بعد مرور أسابيع في المستشفى، عدت أنا وهي ونحن نعد كل لحظة وثانية من الوقت الذي يمر علينا وهي لا تزال في الحضانة بعيدًا عنا. بس الحمد لله، الدكتور بتاعها دخلنا النهاردة الصبح وقال: "مفيش داعي نروحولها النهاردة، ومناوبة كل يوم بتاعة سيرين تحصل، لأنها ببساطة هي اللي هتخرجنا." وطبعًا حذرنا برقة ولطف التعامل معاها، لأنها لسه في فترة نقاهتها. سيرين تقريبًا قامت من مكانها لما سمعت الكلام ده، ومن بعدها مقعدتش.
لقيتها قامت بسرعة وقلبها بيدق، دق واصل لودني من الفرحة، وحضرت كل حاجتها في شنطة على الخروج علطول. الدكتورة كانت كاتبالها الخروج من أسابيع، لكن هي اللي كانت رافضة تخرج من غيرها. خلصت وساعدتها في تحضير الشنطة، ومن وقتها وهي رايحة جاية في الأوضة، وكل ما تتعب تقعد تنهج شوية. هي لسه أصلًا حالتها الصحية مش أفضل حاجة. دي لما تيجي تمشي لازم بعد تلات دقايق أسندها لتقع. طاقتها لسه على قدها. اتنهدت بيأس منها وقومت أحاول أقعدها.
بان عليها التعب من القلق والتوتر. "تعالي يا سيرين... تعالي بس اقعدي كده واهدي." "هما اتأخروا كده ليه؟! قعدتها على طرف السرير وقومت أجيب لها عصير من التلاجة الصغيرة اللي في الأوضة. "مش الدكتور قال لازم يعملولها فحص شامل وتقرير جديد بحالتها قبل خروجها من المستشفى." "طيب ليه إحنا مستنيين هنا... أنا كنت المفروض أبقى معاها." "قلت له كده قبلك... امسكي اشربي ده."
"بس قال لي مينفعش أول لقاء ليها بيكم وهي بين إيدين الدكاترة والفحوصات. كده لا إحنا هنتحمل ولا هما هيعرفوا يشوفوا شغلهم." أخذت بق صغير كده من العصير ورجعت تتنهد تاني بزعل. قربت منها وأخذته من إيديها أشربها أنا. "خلاص بقى، فات الكتير ما بقى إلا لحظات، نصبرها شوية كمان." بصتلي شوية بعدين حطت راسها على كتفي. حاسس بيها من جواها بتعد الدقايق والثواني للقائها. اتنهدت وأنا بضمها بدراعي.
"ربنا وحده اللي عالم بيا وباللي جوايا، والله ما يقل عن إحساسها ولهفتها لرؤيتها وحضنها." التفت بوشي أبص عليها، لقيت وكالعادة دمعة هربانة من عينها. أنا عارف إن اللي فات ده صعب عليها. مفيش أم بتولد طفلها وتقعد الفترة دي كلها لا تشوفها ولا تاخدها في حضنها، عشان كده عاذرها وحاسس بيها. ضمتها ليا أكتر، أحرك إيدي على دراعها براحة. سمعنا خبطة خفيفة على الباب. لقيتها قامت بلهفة من حضني اتجاه الباب.
لقيناه الممرضة داخلة علينا وشايلها بين إيديها، ملفوفة في بطانية مديالها حجم أكبر من حجمها، والدكتور جنبها. طبعًا جريت أنا كمان بلهفة عليهم. لقيت سيرين أخدت منها البنت تشيلها بلهفة باينة في رعشة إيديها، لدرجة إني حاولت أشيلها معاها لتقع منها، وأنا بدور بعيني في كل تفصيلة في وش أصغر كائن ممكن أشوفه في حياتي. "هي مالها صغننة قوي كده ليه؟ ولا أنا اللي شايف كده؟
لقيتها بدأت تقرب منها بوشها وتبوس في كل حتة فيه وهي بتعيط، بعدين بصتلي وهمست بصوت مسمعهوش حد غيري. "أحمد... أهي... جت... وفي حضني أخيرًا!!! ابتسمتلها من بين رغرقات الدموع اللي في عيني وقربت أبوسها وهي في إيديها. بعدين بصت لها بترجي إني أشيلها أنا المرة دي وآخدها في حضني. بصتلي برفض وتكشيرة الأول. طبطبت بإيدي على صدري بتوسل تاني، فاخيرًا سابتهالي بعد ما باستها وبهدلت وش البنت بدموعها دي.
شيلتها منها وأنا مش مصدق إني شايل حتة مني. صغيرة كده بين إيديا. حركت صباعي على خدها الصغير الناعم ده. وانحنيت أبوسها وأنا من جوايا عايز أحمد ربنا وأشكره على ستره دايما معايا كده. وإنها الحمد لله كويسة وبين إيديا زي ما كنت بحلم وبدعي الأيام اللي فاتت. "كفاية يا أحمد... هاتها بقى عشان خاطري." رديت عليها وأنا بضمها لحضني بعيد عن إيديها اللي عايزة تاخدها مني. "لحظة بس يا سيرين... لحظة بس وهديهالك."
"انت قولت دقيقة واحدة... هاتها بقى والله أزعل." "يا جماعة براحة على البنت شوية، كده ممكن تتخنق." بصوت الممرضة، وأخيرًا حسينا إن في حد معانا في الأوضة. لقينا الدكتور بيقرب وبيتكلم وعلى وشه ابتسامة في منتهى الهدوء. "البنت لسه في فترة نقاهة، وياريت يا أستاذ أحمد متنساش التعليمات اللي اتكلمنا فيها." بعدين قرب يبعدها شوية عن صدري وهي بين إيدي.
"ودايما تخلي نفسها بعيد كده عن أي حاجز، وأي حاجة يا مدام سيرين كلموني على طول خصوصًا الفترة دي." هزت سيرين راسها بمعنى حاضر، وبعدين قربت أخدتها مني تشيلها تاني. "حاضر... حاضر... أنا هعمل كل اللي تقولولي عليه والله." بعدين قربت تبوسها بدموع وعياط. "دي في عيوني والله... في عيوني." دخلنا الشقة وأنا شايل الشنط، وهي طبعًا مبتسيبش البنت لحظة واحدة. ومن وقت ما خدتها بين إيديها وهي مش معايا خالص. مركزة معاها بس.
شوية عياط مع عياطها زي ما تكون طفلة زيها، وشوية تحاول تضحكها وتلاعبها. وكل ما البنت تكح كحة واحدة بس، ألاقيها بصتلي وأخيرًا اكتشفت وجودي وسألتني إذا كنا نرجع المستشفى أو نكلم الدكتور يجيلنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!