الفصل 14 | من 30 فصل

رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم لادو غنيم

المشاهدات
23
كلمة
7,044
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

فوق ضفاف الألم تصادفنا بقوة الآمال لنحطم أسوار القدر. تشابكت أرواحنا لنعطي الحياة لبعضنا، سارت دمائي بوريدك تعيد الحياة إليك، فاستقبلها قلبك بترحيب الوصال. سقيت قلبك بدمائي لينبض بوصالي لمدى الحياة. "جواد لا يا جواد يا جواد." داهمتها النوبة مثل المنبه لتصدر صديدها بكامل جسدها. جعلتها تتمرد على منكب "مرعى" لتسقط على الرمال. تتحرك فوقها بعبث، حرر حجابها وجرح عنقها بدبوس الحجاب مع ازدياد حركتها.

أما "مرعى" فكان في حالة لا يحسد عليها، لا يدرك ما الذي يحدث لها، وعينيه تتأرجح بينها وبين "جواد" الغائب عن الواقع بعدما تمت إصابته في منكبه الأيسر. وزاد الأمر سوءاً حينما لمح المحرضين على مرمى بصره. لم يكن أمام عينيه سوى هذا الوعد الذي قطعه منذ بضعة دقائق، الملخص بحمايتها. فانحنى إليها ممسكاً بذراعيها يسحبها بسرعة فائقة لداخل أحد العمارات حديثة البناء يخبئها وهو يشعر بثقل وزنها. فتلك التشنجات تجعل الجسد مثل الصلب.

أما لدى "جواد" فاقتربوا منه، فأدركوا أنهم قد أصابوا الشخص الخاطئ. فلم يهتموا بأمره وأسرعوا بالركض للاتجاه المعاكس ليكملوا بحثهم عنهما. بعد مرور لحظات، سكنت "ريحانه" موضعها فقد هدأت نوبتها. فتسندت على ذراعيها ونهضت ترى اتساخ ملابسها وشعرها الهائش باتساخ الرمال. وعينيها لم تكف عن هطول دموع فراقهما. وهمت بالركض إلى باب البناية، فأمسكها الآخر من ذراعها بقلق. "إستنى رايحة فين؟

هتفت بصوت مزدحم بالألم: "هشوف جواد، أنا مش همشي وأسيبه؟ "بس هو طلب مني آخدك ونمشي من هنا." "يقول زي ما هو عاوز بس مش هسمع الكلام، مش هسيب دمه بيتصفى، أنا هروحله، سامع هروح أشوفه." عارضها بحذر: "طب استنى خليني أشوف المكان أمان ولا لأ." أومأت بالموافقة. فسار "مرعى" بحذر حتى نظر من جوار الحائط يتفحص الشارع من الجانب الأيمن، فلم يجد أحداً. فاستدار لجهة اليسار ليفحصها، فاتسعت مقلتيه برهبة.

فقد رأى "ريحانه" تركض اتجاه "جواد". فلم تنتظر أن ينتهي من فحص المكان، فقد استغلت انشغاله بالنظر للجانب الأيمن وفرت راكضة من خلفه. فاضرب رأسه بيده بقلق. "نهار مش معدي، استنى عندك." لم تهتم لصوت ندائه. فكل ما كانت تراه تلك الأمتار الرملية التي تعزلها عن ذلك الغريق بالدماء. ظلت تركض حتى تعثرت مرتين وسقطت على وجهها، فانجرحت رأسها.

لكنها لم تهتم بهذا الأمر ونهضت من جديد تكمل ركضها بساقين حافيتين تنزف دماء جروحها من صخور الرمال. فقد انتزع حذائها عندما أتتها النوبة. وطالت المسافة بينهما كأنها أعوام من الفراق المعذب للقلوب. تركض فوق ضفاف الأحزان تحارب الثواني لتصل إليه. أما هو فكان يراها بخضرويتيه، يراها تركض إليه مثل الطفلة التائهة بشوارع الأقدار تبحث عن ملجئها. يرى تعثرها ونهوضها، بكائها واتساخها.

كان يحارب جفونه التي تود الإغلاق على خضرويتيه ليغادر عالمها. حرك أصابعه الملوثة برمال ممزوجة بالدماء، تزامناً مع حديثه ذي البحة الضئيلة التي بالكاد تصل لأذنه. "ريحانه... اسمها كان آخر شيء يذكره قبل أن يغيب عن عالمنا. وبذات اللحظة وصلت إليه وجلست على عقبيها أمامه ترفع رأسه على ساقها تحركه برفضاً لذلك القدر. "جواد، لأ انت مش هتسبني عشان خاطري اصحى. أنا ريحانه، انت وعدتني إن عمرك ما هتسبني."

سقطت دموعها الهائمة بالانكسار على وجنته اليمين. فتح جفونه ببطء، كأن قطراتها سقت جفاف قلبه الذي دب الهواء بكيانه. فروحه كانت تستمع لبكاء من عشقتها منذ الوهلة الأولى، مما جعله يبصر بشمسيها المحترقة. فتلون بكاؤها ببسمة الأمل. "الحمد لله ليك يارب، جواد خليك معايا، جواد عايش يا مرعى، جواد عايش." لم تمضِ سوى ثوانٍ ضئيلة وانغلقت جفونه من جديد تعلن عن سيطرة فراق الواقع. فالتفتت إلى "مرعى"

الذي أتى وباحت بخوف: "جواد كان لسه فاتح عينيه وكان باصصلي؟ جلس على عقبيه وتفحص نبض عنقه فتأكد أنه ما زال على قيد الحياة. فاتسعت ابتسامته ونهض قائلاً: "الباشا عايش، قومي ساعديني إني أشيله عشان ناخده من هنا." بتلك اللحظة مرت سيارة أحد عمال البناية الذين خرجوا منها فور أن توقفت. وأسرعوا بالركض إليهم ليساعدوهم. "لا حول ولا قوة إلا بالله، ماله دا إيه اللي عمل فيه كدا؟

"ولاد الحرام ضربوه بالنار وهربوا، شيلوه معانا يا رجالة خلونا ناخده على المستشفى قبل ما دمه ما يتصفى." حمله معهم وأخذه بسيارة العمل واتجهوا لأقرب مستشفى. وأثناء الطريق اتصل "مرعى" على "هشام" وأخبره بما حدث. "انت بتقول إيه؟ وفينكم دلوقتي؟ "طالعين على أقرب مستشفى، خد حد من الصنايعية هيقولك على العنوان." أعطى الجوال للعامل الذي أخبر "هشام" بمكان سيرهم.

وطوال الطريق لم تترك "ريحانه" جواد، ظلت جالسة بجواره تملس على شعره، تقرأ له القرآن ليحفظه رب العالمين، ببكاء لم توقفه عينيها المنكسرة من طَلّته المفزعة لقلبها المسكين بضفاف الفراق. "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين." بعد نصف ساعة بالمستشفى أمام حجرة "جواد"، خرجت الممرضة تسألهما بلهفة: "محتاجين للمريض نقل دم حالا، مين فيكم زمردة دمه AB سالب؟

نظرا الإثنين إلى بعضهما بجهل عن الأمر، فقالت: "شكلكم كدا مش عارفين، خلوني أحلل لكم بسرعة وادعوا إن حد منكم يطلع نفس فصيلة الدم دي لأنها نادرة جداً ومش متوفرة عندنا نهائي." ظلا يدعوان الله ليكون أحدهما بذات الفصيلة. وبعد إجراء التحليل نظرت لهما قائلة باستئذان: "الآنسة نفس زمرة دم المريض، انتِ AB سالب، موافقة إنك تتبرعي له بكيسين من دمك لأنه نزف كتير جداً؟ لم تتردد لثوانٍ وهتفت بلهفة

أثناء تجفيف يدها لدموعها: "موافقة، يلا بسرعة عشان نلحقه." جلست على المقعد وجهزتها الممرضة وسحبت منها كيسان من الدماء، وهمت بالذهاب لإتمام علاج "جواد". أما "ريحانه" فجاءت لـ تنهض شعرت بالدوار يلازمها، فجلست من جديد. واقترب منها الآخر باستفسار: "مالك في إيه؟ "دايخة، حاسة الأوضة بتلف بيا." "عشان سحبت منك دم كتير، طب استنى أشوفلك عصير تشربيه." وقفت باعتراض مؤلم لجسدها: "لأ عصير إيه، أنا عاوزة أشوف جواد."

لحق بها بعبث: "استني انتِ، وجوزك مبتسمعوش الكلام مش عارف ليه؟ لو جرالك حاجة جواد باشا هينفخني." "قولتلك مش هستنى هنا، أنا هروح عند جواد." ناقشها باستفهام عابث: "مش فاهم بقيتي عصبية كدا ليه؟ مانتِ كنتِ هادية في العربية، معرفش إيه اللي حولك كدا أول ما أمرنا الباشا إني آخدك وأمشي؟ لم تهتم لما يقول وسارت حتى توقفت أمام باب حجرتهم. ثم لحق بها. وأتى إليهما "هشام" راكضاً من القلق حتى توقف متسائلاً

وهو يلهث أنفاسه: "فين جواد؟ "جوه في الأوضة دي بيعالجوه." "إيه اللي حصل له؟ "كنا ماشيين في أمان الله لحد لما ظهرت عربية قطعت عننا الطريق ونزل منها طحوشة هجموا علينا فجرينا منهم بس أصابوا الباشا بطلقتين وأمرني إني آخد مراته وأهرب وأجيبها عشان تخلي بالك منها. قالي سلمها لـ هشام هو هيعرف يحافظ عليها لو جرالي حاجة." تغممت مقلتيه بمياه الحزن الممزوجة بشقاء الأخوة الذي جمعهما لسنوات طويلة.

أدرك مقدار ثقته به، أدرك أنه لم يأتمن أحداً على شرف زوجته غيره. فرفع مقلتيه يناظر تلك الأمانة التي تبكي بنكسار أحرق عينيها. فاقترب خطوتان منها يطمئنها: "ما تخافيش، جواد قوي هيقدر يتعافى." أبصرت به بأمل اللقاء: "أنا عارفة إنه قوي وهيحارب القدر عشاني." لمح بريق العشق في شمسيها فـتنهد بالأمل: "جواد لو شاف البريق اللي في عيونك أكيد هيحارب الموت عشان يرجعلك وهيـتعافى."

"زي ما هو أكيد شاف البريق دا في عينيا. فأنا كمان قرأت وجعه وحزن قلبه وانكسار ضهره. هو بيحاول يبان قدام الكل قوي ومش همه حاجة؟ بس اللي جواه عكس كدا. وانت عمر ما حد فيكم حس بـ جواد. جواه خراب بياكل في عقله وقلبه. محدش فيكم قادر إنه يشوفه." بالأيام المعدودة التي قضتها معه لمست تلك الأوجاع التي سجنها داخل قلبه لسنوات طويلة. مما جعل "هشام" يناظرها باستفهام وكاد يسألها، لكن قاطعه الطبيب الذي خرج للتو مبتسماً

بقول: "الحمد لله على سلامة المريض." اتسعت ضلوع قفصها الصدري لتعطي مساحة كبيرة لنبضات قلبها المتراقصة بالأمل، تزامناً مع تجفيف عينيها التي اتسعت ببسمة الترحيب بعودته. "الحمد لله، يعني هو كويس، أقدر أشوفه؟ أفادها قائلاً: "لأ حالياً مش مسموح لأنُه محتاج للراحة وكمان هو تحت تأثير البنج ولسه مش هيفوق قبل ثلاث ساعات." "ممكن تطمنا على حالته؟

"المريض كان مصاب بطلقة في كتفه الشمال من الأمام، فوق القلب بخمسة سنتي تقريباً، ولولا ستر ربنا كانت هتصيب القلب، بس واضح إنه كان بيتحرك عشان كدا إصابة الكتف. دا غير إننا لقينا شظايا طلقة في دراعه الشمال برضو، بس حالياً حالته استقرت بعد ما نقلناله كيسين دم لأنه كان نزف كتير جداً، ولولا إن الآنسة اتبرعت له بدمها لا قدر الله كان زمانه ميت. باختصار بسيط دمها كان سبب بعد الله في شفائه."

اتسعت بسمتها بشقاء الأمل ونزف بؤبؤها عنان الوصال فقد باتت دمائها تبحر بعروقه تغزوه بالحياة. وأكمل الطبيب قوله برسمية: "طبعاً حضراتكم عارفين إننا هنعمل محضر عشان دي جريمة قتل؟ "حتى لو عملنا العيال مش هتتجاب لأننا مش فاكرين شكلهم ولا معانا رقم عربيتهم." "مرعى معاه حق، دا غير إننا هنبقى عملنا شوشرة على الفاضي. جواد لسه مبتدئ إدارته لشركة عمنا 'فوزي الهلالي'."

ضيق عينيه مستفهماً: "انتوا عيال أخو فوزي بيه الهلالي دا من أكبر داعمين المستشفى؟ "كويس جداً، وعشان الدعم دا ما ينتهيش اقفل على الموضوع وبلاش شوشرة على الفاضي." سكت لدقيقة يدرس الموقف بعقله ثم اتخذ قراره: "تمام، لكن لازم أسأل فوزي بيه الأول عن رأيه." "اتفضل معايا نتصل بيه." ذهبا سوياً وتركهما بمفردهما. فاستغلت "ريحانه" ذلك الانصراف وهمت باقتحام مقبض حجرتهم لتراه. فأمسك "مرعى" يدها معارضاً

بقلق: "بتعملي إيه لو حد شافك هتبقى مصيبة عشان خاطر جواد باشا، خليكِ واقفة معايا مش عايزين مشاكل." عاطت عينيها بتدفق دموع شوقها تستعطفه بطلب: "أنا هطمن عليه وهخرج بس بسرعة عشان خاطري يا مرعى خليني أشوفه." "أقولك إيه، طب هما دقيقتين وتخرجي قبل ما هشام بيه ما يرجع." شقت البسمة وجهها بامتنان: "حاضر شكراً بجد." فتح لها الباب فدَلفت سريعاً وأغلقت الباب خلفها. ثم استدارت إليه فدب الخوف بقلبها وارتجف جسدها مما تراه.

فكان ممدداً فوق التخت عاري الصدر وعليه لاصقات طبية لقياس النبض، وصدره من ناحية منكبه الأيسر مغطى بالشاش. لم تتوقع أن تراه طريح الفراش لا حول له ولا قوة. فوضعت يدها على فمها تعزل صوت بكائها الصاخب عن مسمعه. وبدأت تقترب منه حتى جلست بجواره على حافة فراشه محاولة السيطرة على انكسارها وبكائها. وأبعدت يدها عن فمها ثم أمسكت بيده بقلب منفطر من الحزن عليه تبوح بما يختبئ بين قضبان صدرها. "جواد، أنا ريحانه، انت سامعني مش كدا؟

أيوه سامعني. انت حتى وانت متعصب مني كنت بتسمعني؟

أنا عايزة أطلب منك طلب. ماتسبنيش أنا ماليش غيرك، انت أماني وأول رفيق ليا في عمري. تعرف من يوم ما شوفتك أول مرة قدام باب البيت بتاعكم حسيت معاك بالراحة، حسيت بخوفك عليا من عيون الناس لما لبستني جاكتك ولبستني الطرحة. لأول مرة في حياتي كنت أحس يعني إيه راجل خايف عليا وعلى جسمي وشرفي من نظرات الناس. ولما سألتني موافقة ليه أتزوجك لمدة شهرين، وافقت عشان حسيتك الفارس بتاعي. اسمك معناه الخيل، حسيتك الخيل بتاعي اللي هياخدني

ويجري بيا لأرض طاهرة نقية، الخيل اللي هيحميني ويحافظ عليا ومهما اشتدت المكايد والنفوس من حولي هيجري بيا لأبعد مكان في الدنيا من غير ما يتعب ولا يمل من حمايتي. مع كل لحظة عشتها معاك كنت بدعي من جوه قلبي وأقول يارب مد في الشهرين خليهم ما يخلصوش أبداً، خليني جنبه أنا مش عايزة اتساع الأرض يا جواد، يكفيني ضيق حضنك. أوسع الأرض مش أماني ولا مكاني، أنا أماني ومكاني جوه حضنك، حتى لو كان حضنك متر واحد بس، وبالنسبة لي هيبقى زي

الجنة وأوسع من أرض. متحرميش مني لأني من غيرك هضيع، وأنا مش عايزة أضيع تاني، أنا صدقت لقيتك."

داعبت بكلماتها النابعة من جوف القلب نبض قلبه وجفون خضرويتيه التي تفتحت لبُره ليبصر بها مثل الحلم. فاتسعت بسمتها وشقت جبال فؤادها فقد أدركت أنه استمع لها حتى وقت غيابه. فاقتربت منه وانحنت عليه تقبل وجنته بقبلة السلام بعودة أمانها. فاستقبل قبلتها جفون انغلقت. فلم تهتم لغيابه فقد علمت أنه سيعود لها من جديد. ولم تكتفِ بـقبلتها فقط، فكانت تريد المزيد من أمانها بجواره.

فمددت جسدها على الفراش الصغير والتصقت بجسده تغفو فوق ذراعه الأيمن، تدفن رأسها بصدره وبيدها اليمنى تحتضن خصره. ذلك العناق بالنسبة لها كان الحياة، ذلك التخت الصغير الذي احتواهما كان بمثابة أرض واسعة تفيض بهما. فقد وجدت السلام بضيق عناقه، ولما لا، فهي لا تريد اتساع الأرض كلها، فقط تسعى لضيق عناقه لمدى الدهر. ولم تمر سوى دقائق معدودة حتى دخل "مرعى" إليها بعدما شعر بغيابها كثيراً. فاتسعت مقلتيه بصدمة مما يراه قائلاً

بقلق: "يا سوادك يا مرعى، دي نامت. أعمل إيه بس يارب؟ أولع في الأوضة بيا وبيهم عشان أخلص من المصايب دي وأقول إيه لهاشام بيه؟ ست ريحانه عجبها السرير فقالت تجربهُ؟ "أمري لله، أنا عارف إن محدش هيشيل الطين في الأيام الجاية دي غيري." جاء ليغادر الحجرة، فلمح ساقيها تكاد تتعرى، فاتجه إليها ممسكاً بذات غطاء جواد وستر جسدها حتى خصرها لكي لا يرى أحد تعريها. ثم اتجه وخرج مغلق الباب عليهما. فأتى "هشام" بعد نصف ساعة متسائلاً

بقلق: "فين مرات جواد؟ بلع لعابه بارتباك: "نايمة نانة جنب جواد باشا، أنا حاولت أحوشها بس هي قوية زي جوزها ومقدرتش عليها." تنهد ببعض الثبات الانفعالي: "نايمة جنبه، طب لما الدكتور يجي يشوفه هنقوله إيه؟ معلش المدام نايمة، ميصحش ندخل عليهما." "أنا ذنبي إيه، ما هي اللي صممت، وبعدين بقا انتوا مش قادرين على الحمار جايين تتشطروا على البردعة؟

قضم على شفاهه بحنق: "انت كمان غلطان وبترد، ماشي يا مرعى، حسابك معايا لما نرجع البيت. المهم أنا رايح أخلص إجراءات المستشفى، ع الله تخلي حد يدخل عليهما وأنا هبلغ الدكتور بالهبل اللي حصل دا." انصرف، فجلس الآخر على المقعد أمام الباب بعبث: "عائلة تجيب الهم، مفيكوش حد عاقل، حتى الحريم طلعت زيكم مجانين ودماغهم أنشف من الجزمه، أنا لازم أقدم استقالتي من العائلة دي، أنا خلاص جالي الضغط والسكر."

مر أربع ساعات على غفوة "ريحانه" على ذراع "جواد" داخل حجرة المشفى. وعند الساعة الـ 3 و 5 دقائق فتح "جواد" جفونه وهو يشعر بألم منكبه المصاب وبثقل يحتل ذراعه الأيسر. فالتفت للجانب الأيسر ورآها تغفو على ذراعه فأدرك سبب هذا الثقل. فعاد ببصره للأمام ينظر في الأرجاء وعقله بدأ يتذكر تلك المقتطفات التي سجلتها الذاكرة. تذكر إطلاق النار عليه وركضها إليه لتسعفه ومكوثها بجواره وتلك الكلمات التي باحت بها أثناء غفوته.

كان يتذكر كل شيء مثل الحلم، فأدرك أنهما بالمستشفى، مما جعله يستدير لها ليوقظها ببحة هادئة. "ريحانه، اصحي يا ريحانه، فوقي." هاتفها مع تحريك ذراعه أسفل رأسها، مما ساعد على إيقاظها بوعي مليء بالسعادة عندما رأته عاد إليها من جديد. وهمت جالسة بجواره تداعب شعره بأنامــلها: "ألف حمد وشكر ليك يارب، انت كويس؟ حاسس بحاجة وجعاك، طمني عليك."

رأى الخوف بمقلتيها عليه وتذكرت أذنيه تلك الكلمات التي باحت بها أثناء غفوته، فأدرك أنها تسعى لعشقه. ورغم راحة قلبه لتلك الاعترافات إلا أنه كان يرفض الشعور بها أو إعطائها أملاً لذلك العشق الذي يرفضه. فـدعى الجمود في بصره والتفت للجهة المعاكسة عنها هاتفاً بجفاء: "ابعدي عني عشان دراعي وجعني." نهضت من جواره بقلق عليه: "أنا آسفة والله ما كان قصدي أوجعك، طب طمني عليك حاسس بإيه دلوقتي؟

حاول كسر بذرة أملها بقوله القاسي المصطحب بنظرة باردة لعينيها: "طول ما انتِ بعيدة عني أنا بخير." ذبحت قلبها بخنجر جملته، فنزفت الدموع بعضها لمجرى مقلتيها وباحت بصوتاً ملوث ببحة البكاء: "للأسف عمرك ما هتبقى بخير لأن دمى بيجري جواك. أنا اتبرعت لك بدمي يا جواد، أنا دلوقتي بجري جوه عروقك، فا للأسف هتفضل طول عمرك تعبان." اتسعت مقلتيه بعد اعترافها فقد أصبحت تغزوه، أصبحت من أسباب بقائه على قيد الحياة.

أما هي فاستدارت لتذهب، فرآها على وشك الخروج بشعرها العاري بدون حجاب، فقال باستفسار جاف: "استني عندك، فين طرحتك؟ تنهدت بنفس الجفاء: "وقعت مني مكان ما انضربت بالنار." تجحظت عيناه بحنق: "أيوه، أيوه، يعني السنيورة ماشية قدام أمة لا إله إلا الله بشعرها؟ هتفت بجدية: "أنا مكنتش مركزة، انت كنت بتنزف قدامنا ومن خوفي عليك مفكرتش في الطرحة يا جواد." باح بزمجرة: "ما أموت ولا أتحرق، يعني إيه تمشي بشعرك كده والكل يشوفك."

اختنقت من بحته الصاخبة، فاقتربت منه بزمجرة متبادلة: "انت بتزعق كده ليه؟ وبعدين هو إيه اللي ما أموت ولا أتحرق، ما تخلي بالك من كلامك شوية، لو انت مش خايف على نفسك فـ أنا بقى خايفة عليك." لم يهتم بكل ما قيل وبادلها الحديث بذات البحة: "صوتك يوطى وانتِ بتكلميني عشان مقومش أكسر الأوضة على دماغك." عاندته بضيق: "وريني بقا كده هتكسرها إزاي؟

صق على أسنانه بحنق: "لمي دور الشجاعة دا عشان أنا مبهددش، أنا لو قمت هطلع عين أهلك، بلاش تبقي غلطانة وكمان بتقاوحى." تنهدت ببعض الثبات الانفعالي: "أنا مش غلطانة، انت اللي متعصب على الفاضي. حصل إيه يعني لما مشيت بشعري؟ ما أنا طول عمري مش محجبة." تحامل على جسده وجلس على التخت ممسكاً بمنكبه الذي بات يؤلمه، لكنه أكمل شدته

معها بخشونة صوتية وبصرية: "كنتِ بشعرك قبل ما تبقي مراتي، إنما من يوم ما بقيتي مراتي شعرك بقى محرم على نظر أي راجل غيري خلقه ربنا. لو لمحتك بعد كده شعراية واحدة منك باينة هخلي عيشة أهلك معايا سودة." "ريحانه" بعناد: "ودا ليه بقى إن شاء الله؟ متنساش إننا هنطلق كمان شهرين يا حضرة الظابط، مش دا كلامك؟ قضم على شفته السفلية باختناق ثم قال: "بالله يا ريحانه لو سمعتك بتجيبي سيرة الطلاق على لسانك تاني مش هرحمك."

نفرت بضيق: "مش فاهمة إيه جو التهديد دا، هو انت مفكر نفسك بتكلم واحدة مسجونة عندك؟ هتف بخشونة: "لأ، مبكلمش مسجونة، أنا بكلم مراتي اللي المفروض تسمع كلامي وتبطل رد ومقاوحة وتقدر سبب انفعالي." بتلك اللحظة المشتعلة بالمواجهة، اقتحم "مرعى" عليهما الحجرة وبحوزته حجاب وأسرع إلى "ريحانه" عازلاً بصره عنها وألقاه عليها قائلاً بقلق: "بلاش خناق في المستشفى، في عيانين الناس كلها، شوية وهتطردنا من هنا يا باشا."

"انت إزاي تدخل علينا كدا من غير ما تخبط؟ "هو أنا دخلت عليكوا أوضة النوم؟ دا إحنا في مستشفى، وبعدين الحق عليا أنا سمعت خناقكم على الطرحة فجريت استلفت طرحة من ست كبيرة خلاص بتطلع في الروح في الطوارئ وقولت أجيبها للست ريحانه تلبسها عشان تبطلوا خناق." نظر لـ "ريحانه" التي غطت شعرها بالحجاب وهتف بضيق: "غطي شعرك حلو واقعدي على جنب، حسابك معايا بعدين على صوتنا اللي طلع بسببك."

بادلته الحديث بعناد: "أنا ما عملتش حاجة، انت اللي غلطان عملت مشكلة على حتة طرحة." تجحظت عيناه بحنق: "انتِ هتردي تاني يا بنتي، لمي الدور، متخلنيش أقوملك." "بالله لو قمتلك محد هيقدر يحوشك من إيدي، اخزي الشيطان عشان أنا ماسك نفسي بالعافية." كادت تجيب عليه، لكن "مرعى" أسرع قائلاً لها: "يا ست البنات لمي الدور، الباشا وهو متعصب ما بيعرفش أبوه." "انت مش شايفه بيتكلم إزاي؟

"هو بيتكلم كدا عشان غيران عليكِ، اسأليني أنا. هو غيران عليكِ عشان الناس شافت شعرك." اتسعت مقلتيه "جواد" بربكة، حاول إخفائها مدعي الجمود، خصيصاً عندما لمح بريق استحسانها للأمر: "انت بتقول إيه؟ غيرة إيه وهبل إيه؟ اخرس خالص." "الحق عليا عشان بصلح بينكم، صحيح ما ينوب المخلص غير تقطيع هدومه." "أنا هخرج أقعد بره عشان خلاص جبت آخرى." "و الله عال، وكمان بقالك آخري، إحنا تطورنا خالص يا ست ريحانه." تنهدت بيأس وذهبت للخارج.

فنظر "مرعى" إليه يعاتبه باستياء: "ملكش حق يا باشا، دي كانت خايفة عليك أوي، دي هي اللي صممت إننا نرجعلك عشان ناخدك للمستشفى وهي اللي اتبرعت لك بالدم، دا غير عياطها عليك وخوفها." تنهد بجفاء: "اخرج وابعتلي الدكتور." تنهد بملل: "ماشي، اللي تأمر بيه." ذهب "مرعى" وبعد دقائق أتاه الطبيب برفقة "هشام" وبدأ بفحصه.

وبعد انتهاء الفحص تبسم قائلاً: "الحمد لله كدا كل حاجة تمام جداً، هتقعد معانا يومين عشان نطمن أكتر عليك وبعد كدا تقدر تخرج." رفض حديث الطبيب بجفاء: "أنا هخرج النهارده." "إزاي يعني بقولك انت محتاج راحة." "أنا عارف راحتي فين، وأنا المسؤول عن حالتي." "إحنا مش هنجبرك على القعاد هنا بالعافية، لكن لو خرجت وجرالك أي حاجة إحنا مش مسؤولين." خرج الطبيب وتركه ينهض ليرتدي ملابسه بمساعدة "هشام".

أما بالخارج فكانت تجلس "ريحانه" وعلى المقعد المقابل لها يجلس "مرعى" الذي يرى حزنها على ملامحها العابثة، فحاول إخراجها من هذا الأمر قائلاً ببسمة: "فُكّي بقى يا ست البنات، والله الباشا مفيش أبيض من قلبه. هو بس اتعصب عشان غيران عليكِ. انتِ متعرفيش الباشا دمه حامي إزاي." تبسمت بيأس: "بيغير، لاء، ما هو واضح، دا مش طايقني، مش فاهمة ليه؟

"لأ، هو بس مبيعرفش يبين أحاسيسه، أنا عارفه كويس. طب تعرفي هو لو مش بيحبك وبيغير عليكِ مكنش اتخانق معاكِ على الطرحة وهو في الحالة دي." ضيقت عينيها باستياء: "لو فعلاً زي ما بتقولي كدا كان قدر خوفي عليه شوية، دا حتى مقليش كلمة حلوة. أول ما فتح وشافني نزل فيا تجريح." تبسم بتصحيح: "هو الباشا كدا. لما بيحس إنه هيتغلب بيقلب الطربيزة عشان يخبئ اللي في قلبه." تنهدت بيأس: "براحته بقى." بتلك اللحظة خرج من الغرفة برفقة "هشام"

ونظرا لها بأمر جاد: "قومي هنمشي من هنا." نهضت وهمت بالذهاب برفقتهم جميعاً للعودة إلى القصر. بعد ساعتين، كان يجلس "جواد" في حجرة نومه وحوله يلتفون جميع أفراد العائلة، بعدما أخبرهم "مرعى" بما حدث. "انت لازم تبلغ عشان تجيب المجرمين دول عشان ياخدوا جزائهم." "كل حاجة بأوانها." أضاف "مرعى" بجدية: "حتى لو بلغنا إحنا مش فاكرين شكلهم ولا معانا رقم عربيتهم." "اتكوا على الصبر شوية، إحنا منسبش حقنا."

بتلك اللحظة دخلت "غوايش" بعدما أخبرتها "نعناعة" بما حدث. فدخلت والرهبة تحتل كيانها فقد علمت أنهم أصابوا الشخص الخاطئ. وفور دخولها نظرت إليه بقلق: "ألف سلامة عليك يا سي جواد، منهم لله البُعده متعرفش هما مين وليه عملوا فيك كدا؟ مال رأسه للجانب الأيمن ببسمة عابرة يكسوها التوعد: "لأ معرفش، بس محدش بيفلت بعملته، دا أنا جواد اللي كنت مشيب الصعيد، ولا نسيتى؟ تلبكت قائلة: "طبعاً، هو انت في حد زيك، ربنا يكملك بعقلك."

نظرت "نسمة" بتساؤل: "ريحانه، تعالي معايا أنضفلك جرح راسك عشان ما يتلوثش." أومأت بالموافقة وذهبت برفقتها. أما "معالى" فقالت باستياء باكية: "قدامها شؤم عليك من يوم ما اتجوزتها مشوفتش يوم حلو يا ضنايا." اختنق من حديثها الماس لزوجته وقاله برسمية: "بلاش تتكلمي عنها كدا، هي مالهاش ذنب في حاجة، كل حاجة حصلتلي أنا السبب فيها يا مرات عمي." "حرام عليك يا معالى، البنت ملهاش ذنب، دا قدر وكل حاجة بتحصل بأمر من ربنا."

نهضت من جواره بغتياظ: "لأ النسوان قدام ودي قدامها شؤم علينا كلنا، طلقها يا جواد عشان نخلص من نحسها ووشها الشؤم." رمقها برسمية بحتة: "دي حاجة تخصني أنا لوحدي، قدامها نحس بقا أو شؤم، أنا راضي بيها ومش هسمح لحد إنه يقلل منها. ريحانه مراتي وكرامتها من كرامتي، واللي هيمسها بكلمة هيمسني قبلها." عاتبته بحدة: "انت بتقول لي أنا الكلام دا يا جواد؟ كل دا عشان خاطر تربية الغازية؟

"مرات عمي، الحد هنا وكفاية، مراتي مش تربية غازيه، ريحانه أشرف من بنات اتربوا في بيوت العمد، ومش هسمح لحد إنه يمس شرفها حتى لو بكلمة." داعب مخزون غضبها كثيراً، ففلت لجام لسانه بقولها الحاد: "ولما هي شريفة أوي كدا، ما تثبت لنا يا سيد الرجالة؟ ادخل عليها وخللينا كلنا نشوف شرفها عشان نتأكد إذا كانت متربية ولا زيها زي غوايش. بالله كلمة زيادة عنها ومش هعمل حساب لصلة الرحم اللي بينا."

هكذا هتف بصوت يشبه زئير الذئاب، ببؤبؤ أسود من هول غضبه مما تفوهت به أمام الجميع، وأكمل قائلاً: "هشام، خد أمك من هنا." "ماشي، بس اهدأ، هي متقصدش حاجة." "اهدأ يا حبيبي، مرات عمك متقصدش، وبعدين مراتك باين إنها متربية وعندها أخلاق، إحنا متأكدين من كدا." "مش عايز حد معايا، ياريت كلكم تخرجوا بره."

نفذوا الطلب باحترام وغادره تاركينهُ يجلس برفقة "فارس" الذي نهض وأغلق الباب خلفه، ثم عاده إليه وجلس على حافة الفراش بجواره قائلاً بهدوء: "متزعلش، أنت عارف مرات عمك وقت عصبيتها مبتبقاش عارفة هي بتقول إيه." أومأه باستماع عكس تلك البراكين المتدفقة داخله، ثم أكمل أخاه القول: "مش مهم الناس شايفة مراتك إيه، المهم أنت شايفها إزاي يا جواد." نظر لأخيه بقساوة قلب شدها العقل: "مش عايزها." قطب جبهته باستفسار: "ايه السبب؟

تنهدا لإخماد مشاعره وعاود الحديث بذات الجفاء: "من غير سبب، أنا مش عايزها وخلاص." "مفيش حاجة اسمها كدا، أنت بتقاوح، قول بقا إنك خايف تسيب نفسك وقلبك ليها لأحسن تحبها وتعيد موضوع رحاب تاني." هتف بجفاء: "رحاب حدفتها من قلبي من يوم ما شفت ريحانه." تبسم "فارس" باستحسان: "طب كويس، معنا كلامك إنك حبيت ريحانه من أول ما شفتها. طب ليه بتنكر؟ كبلا مشاعره بسلاسل الحرمان وهتف بتجاهل: "حبيتها مرة واحدة، مش للدرجادي يا ابن رضوان."

"طب ليه رافض إنك تحبها؟ "عشان محرمها على قلبي." "ليه محرمها، الحب مش حرام." "فعلاً مش حرام، بس لما يبقى مع الشخص الصح، وأنا مش مناسب ليها." "أزي يعني مش مناسب؟

تنهدا بإخراج خزائن قلبه: "أنا واحد عندي علاقات ونزوات كفيلة بحرقي ليوم الدنيا، عارف إني ملعون ومن مرتكبين الذنوب ومتاكد إني مش هقدر أتوب أو أرجع عن طريق الشيطان اللي مشيت فيه. أما هي طاهرة ونقية، فقلبها عليه متحرم، وأنا مش هقبل لنفسي إني أكون السبب في وسختها أو جعلها ترتكب ذنوب زيه. حتى كلام ربنا قالها: 'العفيفة مينفعش تبقى غير معا واحد عفيف زيها، وأنا مش عفيف يا فارس، ربنا حرمنا على بعض."

أدرك أخيه سبب هذا البعد الذي يدرسه، فـقترب منه يعانقه ليخفف عنه هذا الكم من الألم: "أنت مش بشع زي ما شايف نفسك، كلنا بنغلط وبنرتكب ذنوب، مفيش حد معصوم، بس في ناس بتفوق من عصيانها وبترجع لربنا وبتكفر عن ذنوبهم، وربنا رحمته واسعة وقادر على تقبل توبتك. بلاش تقسي على نفسك يا خويا، ادي لنفسك فرصة، بلاش تقول لنفسك إن قلبها عليك محرم، قول هسعى وهجاهد نفسي والشيطان وهتوب عشان يبقى قلبها ليك حلال."

لم يجبه، فقد ظل صامتاً يستمع لعزف لحن حزن قلبه على ما يفعله بحاله وبها. ظل داخل عناق أخيه ينزف جروح الماضي مثل الفيضان لـ يتجرد من تلك الصراعات التي عانقته لشهور وسنوات. مرت الساعات، وخلالها ظلت "ريحانه" جالسة في حديقة القصر على جذع شجرة عتيقة قد سقطت في الصباح. كانت تجلس بمفردها بحزن يغمرها، فقد سمعت كل ما قالته "معالى" عنها، فقد كانت قريبة من باب الحجرة عندما بدأت بتجريح شرفها بالحديث.

لذلك ركضت هاربة للحديقة تجلس بمفردها مع أحزانها حتى آتى الليل. ودقة الساعة العاشرة مساءً. "بتعملي إيه هنا لوحدك؟ بقالي شوية بدور عليكي." رفعت عينيها فرأته يقف أمامها بذراعه المصاب، فتنهدت بحزن خيم عليها، وخفضت بصرها بقول: "قاعدة بشم هواه شوية." تنهد بجفاء وجلس بجوارها على الشجرة متحدثاً: "بتشمي هواه هنا؟ دا على أساس إن الأوض مفيهاش هواه؟ "فيها بس هواه بيوجع القلب." أدرك أنها ما زالت غاضبة من شجاره معها في الصباح.

فتحمحم برسمية: "مكنش قصدي أزعلك في المستشفى، أنتِ اللي نرفزتيني." "عادي مش زعلانة." هتفت بيأس، فـقال بجدية: "لأ ما هو باين إنه عادي. جواد، هو أنا بجد وحشة قوي كدا زي ما مرات عمك ما شايفاني؟ نظرا لها بشك قائلاً: "انتِ سمعتي اللي قالته؟ كبتت دموعها ببسمة اعتياد: "أيوه، بس عادي يعني، هي معاها حق." "معاها حق في إيه؟ هي متعرفكيش عشان تقول عنك حاجة وحشة. انسي كلامها يا ريحانه، ما تهتميش لكلام حد."

تنهدت ببسمة اعتزاز: "شكراً على دفاعك عني، أنا سمعت اللي قولته عني." تلعثم وفرك عنقه بتجاهل، فـتبسمت باستحسان: "جواد، هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟ نظر لها بترحيب رأسي: "اطلبي." "قولي شعر." قطب جبهته بجفاء: "نعم شعر؟ إيه أنا مليش في جو العيال والسهوكة دي، قومي خلينا نطلع ننام." أصرت بتمني: "عشان خاطري، لو ليا غلاوة في قلبك، قول لي أي شعر، نفسي أسمع حاجة منك في الجو دا عشان تبقى ذكرى ما بينا حتى لو الكلام من ورا قلبك."

أبصر بعينيها المنصهرة مثل الكواكب الحالمة بشهاب السماء، فـرفع أنامله يلمس وجنتها بقوله الآسر لكيانها الذي استحضره من أحد الأغاني المنتشرة. "على شفايفك سيل عسل نقط، لون عيونك جه وقضى عليا، ماهو طبيعي لو الشجر سقط عالخد تفاح دي جاذبية، روحي ليك انت طايرة بترفرف، نفسي تعرفي إيه الغلاوة ديا، في حاجة بينا حلوة بتريح، في المقابلة باينة اهي عليا، عايز أفسر تاني وأوضحه، انتي عاملة لي حالة مزاجية."

تبسمت برفضاً: "دي أغنية عمرو دياب، أنا عايزة كلام منك أنت، كلام من جواك، تبقى أنت اللي قايله حتى لو كلام بسيط." أحضرت عنان قلبه وأقلام أوتاره لـ تتدفق النبضات لفمه لـ تعززه بكلمات نابعة من جوف قلبه. "جوه عيونك بنساه أنا نفسي، بتمنى إنك تكوني ليا، لما بشوفك قلبي بيعزف لحن قربك مني، آه لو تعرفي عاملة إيه فيا، وانتِ بعيدة عن عنيا، بحس الدنيا تاهت بيا، ومبلاقيش نفسي غير وأنا شايفك، مش عارف إيه اللي جراه ليا."

كلمات أصابت القلب بصدق حروفها المنبعثة من كنوز قلب رجل حرمها عليه. كلمات كـ المهد لكيانها، فـرأى الشوق بؤبؤ شمسيها له. فـخضع القلب لـبراثين الشوق، ولمس بأنامله وجنتها الناعمة، فاغمضت عينيها باستحسان لـلمسه عليها. فلم يستطع مضاهات تلك اللحظة الفائقة بجمال القمر بالسماء، فاراده أن يتذوق حلاوة القمر الجالسة أمامه. واقترب بشفاهه منها على وشك منح نفسه فرصة معها. لكن سمع صوتاً يدرك جيداً جعله يبتعد عنها باختناق.

ناظراً "لـ نهى" التي باحت بضيق: "واضح كدا إني جيت في وقت غلط، طب مش أوله تشوف مراتك اللي سبتها وجت على هنا؟ طب حتى لو مش عشان خاطري، فعشان خاطر ابنك اللي جوايا، أنا حامل يا جواد."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...