خيم الصمت على الجميع لعدة ثوانٍ. وقف راغب ونظر إلى والدته وقال: -أنا هخرج بس أجيب حاجة وأرجع على طول. أومأت بنعم ليتحرك سريعاً لينفذ ما فكر فيه، عله يخرجها من تلك الحالة سريعاً. رغم يقينه بصعوبة ذلك، لكنها تبقى محاولة من أجلها، وإن لم تنجح سيجد غيرها، فعقله الذي لا يفكر إلا بها سوف يبتكر الكثير من الأفكار. بعد أن غادر راغب، وقفت نوار هي الأخرى وقالت:
-هطلع أطمن عليها وأتصل بجنة تيجي تقعد معاها شوية، يمكن حالتها تتحسن. وقفت رقيه وهي تقول ببعض الحزن: -ربنا يروق بالها ويصلح الحال. وأنا هروح أشوف الغدا. توجهت كل منهم لتقوم بما قالت.
في هذا الوقت، كان راغب يبحث عن كل أنواع الشوكولاتة بعد أن أحضر زهور القرنفل التي تعشقها ولفهم جميعاً بشكل مميز. انتهى وتوجه مباشرة إلى البيت وظل ينظر ويتلفت حوله. لا يريد أن يراه أحد، تكفي نظراتهم له منها المشفق ومنها اللائم ومنها من يخبره كم هو مسكين. وأيضاً هو لا يريد أن تعلم هي أنه هو من أحضر لها تلك الأشياء، يكفي أن تشعر هي ببعض الشك أنه هو، ذلك يكفيه وفقط.
وضع الأغراض أمام غرفتها وطرق الباب عدة طرقات، وابتعَد سريعًا حين استمع لصوت خطوات على السلم. دلف إلى غرفته سريعًا، لكنه ظل يراقب الوضع من خلف بابه. ليجد جنة تقترب من باب غرفة حلم. وقفت تنظر إلى تلك الأغراض الموجودة أمام باب غرفة حلم، ثم انحنت تحملهم وطَرقت الباب عدة طرقات. وحين لم تجد إجابة، فتحت الباب ودلفت.
أغلق باب غرفته وتوجه إلى كيس الملاكمة من جديد وبدأ في ضربه، ولكن هذه المرة بابتسامة واسعة، فهو يعلم الآن أن حلم سوف تبتسم وتعود إلى طبيعتها. ***
ظلت واقفة عند الباب تنظر إليها ممددة على السرير في وضعية الجنين. اقتربت من السرير ووضعت الأغراض على طرفه أسفل قدمي حلم. واقتربت منها وجلست بجانبها تداعب خصلات شعرها. رغم كونهم أصدقاء منذ كانوا أطفال، إلا أنها لا تعلم الكثير عن حياتها. حلم قليلة الكلام، لا تتحدث عن عائلتها أو عن ما تشعر به، أو سبب تلك الحالة التي تحدث لها من وقت لآخر.
ظلت تداعب خصلات شعرها السوداء وهي تقول بابتسامتها التي ترتسم دائمًا على وجهها ولا تغيب إلا نادرًا: -أنا عارفة إنك صاحية يا حلم. فتحت حلم عيونها لتظهر غابات الزيتون التي تسكن عينيها، ونظرت إلى صديقتها الوحيدة التي تبتسم ببشاشة. واعتدلت جالسة دون أن تقول أي شيء. لتقترب منها جنة تقبل وجنتها وهي تقول ببعض المرح: -بحب خدودك المقلبظة دي، رغم إنك رفيعة وشبه خلة السنان، لكن عندك خدود تتاكل أكل.
ابتسمت حلم ابتسامة صغيرة. لتكمل جنة من جديد وبنفس المرح: -قولي يا بنتي طريقة عمل الخدود المقلبظة. عيب عليكِ، إحنا أصحاب.
لم تتمالك حلم نفسها وبدأت تضحك بصوت عالٍ، لدرجة أن صوت ضحكاتها وصل لذلك الذي يقف في النافذة يحاول أن يطمئن عليها. وحين سمع ضحكاتها ابتسم بسعادة، وقفز في مكانه يمسك ذلك العمود الحديدي وبدأ يرتفع ويهبط حتى برزت عضلات ذراعيه. وحين انتهى، توجه إلى سريره وتمدد عليه براحة وهو يتنفس الصعداء، وأغمض عينيه براحة وقلب مطمئن. ***
ظلت جنة تتحدث مع حلم وتحاول إخراجها من تلك الحالة حتى يطمئن أخواتها وعائلتها بأكملها. رغم عدم معرفتها بذلك السر الكبير الذي يجعل صديقتها في تلك الحالة، إلا أنها ليست فضولية ولا تدخل فيما لا يعنيها. ورغم ذلك، قد أخبرت حلم أكثر من مرة أنها مستعدة أن تستمع إليها وكأنها تتحدث مع نفسها. توقفت حلم عن الضحك حين وقعت عيونها على تلك الحقيبة وبجوارها ورود القرنفل. لتنظر إلى جنة باندهاش وقالت: -أنتِ اللي جايبه الحاجات دي؟
نظرت جنة إلى ما تشير إليه حلم وقالت بابتسامة واسعة مرحة ولطيفة: -وأنا من إمتى وأنا جاية أزورك بجيب معايا حاجة؟ سيد، عيب متقولش كده، إحنا أخوات ومفيش الكلام ده. ضحكت حلم من جديد لتكمل جنة: -أنا لاقيتهم على باب أوضتك يا هانم. تنظر حلم إلى الأغراض من جديد، وهي تشعر من داخلها أنه هو من أحضرها، بل هي موقنة تمامًا أنه هو وليس أحد غيره. لتنتبه من أفكارها على صوت صديقتها تقول من جديد:
-تلاقي حد من أخواتك جابهم ليكي، أو غسان أو يوسف. كل العيلة أصلًا بتحبك وكلهم قلقانين عليكي.
أومأت حلم بنعم، فهي لم تقص على صديقتها أي شيء يخص راغب. راغب الذي يعشقها منذ كانت صغيرة، هي تعلم ذلك، والجميع يعلمه. ولكن تظل عقدتها كما هي، أنه رجل، رجل كوالدها. وإذا كان والدها وإخوته عكس والدها في كل شيء، إلا أن ذلك ليس ضمانًا لأن يكون هو الآخر مختلفًا. إذا كان والدها سيئ الطباع، فعماها رجل نادر الوجود. إذاً ما الذي يمنع أن يكون راغب كما والدها ويختلف عن والده وإخويه؟
غير كل ذلك، هي لن تسلم قلبها وحياتها لرجل، لن تعيش أسيرة رجل يتحكم بها ويقتل روحها تدريجيًا حتى تنقطع أنفاسها عن كل الحياة. لن تكون مثل والدتها، لن تسمح أن تنتهي حياتها كما انتهت حياة والدتها. أغمضت عينيها بقوة تحاول تجاهل تلك الذكرى التي تحاول أن ترتسم أمام عينيها كجميع ذكريات والديها السيئة التي تخيفها أكثر وأكثر وتجعلها تبتعد عن الرجال أميال وأميال. ***
في غرفتها بالعيادة المشتركة بينها وبين زوجها، كانت تجلس بعد خروج تلك المريضة التي حددت موعدًا سريعًا بسبب حالتها الحرجة والتي تنبئ بولادة مبكرة. لذلك قررت عائشة إرسالها إلى المستشفى وسوف تلحق بها، لكنها أعطت تعليماتها للمستشفى بعمل اللازم معها حتى وصولها.
طرقات على باب غرفتها ثم دخوله المحبب مع ابتسامته المحببة إلى قلبها. فمنذ كانت صغيرة، وقعت في غرام ابن عمها الشاب الهادئ الخجول، صاحب النظارات الطبية والذي استغنى عنها بعد إجرائه لعملية جراحية في فترة مراهقته. أعادت نظره لسابق عهده وجعلت وسامته تزداد خاصة بجمال عينيه الساحرة. لم تشعر ذات يوم أنه ينظر إليها بنظرة مميزة، فهو كان دائمًا صامت، عيونه داخل أحد الكتب. وذلك كان يؤلم قلبها، خاصة وهي كانت ترى مطاردة غسان لنوار
في كل مكان وإظهار حبه لها ورغبته في الاقتران بها طوال الوقت. وكانت نوار هي من تخجل وتختبئ منه قدر إمكانها. لكن يوسف لم يكن كذلك يومًا. كان دائمًا يتجنبها هي وأخواتها، يجلس دائمًا في غرفته في أبعد نقطة في حديقة البيت الكبير ليكون بعيدًا عن لعبهم أو الاختلاط بهم. الكتب العلمية هي فقط صديقته المقربة.
ولكن حين دلفت إلى نفس الكلية التي كان بها، تحول فجأة وأصبح يتقرب منها يتودد لها، يطلب توصيلها ويعلم مواعيد محاضراتها وينتظرها حتى يعيدها إلى البيت. ولم يستمر الوضع كثيرًا وطلب يدها من جدها ووالدها، وبالطبع هي وافقت وبشدة. اقترب منها ووقف خلف الكرسي الخاص بها، ومد يديه يدلك فقرات رقبتها برفق. لتغمض عيونها باسترخاء لتأثير لمساته على جسدها وروحها، وكلماته تصل إليها تهدئ روحها وقلبها: -أعصابك مشدودة كده ليه يا عائش؟
أخذت نفسًا عميقًا، فكم تعشق ذلك الاسم منه، تشعره محببًا إلى قلبها. ولم تجبه بشيء، وهو يعلم أنها لن تجيب. هو يفهمها أكثر من نفسها، يعلم جيدًا أنها رغم قوتها إلا أنها تتجنب ذكر والدها بأي شكل، حتى حين يحدث موقف كالذي حدث اليوم تتظاهر وكأن شيئًا لم يكن وتتعامل بشكل عادي، لكن يظهر ذلك على جسدها كالآن. يعلم جيدًا كيف يتجنب عقلها ذلك الألم، هي لا تعتبر والدها على قيد الحياة، لا تتحدث إليه ولا تتحدث عنه، كحال شقيقتيها، رغم أن لكل منهم وعلى حسب طباعها رد فعل مختلفة خاصة بوالدهم، لكنه يتألم أكثر على حبيبة قلبه.
استمر لبضع دقائق في تدليك كتفيها وعنقها، ثم تحرك خطوة واحدة وأدار الكرسي لتواجهه ليجلس أرضًا على ركبته واحدة وهو يقول بعشق كبير: -أنا خايف عليكي، مجهدة ووشك أصفر، مالك يا عائش؟ بلاش تخوفيني عليكي. ولو على اللي… لتضع يديها على فمه تسكت سيل كلماته وهي تقول بابتسامة صغيرة: -يمكن تعب من الشغل أو مجهود زيادة. يعلم جيدًا أنها لن تتحدث عن الأمر وهو لن يضغط عليها. لكنها ابتسمت بمشاغبة وأكملت قائلة:
-يمكن محتاجة إجازة ودكتور قلبي يعملي مساج استرخائي مميز. ليبتسم بجانب فمه وعيونه ترتسم بداخلها شقاوة الأطفال وقال بمشاغبة تشابه مشاغبتها: -يا خبر أبيض، ده أنا مقصر خالص. استعدي، النهارده هعملك مساج. ومد يده يلمس ساقها من أسفل الفستان، صعودًا إلى الأعلى وهو يكمل: -هيريحك على الآخر، ويخليكي تسترخي، وبعده مش هتقدري تستغني عن المساج بتاعنا خالص يا فندم. أوقفت يديه التي تداعب ساقيها وقالت ببعض الغضب الواهن:
-يوسف، عيب، إحنا في العيادة. استنى لما نروح. ليضحك بصوت عالٍ وهو يرى تورد وجنتيها بخجل وحبيبات العرق التي نبتت على جبينها، وأبعد يديه عنها ورفعها بجانب وجهه وهو يقول: -أوامرك يا برنسيس. ثم وقف على قدميه وهو يقول: -هروح على مكتبي بقا علشان أنا سايب ثلاث حالات بره. لتقف هي الأخرى وحملت حقيبتها وهي تقول موضحة: -وأنا رايحة على المستشفى في حالة ولادة وشكلها كده الموضوع كبير وخطير. ربت على كتفها وهو يقول بتشجيع:
-وأنتِ قدها يا قلبي. ربنا يوفقك يا حبيبتي. سارت بجانبه ليغادرا غرفة مكتبها، وتوجه هو إلى مكتبه ودخلت له إحدى المرضى وغادرت هي، رغم إحساسها بالإرهاق وبأنها ليست بخير. ***
جالس بداخل مكتبه في الديوان، رأسه مستريح على الكرسي وعينيه مغلقة بعد أن أنهى عمله وتأكد أن كل شيء يسير جيدًا. لا يشعر بالرغبة في العودة إلى البيت، إحساسه بالذنب يقتله. منذ ذلك اليوم وانقلبت حياته رأسًا على عقب. يحمل الآن فوق كتفيه ذنبًا كبيرًا، يعلم جيدًا أنه حين يفضح سره لن يسامحه أحد وسيكون هو الخاسر الوحيد. أن نوار هي عشقه الكبير. من يوم وعى على تلك الحياة وهو يراها ملاك لديه جناحان أبيضان كبيران، دموعها القريبة
وسريعة النزول، قلبها الحاني، رقتها في التعامل معه وكأنه ابنها وليس أكبر منها بسنوات. يتذكر حين كانت صغيرة خاصة بعد موت والدتها، وكأنها أصبحت هي والدتهم. رغم أن الفروق بينها وبين أخواتها ليست بالكبيرة ما عدا حلم، إلا أنها وحتى تلك اللحظة هي الأم البديلة من بعد والدتهم.
فتح عينيه ينظر إلى تلك الصورة الموضوعة على رف سفلي في مكتبه خشية من أن يراها أي من زوار الديوان. يضعها هناك حتى يراها هو فقط. ابتسم لأبتسامتها الرقيقة التي تزين ثغرها وهو يتذكر يوم تزوجها. لم يتحمل أن ينتظر حتى تنهي دراستها وتعهد لها وأمام الجميع أنه سيعينها على إكمال دراستها، وأيضًا سيؤجلون الإنجاب حتى تنتهي، ودون أن يعلم أن الله قد قرر عنه أنه لن يكون أبًا أبدًا.
أغمض عينيه من جديد وهو يتذكر بعد انتهائها من دراستها بأكثر من ثلاث سنوات وقد أوقفت وسيلة تنظيم الأسرة ولم يحدث حمل. فجلست بجانبه ليضم يديها بيديه لتقول بخجل: -غسان. -نعم يا حبيبتي. أجابها وهو يقبل يديها المستريحة بين يديه. لتبتسم بحب وعشق: -كنت عايزة أطلب منك طلب. نظر إليها باهتمام وقال بثقة وثبات: -نوار حبيبتي تأمر وأنا أنفذ، بس… تتسع ابتسامتها الخجلة وتزداد تلك اللمعة العاشقة داخل عينيها، لكنها قالت بخجل:
-ربنا يبارك لي فيك يا غسان، وتفضل حنين كده عليا ديما. ليقترب منها أكثر، وقبل جبينها بحب وقال: -ويبارك لي فيكي يا قلب غسان وروحه. ثم ربت على وجنتها برفق وأكمل مستفهمًا: -عايزة أروح لعائشة أشوف سبب تأخير الحمل. أجابته بابتسامة مرتعشة، لتختفي ابتسامته تدريجيًا وأبتعد عنها قليلاً ثم قال: -نروح يا حبيبتي. رغم أني مش مستعجل على الموضوع ده، وكمان خايف لما تخلفي تنشغلي عني بولادنا وحبك ليا يقل. عاد يقبل يديها مرة
أخرى ثم قال ببعض التوتر: -بس ليا عندك طلب ممكن؟ أومأت بنعم سريعًا. ليكمل هو سريعًا: -هنروح لدكتورة بس بلاش عائشة. بلاش نخلي أي حد من العيلة يعرف أي حاجة عن الموضوع ده. ممكن؟ لم تتفهم سبب ذلك الطلب، لكنها أومأت بنعم ليربت على وجنتها من جديد بابتسامة متوترة. عاد من أفكاره ينظر إلى صورتها من جديد وهو يقول: "أنا آسف يا نوار. آسف، رغم أني عارف إن اعتذاري مش هيفيد بأي حاجة، بس أنا آسف."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!