جلست تهز قدميها في توتر وزوجها يطمئنها متعجبًا من توترها. قالت هدى وهي تلوِّح بيديها في انفعال: -مش معقول الي بيحصل ده، إحنا بقالنا حوالي شهر ما دخلناش بيتنا. أضافت ببعض التهكم: -أصل عاملكم مفاجأة، هنغير جو يومين في فندق، المكان ده حلو نجربه، في مشاكل في الشقة. ثم التفتت لزوجها تسأل وقد علا صوتها: -هو أخوك ناوي على إيه بالظبط؟ قال إبراهيم محاولًا تهدئتها: -يا ستي مش ناوي على حاجة، أنتي مكبرة الموضوع ليه؟
-يعني الي بيحصل ده عادي؟ -هو في حاجة غريبة طبعًا ما أنكرش، بس مش مستاهلة القلق ده كله. في المساء زارهما إسماعيل، ولم يتوقف إبراهيم عن طرح الأسئلة بحسن نية، كما يفعل منذ شهر ولا يجد إجابة شافية عند أخيه. أثناء جلستهم أتى إبراهيمَ اتصالٌ فقام ليرد. حينها نظرت هدى لـ إسماعيل فسألته: -أنت ناوي على إيه يا إسماعيل؟ نفى ادّعاءها قائلًا ببراءة زائفة: -مش ناوي على حاجة. قالت هدى بلهجة المُحَذِّر:
-اسمع يا إسماعيل، أنا مش عارفة أنت عايز إيه ولا بتعمل كده ليه. بس مهما كان الي هتعمله فهو مش من حقك لأن مش كل حاجة عاوزها بتاخدها. أخوك مش ذنبه إنه اتجوزني. ولا أنا ذنبي إني ما حبيتكش. *** كانت آية تجلس داخل قاعة المحاضرات تتابع ما يُقال حين دخلت عليها إسراء ثم جلست بجانبها فدفعتها للجانب الآخر دفعةً يسيرةً مقصودة. قالت آية بفتور فور أن لاحظت وجودها دون النظر إليها: -وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، نسيتي تسلمي.
لم تعلق إسراء فاستمر الصمت قبل أن تقول إسراء بنبرةِ العابث: -بقولك يا ايوش. لم ترد آية بل اصطنعت التركيز في المحاضرة. لم تعرف إسراء إن كانت آية لاتزال غاضبةً منها أم أنها تركز على المحاضرة ولا تنتبه لها بالفعل، فقالت وقد التزمت الجدية هذه المرة: -طب بصي، هو أنا آسفة على الي حصل امبارح، ما كانش المفروض أتعصب معاكِ كده ولا أعاملك بالأسلوب ده. أنا حتى معرفش عملت كده ليه. صمتت هنيهة فاستطردت:
-رغم إني مش مقتنعة بكلامك أنا بعترف إني غلطانة في حقك وبعتذر لك. مرت دقائق صمت وإسراء تترقب قولها بارتياب من صمتهت قبل أن تنظر لها آية ببسمة خفيفة ثم تقول: -وأنا قبلت الاعتذار. ثم مدت يدها للتصافحا علامةً للصلح. ثم قالت وهي ترفع سبابتها: -بس هنتكلم في الموضوع ده تاني على فكرة. زفرت إسراء بضجر. لم تكن تنتظر منها إلا اعتذار، وبهذا الاعتذار سامحتها وأزالت الخصام.
جميلة تلك الصداقات التي مهما تشاجر أطرافها يعودون وكأن شيئًا لم يكن. نغضب، نسيء الفهم، نقول لا حديث بيننا ثانيةً ثم ننسى كل شيء. بدا رداؤها مختلفًا عن كل يوم، كانت ترتدي رداءً أبيضًا نُقشت الفراشات الزرقاء على أطرافه. تتكاثف الفراشات عند نهاية الرداء ثم تقل عند الوسط ثم تكثر مجددًا قرب الأكتاف، وارتدت شالًا أزرقًا بلون الفراشات أنزلته ليستر جسدها كعادتها. أجابت ببسمة: -آه، هو مختلف شوية عن الي متعودة ألبسه، شكله حلو؟
-قمر بصراحة، جديد؟ -أيوه. ثم ردت على مجاملة إسراء بلطف.
شردت إسراء قليلًا تلك اللحظة، نظرت لـ آية، تلك الفتاة الرقيقة العفيفة، بريئة بسيطة لا يحتاج المرء للتكلف أثناء تواجده معها. تأملت إسراء فيما تلبس، رداء فضفاض بسيط لا يظهر مفاتنها وحجاب رقيق أنزلته على جسدها، لفتت نظرها الآن لشيء ما. لم تفكر إسراء يومًا بالحجاب. حين تنظر لـحال آية تستغرب، ترتدي حجابًا واسعًا بحق وتتصرف على أساسه ليس كالكثير من الفتيات المحجبات. هل يُشعرها بالضيق ربما من كونها أنثى أصلًا؟
كيف استطاعت المواظبة عليه وما الذي دفعها لترتديه بالأساس؟ ما هو الذي جعل آية ترتدي الحجاب ولم يجعل إسراء تلتفت له حتى؟ قالت فجأة: -آية هو أنتِ إيه الي خلاكِ تلبسي الحجاب؟ استغربت آية من مفاجأة السؤال لكنها أجابت: -عشان ربنا أمرنا بكده. إجابةٌ بسيطةٌ سهلةٌ تلقائية، لكنها عظيمة، "لأن ربي أمرني بهذا". لم تتفلسف، لم تضف شيئًا من عندها، ترتديه لأن الله أمر!
أن تفعل الشيء لأن الله أمرك به، أن تسلم له فلا تحاول التفلسف وإيجاد حلول حول هذا الأمر، لأن الحل ببساطة هو تنفيذ ما أمر الله، أن تنظر إليه من وجهة أن أحكم الحاكمين وأعلم العالمين قد أمر، فلا تحاول التشكيك في غرضه أو فائدته لأن عقولنا الصغيرة قد تعجز أحيانًا عن فهم الحكمة من الفرض أو النهي، ولأن لا حكم بعد حكمه، وهو يرى ونحن لا نرى، وهو يعلم ونحن لا نعلم. ألحقت إسراء سؤالها بسؤال: -ماشي يعني أنا قصدي لبستيه امتى؟
يعني امتى الوقت الي قررتي إنك لازم تلبسيه؟ -في الوقت الطبيعي الي المفروض ألبسه فيه، أول ما بلغت. -لبستيه وأنتِ صغيرة قوي كده على طول؟! رفعت آية كتفيها فقالت: -ما كنتش صغيرة قوي كده أنا كنت بلغت فده طبيعي. -ما بتحسيش ساعات إنك مش عاجبك شكلك ولا إنه مكبرك ومغطي جمالك مخلياكِ شاذة عن الي حواليكِ وكده؟ -زمان وأنا صغيرة، دلوقتي أنا اتعودت عليه فخلاص.
شردت إسراء تبحث داخل عقلها عن سؤال آخر لتتضح الصورة الكاملة، كيف تفكر فتاة كـآية بحجابها؟ وما الذي يدفعها باستمرار لترتديه؟ لمَ تحاول المعرفة؟ هي لا تعلم، لقد شُدت لمظهرها الذي لم تفكر به منذ عرفتها فجأةً ودون سبب. تكلمت آية تكمل بعد أن شعرت بأن إسراء تريد إجابات أكثر فقالت:
-بصي هو أنا أول ما لبسته كنت متضايقة منه أوي ومش عاجبني خالص، وكل أما أشوف بنات صحابي أحس إني أكبر منهم عشان لبسي، عشان كان مفروض عليّ من أهلي من الأول ما ألبسش أي حاجة ضيقة أو تبين، عكس أغلب بنات سني الي كانوا حتى الي اتحجبت منهم بتبقى لابسة ضيق وكده عشان لسة في الأول. كنا خناقات كل يوم تقريبًا على موضوع لبسي، كنت دايمًا بحاول أقنعهم إنه لو البلوزة قصرت شوية والبنطلون ضاق حبة مش هتبقى مشكلة، ولما ما يرضوش أقلبها عياط.
أردفت تسخر من نفسها: -كنت هبلة شوية. تابعت حديثها بحب وهي تذكر دور والديها: -بس عارفة الحلو إيه؟ إن أهلي ما وافقوش إني أضيق لبسي أبدًا مهما كنت بعيط وأتخانق وأستعطف. كنت بتضايق أوي، بس دلوقتي ديه أكتر حاجة بشكرهم عليها عشان لو كانوا سابوني ألبس الي عايزاه كان هيبقى صعب أوي أوسع لبسي بعد كده، عشان كنت هبقى اتعودت وصعب الإنسان يغير حاجة اتعود عليها، لكن دلوقتي هو سهل جدًا عليّ عشان أنا لابساه من وأنا صغيرة فاتعودت.
استغربت إسراء حديثها، كان لباسها واسعًا لا يليق بفتاة في الثالثة عشرة. قالت: -يعني أنتِ لبسك كده من وأنتِ صغيرة؟ -آه، بس الطرحة كانت أقصر شوية.
تشعر آية بامتنان كبير لوالديها لأنهما لم يجعلاها ترتدي ما تهواه في مراهقتها إذ كانت تعلم أن هناك نوعٌ من الحب لا يتضمن الكلام، إنه حين يريدك مُحبك في أحسن صورة لك، يريدك دومًا إلى الله أقرب، يريد أن يلقاك في الجنة، فيدفعك دفعًا للطاعات، قد يخلق هذا الدفع بعض المشاحنات، وقد يكون هذا النوع من الحب خانقًا أحيانًا إن زاد عن حده، لكنه يبقى من أجمل صور الحب. تساءلت آية، لماذا فتحت إسراء ذاك الحوار؟ هل تفكر بالحجاب؟
بدا الحماس عليها فجأة واحتلت محيّاها أمارات البهجة وهي تسأل: -إسراء هو أنتِ بتفكري في الحجاب؟ لا تملك إسراء إجابةً محددةً الآن، لقد قفز السؤال إلى بالها فجأة. أجابت: -مش عارفة، يعني أنا عمري ما فكرت في الحجاب ده في حياتي أصلًا، يعني ما حدش قال لي قبل كده البسيه، عمري ما حسيت إنه مهم ولا إنه هيفرق في حاجة. فور أن أنهت جملتها أتاها ردُّ آية قاطعًا: -مهم جدًا طبعًا، ده فرض عليكِ كمسلمة، ومن غيره بتاخدي ذنوب كتير.
هزّت إسراء كتفيها ولم تعلق. تفكرت في حالها، لم يقم أحد بتعليمها أساسات دينها، حتى الصلاة تعلمتْها في المدرسة. شعرت بغصة حين تذكرت كلام آية عن والديها، هل كانت ستصبح أفضل حالًا إن كان والداها هنا؟ *** استيقظ علي على صوت ابنة شقيقته تحاول إيقاظه وتربت على كتفه بيديها الرقيقتين ليصحو.
حين فتح عينيه ورآها ابتسم، تحمل تلك الكائنة الصغيرة كمًا كبيرًا من اللطافة تجبر الإنسان على الابتسام فتجعله يذعن لها. أحيانًا أو ربما كثيرًا تكون مزعجة كثيرة البكاء تجعل علي يلعنها ويلعن شقيقته التي ولدتها في ساعة واحدة لكنه سرعان ما يعود ليُقَبِّلها ويعتذر لها حين يرى أمارات الحزن على محيّاها، تلك الطفلة لديها سحر!
قام من سريره، فعادت إلى ذاكرته تفاصيل ما حدث بالأمس، فأصيبت دماغه بالصداع. مشى بخطوات متثاقلة حيث الحمام، لمَ يبدو المشي أصعب؟ هل هو الغم حين يثقل صاحبه؟ لمْ يجلس كثيرًا في البيت بل نزل فورًا إذ كان متأخرًا على عمله في العيادة. في طريقه للذهاب، ظلَّت الذكريات ترن في رأسه كذُبابة مزعجة، أول مرة لقيها فيها، أول مرة اخترقت ابتسامتها حواجز قلبه، أول مرة سحرته عيناها، أول مرة... أول مرة...
سخر من نفسه، ما تلك المشاعر إلا وهم. كانت هي تتجول بعقله وقلبه وتعبث بهما بحرية، أما هو فلم يتعدَّ حدود الهواء الذي يفصل بينهما. نزل من وسيلة المواصلات وهو يتشمم رائحة الدخان القوية التي تنبعث من المبنى الذي يحترق هناك. لم يهتم في البداية، لكنه كلما اقترب خطوة من حيث تكون عيادته زادت الرائحة وبدا الدخان أقرب. وصل حيث العيادة فصُدم بالحقيقة. إنها عيادته التي تحترق!
وجد الرجال يحاولون إطفاء النار بسطول الماء فأخذ سطلًا من أحدهم وتحرك معهم وقد شعر أن النار تشتعل في قلبه كذلك. والنساء والأطفال الذين يشاهدون المنظر من بعيد يصرخون ذعرًا. كانوا على هذا الحال حتى أتت الإسعاف والمطافئ لتلملم هذا الشعث. ***
كان عمر في طريقه حيث عيادة علي بعد أن انتهى من عمله، يريد أن يقضي معه يومًا لطيفًا علّه يخفف عنه ويلهيه عن ألمه. يعلم كم بلغ حبه لـ مي. كان يبدو أحيانًا في حبها كبطل قصة رومانسية، مما يدعو عمر للتعجب. تذكر كيف كان عندما وافق أبوها عليه، أخذ يركض ويصيح كطفل وكأنه بتلك الطريقة يعبر عن السعادة بداخله التي قد تؤدي لانفجاره.
أراد أن يقول له: «إنجازٌ عظيمٌ أن تقوم من سريرك، أن تحاول من جديد، أن تكمل حياتك وتشُق طريقك، رغم ما بك من شعور بالخذلان. أنا فخورٌ بك! قد يبدو هذا الحدث عظيمًا وقد تسبب في شرخ كبير في قلبك ثم تعمق حتى كسره، لكنه سيخف وتخف وطأته، وإن بقى هناك منزويًا في ركنٍ صغيرٍ داخل قلبك، فاصبر. اصبر واعلم أنني هنا من أجلك. وأنني فخورٌ بك». لكنه لم يعرف كيف يصوغها فلم يقل شيئًا.
عندما وصل هاله المنظر، فقد كان المبنى الذي به العيادة أسودًا مدمرًا ممتلئًا بالرماد وكأن بركانًا قام فيه منذ دقائق. وبعض الناس مجتمعة تتطلع نحو هذا الشاب الذي يجلس على الرصيف متحسرًا. لقد كان علي. اقترب منه عمر وسأله فَزِعًا عمّا حدث، أجابه علي بصوت مرهق ونبرة يملؤها التحسر: -زي ما أنت شايف، ولعت باللي فيها. جلس عمر بجانبه وهو يفرش أسئلته: -أيوة يعني إيه الي خلاها تولع؟ أنت كنت جوة ولا إيه الي حصل؟ في حد جراله حاجة؟
اديني التفاصيل. -معرفش أنا جيت لقيتها بتولع، لقيت الرجالة بيحاولوا يطفوا بجرادل مياة لحد ما جت الإسعاف والمطافي أخذوا الممرضة والاثنين الثانيين الي كانوا جوة المستشفى وطفوها. -وأنت سليم ما جرالكش حاجة؟ رد علي بتذمر لغباء سؤاله: -ما أنا قاعد قدامك اهو. كان علي يندب حظه قائلًا: -ده أنا كان بقالي سنين بحلم باليوم الي هفتح عيادة فيه، وأول ما أفتحها تولع، ديه كانت يا دوب بدأت يجيلها ناس.
ابتسم علي متهكمًا من حاله، بالأمس يكتشف أن خطيبته العزيزة تخونه، واليوم تحترق عيادته التي كثيرًا ما حلم بفتحها. صدق العرب حين قالوا أن المصائب لا تأتي فُرادى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!