دخلت مسرعة إلى الداخل تدور بعينيها هنا وهناك تنظر للبيت بانبهار. فكل مكان به عبارة عن لوحة فنية. دخل وراءها، ينظر لما تفعله، كالطفلة. التفت له قائلة، وهي تأكل الموز كالقرده وترمي القشر هنا وهناك في محاولة منها لإغاظته. ولكنه جز على أسنانه قائلاً: ارمي براحتك، محدش هينضف الفوضى دي غيرك. لم تكترث لكلامه وأنهت أكل الموز. وعبثت بشفتيها كالأطفال قائلة: عاوزة تاني. فتح فاهه قائلاً: انتي أكلتي دا كله وعاوزة تاني؟
الأكل دا كله بيروح فين؟ ها؟ نظرت له بحدة قائلة: انت جايبنا هنا ليه؟ أنا عاوزة أروح. نظر لها بمكر قائلاً: تروحي فين؟ دا بيتك. نظرت له بعدم فهم قائلة: بيت إيه دا؟ متهزرش يازين. اقترب منها ببطء قائلاً: بيت جوزك يبقى بيتك ياروح زين انتي. وغمز لها بعينيه. شهقت بصدمة قائلة: انت بتقول إيه؟ جوز إيه وبتاع إيه؟ روحني حالا، مالك لوحده، وزمانه بيسأل عليا. أخذ نفساً براحة قائلاً: لو على مالك، فهو بخير ومع جدك، متقلقيش.
أنا اطمنت عليه. وانتي نايمة من التعب. ونظر لها بغيظ قائلاً: أصلك تعبتي أوي من أثر النمرة اللي عملتيها. ضربت بقدمها الأرض كالاطفال قائلة: عاااااا، أنا زهقت منك. متقولش الكلمة دي تاني. الله. انتفض بحده ذاهباً لها وأمسك ذراعها وضغط عليها بحدة قائلاً: انتي اللي جبتيه لنفسك. أنا ماسك نفسي من الصبح. انطقي، مين يوسف دا؟ دفعته بعيداً عنها وركضت للأعلى تبحث هنا وهناك عن غرفة تختبئ بها من غضبه.
لحق بها مسرعاً وأمسكها من يدها وسحبها باتجاه غرفة ما. دخل الغرفة وأغلق بابها والتفت لها ورماها بعنف على السرير. بينما عيناها في مكان آخر تدور بانبهار في أنحاء الغرفة. كانت الغرفة عبارة عن شقة مصغرة يتوسطها سلم يصعد للأعلى. قادتها عيناها له، وكأي أنثى يدفعها فضولها، كانت تفكر في اكتشافها. الا أن صوته الحاد أفاقها قائلاً وهو يشمر أكمامه: ها؟ قوليلي بقي، مين يوسف دا؟
كان يستند بقدمه على السرير بينما هي ملقاة عليه تنظر بشرود. أفاقت على كلامه ودفعت قدمه بغيظ قائلة: ملكش فيه، اوعى كدا. أمسكها من يديها قائلاً: هو إيه اللي مليش فيه؟ وعموماً، زمان رجالي عملوا معاه الواجب متقلقيش. كدا كدا هعرف. واستدار. الا أنها باغتته بضربه على ظهره بيديها الصغيرة قائلة: حراام عليك يامفتري، ابعد عني بقي، أنا مش عاوزاك. وبلمحة كان اختطفها وأصبحت أمامه يقبلها بجنون وشراسة. خفف قبلته رويداً رويداً.
كانت تضربه على صدره بعنف كي يتركها. امسك يديها وأكمل ما بدأه برقة أذابتها. ابتعد عنها قائلاً وجبينه على جبينها: مين يوسف دا ياسيلا؟ أجابته بتوهان وكأنه وضع عليها سحراً ما، وحكت له كل شيء عنه. ارتاح قلبه ولكن لا بأس من تربيتها قليلاً. دفعها قائلاً: متقلقيش، معملتلوش حاجة، مش زين اللي يعمل كدا. وتركها وذهب باتجاه الحمام يطفئ نيران غيرته وشوقه. نظرت له بذهول، تقول بغيظ: ماشي يازين، ماشي، أنا اللي هبلة وعبيطة، بس ماشي.
لمحت بعينيها تلك الدرجات التي تفصلها عن الأعلى، فقادها فضولها لها. قامت واتجهت صاعدة للأعلى. حطت قدمها الغرفة، كانت عبارة عن غرفة نوم ملكية التصميم. فتحت فاهها من جمالها وطلتها، كانت رائعة. اقتربت وازاحت الستائر ببطء. شهقت من المنظر، كان الحائط عبارة عن نافذة زجاجية كبيرة تكشف عن حمام سباحة كبير ويحاوطه العديد من الأشجار بمختلف أنواعها. كما أن الحمام نفسه مغلق، فلا أحد يرى شيئاً.
كانت حديقة شبه متكاملة غير تلك التي دخلو منها. المنظر نفسه مريح للأعصاب والنفس. نظرت على الجدران خلفها، بكل مكان توجد صورة لها على مدار سنواتها الثمانية التي غابت عنه بها. صور عديدة لها ولطفلها، صورة يوم تخرجها، وصورة يوم ولادتها، وصورة تحمل بها مالك، بعيد ميلاده الأول، والعديد والعديد. كانت تنظر لكل صورة ففي كل صورة كانت مناسبة وذكرى. وسؤال حضر ببالها: كيف حصل عليهم زين؟ التفت تنظر وراءها ولكنها شهقت بخضة قائلة:
زين. خرج من الحمام يبحث عنها هنا وهناك، لم يجدها. كان دخل إلى الحمام وقرر أن يستحم. ألا أنه تذكر أنه لم يجلب شيئاً معه، خرج لجلب أشياءه من الخزانة، الا أنه لم يجدها. بحث بالخارج لم يجدها. تذكر أمر تلك الغرفة، صعد مسرعاً. وكما اعتقد، وجدها هنا. وقف يتأملها وهي تنظر في صورها التي جمعهم على مدار سنوات فراقها. يستعد لسؤالها، فجأة استدارت وشهقت بعنف من أثر الخضة. نظرت له قائلة: إيه دا؟ انت جبت الصور دي منين؟ تنهد قائلاً
وشرد للبعيد: في كل مناسبة كنت بتحايل على فارس يبعتلي صورة ليكي ولابني. وساعات مكنش بيرضي يريحني فكنت بخليه مشغول أو اتحجج بأي حاجة وآخد تليفونه وأشوف صوركم. كنت بجمعهم وأنا عندي أمل أن هيجي اليوم ونتجمع فيه سوا وتبقي الغرفة دي سرنا وذكرياتنا. لم تنزل نظرها من عليه وعادت لسؤاله: ليييييه؟ رد عليها قائلاً: ليه إيه ياسيلا؟ قالت: ليه احتفظت بيهم وليه احتفظت بصوري أنا بالذات، مع إني...
لم يدعها تكمل، اقترب منها وأمسك يديها قائلاً: عشان بحبك. بحبك من أول ما عيني وقعت عليكي في الليلة المشؤمة اياها. إحساسي بيكي كان دايما بيزيد. عارف يمكن تستغربي. بس يومها صدقيني مكنتش عارف بعمل إيه. سامحيني ياسيلا. دفعته بعيداً عنها قائلة بحزم: لا. وفي داخلها: امشي بقي يازين، اجمدي بقي ياسيلا، يااارب، يارب مش عاوزة أضعف. تركها ونزل حيث أتى. أما هي، فارتمت على السرير بعنف قائلة لنفسها: آه ياقلبي، أنا ليه ضعيفة كدا؟
معقول حبيته؟ لالالا مش ممكن، مش ممكن أبداً. انتهي من حمامه وخرج مرتدياً ثيابه. كان سيخرج لينام بغرفة أخرى الا أنه ضحك بمكر قائلاً: ماشي ياسيلا، أنا هخليكي تقولي حقي برقبتي وتقولي بحبك يا زين. صعد مرة أخرى، وجدها واقفة تزفر بحده. نظرت له بغل قائلة: أيوا، أيوا، استحميت وغيرت وأنا بقي أولع مش كدا؟ نظر لها بعدم فهم وقال: إزاي يعني وأنا ماسكك ما في بدل الحمام عشرة في البيت. ضربت بقدميها الأرض وقالت: بس مفيش هدوم.
فهم عليها واقترب وأمسك بخديها قائلاً وهو يهزها كالاطفال: ومين قال إن مفيش هدوم ياسوسو. واقترب من باب غير مرئي وفتحه بهدوء. كان عبارة عن غرفة أخرى. أخذها من يديها وذهب بناحية الخزانة وفتح بابها فانصدمت من كم الملابس النسائية التي بها. نظرت لها بصدمة، وسرعان ما تحولت نظرتها لعدائية. ولكنه باغتها قائلاً: والله بتاعتك انتي، أنا نقيتها قطعة قطعة. حتي شوفي. وأظهر لها التيكت الخاص بإحدى القطع. هدأت حدتها ولكنها وقفت أمامه
تهز قدمها بتوتر وقالت: انت ناوي تحبسني هنا كتير؟ نظر لها بلا مبالاة قائلاً: والله انتي غلطتي ولازم تتأدبي يا زوجتي العزيزة. زفرت بعنف وقالت: يعني أد إيه يعني؟ أدعى التفكير وقال: يعني مش أقل من شهر. صدمت وصرخت قائلة: شهر؟ شهر إيه؟ انت اتجننت يازين وشغلي ومالك؟ اغتاظ منها وقال: لا انتي تنسي الشغل خالص الشهر دا. وابنك هيجيلك كل جمعة. أما بقي انتي... فهتقومي بواجباتك الزوجية كأي ست مصرية أصيلة.
وكادت أن تصرخ الا أنه باغتها قائلاً: ودا اللي عندي وقسما بالله أي كلمة تانية وهيبقوا شهرين، وانتِ حرة. واتفضلي اجهزي وحضريلي الفطار أنا جعان. وتركها تنظر له بغيظ وصدمة قائلة: فطار؟ فطار إيه دا، دانا مبعرفش أقلّي بيضة. جاءها صوته الحاد قائلاً: اخلصي ياست الدكتورة، جعاااان أنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!