الفصل 3 | من 21 فصل

رواية حقي الشرعي الفصل الثالث 3 - بقلم شمس الحياة

المشاهدات
21
كلمة
2,290
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

نظرت لها سيلا وقالت: بالطبع سنقيمها هذه السنة بمنزل العائلة في مصر. وبالطبع دعوة الحضور ستصلك وستأتين بالتأكيد، فقد أصر جدي على إقامة حفل طهور وعقيقة، ومنها عيد ميلاد لمالك هذه السنة في البلدة. ستأتين بالطبع. صفقت يديها قائلة بمرح: بالطبع عزيزتي، وهل كنتِ تعتقدين أنني سأتركك في مثل هذا الحدث العظيم؟ قالت لها: إذن اتفقنا. وانطلقوا لتغيير ملابسهم والذهاب إلى حيث يقيمون. دقت سيلا الباب وفتحت الخادمة. وسألتها سيلا:

أين مالك والجدان؟ قالت: في الداخل. انطلقت بمرح قائلة: يا أهل الدار، أين أنتم؟ هرول إليها ابنها يقول بلهجة بلدته التي حرصت على أن يتحدثوا بها جميعًا، فهي مهما اغتربت ستعود في يوم ما. حملته وقالت: حبيب ماما، وحشتني أوي. احتضنها مالك قائلاً: وانتي كمان وحشتيني جدا. تعرفي كنت بكلم مين؟ نظرت له مدعية التفكير، قائلة: لا معرفتش. مين؟ ضحك الولد ببراءة طفل في السابعة من عمره وقال:

جدو عبدالمنعم. وقالي إننا هننزل قريب. بجد يا ماما؟ ضحكت وقالت: طبعًا يا حبيب ماما. قولي بقى انت بتحب تنزل البلد وبتحب جدو عبدالمنعم؟ هز رأسه مسرعًا يقول: أوي أوي يا ماما. عشان عنده خيول كتير وعمو فارس بيخليني أركبها. أنا عاوز أعيش هناك علطول. هزت رأسها وقالت: طب إيه رأيك بإجازة طويلة في مصر عشان تشبع منها؟ صفق بيديه وقال بالإنجليزية: Yes yes mum.

وانطلق يخبر جديه بذلك تحت ضحكات أمه التي انخفضت شيئًا فشيئًا، تدعي أن لا تلقاه مدى حياتها وأن تنتهي هذه الإجازة أيضًا كمثيلاتها على خير. فل طالما وعدها الجد، فهي متأكدة بأنه سينفذ. جدها الحبيب الذي كان ونعم العون لها، ونعم السند. داعية في سرها: ربنا يخليك ليا ولابني يا جدي يارب. ***

يستند برأسه على حائط الشرفة بعد أن جلس ومدد قدميه، سارحًا فيما حل به، مفكرًا. ما أصعب أن يأتيك العشق بين لحظة وأخرى بينما كنت تكفر به وبشدة. هذا ما يلخص به حالته. كان يكرهها حينما دخل بها، وياللعجب أحبها بعدها بدقائق لم تكمل النصف ساعة. سرعان ما تذكر تلك الأغنية التي تصف حاله وأخذ يدندن بكلماتها. أغنية لطالما سخر منها. يضحك بينه وبين نفسه على نفسه. كانت هي تلك المنبوذة البعيدة بالنسبة له دونًا عن نساء حواء جميعًا. عشقها من نظرة وحيدة، وياليت قلبه يعلم أنها لم تكن إلا نظرة كسرة وكره.

أخرج نفسًا عميقًا من أنفه وزفيرًا من فمه، وانطلق يدندن بلحن كلمات لطالما كانت مؤنس وحدته منذ تلك الليلة المشؤومة: أصابك عشقٌ أم رُميت بأسهم فما هذه إلا سجية مغرم ألا فاسقيني كاساتٍ وغني فذكر سليمى والكمان ونغمي أيا داعياً بذكر العامرية أنني أغار عليها من فم المتكلم أغار عليها من ثيابها إذا لبستها فوق جسم من عمل ليل يا ليل ليل الليل يااا ليل يا ليل يا ليل أغار عليها من أبيها وأمها إذا حدثاها بالكلام المغنم

وأحسد كاساتٍ تقبلن ثغرها إذا وضعتها موضع اللثم في الفم ليل ياااااا ليل يااااااااا ليل يااااااااا ليل كان يغنيها بصوته العذب المحموم، فزين بسنواته الخامسة والثلاثون يتميز بصوت لطالما امتدحه الأصدقاء. صوت عذب ولكنه منذ ذلك اليوم ولا يغني إلا لها حينما يصل به الشوق مبلغه. وياللعجب. قطع تفكيره صوت هاتفه. التقطه وأجاب عليه. كانت أخته الحبيبة تسنيم. تسنيم: أهلاً حبيبتي، عاملة إيه؟ أجابته أخته بمحبة: أهلاً باللي مبيسألش.

تنهد بحزن وقال: انتي عارفة، مش حاشني عنكوا إلا الشديد القوي. تحدثت بمرح كعادتها وقالت: عمومًا مش مهم، فيه دايما اللي يعوضنا عنك. نسخة منك يا زين، حبيب عمتو علطول بيكلمني. تتحدث بمرح غافلة عن من قلبه يتقطع أشلاء على ذكرها لطفله الغائب. فاضت عينيه بدموع الاحتياج فقط لضمه من بين يديه، لعله يجد بين ثنايا أحضانه المغفرة له عند أمه. ياليت الماضي يعود يومًا. انتبه من شروده على كلمات أخته:

مالك. لسه مكلمني أنا وفارس وعامل زيطة وفرحان جدًا إنه هيقضي عيد ميلاده السنة دي معانا. خلاص هينزلوا آخر الأسبوع. تصنم في جلسته. وجع بقلبه لا يعرف مصدره. وها هو عيد ميلاد آخر لطفله بعيدًا عنه. ينتحب بصمت يحاول كبت شهقته حتى لا تلاحظه أخته. ولكنه أفاق على صوت حاد يؤنبها بالهاتف. كان صوت أخيه الصغير فارس. فارس: إيه دا اللي بتقوليه دا؟ هاتي التليفون. ألو زين، عامل إيه يابني؟ نطق زين بصعوبة وقال: أهلاً فارس، ازيك.

صمت فارس قليلاً وقال: جدك قرر إن عيد ميلاد مالك هيكون السنة دي مع طهور مالك وعقيقته. وصمت يستجمع كلامه قائلاً: أظن آن الأوان ولا إيه يا زين؟ تغصّب زين على حنجرته التي توشك على فضحه أمام شقيقه، معلنة غصة بقلبه لا يستطيع التحكم بها. وقال: تفتكر؟ قال فارس بحدة:

أيوه. الناس هتسأل فين أبوه، محدش يعرف إنك وسيلا اتطلقتوا. انت لازم تحضر حتى لو بالغصب يا أخي. كفاياك أنانية. ضيعت كل حاجة بأنانيتك وسمعانك لكلام أمك. والحقيقة لو ركزت شوية كنت هتعرف الحقيقة فين. نطق زين بوجع: كفاية يا فارس. كفاية. قال فارس بحدة:

جدك مش هيقبل. تبقى غبي. جدك منتظرك من سنين تهجم عليه زي عادتك وتنزع حقك بيدك زي زمان. عارفك وعاهدك قوي، وهو هيكون أكثر من مرحب بيك. فكر يا زين. ابنك كبر وفي كل مرة بيجي بيسألني عن أبوه مبعرفش أقول إيه. وأغلق الخط بوجهه، تاركًا خلفه من يتأجج بنار اللهفة لرؤية وحيده، الذي عاش أعوامًا يفكر هل يسأل عنه.

وفي مكان آخر، تستعد لدخول العمليات وبجانبها صديقتها أليس. تلك الأجنبية من أصول عربية. كم وقفت بجانبها أليس. لطالما كانت مأواها الوحيد على أيامها الصعبة وكوابيسها المستمرة. لم تبخل عليها أبدًا بالأخوة التي كانت ترجوها من أبناء أعمامها قديمًا. ولكن رغم أن ابن عمها تسنيم كانت تساندها دوماً وتقف بجانبها بوجه أمها كلما زارت البلد، وكذلك أخوها فارس الذي تعتبره كأخيها التي لم تنجبه أمها. ولكن تبقى أليس رفيقة الروح، من تستطيع بث شكواها لها بقلب مطمئن. فهناك أشخاص لم تلدهم أمك، كانوا غرباء عنك، فجأة تجدهم بين ليلة وضحاها كل شيء بالنسبة لك.

فاقت من شرودها على خبطة أليس لها: ماذا حبيبتي، أين ذهبتِ؟ نظرت لها وتنهدت وقالت: خائفة. نظرت لها أليس بصبر وقالت: أهو نفس الموضوع ذاته في بداية كل إجازة. حبيبتي لا تفكري كثيرًا، ما مضى قد مضى. أنتِ الآن أقوى، ليست تلك الطفلة الضعيفة الخائفة. لا تخشي شيئًا، جميعنا بجوارك. التفتوا على صوت صديقهم الطبيب الشاب الذي طالما كان أخًا لهم وسندًا، فهو مصري أيضًا. تعرفوا على بعض في الجامعة ويدعى سليم.

سليم: أيتها الثرثارات، هيا. غرفة العمليات جاهزة. أكملوا حديثكم فيما بعد. أو لتأجلوه ليومين حين عودتنا جميعًا للقاهرة. تفاجئوا من قرار عودته معهم، فنظروا لبعضهم بصمت. فقال: أوحسبتم أني سأترككم؟ مستحيل. ضحكوا جميعًا في سعادة وأتموا عملهم وحجزوا تذاكرهم للعودة جميعًا. ***

بعد يومين، صدحت صوت المضيفة بربط الطائرة للإقلاع إلى أرض الوطن. كانت أليس تجلس بجوار سليم، وورائهم مالك وسيلا، وخلفهم عابد وسمية. يتمازحون جميعًا فيما بينهم تحت سعادة مالك لعودته للبلدة ولجده. أما هناك في مكان آخر، كان يجمع حاجياته بذهن شارد. كيف سيكون اللقاء؟ هل سيستقبله جده؟ كم هل، وهل...

جاءت في ذهنه وهو يجمع أشياءه بتخبط هنا وهناك. ولكن ما يعلمه الآن أنه سيواجه، وكفى. سينتزع أبوته لابنه انتزاعًا ولو كان آخر نفس في حياته. لن يستسلم أبدًا. سيواجه كل شيء، فقط من أجل أن يأتي يوم وترضي عنه عيونه الباكية. دخلت عليه زوجته كريس، تنظر لأشيائه التي يضعها هنا وهناك. وقالت: ماذا حدث عزيزي؟ هل أنت ذاهب؟ استغفر في سره وقال: نعم، كما ترين. سألت: إلى أين؟ رحلة عمل؟ لما لم تصطحبني معك؟

نطق بصعوبة وقال: ليست رحلة عمل. أنا ذاهب إلى مصر. قالت باندهاش: أهي رحلة عمل أم ماذا؟ زفر منها وقال بحدة: أهو تحقيق. لا شأن لك. وأخذ حقيبته وتركها تقف ببرودها المعتاد، تنظر في أثره بشر. ***

بعد يومين، كانت تنزل الدرج الخاص بالقصر في بلدة جدها بعدما أتوا منذ يومين واستقبلهم جدها استقبال حافل. مكثت أليس مع والدها ووالدتها بالقاهرة. أما سليم ذهب لمنزل عائلته. وهي أصر عليها الجد أن تأتي للبلد وأرسل لها فارس ليجلبها مباشرة من المطار. منذ يومين هنا والوضع مستقر والحمد لله، إلا من مضايقات زوجة عمها والدة زين. كم تكرهها تلك المرأة، أساس الخراب في حياتها. ولكنها لم تعد تلك الضعيفة كالماضي. تستطيع أخذ حقها الآن من عينيهم جميعًا.

اقتربت من المائدة التي أعدت للإفطار بجميع ما لذ وطاب. سمعت الجد يرد على تحيتها لهم: يا صباح الجشطة يا بت الغالي. إني الدنيا مسيعانيش إنكم هنا. ونظر لابنها الذي يجلس على قدميه براحة: أنتي وحبيب جلبي مالك ده. اقتربت وقبلت رأسه، وكذلك فعلت مع جدتها. وقالت: ربنا يخليك لينا يا جدي. أتت تسنيم راقده تقول: آه يا سي جدي، مانت مفيش عالحجر إلا سيلا ومالك. أنا زعلانة منك. ضحكوا جميعًا عليها واقتربت تأخذ مالك

من على قدم جدها وقالت: حبيب قلب عمتو، تعالا معايا. دفعها وقال: لا، أنا عاوز عمو فارس. عبست بوجهها وقالت: كدا ماشي. أشبع بيه. هب فارس من مكانه مسرعًا وأخذه بين أحضانه وجلس يطعمه بمحبة من يديه. حينما جلست سيلا، كانت زوجة عمها تأكل بصمت. وحينما جلست سيلا قامت مسرعة تستغفر وتتأفف قائلة: نفسي انسدت. إني جايمة. أمرها الجد قائلاً: لو جمتي يا ليلي، معيزش أشوفك عالوكل تاني، فاهمه ولا لأ.

خافت من صوت عمها وجلست تأكل بغيظ، وتنظر لها بحقد. تقابله سيلا بلا مبالاة. ربتت جدتها الطيبة على ركبتها وقالت لها: معلش يا بتي، متزعليش منها. جلبها بيغلي على فراق ولدها. وفراج الضنا صعب، إني مجرباه يا بتي. ربتت سيلا على يد جدتها وقالت: عادي يا تيته، ولا يهمك يا حبيبتي. أصر مالك على سيف أن يركبه الحصان، فذهب به حيث الإسطبل. مالك لعمه: عمو عمو، أنا عاوز أركب الفرس الأبيض الحزين دا.

اقترب فارس وقال: لا يا مالك. الفرس دا بالذات لا. مالك ببراءة قائلاً: ليه يا عمو؟ أنا زعلان. بص شوف زعلان ازاي. فارس في نفسه: دا زعلان لفراق صاحبه. من سنين وهو على حاله. فاق على كلمات مالك: عشان خاطري يا عمو، مش أنت صاحبه؟ خليني أركبه. تنهد فارس وقال: لا يا حبيبي، أنا مش صاحبه. دا حزين على فراق صاحبه بقاله زمان مفارقه، ومحدش بيقدر عليه وممكن يأذيك. عبس بزعل وكاد أن يرحل، إلا أن أوقفه صوت يعرفه فارس تمام المعرفة يقول:

بس صاحبه دلوقتي رجع وممكن أخليك تركبه. إيه رأيك يا بطل؟ لسه عاوز تركب؟ ولا زين مخلفش رجالة؟ اقترب فارس من مصدر الصوت وقال بدهشة: زين؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...