الفصل 5 | من 30 فصل

رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الخامس 5 - بقلم لادو غنيم

المشاهدات
47
كلمة
5,441
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

في منتصف حديقة قصر "رضوان الهلالي" يقف "جواد" وبيده آلة حادة تشبه الفأس، يضرب بها شجرة عتيقة مضى على وجودها ثلاثون عاماً. يضربها بقوة أرهقت منكبيه، لكنه لم يكن يبالي بألم منكبيه بقدر ما كان يهتم بضخ غضبه بها. كان يراها بهيئة "ريحانه"، يراها سبب جراحه، سبب خداعه، سبب انكساره، سبب حطام كبريائه. قطرات العرق المتساقطة على الأرض تزامناً مع صوت أنفاسه المتلهفة، دليلاً على ما يشعر به من خراب داخل جوف قلبه.

ثم ألقى هذا الشيء من يده، وبدأ بلكم الشجرة عدة لكمات قوية وراء بعضها تسببت بجروح مرفقيه بشدة. مع كل لكمة كانت تزداد أنفاسه المتسارعة، بأنّين قهراً يخرج من صندوق قلبه المحمل بالأسى. نبضاته مثل البحر الثائر، كلما زادت زاد معها الألم الغريق لكبرياء رجل. انتهى من تسديد لكماته، وسند بيده عليها يلهث أنفاسه بصدر يعلو ويهبط مثل الأمواج، بعينين ترتجفان بحنق كاد يفقأهما. فما فعلته به غير قابل للغفران.

وبعدما حاولا الهدوء قليلاً، قررا الصعود لحجرة نومهما. سار نحو الداخل وصعدا الدرج حتى انتهى منه، وأكمل سيره حتى وقف أمام باب الحجرة. أمسك بالمفتاح وحرر غلقه، ثم دخلا وأغلق الباب خلفه. استدار يبحث بعينيه الخضراوين عنها، حتى استقر بصره عليها ممددة بجوار التخت في حالة إغماء، وعلى وجنتها الدماء السائلة من أنفها.

في تلك اللحظة تبدل غضبه لخوفاً عليها. رغم أنه قد نزع إعجابه بها من قلبه، إلا أن دافع المسؤولية بصفته زوجها، جعله يركض إليها. جلس على عقبيه وحملها بين ذراعيه، ونهضا بها ليضعها فوق الفراش. ثم جلس بجوارها يتفحص نبضها، وتأكد أنها ما زالت على قيد الحياة. فنهض وأحضر مناديل ثم عاد، وأزال دمائها من على وجنتها، وألقاها بسلة المهملات المجاورة للفراش. ثم نهضا من جوارها وغطى جسدها بغطاء خفيف، وسار للحمام ليغتسل.

بعد ثلاث ساعات، حيث دقت الساعة الثالثة صباحاً، فتحت "ريحانه" جفونها وجلست على فراشها تتفحص المكان من حولها. كانت إضاءة الحجرة مشتعلة، فرأته يغفو فوق الأريكة ببنطال أسود، دون ستره لجزئه العلوي. تفحصته بعينيها، فقد كان شديد الوسامة بذلك الجسد العضلي المشدود بتناسق، فكأنه يضع ذراعه الأيمن أسفل رأسه مما أبرز عضلاته بشكل جذاب. يغفو بتلك الشعيرات السوداء الساقطة بتمرد على جبهته. نظراتها المغازلة الحلالية له لم تكن محرمة، فهو زوجها.

لكن ليس هذا فقط ما جذب انتباهها، فظهر مرفقه المنجرح بدم ما زال يخرج منه بشكل ضئيل. جعلها تنهض من فوق الفراش وأمسكت ببعض المناديل وطرحتها الصغيرة، وتقدمت منه حتى جلست بجواره على حافة الأريكة. بدأت بإزالة الدماء بالمناديل. وحينما انتهت، حملت مرفقه بهدوء، وبدأت بلف حجابها على جرحه، ثم عقدتها برفق لكي لا تؤلمه. ثم وضعت يده بجواره.

نظرت لوجهه الهادئ، فرفعت مرفقها وداعبت خصلاته السوداء، وفمها يبتسم بهدوء. ثم نظرت لتقسيم عضلات معدته، فراوضها الفضول لفحصها. فحملت يدها من على شعره وأسقطتها بهدوء لتستقر على جسده، لتنقل أصابعها بين تدريجات عضلاته التي تزيد من بسمتها بغرابة. تتنقل بينهم وكأنها تعزف بين درجات الفؤاد التي تشعل نيران قلب رجل يحارب كيانه المطالب بالنيل من الغزالة الشاردة التي تفتح بلمساتها العفوية صناديق شوقه إليها من جديد.

كان يجاهد نفسه لكي لا يفتح عينيه التي تطالبه بالنظر إليها. نبضاته المتدفقة أصبحت مثل الطبول القارعة لتفصح عن حالها. بصدره الذي بدأ يعلو ويهبط بشكل لاحظته "ريحانه"، فضيّقت عينيها قلقاً، فقد ظنت أن هذا يحدث له بسبب مرضه أو شيئاً ما. لم تكن تدرك أنها من تسببت بهذا التمرد الداخلي له. فرفعت يدها ووضعتها على صدره فوق موضع قلبه مباشرة، فشعرت بتلك النبضات المتسارعة.

ملمسها لباطن مرفقها زاد فضولها لمعرفة كيف يبدو صوتها. فحملت يدها بعيداً وانحنت عليه بوجهها من جهة اليمين، فالتحمت بصدره وسمعت نبضات قلبه بأذنها التي أرسلت صوت النبضات لكيانها. فشعرت أنها تستمع إلى معزوفة موسيقية فاتنة تأسرها بلهيب المشاعر الثائرة. ظهر الرضا على ملامحها ببسمة راقية تعلن عن محبتها لتلك النبضات. وبدأت بتحريك أصابعها على جسده العضلي تراقصها على صوت نبضاته. أصبحت أصابعها رفيقة دقاته، ثنائي راقص فوق ضفاف المشاعر الخفية.

أما هو، فلم يستطع أن يقاومها أكثر من ذلك. جهاده لكيانه الذي يلح عليه للتشبع منها والارتوي من أنوثتها، جعله يفتح عينيه دون النظر إليها، مردداً بأمر يعلن ببحته المرهقة عن ذلك الجهاد الداخلي: "أبعدي عني حالاً، وأرجعي على سريرك وغطي نفسك كويس، مش عايز ألمح حاجة منك نهائي." "يا له! " اتسعت عينيها بحرجاً، ورفعت رأسها من عليه، ونظرت إليه فوجدته يرفض النظر لها،

فقالت بعفوية يملؤها الحزن: "حقك عليا، مكنش قصدي أزعلك. أنا لما شفت شكل إيدك قلقت عليك عشان كدا جيت جنبك." صوتها الناعم بنغمة أنثوية، جعله يأمرها بذات البحة المرهقة: "ريحانه، اسمعي الكلام وروحي نامي. اعملي اللي قولتلك عليه." تنهدت متسائلة بذات الحزن: "والله مكان قصدي أضايق منك. لو يعني عشان قربت منك وسمعت صوت قلبك، أوعدك إني مش هعمل كدا تاني."

إلحاحها بالاعتذار منه، بذات الصوت الناعم، وهيئتها التي يحارب عينيه لعدم النظر لها، جعلته يثور بصرامة: "قولتلك غوري على سريرك، مبتسمعيش الكلام ليه ياله! اعملي زي ما قولتلك، مش عايز ألمح طرفك ياله."

فزعت من جواره برجفة خوف من صوته الجش، وركضت لفراشها وغفت عليه، وغطت كامل جسدها كما أمرها. أما هو، فجلس على الأريكة وأشعل سيجارة أخذها من علبته. بدأ يتنفسها بلهفة، تزامناً مع فرك جبهته وشعره بحنقاً بسبب ذلك الشعور المسيطر عليه اتجاهها. كان يرفضه كل الرفض، لم يكن يود أن يقيم علاقة معها، يراها محرمة من وجهة نظره ومن وجه الدين. فهو ليس رجلاً عفيفاً ليختلي بها، فلديه علاقة نسائية مع "نهى"، فالورقة العرفي التي بينهما ساقطة لا يعترف بها الدين ولا القانون. كان يدرك جيداً أن أي علاقة سيقيمها مع "ريحانه"، قبل أن يتوب وينهي علاقته بغيرها، ستكون علاقة محرمة تحت مسمى "الزنا".

فهذا ما قاله الدين: المرأة العفيفة لا ينكحها إلا رجل عفيف مثلها. ظلا على هذا الحال لبضع دقائق يجاهد مع الشيطان وغضبه منها. الأخير يطالبه بالنيل منها وإشباع غرائزه الدفينة، لكن الجانب الأخلاقي المسجون بداخله كان يرغمه على الابتعاد عنها وعدم إقامة أي علاقة معها. وبعد لحظات، أطفأ السيجارة وأغلق الضوء وغفا فوق الأريكة محاولاً التغاضي عما بداخله والنوم قليلاً. ***

وفي نهار اليوم التالي، استيقظ مبكراً الساعة السابعة صباحاً، واغتسل. ثم ارتدى بنطالاً أسود وقميصاً أبيض اللون قسم جزئه بشكل ممتاز، وبقدمه حذاء أسود. وهندم شعره الأسود على جبهته بشكل مبعثر زاده حلا. ثم أخذ السلاح والمفاتيح من الكومود المجاور للفراش. ثم نظر إليها، فكانت تغفو بأنوثة أظهرت منحنياتها المتوازنة باحترافية. فبلع لعابه وتنهد بجموداً ليكبت غرائزه. وأمسك بالغطاء وستر جسدها من عينيه. ثم سار للخارج.

وبعد ساعة، وصلا للقسم ونزلا من سيارته ودخلا لمكتبه وجلس على المقعد. فدخلا إليه "مرعى" متسائلاً: "صباح الخير يا باشا، إيه اللي جايبك بدري كدا؟ هو ساعتك اتخانقت مع مراتك ولا إيه؟!! ضيّق عينيه مستفهماً: "هو أنت ليه محسسني إنك فرد من العائلة؟ زم فمه بعبث: "الحق عليا، عايز أطمن عليك." "لأ ما تطمنش، روح هاتلي الشاي بتاعي." "حاضر، بس هعملك الشاي بمياه عادي عشان مياه الورد خلصت، وساعتك مشترتش."

هتف بزمجرة: "ولما هي خلصت مقولتيش ليه عشان أديك تشتري غيره؟ "نسيت من كتر المصايب اللي بتجلنا." تنهد بلامبالاة: "عينداً فيك هتعملي الشاي بمياه الورد حالاً." "تجيبها منين بقا دي شغلانتك؟ هتف بقلق: "أنا مبقتش عارف شغال إيه بالظبط." هتف بزمجرة: "أنتَ لسه هتطبرطم يا "مرعى"، لسه هتتبرطملي. بقولك إيه، أنا فيا اللي مكفيني، متخلنيش أطلع غلي فيك."

ابتعد خطوة للوراء بعبث: "كنت متأكد إن الجواز هيزيد عصبيتك، ما هما صنف الحريم دول بيعصبوا العاقل، ما بالك بقا باللي متعصب من الأول." ضرب الطاولة بصرامة: "بالله يا "مرعى" لو ممشيت وعملت الشاي بمياه الورد ولقيته قدام كمان عشر دقايق، هخليك تقضي اليوم في التخشيبة عشان خلاص فاضلي تكه وهولع في الكل." "لأ و على إيه، ربنا يكفينا شر النار."

أسرع "مرعى" بالخروج لتنفيذ أوامره. وبعد دقائق، دخلا عسكري وبرفقته "غوايش". فأشار له "جواد" بسبابته للخروج، فلبي الأوامر. أما هو، فقال لها بجمود: "أتمنى أن التخشيبة تكون عجبتك." صكت على أسنانها بزمجرة بسبب مكوثها بالتخشيبة طوال الليلة البارحة، فقد أرسل بالمساء عساكر قاموا بالقبض عليها وتركها بالتخشيبة طوال الليل. "أنتَ بتقبض عليا ليه؟ هتف بصرامة: "صوتك لو علّى تاني هخرسك خالص."

راودها القلق، فظلت صامتة. أما هو، فاخرج سيجارة وأشعلها عبر شفتيه يستنشق دخانها ثم يفرغ ما تبقى في الهواء. وقال بجمود: "أكيد طبعاً سمعتي عن اللي حصل لـ"فارس"؟ قالت بمكر مدعية الحزن: "طبعاً سمعت، وفضلت أدعيله قد إيه إن ربنا يقومه بالسلامة." زم فمه بسخرية: "أول مرة أعرف إن ربنا بيستجاب للشمال." "قصدك إيه؟ " باحت بضيق. فقال بحدة: "قصدي ياروح أمك إن الشويتين دول مش هيخلوا عليَّ."

"فارس فاق وحكى لي كل حاجة من لما جيتي القصر عشان تاخديهم لحد ما حصل له اللي حصل." حاول خداعها والكذب عليها، فلم يخبره أخوه بشيء بعد، لكنه لم يكن يود أن يخبرها بالحقيقة التي اعترفت بها "ريحانه" لكي لا تعلم أنه أصبح يعرف هدف زواجهم لها. "ساكتة ليه؟ ماتردي!! " هتف بصرامة. فقالت باندفاع بصوتاً

خائف: "أنا عملت كدا عشان الرجالة متتقتلش. عملت نفسي في صفهم، ومسكت المنجل وجرحت "فارس" عشان أوهمهم إنه خلاص مات. بس هو كان مغمى عليه، معرفش إنه كان واعي وبيشوفني." تجوّحت عيناه بشراسة معلنة عن براكينه التي انفجرت بعروقه. لم يكن يتوقع أنها الفاعلة. فنهض من على مقعده وتقدم إليها تزامناً مع بحته الهادئة كهدوء ليلة على وشك العاصفة: "يعني عشان تثبتي لهم إنك معاهم قررتي إنك تقتلي أخويا؟

حلو أوي كدا. مين بقا الرجالة دول وتبع مين؟ واضح إنك تعرفيهم كويس أوي." اعترافها أوقعها بشر أفعالها أمام رجل لا يعرف شيئاً عن الهدوء. فبدأت بالتحدث بربكة: "دول ناس قاطعين طرق، كانوا عايزين الفلوس واللي معانا. أنا معرفهمش، أنا لما قولت أبقى في صفهم كان قصدي إني سبتهم يعملوا اللي هما عايزينه."

"بالله لو منطقتيش وقولتي الحقيقة مهخلي رجلك تخطي بره القسم ده غير وأنتِ ميتة. كل الكلام اللي قولتيه مسمعتش منه حاجة. ياله ابدئي من الأول عشان مزعلكيش، وأنا زعلي بيحرق من غير ما أتسمى." نظرة الكراهية المفخخة بالحنق التي رآها بعينيه، جعلتها تتفوه بقلقاً

يحتويه بعض الكذب: "الرجالة يبقوا تبع راجل مهم اسمه "ياسر الغنيمي". كان بيجيلنا زيارات عشان يعطف علينا ويدينا قرشين نصرف منهم. ولما شافنا راكبين في العربية مع أخوك وريحانه بتعيط، فكر إننا مخطوفين عشان كدا نزل رجّالته عشان يشوفونا. ولما أخوك نزل ضربوه بالمسدس على راسه خلوه يغمى عليه، وكانوا عايزين يقتلوه، عشان كدا أنا عملت نفسي في صفهم وجرحته بالمنجل."

كان يعلم أنها تكذب في بعض الأمور، مما جعله يلقي عليها سؤاله مستفهماً بحدة: "ومدام هما يعرفوكم، ليه مقولتيش إن "فارس" مش خطفكم؟ ما تيقي كان هيصدقك." "ما كانش هيصدق عشان "ريحانه" جالها نوبة الصرع، فكذب كل كلامي لأنه عارف إنها مبجيلهاش النوبة غير لو كانت خايفة." "ليه هربتي وسيبتي "فارس" و"ريحانه" لوحدهم؟ "خوفت، مكنتش عارفة أعمل إيه؟

لم يصدق حديثها، فقد كان يعلم أن معظم ما قالته مجرد كلمات خداعاً له. فكلامها يتنافى مع اعتراف "ريحانه". الشيء الصادق الوحيد التي هتفت به هو كنية "ياسر الغنيمي"، مما جعل "جواد" يهاتفها بذات المكر بشراسة بصرية: "ماشي يا "غوايش"، هصدقك وهسيبك تمشي عشان خاطر "ريحانه". مراتي أنا برضه، مراعي إنك مرات أبوها، وأبوها عاجز، ما فيش حد غيرك بيراعيه."

شقت البسمة وجهها بقولها: "تعيش يا "جواد" بيه، متحرمش منك. أمشي أنا بقا لأحسن زمان الراجل مش لاقي اللي يساعده." أشار لها برأسه لتغادر، فغادرت على الفور. أما هو، فجلس على مقعده مجدداً. ثم أجرى اتصالاً على أحد أصدقائه بقسم المرور، فأجابه بعد ثوانٍ: "أهلاً يا صاحبي." "عملت إيه في اللي طلبته منك؟

"آه بخصوص خط سير العربية الـ GB السوداء، أنا راجعت كاميرات مخارج ومداخل البلد، ولقيت فعلاً عربية بنفس المواصفات خرجت من البلد امبارح عالساعة خمسة بعد العصر، ولما بحثت عن رقمها طلعت عربية واحد من الناس التقيلة أوي في مصر." ضيّق عينيه بشراسة متسائلاً: "اسمه إيه؟ "بارون الغنيمي، من أكبر رجال الأعمال." اتضح له أنه من نفس العائلة، والترجيح الأعلى له أن "البارون" شقيق "ياسر". فسأله من جديد: "بيشتغلوا في إيه؟

تبسم الصديق قائلاً: "قول ما بيشتغلوش في إيه، بس أشهر شغلهم في المقاولات." "تمام تمام يا صاحبي، لو احتاجت حاجة في أي وقت ابقى قولي. ياله سلام." أغلق "جواد" المكالمة، فوجدا "مرعى" يدخل إليه بكوب الشاي، ثم وضعه على الطاولة. فحمل "جواد" الكوب وتناول أول رشفة التي لم يتحملها لثانية بفمه، وفرغها في الهواء. ونظر له متسائلاً بزمجرة: "إيه القرف ده؟ أنتَ عملت الشاي ده إزاي؟ هتف "مرعى"

بصراحة مستفزة: "ساعتك قولتلي اتصرف وجيب مياه ورد. قمت أنا لميت كل الورد اللي في الزرع اللي حوالين القسم، وغسلته وغليته، وبمياته عملتلك الشاي." قضم على شفتيه السفلى بحنقاً، ثم هتف: "اخسا من وشي يا "مرعى"." تراجع بقلق: "مش فاهم، أرضي ساعتك إزاي والله." "بطل برطمة، الحريم دي مش ناقص برطمة في البيت، وهنا كمان. خد الكوبايه واخسا من وشي." "مرعى" بعبث: "مش فاهم، مش طايقني ليه من صبحية ربنا؟

"غور بدل ما أحطك في التخشيبة." صاح بزمجرة، فخرج الآخر بعدما أخذ كوب الشاي، وتركه يتبادل الآراء مع عقله. *** "يحدث الآن في المستقبل عام ٢١٠٤" بقصر "أدم السوالمي" بحديقة القصر، كانت تجلس "ثريا" برفقة "أدم" بعدما تناول الفطور وأحضره له الشاي. "ممكن لو مفهاش إزعاج تقول لي حكاية والدة حضرتك؟ رآه الفضول بعينيها، فترك الفنجال على الطاولة،

وهتف بقول يأس: "مع إني مبحبش أفتكر الحكاية، بس هحكيها لك. أمي كانت سيدة جميلة قوية، شايفة نفسها فوق الكل، مصلحتها كانت رقم واحد. كانت دايماً بتتخانق مع والدي "خليل السوالمي" مطالبة دايماً بحاجات فوق مقدرته. فضلت الحياة ماشية بنهم كدا لحد لما ظهرت "ياسمينا" في حياتنا." ضيّقت عينيها بتساؤل: "مين "ياسمينا" دي؟ "كانت البنت اللي والدي قابلها صدفة في القسم عند صديقه "جواد الهلالي"." زادت التساؤلات بعينيها، فـأجابها

ببدء الحكاية: "لما والدي قابل "ياسمينا"، كانت بنت جميلة بتشتغل راقصة. كانت متهمة في قضية زور، بس والدي خرجها بما إنه كان محامي. ولما عرف إنها مالهاش مكان تروح له، خدها المكتب بتاعه. باتت في يوم، وتاني يوم راح لها والدي عشان يطمن عليها، وأنا كنت معاه."

بتلك اللحظة، عاد "أدم" بذكرياته للماضي، ليتذكر ما حدث بين والده و"ياسمينا" بالمكتب. دخل "خليل" المكتب برفقة صغيره "أدم" الذي أحضره معه لأن "ثريا" كانت منغمسة بأعمالها. وفور أن دخلا، استقبلتهم "ياسمينا" ببسمة امتنان. "صباح الخير يا أستاذ خليل، شكراً عشان خلتني أقضي الليلة هنا بمكتبك." "خليل" بجدية: "مفيش داعي للشكر. ياترى أعصابك ارتاحت عن امبارح؟ "ياسمينا"

بتأييد: "طبعاً ارتحت، دي أول مرة من سنين أحس بالراحة دي." صمتت حينما رأت "أدم"، فتساءلت ببسمة: "ما شاء الله، دا ابن حضرتك؟ "أيوه، أدم خليل السوالمي، ابني الوحيد." "ربنا يحفظه لك. اتفضلي، جبت لك اللبس ده والفطار." تبسمت بحرج: "مكنش في داعي للتكاليف دي." أخذت الأغراض منه ودخلت، وارتدت الثوب الأسود الطويل الذي يخفي كامل جسدها.

ثم خرجت إليه لتشكره: "شكراً من قلبي، الفستان جميل ومحتشم. فكرني بلبسي قبل ما أهرب من بيت بابا." نبشت فضوله، فجلس على الأريكة بجوار صغيره متسائلاً: "لو مفهاش تدخل مني في حياتك، ممكن تقولي لي هربتي ليه من بيت أهلك؟ جلست على المقعد أمامه بحزن خيّم

عليها: "أنا "ياسمينا الخولي" بنت صياد، ليه سمعته وأهلي معروفين في إسكندرية. وأنا عندي اتنين وعشرين سنة، ماما توفيت وكانت حالتي النفسية مدمرة، وسقطت في الامتحانات وقررت أسيب الجامعة وقعدت في البيت. وقتها جه ساكن جديد في الشقة اللي قدام بلكونة أوضتي، كان شاب اسمه "يوسف"، كان شكله حلو وفي أوله جامعة، وكل الشارع كان بيحبه وبيشكروا دايماً فيه. كان دايماً بيقف في شباكه قدام بلكونتي ويلوّح لي ويحاول يحدف لي جوابات. لحد لما

اتعلقت بيه وحبيته، وبقينا نتقابل ونتكلم بالساعات على التليفون. لحد لما جه في يوم وهو بيكلمني بالليل طلب مني أبعت له صورتي. بشعري، وقتها كنت محجبة. قال لي إنه نفسه يشوف شعري تحت مسمى إنه حبيبي، وأكيد هيتقدملي، ووافقت وبعت له الصورة. وبقيت كل يوم أبعت له صورة. لحد لما لقيته بيكلمني وبيقول لي إنه اشترى لي حاجة وعايز يشوفها عليا، ففتحت البلكونة وأخدت الشنطة اللي حدفها، وفتحتها ولقيت فيها هدوم داخلية شبه البكيني القطعتين.

أول ما شفتهم اتخضيت، وقولت له لأ مش هلبسهم، وإلا هتصور بيهم. فزعل مني وقعد لمدة شهر مش بيكلمني، فخوفت ليضيع مني ويسبني، فبعت له رسالة وقولت له إني موافقة على اللبس. وبالليل لبست الغيارات الداخلية، كانت حرفياً بكيني أسود قطعتين. لبسته واتصورت بيه وبعت له الصور. فلقيته شافهم وبيرن عليا مكالمة فيديو، فقعدت على السرير وغطيت نفسي بالبطانية ورديت على مكالمة الفيديو بتاعته، فاستغرب وقال لي أشيل البطانية من عليا وأفرجه عليا

عشان يشوف الغيارات على الطبيعة. قال لي لو بتحبيني بجد هتعملي كدا وتفرجيني، أنتِ حبيبتي وأنا في كل الأحوال هتقدملك وهتبقي مراتي. أصر على كلامه، فشلت الغطا وقمت وقفت وبدأت أمشي الكاميرا على جسمي عشان يتفرج، وأنا أسمعه بيشتم بكلام قليل الأدب وبيقول كلام غريب، فقربت الكاميرا وقولت له كفاية كدا،

فابتسم وقال لي: "ماشي يا حبيبتي." حبي ليه كان عامي عنيه، وفضلنا كل يوم نتكلم فيديو، ومعظم الوقت أبقى لابسة هدوم مبينة جسمي عشان بيطلب مني كدا. لحد لما جه في يوم ولقيته بيقول

لي وإحنا فاتحين الكاميرا: "عايز أشوفك من غير هدوم خالص." وإن الغيارات الداخلية اللي بيشوفني بيها مش ساترة كتير، فعادي لو شفتك من غير حاجة خالص. قعد يقول لي كلام حب ووعود كتير، الحد لما سلمت وقلعت كل لبسي و"خليته يتفرج عليا"، وهو عمال يقول لي كلام حب وألفاظ غريبة. وجه تاني يوم ولقيته بيقول لي إنه عايز يقابلني في شقته عشان نقعد على راحتنا، فخوفت ورفضت، فقال لي إن الموضوع بسيط وإنه في كل الأحوال هنتجوز، مفهاش حاجة لو قعدنا سوا بعيد عن الناس. بس أنا أصررت على الرفض، فلقيته

ظهر على حقيقته وقال لي: "لو مجتليش هفضحك بالصور والفيديوهات"، لأنه كان بيسجلهم على تليفونه. وقتها من الخوف معرفتش أعمل إيه؟ أروح له وأنا عارفة إنه عايزني عشان يشبع رغبته مني، وإلا أقول لبابا ويقتله ويدخل السجن؟

مكنش قدامي حل غير إني سبت البيت وهربت، واستخبيت عند واحدة صحبتي. وبعد أيام عرفت إن "يوسف" نشر صوري وفيديوهاتي على مواقع مش كويسة، وكمان على مواقع فيس. وطبعاً الصور والفيديوهات وصلت لأهلي، وعرفت إن بابا بيدور عليا عشان يقتلني، فهربت من عند صحبتي، وفضلت في الشوارع لحد لما لقتني "نواعم" وشغلتني عندها رقاصة. هي دي كل حكايتي يا أستاذ خليل." نهت حديثها بدموع ممزقة خرجت من صميم جروحها. أمام "خليل"

الذي هتف بجدية: "مفيش حبيبي حقيقي بيحب بجد يطلب من حبيبته صور وفيديوهات، لأن الراجل اللي بيحب بجد هيبقي شايفك شرفه حاجة زي الإزاز مش مسموح لحد إنه يكسرها. الراجل اللي بيحبك بجد هيخاف عليكِ من نفسه، من نظرته، من رغباته. ومن غير لف ودوران ووعود، هيدخل البيت من بابه زي أي شاب محترم وهيتقدم عشان يتجوزك، عشان تبقي حلاله. وطول فترة خطوبته ليكِ مش هيطلب يشوف خصلة من شعرك، لأنه عايز يحافظ عليكِ من رغباته، لحد لما يتكتب

كتابكم ويتم الفرح قدام الكل ويزفوكي عروسة لبيته. وقتها بس يقدر إنه يملى عينيه منك ويشوفك من غير حاجة لأنك بقيتِ حلاله قدام رب العالمين وقدام الناس كلها. هو ده الراجل اللي بيحب بجد. أما أي راجل تاني يطلب من البنت أي طلب مش محترم يبقى بيتسلى بيها وعايزها عشان تلبي رغباته فقط. أما لما هييجي يتجوز، هيرميها وهيجوز واحدة تحافظ على شرفه واسمه، وعمره ما هيفكر إنه يطلب منها أي طلب يفضح شرفها وسترها."

زادت بالبكاء كثيراً، وكأنه أشعل كبتها بحديثه الصريح. فنهض ممسكاً بيد صغيره: "أنا مصدق حكايتك وعارف إنك ضحية، بس مشتركة بجريمة في حق نفسك وربك. بس هساعدك لو عايزة تتوبي بجد، خليكي هنا هشوف لك شغل عشان تبدأي من جديد." أبصرت به بانكسار: "ده يبقى معروف، عمري ما هنسا هولك." أومأ "خليل" بالموافقة، وذهب برفقة صغيره. بتلك اللحظة، عاد "أدم" من ذكرياته مكملاً لـ"ثريا" التي

تستمع له بانتباه شديد: "وخلصت "ياسمينا" حكايتها ومشيت أنا ووالدي من المكتب ورجعنا البيت." "وبعدين إيه اللي حصل؟ " سألته بفضول. فقال بأرق: "مش قادر أحكي النهارده أكتر من كدا. قومي من فضلك سنديني لأوضتي، عايز أرتاح شوية." قامت بلهفة، فهي تعلم جيداً أنها والدته. ثم أمسكت بيده وبدأت بالسير برفقته لتأخذه لحجرة نومه. *** "يحدث الآن في الماضي 2024"

عاد "جواد" للقصر بعد أن اطمأن على حالة أخيه وتأكد أنه على ما يرام. وحينما دخلا، وجدا "ريحانه" تجلس على الأرض، وبجوارها دلو من الماء تغسل الأرض، وهي مرتدية عباءة سوداء قطنية، وشعرها البني مربوط على هيئة كحكة، وهناك بعض الشعيرات القليلة ساقطة على وجنتها. رغم انشغالها بالتنظيف، إلا أنها كانت فاتنة بعينيه. لكن ما فعلته معه لم يغفر لها بعد، مما جعله يسير حتى وقف أمامها. "هو ده تمامك خدامة؟

بس ياترى الباشا لما كان هياخدك القصر بتاعه كان هيخليكي الهانم بتاعته، وإلا مجرد خدامة تنضف وسخة جزمهم؟ شعرت بالإهانة تمزق قلبها، فنهضت تناظره بحزن: "أنا مش خدامة، أنا مراتك وعايشة هنا، فاللازم أنا اللي أنضف البيت. أما بقى اللي أنتَ بتتكلم عنه، فمعرفش كان هيخليني إيه، بس أكيد كان هيعاملني أحسن منك." أمسك بمنتصف ذراعها يعتصر نسيجها بين أصابعه الغليظة، متفوهاً بصرامة: "عارفة هيعاملك أحسن مني ليه؟

عشان أنتِ بالنسباله مجرد لعبة. لأن مفيش راجل بيحب بجد يطلق مراته، وحتى لو طلقها، مش هيقولها تتجوز محلل، لأنه مش هيستحمل إن راجل غيره يلمسها." "أنتَ ليه عايز تفهمني إنه بيكرهني؟ " هتفت بصوت مليء بقدوم البكاء. فشدد من قبضته عليها: "بيكرهك أو لأ ميخصنيش، وميخصكيش. من الاحترام يا مؤدبة إنك متفكريش بأي واحد وأنتِ متجوزة، عشان اللي بتفكر في راجل غير جوزها تبقى مشفتش تربية ومبتصونش الشرف."

أومأت من خوفها من عينيه المتجوّحتين بكراهية، فالقاها للوراء وذهب، فتعثرت بالدلو ووقعت على الأرض، بعدما التوى كاحلها. فصرخت باكية من شدة الألم. فاستدار للخلف، فرآها جالسة على الأرض تمسك بقدمها، فسار مسرعاً إليها وجلس أمامها نصف جلسة يتفحصها. "إيه اللي بيوجعك؟ " سألها ببحة مبعثرة بالغضب الخائف. فقالت وهي تشير لكاحلها الأيسر: "رجلي من هنا بتوجعني أوي، مش قادرة." نظر لموضع الألم ولمس كاحلها فصرخت، فقال

لها ببعض الهدوء ليهدئها: "متخفيش، مفكيش حاجة. غمضي عينك وافتحي لي، أعملي زي ما بقولك." لم تكن تمتلك خياراً، فأغمضت عينيها. فعدّل كاحلها في غمضة عين لموضعه الطبيعي، فصرخت تزامناً مع فتح عينيها. فهتف بجدية: "كلها دقايق والإلم يختفي." أومأت وهي تمسح دموعها بظهر مرفقها مثل الصغار. فـقرب منها وحملها بين ذراعيه، ثم نهضا بها. فعترضت: "نزلني من فضلك." سار بها صاعداً الدرج دون إجابة، حتى وصلا للحجرة وأدخلها ووضعها

برفق فوق الفراش بأمر: "متتحركيش من على السرير عشان ما تتعبيش، رجلك محتاجة شوية راحة." عارضته بهدوء: "بس أنا مش متعودة على القعاد، أنا متعودة على شغل البيت." بدأ بتحرير أزرار قميصه تزامناً مع حديثه الجاد لها: "ده لما كنتِ في بيت أبوكي. وبعدين أنا مقولتش إنك هتفضلي قاعدة كدا، أنا بقولك ارتاحي لحد لما رجلك تخف، وبعد كدا نضفي زي ما أنتِ عايزة."

انتهى من تحرير الأزرار ونزع القميص من على جسده وألقاه على الفراش. فخفضت نظرها بخجلاً، مما جعله يتحدث ببرود أثناء سيره للخزانة: "مشوفتش الكسوف ده امبارح وأنتِ بتحركي إيديكي فوقيا." بلعت لعابها بإحراج: "أنا كنت مستغربة شكل الحاجات اللي عندك، فقولت أشوف ملمسها إيه." زم فمه بجفاء: "اسمها عضلات. هو حبيب القلب مكنش عنده منها؟ "هتفت بجدية: "لاء، مكنش عنده." أغلق الخزانة بقوة واستدار، ونظر لها بحنق: "انزلي كملي مسيح."

"بس أنتَ قولتلي متحركش عشان رجلي." "بلاش مناهدة، نفذي من سكات ياله. غوري على تحت." بدأ إجابتها على سؤاله الخاص بياسر قد أوقد غضبه. فنهضت من فوق الفراش تسير بعرج، تخرج أنين إرهاقها بصوتاً أنثوي أشعل مخازين جسده المطالب بها. لكنه حاول بقدر الإمكان أن يتجاهلها، حتى رآها تستدير له، تناظره بعين دامعة من ألم كاحلها. "جواد، ممكن تخليني قاعدة شوية، وبعد كدا هنزل أكمل مسيح. والله رجلي وجعاني أوي مش قادرة أدوس عليها."

بتلك اللحظة التي سمع اسمه بصوتها المتناغم بإرهاق أنثوي يخرج عبر شفتيها الوردية، هزمته جيوش فيضان مشاعره. وسار إليها ووقف أمامها. وقبل أن تكمل حديثها، انحنى إليها ولعب بشفتيها بنيران الشوق، فأضاءت بلمستها مصابيح الكمال بقلب رجل متشقق من الخذلان. حاوط خصرها مثلما تحاوط الشمس البحر وقت الشروق. رفع يده وحرر شعرها لينسدل عليها مثل شلالات بلون الرمال، ليسبح بإصبعه بين الموج والأخرى. أما هي، فعجزت تماماً عن التحرك. فهذا الشعور العازف الذي يجمعهما بمثابة موسيقى هادئة وسط ليلة ممطرة يأسرها.

وبعد ثوانٍ، ابتعدا عنها بعدما نفذ الهواء من رئتيهما. فسندا جبينه على جبينها، يتبادلان لهفة الأنفاس بصدور تتصاعد بنبضات متمرة بحرارة التذوق. ثم انحنى عليها ليكمل ما بدأه، لكن أحدهم فتح الباب عليهما، فاستدار "جواد" بعين تجحظت بشراسة لمن يقف أمامهما.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...