فتحت عينيها بثقل وارهاق شديد، لقيت نفسها في غرفة شديدة البياض. حاولت تتذكر هي مين أو فين، بس بدون جدوى. حاولت تقوم، بس لقيت إيدها مربوطه بحزام جلدي سميك مثبت في طرف السرير، مشدود بقوة كأنهم خايفين منها تهرب أو تأذي حد. شدّت نفسها مرة واتنين، بس كل مرة كان الحزام يعض على جلدها أكتر، ويسيب وراه أثر أحمر غامق بيزيد كل ما تحاول. قلبها بدأ يدق بسرعة، وبدأ الخوف يتسلل لعينيها، وهي تبص حواليها تدور على أي حد... أي صوت...
أي دليل يفسّر هي ليه هنا، ومين اللي ربطها ولي ربطنها كده. اسئله كتير بتدور في راسها ومش لاقيه لها اجابه. قطع شرودها فتح الباب بقوه ودخول شخص لابس بلطو ابيض ونظاره طبيه كبيره. "اخيرا فوقتي ... انهارده قعدتي وقت أطول علشان تفوقي" قال أحمد بابتسامة بارده. "انت مين ... وانا فين" قالت سيلا بتعب. "نفس اسئله كل يوم وبرضوا هقولك نفس الرد ...
انا الدكتور الي بيتابع حالتك وانتي فين" قال أحمد ببرود، وأكمل وهو بيبص في جميع أنحاء الغرفه "فأظن المكان موضح انتي فين". "بـعمـل ايه هنا" قالت سيلا بارهاق. "ده شئ ميخصكيش" أجاب أحمد. "يعني ايه ميخصنيش" قالت سيلا بعصبيه خفيفه بسبب تعبها. "يعني ميخصكيش .... والحقي ارتاحي لان هنكثف التجارب انهارده" قال أحمد بهدوء مخيف. "تجارب ايه" سألت سيلا. مشي أحمد ومردش عليها، بس قبل ما يخرج. "هو انا اسمي اي" قالت سيلا.
وقف أحمد لحظه ولف رأسه ناحيتها وقال ببرود: "سيلا". قبل ما تلحق تسأله اي حاجه تانيه لقيته خرج. "انسان بارد ... " ثم كملت بخوف "هما هيعملوا فيا ايه". -كان بيسير بكل برود بين طرق المستشفى أو بلأصح الي كانت مستشفى سابقا فهي أصبحت مستشفى مدمره ومهجوره. فأصبحت الجدران متشققه وأسلاك طالعه من السقف ورائحة العفن والكيماويات القديمه ماليه المكان، وكل زاوية فيها تاريخ من الالم ... من الصراخ ...
من التجارب اللي مكنتش كلها انسانيه. صدي خطواته بيتردد في الممرات الفاضيه. دخل غرفه جنبيه صغيره شبه مظلمه، ضوء ضعيف نازل من السقف معلق بيتهز ببطء فوق مكتب مليان اوراق واجهزه تحليل بدائية. كانوا قاعدين اتنين حوالين الطاوله. دخل أحمد بصمت وبدأ يقلع الجوانتي الطبي وهو بيبصلهم ببروده المعتاد. "فاقت ولا لسه" سأل زين. "فاقت" أجاب أحمد. "شكلها استجابت للجرعه التانيه ضربات قلبها كانت اعلي من المعدل الطبيعي" قال أمجد.
"بس النشاط العصبي بدأ يتغير ... في استجابه غير معتادة في الفص الجبهي للمخ .. ده مش موجود في الحالات اللي قبلها" قال أحمد وهو بيقلب في الملفات الالكترونيه قدامه. "يعني ممكن تكون اول حاله تنجح" أكمل وهو يجلس. "أو اول حاله تخرج عن السيطرة" رد زين. "احنا بنلعب في تركيبه الوعي نفسه ... لو فقدنا السيطره هنتحاسب كلنا" قال أمجد بتوتر. "احنا بنصنع مستقبل جديد .... والتمن لازم يندفع" قال أحمد وهو بيبتسم ببرود.
-كان قاعد في مكتبه بهدوء بيتابع الملفات قداموا حتي قطع شروده صوت فتح الباب. "غيوث حبيب قلبي عاش من شافك" قال حازم. "غيوث؟ ... كام مره اقولك تخبط علي الباب قبل ما تدخل وكام مره برضوا قولتلك متقوليش كده يا تقول غيث يا سيد المقدم غير كده متقلش" قال غيث بقرف. "خلاص يا قلبي مش هدلعك تاني علشان انتي بتضيقي يا بطه" قال حازم بدلع. "حاااازم" قال غيث بغضب وصوت عالي. "خلاص خلاص اسف" قال حازم بضحك. "جاي لي يا زفت" سأل غيث.
"جاي اطمن علي صحبي الي مش بيسئل" قال حازم بعتاب. "معليش يا حازم الفتره دي مشغول اوي" قال غيث بتعب. "لسه مفيش اي اخبار عليها" قال حازم بحزن علي صديقه. "لا .. كأنها اتبخرت دول عليها في كل مكان ومفيش اي اثر ليها" قال غيث بحزن. "أن شاء الله هتلقيها يا صحبي" قال حازم بشفقه علي حالته. "أن شاء الله" أجاب غيث بحزن. "اه صح كنت هنسى فاكر قضية البنت اللي اتبلغ عن اختفائها من سنه ؟ اسمها ملك حسين" قال حازم.
"اه فاكر مش القضيه دي اتقفلت" قال غيث بانتباه. "ايوه لما لقوا جثتها متشوها بس مطلعتش هي" أجاب حازم. "ازي يعني مش هي" سأل غيث. "لان البنت لقوها من حوالي شهر في صحرا" قال حازم. "لـقـوهـا عـايـشـه" سأل غيث. "لا كانت ميته وحولوها لي الطب الشرعي" أجاب حازم. "وطلع ايه" سأل غيث. "التقرير بتاع الطب الشرعي كان غريب جدًا... بيقول إن رغم إن القلب كان واقف من أكتر من ساعة، الجهاز العصبي عندها كان لسه بيفرز إشارات كهربية...
مش طبيعية، ومش المفروض تحصل في إنسان ميت." قال حازم. سكت لحظة وكمل بصوت أهدى: "قالوا إنهم لقوا في نخاعها الشوكي أثر لمركب كيماوي حافظ على الأعصاب لفترة، واللي أغرب... إن النشاط اللي رصدوه كان قريب من الهلوسة أو حالة غضب عنيف... حاجة مش مفهومة خالص." "يعني بتقولي إنهم لقوا حاجة حية... في عقل ميت؟! " قال غيث وهو بيشد نفسه لقدام. "مش حية... بس مش ميتة كفاية" قال حازم بهدوء مريب. -في نفس الغرفه البيضا...
سيلا كانت مغمضة عينيها، بتحاول تتنفس بانتظام، تحاول تهدي دقات قلبها اللي شبه بتخبط في ضلوعها من كتر الخوف. كان السكون هو الي مالي المكان، ماكنش مسموع غير صوت انفاسها. وفجأة... الباب اتفتح بقوة. صوت خطوات تقيلة دخلت، ومعاها خشخشة معدات معدن. عينيها اتفتحت على وسعهم، وبصت ناحية الباب وهي بتحاول تتحرك... بس الحزام كان لسه رابطها، مش مخليها تقدر تعمل أي حاجة.
أول واحد دخل كان أحمد. خلفه زين وامجد، وكل واحد فيهم لابس لبس معقم، ووشوشهم مغطاه بكمامات وعيونهم بس اللي باينه... وباردة. أحمد مسك التابلت بتاعه وبص عليه بسرعة، من غير حتى ما يبصلها. "استعدوا... الوقت مناسب للتجربة النهائية" قال أحمد ببرود. "تـجـربـة إيـه؟! إنـتـو عـايـزيـن تـعـمـلـوا إيـه؟! " سألت سيلا بصوت مهزوز. ماحدش رد. أمجد قرّب منها وبدأ يجهز الحقنة، إبرة طويلة فيها سائل أزرق شفاف بيبرق تحت نور الغرفة.
"بـقـولـكـوا إيـه دا؟! أنـا مـعـمـلـتـش حـاجـه! سـيـبـونـي!! " صرخت سيلا بصوت عالي وهي بتتهز. "نبضها عالي... بس مفيش تشنجات. يعني الجاهزية كاملة" قال زين وهو بيجهز جهاز مثبت على راسها. "الجرعة دي مختلفة عن اللي قبلها... لو استجابت، هنعرف نتحكم في المرحلة التالية من الوعي" قال أمجد وهو بيضغط على الإبرة بهدوء. "وعي إيه! أنا بني آدمة مش فأر تجارب!! " قالت سيلا بصوت مرعوب، ودموعها نازله. أحمد أخيرًا بصّ لها بنظرة طويلة،
وقال بهدوء: "يمكن... بس الوعي البشري هو أكبر تجربة في تاريخنا." ضغط زر في الجهاز، وبدأت إشارات كهربائية خفيفة تمر من خلال الأسلاك المثبتة على راسها. جسمها اتشنج لحظة، وكل عضلة فيها شدّت كأنها بتقاوم الموت نفسه. صرخة خرجت منها، قوية، عالية... بس محدش فيهم حتى رمش. "النشاط العصبي بيتضاعف... في حاجة بتتفتح جوه دماغها... " قال أمجد وهم بيتابعوا الشاشات.
سيلا بدأت تتنفس بسرعة، عينيها بتتحرك بسرعة رهيبة تحت جفنها المقفول، وجسمها كله بيرتعش. "النشاط بيتضاعف... الفص الجبهي بيتوهج كأنه... بيشتغل لأول مرة" قال أمجد بص بحذر على الشاشة. "العقل بيقاوم... بس مش بيهرب. في حاجة جواها بتشد" قال أحمد بهدوء وهو بيكتب ملاحظات. سيلا فجأة شهقت شهقة عالية، وجسمها اتنفض بقوة. كل الأجهزة بدأت تطلق أصوات تحذير، النبض بيجري، الكهرباء بتزيد... لكن أحمد ملامحه ما تغيرتش. "سيبوها...
متقربوش منها. لازم نعرف هتوصل لفين لوحدها" قال أحمد. "بس ده خطر! ممكن يحصل انهيار عصبي أو تلف دائم! " قال أمجد بتوتر. "أو ممكن نوصل لحاجة أعظم من أي تجربة قبل كده" قال أحمد وهو بيقرب منها وبيبص لعينيها اللي مفتوحة نص فتحة وبتتهز. فجأة... سكون. كل الأجهزة توقفت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!