تمر الأسابيع أسبوعًا يتلو الآخر، وتتلون لنا الحياة بألوانها يوم أبيض مضيء ويوم أسود معتم، ويوم رمادي ساكن، ويوم زهري مفعم، وتبقى أرواحنا تتخبط بين هذا وذاك، نزعم أننا قادرون على مواجهة الشدائد وحدنا، ونحن كالأوراق في مهب الريح نسقط، ولا نقوم إلا حينما نتذكر أن نطلب العون من خالقنا فلا نقوم إلا بعونه. تمشّت "إسراء" في كليتها فظهر لها ذاك المزعج "مروان" يستوقفها وهو يقول: -بقى ينفع الجميل يقف لوحده كده؟
لم تعره اهتمامًا بل تابعت مسيرتها فأمسك ذراعها لكي توقف قائلًا وقد تحول للجدية: -"إسراء" استني، أنا بجد مش فاهم أنا عملت إيه عشان آخد منك المعاملة ديه. عادت "إسراء" للخلف وهي تسحب ذراعها من قبضته قائلة بتوعد: -إيدك لتوحشك. -طب ممكن بس تسمعيني، مش هاخد من وقتك كثير. قررت سماعه لعله يريدها في موضوع مهم حقًّا فربّعت ذراعيها وهي ترد: -اتفضل.
-أنا عارف إننا مابقالناش كتير نعرف بعض، بس عينيكِ ديه توقع أي حد الصراحة. أنا مش عارف ده حصل إمتى بس أنا حاسس إن أنا معجب بيكِ. -و الله؟! أومأ لها مجيبًا فقالت بجدية شديدة حملت الغضب في طياتها: -وبعد الإعجاب؟ -يعني حاسس لو اديتينا فرصة نتعرف وتشوفي كده مميزاتي ممكن يبقى في بينا حاجة. قالت في نبرة حملت الكثير من الاستهزاء: -معجب بيا؟! وأديك فرصة؟! ويبقى في بينا حاجة؟! وكانت الجملة التي حظت بأكبر قدر من الاستهزاء:
-ومميزاتك؟! قال بإنزعاج من طريقتها: -آه مميزاتي، أنا واثق إنك هتموتي ونرتبط أصلا بس بتثقلي. أردف وهو يغمز: -خلينا نتعرف بس وهتشوفي الدلع كله. -نتعرف في أنهي إطار؟ لم يجبها فتابعت هي: -بص يا لذيذ أنت جو نتعرف ونتصاحب والكلام العبيط ده أنا ماليش فيه ومبفهموش، معجب بواحدة وعايز تتعرف تروح تخبط على الباب سلام عليكم أنا عايز أخطب بنتكم، مش هتقدر تتجوز دلوقتي يبقى تتبط لحد ما تقدر، فياريت تتكل على الله من هنا.
أردفت تتوعده: -ولو شفتك لازقلي في أي حتة ثاني ولا بتعمل حركة من حركاتك المتخلفة ديه هحفرلك قبرك بيدي. اقترب صديقين لـ"مروان" فقال أحدهما بين ضحكاته: -بهدلتك جامد. رد عليه "مروان" ساخطًا: -بس يالا. أضاف ونظره معلق على "إسراء" التي وقفت بعيدًا: -بس بتتقل على فكرة. قال الثالث المنزعج من أفعال صديقيه: -بتتقل إيه يابني أنت، سيبها في حالها يا "مروان" شكلها محترمة بجد. قال الثاني والذي كان اسمه "فارس": -محترمة؟!
هو ده لبس ولا ديه طريقة كلام محترمة؟ أضاف عليه "مروان" فقال باسمًا: -أسيبها ده إيه، ده أنا مش هحلها إلا أما تكون واقعة فيّ. كانت "آية" تقف بالقرب منهما فاقتربت منها "إسراء" وهي تقول متأففة: -عيل مستفز. ردت عليها "آية": -كنت واقفة قريب منكم وسمعت حبة من اللي اتقال، منطق الصحوبية ده بقى منتشر ومستفز أوي بجد. قالت "إسراء" باستخفاف: -سيبك منه أنا هزأته واديتُه اللي فيه النصيب... ولو جالي ثاني ههزأه ثاني.
لم يعجب "آية" ما فعلته "إسراء" وتفتخر به بل هي تراه لا يليق بها فقالت بعد تردد: -بصراحة يا "إسراء" أنا شايفة إن اللي أنتِ عملتيه ده غلط. تعجبت "إسراء" من قولها كثيرًا فسألت: -إيه اللي عملته غلط مش فاهمة؟ -يعني... إنك تكلميه بالأسلوب ده وتقفي تتخانقي وتزعقي كده مش حاجة صح. قالت كلماتها بتردد، تخشى أن يخونها التعبير فتصبح وكأنها تُنَظِّر وفي ذات الوقت لا تريد كتم النصيحة. أردفت تشرح:
-الإنسان المفروض يبقى عنده رُقي في التعامل مع الناس، حتى لو الشخص اللي قدامي مش كويس أخلاقي ليا أنا والمفروض أحافظ عليها حتى لو اتعصبت أو مهما حصل. و... والبنت بالذات لازم يكون عندها حياء، يعني صوتها واطي وكلامها راقي وعلى القد. وأنتِ الصراحة يا "إسراء" ماعندكيش أي حاجة من ديه في تعاملك مع أي حد. -قصدك إن أنا بجحة وقليلة الأدب؟ فوجئت "آية" باتهام "إسراء" واندفاعها الغريب فأسرعت وكأنها تبرئ ذاتها من جرم ما:
-لا طبعًا أكيد مش قصدي كده! كانت "إسراء" مغتاظة من كلام "آية" السخيف فقالت بعصبية لم تكن مبررة بالنسبة لـ"آية": -اومال قصدك إيه بقى يا حلوة؟ -مش قصدي حاجة كل الموضوع إني شايفة حاجة غلط قدامي فمحبيتش أكتم النصيحة. كانت "إسراء" لا تزال في وضع الهجوم و "آية" في وضع الدفاع. قالت "إسراء": -والله؟! يعني أنتِ شايفة إني لما أصد واحد زي ده صايع عايز يلعب بيا أبقى غلط؟ -أكيد لا، بس في طريقة أحسن تصدي بيها. -طريقة أحسن؟
اللي هي إيه بقى؟ أقوله معلش يا حبيبي يا قمر أنت يا جميل يا كتكوت مبصاحبش ولاد؟ -لا كان ممكن تقولي بصوت واطي وتون صوت طبيعي مبصاحبش ولاد وتمشي على طول. ثارت ثورة "إسراء" أكثر دون سبب منطقي وهي تقول: -معلش بقى يا ست "آية"... أصلك واقفة مع واحدة بلطجية، ماشافتش تربية، وما تعرفش حاجة عن الرقة والرقي اللي بتتكلمي عليهم دول... هو ده اللي عايزة تقوليه صح؟ استنكرت "آية" رد فعلها بشدة، لمَ تهوِّل الأمر هكذا؟! قالت:
-"إسراء" هو في إيه بجد؟ مالك؟ مكبرة الموضوع كده ليه؟ -أنا بتاعة مشاكل يا ستي، وياريت تمشي بقى من هنا... امشي يا "آية". رحلت "آية" بالفعل وهي تتمتم بكلمات تعجب واستنكار مما تفعله رفيقتها. شردت "إسراء" بنظرها للأمام، أزعجها كلام "آية" كثيرًا، لم تقتنع أبدًا بأن عليها الصمت إن ضايقها أحدهم لأجل أخلاق وحياء وتلك السخافات، تذكرت أثناء شرودها زوجة عمها التي كانت لا تبرح تخبرها بكلام
جارح بالنسبة لطفلة مثل: "أنتِ التربية ماعدتش عليكِ قبل كده؟ "، "أنتِ جاية من الشارع أكيد"، "إيه البلطجة اللي أنتِ فيها ديه؟! " ولم تكن حينها إلا طفلة بريئة تتصرف بعفوية. دمعت عينها عندما تذكرت ذاك اليوم حين كانت صغيرة وضربت زميلة لها في المدرسة حين رأتها تتنمر على فتاة أخرى ظلت تبكي، أتى أبو الفتاة التي ضربت لعمها بالمنزل، لأن عمها لم يُجِب طلب مدير المدرسة بالتأكيد.
جاء الرجل وأخذ يصرخ بعمها، ولم يُبكِها الآن إلا غيرتها من تلك الفتاة التي تمتلك أبًا يغضب من أجلها ويذهب ليردع من أذاها. غضب العم كثيرًا من أسلوب ذاك الرجل ومن "إسراء" التي وضعته في هذا الموقف الحرج فحبسها في غرفة مظلمة وهو يرغي ويزبد وزوجته تقول: -أنا قلت إن ديه بت بلطجية وما اتربيتيش من الأول... أنا مش عارفة أبوكِ وأمك جابوكِ من الشارع ولا منين.
تذكرت كيف بكت طوال الليل بتلك الغرفة، ثم ابتسمت حين تذكرت وقفة "عمر" أمام الباب طوال الليل حين خرجت لحضنه، حينها أخذها لغرفتهما وعرّفها خطأها قائلًا: -ماكانش ينفع تروحي تضربيها عشان هتطلعي غلطانة، كان المفروض تروحي تنصحيها وتتكلمي معاها بهدوء، ولو ماسمعتش كلامك تقولي للمدرسة، وكده تبقي عملتي اللي عليكي. ردت عليه بصوتها البريء النقي: -أنا مكنتش عايزة أضربها بس هي اللي عصبتني. تبسم "عمر" ضاحكًا من قولها ورد:
-هي عصبتك؟! ماشي ياختي ابقي اكتمي عصبيتك بعد كده. -حاضر. ثم رفعت إصبعها وقالت في لهجة المحذر: -بس لو فضلت تضغط عليّ أنا مش مسؤولة. ضحك "عمر" مما تقوله وكذلك تبسمت "إسراء" الكبيرة وهي تتذكر الموقف. -"عمر" هو أنت أكيد بتهزر صح؟ قالها "علي" غير مصدق لـ"عمر" الجالس على الكرسي في المقهى أمامه فرد عليه "عمر": -لا مبهزرش. قال "علي" بملامح وجه مذهولة: -اومال إيه يعني؟
ما أصل أكيد الموضوع وراه أي حاجة ثانية غير إن أمك وأبوك صحيوا من الموت. رد "عمر" بخفوت: -أو ماماتوش أصلا. رد "علي" قاطعًا: -أكيد لا! أردف وقد ارتخت أوصاله: -بص هي تسعة وتسعين في المية اشتغالة. كان هذا الحوار يدور بعد أن أخبر "عمر" صديقه "علي" بأمر والديه الذي يشك في وفاتهما، لقد سئم من التفكير في الأمر دون جدوى فأراد إخبار أحد بالأمر لعله يفكر معه ويجد حل، لم يجد إلا رفيقه "علي" ليخبره.
قال "عمر" مستنكرًا حين سمع قول "علي": -والصورة؟ -فوتوشوب. قال "عمر" ساخرًا: -ديه ورق؟ -عادي مفيش حد بيغلب اليومين دول. -والناس اللي سألتهم وقالوا لي إنهم شافوا أبويا واتعاملوا معاه؟ -مدفوع لهم. كانت ردود "علي" بسيطة جدًا لكنها لم تقنع "عمر" إذ قال: -والي عملها هيعمل كده ليه؟ ومين؟ -وأنا ايش عرفني يابني؟ أنا بتوقع لكن أنا قاعد معاك اهو معرفش حاجة.
صمت "عمر" للحظات ثم قال شيئًا، لكن "علي" لم يسمعه إذ وجده شاردًا ينظر أمامه، وتحديدًا إلى شيءٍ خلف "عمر". في الوقت ذاته كانت "مي" تحدث "كريم" الجالس أمامها ببسمة شغوفة قائلة: -وحشتني. ثم أردفت: -ومستنية أوي اليوم اللي نبقى فيه مع بعض قدام الناس كلها. لم تصمت بل تابعت وقد تخلل الحزن صوتها: -هو أنت كمان مستني اليوم ده؟ قال وهو ينظر نحو عينيها: -طبعًا يا عيوني. -طب ما بتيجيش ليه بقى عشان تريحني من اللي أنا فيه؟
كاد يرد لولا سمعها تستطرد: -النهاردة كنا بنشوف الشقة... الشقة اللي المفروض إني هعيش فيها مع غيرك. نزلت من عينها عبرة حيث قالت: -أنا خايفة ده يحصل.... ده لو حصل أنا ممكن يجرالي حاجة يا "كريم". قال بنبرة بدت دافئة حنونة تخمد النيران داخلها: -مش هيحصل يا عيوني، صدقيني مش هيحصل. لم تعبأ بما قاله على عكس عادتها إذ سألته والعبرات تنزل: -"كريم" هو أنت شايفني تسلية؟! يعني واحدة خاينة وقذرة كده أتسلى بيها شوية؟ -أكيد لا!
محدش يقدر يقول عليكِ حاجة زي كده. زادت عبراتها وارتفع صوت نحيبها وهي تقول: -"كريم" أنا بحبك ماتسيبنيش عشان خاطري أنا خايفة. لا تعلم "مي" ما بها ولا ماذا حدث لكنها غير مرتاحة، تشعر بأن شيئًا سيئًا سيقع.
لم يدر هذا الحديث في ذات الوقت فقط بل في ذات المكان كذلك إذ كان "عمر" و "علي" يجلسان على الطاولة التي خلفهما كانت "مي" توليهما ظهرها لذلك لم تره، أما "كريم" فقد رآه لكنه لا يعرف شكله. أتاح هذا الفرصة لـ"علي" ليرى ويسمع كل شيء. بدا "علي" ساكنًا وهو ينظر إليها دون أن تراه ودماؤه تغلي كحمم البركان، وقد غطت عينيه طبقة من وخز الدمع وكل ما يتردد في ذهنه هو: لماذا يا "مي"؟ لماذا يا من سهرتُ أدعو لأنال رضاها؟
لماذا يا من رسمتُها في أحلامي مرّات ومرّات؟ لمَ رفعتِني لأعلى سماء ببسمتكِ ثم أطرحتِني أرضًا بقسوة؟ نظر "عمر" خلفه ليعلم ما يشغل بال صديقه فاتسعت عيناه دهشةً مما رآه، تلك الفتاة التي سرقت لبّ "علي" وجعلته يفكر بها حين يستيقظ وحتى ينام!
لم يحتمل "علي" المكوث أكثر من ذلك فقام وخرج من المقهى بسرعة خاطفة. قام "عمر" للحاق به وهو ينادي اسمه، سمعته "مي" يناديه حين قام فلطمت خدّها وقد أدركت أنها كُشِفَت وأن يومًا أسودًا سيمرُّ عليها. مشى "علي" دون وجهة محددة و"عمر" يتبعه، حتى توقفا عندما اعترض "عمر" طريق "علي" بعد أن كان يسير خلفه. سأله "عمر": -أنت رايح فين كده؟ أجابه "علي" وقد سكنت الحيرة عينيه العسليتين: -مش عارف.
طال الصمت بينهما بعدها قبل أن يقول "عمر" ذاك الكلام التقليدي الذي يُقال في تلك المواقف: -ماتزعلش نفسك عشانها هي ماتستاهلكش، أنت أكيد عارف إن أنت تستاهل واحدة أحسن منها مليون مرة، واحمد ربنا إنها اتكشفتلك وأنتم لسة في الخطوبة، مين يعلم ممكن يكون ده خير ليك وليها.
طلب منه "علي" الانصراف لأنه يريد أن يبقى وحيدًا، رحل "عمر" فهو يعرف صديقه، عندما يغضب يفضل الجلوس وحيدًا، يحلل الموقف ويفهمه ثم يقرر كيف يتصرف معه، كان ذلك أسلوبه المتبع منذ الصغر. لم يرد العودة لمنزله فوقف في أحد الشوارع وطال شروده تطوف عيناه في كل اتجاه حوله بطريقة تجعله يبدو كمن يستطلع المكان لكنه في الحقيقة لم يكن يرى أو يهتم بأي شيء يحيط به.
يشعر الآن وكأنه كان على أرض ساكنة آمنة ثم اهتزت وزُلزلت فجأة، فسقط فاقدًا كل شيء، سقطةً كسرته وآلمته. كيف "مي"؟ تلك التي لا ترفع عينيها عن الأرض، كلامها قليل وإن تكلمت يكون صوتها خافت يوحي بقدر حيائها تـخـ... تـخـ... لا يقدر على نطق الكلمة في ذهنه حتى فكيف فعلتها هي على الواقع؟ كان دومًا يكرر أنه لم يرَ في حيائها وأدبها وخجلها فكيف؟ يصف حاله بشدة ما قال "فاروق جويدة": «كان في عينيك شيء لا يخون.... لستُ أدري كيف خان»
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!