كانت تشبه الأموات، صامتة، لا تتحدث مع أحد، تشاهد ما يحدث حولها بصمت. عيونها دائمًا تملأها الدموع والانكسار. كلمات حماتها الجارحة كلما اجتمعا، ووقوف غسان أمام والدته الذي يريد الأمور تعقيدًا، يجعلها تشعر أن هناك شيئًا غامضًا في الأمر. لم تعد تحتمل وهي ترى أختها على تلك الحالة. اقتربت منها وجلست بجانبها على الأريكة الخشبية تحت المظلة الكبيرة، مكانها الثابت منذ أكثر من أسبوعين.
مدت يدها تضعها على يد أختها المستريحة على الأريكة، لتنظر إليها نوار بعيون خاوية كسيرة يملأها الكثير من الخوف والضياع. لتقول عائشة بخوف حقيقي: "إيه يا نوار؟ مالك يا حبيبتي؟ قوللي اللي تاعبك كده. أنا اختك وسرك، أنا خايفة عليكي بجد. قوليلي كل اللي جواكي وسرك في بير." انحدرت دموع نوار دون أن تستطيع التحكم بها، لتضمها عائشة بقوة وهي تقول بقلق حقيقي: "مالك يا نوار؟ فيكي إيه يا حبيبتي؟
لم تعد تحتمل أكثر من ذلك، تريد أن يشاركها أحد فيما تحمل داخل قلبها من خوف وضياع. بدأت في سرد كل ما حدث معها ويحدث، وكلمات غسان والتحاليل وكل شيء تعيشه بمفردها وبصمت. كانت عائشة تستمع إليها وهي تشعر بالذهول والصدمة، وقالت بعدم تصديق: "ليه غسان مش عايزني أكشف عليكي؟ وليه تروحوا لدكاترة تانية غيري؟ كانت نوار في حالة ضياع، غير واعية لكلمات أختها ولا لحالتها. لكن عائشة انتبهت من أفكارها على حالة أختها، لتعود تضمها
من جديد بحنان وهمست بحنان: "اهدي يا نوار، اهدي. أنا جنبك ومعاكي ومش هسيبك أبدًا. اهدي يا حبيبتي، اهدي." مرت الدقائق وهم على نفس وضعهم حتى هدأت نوار تمامًا. لتبعدها عائشة قليلًا عن أحضانها، وحاوطت وجهها بيديها ونظرت إلى عينيها بقوة، وقالت: "نوار، خلينا نتفق إن الكلام اللي حصل دلوقتي يفضل بينا بس. أوعي تقولي لغسان، ماشي؟ ظهرت علامات الرفض على وجه نوار، لتقول عائشة سريعًا:
"خلينا بس ما نتكلمش في أي حاجة دلوقتي، وبعد فرح راغب نشوف هنعمل إيه، ماشي؟ ظلت نوار تنظر إليها بصمت، ولكنها أومأت بنعم. لتقول عائشة من جديد: "نوار، أوعي غسان يعرف إني عرفت حاجة، ماشي؟ أومأت مرة أخرى بنعم، وعيناها تتوسل إليها أن تساعدها. لتعود عائشة لضمها من جديد، وقلبها يتلوى ألمًا عليها، وتقول بصدق: "أنا مش هسيبك أبدًا أبدًا، وأنا جنبك ومعاكي."
بعد مرور شهر، وخلال تلك الفترة كان التحول الكبير في معاملة راغب لحلم، من منتهى اللين والحب لمنتهى القسوة والإهانة. أصبح يتعامل معها كما يتعامل مع باقي أفراد العائلة، ولكن بكثير من التجاهل وبطريقة الأوامر، حتى موعد عرسه على جنه. كان يقف أمام طاولة الزينة ينظر إلى نفسه وهيئته ببدلة العرس. ورغم ألمه وحزنه أن اليوم عرسه والعروس ليست حلم. ولكن ما ذنبها تلك الفتاة؟
عليه أن يكون عادلًا، أن لا يظلمها، أن لا يرى حلم بعينه القديمة، خاصة وأنه في كل زيارة لها يرى بوضوح فرحتها وسعادتها به. وأيضًا هناك داخل عينيها حب كبير، ولولا خجلها وحيائها لصرخت بذلك الحب بصوت عالٍ، كما قالت له ذات مرة: "تعرف يا راغب، أنا عمري ما تخيلت إنك تكون شايفني أصلًا. عمرك ما بصيت عليا، ولو نظرة واحدة. بس يمكن دي أكتر حاجة شدتني ليك، تقيل كده وكاريزما."
لم يستطع أن يجيب على كلماتها سوى بابتسامة صغيرة جعلت وجنتيها تتلون بحمرة الخجل، وهي تظن أنه ينظر لها بحب.
كل ما يحدث يخلق بداخله سعادة كبيرة وشهوة الانتقام التي تزداد بداخله وتتصاعد مع شعوره بحب صديقة حلم المقربة المحبوبة من الجميع، الغارقة في عشقه، وتتمنى رضاه دائمًا، خاصة مع فرحة والدته بها بشكل كبير بسبب معاملة جنه لها بحب واحترام وتقدير كبير أيضًا، دون أن تتخلى عن مرحها الذي يجعل الجميع يتعامل معها بسعادة، وإظهارها لحبها له أمام والدته التي تراها العوض وخير عوض.
رغم الحزن الواضح في عيون نوار ونظرة اللوم في عيون عائشة، إلا أنهما لم يتحدثا معه بلوم أو عتاب. أغمض عينيه لثوان وهو يتذكر آخر مرة نظر إلى عينيها. كان يتمنى أن يرى داخلهم الحلم القديم، نظرة حب، ولو خاطفة. لكن كان يرى عينيها كمرآة زجاج خاوية من الإحساس والمشاعر، وكأنها جسد خالٍ من الروح، خاصة وأنه كان يعلم من جنه أن حلم معها في كل خطوة، تساعدها في شراء أغراضها، وقد حجزت لها في أكبر مركز تجميل كهدية.
النار تشتعل داخل قلبه، تحرق روحه، ولا يجد ما يطفئها. طرقات على باب غرفته، ثم دخول أخويه بابتسامة واسعة وهم يغنون: "مبروك عليك يا معجباني يا غالي يا غالي، عروستك الحلوة قمر بيلالي." ابتسم ابتسامة واسعة، لكنها أبدًا لم تصل إلى عينيه. كان يوسف يرى الحزن الساكن داخل عينيه، والذي يحاول بكل طاقته إخفاءه عن الجميع. اقترب منه يوسف يعدل له ياقة البدلة، وهو يقول: "مبروك يا عريس. جوازة العمر يا حبيبي، وربنا يسعدك." ربت راغب
على كتف أخيه وهو يقول: "الله يبارك فيك يا حبيبي." اقترب غسان وهو يقول ببعض المرح: "هتشرفنا النهارده ولا إيه النظام؟ ليضحك يوسف وراغب بصوت عالٍ. واقترب يوسف من غسان وهو يقول بمشاغبة: "يا ابني، اديله من خبرتك. ده بردوا أخوك الصغير." ليقترب راغب منهم وهو يقول: "كل واحد يكفي نفسي ويحتفظ بنصايحه لنفسه. مش محتاج حاجة منكم." "خبرة أنت وفاهم؟ شكلك كنت بتلعب بديلك يا واد أنت من ورانا."
قال يوسف بشك وحاجب مرفوع. لينظر إليه راغب بحاجب مرفوع، ثم تركه وتوجه إلى طاولة الزينة مرة أخرى. لينظر كل من غسان ويوسف لبعضهما البعض بحزن. رغم سعادتهم بزواج أخيهم الصغير، إلا أن البيت بأكمله يشعر بالتوتر والقلق، ويخيم عليه الحزن المستتر. خاصة وأنهم يعرفون جيدًا إحساس أخوتها ويرون حزنهم رغم تماسك حلم، والذي يعلم الجميع أنه كاذب.
انتهى راغب من التأكد من كامل مظهره، ثم التفت إلى أخويه اللذان ينظران له بقلق وحزن يحاولان إخفاءه خلف تلك الابتسامة المتصنعة. تحرك هو في اتجاه الباب، ليقول غسان بحيرة: "لسه بدري يا ابني، أنت رايح فين دلوقتي؟ نظر إلى غسان وقال بإقرار: "رايح لجدي." شعر كل من يوسف وغسان بكم الألم الموجود داخل قلب أخيهم. لكن ماذا بيدهم الآن؟
العند هو العامل المشترك الوحيد في كل تلك الآلام التي ترافق العائلة منذ سنوات، وليسامح الله من كان السبب في كل ذلك. يجلس على الأريكة الكبيرة ينظر إليها وهي تضع بعضًا من مساحيق التجميل التي تزيدها جمالًا دون مبالغة، خاصة مع ذلك الفستان الأسود الذي يظهر جمالها على استحياء. وداخل عينيه الكثير من قصص العشق والحب الكبير الذي لم ينقص يومًا، بل يزيد مع الأيام.
كانت تتابع نظراته لها المعجبة والعاشقة، وذلك يجعلها تشعر بنفسها تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تنتظر حبيبها خلف نافذة غرفتها لتراه وهو يمر من أسفل منزلها مع أصدقائه، ويرفع عينيه دون أن يلاحظه أحد إلى نافذتها ويبتسم ابتسامة صغيرة.
ولكن الآن، ورغم أنها تكاد تقسم بحبه لها، ما زال كبيرًا وقويًا كما كان سابقًا، إلا أن الحزن سكن عينيه. وبدأت تشعر أن كتفيه قد تهدلا بسبب كثرة الهموم والحمل الثقيل الذي ألقي فوق عاتقه منذ سنوات، ويدفع ثمنه الآن هو وكل أبناء هذه العائلة. نظرت إلى عمق عينيها في المرآة وهي تقول ببعض الضيق: "راحت فين رقيه القديمة؟ الرقيقة اللي قلبها كان يساع الكل؟ إيه القسوة اللي شايفاها جوه عينيا دي؟
دي مش رقيه اللي أنا أعرفها، دي حد تاني." خرجت من أفكارها على صوته وهو يقول: "سرحانة في إيه يا رقيه؟ رفعت عينيها إليه وقالت: "أبدًا، مش مصدقة إن راغب أخيرًا هيتجوز ويطمن قلبي عليه." أومأ بنعم، واكتست عيناه بالحزن. لِتترك ما بيدها وتتوجه إليه وتجلس بجانبه وهي تقول بقلق: "إيه يا مصطفى؟ معقول في يوم زي ده تكون مضايق كده؟ نظر إليها وقال: "أجلي إجابة أسئلتك دي لبعد الفرح يا رقة، مش عايزين نتخانق."
أخفضت عينيها أرضًا، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت: "اتكلم يا مصطفى، خرج كل اللي في قلبك. رقة هتسمعك بقلبها." ابتسم لها بحب، ثم أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء، ثم قال:
"أنا فرحان إن ابني هيتجوز ويستقر ويبني عيلة، لكن كمان صعبان عليا حلم. الحزن اللي بتحاول تداريه أنا حاسة وشايفه. إحنا شفناها وهي بتعاني بعد موت أمها، ومحدش فينا اتحرك يحاول يساعدها. أبويا وقراره إن أحمد ما ياخدش جزاؤه على كل اللي حصل، واستمراره في تعذيب البنات نفسيًا بتصرفاته الغلط وإهماله. الصمت قدام كل اللي بيحصل. هي غلطت في حق راغب صحيح، لكن هي كمان موجوعة. إزاي أحاسب طير مدبوح على إنه غرقني بدمه."
كانت تستمع إليه وبداخلها إحساسان مختلفان. إحساس يؤيد كلماته ويرى صحتها، وإحساس آخر يرى مصلحة أولادها فقط. إحساس أناني تعلم، لكن ماذا تفعل في قلب الأم الذي لا يرى سوى مصلحة أبنائها فقط. أكمل مصطفى كلماته: "أحمد غلط، لكن إحنا كمان مشاركينه الغلط. كلنا بندبح فيهم بدون رحمة، من غير ما نحس أو نواعى. مش عارف، بس كلنا راكبنا الذنب من ساسنا لراسنا."
لم تعقب على كلماته، ولم تجد ما تقوله، فهي وعدته أن تستمع إليه بقلب رقة لا بعقل رقيه. وقف على قدميه يقول بقلق أكبر: "أصلًا أحمد فين؟ من يوم اللي حصل وهو مختفي، ومحدش عارف عنه حاجة. رغم إن بعده راحة للجميع، إلا إني قلقان عليه، وغيابه ده مخوفني." وقفت هي الأخرى ووضعت يديها على كتفه، وقالت بإقرار: "هو مش قال إنه مع أصحابه؟ ده ما خافش على بنته اللي وقعت قدام عينيه من على السلم، تخاف أنت عليه ليه يا مصطفى؟
"للأسف، أخويا الوحيد يا رقيه." أجابها بصوت مختنق وعيون يملؤها الحزن، ثم توجه إلى الحمام الخاص بالغرفة وأغلق الباب خلفه. ظلت هي تنظر إلى الباب المغلق، ثم نفخت الهواء ببعض الضيق. قررت الذهاب إلى غرفة عائشة حتى تساعدها إذا احتاجت المساعدة في ارتداء ملابسها، فهي حقاً قلقة عليها بشدة. تلاحظ شرودها المستمر وصمتها أيضاً، ولا تعلم ما بها. ***
وقف أمام باب غرفة جده يمسك بمقبض الباب، يحاول أن يتغلب على ذلك الإحساس القوي بالغضب الذي يتصاعد بداخله، يجعله يرغب في الركض خارج أسوار ذلك البيت وعدم العودة من جديد، أن يلقي كل ذلك الألم والوجع خلف ظهره، ويأخذها معه. ومن الممكن أن يضربها بشيء قوي على رأسها حتى تنسى كل ما مضى وكأنها بدأت من جديد معه بصفحة بيضاء خالية من كل ذلك الوجع.
خرج من أفكاره وهو يأخذ نفساً عميقاً حتى يبعد تلك الأفكار التي تنهش روحه وقلبه، وطرق الباب ثم فتحه ودلف، ينظر إلى جده الذي أصبح لا حول له ولا قوة، يجلس على سريره دون حركة. اقترب راغب من السرير وجلس جواره صامتاً لعدة ثوانٍ، ثم قال بابتسامة ساخرة: "اليوم فرحي يا جدي، بس مش حلم؟ لا، أنا هتجوز صحبتها." صمت لثوانٍ ثم قال والدموع تتجمع في عينيه:
"اليوم المفروض أموت قلبي القديم وأحط مكانه قلب جديد يحب جنه، عشان ما أبقاش خاين وجبان. هي مالهاش ذنب في كل اللي بيحصل ده." نظر إلى جده وقال ببعض العصبية: "بس قولي أعمل كده إزاي؟ ما أنت خليتنا كلنا نتعامل بزرار من غير إحساس ولا مشاعر. قولي إزاي أشيل حلم من جوه قلبي وأحط مكانها جنه؟ رفع رأسه للأعلى وهو يقول: "جنه اللي بتتمنى لي الرضا، بترضى بتتمنى إنها تسعدني وتفرحني، بتتمنى نظرة حب ورضا. قولي أعمل إيه؟
قال آخر كلماته بصوت عالٍ والدموع تنحدر من عينيه، يشاركه جده بدموعه غير قادر على قول أي شيء ولا مساعدة حفيده. وكيف يساعده وهو في تلك الحالة؟ ومن الأساس هو سبب كل ذلك العذاب، هو المذنب الكبير. ظل راغب ينظر إليه، يشاهد معالم الحسرة والألم ترتسم بوضوح على ملامحه، الذي ترك الزمن عليها علاماته دون رحمة، والدموع تسيل فوقها مثل المياه التي تسيل فوق شقوق الأرض العطشى.
أغمض راغب عينيه لعدة ثوانٍ ثم فتحهما ومسح دموعه، ثم اقترب من جده يمسح عنه دموعه، ثم قبل رأسه وقال: "ادعي لي مظلمش جنه، ادعي ربنا يرحمنا من اللعنة اللي حلت علينا كلنا، وسلسال الظلم والغدر يقف بقى." اعتدل في وقفته، وظلت عيونه متعلقة بعيون جده لعدة ثوانٍ، ثم غادر الغرفة، فلم يعد هناك ما يقال. حين أغلق راغب الباب، ظل واقفاً أمام الباب، يصله صوت بكاء جده بصوت عالٍ، لينظر إلى الباب ويقول بهمس:
"ابكي يا جدي، يمكن دموعك دي تشفع لك عند ربنا." ثم تحرك عائداً إلى غرفته، عليه أن يهدأ حتى يستطيع الذهاب إليها. ضحك بسخرية، أن حلم معه سوف يذهب إلى مركز التجميل ليأخذ زوجته ويرى حبيبته القديمة. ويا لسخرية القدر. *** "عارفة يا حلم، أنا اليوم عاملة مفاجأة لراغب، بس يا رب تعجبه." كانت تستمع لصديقتها وعلى وجهها ابتسامة مرسومة بحرفية، صحيح وجهها يبتسم، لكن قلبها يبكي دون توقف، بدل الدموع ينزف دماء حارة.
لتكمل جنه كلماتها غير منتبهة لحال صديقتها التي تستطيع إخفاء ما بداخلها بجدارة: "مفاجأة لما نروح، ومفاجأة في القاعة. بس قولي لي يا حلم، راغب فرفوش كده ومرح ولا دمه تقيل ومنشي؟ "منشي؟ سألتها حلم باندهاش، لتقول جنه بجدية: "أيوه يا بنتي، يعني بدلة في نفسه، ولا فاكك كده ومرح؟ لتضحك حلم بصوت عالٍ وكأنها تصرخ صرخة الموت، ثم قالت: "لا مش بدلة في نفسه ولا منشي، مرح وفريش وكاجوال كمان." لتصفق جنه كطفل صغير، ثم قالت ببعض القلق:
"تفتكري راغب بيحبني؟ نظرت حلم إليها ببعض التوتر والقلق، لتكمل جنه كلماتها: "أنا بحبه قوي يا حلم، ونفسي يكون هو كمان بيحبني، ولو نص حبي ليه. تعرفي أنا مستعدة أعمل أي حاجة وكل حاجة في الدنيا عشان يكون سعيد وفرحان." كانت حلم تستمع لكلماتها التي تنزل على قلبها وكأنها ماء حمضي يحرقها دون رحمة، لم تستطع أن ترفع عينيها إليها، وكانت جنه سارحة في أحلامها الوردية، لتكمل بابتسامة حالمة:
"حتى لو مش بيحبني، بس أكيد طالما طلب يتجوزني يبقى على الأقل معجب وولهان، وده كفاية. الباقي بقى عليا أنا." أومأت حلم بنعم، ثم قالت بصوت مختنق: "فعلاً كفاية، وأنتِ أكيد هتسعديه." أخرجت زفير حار، ثم قالت: "أنا بس هطلع أعمل تليفون وأرجع على طول." أومأت جنه بنعم، ثم نظرت إلى الفتاة التي تقوم بتزيينها: "أنا عايزة أبقى قمر عشان أعجب عريسي." لتضحك الفتاة وهي تقول: "من عيوني، أنتِ أصلاً قمر." ***
تجلس في مكان بعيد عن العيون، تبكي بصمت دون أن يشعر بها أحد، فلا أحد يرى دموعها، ولا يرى حرقة قلبها، ولا أحد يشعر بما بداخلها. هذا ما جَنته من أفعالها، وعليها تحمله بمفردها. *** "عائشة، بقالي شوية بكلمك وأنتِ سرحانة ومش بتردي." قالت رقيه كلماتها وهي تهز عائشة، التي نظرت إليها باندهاش وكأنها لا تستوعب وجود حماتها جوارها. وقبل أن تجيبها، دخلت نوار وهي تقول: "عائشة، شوفي الحلق شابك في إيه، ودني وجعتني."
وقفت صامتة تنظر إلى حماتها التي نظرت أرضاً ببعض الضيق. أن علاقتها بنوار أصبحت سيئة جداً، إذا كانت قاطعت حلم ولم تعد تتحدث معها، إلا أنها لا تفوت مرة ترى فيها نوار إلا وهي تسمعها حديثاً سيئاً عن عدم إنجابها حتى الآن، وذلك يزيد كلما وقف غسان أمامها بتحدي يخبرها أنه لا يريد من الدنيا سوى زوجته، فتزيد هي من حديثها السيء لها وتقوم بتجريحها أكثر وأكثر.
ظل الموقف ثابتاً لعدة ثوانٍ، حتى وقفت رقيه على قدميها واقتربت من نوار، وبدأت في إبعاد الحلق من أذن نوار، ثم فكت تشابكه من فستانها، ومدت يدها به لنوار التي أخذته بصمت، ثم تحركت حتى تغادر الغرفة، لتقول رقيه سريعاً: "نوار." وقفت نوار مكانها ونظرت إليها بصمت، لتقول رقيه بابتسامة صغيرة: "الفستان ده يليق عليه طرحة موجودة عندي، هروح أجيبها لكِ على ما أنتِ تساعدي أختك اللي بتحب جديد دي وطول الوقت سرحانة."
أومأت نوار بنعم مع ابتسامة صغيرة، لتغادر رقيه الغرفة، لتقترب نوار من أختها وجلست جوارها، لتبتسم عائشة وهي تقول: "يوسف مجنني، عامل نفسه مراهق وورد ودباديب ورسايل على الفون، مش قادرة أقولك... تفتكري يكون بيخوني يا نوار؟ لتضحك نوار بصوت عالٍ، لتشعر عائشة ببعض الراحة وهي ترى الابتسامة ترتسم على وجه أختها من جديد رغم شحوبها وذبولها. "يوسف يخونك؟ إنتِ ليه اتجننتي؟
وبعدين يوسف بيحبك جداً، وأبداً أبداً عمره ما يفكر في واحدة تانية، خصوصاً وأنتِ أهو هتجيبي له بيبي يفرح بيه." صمتت عائشة غير قادرة على قول أي شيء، انكسار أختها يجعلها تتألم بشدة. تكره كونها حامل وأختها قد حُرمت من تلك النعمة. نظرت إليها نوار وقالت بتوتر: "ربنا يكملك على خير يا حبيبتي، والله أنا فرحانة لكِ من قلبي، وعمري ما حسدتك أو غيرت منك أو... لتضع عائشة يديها على فم أختها توقف سيل كلماتها، وقالت بابتسامة صغيرة:
"عارفة يا نوار، وابني ابنك يا حبيبتي، هو هيلاقي أحن منك؟ ولا أم حلوة وطعمة كده." لتضمها نوار بقوة والدموع تغرق وجهها بحرقة قلب امرأة تشتاق أن تحمل داخل أحشائها طفل من الرجل الذي أحبته بصدق، طفل يحمل صفاتها وصفات والده، طفل يسعد حياتها وينيرها بجمال ابتسامته وضحكاته التي تخطف القلب والروح. *** وصل الجميع إلى تلك القاعة الكبيرة، والذي سيقام بها حفل زفاف أصغر شباب عائلة بركات. كان جميع أهل البلدة موجودين في ذلك العرس.
كان مصطفى يقف يستقبل المعازيم بابتسامة وقورة، لكن عقله سارح في والده الذي دلف إليه قبل أن يغادر المنزل، ليجد داخل عينيه شيئاً ما لم يفهمه، كأنه أراد أن يقول شيئاً ما، وذلك زاد الألم وإحساس الذنب داخل مصطفى. خاصة كلما وقعت عيناه على عائشة ونوار اللذان يجلسان في مكانهما وكأنهما أغراب، يمسكان أيدي بعضهما البعض، عيونهما على باب القاعة ينتظرون ضلعهم الثالث حتى يضموه بين ضلوعهم، يحمونها حتى من نفسها ومن ما سيحدث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!