الفصل 6 | من 30 فصل

رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل السادس 6 - بقلم لادو غنيم

المشاهدات
24
كلمة
6,087
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

ابتعدت ريحانه عنه حينما فتح كريم الباب عليهما. نظر له الآخر بصرامة: "إنتَ إزاى تدخل كدا من غير إستئذان؟ تراجع الصغير للوراء بقلق. "كنت بدور على أي حد أكلمه، كنت خايف." أسرعت بالسير عند الصغير، ثم جلست علي عقبيها أمامه تسأله ببسمة لتخفف عنه ذلك القلق: "إنتَ هنا عندي في البيت بتاعي، ماتخفش. إيه رأيك لو تيجى نشوف اكل عشان نفطر سوا؟ "ماشي، أنا أصلاً جعان أوي." داعبت وجنتيه قائله: "و أنا كمان جعانه، يالا بينا."

نهضت وأمسكت بيد كريم وذهبت برفقتهُ للأسفل. أما جواد، فاخذ نفساً عميقاً فرغهُ في الهواء ليخفف من إشتعال جسدهِ الذي يطالبه بالمزيد من قربها. كانَ يشعر بالإستحسان لدخول كريم في تلك اللحظة عليهما لينهي ذلك التشابك الذي لم يكن يدرك إلى أين سياخذهما.

بعد عدة دقائق بالمطبخ، قد أعدت ريحانه الفطور المكون من البيض والجبن والفول والبطاطس المقرمشة واللبن. حملت جميع الاطباق على صينيه، وحملتها وخرجت، ثم وضعتها على الطاوله بحجرة الطعام، وجلست بالمقعد المجاور لكريم وبدأت باطعامهُ. تناوله لقمه وتتناول مثلها.

وبعد ثوانٍ معدودة، سمعت صوت الباب، فنهضت وذهبت عند الباب، وأمسكت بالمقبض وفتحت الباب لتجد نهى تقف أمامها بتنوره بنيه وبلوزه حمراء وحذاء أحمر بكعب عالٍ وبشفتاها حمرة شديد اللون. فناظرتها بإستفهام: "نعم، عايزه حاجة؟ دخلت نهى ببروداً: "ااه، عايزه أقابل مرات جواد بيه." ريحانه ببسمة عفوية: "أنا ريحانه مرات جواد." مررت عليها نظرها من الأعلى للأسفل بتقزز: "بقا أنتِ مراتهُ؟ وحشه أوي؟ "أومال إيه؟

قمر، دانتِ متجيش حاجة جنب حلاوتي." ضيقت عينيها مستفهمه: "أنا مش فاهمه حاجة!! "مش لازم تفهمي. قوليلى فين جواد؟ أشارت للإعلى بسبابتها بعفوية: "فوق، بيغير هدومه. تحبى أقوله مين؟ أبعدتها عن طريقها قائله وهي تصعد إليه: "متتعبيش نفسك، أنا هقوله بنفسي! أغلقت الباب بلامبالاه واتجهت لحجرة الطعام، وعاودت الجلوس بجوار كريم. "مين الست اللي دخلت دي؟ "معرفش، كانت بتسأل عن جواد." "طب هي ليه طالعة فوق؟

"مش عارفه، هي سالتني عنهُ، ولما قولتلها أنه فوق زقتني وطلعت عنده! قطب الصغير حاجبيه بتعجب: "طلعت عند جوزك، وإنتِ سبتيها؟ أول مرة أشوف وحدة تسيب ست تطلع عند جوزها عادي كدا. إطلعي شوفيها بتعمل إيه. الوليه دي بتفكرني بالست نوسه اللي المعلم كان بيخون مراته معاها." ضيقت عينيها مستفهمه: "يعني إيه خيانة؟ ضرب الصغير جبهتهُ بإستسلام:

"ده البت سوما بنت عم محمد البواب اللي عندها عشر سنين هي اللي عرفتني يعني إيه خيانة، وإنتِ إزاي مش فاهمه؟ بصي يا ريحانه، خيانة يعني عم جواد هيعمل معاها الغلط." "يعمل معاها الغلط ازاي؟ "يعمل معاها زي ما كان بيعمل معاكِ لما دخلت عليكم." فزعت من فوق مقعدها تقطب حاجبيها بتساؤل: "إيه دا؟ هو يعرف يعمل كدا مع حد غيري؟ هرش كريم حبينهُ بغرابة: "مش عارف، بس أيوه، مش هو راجل." "مش عارف." تحمحمت بحرج:

"مش قصدي، أنا قصدي مش عارفه يقدر يعمل كدا مع غيري ولا لأ؟ "إنتِ لسه هتفكري؟ إجري يا حاجة شوفي جوزك قبل ما يتعلقه منك الوليه أم زمبلك دي." على ما كمل فطار، أشارت علي كوب الحليب قائله بتأكيد: "تشرب اللبن كله، أوعى تسيب حاجة في الكوبايه." "ماشي." وافق الصغير على حديثها، ثم إستدارت لتذهب إليهما.

أما بالإعلى، فقد خرج جواد من الحمام بعدما إغتسل. كانَ يقف إمام المرايا يجفف شعره بمنشفة صغيرة، ويستر جزعه السفلي بمنشفة بيضاء. وعندما إنتهى، إستدار فتفاجئ بوقوف نهى أمامهُ. فتطايرت حممهُ البركانية، وأمسكها من منتصف ذراعها بصرامة: "إيه اللي جابك هنا؟ لوت فمها بأنوثة ورفعت يداها تضعهما على صدرهُ: "وحشتني، فقولت أجي أشوفك." نظر ليدها بأمر: "أبعدي إيدك، وغوري من هنا." "أمشي؟ لاء، هو أنا عبيطة عشان أضيع فرصة زي دي."

أنزلت عينيها بوقاحة للمنشفة الساترة لنصفهُ السفلى، ومدت يدها وأمسكت بها لتنزعها بعيداً عنه. لكنه أمسك بيدها وألقى بجسدها للوراء مشيراً بسبابته لوجهها بتحذيراً صارم: "ع الله تتخطئ حدودك بعد كدا، عشان المرة الجاية هزعلك. يالا، ارجعي على شقتك. حسابك معايا بعدين." بتلك اللحظة دخلت ريحانه تناظرهما بتساؤل: "في حاجة؟ جواد برسمية: "مفيش، الضيفة هتمشي." وسعلها. "إبتعدت عن الباب." فرمقتها نهى بغضب وهمت بالذهاب وغادرت القصر.

أما جواد، فأمسك بذراع ريحانه يعاتبها بصرامة: "إنتِ إزاي تخليها تدخل عليا الأوضة كدا؟ إنتِ إيه، معندكيش مخ؟ ريحانه بارتباك: "مكنتش اعرف إنك هتضايق. هي زقتني وقالتلي إنها هتطلع لك بنفسها." "وهو أي حد يقولك هيطلع لي، تسبيه يطلع عادي؟ لوت فمها بندم: "أسفه." ألقى يدها وإستدار يفرك وجههُ بحنقاً من تصرفها الغبي. فزادت من غضبهُ حينما تفوهت: "اللي عملته معايا قبل ما كريم يدخل عندنا، عايزاك تكمله دلوقتي عشان تقدر تطلقني."

إستدار لها بعين تجحظت ببسمة ساخرة يملؤها الغضب: "ااه، أكمل الحكاية كلها عشان نخلص بدري بدري وترجع السنيورة للكلب بتاعها. تمام، أنا هعمل اللي أنتِ عايزاه، لكن مش هطلقك. إيه رأيك بقا؟ تنهدت بمعارضة: "أنا مش فاهمه، إنتَ ليه بتعمل كدا؟ فيها إيه لما تقرب مني وبعدها نطلق بقى؟ سخافة حديثها جعلته يثور مثل الأسد الجامح، وجذبها من خصرها بقسوة عليها بأصابعهُ التي تشبه الخناجر، تمزق نسيج خصرها، وعينيه تقاتل عينيها بسهام

الكبرياء التي مزقتها: "أنا مش لعبة تحركيها على مزاجك؟ قولت هالك قبل كدا، إنتِ مسجونة عندي وسجنك مش هيتفك مهما عملتي. أما بقى حوار إني أقرب منك أو لاء، فده بمزاجي مش بمزاجك!! دب الخوف بقلبها من طلتهُ القاسية، فاومأت بموافقة بخوفاً. فظل ممسكاً بها بذات القسوة، يحادثها بخشونة: "مهما كانت لعبتك، فخليكي متأكده إن مش على آخر الزمن هتيجي عيلة زيك تلبسني قرون وتمشيني على مزاجها. إنتِ متعرفيش جوايا إيه من نحيتك؟

بالله اللي جوايا ليكي كفيل يحرقك حية. أنا بصبر نفسي عشان مأذيكيش، بقول لنفسي حرام دي مهما كانت مراتك ورسول الله قال (رفقاً بالقوارير) . شوفي إنتِ بقا أنا برفق بيكي حتى بعد اللي عرفته منك. المفروض تخلي عندك دم وتبطل تجيبلي سيرة الخروف بتاعك وتحمدي ربك إني لسه سايبك عايشة." إكتفت بتحريك رأسها. فترك خصرها وإبتعد عنها يأمرها بضيق: "إطلعي بره، مش طايق أشوف وشك، يالا على بره."

لم تنتظر كثيراً بل أسرعت بالخروج، وتركته ليجلس فوق فراشه يشعل سيجارتهُ ليفرغ غضبهُ بدخانه. فتلك الساذجة أشعلت حممهُ لأعلى درجة، فما تتفوه به كفيلاً بجعلهُ يقتلها. بذات الوقت لدى هشام، يقف عند باب قصرهم يتحدث مع والدتهُ الماثلة أمامهُ: "أنا مش هسيب غنوه، هدور عليها لحد لما ألاقيها هي وابني." "باحت برسمية: من إمتى كنا بنسيب لحمنا؟ بس إحنا لسه منعرفش إذا كان الواد ابنك ولا لاء." "ابني يا أمي، أنا متأكد إنه ابني."

"ماشي يا هشام، دور عليهم وهاتهم، بس من غير ما تأذي جواد. كفاية اللي عملناه معاه ليلة فارس، أنا لحد دلوقتي زعلانة من نفسي بسببك." إنحنى وقبل يدها بإعتذار: "حقك عليا، عارف إني غلطان بس كان غصب عني. المهم عندي إنك متعيدش الغلط تاني." هشام بتأكيد: "متقلقيش، اللي حصل مش هيتكرر تاني. عن إذنك، هروح الشغل، عندي حاجات مهمة لازم أخلصها النهارده." "طريق السلامة."

ودع والدتهُ وركب سيارتهُ وذهب لمكتبهُ. وحينما وصل، كان همام ينتظارهُ. فنزل من السيارة متسائلاً: "مش عوايدك تيجي من غير معاد." عقدت ملامح الآخر بحنق: "جيت عشان أبلغك إني مش هسكت على اللي عمله جواد في ابني." هشام متسائلاً: "جواد عمل إيه يعني؟ "الظابط اللي مش همه حد، خبط ابني وكسره عشان المأمور قرر إنه يخرج ابني من حبس جواد ليه، بس طبعاً ابن الهلالي معجبوش الكلام وخبط ابني. بس أنا مش هسيب حق ابني." قطب جبهتهُ بإستفزاز:

"أيوا يعني إنتَ جاي تبلغني إنك مش هتسيب جواد وهتربيه على عملته مع ابنك؟ تمام، جواد في بيت عمي رضوان، إتفضل روح له لو قدرت تعمله حاجة وريني." ضيق عينيه بتقاتل: "إنتَ مش همك كلامي وبتتحداني؟ دا بدل ما تطيب خاطري وتراضيني." هشام بصرامة: "أراضيك وأنا سمعك بتهدد حياة أخويا. بقولك يا همام، أي حركة غدر هتحصل منك لجواد هتلاقيني في وشك، وبردلك الضربة مية. استهدي بالله كدا واحمد ربنا إن ابنك بخير." همام بمعارضة:

"كان نفسي أقولك ماشي، بس يا خسارة، متعودتش إني أسيب حقي." هتف بتهديد خفي وذهب. أما هشام، فأخرج جواله وأجرى إتصالاً على أحدهم قائلاً بأمر: "تطلع إنتَ واربعة معاك على المستشفى تأمنوا أوضة فارس باشا، وأي حد يحاول أن يتعرضله تصفوه من غير تفاهم. لو فارس جاله حاجة مش هرحم حد فيكم." أغلق المكالمة، ثم أجرى إتصالاً آخر على جواد الذي يقف بتراث حجرتهُ. وحينما سمع الجوال، ذهب للداخل وحملهُ من فوق الكومود، وقال مجيباً بجفاء:

"عايز إيه؟ هشام بتجذير أثناء إتجاههُ لداخل مكتبهُ: "خلي بالك، همام ناويلك على الشر وناويلك على الغدر." تجعدت ملامحهِ بإستعدادً يحتويه الحنق: "يا أهلاً بيه، في إنتظاره من يومين." جلس الأخر على طاولتهُ هاتفاً: "أنا بعت حرس على المستشفى عشان يأمنوا فارس، وإنتَ هات مراتك وتعالى على القصر الكبير خلينا مع بعض أحسن." "مش هسيب بيتي، واللي عاوز يتعرضلي يتفضل، بس ميبقاش يرجع يعيط عاللي هيحصله." أغلق المكالمة بوجه هشام،

الذي هتف بحنق: "مش فاهم، هتبطل إمتى نشفان دماغك." نهض من على مقعده وأسرع بالخروج وركب سيارتهُ. أما بالمشفى، لدى فارس، فقد إستقرت حالتهُ وكان يجلس على تختهُ متحدثاً مع السيدة بهيه الهلالي عمتهُ، ومعها أبنتها نسمه. الأتانى أتيا من القاهرة للإطمئنان عليه. "مكنش في داعي لتعبك يا عمتي." بهيه ببسمة: "متقولش كدا عشان مزعلش منك، ده إنتَ ابن أخويا يعني في مقام ابني." تدخلت نسمه متحدثة بذات بسمة والدتها:

"حقيقي اتخضينا لما عرفنا اللي حصلك، بس الحمدلله طلعت كويس. أنا صليت كتير ودعيتلك المسيح عشان تخف وتبقا كويس." لم يستغرب حديثها، فهى ليست مسلمة، أنها مسيحية. فقال ببسمة: "وياترى عمتي كنتِ بتصلي وتدعيلى؟ بهيه مؤكدة: "طبعاً، أنا كنت بصلي الفجر حاضر وأقرأ لك سورة يس، والحمدلله ربنا استجاب لدعائي." فرك شعرهُ ببسمة إستفهام: "علاقتكم غريبة أوي، عمتي مسلمة أما بنتها مسيحية؟ مش فاهم إيه اللخبطة اللي عملناها دي." تبسمت

بهيه ووضحت الأمر ببساطة: "للمرة المية هحكيلك الحكاية، أنا مسلمة لكن حبيت شاب مسيحي اسمه بطرس، وهو حبني، وعشان يتجوزني كان لازم يبقى مسلم، فأسلم وبقى اسمه المحمدي. وبعد الجواز حملت في نسمه، ولما اتولدت المحمدي قرر أنها تبقى على نفس ديانة أبوه وأجداده لأنه من جواه بيحب ديانته، عشان كدا نسمه بقت مسيحية." أومأه بتفهم. أما نسمه فقالت بأضافة:

"الموضوع ده بشرحه حوالي عشر مرات يومياً لكل الناس اللي بتجيلنا المجلة، ولما بيعرفوا اسمي الغريب (نسمه المحمدي بطرس أبرام) مبيبطلوش أسئلة. بمناسبة الشغل في المجلة، أخبارك إيه؟ "تمام، شغلة الصحافة مش سهلة، خصوصاً إني لسه مبتدئة ومحتاجة أعمل موضوع يخليني أضرب كدا في المجلة عشان يبقالى وضع واسم. المهم سيبك مني وقولي أخبار روايتك الجديدة إيه؟ "لسه محضرتش فكرتها، لما أتعافى هبقى أفكر في حاجة جديدة عشان تحقق نجاح كبير."

ربتت بهيه على ساقهُ بدعم: "إن شاء الله يا حبيبي. قولي بقا، اومال فين جواد؟ عايزة أشوفه، وحشني." "جواد لا إما في الشغل يا إما في بيت أبونا رضوان مع مراته." قطبت جبهتها متسائلة: "هو جواد اتجوز؟!! "أيوه، من يومين." "من غير ما يقولي؟ ماشي يابن رضوان، حسابك معايا." تبسم أخيه بقولاً: "الموضوع مكنش مترتبله والجوازة تمت بسرعة عشان كدا ملحقش يقولك." أومأت بتفهم، وظلوا يتسامرون الحديث حتى أتت معالي وصافحت

الجميع بمحبة وجلست قائلة: "طمني عليك يا حبيبي، بقيت كويس." فارس بجدية: "الحمدلله، أحسن كتير." "طب الحمدلله. منورة الصعيد يا بهيه." بهيه ببسمتها التي تشبه كنيتها: "منورة بأهلها. حقيقي وحشاني يا معالي. مانتِ اللي مبتسأليش علينا." "معلش، مشاغل بقا. المهم قوليلي، مش ناوين تيجوا تعيشوا معانا في القاهرة؟ متنسوش إن فوزي عايش في القصر الكبير وبيدير الشركة اللي أنتو رامينها خالص وصحته مبقتش زي الأول." معالي بجدية:

"فوزي هو اللي سابنا ومشي من لما هدى مراته ماتت، وهو اللي طلب إنه يمسك الشركة اللي هناك. حتى لو دا حصل، بس لازم جواد وهشام وفارس يروحوا يقفوا جنبه. متنسيش إنه عمهم الكبير وربنا مكرمهوش بالأطفال وكان دايماً بيعتبر عيال أخوه يبقوا عياله." فارس بتخطيط: "من قبل ما حضرتك تتكلمي عنه، أنا كنت ناوي أنزل أعيش معاه لأن جو الصعيد مبقاش مريح ليا."

"خير ما هتعمل يا فارس، عمك هيفرح جداً بوجودك. وأنا هتكلم برضه مع جواد وهشام وهشوف رأيهم إيه في موضوع عمهم." تبادلت نظرات التخاطب مع معالي والباقين، وتحدثوا في عدة أمور مختلفة. أما لدى هشام، فقد وصل لبيت جواد، وفور أن نزل من السيارة أتاه إتصالاً من الرقم المجهول، فأجابه سريعاً: "عاوز إيه؟ "قولتلك قبل كدا، إنتَ اللي عاوز." "على فكرة غنوه بتسلم عليك، كنا لسه امبارح جايبين في سيرتك." إنتفض قلبهُ بشوق:

"قولي على مكانها، أنا نفذت كل طلباتك." "قولتلك لسه بدري على موضوع عنوانها، بس عشان إنتَ حبيبي هقولك نبذة صغيرة. غنوه وابنك موجودين في القاهرة، إنما فين بقا في القاهرة، فده مش هتعرفه دلوقتي." صاح بزمجرة: "إنتَ مين؟ وإنتَ بتعمل كدا ليه؟ "ما قولتلك كل حاجة هتعرفها في أوانها. المهم أنا بكلمك عشان أقولك على حاجة مهمة." "إيه؟ "ريحانه تتخطف." تجحظت عينيه برهبه: "إنتَ بتقول إيه؟ مستحيل."

"فكر قبل ما تجاوب. تتخطف، تختفي عن حياة جواد وتظهر في الوقت اللي أنا أقول عليه." أغلق الجوال بوجه المتحدث، فوجد جواد يتقدم إليه متسائلاً: "إيه اللي جايبك هنا؟ التوتر كان يحتل كيانهُ مما أثار فضول الآخر ليقولهُ متسائلاً: "مالك؟ في إيه؟ هشام قائلاً بصوتاً مرتبكاً: "الشخص المجهول اللي بيكلمني لسه قافل معايا حالاً، وطلب مني أخطف مراتك ومرجعهاش ليك غير لما يقولي." تناثرت الدماء الساخنة بين عروقهُ وتجحظت عينيه مجيباً:

"منفذتش ليه عشان توصل لغنوه وابنك؟ عشان مش هعيد الغلط تاني. مش هاذي مراتك. خليني أكلمه." "ليه؟ "إنتَ عاوز غنوه وابنك، أنا هعرف أوصل ليهم من غير ما حد يتحكم فينا ويوقعنا في بعض. لو واثق فيا، إديني التليفون." تعمق هشام النظر بعين إبن عمهُ، ولم يأخذ وقتاً بالتفكير، بل أعطاه الجوال على الفور. فتأكد جواد من حسن نيتهِ وأخذ الجوال واتصل على ذلك المجهول الذي أجابه بعد ثوانٍ بحنق: "بتقفل في وشي التليفون؟

إنتَ ناسي إن روحك في إيدي." "الروح ملك اللي خلقها، مش ملك العبيد." إعتدل المجهول من على مقعدهُ متسائلاً بشك: "مين اللي بيتكلم؟!! هتف جواد ببحة هادئة مفخخة بحنق: "اللي هيجيبك راكع تحت رجلينا. بقولك إيه، الحق عيش لك يومين حلوين عشان يوم ما إيدي تطولك بالله مهرحمك. أما بقا ابن أخويا اللي عندك، لو فكرت إنك تلمس شعرة منه، هتلاقيني في وشك بطلع قلبك في إيدي." أثاره غضبهُ الناري، فنهض من على مقعدهُ بشراسة:

"بلاش فتحت الصدر دي، عشان لو عاوز أموتهم دلوقتي هموتهم ومش هيهمني تهديدك. إنتَ متعرفش أنا مين وأقدر أعمل فيك إيه! "اللي تقدر عليه، إعمله. بس أوعى لا تتعب، عشان أنا مبقعش بسرعة. عامل زي الخيل، كل ما بقع بقوم وأجري أحسن من الأول." حاول كبت غرورهُ وقال بـدساسة: "طب ياترى الخيل عارف إنه مجرد محلل لمراته؟ أنا بس بعرفك عشان متبقاش عايش مضحوك عليك من حتة عيلة صغيرة."

ضربة نبضاتهُ صدرهُ بقوة معلنة عن تلك الثورة الداخلية، وتجحظت عينيه مجيباً بجفاء قاتل: "كده ظهرت إنتَ الكلب اللي كان متجوزها." سار حتى وقف أمام المرايا ينظر لحالهُ ببسمة إنتصار: "بالظبط كدا. أنا جوزها السابق اللي هاخدها منك بعد ما تتمم مهمتك وتقضي ليلتك الحلوة معاها. بس خدها نصيحة منى، عاوزك تبسطها على الآخر عشان هي بتموت في الانبساط." قبض على أصابعهِ بغلاظة يفرغ بعضاً من غضبه:

"لاء، من ناحية الانبساط متقلقش، هروق لك عليها على الآخر لدرجة إنها بعد الليلة اللي هتقضيها معايا هتحس إنك كنت لمؤاخذة متفرقش حاجة عن النسوان. أصل الخيل غير الحمير اللي زيك." ياسر بجفاء: "ريحانه بتاعتي، وهرجعها ليا. أما بقا جو الحمار والحصان، فمظنش إنها هتعرف تفرق بينهم، لأنها مجرد عيلة مش فاهمه حاجة." جواد بإستفزاز:

"تؤ، عيلة أه مش فاهمه حاجة برضه أه، إنما مش هتعرف تفرق دي حاجة مستحيلة، عشان أنا مبتنسيش، أدائي يدخلني موسوعة جينس. ويكون في علمك، مراتى، شيلها من عقلك لإني مش ناوي أسيبها. وشكراً لأنك كنت السبب في جوازي منها. سلام يا ياسر، مش اسمك برضه ياسر؟ صق على إسنانهُ بزمجرة: "مش هسيبك، خليك فاكر كويس الصوت دا عشان اللي جاي مفهوش رحمة، وريحانه هاخدها يعني هاخدها."

"بالله لو اسمها اتذكر على لسانك الوسخ دا تاني، أنا اللي مش هرحمك، وخليك فاكر إن لعبتك معايا هتنتهي بدمارك إنتَ وأهلك." أغلق الجوال بوجه ياسر، الذي ثار مثل الثور، يكسر محتويات حجرتهُ بجنون. أما هشام، فأخذ الجوال قائلاً: "إنتَ تعرفه؟ معالم وجههِ كانت ثائرة، بأنفاس ساخنة تخرج من فمهُ محاولاً تهدأت ما سمعهُ عنها من ياسر. ذلك الحديث الذي ضخ الغضب بشحنة نارية لجميع عروقهُ، وهتف ببحة جشة:

"مشفتهوش قبل كدا، بس بيني وبينه تار لازم أخلصه. ومتسألش إيه التار اللي بينا لأني مش هقدر أجاوبك عليه." "وأنا مش هسألك، بس قولي ناوي على إيه؟ "من بكره هسافر على القاهرة، هعيش مع عمك فوزي، وهتولى إدارة الشركة اللي هناك لحد لما أخليها من أكبر شركات السوق، عشان أقدر أوصل للكلب ده." هشام مستفهماً: "هتسافر وتسيبنا وتسيب شغلك؟ جواد بجدية:

"لاء، لازم تيجوا معايا عشان نبقى إيد واحدة، وكمان عشان نقدر نوصل لابنك. أما الشغل، فهتكلم مع المأمور وهطلب أجازة." لم يتنهى من حديثهِ، ولقيا جواله يدق برقم المأمور الذي يجلس أمامهُ همام. جواد برسمية: "أهلاً يا فندم." المأمور بحده: "لا أهلاً ولا سهلاً. إنتَ موقوف عن العمل يا حضرة الظابط بسبب تخطيك للقانون. وصدم إسلام همام بعد خروجه من القسم: إحنا راجعنا الكاميرات وشوفنا اللي عملته."

لم يهتز بتاتاً، وكأنهُ لم يسمع شيئاً أزعجهُ: "تمام يا فندم، في كل الأحوال أنا كنت ناوي أبعد عن الشغل تماماً." "يعني إيه تبعد؟ إنتَ مفكر نفسك شغال في سوبر ماركت؟ تسيبه وقت ما تحب." تعمد الجمود: "لاء، سوبر ماركت إيه؟ السوبر ماركت فيه نظام وأمانة وضمير عن القسم بتاعنا." المأمور بغضب: "هي حصلت لكدا؟ إنتَ اتوقفت عن العمل نهائي، وقرار رجوعك مش هيحصل غير لو جيت واعتذرت مني أنا وهمام بيه."

"للأسف، متعودتش على الاعتذار، خصوصاً لو مكنتش غلطان. مع السلامة يا فندم، وبلغ سلامي لهمام. بصراحة، كنت مفكرة راجل وهياجي يواجهني مش يروح يشتكيني زي العيال. بعد إذن سيادتك، مضطر إني أقفل عشان ورايا شغل مهم." أغلق الجوال، ونظر لمرعى القادم إليه: "ده إيه اللي جابه دا كمان؟ خير يا مرعى، في إيه؟ إستقر بالوقوف أمامهُ بوجهاً عابس: "المأمور وقفني عن الشغل وحولني للتحقيق." قوس حاجبيه بغرابة: "ليه كل دا؟

"عشان دخلت عليه، وكان بيتكلم هو وهمام بيه بطريقة وحشة عنك، ولما دافعت عنك قدامهم زعقلي وطردني بعد ما حولني للتحقيق، وواقفني عن الشغل. بقيت مشرد بسببك." فرك لحيتهِ بإستسلام: "قدري يا مرعى، ورايا وورايا. أمري لله، هاخد لك معايا القاهرة تشتغل في الشركة." مرعى بعبث: "وياترى هشتغل إيه؟ ماهو أنا مبقاش مطرود ومتشرد بسببك، والآخر تشغلني شغلانه أي كلام؟ ما تمسك ميكروفون وتذيع فيه، وسمع الناس إني كنت السبب." "إيه يا مرعى؟

هتذلني؟ "مش الفكرة يا باشا، الذل والفضاياح هتحصل كدا كدا، متشلش هم. أنا بس عايز أعرف منصبي هيبقى إيه، عشان لو اتعرض عليا حاجة أحسن أقدر أميز." صق على إسنانهُ بزمجرة: "كفاياك كلام، لما نسافر نبقى نتكلم، أنا دلوقتي مشغول ومش فايق لك." مرعى بتنهيدة عابثة: "اللي جاي بنا مش مبشرني. بس سؤال أخير." "إرغي." مرعى مستفهماً: "لما هسافر معاكم هعيش فين؟

مانا ماليش أهل في مصر، ده غير إني ممعيش فلوس عشان أأجر أوضة، وكل دا لإني بقيت عاطل ومتشرد وكمان متحول للتحقيق بسببك." قطمَ بحنق على شفاه السفلية ثم هتف: "هاخدك تعيش معانا مكان ما هنعيش يا مرعى. كفياك كلام بقا." تبسم برضا: "كدا ضمنت شغل وسكن، عقبال بقا ما ألاقي العروسة ونجيب جواد بيه صغير نسميه على اسمك."

"إمشي من وشي، أنا ضغطي بقى واصل للسما بسببك. روح تلم حاجتك وتبقى هنا بكرة الساعة خمسة الفجر عشان نسافر. بالله لو اتأخرت ثانية عن المعاد همشي وأسيبك." مرعى ببسمة تخطيط: "لاء، متشغلش بالك، أنا هروح أجيب الهدمتين بتوعي وهاجي أبيت هنا في الجنينة عشان نسافر بدري بدري. ياه، جايلك يا مصر، جايلك يا حريم مصر، يا عيني على الكنافة بالقشطة اللي هتتلحوس بيها يا واد يا مرعى." نفذ رصيد الصبر لديه، فصرخ بصرامة منعقدة بشراسة بصرية:

"غور من خلقتي قبل ما أرتكب جناية." ذهب مرعى بعبث يتمتم: "مش بقولك مش مرتاح للي جاي بنا، يعني مطرود ومتشرد بسببك، وكمان مش عاجبك، ده إنت مفتري." جواد بحنق: "مش ناوين نخلص من برطمت الحريم، شكلها كدا مكملة معانا." نظر إليه بتزمت: "حتى برطمتي مش عاجباك؟ مش بقولك مش مرتاح للي جاي بنا." إستدار وأكمل سيره. أما هو فنظر لهشام بجدية:

"لو هتسافر معايا، تحضر حاجتك وتستناني على مدخل البلد الساعة خمسة. إنما لو عاوز تفضل هنا، إنت حر." قاله ما لديه ودخل للقصر. أما هشام فركب سيارته واتجه للمشفى. وحينما وصل، صعد لحجرة فارس، فوجد لديه معالي وبهيه ونسمه. فالقى التحية وصافحهم جميعاً. فضمتهُ السيدة بهيه بمحبتاً: "وحشني يا هشام، أخبارك إيه يا حبيبي؟ كنت لسه جايبه في سيرتك إنتَ وجواد." بعدما بادلها العناق، إبتعد عنها قائلاً:

"أنا بخير الحمدلله. أخبار حضرتك إيه؟ "أنا بخير الحمدلله، كله تمام." إستدار وعانق فارس بمحبة أخوية: "حمد الله على سلامتك يا حبيبي." بادله العناق بذات المحبة: "الله يسلمك يا إتش." معالي ببسمة رضا: "ربنا يبعد عننا الشيطان ويديم المحبة بنا." التفت هشام لهم بقراراً: "جواد هيسافر بكرة هو ومراته وفارس القاهرة. قرر إنه هيعيش هناك في القصر الكبير عند عمي فوزي، وهيتولى إدارة الشركة."

دبت التساؤلات على وجوه الجميع، فابدت معالي سؤالها أولاً: "يسيب الصعيد ويروح مصر؟ طب ليه؟ وشغله هيعمل فيه إيه؟ هشام برسمية: "حصلتله مشكلة في شغله، وسابه مؤقتاً. المهم إني قررت إني أسافر معاه وأدير شركتنا معاه." تبسمت السيدة بهيه: "عين العقل، عمكم فوزي هيفرح جداً بقراركم." معالي بإستفسار: "طب وشغلنا هنا وأراضينا هنعمل فيهم إيه؟

"متشغليش بالك بالموضوع دا، هخلي حد يدير الأراضي ومكتبي هقفله وهحول كل شغله للشركة بتاعتنا. هاا، موافقة تسافري معانا؟ تنهدت برسمية: "وأنا من امتى سبت عيالي يبعدوا عني؟ رجلي على رجلكم." "تمام، لازم نمشي دلوقتي عشان نلحق نحضر شنطنا عشان هنتحرك الساعة خمسة الفجر." "ماشي، يالا خلينا نمشي. وإنتِ يا بهيه، خلي بالك من فارس." السيدة بهيه بطمئناينه:

"متقلقيش عليه، مش هسيبه. أنا في كل الأحوال هسافر معاكم. إنتو ناسيين إني عايشة مع فوزي من ساعة ما المحمدي جوزي مات." هشام بجدية: "تمام يا عمتي. أنا هتواصل مع جواد وأشوف مين فينا اللي هيعدي عليكم، وهبقى أتصل وأبلغك." السيدة بهيه بهدوء: "ماشي يا حبيبي، في انتظارك." غادروا ليحزموا أغراضهم قبل مرور الوقت.

بالمساء الساعة الحادية عشر مساءً، بحجرة نوم جواد، دخلت ريحانه فوجدته يمسك بتيشرت النوم الأسود يرتديه. فلمحت طرف ذلك الوشم الغريب. فاستدار لها بصرامة محدثها، فلم تفارقهُ أقاويل ياسر: "مالك متنحالى كدا ليه؟ غوري من وشي." تراجعت خطوة للوراء بقلق: "أنا كنت جايه أقولك إن كريم نام. عايزانى أعمله إيه يعني؟ مش فاهمك." هتف بصرامة، فتلربكت: "إنتَ قولتلي متدخليش الأوضة غير لما ينام، فكنت بعرفك إنه نام عشان كدا دخلت."

جلس على حافة الأريكة يفرك مدمع عينيه بحنق: "ماشاء الله عليكِ، بتنفذي الأوامر على أكمل وجه. عشان كدا الكلب بتاعك متمسك بيكِ." اتسعت عينيها ببسمة شوق: "ياسر، هو جه هنا؟ أغمض عينيه يصق على أسنانهِ بشراسة كادت تكسرها، وفزع من مجلسهِ يقترب منها بعين تتطاير منها سهام الحنق، المخففة ببحتهِ الصارمة: "للدرجادي الكلب بتاعك وحشك؟

طبعاً ماهو مالى إيديه منك وعارف إنك جارية بيحطها مكان ما يحب ويقدمها هدية لأي راجل غيره. كلما اقترب منها خطوة، ابتعدت خطوتين للوراء حتى التصقت بالخزانة، بجسد يرتجف من بحتهِ وطلتهِ. أما هو فوقف أمامها يناظرها برخصاً: "حبيب القلب قال لي إنك بتحبي تتبسطي ع السرير. ياترى في واحد بيحب واحدة يروح يقول لراجل غيره ابسطها حتى لو كان جوزها؟

إنتِ مجرد واحدة بتشبعه وقت شهواته بتبسطه مش أكتر من كدا. بس شكلك كنتِ بتعرفي تبسطيه كويس أوي عشان كدا متمسك بيكِ. ماتوريني حاجة من مهاراتك، ولا أنا مش عاجبك؟ فرت الدموع من عينيها بحسرة تمزق قلبها، تلهث أنفاسها بصعوبة: "إنتَ ليه بتحاول توجعني كدا؟ أنا مش فاهمه ليه بتكرهني أوي كدا؟ وعايزني أشوف نفسي زي غوايش مرات أبويا؟ أنا مش غوايش ولا عمري هكون زيها، أنا ريحانه، سامعني؟ أنا ريحانه." قطب جبهتهُ بإستفزاز يغطيه التقليل:

"متفرقيش عنها كتير، نفس الطينة بس الأشكال مختلفة." ريحانه باعتراض باكية: "لاء مش زيها، أنا عارفة ربنا وعمري ما غضبته مني، ومش ذنبي إنك اتجوزتني، مش ذنبي تشيلني ذنب حاجة معملتهاش." جذبها بقوة من منتصف ذراعها يلقي عليها كلماتهُ السامة، وهو كان في تاني عشان تعمليه: "بالله يا ريحانه، لا أكرهك في نفسك عشان تعرفي قذارتك ولعبتك الوسخة مع الكلب بتاعك وصلتك لأيه."

ألقاها فاصتدم ظهرها بالخزانة، فتألمت دون صوت. أما هو فأطفأ الأضواء واتجه ليغفو على الأريكة، تاركها تجلس على الأرض تبكي في الظلام، حتى مرت الساعات عليهما.

ودقت الساعة الثالثة والنصف صباحاً، واستيقظت ريحانه على صوت منبه هاتف جواد. فنهضت وأشعلت الضوء واتجهت لمكان الهاتف المتواجد على الكومود وأغلقتهِ. ثم استدارت وسارت إلى جواد النائم على جانبه الأيمن. فانحنت لتيقظهِ، لكنها لمحت طرف الوشم يظهر من أسفل التيشرت عند الحمالة اليمنى، مما راود فضولها لتستكشف هويتهِ. وجلست على عقبيها، ثم رفعت يدها ولمست بأصابعها منكبهُ الأيمن، ففتح عينيه فور أن لمستهُ، لكنهُ لم يلتفت لها، فقد كانَ يود أن يعرف ماذا تفعل.

أما هي فحاولت أبعاد حمالة التيشرت ببطء لتنظر إلى ذلك الوشم، وبالفعل أبعدتها فظهر وشم العقرب، فضيقت عينيها بغرابة، فلم ترى شيئاً يشبههُ من قبل. فبدأت بالسير بمرفقها عليه تتفحصهُ، جاعلة جواد يغمض عينيه بكفاحاً للمساتها التي ستجعله يفقد صوابهُ. أما هي فأكملت ما بدأتهُ وزادت الأمر سوءاً عليه عندما بدأت بالحديث ببسمة تنغميه:

"إنتَ شكلك حلو أوي، عامل زي الناس اللي كنت بشوفهم في التلفزيون. شعرك ناعم وشكله حلو وعينيك ملونة أخضر لون الزرع، وعندك عضلات شكلها يخوف بس عجباني، وعندك رسمة غريبه على كتفك. تعرف إنت عامل زي أبطال أفلام المافيا، بس في حاجة واحدة ناقصاك، تضحك بشر زيهم. عارف مرات أبويا قالتلي على حاجات أعملها معاك، أنا بصراحة متحمسة أوي عشان أجربها، مع أنها غريبة وفيها حاجات مش كويسة، بس بجد متحمسة أوي لتجربتها معاك، بس مش فاهمه إنتَ رافض ليه؟

هو إنتَ مبتحبش الحاجات اللي قالتلي عليها؟ أيوه ممكن، أصلها حاجات غريبه أوي بصراحة، بس مش مهم، أنا مش مستعجله على حاجة، وقت ما تبقى عايز تجربها قول لي وأنا هوافق مش هقولك لاء. على فكرة الرسمة اللي على ضهرك لمستها حلوة اوي، حاسة إني بصحح رسمة."

ضربت العواصف الدافئة صدرهُ بنبضاتاً تقذفهُ بسهام الارتواء منها. حديثها ولمساتها مثل النيران تشعل جسدهُ بلهيباً يغزوه، مما جعلهُ يفزع من نومتهُ جالساً على الأريكة أمامها ممسكاً برأسها يلصق جبهتهُ بجبهتها، متنفساً بلهفة كادت تفجر رئتيه: "أول وآخر مرة تقربي مني وأنا نايم! المرة الجاية مش ضامن نفسي." شعرت بالرهبة من وجودهِ أمامها، فاومأت برأسها. فتركها ونهض متحدثاً ببعض الثبات: "روحي صحي كريم عشان هنتحرك كمان نص ساعة."

ذهبت على الفور. أما هو فدخل للحمام ليغتسل. وبعد قليل كان يقف بالحجرة بعدما أرتدي ملابسهِ، يراها تجلس على الفراش بعدما أرتدت ثوباً زهري وحجاباً أبيض زادها جمالاً. فحجب عينيه عنها ليتفادى تأثيرها على مشاعرهِ، وجلس ليرتدي الحذاء. ريحانه مستفهمه: "هو إيه البتاع اللي مرسوم على ضهرك؟ "وشم." "يعني إيه وشم؟ "حاجة بتتطبع على الجسم بالرسمة اللي نختارها." "طب إنتَ راسم إيه؟ "عقرب." "عقرب؟

أيوه اللي بشوفه ساعات في الكرتون. وأنا بقول شفته فين قبل كدا. طب هو إنت ليه رسمت عقرب؟ نهض بجفاء: "مزاجي كدا. يالا قومي خلينا نمشي." ريحانه بحزناً: "هو إحنا هنسافر كتير؟ أنا نعسانه أوي وعايزة أنام." جواد برسمية: "ابقى نامي في العربية." "حاضر."

إستسلمت للأمر وذهبت برفقتهِ ونزلا للأسفل، ومعهم كريم، وركبوا السيارة بعدما أنزل السائق الحقائب، وركبوا. مرعى بالمقعد المجاور للسائق، أما بالكنبة الخلفية جالس جواد وبجوارهِ ريحانه، وبجوارها عند الباب جالس كريم، وقاد السائق السيارة.

وبعد ساعه تقريباً، تقابلت سيارتهُ بسيارة هشام، الذي يجلس معهُ معالي وفارس والسيدة بهيه ونسمه. فأشار لهُ جواد بالتحرك ليبدأوا سفرهم. وبالفعل تحركت السيارتين خلف بعضهما. وبعد ساعه حيث السادسة صباحاً، كان مرعى نائم، وأيضاً كريم يغفو برأسهِ على قدم ريحانه. أما هي فقد كانت تغفو على منكب جواد، وتضع يدها اليمنى بين فتحات أزرار قميصهُ تحتضن تقسيمات معدتهُ. أما هو فكان ينظر لإنعكاس وجهها النائم بالمرآة، يتأمل جمالها السالب

لعينيه، ويشعر أن شخصيتها مزيجاً عجيب لم يستطيع اكتشافها بعد، فبعض الأحيان تكون صلبة ومتفهمة، وفي البعض الآخر تكون طفلة لا تفقه شيئاً. تركيبتها الغامضة كانت تجذبهِ أكثر إليها ليستكشفها. ظلا يتأملها بالمرآة، وهو يشعر بحركة أصابعها بين الحين والآخر على عضلات معدتهِ، لكنهُ لم يزيل يدها عنه، بل تركها. فقربها منهِ رغم غضبهِ وإستيائهِ منها يجعلهُ يشعر بالراحة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...