تحميل رواية «هل بعد الفراق يا امي لقاء» PDF
بقلم اية حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الأول: رحلة النبش في الماضي وقت آخر، حين عاد من المدرسة، سعيدًا يريد أن يُري عمه درجة اختباره الكاملة. دخل المنزل فلم يجد أحدًا باستثناء أخته التي كانت تبكي دون أن تجد من يهتم لها، إذ كانت زوجة عمه جالسة في غرفتها بالأعلى تضع مساحيق التجميل مستعدةً للقاء صديقاتها، وعمه يجلس في مكتبه منشغلًا بعمله. عانقها وطمأنها ثم ذهب كي يري عمه درجة الاختبار. بمجرد أن طرق الباب ودخل، وجده يقول بحنق: - إيه اللي جابك؟ أنا مش قلت متخشش هنا؟ مش فاضيلك أنا. خرج "عمر" وقد استطاع "إسماعيل" أن يبدل سعادته غمًا د...
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الأول 1 - بقلم اية حسين
الفصل الأول: رحلة النبش في الماضي
وقت آخر، حين عاد من المدرسة، سعيدًا يريد أن يُري عمه درجة اختباره الكاملة. دخل المنزل فلم يجد أحدًا باستثناء أخته التي كانت تبكي دون أن تجد من يهتم لها، إذ كانت زوجة عمه جالسة في غرفتها بالأعلى تضع مساحيق التجميل مستعدةً للقاء صديقاتها، وعمه يجلس في مكتبه منشغلًا بعمله. عانقها وطمأنها ثم ذهب كي يري عمه درجة الاختبار.
بمجرد أن طرق الباب ودخل، وجده يقول بحنق:
- إيه اللي جابك؟ أنا مش قلت متخشش هنا؟ مش فاضيلك أنا.
خرج "عمر" وقد استطاع "إسماعيل" أن يبدل سعادته غمًا دون جهد. حينها أدرك "عمر" أنه غير مرحب بهما هنا.
مرة أخرى حين كان في الحادية عشر، كان حفل نهاية السنة الدراسية حيث يجتمع الآباء والأمهات. كلٌ يمسك بيد والده أو والدته، إلا هو الذي كان يمسك بيد شقيقته يبثها الأمان، وقد صار أبًا في الوقت الذي احتاج أباه فيه.
لقد كبر وأصبح مراهقًا في الرابعة عشر وأخته ذات تسع سنوات حيث يجلسان في غرفتهما. أخرجت "إسراء" ورقة اختبارها ليراها "عمر" وهي تصيح بسعادة:
- جبت عشرة من عشرة يا "عمر" بص!
نظر لها بعين تشع حنانًا وإعجابًا فأشار لها بيده قائلًا بهدوء:
- بالراحة وطي صوتك قبل ما عمو "إسماعيل" أو طنط "شيرين" يسمعونا.
ثم أردف حين رأى الورقة وعينه تشع بالسعادة لسعادتها حتى لو كان الأمر تافهًا:
- شطورة يا إسراء.
- المس سألتني مين بيذاكرلك قلتلها أخويا "عمر" قالتلي اشكريه عشان هو طيب معاكِ وبيساعدك، شكرًا يا "عمر".
نظر لها "عمر" بحب، هاهي بذرته الصغيرة تكبر لتصبح وردة رائعة.
سمعا وهما على هذا الحال صوت عمهما يأتي من بعيد غاضبًا ساخطًا:
- قولت مش هتنزلي يا "شيرين" بطلي بقى استهبالك ده.
جاء الرد من زوجة عمهما حانقًا:
- بطل قرف بقى يا "إسماعيل" هو كل حاجة تحكمات، تنزلي، تطلعي، تلبسي، تقابلي مين، تقعدي مع مين، أنا زهقت.
- أنا جوزك يا هانم على فكرة، لو نسيتي أفكرك.
- أحب أفكرك أنت اتجوزتني ليه، أنت اتجوزتني عشان فلوسي وفلوس أبويا اللي طمعت فيهم خليك فاكر.
أفزع هذا الصراخ الصغيرة فاختبأت في حضن شقيقها الذي قال مهدئًا:
- بس، متخافيش مفيش حاجة، أنا معاكِ، هما بيزعقوا لبعض مش لينا.
يومٌ آخر، حين كانت "إسراء" تمسك بكوب به ماء وتركض به آتية من المطبخ، سقط منها الكوب وانكسر فتناثرت قطع الزجاج ودخلت إحداهن في قدمها. هرول إليها عمها وزوجته، وبدل أن يطمئنا على الصغيرة التي جرحت، قاما بجرحها بجرح أكبر إذ صبّا غضبهما عليها حتى كادا يضربانها لولا أن "عمر" الذي كان يقف بالزاوية ركض فحالَ بين يد "إسماعيل" ووجه شقيقته فقال:
- أنا اللي كسرته، اضربني أنا... بلاش هي.
أتاه رد عمه ساخطًا:
- أنت هتستعبط ياض؟! هي اللي كانت واقفة.
رد عليه "عمر" متلعثمًا:
- ماهو أنا... أنا... أنا كنت ماسك الكوباية بس جريت.
ابتسم "إسماعيل" نصف ابتسامة فقال وهو يرفع يده يهم بضرب الفتى:
- لا راجل يلا، عشان كده بقى هتتضرب مكانها.
ثم هوى بثقل يده على وجه "عمر" مما جعله يرتعش أثر الصفعة. بعد قليل من الضرب والتعنيف أمام شقيقته الباكية أمسكه "إسماعيل" من ياقة قميصه ثم تركه فجأة فسقط على الأرض فأصابت قطع الزجاج إحدى قدميه ويده اليسرى. قام وأسرع يضمد جرح شقيقته غير مبالٍ بجرحه هو، وهكذا ظل... يطمئن شقيقته ويلملم جراحها غير مبالٍ بجرحه هو.
كبر "عمر" أكثر وصار في السابعة عشر، غدا شابًا متمردًا. قرر التمرد على معاملة عمه وزوجته. استطاع بعد جهد إقناع "إسراء" بالهرب من هذا المنزل الكئيب الذي لم يشهدا فيه إلا الأوجاع. تبعته "إسراء" بالتأكيد، وهل لها إلا ملجأها الآمن المسمى بـ "عمر"؟
وهكذا أصبحا يعيشان لا يملكان إلا بعضهما. استفاق "عمر" من ذكرياته ليجد أنه قد وصل إلى وجهته المنشودة، منزل عمه "إسماعيل محمد عبدالوهاب".
كان "عمر" طويل القامة عريض المنكبين مما جعل الهيبة فرضًا عليه أثناء مشيه، حتى لو ما بداخله عكس ذلك. سأل نفسه: كم مر على آخر مرة التقى بعمه فيها؟ سنوات طويلة. ورغم ذلك ما زالت الجراح والإهانات تلتصق به، ما زال يذكر كيف كان صوته يدب الذعر في قلبه ويجعل أوصاله ترتعد رعبًا.
رغم كل هذا ذهب إليه، فهو يشعر أن أمر شهادة وفاة والده المزورة هذا غريب يستدعي القلق والتساؤل. دخل عليه مكتبه بعد أن طرق الباب، فجحظت عينا "إسماعيل" تعجبًا، لا يصدق ما يراه، هذا هو الفتى الصغير الذي هرب منه مع شقيقته! قال "عمر" وهو يبتلع ريقه ويقول بلهجة حاول صبغها بالثبات:
- إزي حضرتك يا عمي؟
رد "إسماعيل" بثقل وعيناه لا تزالان متسعتان:
- بخير يا ابني، بقالنا كتير مشوفناكش يعني؟
- متقلقش مش هتشوفني تاني.
ثم أردف وهو يضع أمامه ورقة شهادة وفاة والده:
- أنا بس عايز أعرف إيه الموضوع ده، الراجل امبارح بيقولي دي مزورة.
توتر "إسماعيل" قليلًا وارتعشت يداه لكنه استطاع إخفاء هذا بسهولة. قال وهو يلقي نظرة على الورقة:
- معنديش علم بالموضوع ده، أكيد غلطة من عندهم.
- غريبة، مع إني رحت الأحوال المدنية أسأل واتأكدت إنها مضروبة.
لم يكن يكذب، فقد ذهب بالفعل ليتحقق من الأمر واكتشف أنه لا توجد أي أوراق أو شهادة تثبت أن أباه قد توفي. حين علم بالخبر من الموظف مادت به الأرض. وقف يحدق في الفضاء أمامه لمدة لا يعلم قدرها. كيف؟! ومتى؟! و.... ماذا؟ لم يمت والده! أين كان كل تلك الأعوام، أم يكون قد مات ولكن حدث شيء منع تسجيل هذا؟ يشعر بأن هناك لغزًا كبيرًا خلف ذلك الأمر، وهذا ما دفعه للذهاب لعمه. أضاف "عمر" وهي ينظر لعيني "إسماعيل" عله يستشف منها ما يخفيه صدره:
- وعرفنا إن مفيش أي حاجة تثبت وفاة شخص بالاسم ده.
ابتلع "إسماعيل" ريقه لكنه تابع دون أن يظهر عليه شيء، فقد كان يجيد الكذب، يجيد الكذب حتى صار الكذب صديقه المعين. قال:
- مستحيل، ده أنا دافنه بنفسي.
ثم استطرد بشيء من الغضب والاستنكار:
- اسمع يا ولد أنت لو جايلي بعد كل السنين دي بعدما هربت أنت وأختك بالليل شبه الحرامية تكدبني يبقى تطلع برة أحسن لك.
أدرك "عمر" أنه لن يحصل على شيء من "إسماعيل" بهذه الطريقة لذا قرر الانسحاب الآن قائلًا:
- تمام بس لو عرفت أي حاجة تبلغني.
- أكيد.
خرج "عمر" من مكتب "إسماعيل" ليرى زوجة عمه "شيرين". ما زالت كما هي، مساحيق التجميل التي لا تظهر شيئًا من وجهها الطبيعي، شعرها الأشقر المصبوغ كل يوم بحال. حدقت فيه بقوة فاتحةً فاها لا تصدق أنها تراه، "عمر"؟! ذلك الفتى ابن أخي زوجها الذي لم تحسن إليه يومًا؟ ما الذي أتى به؟ مرت دقيقة اندهاشها ثم تجاهلته واتجهت لمكتب زوجها.
خرج وفي رأسه نفس ذات الأسئلة التي دخل بها. شعر أنه كان غبيًا حقًا حين ظن أنه سيجد إجابات عند عمه بهذه السهولة.
فتش جيبيه باحثًا عن محفظته فلم يجدها، سرعان ما استوعب أنه نسيها فضرب على جبهته بيده ثم اتجه إلى الداخل. وقف أمام باب المكتب المغلق وقبل أن يطرق الباب سمع "شيرين" تقول:
- مش ده "عمر" ابن "إبراهيم" أخوك؟ هو عرف حاجة؟
أجابها "إسماعيل" مستهزئًا:
- ولا هيعرف.
ردت عليه "شيرين" بأسى على ما يفعله:
- مش عارفة هتبطل تلعب عليهم كده لحد امتى.
في تلك اللحظة تأكد "عمر" أن هناك كذبة تجري عليه وأن أمرًا جللًا يحدث وقد قرر أنه يجب عليه البحث في الأمر. طرق الباب، أخذ محفظته ومضى.
واقفةً داخل المكتبة التي تعمل بها، كانت "إسراء" تتأمل الطريق والمارة. الجو جميل اليوم يلائم مزاجها الرائع. أصبحت تحب عملها كثيرًا، تجتاح النشوة جسدها وهي ترى الاهتمام في عين شخص ترشح له كتابًا ما، عندما تقود شخصًا آخر لعالم القراءة الرائع، عندما ترى الناس الذين لا يزالون يهتمون بالقراءة هذا الزمن.
جلست على الكرسي وقد عقصت شعرها الأسود في شكل كعكة إلى الأعلى كما كانت تفعل دائمًا فجذبت كتابها لتقرأ فيه قليلًا قبل أن تدخل عليها فتاة كانت آية في الجمال. سمينة، بشرتها بيضاء مما جعل دخولها ينير المكان. عيناها عسليتان يذوب المرء فيهما. رداؤها الواسع وحجابها الأحمر الطويل جعلاها تبدو كالأميرة. هذا ما رأته "إسراء" منها. قالت الفتاة في رقة بعد أن ألقت السلام:
- لو سمحتي كنت عايزة أعرف لو الرواية دي موجودة؟
قالت جملتها تزامنًا مع إخراجها هاتفها لتري "إسراء" شكل الغلاف. نظرت له "إسراء" ثم قالت وهي ترمق تعابير وجهها بنظرة تفحص:
- شكلك أول مرة تقرئي صح؟
أومأت لها الفتاة إيجابًا فقالت "إسراء":
- طب بصي، أنا عندي لكِ روايتين جُمال وخُفاف كده هيعجبوكِ اوي، خديهم مع اللي أنتِ عايزاها عشان اللي أنتِ طالباها ممكن تكون صعبة عليكِ في البداية رغم إن هي جميلة جدًا.
ردت الفتاة بالقليل من التردد والكثير من الرقة لم ترضِ "إسراء" التي رأتها مائعة بحد كبير:
- طب ممكن تكلميني عنهم؟
استجابت "إسراء" لطلبها وحدثتها عن الروايتين ببراعة تجعل أي شخص يراهما كنزًا يجب اغتنامه رغم أنها لا ترتاح لرقة الفتاة المفرطة، فهي تكره هذا النوع من الفتيات. ختمت "إسراء" حديثها بإبتسامة قائلة:
- لو عجبوكِ يبقى تيجي ثاني وتبقي زبونة المكان هنا بقى، اسمك إيه صحيح؟
- آية.
أومأت لها "إسراء" فرحلت الفتاة المدعوة "آية" بعدما دفعت ثمن الكتب. نظرت "إسراء" في أثرها باشمئزاز وهي تحاول تقليدها ساخرة:
- ممكن تكلميني عنهم؟
ثم قالت لنفسها بصوت عالٍ بحنق:
- مياعة بنات آخر زمن.
كانت ليلة هادئة ظفر فيها بنوم عميق. وبينما هو يتقلب على سريره يقاوم كسله للاستيقاظ صفعت كرة وجهه. جعلته تلك الصفعة يتأوه بصوت عالٍ وهو يعتدل جالسًا ثم صرخ غاضبًا بصوت فيه مسحة نوم:
- اللي حدف الكورة دي هياخد بالجزمة يا كلاب.
قام "علي" من على فراشه فغسل وجهه ثم توجه إلى صالة الجلوس حيث تجلس أمه وخلفها يلعب أبناء شقيقيه. جلس على الطاولة كي يأكل وهو يقول لأبناء شقيقيه - التوأمين "زين" و "زياد" ولدي شقيقه "عمرو" و "مصطفى" ابن شقيقته "عالية"- بتوعد:
- الكورة دي لو متشالتش لأكون مربيكم كلكم من أول وجديد أنت وهو.
علقت والدته وهي تضحك:
- سيبوكم منه يا عيال والعبوا مطرح ما أنتم عايزين، لو عايزين تخشوا تكسروا أوضته براحتكم.
رد "علي" مستنكرًا:
- بقى كده، تكسروا أوضته؟
أومأت له فقال هو بأسى مصطنع ممازحًا:
- بقى بعدما كنت آخر العنقود المتدلع، بقت آخرتها تكسروا أوضته، بعتينا عشانهم خلاص يا ماما؟!
ردت والدته ضاحكة وهي تخبط يدها على كتفه:
- وأنا أقدر أبيعك برضو يا واد يا بكاش أنت.
ابتسم "علي" ثم نظر حوله فلم يجد شقيقه "عمرو" ولا أباه ولا شقيقته فسأل والدته عنهم فردت:
- أخوك يادوب طلّع عياله ونزل وخد أبوك في طريقه.
أومأ ثم سأل:
- وعالية؟
أجابته الأم بحسرة على حال ابنتها:
- قاعدة في أوضتها ماسكة صورة جوزها الله يرحمه وبتعيط.
تنهد "علي" الذي أصابه الحزن وهو يقول:
- هي هتفضل كده لحد امتى بجد؟
- وهو أنت فاكر إن فراق جوزها اللي حبته وعاشت معاه على الحلوة والمرة بالساهل كده؟
- طب أنا هقوم أخش لها.
ربتت على كتفه مستحسنة ما قاله وهي تدعو له ولابنتها أن يربط الله على قلبها ويصبرها على ما ابتلاها.
دخل "علي" على "عالية" الغرفة فوجدها جالسة على الفراش تنظر لصورة زوجها المتوفى منذ شهر واحد فقط وتبكي. رآها "علي" بذلك المنظر فجلس أمامها واحتضنها بقوة قائلًا بصوت دافئ:
- مستنياكِ أنتِ وولادك في الجنة يا حبيبتي صدقيني، هتقابليه بإذن الله.
ردت عليه وشهقاتها تتعالى:
- مش قادرة أصدق إنه سابني وراح.
- راح للجنة بإذن الله.
ثم تابع بحب صادق خرج من قلبه:
- متعلقيش قلبك بقلبه عشان ده هيفنى، علقي روحك بروحه، دي الحاجة اللي هتطلع معاكم الآخرة.
قالت "عالية" بشوق ولهفة وقد شعر "علي" بلوعة قلبها:
- يارب أقابله هناك.
تبسم "علي" وقال مداعبًا إياها:
- طب يلا عشان تفطري بقى، وتلحقي العيال قبل ما يولعوا في البيت.
رسمت ابتسامة باهتة وهي تحمد ربها أن رزقها بهكذا عائلة.
ارتدى "علي" ملابسه مستعدًا للخروج من المنزل فوجد "منة" ابنة شقيقته "عالية" ذات الأربع سنوات تركض عليه ناطقةً اسمه بشكل مضحك:
- ألي، ألي.
عانقها ثم حملها فقال ضاحكًا:
- "ألي"؟ أنتِ مش المفروض كبرتي وبتعرفي تنطقي الحروف صح ولا إيه؟
طلبت منه متوسلةً بوجه بريء جعل قلبه يذوب، بسبب عشقه لتلك السوسة الصغيرة:
- هات مصاصة.
قبّلها على وجنتها وهو يقول بثغر ضاحك:
- حاضر من عيوني.
ثم وضعها على الأرض خارجًا من الشقة.
تنهد ثم ابتسم. عائلته الجميلة قادرة على شحنه طاقة إيجابية تكفيه لبقية اليوم. يخصص لهم جزءًا من قلبه لا يشاركهم فيه أحد، أدامهم الله له.
كان "علي" متوسط القامة والجسد، شعره مجعد، طويل قليلًا ربما، لكن ليس بالحد الملفت. وصل إلى المبنى الذي بات يقضي أغلب حياته فيه، فمنذ أن تخرج من كلية الطب البيطري، عزم على إنشاء عيادته الخاصة. فهو يعشق الحيوانات، لسعادته بقضاء يوم عمله معهم، يمسح على فرائهم، يداعبهم، ويخفف عنهم آلامهم. كثيرًا ما كان يتوقف في الشوارع ليلاعب كلبًا أو قطة ويطعمه مع تأفف من يمشي معه. دخل فوجد أن المكان قد تم تجهيزه بالكامل كما يحب، بقي فقط الأثاث. تنهد بنشوة فعدل وضع نظارته السوداء التي يضعها أمام عينيه العسليتين وهو يلقي نظرة على المكان الذي سيصبح قريبًا جدًا مكان عمله حيث يقضي وقته في تحقيق حلمه بين تلك الكائنات الصغيرة اللطيفة.
وبعد أن انتهى من الحديث مع العمال وتفحص المكان ذهب ليقابل من أسرته وسرقت قلبه ثم أمسكت به في قبضتها... خطيبته "مي". دخل إلى شقة والدها بعد ترحيب والدتها به، فوجدها تجلس منزويةً على الأريكة التي يحسدها الآن. جلس على الكرسي أمامها ووالدتها تقدم له الشاي فشكرها "علي"، ثم رحلت من أمامهما لتراقبهما من بعيد.
بدأ "علي" الحوار معها قائلًا:
- عاملة إيه؟
كان يحاول دفعها لتتحدث، فقد بقيت صامتة حتى الآن وألقت على والدتها أمر الإمساك بدفة الكلام. أما وقد رحلت، فعليها التكلم. ردت باقتضاب:
- تمام الحمد لله.
وكأن كلماتها القليلة تلك كانت نهرًا عذبًا روى فؤاده الظمآن لنظرةٍ منها. تحدث معها فترة كان لها النصيب الأكبر من الصمت فيها، رغم أن خطبتهما تمت منذ شهر، لازالت تعامله ببعض الاقتضاب. ظنه هو تحفظ، فلم يشكُ منه، ظلّا على ذلك الحال وهو يختلس النظر إليها من آن لآخر. كيف لها العبث بعقله وقلبه إلى تلك الدرجة؟!
كتب عنها في دفتره يومًا:
عيناها ليست زرقاء كالبحر ولا خضراء كالغابات ولا عسلية تشع عند انعكاس ضوء الشمس، بل هي سوداء تجعل قلبي يرقص فرحًا حين يرى التفاتة منهما.
شعرها ليس أشقر يتوهج كضوء الشمس ولا أسود ناعم منسدل، بل هو أسود مجعد يجعلني أهيم بعفويتها.
بشرتها ليست بيضاء صافية تُنير بها المكان بل سمراء تجعل عيناي تترجاني في اليوم ألف مرة كي أذهب إليها.
صوتها ليس ناعم رقيق تتغنى به لكن ما يخرج من فمها من كلمات هو ما يأسرني.
ببساطة، قد لا تبهر كل من يراها لكنها تبهرني أنا.
مضى بعض الوقت وهو يتناول الغداء معها ومع والدتها ثم انصرف وترك باله بالداخل.
ذهب "عمر" إلى عمله بعدها، "مستشفى النور" حيث يعمل كممرض. كان يتمنى دخول كلية الطب لكن "عمر" المشوش الهارب من منزل عمه لم يحصل على الدرجة العالية التي تسمح له بدخول كلية الطب، فاتجه للتمريض بسبب كون المجال مشابه.
في نهاية يوم العمل حين كان خارجًا من المستشفى أخرج محفظته ففوجئ بورقة ومفتاح لم يسبق له رؤيتهما يسقطان على الأرض. التقطهما وقد ضاق ما بين حاجبيه مستغربًا. وجد المكتوب على الورقة الصغيرة المطوية عنوانًا أُلحق بـ:
- عنوان بيتكم القديم، ممكن تلاقي طرف الخيط هناك.
توالت الأسئلة عليه بمجرد قراءة محتوى الورقة. أي بيت وأي خيط؟! مضى في طريقه إلى منزله، أيذهب إلى العنوان أم أن العواقب ستنتظره؟ تذكر محفظته التي نسيها. أهو عمه الذي وضع الورقة؟ لمَ لم يخبره مباشرة إذًا؟ وصل إلى الشقة التي يسكن بها وجد "إسراء" وقد خلدت للنوم مسبقًا. لقد حل الليل الآن، سينام ثم يذهب في الصباح إلى ذلك العنوان المريب، هكذا قرر. لم يكن يعرف أن النوم سيجافيه تلك الليلة، يتقلب على الفراش وقد سيطرت الأسئلة والهواجس على عقله الذي لم يتوقف عن نسج الكوابيس منذ الصباح. استيقظ وقد حسم قراره بالذهاب ليريح فضوله عله يهدأ قليلًا. خرج من منزله قاصدًا ذلك العنوان ليبدأ رحلةً جديدة... رحلة النبش في الماضي.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الثاني 2 - بقلم اية حسين
خرج من الشقة وأغلق الباب خلفه، الباب الذي كان بمثابة باب الذكريات.
استيقظت "إسراء" مبكرًا هذا الصباح، فاليوم هو يومها الأول بالجامعة، تشعر بالحماس مع بعض النشوة تتخلل صدرها. ارتدت ملابسها ثم لبست معطفًا أسودًا منفوخًا دون أكمام فوق قميصها الصوفيّ. جلست على الأريكة منتظرةً أخاها الذي خرج من غرفته أخيرًا بعدما كان يُطالع صورة والديه التي وجدها في المنزل القديم الذي زاره منذ يومين، لقد أصبحت تلك الصورة لاتنفك تترك يده.
خرج فسأل شقيقته قبل أن تقع عيناه عليها:
- مشوفتيش الجاكيت الأسود بتاعي؟
نظرت لما ترتديه بعين جاحظة، إنه هو! حاولت خلعه قبل أن يراها و هي ترد:
- لأ مشوفتوش، البس حاجة ثانية.
لكنها لم تلحق، إذ أمسك بطرف المعطف و هو يقول ساخطًا:
- ما هو واضح إنك مشوفتيهوش.
ثم أضاف متوعدًا و قد علا صوته:
- اقلعي الجاكت يا بت بدل ما تبقي في صفحة الوفيات النهارده.
قالت الأخرى محاولةً إستعطافه:
- ما تسيبهولي النهارده يعني ميجراش حاجة، و بعدين يرضيك أروح أول يوم جامعة وأنا نفسي في الجاكت بتاعك؟
- ما تروحي وأنتِ نفسك في الجاكت بتاعي ايه المشكلة يعني؟
كان لايزال يمسك بطرف المعطف و هي ترتديه فقالت "إسراء" متذمرة:
- سيب الجاكت طيب أنا أختك مش حد غريب أنت مش قافش حرامي.
ترك "عمر" المعطف و هو يقول:
- هتقلعيه برده.
قالت "إسراء" بسرعة أفجعت "عمر":
- بص هناك كده.
و في ثوانٍ كانت تركض من أمامه إلى الأسفل فارّةً بالمعطف. ركض "عمر" خلفها و هو يتوعد لأخته.
تكررت زيارات "آية" خلال تلك المدة، فقد أحبت الكتابين اللذَين رشحتهما "إسراء" بشدة، و أرادت أن تكون "إسراء" من يقودها للقراءة فقد رأت فيها ما جعلها تحبها، ومازالت "إسراء" تراها مائعة.
دخلت "إسراء" من باب الكلية بنظرات تائهة ومشاعر متضاربة، وتبقى الخطوة الأولى الأصعب دائمًا. بعد تيه وسؤال هذا و ذاك استطاعت الوصول للمدرج لتدخل محاضرتها الأولى في كلية الإعلام. لم تحضر في الأيام الأولى، فضّلت الجلوس على الفراش و قراءة كتاب ما عن التعرف على ناس جدد.
استمعت للمحاضرة متجنبةً الحديث للآخرين، رد السلام مع ابتسامة خفيفة فقط. لا تحب الإختلاط بالبشر، كانت دومًا تجلس وحدها في زاوية بعيدًا عنهم. ليست قلة ثقة أو تكبر، هي فقط تعلم أنها مختلفة، و تحب إختلافها.
انتهت المحاضرة فوجدت فتاةً تمشي نحوها، إنها "آية" الفتاة المائعة التي زارتها بالمكتبة. ضربت "إسراء" على جبهتها متذمرة، ماذا فعلت في حياتها لتقتحمها فتاة كتلك؟
ركضت "آية" نحوها فعانقتها قائلة بعدم تصديق:
- مش ممكن، أنتِ "إسراء" بتاعة المكتبة؟
أجابت "إسراء" ببسمة ود مصطنعة وقد تمنت لو لكمت "آية" في وجهها:
- اه أنا، عاملة ايه يا "آية"؟
أجابت "آية" بفرحة تجلّت على محيّاها لم تجد لها "إسراء" تفسيرًا:
- الحمدلله، و أنتِ؟ أنا فرحانة اوي إني شوفتك وإننا طلعنا زمايل، شكلنا هنبقى صحاب بقى.
- اه أكيد.
كان ذلك عكس ما تشعر به "إسراء" تلك اللحظة، إذ تمنت لو فرّت من أمامها الآن.
خرجتا من القعة فوجدتا شابًا متأنقًا بملابسه العصرية و هو يقول في مرح:
- يا أهلًا بالحلوات.
تضايقت الفتاتان من إقتحامه وأسلوبه، بينما لم يكترث هو لتعابير وجهيهما و استطرد بذات مرحه:
- أنا "مروان"، معاكم في أولى، بس صديق مفيد جدًا ومليان مميزات و أعرف الجامعة كلها كلهم حبايبي، يعني هفيدكم فاكسبوا ودي أحسن لكم.
ثم مال قليلًا قائلًا بخبث:
- و بقدر الجمال على فكرة.
نظرت له الفتاتان بإشمئزاز و سرعان ما رحلتا من أمامه و "إسراء" تقول ساخرةً بصوت تعمدت أن يسمعه "مروان":
- سلام يا مهزأ.
انتهى اليوم ورحلت "آية" و البسمة الرقيقة مرتسمة على شفتيها دليل على سعادتها بأن "إسراء" صارت زميلتها و قد توقعت أنها أكبر منها، فقد أُعجبت بشخصيتها المميزة وتفكيرها الناضج، و ببراعتها و البريق الذي يطلُّ من عينيها حين رشحت لها كتابًا، وتأمل أن تكونا صديقتين.
دخلت "آية" منزلها و هي تمسك بكيس مقرمشات ابتاعته أثناء عودتها في يدها، ألقت السلام على والدتها الجالسة على الأريكة التي قامت تعانقها بحنو حين رأتها. نظرت الأم إلى كيس المقرمشات ثم عاتبت ابنتها في أسى:
- يا بنتي بطلي أكل رايح جاي كده بجد مينفعش هتتخني وأنتِ مش ناقصة.
تلاشت الفرحة على وجه "آية" وحل محلها الحزن، قالت:
- يا ماما مش لازم كل ما تشوفيني تفكريني إني تخينة والمفروض أخس.
ردت أمها و قد ازدادت غضبًا:
- ماهو أنتِ مينفعش تسيبي نفسك كده، منظرك هيبقى فظيع.
قالت "آية" بعينين مغرورقتين بالدمع و هي تفرُّ من أمام والدتها:
- حاضر يا ماما، حاضر.
وقفت أمام مرآتها في غرفتها، تخلع حجابها لتفرد شعرها البنيّ الناعم، ثم تطالع نفسها. شعرها البني ناعم جميل، عيناها العسليتان يذوب المرء في حلاوتهما، بشرتها البيضاء الصافية تغبطها عليها زميلاتها، الكل يُثني على جمالها، إلا والدتها التي لا ترى إلا بدانتها. نزلت دمعة من عينها تحفر أخدودًا في وجهها، آه لو تعلمين يا أمي أني لا أرى نفسي إلا من خلالك.
هذا ما فكّرت فيه "آية" تلك اللحظة.
أنهى "عمر" عمله ثم اتجه إلى العنوان المكتوب على الصورة بعد تفكير كثير و تردد أكثر. وجدها مكتبة مما زاد على حيرته حيرة. دخل فوجد رجلًا في الأربعين من عمره تقريبًا فسأله عن أبيه وقلبه يخفق متسارعًا.
أجاب الرجل متذكرًا:
- واخد أجازة، خير عايزه في ايه؟
تساءل "عمر" رافعًا حاجبه:
- هو بيشتغل هنا؟
أومأ له الرجل فسأل "عمر":
- طب هيرجع امتى؟
- بص الصراحة يا أستاذ، هو دب خناقة مع مدير المكان هنا وشكله كده مش راجع ثاني.
زفر "عمر" في ضيق على حظه الأسود، ثم سأل الرجل مجددًا:
- طب متعرفلوش رقم تليفون؟ عنوان؟ أي حاجة؟
- أعرفله عنوان بس مش متأكد.
قال "عمر" في لهفة:
- هاته مش مهم.
أملى عليه الرجل العنوان و الذي وجده "عمر" على بعد خطوات من هنا. وقف يتأمل المكان، كان أبوه يعمل في مكتبة! يبدو أن "إسراء" ورثت من والدها شيئًا.
طلع إلى الطابق الذي حدده الرجل، ثم أخذ يطرق الباب منتظرًا الإجابة. خرجت سيدة من الشقة المجاورة تسأله بإستغراب:
- خير، عايز مين؟
أخبرها بإسم والده فردت السيدة متذكرةً:
- أستاذ "إبراهيم" ومدام "هدى" مراته عزلوا من زمان.
- طب ما تعرفيش راحوا فين؟
- لا معرفش الصراحة.
همّ لكي ينصرف فنادته السيدة بتردد، التفت إليها يستعلم عمّا تريد. قالت السيدة:
- في واحدة ست جاتلي من كام يوم كده و قالتلي لو حد جيه سأل عن أستاذ "إبراهيم" أديله الورقة ديه.
ثم مدت يدها ليلتقط "عمر" الورقة متعجبًا من كونها أنثى فسأل:
- واحدة ست؟! طب تعرفي توصفي شكلها؟
- لا معرفش كانت منقبة.
منتقبة! كلما تعمق خلف تلك العناوين يزداد الأمر غرابة. تنهد، لقد ملّ حقًّا من ذلك الذي يحركه كيفما يشاء، أو.... تلك التي تحركه!
فتح الورقة ليجد عنوانًا جديدًا فيها كُتب تحته:
- الرحلة خلاص خلصت، يلا يا بطل.
ابتسم نصف بسمة مستهزئة، أصبحت ذات الأوراق تشجعه!
وصل إلى العنوان الجديد، رغم تأخر الوقت لم يستطع الإنتظار للغد، كاد يدخلها لولا الإتصال الذي أتاه من "علي" صديقه جعله يهرع إليه متناسيًا كل شيء.
كان يعدو بسرعة لم يتخيل أنه قد يستطيع الركض بها يومًا، يريد إنقاذ صديقه، من ماذا؟ هو لا يعلم، لم تتضمن المكالمة سوى كلمات إستغاثة من "علي" لحقها صوت لهاثه المتقطع ثم إخباره بالمكان. وجده "عمر" ليس بالبعيد فهرع إلى هناك. وصل فوجده مقهى، استفرب قليلًا لكنه دخل على أية حال و أنفاسه تضطرب قلقًا على صاحبه. رأى "علي" يقف أمامه داخل المقهى و هو يضحك.
سأله "عمر" متعجبًا عندما رآه:
- هو في ايه؟
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الثالث 3 - بقلم اية حسين
أغلق معها المكالمة وهو يبتسم ابتسامة بلهاء ويرقص بشكل يثير الضحك، ليلاقي غضب صديقه الذي يتوجه إليه صارخًا:
- أنا بقى عايز أفهم الحركة الزبالة اللي أنت هببتها دي.
قال الآخر بنشوة لا توصف متجاهلاً قول عمر:
- رنت عليّ!
- طب لما أقتلك بقى متبقاش تزعل عشان أنت عيل مستفز ومُشل.
رد علي متذمراً:
- ما خلاص يا عم متزودهاش بقى، ده أنت أوفر صحيح.
استطرد حديثه ببهجة وكأنه يبشر بحدث عظيم:
- بقولك مي اتصلت بيا، دي أول مرة تعملها، وعايزاني في موضوع.
تحولت نبرته إلى التساؤل وهو يقول:
- تفتكر عايزاني في إيه؟
سأله عمر مستغرباً متعجباً، هازاً رأسه:
- ثواني بس، أول مرة تتصل بيك إزاي؟ أنتم مخطوبين بقالكم تلات شهور!
- شفت بقى الغلب اللي أنا فيه.
رد عمر ساخراً، لكنه لم ينجح في إخفاء نبرة الغضب من صوته:
- لا صعبت عليّ فعلًا.
تحولت نبرته للغضب كلياً وهو يردف:
- لسة مش طايقك على فكرة.
ثم زفر عمر زفرة أخرج معها غيظه وسخطه، خوفه وقلقه، تيهه وحيرته. هل يقبع أبواه اللذان أحرقه الشوق لهما خلف ذلك الباب الذي وقف أمامه؟ أم أنه شخص يتلاعب به لا أكثر؟ يحاول البقاء طبيعياً رغم صراع التساؤلات بداخله.
ودّع صديقه، لكنه لم يعُد للعنوان في الورقة. هل كان سيدخل لولا اتصال علي؟ لا يدري. يخشى المواجهة وبشدة، يخشى أن يكون كل ذلك سراب، ويخشى أن يكون حقيقة، فيُصدم بحقيقة أن أهله تخلوا عنه. يخشى تلك اللحظة التي قد يراهما بها ويسأل: لماذا تركتوماني؟
---
هناك نوعان من البشر، محبو الشاي ومحبو القهوة. أما إسراء فهي تعشق الكاكاو. حضّرت لها كوباً من الكاكاو ثم اتجهت نحو فراشها لتسافر عبر كتابها أثناء تلذذها بكوب الكاكاو.
وجدت إشعاراً من هاتفها ففتحته لتجد حساباً باسم مروان يرسل لها طلب صداقة. تذكرت أنه ذلك الفتى الذي سلم عليها أثناء وقوفها مع آية في الكلية. كيف حصل على حسابها بتلك السرعة؟ وجدته قد أرسل لها:
- ازيك يا إسراء عاملة إيه؟
وتليها:
- أنا مروان زميلك في الكلية.
بمجرد أن رأت تلك الرسائل، حظرت الحساب. من يظن نفسه حقاً؟ ثم إن هيئته وطريقة حديثه لا تبشران بخير أبداً.
أنهت كتابها ومزاجها متعكر. فلا شيء أسوأ من إنهاء كتاب عشنا معه الكثير، بكينا وضحكنا وصدمنا وعشقنا. كيف سنكون بعد فراقه؟
وجدت إشعاراً آخر على هاتفها. كان طلب صداقة من آية هذه المرة. من أين يأتون بحسابها؟ هل يريد الجميع مصادقتها أم ماذا؟ فكرت قليلاً قبل أن تقبله. رغم أنها ترى آية مائعة ولا تروق لها، إلا أن لديها العديد من المميزات. هي جميلة، حجابها جميل، متدينة وذكر الله لا يفتأ يترك لسانها. لو لم تكن هناك فائدة من التعرف عليها، فلن يكون هناك ضرر.
قررت في البداية -عندما اكتشفت أن آية زميلتها- عدم الاحتكاك بها. أما الآن فهي لا تمانع التعرف عليها. لن تكونا صديقتين حميمتين على أية حال، فهما مختلفتان بشكل كبير.
---
جلستا على الكرسيين بعدما أنهتا محاضرتهما. وقد اشترت إسراء فطيرتين لها ولآية التي باتت تتقبلها أكثر من قبل. فوجدتا مروان يدخل عليهما قائلاً بتضاحك:
- إيه يا جماعة متحسسونيش إنكم مش طايقيني، ولا واحدة فيكم قبلت الآد! ليه كده بس؟
قامت آية بصمت متأففة من ذاك الفتى المزعج الذي يلاحقهما. تلتها إسراء قائلة بتشفي:
- عيبك إنك مبتتعلمش من الدرس، مش أنا قولتلك قبل كده سلام يا مهزأ؟ يبقى سلام يا مهزأ متصدعناش.
ثم انطلقت حيث غدت آية وهي تقول بإنزعاج:
- الواد ده مستفز أوي بجد، هيحل عن دماغنا إمتى بقى.
علقت آية بسخط:
- أوي يعني، أنا مش فاهمة مين اداله الحق إنه يدخل يهزر معانا كده.
تشعر إسراء بالذنب قليلاً أنها لم تكن تطيق آية من البداية. إنها خلوقة وجميلة. لمَ عليها أن تكون رقيقة بشكل مستفز لهذا الحد؟
قالت آية بوجه بشوش:
- إسراء ينفع أقولك حاجة؟
ردت إسراء بإستغراب:
- ما تقولي على طول، في إيه؟
قالت آية بنبرة صوت محببة للقلب:
- أنتِ جميلة أوي، شكل وشخصية على فكرة. يعني من أول يوم شفتك فيه في المكتبة وأنتِ بتتكلمي عن الكتب كده ووشك بيلمع، حسيت إن شخصيتك حلوة وحبيتك وحبيت طريقتك ودماغك قمر بجد، وفيكِ روح حلوة كده مش أي حد بياخذ باله منها.
ابتهج وجه إسراء وسعدت بكلمات آية الطيبة التي تطرب الأذن فقالت وقد تجلت سعادتها:
- شكراً يا ستي، بس بمناسبة إيه الكلام الحلو ده؟
- من غير مناسبة؛ حسيت إني مقولتلكيش فقلت لازم أقولك إني بحبك. مش في حديث لما رجل كان عند النبي ﷺ فمر عليهم رجل ثاني فالرجل الأول قال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي ﷺ: أأعلمتَه؟ قال: لا، قال: أعلِمْه.
لا تتأثر إسراء بالكلام عادةً، لكن كلمات آية كانت سحرية؛ دخلت قلبها بسهولة فقط لأنها خرجت منها بسيطة صادقة.
قالت إسراء مغيرة الموضوع وهي تشير إلى الفطيرة التي لم تمسها آية:
- كلي مبتاكليش ليه؟
تغيرت تعابير آية قليلاً وهي تقول:
- شكراً مش عايزة.
قالت إسراء وقد علا صوتها بعض الشيء:
- لا مهو أنا مينفعش أبقى وقفت في الطابور الطويل العريض ده كله عشان أجيب لنا، وفي الآخر يبقى مش عايزة. هتاكلي ومش بمزاجك على فكرة.
قالت آية بإصرار:
- وأنا مش عايزة، مش قادرة آكل.
- لا بقولك إيه أنتِ مش هتعملي كيوتة عليّ، والله لأنتِ واكلة.
ظل الأخذ والرد بينهما وقتاً إلى أن عبست ملامح آية وانتفخت عينيها بوخز الدموع مما أثار تعجب إسراء فقالت:
- في إيه يا آية مالك؟
اعترفت آية بما يدور داخلها بحزن ملأ قلبها:
- مش عايزة آكل عشان لما أروح البيت ماما تقعد توصف في عيوبي وإني تخينة وعمالة آكل لحد ما هبقى فشلة. عشان كده بحاول ما آكلش؛ يمكن أخس وأعجب ماما.
زُمّت شفتا إسراء التي ظلت تنظر لآية بدهشة وهي تستطرد بصوت متحشرج:
- ناس كتير بتقولي إن شكلي حلو، بس ماما مش بتعلق غير على وزني. يا ريتها كانت بتقول كده بيني وبينها حتى. ده كل ما يبقى عندنا تجمع عائلي أو مع ناس تقلب القعدة على وزني. في الأول قرايبنا كانوا بيستغربوا ويسكتوا، بس بعد ما لاقوا إن ماما مابتتبطش بقوا يتريقوا زيها.
شقت عبرة طريقها على وجهها وهي تقول بحسرة:
- أكيد بيقولوا: دي أمها نفسها بتهينها وبتتريق عليها، يعني جت علينا؛ ماما رخصتني قدام الناس.
نظرت لإسراء بحيرة وهي تسأل:
- هو أنا فعلاً تخني مخلي شكلي وحش وما أتحبش؟
أجابت إسراء سريعاً بما أملأه عليها قلبها وعقلها:
- أبدًا، ده أنتِ زي القمر.
قالت آية وقد شعرت بهرس فؤادها قطعة قطعة:
- أنا مش عارفة أشوف كده، مش عارفة أشوف غير اللي هي شايفاه.
ثم أضافت بحزن عميق وجرح لا يُشفى؛ وهل تُشفى الجراح حين تكون من الأهل؟
- نفسي تفهمي إني مبشوفش نفسي إلا من خلالها، إنها العدسة اللي بشوف بيها نفسي والدنيا.
تنهدت إسراء ثم أتبعت تنهيدتها بقولها:
- طول عمري أسمع إن القرد في عين أمه غزال، أول مرة أشوف الغزال اللي في عين أمه قرد.
قالت إسراء محاولة التهوين عليها:
- بس والله أنتِ قمر بجد، وحتى لو لا الشكل مش مهم، شخصيتك أجمل وأهم بكتير.
صمتت للحظة ثم قالت لتغير الموضوع:
- أنتِ عارفة أنا أول ما شوفتك وأنتِ بسكوتة كده قلت إيه البت المايعة دي.
قالت آية وهي تمسح دموعها وتشير إلى نفسها متعجبة:
- أنا مايعة؟
- لا متستعبطيش يا آية، أنتِ مايعة فعلاً.
نظرت لها آية بحنق فتابعت إسراء بصدق:
- بس مياعة حلوة، حاجة مكس رقي على ذوق على أخلاق. البنت كما يقول الكتاب يعني. هو أنا مبعرفش أقول كلام حلو بس أنا حبيت شخصيتك في مدة قصيرة الحقيقة بعدما كنت مش طايقاكِ وهموت وأديكِ بالجزمة؛ قدرتي في وقت قصير تخليني أتقبل أقعد معاكِ على ترابيزة واحدة.
قالت آية ضاحكة:
- شكراً أوي يا إسراء، بس بلاش تقولي كلام حلو تاني بجد.
- سبنالك أنتِ الكلام.
لم تكذب إسراء فيما قالته. لقد بدأت تلك الفتاة تأخذ حيزاً من قلبها. غيرت القاعدة لديها إذ دخلت حياتها وجعلتها تحبها بسهولة وهي إسراء التي تبغض الاختلاط بالبشر. ثم قالت إسراء وهي تشير إليها بالفطيرة:
- كلي يلا بقى متعصبينيش.
وبالفعل بدأت آية تقطم قطعة من الفطيرة.
كان موعد المحاضرة فقامتا إليها. جلسنا هناك لمدة محاولتان تفادي مضايقات مروان. خرجتا بعدما انتهت المحاضرة ومُحيت آثار الحزن من على وجه آية. فنادتها إسراء ناطقةً اسمها. ردت عليها آية مستفسرةً فقالت إسراء:
- ماما...
تبدلت تعابير آية فأردفت إسراء:
- مش عايزة وشك يتقلب لما تسمعي سيرتها كده، أوعي تشيلي منها وسامحيها؛ دي أمك اللي جابتك للدنيا وليها فيكِ أكتر ما ليكِ في نفسك، ومستعدة تعمل أي حاجة عشانك. حاولي تتكلمي معاها في حاجات تانية واعملي معاها ذكريات كتير؛ عشان لما تسيبك وتمشي تبقي فاكرالها الحلو. كلنا بنغلط واحنا فاكرين إننا ماشيين صح، فمتقسيش عليها.
أردفت بحزن تعمق في صدرها منذ أعوام وهي ترى آية المرتبكة:
- صدقيني وجود مامتك في حياتك نعمة غيرك بيتمناها. غيرك يتمنى بس يلمح أمه في حلم.
لم تدرِ آية أن الغير الذي يتمنى تلك النعمة هي إسراء التي لم ترَ والديها قط. لكنهما يبقيان حاضرين في ذهنها في كل مرة تستمع لعمر وهو يحكي عنهما. يخبرها كم أحباها، كيف كانا حين حملاها لأول مرة، والكثير والكثير من الأوصاف والقصص، حتى بقيا طيفاً يزور أحلام يقظتها. تتخيل والدتها وهي تمسح على شعرها وتسرحه لها، تنتقي لها فستاناً جميلاً، تعانقها وتنام في حضنها، تخبرها كم تحبها. تتخيل أيضاً أباها، تتخيله يشتري لها هدية بمناسبة نجاحها، يأخذها من يدها كي يقضيا وقتاً ممتعاً بالخارج، يقبلها ويعانقها، وتتخيله يقف في وجه عمها، يحميها منه ويوبخه على أفعاله، ثم يأخذها من هنا لتفيق من أوهامها على صوت شجار عمها وزوجته أو صوته وهو يضرب ويستصرخ أخاها الذي يكون قد منعها من الخروج من الغرفة للدفاع عنه كي لا تُصاب بأذى.... وتبقى الأحلام أحلام.
---
خرج علي من عيادته ليقف تحت المبنى السكني الذي يسكن به منتظراً شقيقته عالية، لأن والدته اتصلت به تطلب منه أن يصطحب أخته إلى مدرسة ولدها حيث طلبوا منها الحضور لاجتماع أولياء الأمور. ستحضر ثم تأخذ ابنيها وترحل.
نزلت عالية ثم ركبت معه لينطلقا نحو المدرسة.
وصلا إلى المدرسة فبقي علي بالخارج ينتظر خروج الطفلين في حين دخلت عالية للتحدث مع المعلمين. استطاع علي سماع حوار دار بين أم وولدها باللغة الإنجليزية مع بعض الكلمات العربية التي تدخل في الوسط. كان الابن يحكي لوالدته عن يومه ثم تخبره أمه بأن عليه حل الواجب المنزلي عندما يصلان للبيت. تعجب علي من تحدثهما باللغة الإنجليزية رغم أنهما ليسا في محاضرة أو حصة لتعلمها.
ثوانٍ قليلة وخرج مصطفى ومنة فوجدا علي يقف في الخارج. تبعتهما عالية. سلم علي على الطفلين وهو يداعبهما، ثم أشار إلى الأم وطفلها سائلاً عالية:
- هو الواد مصطفى معاه عيل أجنبي في الفصل؟
نظرت عالية للولد ثم إلى علي وهي ترد مستغربة:
- أجنبي إيه ده سليم مصري عادي.
- يبقى أكيد أمه أجنبية؟
- لا خالص برضو، ليه يعني؟
سألها متعجباً:
- اومال بيتكلموا إنجليزي ليه؟
ضحكت عالية ضحكة قصيرة تبعها قولها:
- لا هو في فئة من البشر عاملين كده عادي، عقلية غبية فاهمين إن لما يتكلموا إنجليزي يبقى هم كده متحضرين، وأي حاجة بالإنجليزي تبقى أكيد أحلى من بالعربي. الولد هينبسط أكتر في الـ garden مش في الجنينة أو الحديقة، الـ water أكيد صحية أكتر من المياه، الـ sweets أكيد طعمها أحلى من الحلويات، والدين حاجة مش مهمة في حياتنا، يعني حاجة على جنب كده، لحد ما طلعوا جيل لا فاهم في لغته ولا في دينه، وبقوا شوية ناس تافهة بتدور على حاجات يتمنظروا بيها على بعض وخلاص. أنا بعلم ابني الإنجلش آه لكن لغته لازم يبقى ليها دور في تكوينه ويفتخر بيها وببلاغتها.
ابتسمت بحنين وهي تضيف عن زوجها الذي لها معه في كل موضع ذكرى:
- عارف، محمد دايمًا كان بيقولي كده، وإن أوعي تتكلمي معاهم إنجليزي كتير فينسوا لغتهم، وكان مهتم يأسسهم في دينهم صح. لما معاد درس أو تمرين يدخلوا مع معاد حصة قرآن كان يقولي القرآن أهم الغي الباقي أي حاجة تانية تتعوض، وكان بيحاول يدورلهم على مقاطع للتفسير تكون بسيطة لسنهم عشان ميبقوش بيحفظوا وخلاص، لحد ما بقوا مختلفين عن كتير من زمايلهم.
ابتسم علي وهو ينظر لها بحنان ثم قال مشاكسًا:
- لازم تدخلي سيرته في كل حاجة.
ما كان جوابها إلا أن رددت كلمات أبي نواس التي تمكنت من الغوص داخلها ووصف حالتها:
إذا ما الشوق أقلقني إليهو
ولم أطمع بوصل من لديه
خططّت مثاله في بطن كفّيو
وقلت لمقلتي فيضي عليه
بعد دقائق كانوا يجلسون في سيارة الأجرة حين قال مصطفى:
- آدم صاحبي اتخانق معايا النهاردة وقال إني غلطان وأنا مغلطتش.
أتاه رد والدته:
- ليه؟ احكيلي اللي حصل.
أجاب الولد ببعض السخط على صديقه:
- مفيش، هو كان واقف لوحده في الفسحة فقلت أخضه بهزر معاه يعني، قام زعل مني وكبّر الموضوع، وأنا معملتش حاجة، أنا كنت بهزر.
قالت أمه فاعلةً كما تفعل كل أم، تشير لأبنائها على الصواب، تعينهم وتفهمهم، ثم تطلقهم ليكونوا جاهزين على خوض الطريق:
- بس اللي أنت عملته غلط، مينفعش تخض صاحبك أو تخوفه لأن ده بيؤذيه، وكمان عشان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: 'لا يحلُّ لمسلمٍ أن يروِّع مسلمًا'، وإحنا دايمًا بنسمع كلام الرسول.
رد مصطفى متململاً:
- عليه الصلاة والسلام، بس أنا كنت بهزر مش قصدي حاجة، وهو محصلوش حاجة هو كويس.
- حتى لو بتهزر مينفعش، فيه آداب للمزاح.
- حتى ديه ليها آداب؟!
أجابت عالية بحنو وهي تمسح على شعره:
- طبعاً، كل حاجة في ديننا ليها آداب. آداب المزاح زي إنك متكذبش ومتقللش من حد أو تتريق عليه عشان تهزر، ولا تخوف حد. ديننا جميل فزينوا لنا الأدب والأخلاق وحسن التعامل، عشان تكسب محبة الناس في الدنيا، وأجر كبير في الآخرة.
قال مصطفى مقتنعاً:
- خلاص بعد كده مش هخض حد تاني.
- وتروح تعتذر لصاحبك بكرة.
- حاضر.
قالت عالية وهي تقبل رأس ولدها:
- شاطر يا حبيبي ربنا يرضى عليك.
أُعجب علي بذلك الحوار الذي دار بين شقيقته وولدها. كان يعرف تلك المعلومات لكنه يعرفها قولاً فقط. أما عملاً فلم يعمل بها. شعر بالندم وقد أدرك ما فعله. يحفظ الكثير منا الأحاديث والآيات، لكن.... هل يعمل بها؟
---
كانت هناء وابنتها عالية تتجهزان للذهاب لمنزل مي، بينما ذهب علي ووالده ليصليا صلاة المغرب في المسجد. انقضت الصلاة فعادا إلى المنزل ليصطحبا هناء وعالية. خرجت هناء من غرفتها فقال زوجها كمال مداعباً متغزلاً:
- أعمل إيه في الحلويات والسكر ده بقى؟
ضحكت هناء فقالت:
- بس يا راجل يا بكاش، بقى أنا حلويات؟
- طبعاً اومال إيه.
التفت لولده علي وأردف:
- قل لها حاجة.
قال علي غامزاً:
- حلويات طبعاً مش أم علي؟
قهقه الجميع على جملته أثناء نزولهم إلى السيارة.
وصلوا للبيت أخيراً، ثم دخلوا بعد ترحاب من العائلتين. بعد دقائق كان الجميع يجلس على مائدة الطعام وقلب علي يخفق وعينه ترجوه للنظر إليها وعقله لا يتوقف عن تخيل الأمر الذي تريده فيه مي. مر الوقت حتى صارا يقفان مع بعضهما، ومي تفتش عن شيء لتقوله. زاد علي من توترها حين سأل:
- كنتي عايزاني في إيه بقى؟
حاولت تكوين جملة مفيدة فكانت النتيجة أن قالت بلسان ثقيل متلعثمة:
- كنت عايزة أقولك... ككنت عايزة أقولك يعني... كنت عايزك في موضوع مهم.
- إيه هو؟
أدركت أنها لن تستطيع الكذب ولن تجني منه شيئاً فقالت:
- بصراحة أنا معنديش حاجة أقولها، أنا كلمتك عشان حسيت إننا مبنشوفش بعض تقريباً فقلت لازم نقعد مع بعض.
خجلت أن تعترف بأن والدتها هي من أجبرتها على إجراء تلك المكالمة، فقالت ما قالته مما جعل السعادة تنتشر بشكل هيستيري في جسده واتسعت ابتسامته حتى كادت تصل إلى أذنيه. هي تفكر به أيضاً إذاً! اطمأن بجوابها ذاك كثيراً فقد ساورته الشكوك بأنها مُجبرةٌ على هذه الخطبة. قال:
- تصدقي إن ده أحلى من أي موضوع تعوزيني فيه.
ثم أضاف مازحاً:
- إلا بقى لو طلبتي نخش على كتب الكتاب على طول.
انقبض قلبها من مجرد أمر عقد القران، مازالت لا تتقبل فكرة أنها ستتزوج. تحاول تجنب التفكير في هذا الأمر، فظلت -في لحظات الصمت التي تحتل حوارهما- تتفكر في شخصية علي. يبدو مرحاً لطيفاً، كيف يستطيع البقاء مبهجاً هكذا؟ تذكرت ما قالته والدتها عنه:
- هو غير إنه شاب محترم وبيتقي ربنا وبيحبك وعينيه فاضحاه، سحنته كده فيها حاجة مريحة، متفهميش ديه عينيه اللي محلياه ولا ابتسامته اللذيذة كده ولا نظرته اللي تحسيه أغلب الوقت فرحان، حاجة كده تتحس متتشرحش، واد يملأ العين والقلب كده بس أنتِ شكلك هتضيعيه بهبلك.
سألته فجأة:
- هو أنت إزاي مريح كده؟
سأل وهو يرمش بعينيه مستغرباً:
- مريح إزاي يعني؟
أجابت تفسر له:
- يعني اللي يبص في وشك يحس إنه مرتاحلك كده ويحس بالدفا.
رد وقد ندت منه ضحكة قصيرة:
- معرفش أنتِ شيفاني بطانية ولا إيه بس وشي مش أنا اللي متحكم فيه، ربنا اللي خلقه، ولو شايفة حاجة حلوة في وشي يبقى الحمد لله نعمة منه.
- طب هو أنت بتبقى على طول فرحان ومبتسم كده ولا ديه تهيؤات مني؟
- محدش بيبقى فرحان طول الوقت أكيد مهما كانت حياته حلوة لازم يتضايق ساعات ولو بقدر بسيط، بس إن أغلب وقتك يبقى فرحة ديه حاجة في إيد الإنسان نفسه مش حد تاني، بإنه يبص على النعم مش النقم، ويحقق الرضا مش السعادة؛ لأن السعادة شعور لحظي أما الرضا فهي الحاجة اللي هتستمر مع الإنسان حتى لو مفيش سبب للسعادة. أنا الحمد لله حياتي فيها نعم كتير أوي تخليني فرحان.
استطرد علي ضاحكاً:
- وبعدين ما طبيعي تشوفيني فرحان مش ببقى معاكِ؟
---
نزل عمر من وسيلة المواصلات التي ركبها وقد أصبح يفصله شارعان يعبرهما فقط ثم يصل إلى تلك الشقة مجدداً. يبدو ساكناً من الخارج وبداخله أمواج عاتية تكاد تغرق كل شيء، وذهنه يردد: هل بعد الفراق يا أمي لقاء؟
وقبل أن يخطو خطوته الأولى رآه.... إنه عمه إسماعيل!
ركض نحو الشارع بسرعة دون أن ينتبه للسيارة تعدو نحوه بشكل مفزع. استطاع في آخر لحظة وقبل أن يطير جسده ليسقط على الرصيف بسبب ارتطامه بالسيارة رؤية عيني قائدها الذي ينظر له بتحدٍ.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الرابع 4 - بقلم اية حسين
استيقظ "عمر" فوجد "إسراء" تستعد للذهاب للجامعة.
لمحته "إسراء" فاستوقفته تسأل مندهشة وهي ترفع يدها لتلامس كدمة تمركزت تحت عينه:
- إيه ده مالك في إيه؟!
تأوه "عمر" عاليًا بمجرد أن لمست يد "إسراء" وجهه ثم قال:
- شيلي إيدك.
أنزلت "إسراء" يدها وهي تسأل مذهولة:
- إيه اللي عمل فيك كده طيب؟
- مفيش، حادثة امبارح بالليل.
بمجرد أن سمعت إجابته المبهمة تلك بدأت تدق فوق رأسه بالأسئلة:
- حادثة إيه؟ وفين؟ وإزاي؟
- عادي يعني يا "إسراء" مش قصة، كنت ماشي في الشارع امبارح بالليل، عربية خبطتني.
- طب سلامتك.
أنهت جملتها التي قالتها بهدوء، ألح عليها سؤال ما وبشدة فقالت:
- أنت كنت فين امبارح بالليل صحيح؟
لم يرد إخبارها بما يخص والديهما فنطق منزعجًا:
- وإنتي مالك؟
نظرت له بخبث ثم قالت:
- وأنا مالي؟ هي بقت كده؟
تحولت لهجتها إلى الإصرار أمام إخفائه:
- طب أنا مش هحلك غير لما أعرف أنت كنت فين.
- كنت في مشوار عادي، شاغلة بالك ليه؟
دفعها قليلًا ليزيحها من طريقه قائلًا بتأفف:
- واوعي بقى خليني أنزل.
تحركت من أمامه بالفعل لكنها سألته:
- أنت رايح فين أصلًا؟ أكيد مش هتروح الشغل كده.
أجابها بعدم اكتراث وهو يخرج من الشقة:
- لا هروح عادي.
غضبت من فعلته تلك فنزلت خلفه لأنها كانت تستعد للخروج من الأساس، اعترضت طريقه قائلة:
- هتروح بمنظرك المتشلفط ده؟!
انزعج من تطفلها هذا فقال:
- متشلفط متشلفط مش مهم، خليكِ في حالك.
تركته "إسراء" يرحل والشكوك تملأ كيانها، لقد تغير أخوها مؤخرًا، تشعر أن همًا بات يجثم على صدره، وهيئته لا تجعله يبدو ذاهبًا للعمل، وقد يكون ذاهبًا للعمل بالفعل... لذا قررت السير خلفه، وإن وجدته في عمله سترحل دون أن يلاحظ، أما إن لم يحدث... فسيُجبر على إخبارها بكل شيء.
لم يذهب لعمله بالطبع، ما قد يفعل بذراعه تلك أصلًا؟! لكن هناك أمرًا يجب عليه قضاؤه.
وقف أمام الباب للمرة الثالثة، زالت الرهبة وأصبح يتمنى وجود مجيب له هذه المرة ليجد الخلاص.
ها هو يطرق الباب بلا إيجاد من يفتحه، عكف يطرق الباب فترة ليست بالقصيرة حتى سئم فقرر كسر الباب، لقد طفح الكيل ويريد الانتهاء من كل تلك الألغاز.
حاول دفع الباب بيده السليمة لكنه بالتأكيد لم يستطع، خاصة مع تلك الكدمات التي تؤلمه.
حاول قليلًا ثم جلس في زاوية ليستريح بعدما أُتعب ذراعيه المصابَين.
تأمل في حاله قليلًا، إن كان والداه على قيد الحياة، فلماذا تركاه وشقيقته؟ ما الذي جعلهما يتخليان عنهما؟ هو يحاول جاهدًا إيجادهما لكنهما هما من تركاه.
أصابه الغضب واتخذ قراره، لن يبحث عنهما مجددًا قبل أن يهم بالرحيل فيُباغت بـ"إسراء" تندفع نحوه وسيل الأسئلة يتدفق من لسانها:
- بتعمل إيه هنا؟ هو ده اللي رايح الشغل؟ أنت متجوز عليّ وديه شقتها صح؟!
أفاق من صدمته على أسئلتها فصرخ بغضب من غباء الأخيرة:
- متجوز عليكي إيه يا حمارة، إحنا أخوات أصلًا.
- هي بتبقى كده، لما واحدة بتقفش واحد في شقة يبقى متجوز عليها.
- لما بيتقفش في الشقة مش على بابها.
وضعت يدها على ذقنها وهي ترد:
- يبقى كنت بتحاول تسرق، ماهي دخلة كسر الباب ديه معناها إنك عايز تسرق.
- لا استني متسرحيش بيا... أنتِ إيه اللي جابك ورايا، مش المفروض عندك محاضرة؟
- ما أنا سبتها وقلت لازم أشوف أنت رايح فين عشان شاكة فيك، شكلك بتعمل حوار.
- حوار إيه يا بنتي، اطلعي من جو الأفلام ده، واحد صاحبي كان بقاله فترة مبيجيش ولا بيرد عالتليفون فجيت أطمن عليه.
رفعت "إسراء" حاجبها وهي تقول مستنكرة:
- فتروح تكسرله باب شقته؟
- قلت لك مليون مرة خليكِ في حالك.
لم يخبرها لأنه لم يردها أن تتعلق بحبال الشك وتُقيد بالظنون كما يفعل هو، لا يريد لها أن ترتفع بالأمل ثم تهوي بزواله.
فعل ما اعتاد عليه كل مرة، هو أنه يلملم جراحها غير مبالٍ بجرحه هو.
أثناء عودتهما نظرت له بتهكم قائلة:
- بقى أنت كنت عايز تكسر الباب بذراعك ده.
ثم صفعت ذراعه صفعة خفيفة تأوه عاليًا إثرها وهو يتمتم:
- حلوفة.
فُجعت عليه وهي تقول قلقةً:
- أنا آسفة... أنت كويس؟
بمجرد ما سمعت تألمه ندمت على ما فعلته وظلت تسب نفسها وغباءها، إنها لا تريد له أن يتألم.
رد عليها، لم يستطع منع ابتسامته من الظهور:
- هو أنتِ ضربتيني بالنار يعني إيه الأوفر ده؟
استفزها رده فقالت:
- الحق عليا إني قلقّت عليك.
استطردت وهي تهم بالرحيل:
- بما إنك كويس وعمال تستظرف كده، أتكل أنا بقى عشان أطلع على الكلية... سلام.
دخلت "إسراء" الكلية فنظرت لساعتها وجدت أن المحاضرة أوشكت على الانتهاء، لذا لا داعي للدخول وتعريض نفسها للإحراج.
انتظرت دقائق حتى وجدت "آية" تخرج لتقابلها سائلة بعدما ألقت السلام:
- إيه ماجيتيش ليه؟
- موضوع كده، ماتشغليش بالك.
همت أثناء تبادلهما الحديث ثم توقفت "آية" فجأة حين أقبلت عليهما فتاتان لم تعرفهما "إسراء" من قبل.
سلمت الفتاتان على "آية" ثم بدأت "آية" بتعريفهن على بعض قائلة:
- "إسراء" ديه "نهى" بنت خالتي، ودي "روان" صاحبتها، هما معانا في الكلية بس سابقينا بدفعتين.
ثم نظرت إلى "نهى" فقالت:
- ديه "إسراء" صاحبتي.
ابتسمت الفتيات الأربعة ابتسامات متكلفة مجاملةً، فلم تكن إحداهن تطيق الأخرى.
"إسراء" التي تمقت التعرف على ناس جدد، "آية" التي لا تطيق ابنة خالتها وتبادلها ابنة خالتها نفس الشعور.
جلسن يتحدثن قليلًا فقالت "روان":
- عاملة إيه يا "آية"؟ بقالي كتير مشفتكيش، احلويتي ما شاء الله.
أضافت "نهى" ابنة خالتها ضاحكةً متهكمةً:
- واتدورتي جامد ما شاء الله.
نظرت "روان" لـ"نهى" بلوم بينما فركت "آية" يديها متحرجةً، ورفعت "إسراء" حاجبها بتعجب من وقاحة الفتاة، وقد تعجبت أكثر من صمت "آية"، لمَ لا ترد وتريها قدرها؟! لكنها لم تقل شيئًا أيضًا، حاولت الصبر والتحلي بالحكمة.
استمر الحوار بينهن و"نهى" لا تتوقف عن إلقاء التعليقات الساخرة على أي شخص، حتى أنها أحرجت صديقتها حين سخرت من هاتفها القديم.
قالت "روان" محاولةً التلطف:
- بس أنا لاحظت إنك وسعتي لبسك يا "آية"، حاجة جميلة أوي ربنا يثبتك.
قبل أن تفتح "آية" فاها علقت "نهى":
- هو أنتِ فاكرة إنها لابسة واسع عشان ربنا وتقوى بقى وكده، ده بتداري تخنها ومنظرها اللي بقى عرة.
صمتت "آية" و"روان" تنظر لها نظرات نادمة وكأنها تعتذر بدل صديقتها الوقحة.
لم تحتمل "إسراء" الصمت والإيماء أكثر من ذلك فقالت بصوت عالٍ كعادتها:
- مش أحسن ما تبقى بتداري السم اللي جواها باللبس؟ ياريتك حتى فلحتي وعارفة تداريه، ده بسم الله ما شاء الله طافح من لسانك.
اشتعلت "نهى" غضبًا من قولها وشعرت أن جسدها يزداد حرارته من الانفعال فردت:
- لا أنا معنديش سم، ديه بس الحقيقة اللي هي مش متقبلاها، أنا مقلتش غير الحقيقة، بس أنتم اللي بتطبلولها.
- طب حقيقة بحقيقة بقى، أنتِ عندك نقص، حتى ده طافح عليكِ لدرجة إني قعدت معاكي عشر دقايق وعرفت، الله أكبر عليكِ ما بتستريش خالص، الدونية بتبظ منك، خليكِ عارفة بقى إنها هتفضل أحسن منك وأنتِ هتموتي بغلك.
ارتج جسد "نهى" من كلمات "إسراء" التي بدت لها كسِكّين حاد طُعنت به فصرخت بها:
- إيه التخاريف اللي بتقوليها ديه؟! أنتِ بجد واحدة بيئة ومش محترمة وأهلك ميعرفوش يربوكِ.
غلت عروق "إسراء" فقالت:
- أهلي دول أنظف من إن سيرتهم تيجي على لسانك.
حاولت كل من "آية" و"روان" تدارك الموقف بجرّ صديقتها والرحيل، وما كان رد "إسراء" على "آية" إلا أن قالت وهي تنظر لـ"نهى" بازدراء:
- هما اللي جولنا وهما اللي بدأوا بالغلط، يبقى هما اللي يمشوا.
ثم وجهت حديثها لـ"نهى" وصديقتها:
- يلا يا حبيبتي اتكلوا على الله.
فور أن رحلتا التفتت "آية" لـ"إسراء" بغتةً بحنق قائلةً:
- إيه اللي أنتِ عملتيه ده؟! ليه كده؟
ردت عليها "إسراء" باستغراب من رد فعلها:
- عملت إيه؟ دافعت عنكِ.
ثم التفتت "إسراء" إلى زميلتها تسألها بلوم:
- ثم أنتِ إزاي سايباها تاخدك غسيل ومكوة كده؟ منطقتيش ليه؟
- ما ده العادي بتاع "نهى".
علقت "إسراء" مستنكرة:
- ده العادي بتاعها توقفيها عند حدها.
- وهستفاد إيه؟
- هتستفادي إنك تردي كرامتك المتبعثرة ديه، هتستفادي إنها اتأذت بالكلام زي ما أذتك.
قالت "آية" تتصدى لعتاب "إسراء" بعتاب:
- وهل ده مبرر للي عملتيه؟!
أجابت "إسراء" حين رأت أن لا فائدة من محاولة إقناعها ببرود استفز "آية":
- آه.
اشتعلت "آية" غضبًا وشعرت بأن عروقها ستنفجر وهي تقول:
- لا مش مبرر، في حاجة اسمها نحتفظ بأخلاقنا حتى لو كنا مع مين.
ضحكت "إسراء" من "آية" ضحكةً قصيرة، تبدو رقيقة هشة حتى أثناء غضبها، تناولت هاتفها تعبث به بلا اكتراث بكلام "آية" وهي تقارن بينها وبين "آية" في ذهنها، إذ كانت "إسراء" دومًا تبدو قوية لا تعرف لرقة الفتيات سبيل، وآية اللطيفة الهادئة.
و"آية" لم تتوقف عن الحديث وقد تغيرت نبرتها قليلًا حتى صارت كأنها تندب:
- وبعدين ماما لو عرفت باللي حصل هتقعد تتخانق معايا وتقول لي إني على طول بفضحاها، وطبعًا "نهى" ما بتصدق تلاقي الفرصة عشان تبقى أحسن مني قدامهم، فهروح تقول لكل البشرية.
تفحصت "آية" وجه "إسراء" فوجدته ضاحكًا، فتساءلت بحنق:
- "إسراء" أنتِ بتضحكي؟!
أجابتها "إسراء" وهي لا تزال تضحك:
- أصل شكلك وأنتِ متشعننة كده يضحك صراحة يعني، بسكوتة حتى وأنتِ متعصبة.
لم ترد "آية" بل نظرت أمامها عابسة.
يوم ممل وكئيب بالنسبة لـ"مي"، لم تفعل شيئًا سوى الجلوس على الأريكة والعبث بالهاتف حتى وجدته يرسل لها، تلاشت كل ذرة ضجر أو غضب لديها، وفتحت رسالته لتجده يقول:
- وحشتيني على فكرة.
اتسعت ابتسامتها فأرسلت تمازحه:
- لو كنت وحشتك بجد كنت سألت عليّ ولا كلمتني، مش أنت اللي سايبني كده ومبتردش عليا؟
وما كان رده إلا أن أرسل:
- هو أنا اللي رحت اتخطبت؟
أصيبت بالضيق مما أرسل فردت:
- يا "كريم" أنا قلت لك مية مرة إن الخطوبة ديه أنا بسكت بيها بابا لحد ما تعرف تيجي تتقدم، أنت عارف إني لو كنت قعدت أرفض في العرسان كده بابا ماكانش هيسكت وكان هيجوزني أي واحد بالعافية.
- ماشي هعمل نفسي مصدقك.
- فكك من الموضوع ده بقى خلينا نتكلم على حاجة تانية، أنت عملت إيه في يومك النهارده؟
استمر حوارهما وهي تود له، قبلت كل حرف يرسله ولا تفارق البسمة شفتيها وقد طغت عليها حالة من السعادة عجيبة.
ليست خائنة بالتأكيد... أليس كذلك؟
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الخامس 5 - بقلم اية حسين
تمر الأسابيع أسبوعًا يتلو الآخر، وتتلون لنا الحياة بألوانها يوم أبيض مضيء ويوم أسود معتم، ويوم رمادي ساكن، ويوم زهري مفعم، وتبقى أرواحنا تتخبط بين هذا وذاك، نزعم أننا قادرون على مواجهة الشدائد وحدنا، ونحن كالأوراق في مهب الريح نسقط، ولا نقوم إلا حينما نتذكر أن نطلب العون من خالقنا فلا نقوم إلا بعونه.
تمشّت "إسراء" في كليتها فظهر لها ذاك المزعج "مروان" يستوقفها وهو يقول:
- بقى ينفع الجميل يقف لوحده كده؟
لم تعره اهتمامًا بل تابعت مسيرتها فأمسك ذراعها لكي توقف قائلًا وقد تحول للجدية:
- "إسراء" استني، أنا بجد مش فاهم أنا عملت إيه عشان آخد منك المعاملة ديه.
عادت "إسراء" للخلف وهي تسحب ذراعها من قبضته قائلة بتوعد:
- إيدك لتوحشك.
- طب ممكن بس تسمعيني، مش هاخد من وقتك كثير.
قررت سماعه لعله يريدها في موضوع مهم حقًّا فربّعت ذراعيها وهي ترد:
- اتفضل.
- أنا عارف إننا مابقالناش كتير نعرف بعض، بس عينيكِ ديه توقع أي حد الصراحة. أنا مش عارف ده حصل إمتى بس أنا حاسس إن أنا معجب بيكِ.
- و الله؟!
أومأ لها مجيبًا فقالت بجدية شديدة حملت الغضب في طياتها:
- وبعد الإعجاب؟
- يعني حاسس لو اديتينا فرصة نتعرف وتشوفي كده مميزاتي ممكن يبقى في بينا حاجة.
قالت في نبرة حملت الكثير من الاستهزاء:
- معجب بيا؟! وأديك فرصة؟! ويبقى في بينا حاجة؟!
وكانت الجملة التي حظت بأكبر قدر من الاستهزاء:
- ومميزاتك؟!
قال بإنزعاج من طريقتها:
- آه مميزاتي، أنا واثق إنك هتموتي ونرتبط أصلا بس بتثقلي.
أردف وهو يغمز:
- خلينا نتعرف بس وهتشوفي الدلع كله.
- نتعرف في أنهي إطار؟
لم يجبها فتابعت هي:
- بص يا لذيذ أنت جو نتعرف ونتصاحب والكلام العبيط ده أنا ماليش فيه ومبفهموش، معجب بواحدة وعايز تتعرف تروح تخبط على الباب سلام عليكم أنا عايز أخطب بنتكم، مش هتقدر تتجوز دلوقتي يبقى تتبط لحد ما تقدر، فياريت تتكل على الله من هنا.
أردفت تتوعده:
- ولو شفتك لازقلي في أي حتة ثاني ولا بتعمل حركة من حركاتك المتخلفة ديه هحفرلك قبرك بيدي.
اقترب صديقين لـ"مروان" فقال أحدهما بين ضحكاته:
- بهدلتك جامد.
رد عليه "مروان" ساخطًا:
- بس يالا.
أضاف ونظره معلق على "إسراء" التي وقفت بعيدًا:
- بس بتتقل على فكرة.
قال الثالث المنزعج من أفعال صديقيه:
- بتتقل إيه يابني أنت، سيبها في حالها يا "مروان" شكلها محترمة بجد.
قال الثاني والذي كان اسمه "فارس":
- محترمة؟! هو ده لبس ولا ديه طريقة كلام محترمة؟
أضاف عليه "مروان" فقال باسمًا:
- أسيبها ده إيه، ده أنا مش هحلها إلا أما تكون واقعة فيّ.
كانت "آية" تقف بالقرب منهما فاقتربت منها "إسراء" وهي تقول متأففة:
- عيل مستفز.
ردت عليها "آية":
- كنت واقفة قريب منكم وسمعت حبة من اللي اتقال، منطق الصحوبية ده بقى منتشر ومستفز أوي بجد.
قالت "إسراء" باستخفاف:
- سيبك منه أنا هزأته واديتُه اللي فيه النصيب... ولو جالي ثاني ههزأه ثاني.
لم يعجب "آية" ما فعلته "إسراء" وتفتخر به بل هي تراه لا يليق بها فقالت بعد تردد:
- بصراحة يا "إسراء" أنا شايفة إن اللي أنتِ عملتيه ده غلط.
تعجبت "إسراء" من قولها كثيرًا فسألت:
- إيه اللي عملته غلط مش فاهمة؟
- يعني... إنك تكلميه بالأسلوب ده وتقفي تتخانقي وتزعقي كده مش حاجة صح.
قالت كلماتها بتردد، تخشى أن يخونها التعبير فتصبح وكأنها تُنَظِّر وفي ذات الوقت لا تريد كتم النصيحة. أردفت تشرح:
- الإنسان المفروض يبقى عنده رُقي في التعامل مع الناس، حتى لو الشخص اللي قدامي مش كويس أخلاقي ليا أنا والمفروض أحافظ عليها حتى لو اتعصبت أو مهما حصل. و... والبنت بالذات لازم يكون عندها حياء، يعني صوتها واطي وكلامها راقي وعلى القد. وأنتِ الصراحة يا "إسراء" ماعندكيش أي حاجة من ديه في تعاملك مع أي حد.
- قصدك إن أنا بجحة وقليلة الأدب؟
فوجئت "آية" باتهام "إسراء" واندفاعها الغريب فأسرعت وكأنها تبرئ ذاتها من جرم ما:
- لا طبعًا أكيد مش قصدي كده!
كانت "إسراء" مغتاظة من كلام "آية" السخيف فقالت بعصبية لم تكن مبررة بالنسبة لـ"آية":
- اومال قصدك إيه بقى يا حلوة؟
- مش قصدي حاجة كل الموضوع إني شايفة حاجة غلط قدامي فمحبيتش أكتم النصيحة.
كانت "إسراء" لا تزال في وضع الهجوم و "آية" في وضع الدفاع.
قالت "إسراء":
- والله؟! يعني أنتِ شايفة إني لما أصد واحد زي ده صايع عايز يلعب بيا أبقى غلط؟
- أكيد لا، بس في طريقة أحسن تصدي بيها.
- طريقة أحسن؟ اللي هي إيه بقى؟ أقوله معلش يا حبيبي يا قمر أنت يا جميل يا كتكوت مبصاحبش ولاد؟
- لا كان ممكن تقولي بصوت واطي وتون صوت طبيعي مبصاحبش ولاد وتمشي على طول.
ثارت ثورة "إسراء" أكثر دون سبب منطقي وهي تقول:
- معلش بقى يا ست "آية"... أصلك واقفة مع واحدة بلطجية، ماشافتش تربية، وما تعرفش حاجة عن الرقة والرقي اللي بتتكلمي عليهم دول... هو ده اللي عايزة تقوليه صح؟
استنكرت "آية" رد فعلها بشدة، لمَ تهوِّل الأمر هكذا؟! قالت:
- "إسراء" هو في إيه بجد؟ مالك؟ مكبرة الموضوع كده ليه؟
- أنا بتاعة مشاكل يا ستي، وياريت تمشي بقى من هنا... امشي يا "آية".
رحلت "آية" بالفعل وهي تتمتم بكلمات تعجب واستنكار مما تفعله رفيقتها.
شردت "إسراء" بنظرها للأمام، أزعجها كلام "آية" كثيرًا، لم تقتنع أبدًا بأن عليها الصمت إن ضايقها أحدهم لأجل أخلاق وحياء وتلك السخافات، تذكرت أثناء شرودها زوجة عمها التي كانت لا تبرح تخبرها بكلام جارح بالنسبة لطفلة مثل: "أنتِ التربية ماعدتش عليكِ قبل كده؟"، "أنتِ جاية من الشارع أكيد"، "إيه البلطجة اللي أنتِ فيها ديه؟!" ولم تكن حينها إلا طفلة بريئة تتصرف بعفوية.
دمعت عينها عندما تذكرت ذاك اليوم حين كانت صغيرة وضربت زميلة لها في المدرسة حين رأتها تتنمر على فتاة أخرى ظلت تبكي، أتى أبو الفتاة التي ضربت لعمها بالمنزل، لأن عمها لم يُجِب طلب مدير المدرسة بالتأكيد.
جاء الرجل وأخذ يصرخ بعمها، ولم يُبكِها الآن إلا غيرتها من تلك الفتاة التي تمتلك أبًا يغضب من أجلها ويذهب ليردع من أذاها. غضب العم كثيرًا من أسلوب ذاك الرجل ومن "إسراء" التي وضعته في هذا الموقف الحرج فحبسها في غرفة مظلمة وهو يرغي ويزبد وزوجته تقول:
- أنا قلت إن ديه بت بلطجية وما اتربيتيش من الأول... أنا مش عارفة أبوكِ وأمك جابوكِ من الشارع ولا منين.
تذكرت كيف بكت طوال الليل بتلك الغرفة، ثم ابتسمت حين تذكرت وقفة "عمر" أمام الباب طوال الليل حين خرجت لحضنه، حينها أخذها لغرفتهما وعرّفها خطأها قائلًا:
- ماكانش ينفع تروحي تضربيها عشان هتطلعي غلطانة، كان المفروض تروحي تنصحيها وتتكلمي معاها بهدوء، ولو ماسمعتش كلامك تقولي للمدرسة، وكده تبقي عملتي اللي عليكي.
ردت عليه بصوتها البريء النقي:
- أنا مكنتش عايزة أضربها بس هي اللي عصبتني.
تبسم "عمر" ضاحكًا من قولها ورد:
- هي عصبتك؟! ماشي ياختي ابقي اكتمي عصبيتك بعد كده.
- حاضر.
ثم رفعت إصبعها وقالت في لهجة المحذر:
- بس لو فضلت تضغط عليّ أنا مش مسؤولة.
ضحك "عمر" مما تقوله وكذلك تبسمت "إسراء" الكبيرة وهي تتذكر الموقف.
- "عمر" هو أنت أكيد بتهزر صح؟
قالها "علي" غير مصدق لـ"عمر" الجالس على الكرسي في المقهى أمامه فرد عليه "عمر":
- لا مبهزرش.
قال "علي" بملامح وجه مذهولة:
- اومال إيه يعني؟ ما أصل أكيد الموضوع وراه أي حاجة ثانية غير إن أمك وأبوك صحيوا من الموت.
رد "عمر" بخفوت:
- أو ماماتوش أصلا.
رد "علي" قاطعًا:
- أكيد لا!
أردف وقد ارتخت أوصاله:
- بص هي تسعة وتسعين في المية اشتغالة.
كان هذا الحوار يدور بعد أن أخبر "عمر" صديقه "علي" بأمر والديه الذي يشك في وفاتهما، لقد سئم من التفكير في الأمر دون جدوى فأراد إخبار أحد بالأمر لعله يفكر معه ويجد حل، لم يجد إلا رفيقه "علي" ليخبره.
قال "عمر" مستنكرًا حين سمع قول "علي":
- والصورة؟
- فوتوشوب.
قال "عمر" ساخرًا:
- ديه ورق؟
- عادي مفيش حد بيغلب اليومين دول.
- والناس اللي سألتهم وقالوا لي إنهم شافوا أبويا واتعاملوا معاه؟
- مدفوع لهم.
كانت ردود "علي" بسيطة جدًا لكنها لم تقنع "عمر" إذ قال:
- والي عملها هيعمل كده ليه؟ ومين؟
- وأنا ايش عرفني يابني؟ أنا بتوقع لكن أنا قاعد معاك اهو معرفش حاجة.
صمت "عمر" للحظات ثم قال شيئًا، لكن "علي" لم يسمعه إذ وجده شاردًا ينظر أمامه، وتحديدًا إلى شيءٍ خلف "عمر".
في الوقت ذاته كانت "مي" تحدث "كريم" الجالس أمامها ببسمة شغوفة قائلة:
- وحشتني.
ثم أردفت:
- ومستنية أوي اليوم اللي نبقى فيه مع بعض قدام الناس كلها.
لم تصمت بل تابعت وقد تخلل الحزن صوتها:
- هو أنت كمان مستني اليوم ده؟
قال وهو ينظر نحو عينيها:
- طبعًا يا عيوني.
- طب ما بتيجيش ليه بقى عشان تريحني من اللي أنا فيه؟
كاد يرد لولا سمعها تستطرد:
- النهاردة كنا بنشوف الشقة... الشقة اللي المفروض إني هعيش فيها مع غيرك.
نزلت من عينها عبرة حيث قالت:
- أنا خايفة ده يحصل.... ده لو حصل أنا ممكن يجرالي حاجة يا "كريم".
قال بنبرة بدت دافئة حنونة تخمد النيران داخلها:
- مش هيحصل يا عيوني، صدقيني مش هيحصل.
لم تعبأ بما قاله على عكس عادتها إذ سألته والعبرات تنزل:
- "كريم" هو أنت شايفني تسلية؟! يعني واحدة خاينة وقذرة كده أتسلى بيها شوية؟
- أكيد لا! محدش يقدر يقول عليكِ حاجة زي كده.
زادت عبراتها وارتفع صوت نحيبها وهي تقول:
- "كريم" أنا بحبك ماتسيبنيش عشان خاطري أنا خايفة.
لا تعلم "مي" ما بها ولا ماذا حدث لكنها غير مرتاحة، تشعر بأن شيئًا سيئًا سيقع.
لم يدر هذا الحديث في ذات الوقت فقط بل في ذات المكان كذلك إذ كان "عمر" و "علي" يجلسان على الطاولة التي خلفهما كانت "مي" توليهما ظهرها لذلك لم تره، أما "كريم" فقد رآه لكنه لا يعرف شكله. أتاح هذا الفرصة لـ"علي" ليرى ويسمع كل شيء.
بدا "علي" ساكنًا وهو ينظر إليها دون أن تراه ودماؤه تغلي كحمم البركان، وقد غطت عينيه طبقة من وخز الدمع وكل ما يتردد في ذهنه هو: لماذا يا "مي"؟ لماذا يا من سهرتُ أدعو لأنال رضاها؟ لماذا يا من رسمتُها في أحلامي مرّات ومرّات؟ لمَ رفعتِني لأعلى سماء ببسمتكِ ثم أطرحتِني أرضًا بقسوة؟
نظر "عمر" خلفه ليعلم ما يشغل بال صديقه فاتسعت عيناه دهشةً مما رآه، تلك الفتاة التي سرقت لبّ "علي" وجعلته يفكر بها حين يستيقظ وحتى ينام! لم يحتمل "علي" المكوث أكثر من ذلك فقام وخرج من المقهى بسرعة خاطفة. قام "عمر" للحاق به وهو ينادي اسمه، سمعته "مي" يناديه حين قام فلطمت خدّها وقد أدركت أنها كُشِفَت وأن يومًا أسودًا سيمرُّ عليها.
مشى "علي" دون وجهة محددة و"عمر" يتبعه، حتى توقفا عندما اعترض "عمر" طريق "علي" بعد أن كان يسير خلفه. سأله "عمر":
- أنت رايح فين كده؟
أجابه "علي" وقد سكنت الحيرة عينيه العسليتين:
- مش عارف.
طال الصمت بينهما بعدها قبل أن يقول "عمر" ذاك الكلام التقليدي الذي يُقال في تلك المواقف:
- ماتزعلش نفسك عشانها هي ماتستاهلكش، أنت أكيد عارف إن أنت تستاهل واحدة أحسن منها مليون مرة، واحمد ربنا إنها اتكشفتلك وأنتم لسة في الخطوبة، مين يعلم ممكن يكون ده خير ليك وليها.
طلب منه "علي" الانصراف لأنه يريد أن يبقى وحيدًا، رحل "عمر" فهو يعرف صديقه، عندما يغضب يفضل الجلوس وحيدًا، يحلل الموقف ويفهمه ثم يقرر كيف يتصرف معه، كان ذلك أسلوبه المتبع منذ الصغر.
لم يرد العودة لمنزله فوقف في أحد الشوارع وطال شروده تطوف عيناه في كل اتجاه حوله بطريقة تجعله يبدو كمن يستطلع المكان لكنه في الحقيقة لم يكن يرى أو يهتم بأي شيء يحيط به.
يشعر الآن وكأنه كان على أرض ساكنة آمنة ثم اهتزت وزُلزلت فجأة، فسقط فاقدًا كل شيء، سقطةً كسرته وآلمته. كيف "مي"؟ تلك التي لا ترفع عينيها عن الأرض، كلامها قليل وإن تكلمت يكون صوتها خافت يوحي بقدر حيائها تـخـ... تـخـ... لا يقدر على نطق الكلمة في ذهنه حتى فكيف فعلتها هي على الواقع؟ كان دومًا يكرر أنه لم يرَ في حيائها وأدبها وخجلها فكيف؟
يصف حاله بشدة ما قال "فاروق جويدة":
«كان في عينيك شيء لا يخون.... لستُ أدري كيف خان»
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل السادس 6 - بقلم اية حسين
جلست تهز قدميها في توتر وزوجها يطمئنها متعجبًا من توترها.
قالت هدى وهي تلوِّح بيديها في انفعال:
- مش معقول الي بيحصل ده، إحنا بقالنا حوالي شهر ما دخلناش بيتنا.
أضافت ببعض التهكم:
- أصل عاملكم مفاجأة، هنغير جو يومين في فندق، المكان ده حلو نجربه، في مشاكل في الشقة.
ثم التفتت لزوجها تسأل وقد علا صوتها:
- هو أخوك ناوي على إيه بالظبط؟
قال إبراهيم محاولًا تهدئتها:
- يا ستي مش ناوي على حاجة، أنتي مكبرة الموضوع ليه؟
- يعني الي بيحصل ده عادي؟
- هو في حاجة غريبة طبعًا ما أنكرش، بس مش مستاهلة القلق ده كله.
في المساء زارهما إسماعيل، ولم يتوقف إبراهيم عن طرح الأسئلة بحسن نية، كما يفعل منذ شهر ولا يجد إجابة شافية عند أخيه.
أثناء جلستهم أتى إبراهيمَ اتصالٌ فقام ليرد.
حينها نظرت هدى لـ إسماعيل فسألته:
- أنت ناوي على إيه يا إسماعيل؟
نفى ادّعاءها قائلًا ببراءة زائفة:
- مش ناوي على حاجة.
قالت هدى بلهجة المُحَذِّر:
- اسمع يا إسماعيل، أنا مش عارفة أنت عايز إيه ولا بتعمل كده ليه. بس مهما كان الي هتعمله فهو مش من حقك لأن مش كل حاجة عاوزها بتاخدها. أخوك مش ذنبه إنه اتجوزني. ولا أنا ذنبي إني ما حبيتكش.
***
كانت آية تجلس داخل قاعة المحاضرات تتابع ما يُقال حين دخلت عليها إسراء ثم جلست بجانبها فدفعتها للجانب الآخر دفعةً يسيرةً مقصودة.
قالت آية بفتور فور أن لاحظت وجودها دون النظر إليها:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، نسيتي تسلمي.
لم تعلق إسراء فاستمر الصمت قبل أن تقول إسراء بنبرةِ العابث:
- بقولك يا ايوش.
لم ترد آية بل اصطنعت التركيز في المحاضرة.
لم تعرف إسراء إن كانت آية لاتزال غاضبةً منها أم أنها تركز على المحاضرة ولا تنتبه لها بالفعل، فقالت وقد التزمت الجدية هذه المرة:
- طب بصي، هو أنا آسفة على الي حصل امبارح، ما كانش المفروض أتعصب معاكِ كده ولا أعاملك بالأسلوب ده. أنا حتى معرفش عملت كده ليه.
صمتت هنيهة فاستطردت:
- رغم إني مش مقتنعة بكلامك أنا بعترف إني غلطانة في حقك وبعتذر لك.
مرت دقائق صمت وإسراء تترقب قولها بارتياب من صمتهت قبل أن تنظر لها آية ببسمة خفيفة ثم تقول:
- وأنا قبلت الاعتذار.
ثم مدت يدها للتصافحا علامةً للصلح.
ثم قالت وهي ترفع سبابتها:
- بس هنتكلم في الموضوع ده تاني على فكرة.
زفرت إسراء بضجر.
لم تكن تنتظر منها إلا اعتذار، وبهذا الاعتذار سامحتها وأزالت الخصام.
جميلة تلك الصداقات التي مهما تشاجر أطرافها يعودون وكأن شيئًا لم يكن. نغضب، نسيء الفهم، نقول لا حديث بيننا ثانيةً ثم ننسى كل شيء.
بدا رداؤها مختلفًا عن كل يوم، كانت ترتدي رداءً أبيضًا نُقشت الفراشات الزرقاء على أطرافه. تتكاثف الفراشات عند نهاية الرداء ثم تقل عند الوسط ثم تكثر مجددًا قرب الأكتاف، وارتدت شالًا أزرقًا بلون الفراشات أنزلته ليستر جسدها كعادتها.
أجابت ببسمة:
- آه، هو مختلف شوية عن الي متعودة ألبسه، شكله حلو؟
- قمر بصراحة، جديد؟
- أيوه.
ثم ردت على مجاملة إسراء بلطف.
شردت إسراء قليلًا تلك اللحظة، نظرت لـ آية، تلك الفتاة الرقيقة العفيفة، بريئة بسيطة لا يحتاج المرء للتكلف أثناء تواجده معها. تأملت إسراء فيما تلبس، رداء فضفاض بسيط لا يظهر مفاتنها وحجاب رقيق أنزلته على جسدها، لفتت نظرها الآن لشيء ما. لم تفكر إسراء يومًا بالحجاب. حين تنظر لـحال آية تستغرب، ترتدي حجابًا واسعًا بحق وتتصرف على أساسه ليس كالكثير من الفتيات المحجبات. هل يُشعرها بالضيق ربما من كونها أنثى أصلًا؟ كيف استطاعت المواظبة عليه وما الذي دفعها لترتديه بالأساس؟ ما هو الذي جعل آية ترتدي الحجاب ولم يجعل إسراء تلتفت له حتى؟
قالت فجأة:
- آية هو أنتِ إيه الي خلاكِ تلبسي الحجاب؟
استغربت آية من مفاجأة السؤال لكنها أجابت:
- عشان ربنا أمرنا بكده.
إجابةٌ بسيطةٌ سهلةٌ تلقائية، لكنها عظيمة، "لأن ربي أمرني بهذا". لم تتفلسف، لم تضف شيئًا من عندها، ترتديه لأن الله أمر! أن تفعل الشيء لأن الله أمرك به، أن تسلم له فلا تحاول التفلسف وإيجاد حلول حول هذا الأمر، لأن الحل ببساطة هو تنفيذ ما أمر الله، أن تنظر إليه من وجهة أن أحكم الحاكمين وأعلم العالمين قد أمر، فلا تحاول التشكيك في غرضه أو فائدته لأن عقولنا الصغيرة قد تعجز أحيانًا عن فهم الحكمة من الفرض أو النهي، ولأن لا حكم بعد حكمه، وهو يرى ونحن لا نرى، وهو يعلم ونحن لا نعلم.
ألحقت إسراء سؤالها بسؤال:
- ماشي يعني أنا قصدي لبستيه امتى؟ يعني امتى الوقت الي قررتي إنك لازم تلبسيه؟
- في الوقت الطبيعي الي المفروض ألبسه فيه، أول ما بلغت.
- لبستيه وأنتِ صغيرة قوي كده على طول؟!
رفعت آية كتفيها فقالت:
- ما كنتش صغيرة قوي كده أنا كنت بلغت فده طبيعي.
- ما بتحسيش ساعات إنك مش عاجبك شكلك ولا إنه مكبرك ومغطي جمالك مخلياكِ شاذة عن الي حواليكِ وكده؟
- زمان وأنا صغيرة، دلوقتي أنا اتعودت عليه فخلاص.
شردت إسراء تبحث داخل عقلها عن سؤال آخر لتتضح الصورة الكاملة، كيف تفكر فتاة كـآية بحجابها؟ وما الذي يدفعها باستمرار لترتديه؟ لمَ تحاول المعرفة؟ هي لا تعلم، لقد شُدت لمظهرها الذي لم تفكر به منذ عرفتها فجأةً ودون سبب.
تكلمت آية تكمل بعد أن شعرت بأن إسراء تريد إجابات أكثر فقالت:
- بصي هو أنا أول ما لبسته كنت متضايقة منه أوي ومش عاجبني خالص، وكل أما أشوف بنات صحابي أحس إني أكبر منهم عشان لبسي، عشان كان مفروض عليّ من أهلي من الأول ما ألبسش أي حاجة ضيقة أو تبين، عكس أغلب بنات سني الي كانوا حتى الي اتحجبت منهم بتبقى لابسة ضيق وكده عشان لسة في الأول. كنا خناقات كل يوم تقريبًا على موضوع لبسي، كنت دايمًا بحاول أقنعهم إنه لو البلوزة قصرت شوية والبنطلون ضاق حبة مش هتبقى مشكلة، ولما ما يرضوش أقلبها عياط.
أردفت تسخر من نفسها:
- كنت هبلة شوية.
تابعت حديثها بحب وهي تذكر دور والديها:
- بس عارفة الحلو إيه؟ إن أهلي ما وافقوش إني أضيق لبسي أبدًا مهما كنت بعيط وأتخانق وأستعطف. كنت بتضايق أوي، بس دلوقتي ديه أكتر حاجة بشكرهم عليها عشان لو كانوا سابوني ألبس الي عايزاه كان هيبقى صعب أوي أوسع لبسي بعد كده، عشان كنت هبقى اتعودت وصعب الإنسان يغير حاجة اتعود عليها، لكن دلوقتي هو سهل جدًا عليّ عشان أنا لابساه من وأنا صغيرة فاتعودت.
استغربت إسراء حديثها، كان لباسها واسعًا لا يليق بفتاة في الثالثة عشرة.
قالت:
- يعني أنتِ لبسك كده من وأنتِ صغيرة؟
- آه، بس الطرحة كانت أقصر شوية.
تشعر آية بامتنان كبير لوالديها لأنهما لم يجعلاها ترتدي ما تهواه في مراهقتها إذ كانت تعلم أن هناك نوعٌ من الحب لا يتضمن الكلام، إنه حين يريدك مُحبك في أحسن صورة لك، يريدك دومًا إلى الله أقرب، يريد أن يلقاك في الجنة، فيدفعك دفعًا للطاعات، قد يخلق هذا الدفع بعض المشاحنات، وقد يكون هذا النوع من الحب خانقًا أحيانًا إن زاد عن حده، لكنه يبقى من أجمل صور الحب.
تساءلت آية، لماذا فتحت إسراء ذاك الحوار؟ هل تفكر بالحجاب؟ بدا الحماس عليها فجأة واحتلت محيّاها أمارات البهجة وهي تسأل:
- إسراء هو أنتِ بتفكري في الحجاب؟
لا تملك إسراء إجابةً محددةً الآن، لقد قفز السؤال إلى بالها فجأة.
أجابت:
- مش عارفة، يعني أنا عمري ما فكرت في الحجاب ده في حياتي أصلًا، يعني ما حدش قال لي قبل كده البسيه، عمري ما حسيت إنه مهم ولا إنه هيفرق في حاجة.
فور أن أنهت جملتها أتاها ردُّ آية قاطعًا:
- مهم جدًا طبعًا، ده فرض عليكِ كمسلمة، ومن غيره بتاخدي ذنوب كتير.
هزّت إسراء كتفيها ولم تعلق. تفكرت في حالها، لم يقم أحد بتعليمها أساسات دينها، حتى الصلاة تعلمتْها في المدرسة. شعرت بغصة حين تذكرت كلام آية عن والديها، هل كانت ستصبح أفضل حالًا إن كان والداها هنا؟
***
استيقظ علي على صوت ابنة شقيقته تحاول إيقاظه وتربت على كتفه بيديها الرقيقتين ليصحو.
حين فتح عينيه ورآها ابتسم، تحمل تلك الكائنة الصغيرة كمًا كبيرًا من اللطافة تجبر الإنسان على الابتسام فتجعله يذعن لها. أحيانًا أو ربما كثيرًا تكون مزعجة كثيرة البكاء تجعل علي يلعنها ويلعن شقيقته التي ولدتها في ساعة واحدة لكنه سرعان ما يعود ليُقَبِّلها ويعتذر لها حين يرى أمارات الحزن على محيّاها، تلك الطفلة لديها سحر!
قام من سريره، فعادت إلى ذاكرته تفاصيل ما حدث بالأمس، فأصيبت دماغه بالصداع. مشى بخطوات متثاقلة حيث الحمام، لمَ يبدو المشي أصعب؟ هل هو الغم حين يثقل صاحبه؟ لمْ يجلس كثيرًا في البيت بل نزل فورًا إذ كان متأخرًا على عمله في العيادة.
في طريقه للذهاب، ظلَّت الذكريات ترن في رأسه كذُبابة مزعجة، أول مرة لقيها فيها، أول مرة اخترقت ابتسامتها حواجز قلبه، أول مرة سحرته عيناها، أول مرة... أول مرة... سخر من نفسه، ما تلك المشاعر إلا وهم. كانت هي تتجول بعقله وقلبه وتعبث بهما بحرية، أما هو فلم يتعدَّ حدود الهواء الذي يفصل بينهما.
نزل من وسيلة المواصلات وهو يتشمم رائحة الدخان القوية التي تنبعث من المبنى الذي يحترق هناك. لم يهتم في البداية، لكنه كلما اقترب خطوة من حيث تكون عيادته زادت الرائحة وبدا الدخان أقرب. وصل حيث العيادة فصُدم بالحقيقة. إنها عيادته التي تحترق!
وجد الرجال يحاولون إطفاء النار بسطول الماء فأخذ سطلًا من أحدهم وتحرك معهم وقد شعر أن النار تشتعل في قلبه كذلك. والنساء والأطفال الذين يشاهدون المنظر من بعيد يصرخون ذعرًا. كانوا على هذا الحال حتى أتت الإسعاف والمطافئ لتلملم هذا الشعث.
***
كان عمر في طريقه حيث عيادة علي بعد أن انتهى من عمله، يريد أن يقضي معه يومًا لطيفًا علّه يخفف عنه ويلهيه عن ألمه. يعلم كم بلغ حبه لـ مي. كان يبدو أحيانًا في حبها كبطل قصة رومانسية، مما يدعو عمر للتعجب. تذكر كيف كان عندما وافق أبوها عليه، أخذ يركض ويصيح كطفل وكأنه بتلك الطريقة يعبر عن السعادة بداخله التي قد تؤدي لانفجاره.
أراد أن يقول له: «إنجازٌ عظيمٌ أن تقوم من سريرك، أن تحاول من جديد، أن تكمل حياتك وتشُق طريقك، رغم ما بك من شعور بالخذلان. أنا فخورٌ بك! قد يبدو هذا الحدث عظيمًا وقد تسبب في شرخ كبير في قلبك ثم تعمق حتى كسره، لكنه سيخف وتخف وطأته، وإن بقى هناك منزويًا في ركنٍ صغيرٍ داخل قلبك، فاصبر. اصبر واعلم أنني هنا من أجلك. وأنني فخورٌ بك».
لكنه لم يعرف كيف يصوغها فلم يقل شيئًا.
عندما وصل هاله المنظر، فقد كان المبنى الذي به العيادة أسودًا مدمرًا ممتلئًا بالرماد وكأن بركانًا قام فيه منذ دقائق. وبعض الناس مجتمعة تتطلع نحو هذا الشاب الذي يجلس على الرصيف متحسرًا. لقد كان علي.
اقترب منه عمر وسأله فَزِعًا عمّا حدث، أجابه علي بصوت مرهق ونبرة يملؤها التحسر:
- زي ما أنت شايف، ولعت باللي فيها.
جلس عمر بجانبه وهو يفرش أسئلته:
- أيوة يعني إيه الي خلاها تولع؟ أنت كنت جوة ولا إيه الي حصل؟ في حد جراله حاجة؟ اديني التفاصيل.
- معرفش أنا جيت لقيتها بتولع، لقيت الرجالة بيحاولوا يطفوا بجرادل مياة لحد ما جت الإسعاف والمطافي أخذوا الممرضة والاثنين الثانيين الي كانوا جوة المستشفى وطفوها.
- وأنت سليم ما جرالكش حاجة؟
رد علي بتذمر لغباء سؤاله:
- ما أنا قاعد قدامك اهو.
كان علي يندب حظه قائلًا:
- ده أنا كان بقالي سنين بحلم باليوم الي هفتح عيادة فيه، وأول ما أفتحها تولع، ديه كانت يا دوب بدأت يجيلها ناس.
ابتسم علي متهكمًا من حاله، بالأمس يكتشف أن خطيبته العزيزة تخونه، واليوم تحترق عيادته التي كثيرًا ما حلم بفتحها. صدق العرب حين قالوا أن المصائب لا تأتي فُرادى.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل السابع 7 - بقلم اية حسين
دخل الغرفة التي يحبس بها زوجته وعيناه تتقدان، فور أن دخل وجدها تنزل لتقبّل قدمه وهي تترجاه وتبكي بشكل هيستيري قائلة:
- أبوس رجلك أخرجني من هنا... أخرجني وصدقني مش هعمل اللي عملته ثاني، والله ما هعمل حاجة... أخرجني وهفضل تحت رجليك.
لكن "إسماعيل" بعض الشيء لكنه لم يظهر هذا بل قال متعمدًا إظهار البرود:
- إيه اللي يضمن لي؟
نظرت له "شيرين" بتساؤل إذ لم تفهم قصده فقال:
- إيه اللي يضمن لي إنك ما تعمليش كده ثاني وتفضلي تحت رجلي؟
بدأ بصيص من نور الأمل يتسرب إليها فعادت إلى توسلاتها بقولها:
- خد كل الضمانات اللي أنت عايزها، اللي تؤمر بيه بس سيبني أخرج.
- يعني ماعندكيش.
قال "إسماعيل" جملته ثم غادر الغرفة مغلقًا الباب خلفه.
عادت "شيرين" تجلس في إحدى زوايا الغرفة بيأس، من يرى "شيرين" زوجة "إسماعيل" التي تنفق جل مالها في التزين وتشتري كل ما أمامها من مساحيق تجميل ومعطرات وأدوات، وقد بدت أصغر بكثير من عمرها، لن يتخيل أنها هي نفسها التي تجلس على الأرض منكمشة وقد أحاطها الشعث، أعرضت عنها كل مظاهر الجمال الذي كانت تتمتع به من قبل، بات شعرها الناعم مشعثًا، وعيناها المكحلتان المرسومتان بدقة متورمتين من كثرة البكاء.
تشعر أن فناءها سيكون بين الأربع جدران، لم تغادر الغرفة منذ مدة طويلة، حتى باتت تحس بأن الجدران تنغلق وأن الغرفة تضيق عليها، ليست غرفة بل هي زنزانة!
بجانب ضيقها وقهرها في زنزانتها، كانت تشتعل من الداخل غيرةً على "إسماعيل". تعلم أنه يحب "هدى" منذ زمن وأنها هي حبه الأول، لكنها ظنت أنه نسيها بحكم أن شقيقه تزوجها، حاولت كثيرًا تعويضه عن كل ما مرَّ به، لكنه لم يكن كافيًا لينسى، كانت تحاول أن تحدثه برقة كي يرى أنوثتها، تتزين دائمًا من أجل أن يراها في أبهى صورة، لم تكن تكثر من التزين في صغرها قبل أن تعرفه بل كانت بسيطة ولا تهتم بمظهرها، لكن الجميع الآن يعرفها بصورة المرأة التافهة التي لا تتقبل كونها كبرت في السن وهي فقط تحاول إرضاءه علّه يراها جميلة وينسى "هدى".
لم يرَ كل هذا بل كان متيمًا بـ"هدى" حتى أنه فاتحها في أمر حبه لها قبل مدة قصيرة، وهي زوجة أخيه!
في الخارج كان "إسماعيل" شاردًا في الفراغ، قد يكون قاسيًا مع "شيرين"، "عمر" و"إسراء" لا يستحقان هذا من عمهما، هو يعلم أنه مخطئ في حق هؤلاء الثلاثة، لكنه لم ولن يسمح لأحد أن يخرب عليه انتقامه. ينتقم من أخيه... ومن "هدى"... ومن كل ما يقف في طريق انتقامه. على الأقل ترك له ابنيه أحياء، إن هذا أقل شيء يمكن فعله أمام من جرحته واختارت أخاه... وأمام من قتل ابنه!
∆∆∆∆∆∆∆∆∆
- "عمر" هيبقى إيه رأيك لو أنا اتحجبت؟
كان سؤال "إسراء" مفاجئًا فالتفت لها "عمر" وقد احتلت وجهه علامات الاستغراب. قال:
- إيه السؤال ده؟
- إيه؟ بسألك لو أنا اتحجبت أنت هتكون حابب الموضوع ولا لا؟
- أشجعك على ده طبعًا، بس إيه اللي خلّاكِ تسألي السؤال ده فجأة؟ أنتِ ناوية تتحجبي؟
- مش عارفة، هو أنا بس جه في بالي الفكرة دي الصبح قلت أسألك أنت إيه رأيك.
سكنت الحيرة عيني "إسراء"، فهي الآن كمن تكتشف شيئًا جديدًا. ليس الشيء الذي تكتشفه "إسراء" جديد، لكنه يظهر في طريقها هي للمرة الأولى، كانت تعلم بوجوده لكنها لم تلمسه، بل لم تفكر فيه من الأصل.
شغل سؤال "إسراء" حيزًا من عقل "عمر". لاحظ الآن، لم يعلمها من دينها شيئًا، حتى الصلاة تعلمتْها في المدرسة. هو تائه يحتاج لمن يرشده مثلها! يشعر الآن أنه مخطئ مقصر.
كيف لا وقد ترك شقيقته لا تعلم شيئًا عن أمور دينها؟! أهم شيء في دنياها وآخرتها، ربما لأنه هو أيضًا لا يعلم، لم يكن إلا طفلًا وحيدًا يتألم لفراق أبويه ويقوم بدور الأب والأم لشقيقته.
تخيل وجه "إسراء" بالحجاب، وجهًا ملائكيًا جميلًا، صغيرته جميلة في كل أحوالها، هكذا قال داخل نفسه. لكنها ستكون أجمل حين تتقرب إلى الله.
∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆
سكن الوجوم محيَّاه وهو ينتظرها تنزل إليه، رأته بعينيها الدامعتين فوقفت أمامه. لا تقدر على رفع عينها في عينه، كان الشعور بالخزي يحاوطها ويخرسها. قال "علي" بعد صمت استمر طويلًا:
- اتكلمي.
ردت "مي" بخفوت:
- أتكلم أقول إيه؟
قال حانقًا:
- قولي أي حاجة، اعتذري برري، قولي لي يا "علي" أنت فاهم غلط استنى أوضح لك... أي حاجة.
- بس أنا ماعنديش حاجة أقولها.
زاد صمتها من قهر "علي"، لو كانت اعتذرت أو بررت أو استبقته لفهم أنه يعني لها أي شيء، لكن صمتها هذا جعله يتوهم أنها تقول له:
- هاتِ ما عندك من عتابٍ وارحل ولا تضيّع وقتي معك.
قالت "مي" بعين هَتون:
- أنت دلوقتي أكيد شايفني واحدة حقيرة وقذرة وده حقك، أنا ما أقدرش أقول لك أي حاجة، وأيًا كان اللي هتعمله معايا أنا ما أقدرش ألومك عليه، فلو عايز تشتمني أو تفضحني أو تعمل أي حاجة اتفضل.
بدت عيناه لامعة، لكنها زائغة، تدور حوله ولا تثبت، لكنها ثبتت بغتةً وهو يقول:
- أنا أكيد مش عايز أعمل حاجة من دول.
حمل صوته وهو يستطرد انهزامًا... انهزام من أكثر المعارك التي وثق بالنصر فيها:
- أنا بس حبيتك... حبيتك بجد، واللي أنتِ عملتيه ده خلاني أتعلم الدرس، إني ما أحبش حد بجد ثاني.
زاد صوت نحيب "مي" حين قالت:
- صدقني أنا ماكنتش عايزة أجرحك ولا عايزة أؤذي حد، أنا بس حبيته.... حبيته بجد.
كانت آخر كلمتين قالتهما سهمًا اخترق قلبه وتوغل فيه.
خلعت دبلتها ثم أعطتها له وهمَّت بالانصراف فناداها، التفتت لترى ما يريد وجدته يقول بانكسار:
- هو أنا عندك رخيص أوي كده؟
لم تجبه بل رحلت مهرولة من أمامه فتأكد أن الإجابة "نعم".
دقائق مرت ثم صعد حيث شقتها لينهي مع والدها كل شيء.
∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆
- يا بنتي ما تجربيهاش مش هتخسري حاجة!
كانت تلك جملة تلفظتها "آية" وهي تمسك بشالٍ تحاول إقناع "إسراء" في دورة المياه بأن تجربه، ظلّت تفكر بكلام "إسراء" الذي قالته منذ فترة فقالت: أحضر معي شالًا علها تتشجع حين تجربه. قالت "إسراء" بسخرية:
- "آية" أنا كنت بتكلم عادي أنتِ زودتيها ليه؟
- عادي عايزة أشوف شكلك بيه بس.
ثم كررت حديثها قائلة:
- البسي الطرحة يا "إسراء" واقلعيها على طول عادي.
اقتنعت "إسراء" بارتداء الشال لدقيقة بعد كثيرٍ من الأخذ والرد فزفرت ثم سمحت لـ"آية" بلَفِّهِ لها.
إحساس غريب أحسّت به حين طالعت وجهها في المرآة، لم ترَ أن جمالها ازداد، بل هو شيء أعمق، كانت تستشعر شعورًا جديدًا لم تشعر به من قبل، ولم تجد له كلمةً تصفه به في معجمها. إحساسٌ غريب... لكنه جميل.
لم يكن شكلها أجمل، لكنه ربما أضاف إليها مظهر الرقة والوقار، وكأن هالةً أحاطت بها تحميها من الأعين وتضيف لها رونقًا خاصًّا، وإحساسٌ غريب... لكنه جميل.
اخترق صوت "آية" أذنها فأيقظها من سرحانها حين قالت "آية":
- الله يا "إسراء" بجد الحجاب محليكِ ومديكِ شكل مختلف أوي. أنتِ لازم تتحجبي.
توترت "إسراء" قليلًا من جملة "آية" الأخيرة. خلعت الشال فأعطته لرفيقتها ثم رحلتا من دورة المياه. لم تكن المرة الأولى التي ترى "إسراء" نفسها فيها بالحجاب، كانت تصلي به لكنها لم تدقق بل لم تنظر لشكلها أثناء ارتدائه، كل ما كانت تفكر فيه حينها- للأسف- كان أن تقضي الصلاة بسرعة كي تفعل ما تود فعله بعدها. التفكير فيه من ناحية أنها سترتديه أمام الجميع كان له وقعٌ مختلفٌ كذلك.
خارج أسوار الكلية، حين ودعت الديقتان بعضهما، ومشت كلٌ باتجاه، ظهر أمامها الكائن اللزج المزعج "مروان" مرةً أخرى.
قفز أمامها من العدم فقال:
- ازيك يا "إسراء"؟
أجابت بحنق:
- زفت زي وشك أوعى من قدامي.
حاولت تخطيه لكنه اعترض طريقها ثانيةً:
- يا خاطفة القلب ومعذباه.
كان يبدو اليوم غير طبيعي، أو به شيء غريب، لذا لم تتحدث "إسراء" كثيرًا بل ابتعدت من أمامه فورًا، فلاحقها حتى أمسك بها واستطاع تثبيت ظهرها على الجدار حيث أحاطها بذراعيه، حاولت التسلل بسرعةٍ من أسفلهما لكن طول قامتها لم يساعدها. قال بحقدٍ قفز من عينيه:
- أنتِ ليه مش عايزة تفهمي؟
لم تجب بل ظلَّت تحاول التملص منه، تابع "مروان":
- ليه مش عايزة تفهمي إني بحبك؟
ارتخت نبرته وطلّ الحزن من عينه وهو يقول:
- أنا بحبك ونفسي ترضي، بس أنتِ في كل مرة بترفضيني، وبتجرحيني. هو أنا أستاهل منك كل ده؟
ردت "إسراء" بغضب مشتعل من مشاعره المرهفة في غير وقتها:
- أيوة تستاهل... ابعد عني بقى... وبعدين ما تتجرح ولا تتنيل أنا مالي أنا؟!
جاء رجل فجأةً حين رأى ذاك الفتى يحيط بالفتاة المتضايقة منه ليطوق "مروان" ويسحبه بعيدًا تاركًا الفرصة لـ"إسراء" لتهرب وهو يطلق الكثير من الشتائم على هذا الجيل الفاسد، لكن "مروان" استطاع التملص منه بسرعة إذ كان الرجل مسنًّا ولا تعادل قوته قوة فتىً في بداية شبابه. لحق "مروان" بعدها بـ"إسراء" التي ركضت قليلًا حتى دخلت عمارة سكنية صغيرة فصعدت بعض درجات من السلم، أمسك بها من ثيابها، فحاولت هي إنزال يده صارخة:
- إيدك يا حيوان.
لم يتركها ولكن دفعها بشدة أثناء صراخه:
- بطلي بقى بطلي.
كانت الدفعة قوية فسقطت إثرها من فوق السلم على الأرض إذ لم يكن للسلم سور أو سياج ليصطدم رأسها بصخرةٍ حادةٍ وُجدت ملقاةً على الأرض.
∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الثامن 8 - بقلم اية حسين
وصل غضب والدة "علي" منه إلى حدٍ كبير، ترك خطيبته فجأةً دون سبب واضح! أليست تلك التي كانت أقصى أمانيه أن يوافق والدها عليه، حين أصبحت بين يديه يتركها!
كانت تشعر بالحزن عليه أيضًا، ما شعر والدها من شعور إلا شعرته معه، تعلم ما في قلبه أكثر منه، وتعلم كم هام بحبها، تستطيع لمس الأسى في نبرته واستشعار الحزن المطلّ من عينيه.
خرج "عمر" متحججًا بأنه ذاهبٌ لدورة المياه إذ أراد أن يتركهما وحدهما.
قالت أمه:
- مش ناوي تحكي لي بقى إيه اللي حصل؟ مش أنا أمك وأنت على طول بترجع تحكي لي في الآخر؟
أغمض عينيه بقوة ثم فتحهما فقال:
- للأسف يا أمي مش هقدر أحكي لك المرة دي.
صمد "علي" أمام إلحاح أمه وأسئلتها التي كانت إجاباتها جارحةً له وفاضحةً لخطيبته السابقة، كيف يخبرها أنه لقيَ خطيبته تجلس مع شاب ويتغزلان ببعضهما؟!
لم تجد منه إجابةً بعد سؤالها فقامت بعدما قالت:
- ماشي يا "علي"، عمومًا أنت بتفضل تخبي بس ما بتقدرش وبتجيلي في الآخر.
بعد قليل...
أغلق "عمر" هاتفه ليركض نازلًا من الشقة فتبعه "علي" دون أن يعلم ماذا قيل في تلك المكالمة ومع من ليفزع "عمر" ويركض هكذا.
***
كان "عمر" يهرول بين ممرات المستشفى و "علي" يتبعه، حتى توقف "عمر" -وتوقف بالتبعية "علي"- في ممر تراصت غرف المرضى على جانبيه، كما تراصت بعض الكراسي ملتصقةً بالحائط، كان الممر حيث تجلس فتاةٌ ممتلئة الجسم برداءٍ محتشم ووجه منكمش من الذعر. كانت تلك "آية".
نظر "عمر" حوله بحيرة، أين "إسراء" الآن.
قامت الفتاة وسألته:
- أنت أخو "إسراء"؟
أجابها بـ"نعم" فبدأت تقص عليه ما حدث بدايةً من عندما فاجأ "مروان" "إسراء" فتبعتهما "آية" خلسةً إذ لم تكن ابتعدت كثيرًا، حاولت مناداة أي شخص من المارة فلم يستجب أحدٌ لها سوى ذلك الرجل الذي استطاع "مروان" التملص منه، انتظرت بعد ذلك حتى رحل "مروان" ثم اقتربت من جسد "إسراء" الذي تجمهر حوله الناس ينظرون إلى تلك الشابة التي دفعها شابٌ من فوق السلم، نقلوها للمستشفى ثم أجابت "آية" على اتصال "عمر" لهاتف "إسراء" الذي كانت تحاول فتحه لإبلاغ أيٍّ من أهلها.
جاء الطبيب حينها وكان أول شيءٍ سأله "عمر" إن كان بإمكانه الدخول لها.
أجاب الطبيب:
- أيوه بس...
لم يعطه "عمر" الفرصة ليكمل جملته بل كرر سؤاله بحدة زائدة:
- ينفع أدخل لها؟
أدرك الطبيب أن "عمر" لن يهدأ ويسمعه إلا حين يدخل لها فأشار له بالدخول دون أن ينطق.
دخل "عمر" فتطلع كلٌ من "علي" و "آية" إلى الطبيب يستعلمان عمّا حدث لـ"إسراء".
قال الطبيب:
- للأسف، هي وقعت وقعة شديدة على مركز الإبصار في المخ عندها وده أدى لأنها فقدت البصر.
كانت الإجابة صادمة، فعادت "آية" للجلوس على الكرسي إذ لم تحملها ركبتاها بعد المصيبة التي فجرها الطبيب مستمرةً في بكائها الصامت.
سأل "علي" ملتمسًا الأمل لرفيقه وشقيقته:
- طب هو ما ينفعش يرجع بعملية أو حاجة؟
أجاب الطبيب نافيًا ليزيد من خيبته.
شعر "علي" بالأسى لصديقه "عمر"، لا يدري إن كان لاحظ عليها هذا في الداخل أم لا. "عمر" لا يحتمل على أخته نسمة الهواء، فكيف يتحمل رؤيتها بتلك الحالة؟!
أشفق على "إسراء" كذلك كثيرًا، فتاةٌ في بداية شبابها تقبل على الحياة لتنسى آلام الطفولة فإذا بالحياة تستقبلها بكارثة فقدانها بصرها بسبب شابٍّ لم يتقبل فكرة أنها رفضته!
دخل "عمر" فوجد أخته في حال انخلع لها قلبه وصوت نحيبها يخترق أذنيه، كانت بين بكائها وشهقاتها تنادي "عمر"، لم تعلم بوجوده معها ولم تكن معه أثناء وقوع الحادثة، لكنها لا تعرف غيره مأواها وملاذها. فور أن رآها ضمَّها إليه وهي ترتجف، بتلعثمٍ حاولت تبرير له ما حدث فقال وهو يضع إصبعه على شفتيها:
- ما تقوليش أي حاجة يا "إسراء" دلوقتي مش مهم، المهم أنتِ.
قالت:
- أنا خايفة!
- بس أنتِ في حضني.
قال جملته بنبرةٍ دافئة، وحنان بالغ، وهو يضمها، فكان وجوده كمسكن لها فسكنت في حضنه. قصد أن يقول حينها:
« صغيرتي ما دمتِ في حضني فلا تخشي شيئًا، لا أحد سيقدر على مسِّكٍ بشرٍّ وأنتِ في حضني، اركضي واللعب وانتشري هنا وهناك، ثم اختبئي في حضني إن خفتي، لو عزمت جيوش كل بلاد الأرض على أذيتكِ، فسأكون هناك كي أذود عنكِ الضربات، وأحميكِ في حضني، اطمئنّي صغيرتي فأنتِ في حضني».
ظلّت تبكي بين ذراعيه فترةً وهو يربت على ظهرها ثم سألت:
- "عمر" أنا مش شايفة ليه؟
كان ذلك آخر شيء قالته "إسراء" قبل أن يخرج "عمر" قلقًا مستغربًا من سؤالها. فور أن خرج "عمر" دخلت "آية" وقد سكن عينيها الجزع، لو رأتها "إسراء" لعلمت أنها في مدةٍ قصيرة استطاعت - بفضل الله - الحصول على أفضل صديقة قد تعرفها في عمرها.
قالت "آية" وهي تعانقها:
- اللي اسمه "مروان" ده أكيد مش هيتساب كده، إن شاء الله هياخد جزاءه أضعاف اللي عمله فيكِ، حتى لو مش في الدنيا هيبقى في الآخرة بإذن الله.
ردت "إسراء" بصوت باهت إذ كانت قد هدأت قليلًا:
- مش مهم يا "آية" مش هتفرق.
ثم كررت سؤالها الذي سألته لأخيها من قبل:
- أنا بس عايزة أعرف أنا مش شايفة حاجة ليه؟
صمتت "آية" إذ لم تقوَ على الإجابة فصرخت "إسراء" وقد أصابها الشك:
- ما حد يرد عليّ.
استطاعت "آية" تحريك فيها فقالت وكل حرف يجلدها وهو يخرج:
- أنتِ فقدتي البصر يا "إسراء".
لم يستوعب عقل "إسراء" الصدمة بعد فسألت:
- الدكتور ما قالش هيرجع امتى يعني؟
أجابت "آية" بصوتٍ خافتٍ لو لم تكن "إسراء" قريبةً منها لَما سمعتها:
- مش هيرجع.
لم تتقبل "إسراء" إجابتها فقامت تصرخ وتسبّ بهيستيرية، كانت تتحدث بفظاظة وهي تنكر مما أغضب "آية" بسبب كلامها الجارح.
في أشد كوابيسها قسوة لم تتخيل "إسراء" أن هذا قد يحدث لها، لو قال لها أحدٌ بالأمس ستصابين غدًا بالعمى لسخرت منه. نرتعب ونفزع من كوابيسنا وهواجسنا حتى يفجعنا الواقع بمرارته، وأنه أفظع من كل ما خفنا منه.
قالت "آية" بعدما انتظرت حتى هدأت نوبة الغضب لدى "إسراء":
- ما عنديش حاجة أقولها لك يا "إسراء" غير قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه) يعني حتى الشوكة الصغيرة اللي بتصيبك بتؤجري عليها، دي أكتر حاجة ممكن أواسيكِ بيها، إني أقول لك على الأجر اللي بتاخديه، وأفكرك بالآخرة، فاصبري، أحسن حل إنك تصبري، ده ربنا بيقول في كتابه: (وبشر الصابرين).
كان يسير بجانب أخته صامتًا، لم يجد كلمات المواساة ولم يملك لسانًا منطلقًا فسكت، استطاعته تحريك ساقيه وذراعيه حينها معجزة في حد ذاتها. حين علم بما جرى لها شعر بطعنةٍ تخترق قلبه، هي بالنسبة له ليست شقيقته فقط، بل هي ابنته وأمه، هي غذاءٌ لروحه، يستطيع تحمل كل شيء في سبيل راحتها.
كان فتىً في الثامنة عشرة يعمل بأكثر من عمل بجانب دراسته، يجدُّ ولا يجد وقتًا لراحته كي لا تشعر بأنها أقل من أقرانها. كان طفلًا يحاول أن يجنبها ويفديها بعيدًا عن مشاكل عمه وزوجته كي تنشأ إنسانةً سوية. أكثر ما يهوِّن عليه دنياه كانت رؤية البسمة مشرقةً على وجهها، فيشرق وجهه.
فكيف يتحمل رؤيتها الآن ذابلةً فاقدةً لمعاني الحياة، كيف يتحمل رؤيتها تتحسر يومًا بعد يومٍ على بصرها الذي راح في بداية شبابها... كيف؟!
***
لا يذكر الكثيرَ من ذلك اليوم البعيد القابع بين ثنايا الذاكرة، بعض المقتطفات فقط. كان طفلًا يجلس مع جدته بانتظار أبيه ليعود ويصطحبه لزيارة والدته وشقيقه المولود الجديد. عاد أبوه لكنه لم يصطحبه لزيارة أمه، بل عاد متجهمًا حاملًا الطفل الرضيع دون أن ينظر له، لم تعد أمه، حين سأل والده عنها أجابه بأنها لن تعود... للأبد.
عرف حينها معنى الفقد، أن يرحل الإنسان دون رجعة، أن يُنتَشَل من أمامك فجأةً ولا يعود مجددًا.
في الأيام المقبلة كان يتطلع إلى أخيه كثيرًا، هذا الكائن الصغير البريء، كان يحب الجلوس معه وممارسة دور الأخ الأكبر عليه، كان يسأل كثيرًا وجدته تجيب، أما أبوه... فلم يكن له دورٌ يذكر تلك الفترة، كان منغلقًا على نفسه في غرفته ولا يخرج منها لدرجة أنه الآن لا يذكر كيف كان شكله حينها.
لا يدري متى بدأ يتغير مع أخيه، هل كان عندما سمع الحوار الذي دار بين جدته ووالده مصادفةً حين قالت جدته بحسرة على ولدها معاتبةً:
- هتفضل قافل على روحك كده لحد إمتى بس يا حبيبي؟ عيش وما توقفش حياتك علشانها الدنيا ما بتقفش على حد، حاول تنسى أو على الأقل اعمل نفسك ناسي عشان عيالك حتى! عيالك محتاجين لك يا حبيبي.
لم تجد منه استجابة فأردفت تستعطفه:
- طب أقول إيه أنا للكبير اللي كل شوية يسأل عليك؟ اطلع له وحسسه إنك موجود في حياته ما يبقاش خسر أمه وأبوه.
كان أيضًا لا يجيب فتابعت:
- ولا الصغير اللي هيكبر مش باين له أهل كده؟ لازم تشوفه وتاخد بالك منه أنا مش عايشة لك العمر كله.
حين جاءت سيرته فقط قال متجهمًا:
- ما تجيبيليش سيرة الواد الشؤم ده، مش هو السبب في موتها؟
هل كان عندما سمع ذاك الحوار أم كان بعد ذلك بكثير؟
استمر "إبراهيم" في اجترار الذكريات ليتذكر كم كان سيئًا قاسيًا، تذكر كيف استغل وصية والده ليحرم "إسماعيل" من إرثه، ثم ما فعل بعد ذلك.
في رحلة سريعة للماضي يستطيع أن يقول: لم يحسن هو لأخيه أبدًا، أما أخوه، فقد كان له سندًا.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل التاسع 9 - بقلم اية حسين
لم يسأل "عمر" "إسراء" عن أي شيءٍ يوم الحادثة، إذ أخرست الصدمة كليهما.
وفي اليوم التالي سألها، فقصّت له الأمر بوضوح، بدايةً من "مروان" زميلها الذي يلاحقها قائلًا أنه يحبها فتصده.
ثار "عمر" غضبًا من هذا الفتى، تلفت أعصابه وهو يتخيله يؤذيها، وتمنى أن يذهب له الآن ويريه عواقب أعماله.
سأل "عمر" معاتبًا:
- وليه ما قلتيش قبل كده إن الولد ده بيضايقك، كنا اتصرفنا معاه قبل ما يحصل اللي حصل؟
أجابت "إسراء" بصوت خافت باهت كما لم يكن من قبل:
- أنا عمري ما جه في بالي إن ده ممكن يحصل، وجود "مروان" ده ومضايقاته ليا ما كانتش مأثرة في حياتي، وأكيد مش عايزة أعمل مشاكل.
قال "عمر" متوعدًا لـ"مروان":
- ده أنا هوري الواد ده أهوال ماشافهاش في حياته، ده لازم يتجازى على اللي عمله أضعاف.
ثم نظر لها نظرة الإنسان لأغلى ما في دنياه قائلًا:
- أنتِ غالية أوي يا "إسراء"، أغلى بكتير من إن واحد زي "مروان" ده يؤذيكِ ويتساب.
- ناوي تعمل إيه يعني؟
- مش عارف لسة، بس اللي هعمله أكيد مش هيكون كويس بالنسبة له.
- مش لازم يا "عمر".
- هو إيه اللي مش لازم؟
- مش لازم تشغل بالك بيه ولا تحاول تنتقم منه، أصل ده مش هيرجع نظري، فليه نعمل مشاكل ملهاش لازمة؟ عمرنا أقصر من إننا نضيعه في خناقات وانتقام.
سأل "عمر" معاتبًا مستنكرًا:
- وماناخدش حقك؟
- مش لازم صدقني، ناخده يوم القيامة قدام ربنا.
- ده ضعف يا "إسراء".
- مش دايمًا العفو ضعف، زي ما مش دايمًا الانتقام قوة. الانتقام ممكن يبقى ضعف لما تلغي حياتك وتفكيرك وشخصيتك عشانه، وتبقى مجرد مسخ عايش عشان تنتقم وماتفرقش في أي حاجة عنهم، وتنسى الحياة كانت بتتعاش إزاي. العاقل هو اللي بيعرف امتى يعفو.
كان "عمر" معترضًا بشدة على حديثها، فظل الأخذ والرد بينهما حتى شُحنت الأجواء بالعصبية والتوتر، فتوقفا عن الحديث عندما لم يقتنع أحدهما بما يقوله الآخر.
تمر الأيام والشهور ولا شيء يحدث، كأن الزمن توقف عند اللحظة التي شعرنا بها أن لا شيء أسوأ قد يحدث، حين نصل إلى ذروة الألم في حكايتنا فتتزلزل كياناتنا ونظن أن لن نسعد مجددًا.
في الحقيقة الزمن لم يتوقف، لكنه حين يسقط الإنسان فيتوهم أنه من شدة السقوط لن يقوم مجددًا فيبقى ساكنًا في حين أن كل الأشياء تتحرك. ويظل هو يتحسر على ما راح.
كان ذاك حال الشقيقين "عمر" و "إسراء"، حيث كانت "إسراء" غارقةً بين دموعها وغضبها الشبه الدائم، تغضب وتشتعل من أتفه الأسباب حتى تصل للذروة ثم تهدأ تمامًا فتغدو ساكنةً بلا حركة ولا كلام.
و"عمر" يراها وقلبه ينفطر عليها وعلى حياتها التي ضاعت، ولا شيء أمامه يستطيع فعله. كل ما يقدر عليه هو أن يبقى جانبها، لا يفعل شيئًا سوى البقاء بجانبها.
تمر الأيام جارةً أسابيعًا، وهو لا ينزل من البيت خشية تركها وحدها.
جمعت مكالمة بينه وبين صديقه "علي"، حين سأله "علي" كيف حالك، لم يستطع الإجابة بـ"بخير" إذ لم يشعر بأي خير قريب.
قال "علي" أسفًا على ما صار إليه رفيقه:
- "عمر" مش كفاية؟ أنت بقالك كتير أوي قافل على نفسك أنت وأختك ما بتخرجش خالص.
- ماهي مش قادرة تخرج تعمل حاجة وأنا مش قادر أسيبها.
- هي حاجة صعبة وتقيلة، بس أنتم مش هتوقفوا حياتكم يعني؟!
أردف "علي":
- "عمر" أنت بقالك أكتر من ٣ شهور قافل على نفسك، شغلك طيب اللي مابتروحوش ده، أكيد الإجازة المفتوحة دي هتخلص وهيقولوا لك يا تيجي يا شكرًا مش عايزينك، وأنت مش ناقص مشاكل من النوع ده.
رد "عمر" بصوتٍ حمل قلقًا كثيرًا:
- أيوه بس هي ماتقدرش تقعد لوحدها ولا تقدر تروح حتة، دي مابتعرفش تعمل حاجة لوحدها خالص دلوقتي.
- طب هقول لك على حل، أنا ممكن أقول لـ"عالية" أختي تجيب "مصطفى" و "منّة" وتيجي تقعد معاها، وهو تساعدها وتسليها، و"عالية" و"إسراء" علاقتهم مش وحشة يعني حتى لو مش صحاب.
قابل "عمر" فكرة "علي" باعتراضٍ شديدٍ في البداية، لكن "علي" ظل يلح عليه حتى أقنعه.
ختم "علي" حديثه بأن قال:
- ربنا معاك.
أراد بكلمتيه تذكير "عمر" بوجود الله وإعانته، لعله يشدد أزره.
انتبه على صوت رنين هاتفه، لم يتعرف على الرقم لكنه أجاب. وجد صوت امرأة تبدو في أواخر الثلاثينيات أو بداية الأربعينيات، تقول:
- أنت "عمر"؟
استغرب من سؤالها ثم أجاب بـ"نعم" سائلًا بعدها عن هويتها وما تريد منه. قالت:
- مش لازم تعرف أنا مين لأن مش هتفرق معاك في حاجة، أنا طرف مش مهم في القصة.
تعجب أكثر من كلامها، من تكون تلك السيدة المريبة وماذا تريد منه؟! قبل أن يفتح فمه قالت:
- لو عايز تعرف أهلك فين، دور ورا "إسماعيل".
كان ذلك ما فجع "عمر" بحق، فقام واقفًا متسع العينين سائلًا للمرة الثالثة:
- ما تقولي بقى أنتِ مين يا ست أنتِ؟! وإيه علاقتك بيا وبأهلي؟
أتاه قولها متجاهلًا كل ما قاله:
- "إسماعيل" هو السبب في كل حاجة، هو اللي فهم كل واحد فيكم إن الثاني مات. لو مهتم بجد تعرف خليك ورا "إسماعيل".
سأل هو متشككًا بعد أن استجمع إدراكه وتذكر الورقات والسيدة المنتقبة التي وصفتها الجارة:
- هو أنتِ اللي كنتي بتبعتيلي الورق؟
سمع صوتها يوحي بأنها تهم ببدء حديثها. ما كادت تلك السيدة المجهولة تلفظ حرفًا حتى انقطع الاتصال.
وبقي "عمر" وحده مع تساؤلاته.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل العاشر 10 - بقلم اية حسين
مدّت "عالية" يدها بالقرب من "إسراء" فقالت:
- طبعًا، أنا مادالك ايدي اهو قومي و تعالي معايا.
مدّت "إسراء" يدها فحركتها في شكل عشوائي لتصل ليد "عالية" فسبقتها "عالية" و أمسكت بيدها. قامت "إسراء" بمساعدة "عالية" فاتجهتا حيث المطبخ.
حين دخلتا فتحت "عالية" الثلاجة لترى ما بداخلها ثم فتحت الأدراج واحدًا فالآخر، لم تجد سوى بضع بيضات في الثلاجة و بضعة أكياس من الشعرية المقلية المسماة في اللهجة الدارجة "إندومي"، قررت ترك البيض و وضع الـ"إندومي".
انتبهت إلى "إسراء" التي تحاول البحث في الأدراج كما فعلت "عالية" لكنها تتعثر و تتخبط بين الأدراج، تحاول فعل أي شيء لإثبات أنها تستطيع الإعتماد على نفسها، فدارت في المطبخ تتخبط و تُسقط أغراضًا حتى انسكب عليها الماء فانهارت على الأرض باكية و كأن الحصون التي ظلّت تبنيها انهارت فجأة، إنه لإحساسٌ مقيت أن تكون غير قادر على ملء كوب ماء لنفسك.
أدركت "عالية" كمّ سخطها على حالتها فقالت مترفقة:
- بصي أنتِ مش لازم تبقي بتعرفي تعملي كل حاجة من غير مساعدة، عادي إنك تحتاجي حد يساعدك و يوجهك بالذات في أيامك الأولى، و صدقيني ده مش هيخليكِ حالة للشفقة ولا هيحرجك قدامي.
جلبت "عالية" الماء فصبته في دورق، ثم جلبت القدر و وضعته على الموقد، ثم قالت لـ"إسراء":
- بصي احنا هنعمل اندومي، ديه أكياس الاندومي، و ديه المية الي هنعمله بها، و ديه الحلة الي هنعمل فيها.
كانت كلما ذكرت شيئًا تأخذ يد "إسراء" نحوه لتلمسه و تتعرف على مكانه، حين تعرّفت "إسراء" على أماكن الأشياء عن طريق اللمس، صبّت - بإرشاد "عالية"- الماء في القدر و "عالية" تضع يدها فوق يد "إسراء" خشية أن تُسقط الماء. تُركت مهمة إشعال النار بالموقد لـ"عالية"، ثم انتظرتا الماء ليغلي.
بعد دقائق قليلة سمعتا صوت الماء يغلي و رأت "عالية" الفقاعات التي تدل بأن الماء غلى.
قالت "عالية":
- دلوقتي الماية غليت، سمعتي الصوت؟
أومات "إسراء" فأردفت "عالية":
- فاكرة مكان أكياس الاندومي؟
أومأت "إسراء" مجددًا، فطلبت منها "عالية" إفراغ الأكياس في القدر ففعلت "إسراء".
كانت تلك طريقة بسيطة لتري "عاليةُ" "إسراءَ" أنها تستطيع الاتتماد على نفسها ولا ضير من بعض المساعدة.
بعد مدة كانوا يأكلون - "عالية" و طفلاها و "إسراء"- و كانت "عالية" تفتح المواضيع مع "إسراء" في حين كانت "إسراء" صامتةً متحفظة.
في يومه الأول في المستشفى بعد إجازته الطويلة بعد إلحاح "علي"، تلقى "عمر" الكثير من كلمات المواساة و السؤال عن حاله و سبب غيابه من الأطباء و الممرضين زملائه.
و يجيب بكلمات تقليدية، و عقله لا يتوقف، بلغ قلقه مبلغًا كبيرًا، تُرى كيف "إسراء" الآن؟ هل تشعر بأنه خذلها بتركها؟
راح عقله لأمر مكالمة البارحة، هل تنقصه المزيد من الألغاز؟! من تكون تلك المرأة؟! و ماذا عنت بقولها عن "إسماعيل"؟!
هل يمشي خلف كلامها؟ أيراقبه؟ الكثير و الكثير من الأسئلة تدور برأسه تفقده اتزانه.
قفزت فكرةٌ إلى رأسه بأن يسأل أحد الأطباء إن كان هناك أملٌ في عودة بصرها، لكنه رجع عن فكرته، لقد سأل كثيرًا و كانت الإجابة أن لا أمل ولا فرصة.
تذكر الآن قول "علي" هذا الصباح:
- حاول ترجعها و تحببها في الحياة، بخروجة أو بأي حاجة، شوف ايه الحاجات الي هي بتحبها و اعملها، و الحاجات الي مش هتعرف تعملها ثاني بسبب الي حصل لو تقدر تعوضها، هي فقدت البصر بس لسة مافقدتش الحياة.
قال كلامًا كثيرًا عن التفاؤل و الأمل، و أنه لا يجب أن نوقف حيواتنا من أجل فاجعة.
"علي" يجيد هذا، كان دومًا مشرقًا متفائلًا يحاول بعث الطاقة الإيجابية للجميع.
استطاع رمي مشكلته خلف ظهره بسرعةٍ فائقة، هاهو الآن يدور هنا و هناك يبحث عن عملٍ جديدٍ في عيادة أو مستوصف منذ مدة و لا شيء و كأنها أظلمت مقسمةً ألّا تنير له مجددًا.
كلما راح لمكان ليعمل به علّه يستطيع جمع مبلغٍ لتجديد عيادته لم يُقبل حتى كاد ييأس.
لكنه قد عزم على المحاولة طالما كان يتنفس.
هل قال "علي" أنه لم ينزل من البيت ثلاثة شهور؟ إنه يبالغ. ألم يذهب برفقته لسؤال الكثير من الأطباء عن حالة "إسراء"؟ ألم يذهب للإبلاغ عن "مروان"؟ اجتاحته المرارة و هو يتذكر الحكم: السجن لمدة ستة أشهر. دمّر هو عمرها كله ليُسجن ستة أشهر!
بينما يمشي "عمر" في إحدى ممرات المستشفى سمع صوت زميلٍ له ينبهه بورقةٍ سقطت منه، التفت و التقط الورقة التي لم يلحظ وجودها من قبل، فتحها و قد غدا يتشاءم من الأوراق، فوجد ما تشاءم بسببه، عنوانٌ جديد، كُتِب فوقه أنه حيث يكون أهله.