قال القاضي كلمته الأخيرة وأعطى سجده البراءة. كان إحساسها لا يوصف، وعيناها تلمعان بدموع الفرحة. في قلبها، كانت هناك طبول تدق فرحًا. نظرت إلى سليم الذي قام من مكانه، واقترب منها وقال بفرح: "كنت متأكدًا من براءتك." نزلت دموعها، وظلت تنظر إليه طويلاً، وابتسامتها على خدها. حتى جاءها عسكري ليأخذها ويخرجها من السجن. وفي تلك الأثناء، كانت هند تنظر بنظرات شيطانية، وكأنها ستقتل سجده بعيونها. ثم جرت على
عبد الرحمن وقالت له بغل: "كيف هذا يحدث يا حج؟ هكذا حق ابني ضاع! أين العدل هذا؟ دم ابني ذهب هدرًا وأنا أقف أتفرج على هذه المجرمة وهي تأخذ براءتها بدلًا من إعدامها." نفخ عبد الرحمن وقال بهدوء: "لقد فعلنا ما علينا ورفعنا الدعوى، لكن في النهاية، حفيدي يستحق ما حدث له." صُدمت هند من رد الحج وقالت له بعصبية: "ما معنى هذا الكلام؟ أنت بالأمس كنت تقول إن هذه الفتاة يجب أن تُحاسب، ماذا حدث اليوم؟
رد عبد الرحمن: "ما حدث هو أنني كنت متأكدًا من براءة هذه الفتاة منذ يوم أن رأيتها تسحب سم الحية من رجل حفيدي وأنقذت حياته. فلو كانت مجرمة حقًا، لتركت سليم يسبح في دمه وهربت، كما فعلت مع أدهم. يعني أعطته ما يستحقه، وأعطت سليم ما يستحقه، لأن لكل فعل رد فعل." ردت هند بذهول: "طب وأنا؟ هذا ابني، هذا الذي قُتل وهي التي قتلته، هل تريدني أن أحتضنها أيضًا؟
رد الحج بتنرفزة وحزن: "كل ما أريده منك هو أن تصدقي أن ابنك فاسد وأخذ ما يستحقه. هذا الكلام صعب جدًا أن أقوله على حفيدي، لكنه قدر ومكتوب. ومن أجلك، استمريت في رفع الدعوى وسجنتها، رغم أنني كنت أعرف أنها بريئة، ولكن حتى لا أكون مقصرًا في حقك. لكن القدر له رأي آخر ونجاها، لأنها تستحق البراءة." كانت هند مصدومة من كلام عبد الرحمن. معقول، هذه الفتاة استطاعت أن تضحك عليهم كلهم، ونسوهم حفيدهم؟
طب، ومن سيقف بجانبها الآن لتأخذ حق ابنها؟ كلهم يقفون في صفها، حتى فريدة ابنتي تقف ضدي. وقد حاولت قتلها وأخذ حق ابني بيدي وما نفع. ماذا سأفعل معها؟ لكنني مستحيل أن أنساك يا أدهم، وأمك ستأخذ لك حقك، وأنا معك في هذه الدنيا. خرجت سجده من السجن، وكان سليم وأمل وفريدة ينتظرونها بالخارج. فور خروجها، أخذوها بالسيارة وتوجهوا إلى القصر. السعادة كانت واضحة على وجهها. صعدت أمل وفريدة للجلوس في حديقة القصر.
قالت فريدة بحزن: "عمري ما كنت أتخيل أني أقف بجانب من قتلت أخي، والغريب أنني سعيدة لبراءتها. أشعر بإحساس سيء جدًا، لا أستطيع أن أقول لك ما كنت... قاطعتها أمل وهي تطبطب عليها وتقول لها: "أشعر بكِ، وما أنتِ فيه هذا طبيعي. هذا يدل على أنكِ إنسانة طيبة وصافية من داخلكِ، وما فعلتيه هذا هو الصح. ولو كنتِ فعلتِ غير ذلك، لكنتِ ستعيشين في عذاب الضمير طول عمرك." فجأة، رن هاتف فريدة برقم صاحبتها ندى.
فمسحت دموعها وردت بهدوء: "إيه يا ندى؟ ردت ندى: "طمنيني، عملتوا إيه؟ ردت فريدة وهي تنظر لأمل: "طلعت براءة." سكتت ندى قليلاً ثم قالت: "والله يا فريدة، ما أعرف أبارك لكِ ولا أعزيكِ. بس خليكي قوية، وربنا يصبر قلبكِ أنتِ ووالدتك." ردت فريدة بحزن: "خلاص يا ندى، الحمد لله على كل حال." ندى: "طب قوليلي، هتيجي بكرة ولا لأ؟ أنتِ بقالكِ أكثر من شهر ما بتيجي، وجالكِ إنذار كذا مرة."
ردت فريدة: "ما أنتِ عارفة اللي أنا فيه يا ندى، وأعصابي تعبانة، مش عارفة أعمل إيه." ندى: "معلش يا حبيبتي، تعالي بس عشان الامتحانات ونعدي من السنة دي بقى على خير." وقبل أن ترد فريدة، وجدت رقمًا غريبًا يرن عليها، فاستغربت. وبعدين وجدت أمل تشير لها بأنها ستذهب. فهزت فريدة رأسها. فور ذهاب أمل، ردت فريدة على ندى وقالت لها: "طيب يا ندى، أنا هقفل دلوقتي، لأن في رقم بيرن عليا، هشوف مين." ندى: "تمام، سلام."
ردت فريدة على الطرف الآخر، وانتظرت حتى يبدأ هو الكلام. حتى سمعت صوتًا مألوفًا بالنسبة لها يقول: "الو! ردت باستغراب: "مين؟ رد: "مكنتش أعرف إنك لما تشوفيني هتقعدي شهر في البيت مصدومة." فريدة: "مش فاهمة حاجة! مين حضرتك؟ رد: "لا، اطلعي من جو حضرتك ده، لأنه مش لايق عليكِ." فريدة بنرفزة: "هتقول مين، ولا أقفل في وش أهلك السكة."
رد: "أيوه، هي دي العربجية اللي أنا للأسف أعرفها. على العموم، دي آخر فرصة ليكِ. لو ما جيتيش بكرة، هكتب فيكي مذكرة، وطلوعك من الجامعة هيبقى على إيدي يا أم لسانين." قفلت فريدة الخط في وجهه بنرفزة وقالت: "هي ناقصاك انت كمان، عامل فيها الغامض بسلامته." وقبل أن تقوم من مكانها، جاءتها رسالة مكتوب فيها: " (أنا دكتور إسلام، سجلّي رقمي بقى، أو ما تسجلهوش، لأني عارف إنه مش هيطلع من دماغك)
قرأت الرسالة عشر مرات وهي مذهولة. هو جاب رقمي منين؟ شكله ناوي لي على نية سوداء، وشكلي هطلع عفاريتي عليه. دخلت أمل القصر، وجدتهم قاعدين حوالين سجده ويتكلمون. فرفعت صوتًا بسيطًا وقالت بهدوء: "طب أنا همشي بقى، عن إذنكم." قام سليم من جنب سجده وذهب إليها وقال لها: "رايحة فين؟ استني، هوصلك." ردت بهدوء: "لا، أنت لسه تعبان، وبعدين أنا معايا عربيتي."
وبصت لسجده وقالت لها: "حمد الله على سلامتك يا سجده، ويا رب تبقي دي آخر أحزانك." ابتسمت سجده وقالت لها: "شكرًا ليكي بجد على كل حاجة عملتيها عشاني." وزعت أمل نظراتها بين سليم وسجده. وللحظة، شعرت بالغيرة. ثم تملكت أعصابها وقالت: "عن إذنكم." صعد سليم معها للخارج. وقبل أن تركب سيارتها، قال لها بهدوء: "شكرًا يا أمل، حقيقي أنتِ كبرتي في نظري أوي." بلعت أمل ريقها بصعوبة وقالت له: "انت هتطلقها امتى؟ حس سليم بوجعها، وأخذ نفسًا
وقال لها: "على الأقل شهرين، عشان كلام الناس، بس مش أكتر." أخذت نفسًا عميقًا وردت عليه بحزن مكتوب: "على العموم، أنا مسافرة لبابا دبي، لأنه محتاجني في الشغل." استغرب وقال لها: "إمتى ده؟ ردت: "احتمال بكرة." سليم بتفاجؤ: "بالسرعة دي." هزت رأسها بنعم. وبعدين قال لها: "ولسه فاكرة تقوليلي دلوقتي؟ سكتت أمل قليلاً،
ونظرت له بحزن وقالت له: "سليم، أنا مش هقدر أشوفك معاها. حاول تفهمني، صعب قوي إني أصدق إنك حاليًا متجوز واحدة تانية غيري. وللأسف، أنا لازم أتقبل كده بسبب الظروف اللي إحنا فيها. بس على الأقل، ما تخلينيش أشوف ده بعيني. أنا عايزة أبعد. ويوم طلاقك منها، هتلاقيني جنبك."
رد سليم بهدوء: "أنا بعتذر لك يا أمل على اللي أنتِ حاسة بيه دلوقتي بسببي، وحقيقي مش لاقي كلام يعبر عن اللي جوايا غير إني بحبك، ومقدرش على بعدك عني. بس تمثلي العذر عشان خاطري، وأنا هفضل جنبك ومش هسيبك." نزلت دموع أمل، وبعدين ابتعدت عنه وفتحت باب سيارتها ومشيت من قدامه. وهو فضل واقف مكانه يبص عليها من بعيد، وقلبه مليان حزن على الظروف اللي فرقتهم عن بعض. أخذ نفسًا عميقًا ووضع يده على شعره بضيق، واستغفر ربنا في سره.
وقتها، كانت ماجدة، والدة سليم وسجده، تنظر إليهم من شباك الانتريه. وكانت سجده تشعر بالذنب ناحيتهم، وقلبها يوجعها جدًا عليهم، وأنها كانت سبب في فراقهم. ففضلت تنظر إليهم وعيناها فيها حزن كبير. فلاحظت ماجدة نظرة سجده لهم، فمسكت يدها وقالت لها: "اطلعي أوضتك ارتاحي، إن شاء الله كل حاجة وليها حل." فجأة، وقبل أن تتكلم سجده، دخلت هند، زوجة والد سليم الثانية، وقالت بغل وكره واضح في عينيها وبصراخ: "تطلع فين يا ماجدة؟
أنتِ مش هتطلعي من هنا إلا على جثتي." وجرت على سجده، ماسكة إياها من طرحتها، وبتضربها بكل ما أعطاها الله من قوة، حتى تفكت طرحة سجده وظهر شعرها، وملابسها شبه متقطعة. وماجدة تحاول بكل قوتها أن تبعد هند عن سجده، وسجده تصرخ تحت يديها، وجسمها أضعف من جسم هند، فلم تكن قادرة أن تخلص نفسها من تحت يديها، حتى جاء سليم وفريدة على صوت الصراخ، وتصدموا مما رأوه.
وبصعوبة، عندما فكك سليم سجده من تحت يد هند، التي كانت تنهج بقوة. وفريدة وماجدة يمسكونها حتى لا تقرب على سجده ثانيًا. فقالت لها بزعيق ونهجان: "موتك على إيدي يا مجرمة، مش هخليكي تتهني يوم واحد من بعد ابني." صرخ سليم بكل صوته وقال: "كفاياااااا بقااااا." وقفت سجده وراء سليم، وهي تمسك بيده بخوف، وجسمها كله يرتعش، وتحاول أن تداري في شعرها وملابسها التي تقطعت. حتى دخل عبد الرحمن
على صوتهم وقال بذهول: "إيه التهريج اللي بيحصل ده!؟ زعق سليم وهو يشير على هند ويقول بصوت عال: "اسأليها، كانت هتقتل مراتي. قسما عظيمًا، لولا أني مراعي الظروف اللي أنتِ فيها، لكنت بلغت عنك حالًا. ومش هسمح للموضوع ده يتكرر ثاني مهما كان الثمن إيه." رد عبد الرحمن بزعيق: "اهدأ يا سليم، دي مهما كانت مرات أبوك، وزعلانة على موت ابنها برضه." بص سليم في عين هند وقال بزعيق: "لو قربت على سجده ثاني، هخليها تحصل ابنها."
ردت هند، رغم الخوف الذي بداخلها من سليم، وقالت بزعيق: "وأنا هاستنى منك إيه يا ابن ماجدة، متجوز مجرمة، طبيعي يطلع منك كل ده." زعق عبد الرحمن وقال: "اسكتي بقى يا هند، واطلعي على أوضتك." زعقت هند وقالت: "هي البنت دي سحرتكم؟ فوقوووووو بقى، هي عملت فيكم إيه! عبد الرحمن بكل صوته وقال: "خدي أمك يا فريدة على فوق، عشان لو فضلت دقيقة كمان، هتندم." شدت فريدة أمها وقالت لها بتوتر: "يلا يا ماما، عشان خاطري، كفاية."
دفعت يديها وقالت لها: "أوعي من وشي أنتِ كمان." وسبتهم وطلعت على أوضتها، والشر والغل مالئين عينيها. صعد سليم وسجده إلى غرفتهم. وأول ما أغلق الباب، سمع صوت بكائها. فبص لها، وجدها ضامة رجليها الاثنتين عليها، وقاعدة على الكنبة، وشعرها الطويل مغطي على وجهها، وبتعيط بحرقة وقهر. فاقترب عندها وزعق فيها وقال لها: "أنتِ هتفضلي ضعيفة كده لحد إمتى؟ هتخلي الناس كلها تيجي عليكِ؟ وكل اللي عليكِ تعمليه هو إنك تعيطي وبس."
زادت في بكائها أكثر. فاقرب منها أكثر، ومسك يدها بقوة، وقومها من مكانها بالغصب، ووقفها أمام المرآة، أثناء بكائها بصوت عالٍ، فقال لها بالزعيق: "بصي، شوفي نفسك، شوفي بقيتي عاملة إزاي. حلو كده صح؟ العياط حلو؟ عجبك مش كده؟ سابها بقوة وقال لها: "خليكي كده، كله هيدوس عليكِ لحد ما يجيبوا أجلك. ومش كل مرة هتلاقي اللي يساعدك. وأديكِ شفتي بعينك، بسبب ضعفك ده، اتطورتي في قضية مخدرات، واغتصبِتي بدل المرة اتنين."
حطت يديها على أذنيها، وقعدت على الأرض، عمالة تصرخ وتعيط وتقول بصريخ: "بااااااااس، مش عايزة أسمع، اسكت بقاااااااااااا، حرام عليك، كفاياااااا بقااااا." نزل لمستواها، وشال يديها من على وشها، وقرب وشها من وشه وقال لها: "أنتِ اللي كفاية بقا، مشبعتيش ضعف وإهانة وذل لحد كده." قالت له بدموع وقهر: "انت عايز مني إيه؟
بسرعة وهو يبص في عينيها: "عايزك قوية. أنتِ بإيدك تخلقي من ضعفك قوة، لكن أنتِ بتستسهلي العياط. أنا مش دايملك، ومش دايما هتلاقي اللي يساعدك. لازم تفوقي بقا، الدنيا دي مش عايزة الضعيف." مبقتش شايفاه من الدموع اللي غرقت عينيها، فقلت له بقهر: "أنا تعبت، والله العظيم تعبت." رد سليم وهو محاوط وشها بإيديه الاثنين،
ويبص في عينيها: "أنا معاكي، وأنتِ لسه في أول الطريق. خدي حقك من اللي ظلمك، وبعد كده ابقي عيطي لحد ما تزهقي. لكن دلوقتي، مش وقت العياط ده، ده وقت إنك تقفي على رجلك. كفاية اللي حصلك، وقومي وريهم الجانب القوي منك. الضعف وحش قوي يا سجده، ولو أتملكك، هتنتهي." مسحت دموعها بإيديها، وفضلت تبص له ومركزة في كلامه، وهي بتفتكر كل اللي حصل معاها، وكل الذل اللي اتعرضت له.
فضل سليم مركز في عينيها، وبردود فعلها لما قامت قدامه. وفضلت تاخذ أنفاسها بعمق، وتمسح في دموعها، وترجع شعرها بعيد عن وشها. وبعدين سابته ودخلت الحمام، وفتحت المية عليها، كأن المية بتمسح كل جروحها. وكلام سليم بيتكرر في عقلها. فضل سليم واقف مكانه لحد ما سمع باب الأوضة بيخبط، فاتحرك من مكانه وفتحه، ولقاها ماجدة، والدته، بتقوله: "خير يا ابني، صوتكم جايبني من تحت." رد قال لها بهدوء،
عكس العاصفة اللي جواه: "ما تقلقيش، مفيش حاجة." فضلت تبص على الأوضة من جوه وتدور بعنيها على سجده. فاسألته: "أما هي فين؟ رد قال لها: "في الحمام.. وسكت شوية، وقال لها: خليكي معاها، عشان أنا أعصابي تعبانة ورايح الأوضة التانية." وسابها ومشي. فدخلت ماجدة الأوضة، وخبطت على سجده في الحمام، وقالت لها بهدوء: "محتاجة حاجة يا بنتي؟
كانت سجده مش سامعة غير صوت سليم في ودنها، وكلامه اللي بيتكرر في عقلها. غمضت عينيها، وقعدت في البانيو، والمية بتنزل عليها من كل جانب. الساعة 7 الصبح، كان ميعاد طيارة أمل لدبي. جهزت شنطتها، وركبت عربيتها وراحت المطار. وكانت بتقاوم شعور إنها تتصل به تودعه. وقدرت تتغلب على الشعور ده، وسمعت نداء طيارتها، ومسحت دموعها، وركبت الطيارة، وسابت كل حاجة ورا ظهرها، وسافرت.
وصلت فريدة على الجامعة. وأول ما دخلت السكشن، شافت دكتور إسلام واقف على المنصة. بصلها وقال لها بغرور: "محدش بيدخل من بعدي، اطلعوا بره." بصت له بإحراج، وقبل ما تطلع، قال لها: "استني، أنا ممكن أدخلك، بس لو اعتذرتي قدام زمايلك." بصت له فريدة بغيظ، وبعد تفكير قالت:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!