كانت تسرع بكل ما أوت من قوة لتحمل الطفل الصغير قبل أن تصدمه السيارة. وفعلاً لحقته وحملته، وارتطمت بها بدلاً عنه. لكن السائق كان ماهراً، فلم يكن الارتطام قوياً. نزل من السيارة وهو غاضب ويصيح بصوت عالٍ: أنتِ أم؟ أنتِ مهملة؟ ما تستحقيش يبقى لكِ أطفال. أنا لو من جوزك أطلقك. ما تقعدوا في بيتكم، إيه القرف ده؟ ما دام مش قادرة تتحملي مسؤولية، بلاش تتجوزي من الأول. نظرت له ببرود وطبطبت برفق على الصغير وقبلته:
أنت كويس يا حبيبي؟ فتحت حقيبتها وأعطت له قطعة من الحلوى لكي يهدأ وينتهي من البكاء: خلاص ما تزعلش بقى. عمه ده صوته عالي وبيزعق بالشكل ده، أصله كان خايف عليك. السائق: أنتِ إيه البرود اللي أنتِ فيه ده؟ كان بعض المارة قد تجمعوا على صوت فرامل السيارة، وظهرت سيدة وهي تبكي وتصرخ: ابني مش لاقياه… ابني حد شافه؟ إلى أن اكتشفت أن الفتاة تحمله وأنقذته:
حمادة حبيبي، سبت إيدي ليه… شكراً يا حبيبتي، مش عارفة أقول لك إيه. ده ساب إيدي وثانية وبدور عليه اختفى بسرعة، أصله شقي ودائماً بيخلي عيني في وسط راسي. ولا يهمك، فعلاً في أطفال كده. أوعي تحسي إنك أهملتي فيه. ونظرت لسائق السيارة بسخرية. وانصرف الناس من حولهم، وأخذت الأم ابنها وذهبت هي أيضاً. نفضت يدها أمامه والتفتت حوله وبدأت تقول: هي فين؟ هي فين؟ آه آهي. وضعت يدها أمام فمه وكأنها تشد شيئاً ما، وقامت بعمل طرقعة بفمها:
الفيشة شدتها عشان تفصل شوية. كنت بتقول إيه يا نجم؟ آآه مش قادر تنطق. طب أنا هرجع الفيشة، والحاجة الوحيدة اللي عايزة أسمعها من لسانك اللي بينقط سكر ده هو الاعتذار. فتظاهرت أنها تعيد تشغيله: ها مش سامعة لك حس، يعني؟
هما الرجالة كده، تبدأ تتهم الستات ولما يجي وقت الاعتذار، القطة بتاكل لسانهم. عموماً، أنا حاسة إنك عايز تعتذر ومش عارف، وما عنديش وقت الصراحة على ما تستوعب الصدمة، لأني دلوقتي عندي محاضرة لدكتور إياد الرخم. أظن هيطلع شبهك كده. بدأت تحدث نفسها: والله أنا كنت حاسة من أول يوم دراسة وأشوف الدكتور ده. إياد: استني يا آنسة، أنتِ كويسة؟ عنود: أخيراً الكهرباء وصلت لسانك. إياد: مفيش داعي لطولة اللسان. عنود:
ما افتكرش إني أنا اللي لساني طويل. المفروض إنك كنت تطمن على البقرة اللي كانت تحت عجل عربيتك الأول، وبعدين تبقى تتهمها بالإهمال وتطلع عقدك من الستات عليها. إياد: عقدي؟ عنود: آه، الرصة اللي رصيتها من شوية تقول إنك معقد جداً مننا. عموماً، حصل خير. أنا مش فاضية، عندي محاضرة لمادة غلسة بأجل فيها بقالي كام سنة، لأن الدكتور بتاعها دمه يلخبط الجامعة كلها. بتشكر فيه، ما يتخيرش عنك. إياد: قلت لك بلاش طوله لسان. عنود:
أظن حقي، بما إنك ما فكرتش تعتذر لغاية دلوقتي. وأكيد مش منتظرة اعتذار منك. تركته وذهبت دون أن يكمل كلامه، وكانت تعرج قليلاً بقدمها من أثر الارتطام. ذهب كل منهم في طريقه. وصلت إلى جامعة الفنون الجميلة بالزمالك ودخلت، فاستقبلتها صديقتها هند: اتاخرتي ليه يا عنود؟ ومال رجلك؟ عنود: عربية واحد رخـم خبط… وقبل أن تكمل جملتها، تفاجأت بسيارة أمامها، فقالت بصدمة وهي تأكل شفتيها: هو إيه اللي جاب العربية دي هنا؟ هند: عربية إيه؟
عنود: العربية دي السوداء. هند: آه، دي عربية دكتور إياد. عنود: الله أكبر. يعني السنة دي كمان مش هدخل المادة؟ بشارة خير. أنا قلت من الأول المادة دي واقفة في زوري من زمان. هند: ليه؟ إيه اللي حصل؟ عنود: ما هو ده الرخم اللي خبـطني. هند: ده أنتِ أمك داعية لك. عنود: يا عيني على حظك يا لوزة. ده أنا اديته شوية كلام، إنما إيه زي اللوز. هند: هو أنتِ مش ناوية تلمي لسانك شوية؟
أنا عن نفسي هروح أحضر عشان ناوية أتخرج السنة دي، أصل بابا مستحلف لي، خصوصاً لما عرف إني سايباه المادة دي من سنة أولى. عنود: وأنا هخـاف؟ أنا داخلة أصلاً. هند: جيت بدري عشانها. عنود: وهتدخلي إزاي؟ هند: هقول لك. هاتي بس الشال ده أحطه على شعري والنظارة الشمس بتاعتك كمان، واسحبي إيدي وأنتِ داخلة المحاضرة. عنود: أسحب إيدك؟ ده إيه؟ أنتِ هتستهبلي؟ هو في مكفوفين في كليتنا؟ ما ينفعش. هند:
ما هو ده التحدي. خلينا ندخل بس واداري نفسي في أي حتة، بس نعدي من قدامه. يا رب ما ياخد باله. عنود: الطريقة اللي أنتِ داخلة بيها أصلاً بتقول خد بالك. هند: تعالي بس ونشوف، أنتِ بتنبري فيها ليه. كانت تدخل من باب القاعة، وجدت إياد أول الواصلين. عندما سمع اسمه منها، أصر أن يراها، وكان يدقق في كل الطلبة الواصلين.
إياد شاب في الثلاثين من عمره، وسيم جداً، لكنه جاد جداً في عمله. فهو دكتور في كلية الفنون الجميلة، قسم التصوير، نفس القسم الذي تدرس به عنود. معروف بصعوبة مادته، ومن ينجح بها فإن والدته راضية عنه كل الرضا.
عنود فتاة شابة في الثالثة والعشرين من عمرها، جميلة وفنانة مبدعة، تدرس في الكلية بجد ونشاط. ولكن لظروف سنتعرف عليها فيما بعد، أحياناً تأجل المادة، وما زالت إلى الآن في الكلية ما يقارب من الست سنوات، وقد تتم العام السابع. دخلت عنود كما خططت، وكأنها كفيفة. فرأت ابتسامة على وجه إياد الذي عرفها من ملابسها، ولم يخدعه ذلك الشال الذي تضعه على رأسها والنظارة. ففهمت أنه تعرف عليها، فخلعت النظارة والشال.
وصعدت لتجلس، فتعثرت على السلم إلى أن جلست. بدأ إياد في المحاضرة، وكلما نظر إليها كانت ترمش بعينيها وتضع كف يدها على وجهها كأنها مكسوفة. فكان يبتسم على غير العادة، فقد كانت حركتها مضحكة لفتاة شقية خفيفة الظل. انتهت المحاضرة، وتجمع بعض الطلبة لسؤال الدكتور. كانت عنود تقف خلفهم حتى تتحدث معه بعدهم. كان يرد عليهم بجدية. بعد انصرافهم، وقفت تبربش برموشها، فقال لها: نعم، عندك سؤال؟ تحدثت بخجل لا يليق بطولة لسانها:
لو قلت عندي اعتذار، حضرتك هتقبله؟ إياد: أنتِ عملتي حاجة داخل المحاضرة عشان تعتذري؟ عنود: لأ، بره المحاضرة. إياد: خلاص، المحاضرة شيء وخارجها شيء ثاني. عنود: أفهم من كده إننا خالصين؟ إياد: نعم، أفندم؟ عنود: أقصد، إحنا غلطنا في بعض بره المحاضرة. إياد:
أكيد مش خالصين، ومش لايق عليكِ الكسوف. وكمان ما يصحش طالبة زيك لسه في سنة أولى تغـلط في دكتور بيدرسها. ممكن الكلام يوصل له، وتشرفينا هنا كام سنة على ما يرضى ينجحك في مادته. عنود: آسفة، بس الكلام اللي كان بيتقال على حضرتك خوّفنا منك جداً قبل ما ندخل، وإن الطلبة بتنجح بالعافية. إياد: الكلام ده غير صحيح. المادة صعبة وتحتاج اهتمام، ومش بينجح غير الطالب المجتهد. وكل سنة أولى بيبقوا جايين يهـرجوا. عنود:
عموماً، شكراً لتفهم حضرتك وإنك من الدكاترة اللي بتفصل بين المحاضرة وغيرها. إياد: هو لو ما كنتش قبلت اعتذارك كنتِ هتعملي إيه؟ عنود: أبداً، كنت أجلتها زي كل سنة، بس كان نفسي أتخرج السنة دي. إياد: نعم، تتخرجي؟ أنتِ سنة كام؟ عنود: أنا آخر سنة، بس كنت مأجلاها هي وكام مادة. إياد: ومأجلة مادتي ليه؟ عنود: الحقيقة، من اللي سمعته. إياد: يعني فهمتي؟ عنود:
بصراحة، شرحك سهل وسلس، بس يا ريت كانت المادة تتنقل لسنة تانية عشان الطلبة تهتم أكتر. إياد: يعني ما بقتش رخـم؟ عنود: مين قال عليك كده؟ قطـع لسانه. أستأذن أنا، واضح إنك مش بتنسى. وأسرعت تجري من أمامه، وهو يضحك بداخله على أفعالها وكلامها. صعد إلى مكتب الدكاترة، وجدها تطرق الباب. نظر لها قبل ظناً منه أنها تريده، وقبل أن يرد عليها، وجد دكتور عزيز يتحدث معها: ادخلي يا عنود، كويس إنك جيتي دلوقتي. أنا كنت ماشي. عنود:
اتفضل. الاكسسوارات اللي طلبتها دينا. دكتور عزيز: هو أنتِ مش ناوية تتخرجي بقى؟ قربت أشهر إفلاسي من صاحبتك دي. عنود: كنت ناوية، بس الظروف دايماً ضدي. دكتور عزيز: لأ، أنا هفضل ورا الدكاترة ينجحوك عشان أخلص. عنود: طب تصدق، دينا أصلاً جاية عليا بخسارة. دكتور عزيز: ليه كده؟ عنود: بتتشرط عليا التصميم اللي أعمله، أقعد شهر ما أعملش زيه لأي حد على ما تلبسه وتبقى الوحيدة. ومش برضى أزعلها دي عشرة طويلة من أول ثانوي. هههه.
دكتور عزيز: كان زمانك متخرجة معاها بدل ما أنتِ ناطة لي كل شوية. عنود: إيه يا دكتور؟ أنت مش طايقني ليه؟ ده أنا حتى بعمل لها خصومات رهـيبة. دكتور عزيز: ويا صاحبة الخصومات، عايزة كام النهارده؟ عنود (بصوت هامس) : 3000. دكتور عزيز (بصوت عالٍ) : نعم؟ كام ده؟ قبل الخصم ولا بعده؟ عنود: هههه، بعده. بس لو مش عايزة تدفع، بلاش. قلت لها أشحنه، مش بترضى، لاحسن الشحن يبـوظه أو يسـرقه. دكتور عزيز: يبوظـهم أو يسـرقهم؟
ولا عشان بابا يدفع؟ عنود: اسأليها بقى، دي أمور عائلية، ما ليش اتدخل فيها. دكتور عزيز: هههه، أمور عائلية. طب يا بكاشة، حاجاتك غالية قوي. عنود: طب امسك كده واتفرج على التصميم والخامات. وحضرتك أستاذنا، هتلاقي إني بستعمل أنظف وأغلى خامات. ممكن بنظرة الخبرة تقدرهم. ولو قلت مبلغ أقل، أنا راضية. دكتور عزيز: بصراحة، التصميم هايل والماتيريال نظيفة. بتجيبيها منين؟ عنود: أسرار يا دكتور. بس يعملوا كام بجد؟ ونظرة خبير.
دكتور عزيز: مش أقل من 5000. عنود: إيدك بقى، أنا راضية. دكتور عزيز: بنت! مش عشان جامـلتك هتاخدي عليا. عنود: ده بيني وبينك يا دكتور. أنا أقدر. دكتور عزيز: اتفضلي يا ستي، 3500 أهم. عنود: لأ، أنا متفقة معاها على 3000. دكتور عزيز: بس لا، فعلاً شغلك يستاهل. بلاش تتنازلي قوي كده عشان صاحبتك. عنود: شكراً يا دكتور. عقبال ما تشتري لها الشبكة. دكتور عزيز: شبكة إيه؟ أنتِ كمان؟ دي على العريس. عنود:
يا دكتور، شباب اليومين دول محتاجين دعم. ينوبك ثواب فيهم. أثناء ذلك الحديث الطريف بينهما، دخلت دكتورة أشجان: إيه ده؟ عنود؟ أنتِ لسه في الجامعة؟ ما اتخرجتيش؟ عنود (ردت بابتسامة صفراء لأنها تعلم أنها تكرهها) آه يا دكتورة، لسه. دكتورة أشجان (تحدثت معها بكل تكـبر وسخـرية) أنتِ برضه لو بطلتي تفرشي في الشارع ترسمي بورتريهات، وخليتي بالك من مذاكرتك، كان زمانك اتخرجتي زي باقي الطلبة. عنود:
أعظم فنانين العالم يا دكتورة، بدأوا بالرسم على الرصيف. وأنا مش ببيع جرجير، دي بورتريهات محترمة. ادعي لي يبقى عندي الاستوديو الخاص والناس تدور عليا. دكتورة أشجان: الحاجات دي مش بتيجي بالدعوات، بتيجي بالاجتهاد والعمل في أرقى الأماكن، مش على الرصيف. عنود: مصيري أوصل يا دكتورة، لسه العمر طويل. أنا لسه صغيرة والمستقبل قدامي. كانت تلمح أن أشجان كبيرة في السن، ولم تحقق شيئاً سوى التدريس بالجامعة. نظرت بحب لدكتور عزيز:
أستأذن يا دكتور، أحسن الرصيف مستنيني أفرش عليه فني. دكتور عزيز: خلي بالك من نفسك. عنود: شكراً يا دكتور. بعد خروجها، نظر لاشجان بـحـدة: أظن ما كانش له لزوم كلامك الجـارح ده. دكتورة أشجان: هو أصلاً المفروض ما كانتش دخلت المكتب هنا للدكاترة بس. دكتور عزيز: أنا رئيس القسم، وأسمح لأي حد بالدخول. والطلبة دائماً بتدخل عادي تسأل أي دكتور. إشمعنى عنود دايماً بتعلقي على دخولها؟ إياد: هي إيه حكايتها يا دكتور عزيز؟
أنت واضح إنك تعرفها. دكتور عزيز: آه، دي بنت شاطرة ومتفوقة، بس ظروفها صعبة شوية، وصديقة دينا بنتي من أيام ثانوي. دكتورة أشجان: متفوقة إزاي وبتسـقط؟ دكتور عزيز: هي مش بتسـقط، هي بتأجل بس، وكل المواد بتجيب فيها امتياز. بس عشان مصاريف خامات الجامعة عالية، مش بتقدر تمتحن كل المواد. لولا ده، كانت ممكن تكون معانا هنا زميلة، لأنها في إعدادي طلعت الأولى على دفعتها. دكتورة أشجان:
ونسيت تقول كل ده بسبب إن والدها طلع حرامي، وتسبب في الظروف اللي بتمر بيها دلوقتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!