الفصل 7 | من 23 فصل

رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل السابع 7 - بقلم اية حسين

المشاهدات
21
كلمة
2,113
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

دخل الغرفة التي يحبس بها زوجته وعيناه تتقدان، فور أن دخل وجدها تنزل لتقبّل قدمه وهي تترجاه وتبكي بشكل هيستيري قائلة: -أبوس رجلك أخرجني من هنا... أخرجني وصدقني مش هعمل اللي عملته ثاني، والله ما هعمل حاجة... أخرجني وهفضل تحت رجليك. لكن "إسماعيل" بعض الشيء لكنه لم يظهر هذا بل قال متعمدًا إظهار البرود: -إيه اللي يضمن لي؟ نظرت له "شيرين" بتساؤل إذ لم تفهم قصده فقال:

-إيه اللي يضمن لي إنك ما تعمليش كده ثاني وتفضلي تحت رجلي؟ بدأ بصيص من نور الأمل يتسرب إليها فعادت إلى توسلاتها بقولها: -خد كل الضمانات اللي أنت عايزها، اللي تؤمر بيه بس سيبني أخرج. -يعني ماعندكيش. قال "إسماعيل" جملته ثم غادر الغرفة مغلقًا الباب خلفه.

عادت "شيرين" تجلس في إحدى زوايا الغرفة بيأس، من يرى "شيرين" زوجة "إسماعيل" التي تنفق جل مالها في التزين وتشتري كل ما أمامها من مساحيق تجميل ومعطرات وأدوات، وقد بدت أصغر بكثير من عمرها، لن يتخيل أنها هي نفسها التي تجلس على الأرض منكمشة وقد أحاطها الشعث، أعرضت عنها كل مظاهر الجمال الذي كانت تتمتع به من قبل، بات شعرها الناعم مشعثًا، وعيناها المكحلتان المرسومتان بدقة متورمتين من كثرة البكاء.

تشعر أن فناءها سيكون بين الأربع جدران، لم تغادر الغرفة منذ مدة طويلة، حتى باتت تحس بأن الجدران تنغلق وأن الغرفة تضيق عليها، ليست غرفة بل هي زنزانة!

بجانب ضيقها وقهرها في زنزانتها، كانت تشتعل من الداخل غيرةً على "إسماعيل". تعلم أنه يحب "هدى" منذ زمن وأنها هي حبه الأول، لكنها ظنت أنه نسيها بحكم أن شقيقه تزوجها، حاولت كثيرًا تعويضه عن كل ما مرَّ به، لكنه لم يكن كافيًا لينسى، كانت تحاول أن تحدثه برقة كي يرى أنوثتها، تتزين دائمًا من أجل أن يراها في أبهى صورة، لم تكن تكثر من التزين في صغرها قبل أن تعرفه بل كانت بسيطة ولا تهتم بمظهرها، لكن الجميع الآن يعرفها بصورة المرأة التافهة التي لا تتقبل كونها كبرت في السن وهي فقط تحاول إرضاءه علّه يراها جميلة وينسى "هدى".

لم يرَ كل هذا بل كان متيمًا بـ"هدى" حتى أنه فاتحها في أمر حبه لها قبل مدة قصيرة، وهي زوجة أخيه! في الخارج كان "إسماعيل" شاردًا في الفراغ، قد يكون قاسيًا مع "شيرين"، "عمر" و"إسراء" لا يستحقان هذا من عمهما، هو يعلم أنه مخطئ في حق هؤلاء الثلاثة، لكنه لم ولن يسمح لأحد أن يخرب عليه انتقامه. ينتقم من أخيه... ومن "هدى"...

ومن كل ما يقف في طريق انتقامه. على الأقل ترك له ابنيه أحياء، إن هذا أقل شيء يمكن فعله أمام من جرحته واختارت أخاه... وأمام من قتل ابنه! ∆∆∆∆∆∆∆∆∆ -"عمر" هيبقى إيه رأيك لو أنا اتحجبت؟ كان سؤال "إسراء" مفاجئًا فالتفت لها "عمر" وقد احتلت وجهه علامات الاستغراب. قال: -إيه السؤال ده؟ -إيه؟ بسألك لو أنا اتحجبت أنت هتكون حابب الموضوع ولا لا؟ -أشجعك على ده طبعًا، بس إيه اللي خلّاكِ تسألي السؤال ده فجأة؟ أنتِ ناوية تتحجبي؟

-مش عارفة، هو أنا بس جه في بالي الفكرة دي الصبح قلت أسألك أنت إيه رأيك. سكنت الحيرة عيني "إسراء"، فهي الآن كمن تكتشف شيئًا جديدًا. ليس الشيء الذي تكتشفه "إسراء" جديد، لكنه يظهر في طريقها هي للمرة الأولى، كانت تعلم بوجوده لكنها لم تلمسه، بل لم تفكر فيه من الأصل. شغل سؤال "إسراء" حيزًا من عقل "عمر". لاحظ الآن، لم يعلمها من دينها شيئًا، حتى الصلاة تعلمتْها في المدرسة. هو تائه يحتاج لمن يرشده مثلها!

يشعر الآن أنه مخطئ مقصر. كيف لا وقد ترك شقيقته لا تعلم شيئًا عن أمور دينها؟! أهم شيء في دنياها وآخرتها، ربما لأنه هو أيضًا لا يعلم، لم يكن إلا طفلًا وحيدًا يتألم لفراق أبويه ويقوم بدور الأب والأم لشقيقته. تخيل وجه "إسراء" بالحجاب، وجهًا ملائكيًا جميلًا، صغيرته جميلة في كل أحوالها، هكذا قال داخل نفسه. لكنها ستكون أجمل حين تتقرب إلى الله. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆

سكن الوجوم محيَّاه وهو ينتظرها تنزل إليه، رأته بعينيها الدامعتين فوقفت أمامه. لا تقدر على رفع عينها في عينه، كان الشعور بالخزي يحاوطها ويخرسها. قال "علي" بعد صمت استمر طويلًا: -اتكلمي. ردت "مي" بخفوت: -أتكلم أقول إيه؟ قال حانقًا: -قولي أي حاجة، اعتذري برري، قولي لي يا "علي" أنت فاهم غلط استنى أوضح لك... أي حاجة. -بس أنا ماعنديش حاجة أقولها.

زاد صمتها من قهر "علي"، لو كانت اعتذرت أو بررت أو استبقته لفهم أنه يعني لها أي شيء، لكن صمتها هذا جعله يتوهم أنها تقول له: -هاتِ ما عندك من عتابٍ وارحل ولا تضيّع وقتي معك. قالت "مي" بعين هَتون: -أنت دلوقتي أكيد شايفني واحدة حقيرة وقذرة وده حقك، أنا ما أقدرش أقول لك أي حاجة، وأيًا كان اللي هتعمله معايا أنا ما أقدرش ألومك عليه، فلو عايز تشتمني أو تفضحني أو تعمل أي حاجة اتفضل.

بدت عيناه لامعة، لكنها زائغة، تدور حوله ولا تثبت، لكنها ثبتت بغتةً وهو يقول: -أنا أكيد مش عايز أعمل حاجة من دول. حمل صوته وهو يستطرد انهزامًا... انهزام من أكثر المعارك التي وثق بالنصر فيها: -أنا بس حبيتك... حبيتك بجد، واللي أنتِ عملتيه ده خلاني أتعلم الدرس، إني ما أحبش حد بجد ثاني. زاد صوت نحيب "مي" حين قالت: -صدقني أنا ماكنتش عايزة أجرحك ولا عايزة أؤذي حد، أنا بس حبيته.... حبيته بجد.

كانت آخر كلمتين قالتهما سهمًا اخترق قلبه وتوغل فيه. خلعت دبلتها ثم أعطتها له وهمَّت بالانصراف فناداها، التفتت لترى ما يريد وجدته يقول بانكسار: -هو أنا عندك رخيص أوي كده؟ لم تجبه بل رحلت مهرولة من أمامه فتأكد أن الإجابة "نعم". دقائق مرت ثم صعد حيث شقتها لينهي مع والدها كل شيء. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆ -يا بنتي ما تجربيهاش مش هتخسري حاجة!

كانت تلك جملة تلفظتها "آية" وهي تمسك بشالٍ تحاول إقناع "إسراء" في دورة المياه بأن تجربه، ظلّت تفكر بكلام "إسراء" الذي قالته منذ فترة فقالت: أحضر معي شالًا علها تتشجع حين تجربه. قالت "إسراء" بسخرية: -"آية" أنا كنت بتكلم عادي أنتِ زودتيها ليه؟ -عادي عايزة أشوف شكلك بيه بس. ثم كررت حديثها قائلة: -البسي الطرحة يا "إسراء" واقلعيها على طول عادي.

اقتنعت "إسراء" بارتداء الشال لدقيقة بعد كثيرٍ من الأخذ والرد فزفرت ثم سمحت لـ"آية" بلَفِّهِ لها. إحساس غريب أحسّت به حين طالعت وجهها في المرآة، لم ترَ أن جمالها ازداد، بل هو شيء أعمق، كانت تستشعر شعورًا جديدًا لم تشعر به من قبل، ولم تجد له كلمةً تصفه به في معجمها. إحساسٌ غريب... لكنه جميل.

لم يكن شكلها أجمل، لكنه ربما أضاف إليها مظهر الرقة والوقار، وكأن هالةً أحاطت بها تحميها من الأعين وتضيف لها رونقًا خاصًّا، وإحساسٌ غريب... لكنه جميل. اخترق صوت "آية" أذنها فأيقظها من سرحانها حين قالت "آية": -الله يا "إسراء" بجد الحجاب محليكِ ومديكِ شكل مختلف أوي. أنتِ لازم تتحجبي.

توترت "إسراء" قليلًا من جملة "آية" الأخيرة. خلعت الشال فأعطته لرفيقتها ثم رحلتا من دورة المياه. لم تكن المرة الأولى التي ترى "إسراء" نفسها فيها بالحجاب، كانت تصلي به لكنها لم تدقق بل لم تنظر لشكلها أثناء ارتدائه، كل ما كانت تفكر فيه حينها -للأسف -كان أن تقضي الصلاة بسرعة كي تفعل ما تود فعله بعدها. التفكير فيه من ناحية أنها سترتديه أمام الجميع كان له وقعٌ مختلفٌ كذلك.

خارج أسوار الكلية، حين ودعت الديقتان بعضهما، ومشت كلٌ باتجاه، ظهر أمامها الكائن اللزج المزعج "مروان" مرةً أخرى. قفز أمامها من العدم فقال: -ازيك يا "إسراء"؟ أجابت بحنق: -زفت زي وشك أوعى من قدامي. حاولت تخطيه لكنه اعترض طريقها ثانيةً: -يا خاطفة القلب ومعذباه.

كان يبدو اليوم غير طبيعي، أو به شيء غريب، لذا لم تتحدث "إسراء" كثيرًا بل ابتعدت من أمامه فورًا، فلاحقها حتى أمسك بها واستطاع تثبيت ظهرها على الجدار حيث أحاطها بذراعيه، حاولت التسلل بسرعةٍ من أسفلهما لكن طول قامتها لم يساعدها. قال بحقدٍ قفز من عينيه: -أنتِ ليه مش عايزة تفهمي؟ لم تجب بل ظلَّت تحاول التملص منه، تابع "مروان": -ليه مش عايزة تفهمي إني بحبك؟ ارتخت نبرته وطلّ الحزن من عينه وهو يقول:

-أنا بحبك ونفسي ترضي، بس أنتِ في كل مرة بترفضيني، وبتجرحيني. هو أنا أستاهل منك كل ده؟ ردت "إسراء" بغضب مشتعل من مشاعره المرهفة في غير وقتها: -أيوة تستاهل... ابعد عني بقى... وبعدين ما تتجرح ولا تتنيل أنا مالي أنا؟!

جاء رجل فجأةً حين رأى ذاك الفتى يحيط بالفتاة المتضايقة منه ليطوق "مروان" ويسحبه بعيدًا تاركًا الفرصة لـ"إسراء" لتهرب وهو يطلق الكثير من الشتائم على هذا الجيل الفاسد، لكن "مروان" استطاع التملص منه بسرعة إذ كان الرجل مسنًّا ولا تعادل قوته قوة فتىً في بداية شبابه. لحق "مروان" بعدها بـ"إسراء" التي ركضت قليلًا حتى دخلت عمارة سكنية صغيرة فصعدت بعض درجات من السلم، أمسك بها من ثيابها، فحاولت هي إنزال يده صارخة:

-إيدك يا حيوان. لم يتركها ولكن دفعها بشدة أثناء صراخه: -بطلي بقى بطلي. كانت الدفعة قوية فسقطت إثرها من فوق السلم على الأرض إذ لم يكن للسلم سور أو سياج ليصطدم رأسها بصخرةٍ حادةٍ وُجدت ملقاةً على الأرض. ∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...