الفصل 7 | من 21 فصل

رواية حقي الشرعي الفصل السابع 7 - بقلم شمس الحياة

المشاهدات
16
كلمة
1,772
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

رفع عينيه ببطء وجده ينظر له ببراءة. أدمعت عيناه دون شعور منه. لاول مرة يسمع كلمة "بابا" منه. يقسم، وقع كلمته أحلى من ألف قصيدة. مد الطفل يديه المتسخة بالتراب، ومسح بيديه الصغيرتين دموع والده وقال له بالإنجليزية: "don’t cry baba.. لا تبكي.. بابا"

لم يتمالك نفسه، وقام باحتضانه بشدة، يبكي بوجع على غلطة اقترفها بكل حقارة. كانت نتيجتها أحلى نعمة أعطاه إياها الله. فابنه كان نتيجة أكبر غلطة غلطها بحياته. هو يحمد الله في السراء والضراء. كان جده

يذكره دائما بقوله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا". فرغم كرهه لما فعله تلك الليلة واحتقاره لنفسه، إلا أن الله أهداه في تلك الليلة هدية من أجمل هدايا الله له. طفل جميل يحتجزه الآن بين أضلعه. لم يكن يحلم حتى في خياله أن يسمعها منه وتكون بتلك الحلاوة. يالله… تنهد بوجع، ورفع رأسه للأعلى، يتمتم بالحمد لله. *** خرجت تبحث عن ابنها، فهي لم تره منذ أن دخل ذلك الحقير من باب القصر. تمتمت بغيظ:

"ربنا ينتقم منك انت وأمك" تبحث هنا وهنا، لا شيء. دب القلق في قلبها واندفعت تبحث عن عم عوض تسأله عنه. "عم عوض… عم عوض" جاء يركض لها: "نعمين يا ست هانم. أؤمريني" نظرت له بقلق وعيناها تبحث يميناً ويساراً: "مشوفتش مالك ياعم عوض؟ قال مسرعاً: "أيوه يا ست هانم في الحديقة الخلفية مع زين بيه. اني لسه شايفهم"

هزت رأسها له واندفعت ناحية الحديقة الخلفية. وصلت عندهم، فوجدت مالك يصعد على كتف أبيه لكي يصل لشجرة الموز، وصوت ضحكاتهم ملأت المكان.

أصابها وجع مفاجئ بقلبها. كانت تعلم أنها مهما فعلت لن تكن كافية لسد خانة الحاجة إلى أب بحياة طفلها. إذا كانت هي بعمرها هذا وتشتاق لحنان والدها وبشدة، إذن لن تكن أنانية وتحرم ابنها من حقه أن يحيا سعيداً. سوياً نفسياً، لن تجعله يعاني مثل ما عانت هي. لكن لن تجعل تعلق ابنها بوالده أن يؤثر على قرارها. أي كان، ستصر على الانفصال. كشخصين متحضرين على الأقل. إذن لتكتفِ بهذا القدر من الغضب اليوم. لقد أهلكتها مما سمعت ومما حدث. سوف يكون للحديث بقية.. غداً.

واستدارت لكي تصعد. *** كان يقف حاملاً طفله على كتفيه لالتقاط ثمرات الموز التي يعشقها الصغير. أخبر ابنه أنه سيصعد لالتقاطها له، لكن أمام إصرار الصغير، خضع له. هو لم يكن سعيداً من قبل. كان يعيش ميتاً بلا روح. هو الآن يحيا ويتنفس بهذه التفاصيل الصغيرة التي يشاركها مع ابنه.

رفع عينيه لكي يرى إن كان التقطها أم لا، ولكن لمحها تقف بعيداً تنظر لهم بشرود. وقف يتأمل بصمت. كم هي جميلة بشكل يجعل جميع حواسه غير قادرة على العمل في حضرتها. أيعقل ما يشعر به الآن بوادر عشق؟ أم أنه تخطى هذه المرحلة ووصل به أن يتأملها خلسة كالمراهقين؟ كان يتوقع أن تأتي وتأخذ منه طفله وتعنفه. إلا أنها أذهلته بسلوكها الحضاري حينما استدارت ورحلت بصمت. يالله، كيف كسرها؟ كيف استطاع؟

أيعقل لطفلة كانت في الثامنة عشر أن تخطفه من أول نظرة؟ هو عشقها من أول نظرة حينما رآها تستند على باب الحمام بروب الاستحمام تلك الليلة. لم تمحِ صورتها المهلكة تلك من مخيلته طوال ثمان سنوات. كلما تذكرها اشتعلت النار بجسده. أقسم أن يعيدها له محبة، فقط تغفر له، تغفر له وتسامحه، فقط. لا يريد شيئاً آخر. أنزل ابنه بعدما اقتطف العديد من ثمرات الموز. "هوبا.. انزل بقى يابطل" ضحك الطفل بمرح قائلاً: "بص يابابا جبت موز كتير إزاي"

أجلسه على قدميه وقبله من خده: "يالا اقعد يابطل عشان أكلك" كان يطعمه بيديه تحت ضحكات الطفل التي ملأت قلبه سعادة لاول مرة يلمسها. *** بعد مدة حمله بخفة بوزنه الخفيف قائلاً: "إيه دا انت متأكد إنك عندك سبع سنين؟ وأخذ يلاعبه والطفل يضحك بشدة: "انت خفيف أوي ليه كدا؟ ها؟

كان وصل لمنتصف القصر. لمحه جده يلاعب طفله. دعا له بالسعادة بقلبه. فمهما كان، سيظل حفيده الأكبر وسنده بالحياة. يدعو الله من قلبه أن يرى حفيده وحفيدته معاً كأي زوجين قبل أن يموت، حينها فقط سيرتاح في قبره. تنهد بوجع، فالطريق طويل وصعب، ولكن عليه أن يقوم بتنفيذ ما خطط له إن كان يود أن يجمعهما معاً. رفع صوته وناداه: "زين يا ولدي" التفت له زين: "نعم يا جدي" واقترب منه حاملاً ابنه. رحب الجد بمالك قائلاً:

"أهلاً حبيب جدو. إيه نسيتني بسرعة أكده؟ أول ما شفت أبوك" كانت ردة فعل الولد الطفولية كفيلة لتنفيذ ما خطط له بأسرع وقت وبضمير مرتاح، فمشكلة حفيديه يلزم لها قلب ميت. لكن مهلاً، لينتظر قليلاً. فكلام الجد دفع الولد لاحتضان أبيه بشدة، يقول له: "انت مش هتسبني تاني يابابا صح؟ تسمر زين وزاد من احتضانه هو الآخر، يؤكد له: "عمري ما هسيبك ياحبيب بابا تاني أبداً" هز الجد رأسه:

"مالك ياحبيبي اطلع شوف ماما كانت بتسأل عليك، عشان عاوز بابا في حاجة أكده" هز الطفل رأسه يميناً ويساراً، وتشبت بوالده أكثر، قائلاً: "لا عاوز بابا" اقترب زين من أذن طفله وأخبره بهمس أن يذهب لوالدته حتى ينتهي وينادي عليه، وأكد له أنه لن يذهب لأي مكان. ذهب الولد بعدما اطمئن أن والده لن يذهب. ودخل زين خلف جده وأغلق الباب. جلس أمامه وقال: "خير يا جدي" تنحنح الجد وقال: "طبعاً عارف إني هكلمك في إيه" تنهد وقال:

"لو هتكلمني في طلاقي من سيلا وليه عملت كدا، فآسف أنا مش هطلق يا جدي" نظر له الجد يتمعن في ملامحه وقال: "إني مقدرش أغصب على سيلا تقعد معاك ولا دقيقة، ولو هي أصرت على الطلاق، إني ماهقفش قصادها" نظر له بحدة ووقف، يتحدث بصوت مرتفع: "اسمع يا جدي، طلاق مش هطلق ولو وصلت إني أطلبها في بيت الطاعة، مش هتردد لحظة واحدة. أنا مش هسيبها لحد تاني، مش هسيب ابني يربيه غيري، انسي"

انصدم الجد من ردة فعله وتملكه المرضي لها، وصرخ به قائلاً: "انت بتعلي صوتك عليا يازين؟ هيا حصلت؟ هدأ وقال: "أنا آسف يا جدي، بس أنا مش هطلق" نظر له وقال: "اقعد يازين خلينا نتفق" جلس، فتحدث الجد يسأله: "وتفتكر إني هقبل إن سيلا تعيش معاك على ضرة؟ انصدم وتذكر تلك العلكة التي تتبعه، قائلاً: "أنا هطلقها يا جدي. أصلاً اللي بينا كله بيزنس، تقدر تقول جواز مصلحة" هز الجد رأسه وقال: "هصدقك، لأن عارف كل أخبارك" نظر له زين بدهشة،

ولكن الجد أكمل: "اومال كنت فاكر إني نسيتك ولا إيه؟ إني خابر كل خطواتك، مغبتش عني لحظة، حتى لما اشتريت المزرعة اللي جنبينا، إني اللي سهلتلك طريقها" انصدم مما يسمعه، ولكن الجد أكمل: "ياكش فاكر إني كنت هسيبك أكده بعيد، دانت البكري يا ولدي، صحيح خرجت من هنا، بس ولا مرة خرجتك من قلبي" نظر له زين بدموع قائلاً: "سامحني يا جدي" اقترب جده منه وطبطب على كتفه، قائلاً:

"إني هعطيك الفرصة إنك تصلح اللي عملته، لكن لو حاولت بأي شكل إنك تهين حفيدتي، إني ساعتها اللي هقفلك، وإني اللي هجوزها بإيدي للي يستاهلها" نظر له بحدة. ولكن الجد تجاهله وقال، بغموض: "ومتخافش إني هساعدك بس مش دلوقتي" لم يهتم لكلماته، ولم يلتفت لمعناها. تحدث الجد: "دلوقتي استعد لأن بكرة إن شاء الله هيكون طهور مالك وعاوز البلد كلها تدعيله. إني جهزت الدبايح عشان العقيقة. وكمان.. نحتفل باسمه إيه ده، اللي بيقولوا عليه"

ضحك زين على جده وقال: "اسمه عيد ميلاد يا جدي" هز رأسه وقال: "أيوه هو أكده. عموماً، اتصل انت على خالد السعيد واعزمه هو وعيلته، وإني هعزم جده وعيلته، وكمان هعزم عبدالرحيم المنياوي وأحفاده. عاوز أجمع الأحباب تاني يا ولدي، بقالنا كتير متجمعناش" نظر له زين، وتذكر خالد صديقه وكيف عانى هو الآخر حتى استقرت حياته بالنهاية. تمنى بداخله أن يمن الله عليه بحياة هادئة كصديقه وأولاده المجانين. هز رأسه وقام وأخبر جده:

"تمام يا جدي، إن شاء الله هكلمه" مع أني مش مصدق لحد الآن إن مراته تطلع بنت عمته، بعد المرار دا كله. قال جده: "سبحان الله يا ولدي، ربك له حكمة في أكده. إن نرجع كلنا إيد واحدة بعد ما فرقنا التار لسنين" هز رأسه وصعد ليريح جسده ليستعد لغد حافل، غير واعٍ لمن تخطط له كي تخرب حياته. وكأنها ليست أمه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...