعت معرفة ما يدور في ذهنه من نظرة عينيه المتحدثة. فهي تعكس ما يشعر به من ندم وحزن ممتزج بالحنان والشوق إلى تلك المحبوبة العنيدة. فهي بالنسبة له فكرة خارج المنطق ليس لها شبيه. تبسم ثغره بحب ليحدث نفسه بمقولة تبًا لتلك العينين التي تحمل نظرة قوية كما لو أنها تريد ضربي أو قتلي. أشاحت وجهها عنه عندما وجدته يستلذ بالنظر إليها. فقالت بنبرة مرتبكة:
- قدامك كتير؟
أجابها حين حمل الصينية المحملة بالأسماك فقال باسمًا:
- أنا خلاص خلصت مش ناقص غير أني أشويه. وأنتي جهزي باقي الأكل عشان زين باشا.
وعند مروره بجانبها سمعته يقول بلطف:
- أنكِ مثل الفراشة مهما انطفأت تحلقين من جديد.
فلما ذهب ارتسمت ابتسامة حلوة على ثغرها. لكنها تداركت وضعها فأخذت تلوم نفسها لأنها سمحت لمشاعرها تنجرف نحوه مجددًا.
في الخارج كان الجد يراسل حديثه الممتع مع العم "أيوب". فسأله قائلاً:
- وأنت يا أيوب عايش لوحدك هنا؟
- أيوه.
- معندكش ولاد؟
تحدث العم "أيوب" بعدما علت على وجهه ابتسامة رضى فقال:
- لم يرزقني الله بأطفال من زوجتي الراحلة.
أردف "هشام" بتساؤل:
- طب وليه حضرتك ماتجوزتش واحدة تجبلك أطفال.
- أتجوز! عمري ما فكرت أتجوز واحدة تانية غير مراتي. ومستحيل أعمل كده إزاي بعد الحب والهنا اللي عيشته معاها أتجوز واحدة غيرها تشاركني فيها. حتى بعد ما توفاها الله كانت روحها عايشة معايا. روحها موجودة في كل شبر في المزرعة. كل ركن هنا يشهد على ذكرى جميلة جمعت مابينا. هنا في ذكريات أحياها الله بيننا. إزاي بالسهولة دي أتخلى عن كل ذكرى بقايا من ريحتها اللي مونساني.
بعد مدة من الوقت
وضع "مراد" سرفيس فضي مغطى بوجبة شهية على الفراش الذي وضعه "هشام" على البساط. وقال بنبرة مداعبة:
- وجبة الملوك مع سمك الحوت المشوي بالبقدونس.
قدمت "رحيل" طبق الباذنجان المخلل وهي تقول بمرح:
- ومعاه طبق السعادة لأصحاب السعادة.
تبسمت "زينة" حين رفعها أبها مع على الأرض كي تضع طبقها. فقالت مبتهجة:
- وشيش طاووق بالثوم والليمون.
تحدث العم "أيوب" قائلاً:
- ريحة الأكل تجنن. وكمان عملته سمك مشوي دا أنتم طلعتوا شاطرين جدًا.
رددت عليه "رحيل" بابتسامة عريضة مشعة بالبهجة فقالت:
- مراد طول عمره بيحب السمك وبيحب يعمله ويتفنن فيه.
صمتت فجأة عندما استوعبت ما تفوهت به. بينما "مراد" طالعها بنظرة سعيدة. ولما أطال النظر في عينيها نسى ما ود قوله. ولكنه مال نحوها قليلاً وأردف المحب هامسًا:
- الحياة من غيرك ليس لها معنى.
رواية هجران رحيل الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شامة الشعراوي
فى ظهيرة هذة الليلة قام "مراد" بمساعدة العم "أيوب" فى زراعة بعض الأشجار الصغيرة. ومن حسن حظه أن اليوم جاءت إليه حبيبته برفقة صغاره وبعض أفراد العائلة، مما أضاف هذا ليومه بهجة وسرور. فكان من حين لآخر ينظر لها باسما وهو يتغنى بمرح قائلا:
- حبيت جميل ياريتني ظله، وحبيت جميييل.
بينما "رحيل" كانت لا تهتم لشأنه، فهى متواجدة الآن معه لأجل صغارها. لكنه لم ييأس من تلك المعاملة الجافة، فأمرها أن تعطيه دلو المياه ليسقي الزرع. فلما مد يده وأخذه منها، التقت أعينهم معا. فنظر لها بسرور ثم قال بنبرة فكاهية:
- وأنا أعمل ايه ف اللي بحبه يـ ويلى يـ نارى.
لم تستطع كتم ضحكاتها فتبسمت لا إراديا على نبرته المبهجة. فاستدارت بوجهها خجلا من نظرات المتفحصة لها. فلما مشيت بضع خطوات إلى الأمام وصل لمسمعها صوته الحنون يقول:
- على فكرة أنا مليش غيرك، وحتى لو ليا أنا مش عايز غيرك أنت يارحيل.
شعرت بسعادة تغمرها من قوله هذا، ولكنها لم تخضع له مهما حدث. فما حدث في الماضي لم يكن بالشيء الهين. ظلت تتابع سيرها حتى وصلت لمكان صغارها. تعجبت لضحكات شقيقها "مازن" العالية، فتسألت قائلة:
- بتضحك على ايه ياميزو؟
مد يده إليها ليعطيها الهاتف وهو يقول باسما:
- والله لتقرائي البوست ده بنفسك وأنتي هتعرفي بضحك على اي.
نظرت إلى ما أشار إليه في الهاتف فمرت ثوانٍ وقد ارتسمت البسمة على محياها. فعادت تقرأ مرة أخرى بصوت رقيق:
- شفت الأرنب لا لا لا
قاعد بيلعب لا لا لا
طب شوفت البطة لا لا لا
نطت نطه لا لالا
طب شوفت الأهبل اه اه اه
قاعد بيقرأ البوست وباللحن كمان.
فأضافت "رحيل" بنبرة ضاحكة:
- طب تصدق أنا فعلا قرأتها باللحن بتاعها وكأني بغنيها.
أجابها "مازن" بمرح:
- عشان تعرفي أن أحنا هبل ياريري ومازلنا أطفال.
- هو في أحلى من الطفولة؟ أتمنى أرجع لأيام زمان وما أكبرش أبدًا.
هتف "مازن" مغنيًا:
- قول الزمان ارجع يازمان.
حدقت به "ندى" وهي تقول بقلة حيلة:
- أنا مش عارفة عقلي كان تايه فين وأنا بوافق عليك.
تفوهت "رحيل" وهي تشير بأصبعها على شقيقها فقالت بنبرة لطيفة:
- هو أنتي كنتي هتلاقي حد أحسن من ميزو تتجوزيه؟ دا بنات المنطقة عندنا كانت هتتجنن عليه من كتر حلاوته اللي مفيش زيها.
لوت شفتيها ثم قالت ساخرة:
- بلا لينة هو ده أصلا كان في حد يبص له.
في هذا الأثناء رد "مازن" بنبرة مستهزئة:
- مابلاش أنتي ياأم ضفاير بقى يابت، في واحدة تعمل لجوزها ضفاير يوم فرحها وتلبس هكونا مطاطة.
شهقت "رحيل" بذهول وهي توجه بصرها نحو صديقتها التي أشاحت وجهها عنهما. فقالت بنبرة مازحة:
- يالهوووى ياندى دي عاملة تعمليها في ميزو.
أجابها شقيقها بطريقة كوميدية:
- شوفت ياختي أخوكي متبهدل أزاي؟ لا ومن أول يوم ضفاير وهكونا مطاطة، يرضيكى اللي بيحصل ده.
تفوهت "رحيل" بنبرة لطيفة:
- لا يابا ميرضنيش.
أردفت "ندى" فقالت عابسة:
- ما خلاص يامفضح فضحتني.
- أنا يابنتي!
- لا خيالك ياظريف.
وعلى هذا الحال ظل "مازن" يساكس زوجته ويمازحها لغاية ما جعلها تبتسم وتتقهقه بسعادة. فهذا الثنائي أضاف للمكان أجواء مليئة بالفرح والسرور. فدعت "رحيل" في سرها بأن يديم الله عليهما تلك المحبة. فلما خطفت نظرة إليه وجدته يدب الفأس بالأرض وحينها تمنت لو كان معها كزوج محب. مسحت على وجهها بيأس. فعلاقتها به صارت معقدة إلى حد يصعب حلها. صمتت فجأة عندما علمت أنها لازالت تكن له مشاعر. فتسألت بداخلها لما قلبها يميل إليه رغم ما فعله بها؟ فهمست قائلة:
- يا لك من قلب مغفل تميل إلى من يعذبك!
ألقى "هشام" هاتفه بأنزعاج وهو يقول بضيق:
- الواحد محتاج يتعالج نفسيًا عشان يرجع لطبيعته اللي كان عليها قبل كدا.
تحدث "مازن" الذي كان جالسًا مقابله:
- ليه يابني بتقول كدا؟
- من القرف والظلم اللي بنشوفه في بلدنا.
- ماهو اللي ملهوش قيمة في بلدنا بيدوسوا عليه من غير رحمة. واللي له قيمة ومعاه فلوس وسلطة بيرفعوا له القبعة ليضربون له تعظيم سلام.
زفر "هشام" أنفاسه بملل وهو يقول:
- والله صدقت يابن خالي، بلدنا ماشية على هوا حاكمها.
على الحوض الذي يتوسط منتصف البيت كان "مراد" يغسل يده من أثر التراب. فلما انتهى وضع كلتا يديه على موضع قلبه الذي ألمه بشدة. فهو منذ أيام يشعر بهذا الألم لكنه كان يتحامل على نفسه. رآه العم "أيوب" فدنا منه وقال بنبرة قلقة:
- لسه قلبك بيوجعك؟
أومأ رأسه بالإيجاب ثم اعتدل في وقفته عندما قل الوجع. فقال بهدوء:
- متقلقش عليا دا كان وجع بسيط وراح لحاله.
- مش عارف أنت ليه مش راضي تسمع كلامي وتروح تكشف عشان نطمن عليك.
رد عليه الآخر وقد علت علامات الحزن والحسرة على وجهه ثم قال:
- ملهوش داعي لأن الوجع اللي حاسس بيه ملهوش دواء.
ربت على كتفه برفق ليقول:
- يابني الزعل وحش للبني آدم. دا غير أن الحزن بيورث الأمراض.
رد "مراد" بنبرة حزينة وقد حاول قدر الإمكان أن تكن متزنة:
- هي تستاهل زعلي عليها العمر كله، حتى لو كان في الحزن هلاكي.
فتح الليل أجنحته فغمر الأرض ظلام دامس. فأضاءت المصابيح في أرجاء المزرعة. فاجتمعن الشباب في حلقة دائرية على البساط تحت ضوء القمر. بينما "رحيل" كانت في المطبخ تعد عصير الليمون الممتزج بالنعناع. تحدث "مراد" الذي كان يتابعها منذ البداية فقال:
- تحبي أساعدك؟
صمتت لوهلة وهي تفكر في عرضه ثم قالت بموافقة:
- ياريت لو ده مش هيضايقك.
افتر ثغره عن ابتسامة عريضة ثم قال بحماس:
- أبدًا دا أنا مسرور جدًا بموافقتك. لكن قوليلي أعمل إيه لأن أنا مش عارف.
- جهز الكوبايات على صينية وحط جواهم تلج. ومتنساش تجهز لولادك زينا.
فرك يده بحماس وهو يقول بنبرة دافئه:
- من عينيا ياعيوني.
أخذت تطالعه بعينان تسكنهما المودة. فتبسمت على حماسه الزائد قبلها لمساعدته. فلما انتهوا من التجهيز خرجن إلى الحديقة الخلفية ليسيروا معًا باتجاه أفراد عائلتهما. فقام "مراد" بتقديم المشروب لكل منهما كأسه الخاص. ثم قال بمرح:
- معكم مؤسس نادي قعدة الأرض الرايقة مع مشروب المفضل والقمر والنجوم فوقك.
ضحكت صغيرته "زينة" التي قالت برقة:
- شكرًا بابي.
جلس على الأرض وقام بحملها بين أحضانه وهو يقبل خدها بحنان ثم قال بلطف:
- بألف هنا يازينة.
بينما "هشام" أرتشف العصير على دفعة واحدة ثم قال:
- هو مفيش عصير تاني أصله طعمه حلو قوي.
أجابه "مراد" قائلاً:
- للأسف خلص.
وضع الكأس بجانبه وهو يقول:
- ياخسارة خلص بسرعة. بس يلا مش مهم. بقولكم إيه ماتيجوا نلعب لعبة الصراحة.
تفوهت "رحيل" بابتسامة جميلة. فقالت رافضة للفكرة:
- لا شوف حاجة غيرها تكون أفضل.
- خلاص إيه رأيكم هسأل كل واحد فيكم إيه الأمنية اللي بيتمناها.
وافق الجميع على تلك الفكرة. فبدأ بطرح سؤاله على "مازن" وزوجته أولاً. فكانت إجابتهم أنهن يرزقن بطفل جميل يكن مسالمًا معافيًا. ثم وجه حديثه إلى "مراد" فتسأل:
- وأنت إيه أمنيتك اللي بتتمناها الفترة دي.
- أمنيتي أوصل لسن أني جوزت ولادي واطمنت عليهم مع أشخاص تحافظ على قلوبهم. دا غير أشوفهم آخر الأسبوع يجوا يتغدوا معايا وصوت أحفادي يملأ البيت عليا. وتيجي مراتي حبيبتي تصحيني تاني يوم الصبح عشان أقعد أفطر معاها في البلكونة مع كوباية شاي بالنعناع. ودا غير أننا طبعًا نلعب كوتشينه أو طولة أو حاجة تسلينا مع أن وجودها حواليا مونسني. وبعد العصر أراقبها وهي بتسقي الورد في الجنينة. وفي آخر اليوم أخدها في حضني.
تحدث "هشام" فقال باسما:
- ياااها أمنيتك بسيطة وقنوعة. ثم وجه سؤاله إلى "رحيل" فقال بنبرة مازحة:
- وأنتي ياريري يامالكة زمانك إيه أمنيتك؟ أتمنى متكونيش بتخططي لاقتل شخص ما.
في تلك اللحظة اتجه بصرها نحوه تلقائيًا. فقالت بنبرة رقيقة:
- أتمنى أن يكون أحدهم فخور بوجودي في حياته، ولا يراني عبئًا كما أشعر.
في قصر الألفي وتحديدًا في غرفة المعيشة صاح "سليم" منفعلًا:
- أنا مش عارف إيه اللي يخليها تروح له مش كفاية اللي الحيوان عمله فيها.
تحدث الجد "وهدان" برزانة فقال:
- ماينفعش كلامك اللي بتقوله ده. وبعدين بنتك مش صغيرة وعارفة مصلحتها كويس.
نظر إليه بضيق وهو يقول بنبرة مفتعلة:
- مصلحتها أنها تروح برجليها للشخص اللي اعتدى عليها. دي المفروض تمنعه من ولاده عشان يتعاقب أكتر على ذنوبه.
رد عليه أبيه فقال مندهشًا:
- أنت اتجننت عايز تمنع الراجل من عياله وتحرمهم من أنهم يتربوا في حضنه. دا أنا مصدقت أقنعت بنتك تيجي أنت وببساطة عايز تهد كل حاجة.
- أنا مش عارف إزاي حضرتك جالك قلب تخليها تعمل كدا. أنت شكل نسيت الأذى اللي هي اتعرضتله من الزبالة ده.
أردف الجد منزعجًا فقال:
- شكلك أنت اللي نسيت قسوتك على بنتك وفي الآخر هي سامحتك. ليه بقى مش عايزها تسامحه وتعيش مبسوطة.
أجابه "سليم" بنبرة حزينة:
- أنا منستش بس اللي هي بتعمله هيأذيها.
- ومين قالك أنه هيأذيها؟ مراد فعلًا ندمان على اللي عمله وبيتمنى أنه ياخد فرصة تانية زيكم عشانها هي وولاده. نفسه يرجع ليها ويعوضها عن الأذى اللي سببهولها.
صاح "سليم" بصوت عالٍ فقال غاضبًا:
- وأنا مش هخليه يحصل على الفرصة دي حتى لو كان بيموت قدامي.
نظر إليه والده بحدة عندما رأى "حمزة" الذي نكس رأسه حزنًا من حديث شقيقه. فقال محذرًا:
- سليم انتبه لكلامك.
التفت "سليم" نحو شقيقه فلاح تلك الدمعة التي لمعت بعينيه فاقترب منه وقال معتذرًا:
- حمزة أنا آسف مكنتش أقصد بكلامي أني أجرحك.
مازال ينظر إلى الأرض. فهو يشعر بالخزي من أفعال ابنه. فقال بصوت ضعيف:
- عادي ياسليم أنا مقدرش ألومك لأن ده من حقك. وأي أب مكانك كان عمل أكتر من اللي أنت عملته.
أنهى جملته وهو ينهض من مكانه ليستأذنهم للخروج. ليجر خيبته جرا. فبرغم ما فعله ابنه لازال قلبه يؤلمه من بعده عنه.
أردف الجد معاتبًا:
- خلي بالك من كلامك يابني. أخوك برضو بيزعل لما بتجيب سيرة ابنه بالسوء. وبعدين أنا بحاول أصلح العلاقة مابينهم ياسليم عشان خاطر زين وزينة. أنا مش عايزهم يتربوا في علاقة متفككة. الأفضل ليهم أن يتربوا في بيت سوي. طب تخيل معايا لو هما كبروا على الوضع ده وعرفوا أن أهلهم مش متجوزين وأنهم جم عن طريق غير شرعي هيكون ردت فعلهم عاملة أزاي. دا غير أنهم هيتعقدوا وكل ده هيأثر عليهم بالسلب. ف أنت فكر بعقلك وأوزن الأمور وحط قدام عينيك احفادك وتخيل ردت فعلهم في كلتا الوضعين وصدقني وقتها هتختار الأنسب والأصلح ليهم. وأن كان على بنتك فهي لسه جواها مشاعر له بس بتكابر وبتعاند. وأنت دورك كأب تسعى لمصلحتها.
جلس على الأريكة بأهمال ثم قال:
- يعني حضرتك شايف كدا.
- أيوه يابني. وبعدين مفيش حد فينا خالي من أخطاء. وهو أدرك خطأه وبيحاول يصلحه. ودورنا نقف جنبه ونسنده.
وضعت "نور" طفلتها في فراشها برفق حتى لا تستيقظ مرة أخرى. فقد غفت بين يدها بصعوبة شديدة. تنفست براحة عندما جلست على الأريكة باسترخاء. جاء "أدهم" وجلس معها ثم تسأل:
- ليه قومتي فجأة من على السفرة قبل ما تكملي أكلك؟
علت علامات الحزن على وجهها حينما تذكرت حديث عمها. فقالت:
- عادي أصلي شبعت مش أكتر.
لاحظ تغير صوتها ليراها قد أطلقت دموعها للعناء. فلمس وجهها بلين وهو يقول بدهشة:
- إيه بس اللي خلاكي تعيطي ياحبيبتي!
أجابته بنبرة حزينة فقالت:
- يعني أنت مش عارف إيه السبب.
تحدث "أدهم" قائلاً:
- مش عارف. ثم لوهلة ثم أضاف:
- أنتي زعلتي من كلام بابا مش كدا.
ردد عليه بنبرة عابسة:
- أيوه. أنتم ليه قاسين على مراد؟ ليه بتعذبوه بالشكل ده؟ مش كفاية بقى اللي بتعملوه فيه.
أردف زوجها بنبرة حادة فقال:
- لو سمحتي يانور بلاش تجيب سيرة قدامي.
- ليه بقى إن شاء الله مش ده كان صاحبك.
- كان صاحبي قبل مايأذي أختي.
ردد "نور" وقد زاد بكائها فقالت:
- على فكرة بقى كل اللي بتعملوه فيه حرام. أبوك بهدله و ضربه و أهانه و طردته من البيت و حرمه من الشغل في الشركة اللي هو في الأصل بناها و تعب فيها لحد مابقت بتنافس أكبر الشركات في مصر. ودلوقتي عايزين تحرموه من ولاده. أنت و أبوك مش هترتاحوا غير لما تموتوه بحسرته. بجد يا أدهم أنا مصدومة فيك.
- مايموت ولا يتحرق الشخص اللي زي ده مايستحقش أني أتعاطف معاه.
نهضت من جانبه لتقول بصوت حزين:
- أنا لو أخويا جراله حاجة بسببكم هيبقى فيها طلاقي منك لأني مستحيل أعيش مع واحد الحقد مالي قلبه بالشكل ده.
نظر إليها بذهول ليقول بصدمة:
- إيه اللي أنتي بتقوليه ده!
وضعت يدها على فمها لتكتم صوت بكائها العالي. فاقترب منها "أدهم" بلهفة ليحاوط بيده وجهها. ثم قال مواسيًا:
- أهدي ياحبيبتي أنا آسف. صدقيني أنا مابتمناش لمراد أنه يموت.
سمع صوتها المعاتب فقالت بنبرة باكية:
- أنت ليه بتعمل كدا؟ ليه مابتحاولش تصلح الأمور وتسامحه؟ أنت نسيت أنه كان أقرب واحد ليك وياما شال الحمل عنك.
- الموضوع بالسهولة دي زي ما أنتي متخيلة.
أجابته "نور" قائلة:
- لو مكنش بالساهل مكنتش أختك سامحتك. أنت اللي بتحاول تصعب دنيتك. ودلوقتي أنا تعبانة ومحتاجة أنام عن إذنك.
- بس أنا مش هسيبك تنامي زعلانة مني. شوفي إيه اللي يرضيكي وأنا هنفذه.
نظرت إليه مطولاً. ثم قالت بتساؤل:
- أي حاجة هطلبها هتنفذه فعلا؟
مسد على شعرها بحب ثم قال باسما:
- صدقيني يانور أي حاجة هتطلبيها هنفذها وده وعد مني. لأن أهم حاجة عندي أني أشوفك مبسوطة.
استغلت هي الوضع فقامت بإلقاء طلبها قائلة:
- طلبي أنك تسامح مراد وتخلي رحيل تسامحه. ثم أضافت بنبرة حزينة:
- أنت متعرفش قد إيه هو وحشني ونفسي يرجع البيت.
زفر بهدوء ثم فرك رأسه غيظًا من تلك الاستغلالية فقال:
- اللي بتطلبيه صعب جدًا أنه يتنفذ.
دفعته من أمامها بعنف وهي تقول بضجر:
- تصدق أنك إنسان مستفز.
حاوطها بين ذراعيه ليعانقها بحنان ولطف ثم قال بنبرة مرحة:
- ماتبقيش قفوشة يابت أنا بهزر معاكي. ومن أجل عيونك الحلوة هاجي على نفسي وهسامح أخوكى.
- وهتخلي رحيل هي كمان تسامحه عشان يرجع البيت.
- حاضر ياست نور أي أوامر تانية.
أجابته بدلال وحب فقالت بصوت أنثوي:
- تسلملي ياحبي.
على الجانب الآخر في مزرعة العم "أيوب" مازالت السهرة مستمرة.
تحدث "مازن" بلهجة مليئة بالحماس فقال:
- سيبكم من هشام وعمايله. إيه رأيكم نلعب لعبة حزر فزر؟
حدقوا به لبضع ثوانٍ. فأجابته "رحيل" وهي تحضن ابنها. فقالت مبتهجة:
- وليه لأ فكرة مش بطالة.
تحدث "مراد" قائلاً:
- يلا يابني ابدأ فزوراتك.
أردف "مازن" بحماس زائد فقال:
- تاجر من التجار إذا اقتلعنا عينه طار. مين هو ياشطار؟
تبسم "هشام" والذي قال مندهشًا:
- تاجر مين بس ياعم اللي هنشيل عينه. ماتسيب الناس في حالها.
رد عليه بنبرة ساخرة:
- بس ياجاهل أنت. ها مين عارف الإجابة.
تحدثت "رحيل" بتفكر فقالت بيأس:
- ماتستنى لما نفكر ليه مش مدينا فرصة.
- أصل ياحبيبتي الإجابة سهلة مش محتاجة تفكير.
بينما "مراد" همس في أذن طفلته التي صاحت بفرح قائلة:
- العطار.
ضحك "مازن" على رد ابنة شقيقته ثم قال بمساكشة:
- صح ياسوسة أنتي. بس طبعًا ماننساش أنك غشيتيها من أبوكي.
رددت عليه "زينة" بثقة فقالت:
- ما أنا وبابي واحد.
- ماشي يازينة. ودلوقتي الفزورة التانية. قمت بتناول الفلفل فتفلفل فمي. كم مرة ذكر حرف الفاء في ذلك؟
أجابه "هشام" بفرحة وكأنه حصل على كنز ثمين:
- ستة.
قهقهة الآخر بقوة ثم قال ضاحكًا:
- غلط غلط غلط ياهشومة يافاشل مش دي الإجابة.
- طب إيه هي؟
رقص حاجبيه بتلاعب وقال مازحًا:
- مش هقولك ياهشومة.
بينما "رحيل" قامت بالرد عليه مسرعًا عندما لاحظت "مراد" يهمس لابنته. فقالت متحمسة:
- ولا حرف.
وفي تلك اللحظة أردفت "زينة" بيأس:
- ياخسارة ماما جاوبت قبل ما بابي يجاوب.
افتر فاه "مازن" عن ضحكة عريضة فقال:
- لا بقى أحنا نقسم المجموعة إلى فريقين. فريق لرحيل مع ابنها وندى. وفريق تاني لمراد وبنته ومعاه هشام.
ألقى "مراد" بصره نحوه معشوقته وهو يقول باسما:
- معنديش مانع.
ولكن زوجته تسألت بتعجب:
- إزاي بس يامازن ولا حرف؟ أنا متهيألي أنهم ستة زي ما قال هشام.
أجابه الطفل "زين" بذكاء فقال:
- لا ياخالتو هما مش ستة لأن خالو مازن كان قصده على كلمة "ذلك".
توقف عقلها عن العمل فقالت مندهشة:
- أنا مش فاهمه حاجة.
وضع "مازن" يده على كتفها وقال باسما:
- حبيبتي أنا سؤالي كان واضح. يعني أنا بقولك في كام حرف فاء في كلمة "ذلك" اللي مفهاش أصلاً حرف الفاء. فهمتي حاجة ولا نشرح من أول وجديد.
- اااااه فهمت.
- حمد لله ع السلامة. الفزورة اللي بعدها في ست تفاحات في السلة. وتم توزيع واحدة لكل شخص من الستة. لماذا يوجد تفاحة أخرى في السلة؟ اللي هيجاوب هجبله شوكولاتة.
أجابه "مراد" بسلاسة عندما كان الجميع يفكر في الحل. فقال بهدوء:
- مش يمكن تخص اللي كان بيفرق التفاح مثلًا.
صاح "مازن" بمرح:
- الله عليك ياكبير دايما. كدا بتبهرني بذكائك الخارق. الإجابة صحيحة. طب بصوا السؤال ده وركزوا. هو طير من الطيور لكنه لا يطير. فإذا حذفنا آخر ثلاثة حروف منه طار فما هو؟
أشار "زين" بيده وهو يقول بنبرة طفولية:
- البطريق ياخالو.
نظر إليه "مازن" بدهشة ثم قال:
- واو عرفت منين الإجابة دي ياقرد ياصغير أنت.
نظر الصغير إلى والدته بفخر. فعلم الآخر بأنه حصل على الإجابة منها. ثم قال متحمسا:
- مين الراجل اللي رجله في الأرض وراسه فوق النجوم؟
أجابته "زينة" مسرعًا عندما أعطاها أبوها الإجابة كي تتفوق على شقيقها:
- الظابط.
ظل "مازن" يلقي عليهما الكثير من الفوازير. وقد امتلأ المكان بالحماس والسرور.
- ما هو الشيء الذي ينبض بلا قلب؟
رددت "رحيل" بابتسامة جميلة:
- الساعة.
تحدث "مازن" بصوت مرح فقال:
- الفزورة الأخيرة ما هو الشيء الذي يقرصك ولا تراه؟
تحدثت "ندى" مازحة وهي تشير على زوجها فقالت مبتهجة:
- مازن هو اللي بيعمل كدا وأنا نايمة.
ضحك الجميع على تعقيبها. بينما هو ظهر على معالم وجهه الصدمة فقال مندهشًا:
- أنا بعمل كدا فيكي ياولية يامفترية ياقادرة.
هزت رأسها بالإيجاب وهي تقول بنبرة مرحة:
- بالضبط.
بينما "هشام" رد قائلاً:
- الناموس هو مفيش غيره. متعرفش بيجي منين وبيختفي فين.
تحدث "مازن" بقلة حيلة فقال:
- وربنا مافي أهبل منك أنت ومراتي إيه اللي بتقوله ده!
أردف "زين" و"زينة" في آن واحد:
- الجوع.
تفوه "مازن" معلنًا وهو ينظر لأطفال شقيقته فقال بسرور:
- ودلوقتي نقدر نقول أن البهوات دول هما اللي فازوا بالسهرة السعيدة وعشان كدا أنا هكافئهم وهجبلهم شوكولاتة بس بكرة.
رفع "زين" رأسه لينظر إلى والدته ثم قال:
- مامي أنا عطشان قوي.
نهضت من مكانها لتجلب له الماء. وأثناء تواجدها داخل البيت ذهب "مراد" خلفها بحجة أنه سيجري مكالمة مهمة. تفاجأت "رحيل" بتواجده. فقال هو:
- تسمحيلي بكلمة.
- لا.
- رحيل لو سمحتي هي مرة واحدة نتكلم فيها مع بعض وبعدها اعملي اللي عاوزاه.
نظرت إليه بمعنى أكمل حديثك. فقال هو بندم:
- أنا آسف جدًا. لكن بتمنى أننا ننسى اللي فات ونرجع نتعامل زي زمان.
طأطأت رأسها حزنًا. فقالت:
- عمرنا ماهنرجع زي ماكنا في الماضي.
- كلمة واحدة منك تقدر تمحي أي ذكرى سيئة ونصنع بدلها ذكرى جميلة تعيش معانا العمر كله. أنا عايز فرصة واحدة بس وصدقيني كل حاجة هترجع أحسن من الأول.
رفعت رأسها مجددًا لترتسم علامات الحدة والقوة على وجهها لتقول بنبرة حازمة:
- دا بعينك يامراد.
أعطته ظهرها. فقال هو بحزن ممتزج بيأس:
- معقولة بقى قلبك حجر ومبقاش همك غير نفسك وبس. طب وأنا فين من ده كله!
نظرت إليه بذهول. ثم تفوهت منزعجة وهي تدفعه بضربات متتالية في صدره بقوة:
- أيوة قلبي بقى حجر وكل ده بسببك أنت. أنت السبب في أني أوصل معاك لطريق مسدود. أنا بكرهك يامراد.
ابتعدت عنه لتلتقط أنفاسها بهدوء. لتتحكم في انفعالاتها وغضبها. بينما شعر بألم في قلبه. لكنه تحامل على نفسه وقال:
- بتكرهيني! للدرجة دي أنتي مش فاكرة ليا أي حاجة حلوة تغفرلي ذنبي؟ طب بلاش دي بعدك عني وحرماني من ولادي لمدة سبع سنين ده ماشفعش ليا. أنتي يارحيل حرمتيني من أجمل لحظات من أن الأب يعيشها مع أطفاله. أنا اتحرمت من أني أشوفهم واشيلهم يوم ولادتهم واكبر ليهم. أتحرمت أشوف أول ضحكة وأول سنة طلعت ليهم. أنا اتحرمت من أني أشاركهم أول خطوة يمشوها. ومن أول كلمة قالوها.
اختلس نظرة إليها وهو يقول بألم:
- ياترى إيه أول كلمة أو أول حرف ولادي نطقوها؟ ياترى قالوا بابا الأول ولا ماما؟ أنا في تفاصيل كتير بسيطة كان نفسي أعيشها معاهم من أول ما أنتي حملتي فيهم. لكني أنا اتحرمت من ده كله. تخيلي شعوري عامل إزاي دلوقتي وأنا شايفهم كبار قدامي وملحقتش أشاركهم طفولتهم. محدش هيفهم ولا هيحس باللي بقوله لأنه مجربش شعوري ولا أتوجع زيي. يمكن وجعي كان أكبر من وجعك أنا في بعدك كنت تايه أو بالمعنى الأصح كنت ميت.
لازالت تنظر إليه بقسوة. ثم نطقت قائلة:
- مهما تقول عمر شعوري من ناحيتك ماهيتغير.
وضع كلتا يديه على موضع قلبه عندما بدأ الألم يزداد. ونبضاته بدأت تقل. ولكنه مسك راحت يدها برفق عندما همت على مغادرة المكان. وترقرق الدمع في عيناه وهو يتراجع بنبرة متحشرجة:
- آسف. أرجوك ماتمشيش أنا محتاجك.
جاءت تذهب لكن صوته المتألم أوقفها قائلاً:
- متسبنيش لوحدي أنا من غيرك أموت.
عند نهاية جملته سمعت صوت ارتطام شيء ما يصطدم بالأرض. فلما نظرت خلفها صاحت بذعر:
- مررراد
رواية هجران رحيل الفصل العشرون 20 - بقلم شامة الشعراوي
كانت تضم جسده البارد بين أحضانها، فمدت يدها وتحسست وجهه الشاحب الذي يوحى بشحوب الموتى، وقد تساقطت عليه قطرات دمعها، فصاحت مستغيثة لينقذه أحد قبل أن تفارق روحه جسده.
ثم قالت ببكاء خافت:
- مراد رد عليا أرجوك ماتسبنيش.
جاء الجميع على صوت صراخها، فقال شقيقها بقلق:
- ماله مراد إيه اللي حصله؟
أردفت من وسط بكائها قائلة:
- معرفش مرة واحدة مسك قلبه وبعدها وقع من طوله.
تحدث هشام بخوف وقلق وهو يرفعه قليلا:
- اسنده معايا يا مازن لحد العربية.
بعد أكثر من ساعة.
كانت واقفة أمام غرفة العناية تطالعه بوجه حزين، لتلوم نفسها لأنها أوصلته لهذا المرض. لقد أخبرهم الطبيب أنه أُصيب بمتلازمة القلب المنكسر والتي تصيب المرء حين تعرضه لتوتر وضغط شديد من أثر الحزن. تذكرت هيئته وجسده البارد الذي ارتعد قلبها خوفًا، فقد ظنت أنه مات. شعرت بيد توضع على كتفها، فنظرت للخلف فوجدت مروان الذي قال مواسيًا:
- إن شاء الله هيبقى كويس.
اختلست نظرة سريعة إلى رفيق روحها بأعين متورمة، ثم شهقت باكية وهي تقول:
- أنا السبب، أنا وصلته للتعب ده لو مكنتش تكبرت وعاندت في المسامحة مكنش زمانه في العناية.
عانقها مروان ليربت على شعرها بحنان ثم قال:
- هونى على نفسك يا رحيل وبلاش تفكري في اللي بتقوليه، دا قدر ربنا وهو القادر على شفائه.
أردفت بحزن بليغ فقالت بنبرة باكية ممتزجة بالحسرة:
- خليه يقوم وأنا والله هسامحه، أنا مش حمل تعب ووجع تاني وفراقه هيبقى صعب عليا.
صمتت لوهلة ثم أضافت:
- أنا لو جراله حاجة هموت بعده يا مروان، بالرغم اللي حصل لسه بحبه.
ابتعدت عنه قليلا، ونظرت من زجاج العناية لتشاهد حبيبها محاوط بالأجهزة، فألمتها هيئته التي بدأت هزيلة ضعيفة. فقالت بقهرا، وبكلمات غير مرتبة:
- قوله يا مروان يقوم وأنا هفضل جنبه ومش هسيبه أبدًا، وهعيش معاه أنا وزين وزينة.
أردف مروان بحزن فقال:
- صدقيني هيقوم وهيبقى أحسن من الأول.
- خايفة لما يقومش ما أنت عارف اللي بيدخل هنا مبيخرجش غير...
وضعت يدها على فمها لتكتم قولها فانخرطت في البكاء مجددا، بينما مروان قال بثقة:
- هيخرج عايش وبكرة تشوفي، أهم حاجة دلوقتي إننا ندعيله على يقين بالشفاء وربك هيستجيب.
بعد أن جاءت من المستشفى ذهبت لغرفتها فوجدت نور جالسة على الفراش برفقة أطفال شقيقها. دنت رحيل منهما وهي تقول بتساؤل:
- ناموا إمتى؟
أجابتها الأخرى بأرق فقالت:
- من نص ساعة على ما أعتقد.
مسحت رحيل على شعر صغيرتها بلطف ثم قالت:
- تعبوكي.
- أبدا، بس كانوا كل شوية يسألوا على أبوهم هو فين هو كويس طب مجاش ليه مدام كويس، وأنا الصراحة معرفتش أجاوب على كل أسئلتهم ماشاء الله عيالك أذكياء وصعب يضحك عليهم بكلمتين.
تنفست براحة وهي تطالعهم بحب:
- ولادي طالعين لابوهم.
تحدثت نور بحزن متسائلة:
- مين اللي فضل معاه هناك؟
أجابتها الأخرى بنبرة مجهدة:
- جوزك ومروان كنت عايزة أفضل معاه لكنهم رفضوا عشان خاطر الولاد ميحسوش بحاجة.
- عندهم حق يا حبيبتي، بإذن الله أخويا هيعدي المحنة دي وهيرجع لينا بخير، ودلوقتي أنا هروح أنام شوية وأنتي حاولي ترتاحي لأن شكلك مجهدة وتعبانة.
- حاضر.
فلما اشتد ظلام الليل ذهبت إلى غرفته لتخرج من الصندوق باقي الرسالات والهدايا التي كان يدخرها لها. دمعت عيناها عندما بدأت بقراءة الكلمات المنقوشة في الرسالة الأخيرة.
"مازلت أشتاق إليك يا محبوبتي، أشعر وكأني لن أراك مجددا، وهذا ما يؤلم قلبي، فقد أصبح ألمه لا يحتمل.
كل ما يحزنني الآن أنني لم أرى وجهك الجميل.
كلما حرقني الشوق تذكرت ذكرياتنا التي جمعتنا يوما معا، تلك الأحاديث والكلمات التي سمعتها منك لازالت تردد في مسمعي، أتذكر كل أغنية رددناها معا، حتى رقصتنا الأولى أتذكرها جيدا أشعر وكأني أراك أمامي.
لو لم يكن لنا لقاء في الدنيا أتمنى أن يكون لنا لقاء يجمعنا في الآخرة، أتمنى تلك الحياة الأبدية التي سأعيشها معك دون حزن وألم.
أود أن أخبرك بأنني سأظل أتذكرك إلى الأبد.
وسأظل أحبك وكأنك لي ومعي، سأظل أحبك وكأنك جزء مني، وكأنك هنا بجانبي، فأنت يا حبيبتي الآن بجانبي."
نهضت من على الأرض بعدما أصابها السُهد فأتجهت نحو فراشه لتنعم بنومة تعيد لها نشاطها. فلما وضعت رأسها على المنضدة تسلل إلى أنفها رائحة عطره المميز فأخذت تتنفسه بعمق لتروي عطش شوقها، فالمرء يشعر بقيمة المحب له وعظمة مكانته في قلبه حين يوشك على فقدانه.
فى صبحية يوم جديد كان "سليم" جالس بجانب شقيقه محاولاً أن يخفف عنه معالم الحزن بعدما شعر بالذنب باتجاه "مراد". ولجت إليهن فوجدت العائلة بأكملها في حالة يرثى لها، بينما هي لا تقل عنهم حزناً، بل حزنها وألمها أكثر منهما. التفت إليها الجد ليقول:
- تعالى يابنتي واقفة عندك ليه.
أجابته "رحيل" بابتسامة باهتة يكسوها معالم الحزن والتعب فقالت:
- أنا رايحة المستشفى حد منكم هيجى معايا.
رد عليها "حمزة" وهو ينهض من مقعده:
-ايوة يابنتي أنا جاى معاكى.
نهض الجد هو الآخر وقال:
-استنوني هطلع أغير هدومي واجى معاكم.
بينما "رحيل" جذبت كأس الماء من الطاولة وارتشفت منه قليلاً، فتحدثت "صفا" قائلة:
-مش هتتفطرى الأول قبل ماتمشى.
-لا ياماما ماليش نفس للأكل. واه خلى بالك من الأولاد هما شوية وهيصحوا حاولى تخليهم يفطروا.
ثم تفحصت الغرفة وقالت بتسأل:
-اومال عمتو حنان فين.
أجابها عمها "حمزة" قائلاً:
-حنان نايمة.
قطبت مابين حاجبيها بتعجب ثم قالت:
-هى مش هتيجى معانا تطمن على مراد.
-لا أصلها مانمتش امبارح وكانت طول الليل بتعيط. وأنا الصراحة خوفت ليجرالها حاجه فحطتلها مهدى فى العصير الفجر عشان ترتاح شوية. ولما تصحى براحتها هبقى اخلى مازن أو هشام يجبوها معاهم.
وفى هذا الأثناء أردف "سليم" بود:
- ابقوا طمنوني على مراد ولو احتاجتم أى حاجه اتصلوا بيا ياحمزة وأنا والله مش هتأخر.
نظر إليه شقيقه وقال باسماً:
-حاضر ياسليم.
فلما وصلوا للمستشفى أقتربت "رحيل" بلهفة من "مروان" وقالت متسائلة:
-طمني مفيش أخبار جديدة عن حالته.
أجابها الأخر ببسمة وشوشة فقال:
-اطمنى ياحبيبتي الدكتور من شوية كان عنده وقالنا أن حالته بتتحسن.
أرتسمت على محياها ابتسامة رضا ثم قالت بنبرة لطيفة:
-طب الحمدلله. لكن أنا عايزة أشوفه ينفع ادخله العناية.
تحدث "أدهم" قائلاً:
-اه ياحبيبتي ينفع بس لازم تتعقمى الأول قبل ماتدخلى.
-ماشى مفيش مشكلة. طب وعمى مش هيدخل معايا.
رد عليها "مروان" فقال:
-المفروض واحد بس اللى يدخل.
نظرت إليه "رحيل" بحيرة فهى تريد أن تراه ولكن عمها أحق منها. فتراجعت خطوة للخلف بعدما انطفئ حماسها. فعلم "حمزة" ما دار بعقلها عندما لاحظ تغير لون وجهها. فمسك معصمها وقال باسماً:
-ادخلى له يابنتي لأن وجودك جمبه هيفرق معاه أكتر من وجودى أنا.
- لكن ياعمي.
قاطع حديثها بقوله:
-مفيش ولكن أنا اللى بقولك ادخلى شوفيه. وأنا كدا كدا اطمنت عليه.
عانقته بقوة وهى تقول برقة:
-شكرآ.
فلما دخلت إليه دنت منه وجلست على المقعد بجانبه. ثم مدت يدها المرتعشة لتمسك ساعده الذى قبلته فوراً. وبكت بصوت خافت:
- مش عارفة أقول ايه بس كل اللى أنا عيزاه أنك تقوم بالسلامة وترجع لبيتك بكامل صحتك وبعدها كل شئ يهون.
أخذت تتأمل وجهه الشاحب المائل إلى اللون الأصفر ثم قالت بألم يعصف قلبها:
- مكنتش حابة أشوفك قدامي بالشكل ده لأن قلبي بيوجعني أوى ومش قادرة اتحمل وجعه. أرجوك يامراد اتعافى بسرعة عشان خاطر ولادنا وعشان خاطري أنا كمان لأني محتاجاك جمبي. أنا مش هقدر اتخطى كل اللى حصل غير بوجودك جمبي.
ظلّت تراقبه لبضع دقائق حتى انتهى وقت الزيارة.
فى شركة الألفى كان "مازن" يباشر العمل إلى حين عودة اشقائه. فولجت إليه السكرتيرة واردفت بطريقة مشمئزة فقالت بدلال:
-تحب اسعدك فى حاجه مستر مازن.
أجابها وهو ينظر إلى إحدى الملفات فقال بحده:
-لا ياسوزى وبعدين أنتى مش السكرتيرة بتاعتى أى اللى جابك هنا.
- أنا قولت اكيد حضرتك مشغول جدآ وخصوصاً أن مفيش حد هنا يساعدك فحبيت اجى اشوفك لو محتاج حاجه. طب تحب تشرب قهوة.
رد عليه دون أن يلتفت إليها فقال:
- مفيش مانع بس ياريت تبقى مظبوطة.
-حاضر.
بعد لحظات عادت إليه ومعها فنجان القهوة فوجدته واقفاً ينظر من النافذة على المارين فى الخارج. بينما هي تلكأت في مشيتها حتى تعثرت قدميها. لتقع بالقرب منه ولكنه أسندها في تلك اللحظة. وعندئذ تفاجأ بحضور زوجته التى لمعت عيناها بالغضب والكره الغليظ لتلك الفتاة. فاقتربت منها وشدّت خصلاتها بقوة حتى أسقطتها أرضاً. كل هذا حدث وهى تصيح بصوت عالٍ:
- اه ياخطافة الرجالة ياشبه عصاية المقشة.
كانت "سوزى" تحاول أن تدفعها بعيد عنها ولكن الأخرى كانت في مركز القوة. فصرخت "سوزى" متألمة من أثر الضرب:
-ابعدى عنى يابيئة مش عارفة هو أزاى أتجوز واحدة مسترجلة زيك.
بينما "ندى" سددت لها عدة صفعات متتالية ثم قالت بغضب:
-بقى أنا بيئة يازبالة والله لهربيكى.
أنهت جملتها وهى تقضم ذراعيها بعنف شديد حتى تقطرت الدماء منه. رفعها "مازن" بكامل قوته من عليها وهو يقول:
-يابنتي اتهدى بقى جايبة الصحة دى كلها منين حرام عليكى.
التقطت "ندى" أنفاسها المتقاطعة ثم قالت بضجر:
-سيبنى اخلص عليها يامازن وانتفلها شعرها اللى عامل زى الليفه ده.
رد "مازن" بضيق وهو يشير للاخرى أن تنهض من مكانها:
- اخرجى برا ومشوفش وشك هنا تانى.
نظر نحو زوجته وقال غاضبًا:
- ممكن تهدّي بقى، فرجتي علينا الناس.
تحدثت هي بنبرة عالية:
- هو أنت عايزني أشوف الزبالة دي في حضنك وأسكت؟ يابيه، ما هو شكل الموضوع عجبك.
تفوه مازن وقال بحدة:
- ندى صوتك، أنتي هتستهبلي فيها ولا إيه؟ ما قولت إن محصلش حاجة، أنتي اللي فهمتي الموضوع غلط.
ترقرق الدم في عينيه ثم قالت بنبرة حزينة:
- صح، أنت عندك حق. أنا فهمت غلط.
خرجت من المكتب وهي تسبه بجميع الشتائم التي تعرفها. بينما هو جلس على مقعده بإرهاق وقال بضيق:
- ياربي، هو أنا كان ناقصني مشاكل.
لحظات وفُتح باب مكتبها فلم يجدها بداخله. فأغمض عينيه بغضب وهو يقول:
- أكيد الهانم روحت على البيت. ماشي يا ندى، لما أشوف آخرتها معاكي إيه.
كانت جالسة بأحضان صديقتها نور التي تفوهت بنبرة قلقة:
- إيه اللي حصل؟ فهميني واحدة واحدة وبلاش عياط بقى يابنتي.
أجابتها ندى مشتكية وهي تبكي:
- مازن الخاين الكداب الغشاش بيخوني.
حدقت بها نور مندهشة ثم قالت بتساؤل:
- بيخونك إزاي؟ مش فاهمة.
رددت عليها بصوت باكي:
- آآآه، الخاين بيخوني مع عصاية المقشة.
ابتعدت عنها نور وهي تنظر نحوها بأعين متسعة صادمة:
- إيه؟ بيخونك مع مين؟ أنتي قولتي عصاية المقشة ولا أنا سمعت غلط؟
- مش قصدي عصاية المقشة اللي بنروق بيها. أنا قصدي على البت الصفرا اللي ضاربة شعرها أكسجين، سكرتيرة مراد أخوكي.
- طب خانك معاها إزاي يعني؟ مش فاهمة.
جففت ندى دموعها بكف يديها ثم قالت بحزن:
- أنا كنت قاعدة في مكتبي وزهقانة، فقولت لما أروح أشتغل معاه في مكتبه، أهو ننسى بعض. ولما دخلت لقيت الهانم الصفرا في حضن البيه.
- ما يمكن أنتي فهمتي غلط.
صاحت الأخرى بضيق، فقالت بنبرة عالية:
- هو إيه اللي فهمته غلط؟ بقولك كانت في حضنه، ودي هيكون معناها إيه؟ غير إن البيه ما صدق يستغل الفرصة ويخوني.
ربتت على ظهرها صديقتها بشفقة ثم قالت:
- ممكن تهدّي، لأن اللي بتقوليه مستحيل. مازن يعمله، أكيد فيه حاجة غلط ياندي. فبلاش تشكي في جوزك، لأنك كده هتبوظي علاقتك بيه. ولما ييجي، حاولي تتكلمي معاه بهدوء وتعرفي إيه اللي حصل، علشان متخسريش جوزك بسبب غيرتك الزايدة.
لحظات وجاء مازن من الخارج باحثًا عنها. فلما وجدها جالسة في غرفة المعيشة بجانب زوجة شقيقه، دنا منها وقال معتذرًا:
- أنا آسف لأني زعقتك في المكتب. وصدقيني ياحبيبتي، أنتي فهمتي غلط.
دفعت يده بعيدًا وهي تقول:
- ابعد عني، أنت خاين ومش عايزة أتكلم معاك.
تحدث مازن بهدوء حتى يشرح لها ما حدث:
- حاولي تسمعيني، أنا بجد والله معرفش هي إزاي بقت في حضني.
نهضت نور من مكانها ثم وجهت حديثها لصديقتها فقالت:
- ندى، اعقلي كدا واقعدي اسمعي منه وحلوا مشاكلكم مع بعض بهدوء.
بعد مغادرتها، جلس زوجها بجانبها وعانق وجهها بين كفيه، ثم قال بنبرة لطيفة:
- أنا عمري ما فكرت إني أخونك أو أبص لواحدة غيرك. أنتي مراتي حبيبتي. وزي ما قولتلك قبل كدا، مفيش واحدة تقدر تملى عيني غيرك ياندي.
تحدثت ندى بنبرة ممتزجة بالبكاء:
- أمال هي كانت بتعمل إيه في حضنك؟
تنهد مازن وقص عليها ما حدث، ثم قال بعطف:
- والله ياندى، هو ده كل اللي حصل.
- بجد؟
قام بضمها ثم قال باسمًا:
- بجد ياعمري، ياللي مجنناني أنتي.
ولج سليم لغرفة المعيشة وهو يقول:
- بتتخانقوا ليه؟ صوتكم واصل لآخر الدنيا. ثم وجه حديثه لابنه قائلًا:
- عملت إيه يابلوة حياتي؟
- معملتش حاجة يابابا والله، هو بس سوء تفاهم وراح لحاله.
تبسم سليم وهو يقول مازحًا:
- يعني خلاص راح لحاله؟ يا غلطة عمري.
أردف مازن باسمًا:
- أه والله يابابا، خلاص مفيش حاجة، احنا زي الفل أهو.
نظر سليم إلى ندى وقال بحنان أبوي:
- لو زعلك في حاجة الحيوان ده، تعالي قوليلي وأنا هكسرلك رقبته.
ضحكت ندى بخفة ثم قالت برقة:
- حاضر يابابا.
بينما مازن همس لها قائلًا:
- بقولك إيه، مفيش حاجة حلوة منك تنسيني الفرهدة والفضيحة اللي حصلت.
تفوهت هي بحياء فقالت:
- اتلم يازفت، أبوك قاعد.
- ماشي ياستّي، لينا أوضة تلمنا لوحدنا.
بعد عدة أيام، تحسنت حالة مراد الذي خرج فور اطمئنان الطبيب عليه، ولكنه حذره من تعرضه لضغوطات. بعد يومين من رجوعه للبيت، كان جالسًا معهم في غرفة المعيشة يتخلس نظرات محبة نحوها. بينما هي لاحظت تركيزه الشديد معها، فنهضت من مكانها لتفر من نظراته المربكة لها، فقالت مبتهجة:
- أنا هروح أحضرلكم العشاء.
ارتسم على وجهه ابتسامة عذبة حين نظر لأثرها. ركضت صغيرته نحوه مسرعة لترتمي بين ذراعيه بعنف. تألم قلبه من أثر ذلك، ولكنه تحامل على نفسه كي لا يحزنها. فرفعها إليه وأجلسها على رجله وداعب خدها بحنان ولطف ثم قال:
- بحبك يازينة حياتي.
بينما هي تحسست ذقنه المنبتة وقالت ببراءة:
- وزينة بتحبك أوي.
مسد على شعرها بعناية وقال بمرح:
- وبتحبي بابا قد إيه؟
ضحكت صغيرته برقة وهي تجيبه قائلة:
- قد البحر وسمكاته.
ضحك بخفة عندما تذكر تلك المقولة التي كانت تقولها محبوبته منذ سنين فائتة، فقال:
- تعرفي مين اللي كان بيقول الجملة دي دايمًا؟
أجابته زينة بفطنة:
- مامي.
رفع حاجبه بتعجب ثم تسأل:
- عرفتي منين؟
- لأن مامي على طول بتقولنا الجملة دي لما بنسألها أنا وزين بتحبينا قد إيه، تقولنا قد البحر وسمكاته.
- فعلًا.
تحدث سليم قائلًا:
- زينة ياحبيبتي تعالي اقعدي جنبينا هنا عشان ما تتعبّيش باباكِ.
نظرت إلى والدها فقالت بحزن:
- أنا بتعبك.
قبل يدها الصغيرة برفق ثم قال بحنان:
- لا ياقلبي، بالعكس وجودك في حضني مخليني مبسوط ومرتاح كمان.
بعد مدة من الوقت، اجتمعت العائلة معًا، ولأول مرة من سنين، على سفرة واحدة. فقال الجد بسعادة:
- أنتم مش متخيلين فرحتي بوجودكم حواليا عاملة إزاي. بجد لمتنا دي نعمة كبيرة من ربنا لازم الواحد يشكره عليها. ومن بكرا ياسليم أنت وأخوك تدبحوا عجلين وتفرقوا على كل المحتاجين.
أردف سليم بنبرة فرحة:
- حاضر يابابا.
بينما حمزة قال بلطف:
- فعلًا وجودنا مع بعض نعمة. الحمد لله أنا ربنا لم شملنا من أول وجديد والبيت زاد أفراد جديدة.
بعد الساعة واحدة صباحًا، كانت رحيل جالسة على فراشها تتصفح هاتفها. فسمعت صوت ضوضاء يأتي من شرفتها. شعرت قليلًا بالخوف والرهبة. فلما زاد الصوت نهضت من مكانها واتجهت بحذر نحو شرفتها. فلما فتحت أبوابها، تصنمت مكانها عندما شاهدت مراد متعلقًا على الشجر المطلة عليها وممسكًا بيده باقة ورد. فقالت مندهشة:
- مراد، أنت بتعمل إيه هنا؟ وإيه اللي طلعك على الشجرة!
أردف هو بهيام وشوق جارف:
- حبك اللي جابنا لحد عندك.
تحدثت بعدم تصديق فقالت ضاحكة:
- شكل التعب جننك على الآخر.
كان يطالعها بحب شديد فقال باسما:
- الصراحة أنا جيت هنا عشان أقولك أني ملقتش حد يؤنسني في الباقي من عمري غيرك أنتي ياحبيبة الروح والفؤاد. أنا جايلك عشان أعتذرلك على ما بدر مني من سوء، وأتمنى أنك تقبلي تسامحيني وتشاركني حياتي في الحلال، وهكون ليكي الزوج والحبيب والأخ والسند.
تهلل أسارير وجهها وارتسمت على ثغرها ابتسامة عذبة، فقالت برقة:
- طب انزل من على الشجرة لتقع، وأنت أصلا مش حمل كسرة رجل ولا كسرة رأس، كفاية اللي حصلك الأيام اللي فاتت.
- مش هنزل غير لما توافقي على جـوازي منك.
ضحكت بخفة ثم قالت برقة:
- مش هرد عليك غير لما تنزل.
- وأنا مش هنزل غير لما تقولي موافقة اتجوزك يامراد، ومسامحاك و..
لم يكمل جملته فقد انكسر غصن الشجر وسقط الآخر من عليه. ومن حسن حظه أن المسافة ليست بعيدة. شهقت "رحيل" بصدمة وهي تقول:
- ينهار أسود، أهو ده اللي كنت خايفة منه.
هرولت إلى الحديقة والخوف ينهش روحها، فلما اقتربت منه وجدته جالس على الأرض ينتظرها. فدنت منه وتفحصته جيدًا وهي تقول بقلق:
- حصلك حاجة؟ أنت كويس؟ رد عليا.
ابتسم بخفة على لهفتها وخوفها عليه فقال باطمئنان:
- متخافيش، أنا كويس.
تنهدت بهدوء ثم جلست بجانبه وضحكت بخفة على فعلته:
- ينفع شغل المراهقين اللي أنت عملته؟
لمس خدها برفق ثم قال:
- أنا أعمل أي حاجة عشان ترضي عني، حتى لو هموت نفسي.
نظرت إليه بعتاب وقالت:
- ولما أنت تموت هنعمل إيه من غيرك أنا وولادك؟ على قد زعلي منك، على قد ما كنت هموت لما لقيتك وقعت من طولك. حسيت وقتها إن روحي فرقتني. أنت مش متخيل أنا كنت عاملة إزاي لما عرفت إنك أصبت بأزمة قلبية، حرفيًا كنت هموت من خوفي عليك.
أدمعت عيناه بالحزن فقال نادما:
- رحيل، أنا آسف. سامحيني ياحبيبتي على الأذى اللي سببته ليكي.
- خلاص أنا مسامحاك، أولًا عشان خاطر ولادنا، وثانيًا عشان أنا عايزة أنسى الماضي وعايزة أبدأ معاك صفحة جديدة.
- يعني موافقة تكوني مراتي؟
أجابته بحياء قائلة:
- موافقة، لكن بشرط تبني ليا ذكريات جميلة.
تبسم بخفة وهو يحرك رأسه بالإيجاب:
- موافق ياكل كلي.
في غرفة الفندق ارتدت "رحيل" فستان زفافها الذي يشبه فساتين الملكات، فكان مرصع بحبيبات زجاجية تشبه الألماس. بينما هي كانت آية من الجمال وكأنها حور من الجنة. وما زادها جمالًا ذلك التاج الذي وضعته على خصلات شعرها. دنت "صفا" منها وقالت ببكاء:
- أنا بجد مش مصدقة نفسي، أخيرًا شوفتك قدامي بالفستان الأبيض يانور عيني.
أردفت "ندي" بنبرة ضاحكة:
- جرا إيه ياصفصف؟ إحنا هنعيط كدا؟ مش هينفع يامامي.
- أعمل إيه بس؟ دي دموع الفرحة.
اقتربت "حنان" منهما وهي تبعد "صفا" عن "رحيل" ثم قالت بسعادة:
- أوعى كدا، خلوني أشوف عروسة الغالي.
ثم عانقتها بسعادة فبادلتها الأخرى بروح منشرحة محلقة في أجواء الفرح:
- ألف مبروك ياحبيبتي.
أجابتها "رحيل" بخجل وقد احمرت وجنتاها:
- الله يبارك فيكي ياماما.
بعد مدة كان يرقص معها وسط حضور العائلة، بينما نبضات قلبه كانت ترقص طربًا لحصولها على غايتها. فهمس لها بحب:
- حرفيًا مش لاقي كلام يوصف جمالك وحلاوتك، ولا حتى يوصف فرحتي بيكي. كل اللي أقدر أقوله دلوقتي إني قلبي بينبض بحبك.
التمع بريق عيناها بالسعادة والابتهاج فقالت بنبرة لطيفة:
- بتحبني قد إيه؟
ارتسم على ثغره ابتسامة عريضة ثم قال حين قبل رأسها:
- بحبك قد البحر وسمكاته.
ضحكت بخفة ثم قالت برقة:
- وأنا كمان بحبك قد البحر وسمكاته.
- كنتي حلمي، ودلوقتي حلمي اتحقق يارحيل، بعشق عينيكي اللي تشبه السماء في صفائها ونقائها.
كانت تستمع إليه بحب شديد والدموع تنهمر من عينيه بفعل السعادة التي تشعر بها، فقام بتقبيل يدها وقال بنبرة لينة تحمل بداخلها حنانًا عميقًا:
- ياقرة العين، إن العين تهواكي بشدة، فأنا العاشق لكِ ياملكة قلبي.
عانقها برفق وهو يردد كلمات الموسيقى المشتعلة.
أنتهت الرقصة عندما رفعها ودار بها بسعادة وسرور تحت تصفيق الجميع.
كانت رحيل بالنسبة لمراد حلمًا وتحقق، فهي الأمل والحياة والسعادة التي يشعر بها.
دائمًا...
هناك أرواح تحتوينا لتشعرنا بالأمان.
أرواح نقية قلوبها بريئة.
حبها لا يحكى ولا يكتب.
هم حكاية قدر جميلة لن تتكرر أبدًا.
فنحن يكفينا بضع كلمات كي نبقى على قيد الحياة... قيد الشغف.
أطلقوا سهام الحب الصادقة وأصيبوا بها أفئدة من حولكم.
أشبعوهم دعم وحب وصدق.
وتأكدوا أن كلمات صادقة بسيطة كافية أن تبني ناطحات من الأمل بأرواحهم.