تحميل رواية «هل بعد الفراق يا امي لقاء» PDF
بقلم اية حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الأول: رحلة النبش في الماضي وقت آخر، حين عاد من المدرسة، سعيدًا يريد أن يُري عمه درجة اختباره الكاملة. دخل المنزل فلم يجد أحدًا باستثناء أخته التي كانت تبكي دون أن تجد من يهتم لها، إذ كانت زوجة عمه جالسة في غرفتها بالأعلى تضع مساحيق التجميل مستعدةً للقاء صديقاتها، وعمه يجلس في مكتبه منشغلًا بعمله. عانقها وطمأنها ثم ذهب كي يري عمه درجة الاختبار. بمجرد أن طرق الباب ودخل، وجده يقول بحنق: - إيه اللي جابك؟ أنا مش قلت متخشش هنا؟ مش فاضيلك أنا. خرج "عمر" وقد استطاع "إسماعيل" أن يبدل سعادته غمًا د...
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اية حسين
"إسراء" أنا عمّالة أتكلم أتكلم وأنتِ ساكتة، ما تكلميني عنك كده، يعني قولي لي بتحبي إيه وبتكرهي إيه؟ بتحبي تعملي إيه وقت ما تفضي؟ ارغي يعني عايزين نبقى صحاب.
كانت تلك أسئلة "عالية" التي أجابت عليها "إسراء" بانفعال:
هقول إيه يعني؟ أنا خلاص مابقاش في حاجة أحبها ولا أكرهها، كل حاجة راحت، هعمل إيه أنا في حياتي دلوقتي بعد ما نظري راح؟! ولا حاجة.
قالت "عالية" محاولةً تهوين الأمر عليها ونافيةً كل ما قالته:
لا طبعًا، في حاجات كتير تقدري تعمليها، أنتِ تقدري تعملي أغلب الحاجات اللي كنتي بتعمليها قبل كده بس بطرق مختلفة وممكن تحتاجي مساعدة، لكن حياتك مش هتقف أبدًا.
ثم سألت:
قولي لي بس إيه أكتر حاجة بتستمتعي بيها؟
أجابت "إسراء" بمرارة:
القراءة، كان يبقى يوم وحش أوي اللي يعدي عليّ من غير ما أقرأ، كنت بحب الروايات والكتب وبقرأ الاثنين بالتساوي تقريبًا، مش قادرة أصدق إني بقالي تلات شهور مامسكتش كتاب في إيدي وقرأت فيه.
توقفت "إسراء" ثم قالت متذكرةً بأسىً وصل لـ"عالية":
أو لأ، كان فيه مرة مسكتهم فيها، فضلت أحسس لحد ما وصلت لهم، كانوا كام كتاب عندي منها اللي قرأتهم واللي كنت ناوية أقرأهم، مسكتهم وقعدت أشم فيهم وأنا بتحسر.
شعرت "عالية" بالحزن تجاهها وبالشفقة عليها، لم تحب "إسراء" ذلك لكنها لم تستطع ألّا تنفّس عن مشاعرها، كانت أكتر كتمانًا من قبل لا تدري ماذا جرى؟
قالت "عالية":
جربتي الكتب الصوتية؟
لأ، أكيد مش هتبقى زي الورقية.
يعني ما جربتيش، جربي يمكن تحبيها، وحتى لو مش أحسن حاجة أكيد هيكون أحسن من مفيش.
بدا على "إسراء" الإقبال بشيءٍ يسير على ما تقوله "عالية" التي قالت بعد دقائق:
سيبك بقى من الكلام النكد ده و خلينا نلعب حاجة.
ثم وجهت حديثها لابنها قائلة:
"مصطفى" فين الكوتشينة اللي قلت لك هاتها معاك؟
أخرج "مصطفى" اللعبة من حقيبةٍ زُيّنت بالرسومات الكرتونية فأعطاها لوالدته، ثم سألها بصوتٍ منخفض:
هي هتلعب معانا إزاي؟
قالت "عالية" بصوتٍ مسموع:
هقولك دلوقتي.
ثم تناولت بطاقة لعب وطوت طرفها بإحكام فمررتها لـ"إسراء" قائلة:
ورقة الواحد هتبقى مثنية بالطريقة دي، المسّيها واحفظي إن الورقة دي واحد، إحنا هنثني كل ورقات الواحد بالشكل ده.
ثم أخذت بطاقةً برقم اتنين وطوتها بطريقةً مختلفة ثم مررتها لـ"إسراء" لتلمسها وتعرف شكلها، هكذا ابتكرت طريقةً تطوي بها كل رقم بطريقة مختلفة، حتى أنها استخدمت بعض الملصقات ذوات الملمس المميز كانت قد جلبتها معها لتفريق كل بطاقةٍ عن غيرها وتنافست هي و"مصطفى" في تمييز أكبر عدد من البطاقات.
ثم بدؤوا اللعب، وكانت "منة" تمسك ببعض البطاقات وتتصنع اللعب معهم وهم يشجعونها رغم أنها لا تفقه شيئًا من لعبهم.
كانت "إسراء" مبتهجة، أكسبتها أفعال "عالية" بعض الإيجابية. تساءلت، أتكون "عالية" محقة؟ أتكون هي من تدفن نفسها في كآبتها وبؤسها؟ هل مازال العمر أمامها كما تقول "عالية"؟ إن كانت الإجابة نعم، فلمَ لا تستطيع التفاؤل بذلك؟ لمَ لا ترى إلا طريقًا معتمًا لا يصله النور أبدًا؟ لمَ لا ترى نفسها إلا مدفونةً في اللاجدوى؟ أهو اليأس من كل شيء الذي يزورنا عقب المصائب؟ أم هي الحقيقة متخفيةً في شكل مشاعر؟
انتبهت من شرودها على صوت الطفل "مصطفى" الذي نبهها بدوره في اللعب. تنهدت ثم قالت واضعةً البطاقات التي في يدها أمامها:
زهقت بقى خلاص مش عايزة ألعب.
قال "مصطفى" راجيًا:
لأ بليز الله يخليكِ نخلص الدور ده بس.
أنت بتحب اللعبة دي أوي كده؟
بحبها علشان بابا هو اللي علّمها لي.
ابتسمت "إسراء" ابتسامةً مريرة، تعجبت من وجود ما تتشاركه مع طفل في الثامنة، هي لا تحب التعامل مع الأطفال لكن تشارك الألم يقرِّب فسألته:
وحشك؟
أجاب الصبيُّ بما أيقظ الآلام المخدرة داخل كلٍّ من "عالية" و"إسراء":
أوي.
قالت "عالية" بحنين:
مستنينا في الجنة يا حبيبي، ادعي نتقابل هناك.
قالت "إسراء":
أنا كمان بابايا وحشني.
سألها "مصطفى" مندهشًا:
أنتِ كمان باباكِ مشي؟!
أجابت شاردة:
أيوة، بس أنا مش فاهماه خالص، كان نفسي أبقى فاكرة منه أي حاجة.
استطردت بصوتٍ أكثر إشراقًا:
عارف لما يوحشك تعمل إيه؟ تجيب صورته وتحطها قدامك وتكلمه، تقوله قد إيه وحشك، وتحكيله عملت إيه في يومك، هو مش هيرد عليك، بس هو هيكون سامعك.
كان هذا ما تفعله "إسراء" بصورةٍ قديمة غير واضحة احتفظ بها "عمر"، تقطعت من جوانبها، حمل كلٌّ منها وأخاها الحنين لها، وصورةٌ أخرى لم تعرف بوجودها سوى قبل عماها بمدة قصيرة، بدت أحدث وبدا أبواها أكبر، استغربتها حين رأتها.
بعد تفكير، قرر "عمر" الذهاب إلى المكان المذكور في الورقة، كان مبنىً سكنيًا، لكنه بدا خاليًا.... خاليًا من أي شيء، وأي حياة.
كان على وشك الدخول قبل أن يقطع طريقه رجلٌ قائلًا:
اقف يا عم أنت رايح فين كده؟
داخل العمارة، في مشكلة؟
داخل تعمل إيه في العمارة؟
بدا سؤال الرجل غريبًا غبيًّا متطفلًا، ممّا جعل "عمر" يجيب ببعض الحنق:
إيه السؤال ده؟! داخل عادي، في ناس جوه أعرفهم داخللهم.
ناس مين ياباشا المبنى واخد قرار إزالة وهيتهد خلاص، مفيش حد جوه.
ماذا؟! لا يمكنُ أن يكون ما يقول الرجل صحيح. عارضه في البداية محاولًا الدخول لكنه بعد مدةٍ تقبلَ الأمر وحاول البحث في المباني المجاورة فلم يجد شيئًا أيضًا، لم يعرف والديه أحد.
تبدو خدعة، لكن مَن مِن مصلحته أن يخدعه؟! كانت كل ورقةٍ تأتيه تقوده إلى مكانٍ تواجد فيه أبواه في وقتٍ ما، أما تلك الورقة الأخيرة، التي تأخرت جدًا بشكلٍ مريب، فلم تقُده لشيء، وكأن هناك شخصٌ يريد كشف الحقائق المتخفية خلف أستار الكذب، لكنه وَجِل، وكأن هناك ما يهدده، من هو هذا الشخص وما الذي يهدده؟ كان هذا السؤال يشغل بال "عمر".
قال في نفسه متهكمًا وهو يغادر يائسًا:
أنا بقيت كورة وبيتلاعب بيا.
كفاية بقى كفاية بجد! أنا زهقت من كلامك اللي دايمًا عن إني تخنت ولازم أخس، أنتِ ما بقيتيش تشوفيني من غير لما تقولي لي كده، خلاص أنا حفظت، هو ليه؟ ليه مابتسيبيش فيّ عيب غير لما تمسكي في غيره؟
تسترجع "آية" تلك الذكرى، حين صرخت في وجه والدتها، صرخت بأعلى ما استطاعت حنجرتها أن تصرخ، كان ذلك منذ ثلاثة أيام، استمرّ الصراخ واللوم قائمٌ طوال الليل، تدخل جميع أفراد العائلة للتهدئة، تعتقد الآن أن جميع أفراد العائلة هجروها، ربما استقصوها من حياتهم لأنها لم تملك الصفات التي تعجبهم.
كان صراخها بمثابة إفراغ للشحنة السلبية بداخلها، لم يكن أمر والدتها فقط ما يشغلها، كان أمر "إسراء" أيضًا يكويها قلقًا كل يوم، منذ آخر مرةٍ رأتها في المستشفى وهي لا تعلم عنها شيئًا، اتصلت بها كثيرًا ولا رد، أرسلت لها ولا إجابة، لم تعرف لها عنوان منزل فسألت عنها في الجامعة ولم تجد شيئًا كما توقعت، "إسراء" لا تملك أصدقاءً سوى "آية".
تفكر وتغوص بين الهواجس والتخيلات، ثم تقول داخل نفسها: ماذا قد يحدث أكثر مما حدث؟
تعلم أنها مخطئة، مخطئة كثيرًا، لكنها ليست وحدها المخطئة.
جاءتها شقيقتها الكبرى "أسماء" فقالت:
مش عايزة تيجي تفطري معانا؟
أجابت "آية" بعدائية:
مش لازم، لو ده هيزعجكم أوي كده.
"آية" ماتعيشيش دور المظلومة أنتِ غلطتي برضو.
خلاص لو أنا وحشة أوي كده سيبيني وامشي.
قالت "أسماء" متعقلةً مترفقة:
بصي يا "آية"، ما ينفعش خالص ترفعي صوتك كده مع أمك مهما كانت المشاكل والخلافات اللي بينكم.
أنا عارفة إني غلطت بس كلكم بتتعاملوا على إني غلطت لوحدي، على أساس إني غلطت كده بمزاجي، ده أنتِ بالذات عارفة قد إيه تنمرها عليّ وإحراجها ليّ قدام الناس مؤثر فيّ، حاولت قد كده أقنعها إنه ده بيضايقني مفيش.
فالحل إنك تتخانقي؟!
تنهدت "آية" متعبةً ثم قالت:
والله ما كانش قصدي، أنا بس كنت مضغوطة فما قدرتش أتحكم.
ربتت "أسماء" على كتف شقيقتها ثم قالت:
معلش، راضيها أنتِ دلوقتي وأنا هبقى أكلمها في موضوع المضايقة ده بعدين.
قامت "آية" لتفعل ما قالته "أسماء" فطَرقت باب غرفة والدتها لكن والدتها لم تفتح لها، حاولت استعطافها وطلب العفو من خلف الباب ولم يجدِ ذلك أيضًا فانصرفت جارةً أذيال خيبتها.
بعد ثلاثة أيام...
هو فيه إيه بقى؟ أنا من حقي أفهم إيه اللي بيحصل.
كان ذلك سؤال "عمر" موجهًا لـ"إسماعيل" الذي يقف أمامه.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اية حسين
تشعر أحيانًا بالذنب تجاه "عمر"، وهي تتذكر كل لحظةٍ ضُرب فيها بدلًا منها حين كانت هي من أخطأت، أو في كل مرةٍ كان يشقى بها ليجد لها اللقمة دون أن يجد لنفسه. كان لها الأخ والأب والمنقذ، ولم تفِده هي بشيءٍ سوى زيادة المتاعب. لم تكن تعلم أن بسمةً منها تمحو كل هذا في غمضة عين.
كان "عمر" يمرُّ في المستشفى في يوم عمله الاعتيادي حين نادته فتاةٌ تسأله عن مكان دورة المياه للنساء.
فقال وهو يشير إلى اليسار:
- بصي هتمشي كده من الطرقة ديه هتلاقي الحمام هناك.
قالت هي:
- يا أستاذ لو سمحت قل لي الاتجاه كده ديه مش هفهمها، يمين... شمال، كده يعني.
انتبه "عمر" إلى تعابير وجهها واتجاهه الذي يدل على عدم رؤيتها لأي شيء، فقال محرجًا:
- اه أنا آسف، ادخلي شمال وامشي لقدام هتلاقي الحمام.
شكرته على مساعدته ثم رحلت.
كان خارجًا من المستشفى لقضاء حاجةٍ ما عندما سمع شابتين تتحدثان من الداخل قرب السور. ميّز صوت الأولى التي كانت طبيبة مستجدة في المستشفى.
قالت الطبيبة:
- مين اللي وصّلك؟
- طلبت عربية.
تقول الأخرى منزعجة:
- في ست استفزتني اوي عالصبح وأنا جايالك، غايظاني نفسي أجيبها من شعرها كده.
قالت الأخرى مستغربةً كم انزعاجها:
- قالت لك ايه مضايقك اوي كده؟
قالت "أروى" بانزعاج أكبر:
- كنت واقفة تحت البيت مستنية العربية لقيتها بتقول لي...
ثم قالت مقلدةً قول السيدة:
- لما أنتم معاقين وحالتكم بلا ما تقعدوا في بيوتكم.
ثم قالت:
- بجد الناس اللي بتفكر إني عشان اتعميت خلاص بقى المفروض ما أعملش أي حاجة في حياتي! نفسي البلد ديه تفهم إني واللي زيي مش مجرد حالات بائسة مابتعملش حاجة في حياتها غير إنها تاكل وتنام زي البهايم، أنا إنسانة عندي أحلام وطموحات أحققها، وأقدر أنجز وأتعلم كثير جدًا بس لو اتوفرت لي المساعدات المناسبة، نفسي الشوارع والعربيات والسواقين يبقوا مجهزين للناس اللي زيي، لولا الطرق المش منظمة والسواقين اللي ما بيحترموش حد كان زماني بمشي لوحدي عادي.
بدت غاضبة فقالت رفيقتها محاولةً تهدئتها:
- طب خلاص بالراحة أنتِ متعصبة اوي كده ليه؟
- عشان الناس بقت مقرفة ومفيش وعي بربع جنيه يا "إيناس".
استمع لهذا الكلام ثم انصرف فورًا قبل أن تراه "إيناس". نظر لـ"أروى" نظرةً خاطفة فلاحظ أنها هي نفسها التي سألته عن دورة المياه في الصباح.
في نهاية ذهب للطبيبة "إيناس" سألها عن "أروى" فأجابت:
- لا ما هي مش مريضة ديه بنت عمتي كانت عايزاني في موضوع ضروري فجات لي عشانه وبعدين قعدنا نتكلم شوية.
تأسف بلباقة على التدخل ثم رحل وهو يفكر بتلك الفتاة. لا يعلم هل ذكّرته بـ"إسراء" أم أنها لا تغيب عن باله من الأصل. حالتها مثل حالة "إسراء" وهي في سنٍّ قريبة منها كذلك. تفكّر قليلًا، ربما ينفع "إسراء" أن تتعرف على من هنّ في مثل وضعها علهنّ يخففن عنها. قد يكون تشارك تجاربهما ومشاعرهما بخصوص الأمر مفيدًا لكليهما.
في نهاية دوامه، وبعد تفكير في الأمر، قرر سؤال الطبيبة "إيناس" إن كان لديها مانع في أن تتقابل الشابتان. كان يعلم أن الأمر سيكون محرجًا لكن إن كان في الأمر أي نسبة لإفادة لـ"إسراء" فسيحاول. شكّت بدايةً في نيته وصدقه، لكنها قررت أن لاتظلمه فأخبرته بأنها ستسأل قريبتها عن الأمر.
- هو فيه ايه بقى؟ أنا من حقي أفهم ايه اللي بيحصل.
كان ذلك سؤال "عمر" موجهًا لـ"إسماعيل" الذي يقف أمامه.
قال "إسماعيل":
- عايز تفهم ايه بالظبط؟
باغته "عمر" بالأسئلة بحدّة:
- أبويا وأمي فين؟ وسابوني ليه؟ مين اللي كان بيبعتلي الورق بالعناوين؟ مين اللي بعت الراجل عشان يخبطني بالعربية؟
- أنا ماعرفش حاجة، واوعى من طريقي بقى.
كان "عمر" يزداد اشتعالًا مع كل جملة. صرخ قائلًا:
- كداب.
قال "إسماعيل" معاتبًا منزعجًا:
- هو ده جزائي دلوقتي يا "عمر"؟ بعد ما أويتك أنا وأختك وأنتم مش لاقيين حتة تلمكم تكلمني بالمنظر ده وتطلعني كداب كمان!
قال "عمر" بلهجةٍ متهكمةٍ مستنكرةٍ شابتها المرارة وهو يمسك العبرة التي أوشكت على النزول:
- أويتني أنا وأختي؟! اوعى تكون مصدق نفسك! ده أنت أوحش حاجة عملتها في حياتك إنك كنت جزء من حياتنا، ده أنا أختي لحد دلوقتي بتقرف من سيرتك.
ثم فجأة، أصاب "عمر" السخط من كل شيء، وزادته جملة "إسماعيل" سخطًا. فعل ما فاجأ "إسماعيل" حقًا، هو نفسه لم يدرِ كيف فعل ذلك، لقد دخل في حالةٍ لم يدخل فيها من قبل. أمسك بـ"إسماعيل" من ياقته فألصقه بسور البيت قائلًا بصوتٍ امتلأ غلًّا:
- أمي وأبويا فين يا "إسماعيل" اخلص؟
ارتبك "إسماعيل". ابتلع ريقه ثم قال وهو مازال ملتصقًا بالسور:
- عايز تعرف ايه يا "عمر"؟ عايز تعرف إن أهلك عايشين؟ أيوة يا "عمر" أهلك كانوا عايشين السنين ديه كلها.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اية حسين
كان "إسماعيل" جالسًا في مكتبه و هو يعيد و يفكر في صحة القرارات التي اتخذها قريبًا. لقد أصرَّ أخوه "إبراهيم" على العودة لمنزله و لم يقدر على منعه، لكنه خشي من "عمر" الذي كان "إسماعيل" يعلم بأنه مازال يفتش حول ذاك البيت. فقرر تشتيته بذات الطريقة التي وصل للبيت بها، ورقةٌ بها عنوان.
بعث له الورقة التي حوت عنوان مكانٍ تمّ هدّه أو سيتمّ قريبًا و ليس له أي علاقة بمكان أبويه.
ضعيف، كلمةٌ ظلَّ "إسماعيل" يصارعها محاولًا نفيها و لكن لا مفرّ. هو متيقنٌ من أنه ضعيف. حتى عندما سعى للانتقام من أخيه و زوجته لم يقوَ على المواجهة. كانت رؤيته لهما يتحسران على فقدان ولديهما أو يتألمان في السجن تهوّن عليه شعوره بالضعف. يتودد لهما و هو يتمنى لهما الشرّ. كان كلّما رآهما سعيدين يتصنع السعادة لأجلهما و داخله نارٌ تتسعر، فيعود لبيته ليطفئ ناره في ابنيهما.
خرج من شركته ليلقى "عمر" و يدور بينهما الحوار.
- أيوة أهلك كانوا عايشين السنين ديه كلها.
كانت جملة "إسماعيل" صاعقة بحق، و كأن قنبلة تفجرت في وجه "عمر" تلك اللحظة. تركه "عمر" و هو يلهث، ثم نظر له شزرًا منتظرًا منه الاستكمال. قال "إسماعيل":
- أهلك كانوا عايشين لكنهم اختاروا ييتموك، هم الي اختاروا يسيبوك و يفهموك إنهم ميتين، و طبعًا ما كانش فيه حد يلمك أنت و أختك غيري.
كان كلام "إسماعيل" غريبًا غير مقنع. لم يجد له "عمر" ردًّا فسكت. في حين تابع "إسماعيل":
- بس ما تحاولش تدور عليهم لأنهم ماتوا، من مدة قصيرة ماتتعداش الشهر، في حاثة عربية خدتهم مع بعض.
صعُبَ على "عمر" تصديق قول "إسماعيل". كيف يصدّق على أبويه اللذَين يحلم كل يوم بلقائهما و لا يذكر لهما إلا كل طيب؟ و كيف يصدّق أنهما ماتا هكذا فجأة؟ فقال لعمه:
- و أنا أصدقك ليه؟
أجاب "إسماعيل" مستهينًا:
- ماعنديش أي ضمانات ولا إثباتات، أنت براحتك تصدق أو ماتصدقش، بس لو صدقت هتبقى كل حاجة اتقفلت و هترجع لحياتك، إنما لو ماصدقتش هتفضل زي ما أنت متعلق مش لاقي برّ ترسى عليه.
أقنعته كلمات عمّه الأخيرة. ربما عليه أن يصدّق كي ينتهي كل هذا، لكن التصديق كان صعبًا كذلك. فكّر كثيرًا بالفعل في أن يكون أبواه قد تركاه بإرادتهما، لكن أن تُقال له صراحةً كانت بمثابة صفعة قوية.
سأل بنبرة متألمة و هو مائلٌ إلى التصديق:
- و هم عملوا كده ليه؟!
- الظروف ماكانتش كويسة، ده غير شوية مشاكل و عداوات بينهم و بين ناس ثانية فخافوا عليك أنت و أختك.
انصرف "عمر" و هو حائر. أيصدّق و يخون ثقته و ذكراياته بأهله؟ أم يكذّب و يخون عمره بقضائه بين شكوك؟
كان الحوار الذي جمع "آية" بوالدتها حوارًا حارًّا مليئًا بالدموع. اعتذرت كلٌّ منهما عن خطئها تجاه الأخرى. الذي أثار تعجب "آية" أن أمها اعتذرت عمّا كانت تقوله لها. شَكَتْ كثيرًا دون جدوى، لماذا الآن؟ كانت تعلم أن "أسماء" حدثتها في الموضوع لكنها لم تتوقع أن يكون لكلام "أسماء" كل هذا التأثير. كانت "أسماء" هي من تحلّ المشكلة دومًا، ربما هكذا يكون الإخوة الكبار.
كانت والدة "آية" تتذكر حوارها مع "أسماء" الذي جعلها تكتشف أنها كانت مخطئة. حين جاءتها "أسماء" قالت بنبرةٍ حاولت أن تكون محبة و ألّا تحمل أي مشاحنة:
- بصراحة أنا بلاحظ ساعات كلامك ليها بلاقيه محبط جدًا، يعني لو اتقال لي هكره نفسي و العيشة كلها، يعني أحرجتيها كذا مرة.
ثم أسرعت فجأة تقول كالمتهم يدافع عن نفسه:
- بس هي غلطت لما زعقت كده طبعًا، احنا مهما كبرنا مستحيل نكبر عليكِ يا ست الكل.
قالت كلماتها الأخيرة مداعبةً في محاولة استرضاء قبل أن تردف لائمة:
- أنا عارفة إن حضرتك خايفة على مصلحتها و عايزاها تخس بس مش قدام الناس كده يعني، و مش قدام خالتو ديه مابتصدق.
قالت والدتها معترضة:
- و هي خالتك ديه حد غريب؟! ديه أمكم الثانية!
- أيوة يا ماما بس الموضوع محرج برضو حتى لو كانت خالتو قريبة مننا، النصيحة المفروض تبقى بينك و بينها بس، يبقى سر بينكم. و حتى لو بينكم بس، لازم تحسييها إنك بتحبيها في أي حالة هي فيها، مايبقاش حبك مشروط بأي حاجة، يعني النصيحة ييقى ليها وقت محدد مش طول الوقت، لازم يبقى فيه الوقت الي بتقضوا فيه وقت مع بعض من غير نقد و نصايح، وقت تكوّنوا فيه ذكريات و تنبسطوا عشان ماحدش عارف ايه الي هيحصل بكرة و مين هيبقى موجود و مين لا.
هتفت الأم مستنكرة:
- أنتِ بتفولي عليّ يا "أسماء"؟
- لا طبعًا يا ماما بعد الشر عليكِ ربنا يحفظك مش قصدي، و بعدين ممكن مش حضرتك الي تمشي الأول.
قالت أمها ساخطة:
- يابت بلاش الكلام الشؤم ده!
- حاضر بلاش الكلام الشؤم.
ثم قالت و هي تلتفت للفراغ أمامها و تفرد ذراعها:
- تطلعي معايا للمستقبل.
قال الوالدة ساخرة:
- نتطلع يا ستي ماشي.
- عندك بنت جميلة اسمها "آية" بتكره نفسها بسبب وزنها الي الناس بتتنمر عليه، عايزة أمها تحبها لكنها بتكرهها.
قاطعتها والدتها فورًا قائلة:
- ما أقدرش أكرهها.
- أيوة ما أنا عارفة طبعًا إنك بتحبيها بس هي مش هتبقى عارفة، هي شايفة إنك مابتكلميهاش غير في وزنها الزايد، هي ماشافتش الحب ده في صورة واضحة. بتشوف نفسها كائن مقرف، عندها نعم كثير حواليها لكن مش قادرة تتبسط بيها بسبب إنها شايفة إنها ما تستحقش كل النعم ديه فتاخد أكبر قرار غلط في حياتها.... و تنتحر! عشان هي مش شايفة إنها تستحق تعيش حتى.... بسبب التنمر.
علّقت والدتها متهكمة:
- تنتحر! مش وسعت منك ديه؟
انتهى الحوار بين أخذٍ و رد من الطرفين و قد بدأت الأم تقتنع.
كان صعبًا عليها أن تتقبل أنها مخطئة و أن ابنتها التي عاشت نصف عمرها فقط هي من تصوّب لها أخطاءها. استنكرت ذلك في البداية لكنها تداركت أنه شيءٌ طبيعي و أننا كبشر نكمل بعضنا.
دخلت "آية" غرفتها و هي سعيدة بالهدنة التي حدثت بينها و بين والدتها. ثم سمعت صوت رنين هاتفها المحمول، فشهقت فرحةً حين قرأت الاسم. كانت المتصلة "إسراء".
دخلت "أروى" المطبخ، لم تُجِد الطبخ لكنها تعتمد على نفسها. كانت تعدُّ الخطوات لتتأكد أنها تقف عند الدرج الصحيح لعمل كوب شاي. كانت "جنة" - ابنة خالها- متواجدةً في المطبخ آنذاك فعرضت المساعدة قبل أن ترفض "أروى" ببعضٍ من الحدّة. تمكنّت من إعداد كوب الشاي لنفسها بمساعدة بعض الحيل التي تعلمتها.
أحضرت كوب الشاي لتنفرد بنفسها في الغرفة و هي تشرب أثناء سماعها لبرنامجٍ ما من الهاتف المحمول.
دخلت عليها "إيناس"- ابنة خالها الكبرى- التي تشاركها الغرفة و هي تسأل:
- ما قعدتيش معانا برة ليه؟
- مخنوقة شوية.
قالت "إيناس" بخيبة:
- قصدك على "جنة" طبعًا.
لم تعلّق "أروى" في حين قالت "إيناس":
- طب والله البنت اتغيرت و نفسها تسامحيها.
قالت "أروى" بغير إكتراث.
- ماشيكانت "إيناس" تدرك ألّا فائدة من فتح ذلك الموضوع فقالت مغيّرةً الموضوع:
- طب اسمعي بقى عشان في حاجة تخصك عايزة أعرف رأيك فيها.
أزالت "أروى" السماعات من أذنها كي تستمع لقول "إيناس" فقالت "إيناس":
- لما جيتي لي امبارح المستشفى في ممرض شافك.
قاطعتها "أروى" متهكمة:
- ممرض شافني؟ جايبالي عريس ولا ايه؟
قالت "إيناس" بانزعاج وقد انكمش وجهها:
- غلسة على فكرة.
ثم أكملت ما كانت تقوله:
- هو شافك و خد باله إنك مابتشوفيش و كده و سمع بالصدفة كلامك عن إن العمى مش عائق يمنعك عن الحياة و إنك ممكن يبقى عندك مستقبل و كده فكان عايزك تتعرفي على أخته عشان هي من ييجي شهرين حصل لها حادثة و فقدت البصر و نفسيتها وحشة اوي، فقال يمكن لو اتكلمت مع بنت في سنها و عدت باللي بيحصل لها قبلها تحس إن الدنيا أحسن.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اية حسين
استنكرت "أروى" كلام "إيناس" فقالت باستهزاء:
- ليه وأنا كنت دكتورة نفسية؟
ثم قالت:
- الواد ده أكيد بيشتغلك أساسًا.
ثم أردفت بمكر ممازحة:
- تلاقيه بيظبطك.
ردت الأخرى مستنكرة:
- بيظبطني أنا؟! على إيه؟
علمت "أروى" أن "إيناس" تُظهر المزاح وتُبطن الجد، لم تكن تثق بنفسها أبدًا، ودومًا ترى أنها أقل ممن حولها رغم ما بروحها من نقاء، فقالت مظهرةً المزاح ومبطنةً الجد كذلك:
- وما يظبطكيش ليه يعني؟ ده إنتِ قمر، ده تلاقي الشباب كلها بتجري وراكِ وأنتِ مش واخدة بالك.
- بلا خيبة يا "أروى".
سألت "أروى" جادّةً هذه المرة:
- لأ بجد بس إنتِ إيش ضمنك إن نيته سليمة؟
- ماعرفش، مفيش حاجة تضمن. أنا بس قلت أقول لك بما إن القرار قرارك يعني.
- سيبك من الحوار ده، حتى لو وافقنا هعمل لها إيه يعني؟
قالت "إيناس" معارضة:
- لا تقدري تعملي لها على فكرة، مش إنتِ بتقولي إنك نفسك يبقى ليكِ أثر على ذوي الاحتياجات الخاصة وتحسسيهم إنهم مرغوب فيهم ومش مجرد حالات للشفقة؟
- أيوة بس...
قاطعتها "إيناس" بقولها:
- مش يمكن هي محتاجة منك المساعدة ديه؟ إنتِ فاكرة كنتي عاملة إزاي بعد الحادثة؟
- كنت منهارة، بس الحمد لله والفضل ليكِ إنتِ وخالو ومديحة بعد ربنا إني اتحسنت.
- طب ما يمكن هي محتاجة حد يساعدها تتحسن، ويمكن الحد ده يبقى إنتِ.
تنهدت "أروى" وهي تفكر.
فتحت "إسراء" الباب لتسمع صوت "آية" تلقي السلام، تعانقتا عناقًا حارًّا عبّر عن اشتياق كلٍّ منهما، وكلٌّ منهما تتساءل: كيف لتلك الصداقة القصيرة أن يكون لها هذا التأثير عليهما؟
كان ذلك يحدث بعدما أجابت "آية" اتصال "إسراء" الذي جاء بعد تردد كبير، ثم أرسلت "إسراء" موقع المنزل بصعوبة، فلم تكن قد اعتادت على استعمال الهاتف بعد.
دعتها "إسراء" للدخول فجلست على الأريكة فتعانقتا في صمت وكلٌّ منهما تذرف الدموع.
أي كلام يمكن أن يُقال الآن؟ فضّلتا ألّا تخربا تلك اللحظة بكلام الأفواه، فقد تركتا القلوب تتحدث. كانت حالتهما حالة اثنتين اجتمعتا فرُبطت روحاهما سويًّا.
كانت "آية" أول من بادرت بالحديث فقالت:
- وحشتيني أوي يا "إسراء"، هو إنتِ ماكنتيش بتردي عليّ ليه؟ حصل لك حاجة؟
لم تحب "إسراء" الكلمات المفعمة بالعواطف فقالت ساخرة:
- هو إنتِ فقدتي الذاكرة ولا إيه يا "آية"، ما إنتِ كنتي معايا.
رغم ألمها وهي تعيد تذكر الحادث، ورغم ادعائها أمام "عمر" أنها لا تشتاق ولا تحتاج لأحد، حمل نطق اسم "آية" حلاوة وراحة اجتاحت قلبها. قالت "آية":
- لسة لسانك طويل زي ما إنتِ، أنا قصدي ماحصلش حاجة ثانية تخليكِ ماترديش عليّ كل ده؟ أنا كنت بكلمك كثير أوي يا "إسراء" ومابلاقيش رد، ليه؟
تنهدت "إسراء" ثم قالت:
- ماكنتش عايزة حد يشوفني كده، مش عايزة حد يشوفني مطفية وعاجزة بعد ما شافني مليانة طاقة وحيوية. كنت كل يوم بسمع رناتك وأعمل نفسي مش سامعة، كنتي بتوحشيني، ماتخيلتش إني هحبك أوي كده، بس كنت بكابر وأقول عادي فترة وهننسى بعض، بدل ما أبقى معوق ليكِ في حياتك.
- وإيه الي خلاكِ تغيري رأيك؟
ابتسمت "إسراء" وقالت:
- وحشتيني، وبصراحة كمان "عمر" قعد فوق دماغي وأقنعني.
ثم توالت الحكايات بعد ذلك.
كان هذا أسبوعه الثاني في المستوصف الذي عمل به، انتهى يوم عمله فدخل محل بقالة كان بالقرب من المستوصف ليشتري بعض الحاجيات التي طلبتها منه أخته.
دخل واشترى ما يريد لكنه لاحظ شيئًا قبل خروجه جعله يقف متسمّرًا، لقد دخل زوجان إلى المحل، لكنهما ليسا أي زوجين.
لقد رآهما من قبل، ليس متأكدًا، لكن بنسبة كبيرة لقد رآهما.
لقد رآهما في صورة ورقية قديمة، تمزق طرفها من كثرة ما خُبئت في جيب صاحبها، توضح كم كانا وسيمين في الماضي، وفي صورة أخرى مثلت لغزًا، كانا أكبر وأقرب لما هما عليه الآن. إنهما أبوا "عمر"!
رغم ما رواه "عمر"، لم يتخيل أن يراهما على الحقيقة، شك في وعيه في البداية، وقف محدقًا بهما فاتحًا فاه لثوانٍ، أراد أن يذهب إليهما ليسألهما عن "عمر"، ولماذا تركاه، لكنه خشي، إن كانا هما فسيبدو شخصًا مريبًا عرف اسم ابنهما بطريقة مريبة، ولم يرد أن يفضح كل شيء قبل إخبار "عمر"، فآثر الصمت.
فكّر في طريقة يحاول التأكد منها إن كانا هما أبوا "عمر" فعلًا، قبل أن يحتل اسم "إسراء" المحفور على ميدالية خشبية تُباع مع ميداليات مشابهة بأسماء مختلفة بجانب البائع المشهد.
التقطها وأمسكها بطريقة تجعلهما يريان الاسم بوضوح، علّه يثير فيهما الحنين أو القلق أو أي شعور فيتوقع الحقيقة منه.
قال بصوت قصد أن يكون عاليًا للبائع:
- هو الميدالية اللي مكتوب عليها "إسراء" ديه بكام؟
التفت ليرى أثر الجملة عليهما فلمح ابتسامة متألمة على وجه الزوجة، تلك الابتسامة التي تنتج عن الحنين حين تلاحقنا الذكريات، ذكريات من حياة قديمة لم يتبقَ منها سوى رفات الضحكات والأحلام.
تنامى اليقين داخله أنهما المنشودان، وقف بجانب السيدة وانتقى قطعة حلوى قائلًا بود:
- لسة متخانق مع "إسراء" خطيبتي من كام يوم، قلت أجيب لها الميدالية ديه وشوية حلويات يمكن ننول الرضا.
قالت السيدة بنبرة حملت استغرابًا ولطفًا بذات الوقت:
- ربنا يصلح بينكم ويخليكم لبعض ويجمع بينكم في خير يابني.
استطاع تمييز الاشتياق في تقسيمات وجهها فقال محاولًا استخراج منها أي معلومة:
- بحب اسمها أوي.
تعجبت السيدة من ذاك الشاب الذي يقف في محل البقالة ليتحدث مع سيدة في عمر والدته عن حبه لاسم خطيبته، لكنها قالت بصوت أوصل لـ"علي" لوعة شوقها:
- هو الاسم يتحب، أنا بنتي الله يرحمها كان اسمها "إسراء"، لو كانت عاشت كانت بقت شابة زي الورد.
صعِق "علي" من كلمتها، لقد قالت «الله يرحمها»! هي تظن أن ابنتها ميتة!
كان أمرًا عجيبًا بالنسبة لها لكنها ارتاحت لهذا الشاب فقالت:
- ابني الكبير بقى اسمه "عمر" الله يرحمه راح معاها في نفس الحادثة، لو كان عايش كان زمانه بقى شبهك.
ابتسم "علي" للسيدة ثم خرج من البقالة مذهولًا.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اية حسين
تمرُّ علينا بعض اللحظات يسيطر علينا الغباء، كان "علي" في تلك اللحظات.
نوى أن يخبر "عمر" أولًا، لكنه أراد الذهاب إليهما الآن و بشدة.
لم يقرر أن يخبرهما بشيء، لكنه أراد لقاءهما.
رغبةً ملحةً غريبةً كانت.
كان جانبٌ من نفسه يخبره أنه أراد أن يتعرف على أهل "عمر"، اللذَين سمع عنهما الكثير.
أراد التعرف على أصحاب الأثر المميز على صديقه.
وجانبٌ آخر يكذِّب هذا الكلام و يقول أنه ذهب فقط ليتثبّت من مكانهما كي لا يبيع الوهم لـ"عمر" دون معرفة عن موقعهما.
سأل حارس العمارة عن "إبراهيم".
فقال الرجل بحنق:
- هو كل شوية حد يسأل عليه، هي بقت شغلانة ولا ايه؟ ما قلنا في الدور الخامس ده ايه الهم ده.
استغرب "علي" لكنه تجاهل حديثه إلا ثلاث كلمات: «في الدور الخامس».
فصعد و هو يرتب الحديث داخل عقله.
تبين الشقة التي كان بابها مفتوحًا.
طرق الباب برفق فلم يجب أحد.
طرق مجددًا فلم يجب أحد.
انتابه القلق، يمكن أن يوجد أحدٌ يعاني بالداخل.
أزاح الباب بهدوءٍ فدخل بتؤدة موِّجهًا عينيه للأرض.
شقةٌ بسيطة، أجمل ما فيها هو عدم ازدحامها بالأثاث، إذ وُجدت بها مساحات فارغة جعلتها تبدو أكبر من مثيلاتها.
حدّق بالسجادة على الأرض و تاه بين زخرفاتها، خطوطٌ رفيعة و متداخلة حاول أن يجد لها بدايةً و نهاية، لكنه فشل.
تنهد لكن الهواء حُبِس داخله من الفزع حين سمع:
- أنت دخلت هنا ازاي؟! و بتعمل ايه هنا؟! برة بسرعة يا حرامي.
ردّ "علي" مذعورًا:
- لا حرامي ايه بس، أنا مش حرامي و الله.
- اومال داخل هنا تتشمس؟
- لا أنا قعدت أخبط على الباب كثير جدًا ماحدش فتح، لقيت الباب مفتوح قلت أدخل ليكون في مشكلة ولا حاجة.
- هبلة أنا عشان أصدق المسرحية الخايبة بتاعتك ديه.
ثم تناولت هاتفها في حين قالت متوعدة:
- أنا هتصل لك بجوزي دلوقتي يعرفك تمامك.
لحظة، ألم يرَه يدخل البيت منذ دقائق؟ كيف هو ليس هنا؟
سأل مستغربًا بعفوية:
- هو مش المفروض هنا أصلًا؟ أنا شفته داخل.
قالت السيدة "هدى" غاضبة:
- أنت بتراقبنا بقى! عمومًا هو نسي حاجة و رجع ياخدها و مشي ثاني.
ثم استطردت بسخرية:
- ابقى راقب بضمير بعد كده.
اتصلت بزوجها، و قد جاء بعد قليل إذ لم يكن ابتعد كثيرًا عن البيت.
قال "علي" مكررًا:
- و الله أنا مش حرامي يا طنط، أنا كنت بخبط محدش فتح.
شهقت "هدى" و هي تستنكر قائلة:
- طنط مين؟! بقى أنا عيل في طولك يقول لي يا طنط!
قال مستنكرًا:
- هو أنتِ مش لسة قايلة امبارح ابني لو كان عاش كان بقى شبهك؟!
قالت "هدى" مظهرةً الاشمئزاز:
- ابني أنا يبقى شبهك أنت يا حرامي يا لص.
خرج "علي" من البيت بعد الكثير من التوبيخ و الاستجواب من "إبراهيم" و "هدى"، و هو يلوم نفسه على ذهابه.
لم يخبرهما كذلك لكنه ألقى حجةً للقائهما فتُرك يذهب بعدما تذكر "إبراهيم" أنه نسي الباب مفتوحًا.
قال لنفسه متذمرًا:
- قال عيل في طولك قال، ده أنتِ ابنك فاضل له اثنين سنتي و يكسر السقف.
كانت "أروى" تدندن كلمات أغنية تحبها و هي جالسة على الأريكة تشرب الشاي قبل أن تجلس "مديحة" زوجة خالها بجانبها و هي تقول باسمة:
- رايقة أنتِ عالصبح يا "أروى".
قالت "أروى" بصدقٍ و قد شقّت وجهها الابتسامة:
- وحشتيني يا "مديحة" بقالنا كثير ما قعدناش مع بعض.
قالت "مديحة" مستنكرة:
- وحشتك ده ايه بقى، مش أنتِ رايحة جاية مع "إيناس" و نسيتني خلاص.
- و هو حد يقدر ينساكِ ده أنتِ سكرة العيلة.
أطلقت "مديحة" ضحكةً ثم قالت:
- اضحكي عليّ بكلمتين.
أكملت "مديحة" الأغنية التي كانت تدندنها "أروى" فغنّتا سويًا مع الابتسامات المحبة.
كانت "أروى" تحب زوجة خالها بشدة، التي عطفت عليها مثل أبنائها.
دخلت عليهما "جنة" فجلست بجانب "أروى" و قالت على استحياء و هي تمسك بيد "أروى":
- صوتك حلو اوي يا أروى اللهم بارك.
قالت "أروى" بنبرةٍ جافّة خلت تمامًا من أي عاطفة:
- ماشي.
قبل أن تقوم داخلةً غرفتها.
نزلت عبرةٌ من عين "جنة" ثم ارتمت في حضن والدتها "مديحة" قبل أن تجهش ببكاءٍ خفيف.
قالت "مديحة" متحسرة و هي تحتضت ابنتها:
- سامحيني يا حبيبتي أنا آسفة، أنا الي عملت فيكم كده، أنا الي ظلمتك و ظلمتِك.
ربتت "جنة" على كتف أمّها التي قالت بندمٍ عظُم قدره:
- أنا الي عملت كده من الأول أنا الي غلطانة.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل السادس عشر 16 - بقلم اية حسين
أدرك الأبوان أنه يجب تفريقهما عن بعض، فنُقلت "أروى" لغرفة "إيناس" التي عطفت عليها وتوطدت علاقتهما رغم فارق السن على غير المتوقع.
لم يدرك أيٌّ منهم أن ما تحتاجه "جنة" حقًا هو بعض الاحتواء، أن يُشعرها شخصٌ أنه يحبها كما هي، وأن يضرّها النظر لها على أنها مجرمة. وجلسات التوبيخ من أبيها وأمها وأختها حين تضايق "أروى" يتأكد لها أكثر أنهم يفضّلون "أروى" عليها.
ارتدت "إيناس" ملابسها ثم وقفت أمام المرآة، لقد تعبت حقًا من ذلك، تقف أمام المرآة ولا تستطيع الثقة بشكلها، حاولت كثيرًا تنسيق لباسها بشكلٍ أنيق وتفشل كل مرة.
دخلت عليها "جنة" فقالت:
- واقفة بقالك ساعة قدام المراية كالعادة، يابنتي شكلك حلو و الله.
ثم جلست على كرسيٍ وُجِد قريبًا منها في حين قالت "إيناس":
- ماتحلفيش كدب بس.
ثم جلست بجانبها.
سألت "جنة":
- هي "أروى" نازلة معاكِ صح؟
أجابتها "إيناس" مؤكدة، فقالت "جنة" وهي تفرك يديها مرتبكةً وراجية:
- ما تاخدوني معاكم.
ابتسمت "إيناس" ابتسامةً حاولت جعلها دافئة بنبرةٍ معتذرة:
- أنتِ عارفة إنه مش هينفع.
كانت "جنة" تعلم أن رجاءها مقطوع، "أروى" أهمّ بالطبع، و"أروى" لا تتحمل المكوث معها في مكانٍ واحد لأكثر من ثلاث دقائق. قالت وقد رسمت ابتسامةً مريرةً على محيّاها:
- طبعًا، ما هي الست "أروى" هانم أهمّ، وهي مش عايزاني، فمش مهم بقى أولع أنا.
ردّت "إيناس" بنبرة صوتٍ شابها اللوم وهي تثني يدها اليُمنى لتضعها في يدها اليُسرى المفرودة:
- اهو المشوار ده بالذات تبع "أروى" أصلًا، وإحنا مانعرفش الناس، وهتبقى قلة ذوق لو جبنا حد زيادة، يعني الموضوع مش عشان "أروى" هتتضايق بس.
تنهدت "إيناس" بعدما قامت من جانب شقيقتها، أحيانًا تشعر أنها في دوّامة بين شقيقتها وابنة عمّتها، عليها فصلهما كي لا تحزن "أروى" ثم تذهب لإرضاء "جنة".
- هو أنت جايبنا هنا ليه؟
قالتها "إسراء" بانزعاج لأخيها حيث كانا يجلسان في مطعم أنيق، كانت الإضاءة هادئة وألوان الكراسي الجلدية المريحة بين الأصفر والأسود، رائحة الطعام نفّاذة يسيل لها اللعاب. أجاب "عمر" بذات الانزعاج:
- بخرجك يا بت في ايه؟ إيه التكشيرة ديه؟
- بتعمل حاجات غريبة والله.
قال في استنكار:
- بعمل حاجات غريبة عشان مخرجك في مطعم نظيف.
قالت باستهزاء وهي تلوّح بيدها:
- يا عم.
زفر "عمر" حانقًا، لا يعجبها شيءٌ مهما حاول!
قالت بعد دقائق بعدما زفرت:
- مش هتأكّلني حاجة طيب؟ ولا أنت جايبني تجوّعني ولا إيه؟
قال باشمئزازٍ من أسلوبها الفجّ:
- هو أنتِ يا بنتي ماينفعش تتكلمي بذوق خالص؟! لسانك ده ماينظفش أبدًا؟!
ثم قال بعدما تنهد:
- عمومًا هأكّلك يا ستي.
ثم بدأ يقرأ لها قائمة الطعام أمامه.
قطع حديثهما دخول "إيناس" و"أروى"، فجلستا - بعد السلام - بجانب "إسراء"، "أروى" على يمينها و"إيناس" على يسارها بينما جلس "عمر" على المقعد المقابل لهنّ.
استنكرت "إسراء" وجود الفتاتين كثيرًا، ماذا تفعلان وما علاقتهما بـ"عمر" الذي قام فور أن رآهما؟! ثوانٍ ثم قام "عمر" متعذرًا برغبته في دخول دورة المياه كي لا يسبب إحراجًا لهما.
كانت "أروى" تحاول بدء الحديث بأسئلةٍ عامّة لكن إجابات "إسراء" المقتضبة لم تساعدها. قالت "أروى":
- طب بقولك هاتي ايدك كده خلينا نتعرّف على بعض.
استغربت "إسراء" من جملتها قبل أن تأخذ "أروى" يدها وتتحسّها، لتجد "إسراء" نفسها تفعل المثل.
استطاعت "إسراء" - من لمس يد "أروى" - تحديد أن يدها صغيرة قليلًا، وممتلئة بحدٍ متوسط، كما استطاعت "أروى" معرفة أن يد "إسراء" جافة قليلًا، كبيرة ونحيفة بدرجةٍ كبيرة. كانت يد "أروى" دافئة بينما كانت يد "إسراء" باردة جدًا بالنسبة لـ"أروى". قالت "أروى" بعد ذلك:
- حطي ايدك على وشي بقى.
ميّزت "إسراء" وجه "أروى" الدائري الممتلئ كما ميّزت "أروى" وجه "إسراء" النّحيف الطويل.
ثم كرّرت "إسراء" فعلتها مع "إيناس" وهي تتخيل شكل كلٍّ منهما في حين قالت "أروى" مترفقة:
- لو عايزة تتعرفي على أي بنت اعملي معاها كده، عشان تتخيلي ملامحها وما تحسيش إنك بتكلمي مجرد صوت بس.
بعد فترة كان "عمر" قد عاد للجلوس أمامها بعدما قامت "أروى" و"إيناس" لدقائق. سألت "إسراء" في بعض العدائية:
- مين دول يا "عمر"؟
- ناس أعرفهم.
قالت بخبث:
- والناس الي تعرفهم دول كلهم بنات ما شاء الله.
- ياريت تلمي نفسك بقى يا "إسراء" عشان هم داخلين علينا.
- هو إيه بقى؟
قالتها "إسراء" متذمرةً لـ"أروى" و"إيناس" اللتَين اقتحمتا الجلسة فجأة بشكلٍ غريبٍ بالنسبة لها. قالت "إيناس" مستفسرة:
- إيه؟
- إيه بقى؟ أنتم مين؟ واقتحمتوا حياتنا فجأة كده ليه؟ قاعدين بتعملوا إيه أصلًا؟
قالت "أروى" ساخرة:
- أنتِ ماسمعتيش عن الذوق قبل كده؟
قالت "إسراء" وهي ترسم ابتسامةً مشمئزةً على وجهها:
- لا ماسمعتش، ياريت تقوموا بقى.
استنكرت "إيناس" بشدة في حين قالت "أروى":
- وإيه الي يخلينا نقوم؟
أجابت "إسراء" على سؤالها الذي بدا غبيًّا في عدائية:
- عشان أنا معرفكوش.
- طب ما تعرفينا، مش يمكن نطلع كويسين.
تنهدت "إسراء" ثم قالت:
- أنا مش عايز اكم تطلعوا كويسين ولا وحشين، أنا مش عايزة حد أصلًا.
- ليه مش عايزة حد؟
استشاطت "إسراء" غضبًا من برود الأخرى وأسئلتها، فصرخت قائلة:
- كده، أنا مش عايزة حد، أنا حرة! ده إيه البرود الي أنتِ فيه ده؟!
أطلقت "إيناس" ضحكةً مكتومة، كيف لا وهي تعرف "أروى"؟ لديها برودٌ يجعل من أمامها يشتعل سخطًا دون أن يتحرك داخلها شيء.
قالت "أروى":
- مش عايزة حد عشان خايفة تباني ضعيفة؟
سكتت "إسراء" وكأنّما صُمّت، بينما لم ترد "إيناس" التدخل فتابعت الحوار في صمت. استطردت "أروى":
- بتبني حصونك وأسوار قلعتك عشان ما تنهاريش في لحظة قدام أي حد، ولا عشان ما تبقيش عالة على حد؟
كانت "أروى" تعري "إسراء" أمام نفسها، وكان ذلك قاسيًا عليها، "أروى" محقة في كل كلمةٍ قالتها، لقد اعتادت على ذاتها الصراحة ولم تعتدها كاذبة متخفية، فقالت وقد نزلت دمعةٌ من عينيها اللتين لا تفعلان شيئًا سوى ذرف الدموع:
- الاثنين.
- طب ما تقعي وتقومي إيه المشكلة؟ وليه هتبقي عالة؟ طبيعي تبقي محتاجة الي يساعدك زي ما إن شاء الله هيكون عندك الي تقدميه.
قالت "إيناس" لتغيّر موضوع الحوار الشائك:
- هو أنتِ بتدرسي إيه؟ أو اتخرجتي من كلية إيه يا "إسراء"؟
وجدتها "إسراء" فرصةً لتغيير الموضوع فأجابت:
- كنت في سنة أولى في كلية إعلام.
قالت "إيناس" مستفسرة:
- كنتي؟!
قالت "إسراء" في مرارة:
- أكيد مش هعرف أكمل بعد الي حصل لي.
- ليه؟ طب ما "أروى" اتخرجت من إعلام السنة اللي فاتت برضو عادي، بس للأسف مفيش جريدة رضيت تشغل واحدة لسة متخرجة وكفيفة.
صدمتها جملة "إيناس"، "أروى" كفيفة؟! لم تكن تعلم. ربما تعرف الآن لمَ جمعها "عمر" بهاتين.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل السابع عشر 17 - بقلم اية حسين
مرّت قرابة الساعتين و"أروى" لا تتوقف عن الاتصال بـ"إسراء" التي تتجاهلها، قبل أن يرنّ جرس الباب.
قامت "إسراء" لتفتح ظانّةً أنه "عمر"، سألت و هي تفتح:
- ايه الي جابك بدري كده يا "عمر"؟ مش قلت هتخلص على المغرب؟
وجدت نفس الصوت الذي بدا مزعجًا في تلك اللحظة يقول:
- لا أنا مش "عمر".
كان صوت "أروى".
قالت "إسراء" حانقة:
- هو أنتِ يا بنتي مش وراكِ حاجة غيري؟ ما تروحي تشوفي حياتك بقى و تسيبيني في حالي! ثم أنتِ عرفتي عنواني منين أصلا؟
جاء صوتٌ أنثوي مختلف بقول:
- حاولت أقنعها إن مينفعش الي بتعمله ده ماسمعتش كلامي.
ثم حمحمت قبل أن تقول:
- ازيك يا "إسراء" أنا "إيناس".
- لا بصوا التعارف ده نشيله لبعد ما القمورة تلبس عشان تنزل معانا.
قالتها "أروى" لتقول "إسراء" باستشاطة:
- أنا أكيد مش هنزل مع ناس غريبة ماعرفهاش جابوا عنواني بطريقة أغرب.
تجاهلت "أروى" جملتها و قالت:
- المهم هتنزلي باللي عليكِ ولا هتغيري؟
كنّ يجلسن في أحد المطاعم داخل مبنىً تجاريّ حين قالت "إسراء":
- مش قادرة أصدق إني نزلت معاكم.
تجاهلت "أروى" ما قالته كالعادة و هي تسأل:
- هتاكلي ايه؟
- مش عايزة آكل.
كذبت "إسراء" فيما قالته إذ بلغ الجوع منها مبلغًا عظيمًا. قالت "أروى" لـ"إيناس":
- اطلبي لها من البتاع الي جربناه قبل كده و عجبني هتحبه.
علّقت "إسراء" و قد يئست منها:
- نفسي أعرف أنتِ جايبة العشم ده كله منين.
- احكي لي بقى، أنتِ مين؟
- أحكي لك ايه؟
كان هذا سؤالًا من "أروى" لـ"إسراء" التي أجابت سؤال بسؤالٍ ثانٍ مستغربةً مستفسرة. قالت "أروى":
- أنا عايزة أعرف مين "إسراء" الي قاعدة قدامي، بتعمل ايه و عملت ايه و حياتها ماشية ازاي؟
لم تبدِ "إسراء" أي تجاوب فقالت "أروى":
- طيب هبدأ أنا، أنا "أروى" عندي ٢٣ سنة، اتخرجت من كلية إعلام زي ماقلت لك قبل كده، بحب البيتزا و المكرونة البشاميل، و بحب أتكلم كثير اوي، بجس إن ربنا خد من عيني و حطه في لساني، بس حتى لما أتكلم، بحب يكون كلامي له لازمة مش مجرد رغي. أكثر حدث مؤثر في حياتي كان يوم الحادثة، الي راح فيها أبويا و أمي و أخويا، و فقدت نظري، حياتي اتغيرت بسببها، مش عايزة أقول إنه حدث محوري في حياتي عشان بحاول ما أخليهوش كده و يبقى عندي ذكريات ثانية حلوة أفتكرها و أحكي عنها غير الحادثة. المهم إنه خالي و مراته و بنته ماسابونيش و أقدر أقول إنهم نوروا لي حياتي.
ضغطت "أروى" على كفّ "إيناس" كي تفعل مثلها فحمحمت "إيناس" قبل أن تقول:
- و أنا "إيناس"، عندي ٢٧ سنة، اتخرجت من طب و خلصت الامتياز و بعد كده اشتغلت في «مستشفى النور» الي أخوكِ بيشتغل فيها زي ما أنتِ عارفة برضو، عندي أخت أصغر و بقى ليّ أخت ثالثة بسبب حادثة، و بحب الطبخ و بحس إني شاطرة فيه، ماعنديش طموح غير إني أكمل في شغلي الي بحبه و أتقدم فيه.
سكتت "إيناس" لبرهة قبل أن تستكمل:
- ساعات كده لما كنت بتعب من المذاكرة أو أزهق من طول فترة دراستي بشك إني اخترت المجال عشان أنا عايزاه، بقول لنفسي كده إن المكان مش مكاني و إني قررت أدخل الكلية بس عشان تعظيم المجتمع للدكتور عن باقي الشغلانات، لكني بتأكد إن كل ده وهم و أنا بشوف فرحتي لو عالجت حد مريض أو خففت ألمه.
كان دور "إسراء"، لم تدرِ ماذا تقول، لو وصفت حياتها لقالت إنها سلسلةٌ من الخيبات بعد أملٍ كبير، باستثناء الخيبة الأولى التي لم تعرف قبلها الأمل أو التوقعات، لكنها بالتأكيد أرادت حياةً أفضل بين أبوين محبَّين، و الخيبة الثانية حين توّهمت كما توّهم أخوها أنه بمجرد خروجهما من بيت عمّهما ستبتسم لهم الدنيا قبل أن يرتطما بقسوة الواقع و صعوبة تدبر العيش، أمّا الخيبة الثالثة و الأعظم في نظرها تلك اللحظة، و هو عندما تحسّنت الأوضاع المادّية فأقبلت على الحياة ظانَّةً أنه لا خيبات بعد، لتُفجع بفقدانها بصرها.
قالت أخيرًا بعدما تنهدت:
- مش عارفة أقول ايه بصراحة، لو عايزين تعرفوا أنا فقدت نظري ازاي، فالموضوع إن واحد زقني بالغلط فوقعت من فوق السلم على مركز الإبصار في مخي.
لم يعجب "أروى" ما قالته فقالت لها منزعجة:
- لا هو أنتِ حياتك ماانحسرتش على عماكِ، أكيد كان عندك ذكريات قبل الحادثة و إن شاء الله هيبقى عندك بعدها.
قالت "إيناس" استكمالًا لما قالته قريبتها:
- احنا عايزين نعرف أنتِ بتحبي ايه و بتكرهي ايه؟ عشتي حياتك فين و مع مين و ازاي؟ و ايه طموحك للي جاي؟ أنا ساعدتك و قسمتها لك اهوه جاوبي بقى.
قالت "إسراء" مغتصبةً الضحكة:
- أصلي خايفة أعيط و أقلبها نكد.
ردّت "أروى" ضاحكة:
- ياستي ماتقلبيها نكد براحتك و احنا هنتنكد معاكِ، احنا بنقدّر النكد.
قالت "إسراء" بعد هنيهة:
- واحد قضى سنين طويلة اوي في السجن، و أول ما خرج و يادوب بيشم الهوا عربية داسته. ساعات بحس إني كده، قضيت وقت كثير اوي من عمري في «كان نفسي» و «كنت فاكرة»، كان نفسي أعيش وسط أهلي الي بيحبوني و بيهتموا بيا، مش في بيت عمي الي ماشفتش فيه يوم عدل، كنت فاكرة إن لما نهرب منه كل حاجة هتبقى تمام، و اتصدمت بأرض الواقع، كنت فاكرة إن الأوضاع خلاص اتحسنت و إني هعيش حياة حلوة و اتصدمت ثاني بالحادثة.
أمسكت "إيناس" بيد "إسراء" تربت عليها بعدما استشعرت حزنها من تعابير وجهها. تابعت "إسراء":
- بحب ايه و بكره ايه، كنت بحب القراءة جدًا، بكره أي حد فاكر نفسه معلم و هو ولا حاجة، و بكره أقعد مع ناس كثير، زمان كنت بحس إني قلقانة لو في مجموعة، دلوقتي مش قلقانة لكن مخنوقة.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اية حسين
مرّت بضعة أشهرٍ تحسّنت بها "إسراء" كثيرًا، و قد أفسحت مكانًا لـ"أروى" و "إيناس" في حياتها، حتى أنهما تعرّفتا على "آية"، و كوّنت الأربع فتيات رباعيًا سُمّي بـ«رباعي الألف»، نظرًا لأن جميع أسمائهن تبدأ بحرف الألف.
أقنعتها "أروى" بطريقةٍ بدت سحريةً لجميع من عرف "إسراء" بالعودة للجامعة. بدأ الأمل ينمو داخلها على رجاء ألّا تجد الخيبة نصيبها مجددًا.
لم يكن - أمر عودتها للجامعة - هيّنًا أبدًا خصيصًا بعد أن فاتتها الكثير من المحاضرات، لكنها تتذكر نصائح "أروى":
النصيحة الأولى:
لازم لازم لازم تتعلمي برايل، حقيقي هتفيدك جدًا مش بس في الدراسة لا ده في حياتك العملية كمان. ناس كثير بتحط لغة برايل مع اللغة الي بتتقرأ بالنظر عادي، بس المبصرين مابياخدوش بالهم، عندك مثال شائع أسانسيرات بعض المولات و الفنادق بيبقى مكتوب عليها ببرايل، و كذلك علب الأدوية.
النصيحة الثانية:
مش كل الكتب في الكلية ممكن تتوفر بطريقة برايل، فهيبقى عندك إعتماد كبير على المحتوى المسموع.
النصيحة الثالثة:
في امتحانات الكلية مش هيبقى في برايل - على عكس المدارس - هيبقى في مرافق بيقرأ عليكِ السؤال و تمليه الإجابة شفهيًا.
النصيحة الرابعة:
من الطرق الي ممكن تساعد الكفيف يمشي في الشارع، الكلب، أو العصاية الخاصة بالمكفوفين، أو بمساعدة إنسان. أعتقد الكلب هيزود عليكِ مسؤولية روح و هتبقى صعبة و مش عملية، العصاية بتفيدني كثير جدًا ما أبقاش حمل على حد لكن مش منتشرة في مصر ومش هتفيدك اوي في الشارع، هتبقى مفيدة للأماكن المغلقة، وليكِ حرية الاختيار تجيبيها ولا لا، هي غالبًا غالية أصلا، وجود إنسان معاكِ هييسر كثير جدًا فحتى لو معاكِ عصاية لكن معاكِ شخص متوجه معاكِ لنفس المكان ماتتحرجيش أبدًا تخليه يساعدك.
النصيحة الخامسة:
ما تتكسفيش أبدًا تطلبي مساعدة من أي حد، احنا بشر و طبيعي بنكمل بعض و مش عيب نطلب المساعدة.
النصيحة السادسة:
كده كده صعب تبقي معتمدة على نفسك في كل حاجة، لازم نعترف إن العيشة بدون بصر صعبة و احنا بنحاول نبقى قد ابتلاء ربنا لكن مش لازم نبقى أبطال خارقين.
لم تلفظ "أروى" تلك النصائح مرةً واحدة بل قسّمتها كي يأتي ذكرها بطريقةٍ عفويةٍ أثناء الحديث الودي، لكن "إسراء" اهتمّت بكلامها -مؤخرًا- حتى أنها سجّلته بصوتها بعد ذلك لتجدها في وقت لاحق.
مطمئنٌ أن نجد من مرّ بنفس التجربة التي نمرّ بها الآن، و قد مرّ بسلام، و عرف الطريق ليدلنا عليه، هناك الكثيرون مثل "أروى" بالنسبة لـ"إسراء" في حيواتنا، هل نستمع لهم؟
لم تنسَ كذلك جهد "آية" التي بذلته من أجلها فقد سعت لتوفير لها بعض الكتب الدراسية بطريقة برايل، و البعض الآخر مسموعًا، حتى الملاحظات التي كتبتها في دفترها طوال الأشهر التي غابت فيها "إسراء" و لم تفلح في تحويلها لملفٍ صوتي قرأتها بصوتها و قد تجاوز بعضها العشر صفحات. مازالت تذكر حين تأبّطت ذراع "آية" لتدخل الجامعة لأول مرةٍ بعد انقطاع، حين كان كفّ "آية" باردًا يرتجف قلقًا أكثر منها خشية أن يضايقها أحدٌ فتُدفن عزيمتها المُكتَسبة حديثًا.
و كيف تنسى حين كانت "إيناس" تعلّمها لغة برايل مقتديةً بوالدتها و طالبةً العون منها، إذ كانت أمها من علّمت "أروى" منذ سنين.
هي ممتنةٌ حقًّا لانتمائها إلى «رباعي الألف» الذي لولاه لما استقامت من بعد سقطتها أبدًا. تتمنى لو أتتها الفرصة لردّ الجميل.
انشغل "عمر" عنها تلك الفترة، لكنها تَذكرُ له قلقه عليها و اتصاله كل دقيقتين للاطمئنان عليها في الجامعة، رجّحت أنها مشكةٌ في عمله فقد كان يقضي وقتًا طويلًا بالخارج.
∆∆∆∆∆∆∆∆
فاجأ اتصال "عمر" "علي" فأجاب بلهفة و هي يقول:
كنت فين يا "عمر" كل ده أنا بقالي كثير بحاول أوصل لك.
تجاهل "عمر" جملة "علي" و أملاه عنوان شارع ليلقاه فيه.
ذهب "علي" إلى هناك فورًا متشوقًا للقاء صديقه ليحكي له ما رآه، فقد مرّ الكثير من الوقت و"علي" يحاول الوصول لـ"عمر"، لكنه اختفى بشكلٍ مريبٍ مؤخرًا. كان يلوم نفسه كذلك، فقد انشغل قليلًا في البداية فلم يكُن يلقى "عمر" و أجّل موضوع مفاتحته في الأمر متعذرًا بالتفكير في الطريقة المناسبة ليبلغه.
وقف أمام "عمر" و هو يخبره بأهمية ما أراده فيه، لكن "عمر" قاطعه قائلًا:
نبقى نشوف الموضوع ده بعدين
ثم أردف و الشرر يتطاير من عينيه المحدقة بالملهى الليلي القريب:
"مروان" خرج من السجن امبارح
تخللت السخرية نبرته و هو يقول:
و بيحتفل جوة مع صحابه، بيتعافى بسرعة ما شاء الله.
ثم قال بجدية:
الكاميرا الي في الباب الخلفي بايظة، فاحنا ممكن نجيبه من هناك و ناخده في أي حتة مستخبية و نروقه.
- "مروان" ده الي ضرب أختك صح؟
- أيوة
- و أنت عايز تمسكه و تتخانق معاه؟
ردّ "عمر" متضجرًا:
أيوة هتساعدني بعد التحقيق ده ولا لا؟
لم يعبأ "علي" بجملته الأخيرة بل قال متهكمًا:
و هتضربه بايدك ولا جايب حاجة معاك؟
فاجأ "عمر" "علي" مجددًا بأن أخرج سكينًا كبيرة و أراه إياه، فقال "علي" متعجبًا:
هو أنت في حاجة في مخك؟
تعجب "عمر" من قوله المفاجئ فنظر إليه مستغربًا، أردف "علي":
أنت عايز تمسكه تضربه بقى و تنتقم و شغل الحارات ده؟
هزّ "عمر" كتفيه قائلًا:
مش هو أذاني؟ ييقى أنا ليا حق رد الأذية.
- ما أنت سجنته.
- و هو أنت شايف إن ست شهور كفاية على الي عمله؟ لا ويخرج بدري حسن سير وسلوك كمان.
قال "علي" بسخط ممتزج بالسخرية:
لا تودي نفسك في داهية، و تتحبس أكثر من ست شهور بكثير عشان ماقدرتش تمسك غضبك.
استاء "عمر" من كلام "علي"، ثم شمله بنظرة ازدراء، رآه جبانًا، هذا طبيعي، "إسراء" لا تمثّل بالنسبة له نور عينيه، بالتأكيد لن يهمّه أمرها.
قال "عمر" باستهانة و ازدراء:
لو خايف اوي كده خلاص روّح يا "علي" و أنا هتصرف.
يبدو أن الحمق ركبه الآن، هكذا قال "علي" داخل عقله، تنهد ثم قال:
بص أنا مش هقولك أنا هدوس معاك في أي حاجة و الكلام ده، أنا فعلًا خايف و مش شايف أهمية منطقية للي عايز تعمله، بس خايف عليك و علَيّ، مش علَيّ لوحدي.
ردّ "عمر" صائحًا مستنكرًا:
مش شايف أهمية؟
- أيوة يا "عمر" مفيش أهمية، ديه نفسك و ده غضبك و لازم تكبحه، ماتخليش غضبك يسوقك، لو كل واحد حد ضايقه قرر يعمل الي أنت ناوي عليه كله هياكل في كله. الواد اتسجن و خلاص خلصنا، مش هنضيع حياتنا عشان واحد ما اترباش مالوش قيمة.
لم يفكر "عمر" في كلام "علي"، كل ما فكّر به هو مظهر "إسراء" و هي تبكي و تناديه في المستشفى، و قد شعر أنه لم يُجِب نداءها بعد، لأنه ترك من فعل بها هذا حيًّا يتمتع بحياته.
قال باسهزاء و مرارة وصلت لـ"علي" ممّا جعله يشفق عليه:
أنا مش عارف أنا مستني منك تحس زيي ليه، مش أنت الي حبيبتك و نور عينك حصل فيها كده، ولا أنت الي بتقف كل يوم تبص لها و نفسك تخرّجها من الي هي فيه بس عاجز، و كل ما تحاول تصلّح تلاقي نفسك بتبوّظ.
نزلت منه عبرةٌ حارّة مسحها بسرعة ثمّ ألحقها بقوله:
روّح يا "علي" روّح، أنا مش عارف أنا كنت مستني منك تحس بيّ ازاي.
- بس أنا طول عمري بحس بيك يا "عمر"، أنا قلت الي قلته دلوقتي من خوفي عليك، مالك يا "عمر" أنت أول مرة تبقى كده؟
قال "عمر" بتهكم شابهُ بعض الغلّ لم يتخيّل "علي" أن يحمل "عمر" منه ذرةً في قلبه له:
معلش أصلي ما اتربيتش و أنا أصغر اخواتي و كل حاجة بتجيلي لحد عندي، أنا لقيت نفسي راجل مسؤول فتلاقيني باخد موقف و بتصرف مش جبان زيك.
بُهِت "علي" من قول "عمر" الذي يسمعه لأول مرة، لا يصدق أن "عمر" قد يراه هكذا! و قبل أن يعبّر عن صدمته وجد "عمر" يستدير و يرحل، فاستدار للجهة الأخرى هو أيضًا.
تذكّر "علي" أمر والدي "عمر" في حين شعر "عمر" بالذنب لما قاله. فنادى كلٌّ اسم الآخر، التفتا لبعضهما و سأل كلٌّ منهما عمّا أراده الآخر، لكنّ أحدًا منهما لم يتكلم، فمضى الاثنان و كلٌّ يردد بذهنه: لو كان هو من نطق!
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اية حسين
ذاقت "نسرين" الكثير بسبب "جنة"، تحاول ألّا تتذكره. ذكرى ذاك اليوم لا تفارقها، حين قررت إنهاء حياتها، بعدما كرهها الجميع، ولم يسمعها أحد، واعتبرها الجميع مجرمة بسبب حديث "جنة". التفتت إلى الندبة في يدها بسبب محاولة انتحارها قبل أن تخفيها في ثيابها. أخذت تلهث من انفعالها قبل أن تنخرط في نوبة بكاءٍ عنيفة.
عادت "جنة" إلى بيتها باكية، يبدو أنه لا أمل، ستبقى هي "جنة" الخاطئة المذنبة بحق الجميع. تدرك كم كانت حمقاء حين صدّقت ذلك الكلام عن التوبة الصادقة، وعن العفو والسماح والتغير. حاولت منذ مدة دون أن يسامحها أحد. لم يكن يهمها عفو "نسرين" ولا "أروى" ولا غيرهما بالأمس القريب، لكنها اتخذت قرارًا بمحاولة التغير للأحسن. ارتدت الحجاب الذي تعاركت مع أهلها كثيرًا لكي لا ترتديه. انتظمت في صلاتها، ثم حددت لها وردًا من القرآن رغم عدم التزامها الكليّ به. توقفت عن لمز كل من تتعامل معه، طلبت العفو من "أروى" ثم من "نسرين" بصدق، دون أن تستجيب لها إحداهما. هما أكثر اثنتين أذتهما في حياتها، وتتفهّم صعوبة السماح. بذات الوقت تتمنى سماع كلمة «أسامحكِ». صعُب عليها أن تتعايش مع هذا بعد توبتها. كيف كانت تستيقظ كل يوم وتنظر إلى "أروى" وهي تعلم كمّ الجرح بداخلها بسببها، أو أن تكمل حياتها دون أن تتذكر "نسرين" التي كادت تنتحر بسببها. يبدو أنه لا مفرّ من أن تحيا وتموت مذنبة دون أن تُمنح فرصةً أخرى.
ضغطت على زر جرس باب بيتها لتفتح لها "إيناس" سائلةً بفزعٍ عن دموعها، قبل أن ترتمي في حضنها. "إيناس" هي أكثر من دعمتها وتوبتها. أدخلتها "إيناس" لغرفة "جنة"، ثم عانقتها في صمت. بعد دقائق سألت "جنة" بأسى بين شهقاتها:
- هو ليه ماحدش عايز يديني فرصة؟ أنا عارفة إن أنا عملت كثير، بس للدرجة ديه أنا ما أستحقش فرصة جديدة؟ نفسي في فرصة واحدة بس وهبقى كويسة والله، أنا بحاول ما أبقاش وحشة اوي كده.
***
لبثت لدقائق تحدق أمامها مشدوهة. الباب مفتوحٌ أمامها، وهي تنظر ولا تستطيع أن تميّز إن كان ما تراه حقيقة أم خيال.
لقد دخلت عليها "هناء" الخادمة منذ دقائق لتقدم لها الطعام وتتحدث إليها قليلًا كما كانت تفعل مؤخرًا كي لا تفقد عقلها. لم يعد زوجها يدخل الغرفة كما السابق بعد أن ضَمنَ أنها يئست من فكرة الخروج من الغرفة المغلقة.
ندمت على ما فعلت في البداية كثيرًا، لكنها كل يوم تزداد يقينًا أن مثل "إسماعيل" لا يجب له إلا فضحه وترك أمره لمن هم أقوى منه. كالسمكة الكبيرة وسط الأسماك الصغار، لن يوقفها إلا وجودها وسط القروش.
هي من وضعت تلك الورقة في محفظة "عمر" خلسةً. كانت تريد الانتقام من "إسماعيل" الذي أفنى شبابها وأحب غيرها، وهي على علم أن لا شيء قد يوجعه في الدنيا بقدر فضح فعلته. وقد أتتها الفرصة على طبق من ذهب حين رأت "عمر" في مكتب "إسماعيل"، فوضعت له الورقة في المحفظة التي نسيها. لكنها حين كتبت العنوان كتبت عنوان بيتهم القديم، إذ كانت مترددة وتحتاج وقتًا للتفكير في الأمر. قالت في نفسها: أضع له عنوان المنزل القديم ليتأكد أني أعرفه وأهلَه، وإن أردتُ استكمال الخطة أضع له موقع العمل والمنزل في ورقة أخرى هناك.
خرجت من الغرفة ببطءٍ وحذر، دون أن يراها أحد، إذ كانت "هناء" قد رحلت لمنزلها لقضاء إجازتها منذ دقائق و"إسماعيل" في الطابق الثاني، ثم خرجت من البيت.
بمجرد أن خرجت إلى الشارع انتابها شعورٌ بالتحرر عجيب. وقفت محدقةً ببسمةٍ تزداد وسعًا ثم بضحكةٍ تزداد علوًّا، حتى انتهى بها الحال تعدو في الطريق ضاحكةً بغير هدى حافية القدمين مشعّثة الشعر متورمة العينين برز سوادٌ تحتهما. من يراها الآن سيتوقع أنها مجنونةٌ قضت شهورًا دون مأوى. ها قد تحرر جسدها من زنزانتها، بقي أن تتحرر روحها من وجوده.
***
عادت "هناء" لمنزلها وعقلها مشغولٌ بتوقع عواقب ما فعلت. حين قضت مع "شيرين" وقتًا تتحدث إليها، قبل أن تخرج متعمدةً ترك الباب مواربًا كي تلاحظ هي بعد ذلك أن الباب ليس مؤصد. طلبت إجازتها في ذلك الوقت ثمّ لملمت اغراضها قبل أن تدخل لـ"شيرين" وتترك الباب مفتوحًا متعمدة.
لقد أحسنت "شيرين" كثيرًا طوال فترة عملها عندها، وتتساءل حقًّا، ماذا فعلت لتلقى كل هذا من زوجها؟ حاولت مساعدتها بكل الطرق، أصرت على أن تُدخل هي لها الطعام، واليوم تحررها من سجنها رغم خوفها الشديد من "إسماعيل" الذي صارعته كل تلك المدة لتتغلب عليه في النهاية وتفتح الباب لها ثم تطلب إجازتها هاربة كي لا يشك "إسماعيل" فيها.
عجيبٌ أمر "شيرين" حقًّا، تفعل الخير مقترنًا بالشر، تثبت أن للإنسان جوانبٌ عدة قد يظهر في بعضها الخير، وفي البعض الآخر الشر.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل العشرون 20 - بقلم اية حسين
جلست "أروى" على أريكةٍ استقرّت في غرفتها.
دخلت عليها "مديحة" زوجة خالها، داعبتها ببعض الجمل المازحة قبل أن تفاتحها في أمر "جنة".
قالت "أروى" بضيق:
- ماشي ماشي.
قالت "مديحة" بانفعالٍ طفيف:
- هو ايه الي ماشي ده أنتِ بتاخديني على قد عقلي يا بت أنتِ؟
- عايزاني أعمل ايه يعني أقوم أحضنها دلوقتي؟
- يا حبيبتي سامحيها والله اتغيرت، ديه مموتة نفسها من العياط كل يوم من الذنب، هي نفسها تفتح صفحة جديدة ساعديها.
شعرت "أروى" بضجرٍ تصاعد إلى اختناق. كيف فكرت "مديحة" بإمكانية تعاطفها مع "جنة"؟!!
ردّت بنبرةٍ وابتسامةٍ ساخرتين:
- تكّرهني في حياتي سنين و تعيط أسبوعين فالمفروض تصعب عليّ.
حاولت "مديحة" استمالتها مجددًا فتنهدت ثم قالت و قد انكمشت ملامح وجهها:
- العفو صعب.
ربّتت "مديحة" على فخذها قائلةً:
- العفو تحرر.
صدّقت "مديحة" فالعفو تحررٌ من قيود الغلّ و زنازين الكره، العفو هو ما قد يجعلك تمضي للأمام.
خارج الغرفة كانت "جنة" تتصنت عليهما قلقةً مترقبةً ملصقةً أذنها في الباب.
حين وجدتها "إيناس" على تلك الحال فقالت متفاجئة:
- ايه ده يا "جنة" أنتِ بتتصنتي؟!
أجابت "جنة" مشيحةً بيدها غير مكترثة لما قالته شقيقتها:
- استني بس.
سمعت "إيناس" كلماتٍ متبادلة بين والدتها و ابنة عمّتها فتفّهمت سبب وقوفها.
فقالت:
- طب روحي أنتِ يا "جنة" دلوقتي و أنا هبقى أقول لك الي حصل ماينفعش تقفي كده.
نظرت لها "جنة" نظرةً راجية قبل أن تمنحها "إيناس" نظرةً واثقة.
رحلت "جنة" ثم دخلت "إيناس" تزامنًا مع خروج والدتها.
فسألت:
- ماما ضايقتك؟
أجابت "أروى" متهكمة:
- كنتي بتتصنتي علينا ولا ايه؟
- لا خالص ده أنا سمعتكم بالصدفة و أنا داخلة.
قالت "أروى" بصوتٍ خلا من العاطفة اعتادته "إيناس" منها حين تتحدث عمّا يضايقها:
- وعمومًا لا ماضايقتنيش.
لم ترد "أروى" أن تستفيض في ذكر ضيقها من "جنة" فصمتت.
سمعت "أروى" صوت خطوات "إيناس" خارجةً من الغرفة.
فسألت:
- مش هتغيري هدومك طيب؟
إذ كانت لا تزال ترتدي بذلة عملها بالمستشفى.
ذهبت "إيناس" إلى شقيقتها لتنقل لها عدم ترحيب "أروى" بفكرة المسامحة.
سألتها "جنة" بعينٍ دامعة:
- "إيناس" أنتِ مصدقة إني بحاول أتغير صح؟
عانقتها "إيناس" مطمئنةً و هي تقول:
- مصدقاكِ والله بس "أروى" صعب تصدق بعد كل ده.
صعدت "شيرين" حيث شقة "إبراهيم" و "هدى".
فتحت لها "هدى" قبل أن تشهق واضعةً صدرها على فيها ثم تقول:
- في ايه يا "شيرين"؟ مالك عاملة كده ليه؟
كانت تقصد مظهرها المشعث.
ربّتت "هدى" على كتفها إذ لاحظت ذعرها قبل أن تصرخ "شيرين":
- ابعدي عني.
ابتعدت "هدى" مذعورة ثم سأل "إبراهيم" عن حالة "شيرين" مجددًا.
فقالت "شيرين":
- كل حاجة هتتكشف خلاص، "إسماعيل" هيتفضح النهارده.
استطردت بجسدٍ مرتجفٍ و أنفاسٍ متقطعة تحت نظرتيهما المتعجبة:
- "إسماعيل" هو الي سجنكم.
دخل "إسماعيل" إلى الشقة المفتوح بابها تزامنًا مع إنهاء "شيرين" جملتها.
فسحبها من شعرها بعنف و هو يقول غاضبًا لاهثًا:
- أنتِ ايه الي جابك هنا يا قذرة؟ تعالي معايا.
قبل أن يعلق أيٌّ من "إبراهيم" و "هدى" قالت "شيرين" بعدما تأوهت:
- اوعي يا حقير سيبني.
كان "إسماعيل" نزل من مكتبه بالأعلى ليلمح باب الغرفة التي حبس بها "شيرين" مفتوحًا.
خرج للشارع فوجدها تعدو فذهب خلفها.